← Акыда

Акыда · id 11292

قطف الجني الداني شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني

عبد المحسن العباد

Полный текст (188 стр.). Показаны 176–188 · переход к 181.

стр. 176

المؤمنين؟ قالوا: أربعاً، فصلّى أربعاً، قال: فقلنا: ألم تُحدِّثْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلّى ركعتين، وأبا بكر صلّى ركعتين، فقال: بلى! وأنا أُحدِّثكموها الآن، ولكنَّ عثمان كان إماماً فما أخالفه، والخلافُ شرٌّ". وهو عند أبي داود (١٩٦٠) ، ورواه البيهقي مِن طريقه (٣/١٤٣) ، وفي إسناده مَن أُبهم، وعند البيهقي من طريقٍ أخرى فيها مَن أُبهم، وفيها: "قال: إنِّي أكرهُ الخلافَ". وإتمامُ الصلاة في السّفر خلافُ الأَوْلى، قد فعله ابنُ مسعود تركاً لمخالفة عثمان. وفي صحيح البخاري (٩٥٦) ومسلم (٨٨٩) في قصَّة بَدْء مرْوان بالخُطبة يومَ العيد قبل الصلاة، وإنكارِ أبي سعيد الخدري عليه ذلك، ذكر الحافظ في الفتح (٢/٤٥٠) مِن فوائد الحديث: "جوازُ عمل العالم بخلاف الأَوْلى إذا لم يوافقْه الحاكمُ على الأَوْلى؛ لأنَّ أبا سعيد حضر الخطبةَ ولم ينصرفْ، فيُستدلُّ به على أنَّ البداءة بالصلاة فيها ليس بشرطٍ في صحَّتِها، والله أعلم". وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/١١٧) : "وأمَّا السمعُ والطاعةُ لوُلاة أمور المسلمين، ففيها سعادةُ الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشِهم، وبها يستعينون على إظهار طاعة ربِّهم". ٥ مِن النُّصح للوُلاة الدعاءُ لهم وعدمُ الدعاء عليهم، وهي طريقةُ أهل السنَّة والجماعة، قال شيخُ الإسلام ابن تيمية في السياسة الشرعيَّة (ص١٢٩) : "ولهذا كان السَّلَفُ كالفُضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوةٌ مجابةٌ لدعونا بها للسلطان". وقال الشيخ أبو محمد الحسن البربهاري في كتابه شرح السنَّة (ص١١٦) : "وإذا رأيتَ الرَّجلَ يدعو على السلطان فاعلم أنَّه صاحبُ هوى، وإذا

стр. 177

رأيتَ الرَّجلَ يدعو للسلطان بالصّلاح فاعلم أنَّه صاحبُ سنَّةٍ إن شاء الله، يقول فضيل بن عياض: لو كانت لي دعوةٌ ما جعلتُها إلاَّ في السلطان". ثمَّ أسند إلى فضيل قولَه: "لو أنَّ لي دعوةً مستجابةً ما جعلتُها إلاَّ في السلطان، قيل له: يا أبا عليّ! فسِّرْ لنا هذا، قال: إذا جعلتُها في نفسي لم تعْدُنِي، وإذا جعلتُها في السلطان صلح، فصلح بصلاحه العبادُ والبلاد، فأُمرنا أن ندعوَ لهم بالصَّلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن ظلموا وإن جاروا؛ لأنَّ ظلمَهم وجورَهم على أنفسهم، وصلاحَهم لأنفسهم وللمسلمين". وقال الطحاوي في عقيدة أهل السنَّة والجماعة: "ولا نرى الخروجَ على أئمَّتِنا ووُلاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا نَنْزِعُ يداً مِن طاعتهم، ونرى طاعتَهم مِن طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصيةٍ، وندعو لهم بالصّلاح والمعافاة". العقيدة مع شرحها لابن أبي العزّ (ص٥٤٠) . وقال الشيخ أبو إسماعيل الصابوني في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص٩٢ ٩٣) : "ويرى أصحاب الحديث الجمعةَ والعيدين وغيرهما مِن الصلوات خلف كلِّ إمامٍ مسلمٍ، برًّا كان أو فاجرًا، ويرون جهادَ الكفرة معهم وإن كانوا جوَرَةً فجَرةً، ويرون الدعاءَ لهم بالإصلاح والتوفيق والصّلاح وبسط العدل في الرَّعيَّة". ٦ إذا حصل مِن وُلاة الأمر فسقٌ أو جَورٌ فلا يجوز الخروجُ عليهم؛ لأنَّه يترتَّب على الخروج عليهم مِنَ الفوضى والفساد أضعاف ما يحصل مِن الجور، ولا يجوز الخروجُ عليهم إلاَّ إذا حصل منهم كفرٌ واضحٌ بيِّنٌ، وقد دلَّ على ذلك سنَّةُ رسولِ الله ﷺ وعملُ السلف الصالح، ومِن ذلك ما

стр. 178

رواه البخاري (٧٠٥٥) ومسلم (١٧٠٩) عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعَنا رسول الله ﷺ على السَّمع والطَّاعة في مَنشَطِنا ومَكرَهِنا وعُسرِنا ويُسرِنا، وأثرَةٍ علينا، وأن لا نُنازع الأمرَ أهلَه، إلاَّ أن ترَوا كفراً بَواحاً عندكم مِن الله فيه بُرْهانٌ". وروى مسلم في صحيحه (١٨٥٥) عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "خيارُ أئمَّتكم الذين تحبُّونهم ويحبّونكم، وتُصلُّون عليهم ويُصلُّون عليكم، وشِرارُ أئمَّتكم الذين تُبغضونهم ويُبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قالوا: قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذُهم عند ذلك؟ قال: لا! ما أقاموا فيكم الصلاةَ، لا! ما أقاموا فيكم الصلاةَ، ألا مَن وليَ عليه والٍ، فرآه يأتِي شيئاً مِن معصيةٍ، فليكره ما يأتِي مِن معصية الله، ولا ينزعنَّ يداً مِن طاعةٍ". وروى مسلم (١٨٥٤) عن أمّ سلمة ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّه يُستعمل عليكم أُمراءُ، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئَ، ومَن أنكر فقد سلِم، ولكن مَن رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله! ألا نقاتلُهم؟ قال: لا! ما صلّوا". وروى البخاري (٧٠٥٤) ومسلم (١٨٤٩) عن ابن عباس ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "مَن رأى مِن أميره شيئاً يكرهُه فليصبر عليه؛ فإنَّه مَن فارق الجماعةَ شبرًا فمات إلاَّ مات مِيتةً جاهليّة". قال الحافظ في شرحه (١٣/٧) : "قال ابن أبي جمرة: المرادُ بالمفارقة السعيُ في حلّ عقد البيعة التي حصلتْ لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنَّى عنها بمقدار الشِّبر؛ لأنَّ الأخذَ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حقٍّ".

стр. 179

وقال الإمام أحمد في اعتقاده كما في السنَّة للالكائي (١/١٦١) : "ولا يحلُّ قتالُ السلطان ولا الخروجُ عليه لأحدٍ مِن النَّاس، فمن فعل ذلك فهو مبتدعٌ على غير السنَّة والطريق". ومرَّ قريباً قولُ الطحاوي: "ولا نرى الخروجَ على أئمَّتِنا ووُلاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا نَنْزِعُ يداً مِن طاعتهم، ونرى طاعتَهم مِن طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصيةٍ، وندعو لهم بالصّلاح والمعافاة". وقال الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص٩٣) : "ولا يرون الخروجَ عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدولَ عن العدل إلى الجور والحيف". ومِن قواعد الشريعة ارتكابُ أخفِّ الضررين في سبيل التخلُّص مِن أشدِّهما، قال ابنُ القيّم في كتاب إعلامُ الموقِّعين (٣/١٥) : "إنَّ النَّبيَّ ﷺ شرع لأمَّته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره مِن المعروف ما يحبُّه اللهُ ورسولُه، فإذا كان إنكارُ المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنَّه لا يسوغ إنكارُه، وإن كان اللهُ يُبغضُه ويمقتُ أهلَه، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنَّه أساسُ كلِّ شرٍّ وفتنةٍ إلى آخر الدهر". وما أحسنَ وأجملَ قولَ عبد الله بن مسعود ﵁: "تكون أمورٌ مشتبهاتٌ، فعليكم بالتؤدة؛ فإنَّ أحدَكم أن يكون تابعاً في الخير خيرٌ مِن أن يكون رأساً في الشرِّ" رواه البيهقي في الشعب (٧/٢٩٧) .

стр. 180

٢٨ قوله: "واتِّباعُ السلف الصّالح واقتفاءُ آثارهم والاستغفارُ لهم". الخيرُ كلُّ الخير والسعادةُ كلُّ السعادة في اتِّباع ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام ومَن تبعهم بإحسان، وقد أخبر النَّبِيُّ ﷺ عن افتراق هذه الأمَّة إلى ثلاثٍ وسبعين فِرقةٍ، كلُّها في النَّار إلاَّ واحدة، قيل: مَن هي يا رسول الله؟ قال: "هي الجماعة"، وقد مرَّ ذلك، ومرَّ أيضاً قولُ النَّبِيِّ ﷺ في حديث العرباض بن سارية: ". . . فإنَّه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء المهديين الراشدين، تَمسَّكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة". ومرَّ أيضاً قولُ مالكٍ ﵀: "لن يصلُح آخرُ هذه الأمَّة إلاَّ بما صلح به أوَّلُها". وقال الإمام أحمد في أوّل اعتقاده كما في السنَّة للالكائي (١/١٥٦) : "أصولُ السنَّة عندنا التمسُّكُ بما كان عليه أصحابُ رسول الله ﷺ والاقتداءُ بهم، وتركُ البدع، وكلُّ بدعةٍ فهي ضلالةٌ، وتركُ الخصومات والجلوسِ مع أصحاب الأهواء، وتركُ المراء والجدال والخصومات في الدِّين". وقد أثنى اللهُ على مَن جاء بعد المهاجرين والأنصار، مستغفراً لهم سائلاً اللهَ ألاَّ يجعل في قلبه غِلاًّ للمؤمنين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . قالت عائشة ﵂ فيمَن نال مِن بعض الصحابة: "أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النَّبِيِّ ﷺ فسبُّوهم" أخرجه مسلم (٣٠٢٢) .

стр. 181

وقال الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ . وقال عبد الله بن مسعود ﵁ كما في جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/٩٧) : "مَن كان منكم متأسِّياً فليتأسَّ بأصحاب محمد ﷺ ؛ فإنَّهم كانوا أبرَّ هذه الأمَّة قلوباً، وأعمقَها علماً، وأقلَّها تكلُّفاً، وأقومَها هدياً، وأحسنَها حالاً، قوماً اختارهم الله تعالى لصحبة نبيِّه ﷺ ، فاعرفوا لهم فضلَهم، واتَّبعوهم في آثارهم؛ فإنَّهم كانوا على الهدي المستقيم". وقال أيضاً كما في سنن الدارمي (٢١١) : "اتَّبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كُفيتم". وفي سنن الدارمي أيضاً (١٤١) عن عثمان بن حاضر، قال: "دخلتُ على ابن عباس، فقلت: أَوْصني، فقال: نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتَّبع ولا تبتدع! ". وفيه أيضاً (١٤٢) عن ابن سيرين قال: "كانوا يرون أنَّه على الطريق ما كان على الأثر". وفيه أيضاً (١٤٤) عن ابن مسعود ﵁ قال: "تعلَّموا العلمَ قبل أن يُقبض، وقبضُه أن يذهب أهلُه، ألا وإيّاكم والتَّنطُّع والتَّعمُّق والبدع، وعليكم بالعتيق". والمراد بالعتيق ما دلَّ عليه دليلٌ، وكان عليه السلف، ولم يكن محدَثاً. وفي كتاب السنَّة لمحمد بن نصر المروزي (٨٠) أنَّ عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إنَّكم اليوم على الفطرة، وإنَّكم ستحدثون ويُحدث لكم، فإذا رأيتم محدَثةً فعليكم بالهَدي الأوَّل".

стр. 182

وفيه أيضاً (٨٧) أنَّ حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "يا معشر القرّاء! اسلكوا الطريق؛ فوالله! لئن سلكتموه لقد سبقتم سبقاً بيِّناً، وإن أخذتم يميناً وشِمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً". وفيه أيضاً (١٠٠) عن أبي الدرداء قال: "اقتصادٌ في سنّة خيرٌ مِن اجتهادٍ في بدعةٍ، إنَّك إنْ تتَّبعْ خيرٌ مِن أنْ تبتدع، ولن تخطئَ الطريقَ ما اتَّبعْتَ الأثرَ". وفيه أيضاً (٩٤) : "أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى النَّاس أنَّه لا رَأْيَ لأحدٍ مع سنَّةٍ سنَّها رسول الله ﷺ ". وفيه (١١٠) عن عروة بن الزبير أنَّه قال: "السنن! السنن! فإنَّ السننَ قوامُ الدِّين". ولقد أحسن مَن قال: دِينُ النَّبِيِّ محمَّد أخبارُ ... نِعم المطيَّةُ للفتَى آثارُ لا ترْغبنَّ عن الحديث وأهله ... فالرَّأْيُ ليلٌ والحديثُ نَهَارُ ولرُبَّما جهل الفَتَى أثرَ الهُدى ... والشَّمسُ بازغةٌ لَها أنوارُ وقال آخر وأحسن فيما قال: الفقهُ في الدِّين بالآثار مقترنٌ ... فاشغل زمانك في فقهٍ وفي أثرِ فالشغلُ بالفقه والآثار مرتفعٌ ... بقاصد الله فوق الشَّمس والقمرِ

стр. 183

٢٩ قوله: "وتركُ المراء والجدال في الدِّين". طريقةُ أهل السنَّة والجماعة اتِّباعُ الكتاب والسنَّة، والاستسلامُ والانقيادُ لنصوصهما، بخلاف غيرهم مِمَّن يعوِّل على العقول، ويتَّهم النُّقولَ، ويجادل بالباطل ليدحض به الحقَّ. وقد جاءت الأدلَّةُ من الكتاب والسنَّة في التحذير مِن ذلك، قال الله : ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ، وقال: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ ، وقال: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ ،، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ ، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ . وروى البخاري (٢٤٥٧) ومسلم (٢٦٦٨) عن عائشة ﵂ عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "إنَّ أبغضَ الرِّجال إلى الله الألدُّ الخَصِم". قال الحافظ في شرحه (٨/١٨٨) : "أي الشديد اللّدد الكثيرُ الخصومة". وذكر في (١٣/١٨١) أنَّ المرادَ به الكافر أو مَن خاصم بباطل مِن المسلمين. وقال ﷺ : "ما ضلَّ قومٌ بعد هدى كانوا عليه إلاَّ أوتوا الجدلَ، ثمَّ تلا رسولُ الله ﷺ هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ " رواه الترمذي (٣٢٥٣) ، وقال: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ". وروى مسلم في صحيحه (٢٦٦٦) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "هجَّرتُ إلى رسول الله ﷺ يوماً، قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله يُعرف في وجهه

стр. 184

الغضبُ، فقال: إنَّما هلك مَن كان قبلكم باختلافهم في الكتاب". وروى ابن ماجه (٢٥٤) عن جابر بن عبد الله أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لا تعلَّموا العلمَ لتباهوا به العلماء، ولا لتُماروا به السفهاء، ولا تخيَّروا به المجالس، فمَن فعل ذلك فالنَّار النَّار". قال ابن أبي العزّ الحنفي في شرح قول الطحاوي (ص٤٢٧) : "ولا نُماري في دين الله"، قال: "معناه لا نخاصمُ أهلَ الحقّ بإلقاءِ شبُهات أهلِ الأهواء عليهم؛ الْتماساً لامترائهم ومَيْلِهم؛ لأنَّه في معنى الدعاءِ إلى الباطل وتلبيسِ الحقّ وإفسادِ دين الإسلام". ومِن طريقة أهل الزَيغ والضلال الجدالُ بالباطل واتِّباعُ ما تشابه مِن القرآن، بخلاف طريقةِ أهلِ الحقّ، الذين يؤمنون بالمُحكَم والمتشابه ويردُّون المتشابه إلى المُحكَم، قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ . وروى البخاري (٤٥٤٧) ومسلم (٢٦٦٥) عن عائشة أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تلا قولَه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية، فقال: "إذا رأيتم الذين يتَّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى اللهُ، فاحذَرُوهم". وفي سنن الدارمي (٤٠٦) عن أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر قال: "لا تُجالسوا أصحابَ الخصومات؛ فإنَّهم الذين يخوضون في آيات الله".

стр. 185

وفي جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (١/١٣٤) عن مالكٍ قال: "المِراءُ يُقسِّي القلبَ ويُورث الضِّغن". وقال عمر بن عبد العزيز كما جامع بيان العلم وفضله (٢/٩٣) : "مَن جعل دينَه غرَضاً للخصومات أكثرَ التَّنقُّلَ". وأمَّا المجادلةُ بالتي هي أحسن لإظهار الحقّ وردِّ الباطل فذلك حقٌّ، وقد أمر اللهُ به في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ، وقال: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ . وقد عقد ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله باباً مِن (ص٩٢ ٩٩) لِما تُكرَه فيه المناظرةُ والجدالُ والمِراءُ، وباباً من (ص٩٩ ١٠٨) لإثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجَّة، أورد فيهما جملةً مِن النُّصوص والآثار في ذلك. ٣٠ قوله: "وتركُ ما أحدثه المُحدِثون، وصلَّى اللهُ على سيِّدِنا محمَّد نبيِّه، وعلى آلِه وأزواجِه وذُرِّيَّتِه، وسلَّم تسليماً كثيراً". لَمَّا بيَّن ابنُ أبي زيد – ﵀ – أنَّ طريقةَ أهل السنَّة والجماعة اتِّباعُ السَّلف الصّالح واقتفاءُ آثارهم والاستغفارُ لهم، وتركُ المِراء والجدالِ في الدِّين، عقَّب ذلك ببيان أنَّ طريقتَهم تركُ ما أحدثه المُحدِثون، أيْ ابتدعه المبتدعون في دين الله، وقد جاءتْ أدلَّةٌ في الكتاب والسنَّة وآثار السّلف الصّالح في التّحذير مِن البدع والمحدثات، قال اللهُ : ﴿وَأَنَّ هَذَا

стр. 186

صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، وقال ﷺ في الحديث المتَّفق على صحّته عن عائشة ﵂: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ"، وفي لفظ لمسلم: "مَن عمل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ". وقال ﷺ في آخر حديث العرباض بن سارية وقد مرَّ ذكرُه في الفائدة الأولى: "وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة". ومرَّ أيضاً حديثُ جابرٍ في صحيح مسلم (٧٦٧) أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول في خطبة الجُمعة: "أمَّا بعد، فإنَّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهَدي هَديُ محمَّد، وشرَّ الأمور محدَثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالة". ومرَّ أيضاً في آخر الحديث الطويل عن أنس: "فمَن رغِب عن سنَّتي فليس منِّي". وقال ﷺ : "إنَّ اللهَ حجب التَّوبةَ عن كلِّ صاحب بدعةٍ حتى يدَعَ بدعتَه"، قال المنذري: "رواه الطبراني وإسناده حسن" كما في الترغيب والترهيب (١/٦٥) ، وصحّحه الألباني في صحيح الترغيب (٥٢) . ومرَّ في الفقرة الأولى مِن فقرات هذا الشرح حديثُ قصّة الصحابي الذي ذبح أضحيتَه قبل صلاة العيد، وقال له ﷺ : "شاتُك شاةُ لحمٍ"، وأثرُ ابن مسعود ﵁، الذي أنكر فيه على الذين يُسبِّحون بالحصى، وقال: "فعُدوا سيِّئاتكم فأنا ضامنٌ أن لا يَضيعَ من حسناتكم شيءٌ".

стр. 187

وفي كتاب السنّة لمحمد بن نصر المروزي (٨٢) عن عبد الله بن عمر قال: "كلُّ بدعة ضلالة وإن رآها النّاسُ حسنة". وذكر الشاطبي في الاعتصام (١/٢٨) أنَّ ابن الماجشون قال: سمعتُ مالكاً يقول: "مَن ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة، فقد زعم أنَّ محمّداً خان الرسالة؛ لأنَّ اللهَ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ، فما لم يكن يومئذٍ ديناً فلا يكون اليوم ديناً". وفي حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/٢٤٤) قال أبو عثمان النيسابوري: "مَن أمَّر السنَّةَ على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومَن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة". وقال سهل بن عبد الله التستري كما في فتح الباري (١٣/٢٩٠) : "ما أحدث أحدٌ في العلم شيئاً إلاَّ سُئل عنه يوم القيامة، فإن وافق السنَّة سلِمَ، وإلاَّ فلا". وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/٩٥) : "أجمع أهلُ الفقه والآثار مِن جميع الأمصار أنَّ أهلَ الكلام أهلُ بدَع وزيغ، ولا يُعدُّون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنَّما العلماء أهلُ الأثر والتفقُّه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز". وما أحسن ما قاله الإمام بن الإمام عبد الله بن أبي داود السجستاني في مطلع منظومته الحائية: تمسَّكْ بحبل الله واتَّبِع الهُدى ... ولا تكُ بدعيًّا لعلَّك تُفلحُ ودِنْ بكتاب الله والسنن التي ... أتتْ عن رسول الله تنجو وتربحُ

стр. 188

ومِن أعظم ما أحدثه المُحدِثون وابتدعه المبتدعون ما زعمه أحدُ النوابت في هذا العصر الذي مرَّ ذكرُه في بحثَيْ الحوض والصحابة مِن أنَّ الصحبةَ الشرعية مقصورةٌ على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية، وأنَّ كلَّ مَن أسلم وهاجر بعد الحديبية أو لم يهاجر مِمَّن لقيَ النَّبِيَّ ﷺ أنَّه ليس مِن أصحابه، وأنَّ صحبَتَهم كصحبة المنافقين والكفّار وفي مقدِّمَتهم العباسُ بن عبد المطّلب وابنه عبد الله ﵄، وهي بدعةٌ ضلالةٌ لم يُسبق إليها خلال القرون الماضية، وفي المثل "كم ترك الأوَّلُ للآخر" فكم ترك الأوَّلُ مِن المبتدعة للآخر منهم، فقد تركوا له هذه البدعة، فظفر بها، وعليه وِزرُها ومثلُ أوزار مَن ابتُلي بها من بعده. وقد ختم ابنُ أبي زيد ﵀ مقدِّمةَ رسالته بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وهي طريقةٌ متَّبعةٌ، سلكها بعضُ المؤلِّفين، فختموا مؤلفاتهم بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ . وكان الفراغُ مِن تأليف هذا الشرح في صباح الخميس، الموافق للثامن مِن شهر جمادى الأولى مِن عام ١٤٢٣هـ. والحمدُ لله أوّلاً وآخراً على نِعمه الظاهرة والباطنة، وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا وإمامنا محمد ومَن سلك سبيله واهتدى بِهَديه إلى يوم الدِّين.