Полный текст (188 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
صلى الله عليه وسلم أنَّه لا ينجو منهم إلاَّ القليل، وأنَّ البقية يُؤخذون إلى النار"، وقال: "كما أخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّه لا ينجو من أصحابه يوم القيامة إلاَّ القليل (مثل همل النعم) ، كما ثبت في صحيح البخاري كتاب الرقاق!! "، وهذا كذب على الرسول ﷺ ؛ فإنَّه لَم يُخبر أنَّ أصحابَه لَم يَنْجُ منهم إلاَّ القليل، ولعل هذا الذي وقع من المالكي حصل خطأً لا عمداً.
وأمَّا ما جاء في بعض الأحاديث مِن أنَّه يُذاد عن حوضه أُناسٌ من أصحابه، وأنَّه يقول "أصحابي! " وفي بعض الألفاظ "أُصيْحابي! "، فيُقال: "إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك"، فهو محمولٌ على القلَّة التي ارتدَّت منهم بعد وفاة النَّبِيِّ ﷺ ، وقُتِلوا في ردَّتِهم على أيدي الجيوش المظفرة التي بعثها أبو بكر الصديق ﵁ .
وأقول: إذا كان مصيرُ أكثر أصحاب رسول الله ﷺ إلى النار، وأنَّه لا ينجو منهم إلاَّ القليل: مثل هَمَل النَّعم بزعم هذا الزاعم، فليت شعري ما هو المصير الذي يُفكِّر به المالكي لنفسه؟!
نسأل الله السلامةَ والعافية ونعوذ بالله من الخذلان.
بل إنَّ الصُّحبةَ الشرعيَّة بزعم المالكي لَم تحصل إلاَّ للمهاجرين والأنصار قبل صلح الحُديبية، ومَن بعدهم ليسوا من الصحابة بزعمه، وعلى هذا فإنَّ قولَه: إنَّه لا ينجو من الصحابة إلاَّ القليل مثل هَمَل النَّعم، وأنَّ البقيَّة يُؤخذون إلى النار، يكون المراد به الصحابة الذين كانوا قبل الحديبية، فإذا كان أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم خيرُ هذه الأمَّة لا يَسلَمون من النار، فمَن الذي يَسلَمُ منها؟!
بل إنَّ اليهودَ والنصارى لَم يقولوا في أصحاب موسى وعيسى مثلَ هذه المقالة القبيحة.
стр. 142
وهذا يُبيِّن لنا منتهى السوء الذي وقع فيه المالكي، وإنَّ مَن يسمَع أو يطَّلع على كلامه في الصحابة، يتَّهمه في عقله أو يستدلُّ به على منتهى خُبثه وحقده على خير هذه الأمَّة، لا سيما زعمه أنَّ العبَّاس بنَ عبد المطلب وابنَه عبد الله ﵄ ليسا من الصحابة، وزعمه أنَّ أكثرَ الصحابة إلاَّ قليلاً منهم مثل همل النَّعم يُؤخذون إلى النار!
وأيضاً إذا كان أكثر الصحابة إلاَّ قليلاً منهم يُؤخذون إلى النار في زعم هذا الزاعم، مع أنَّ الكتابَ والسُّنَّة لم تصل إلى هذه الأمَّة إلاَّ عن طريق الصحابة؛ لأنَّهم الواسطةَ بين الناس وبين الرسول ﷺ ، فأيُّ حقٍّ وهدى يكون بأيدي المسلمين؛ فإنَّ القدح في الناقل قدحٌ في المنقول، قال أبو زرعة الرازي المتوفَّى سنة (٢٦٤هـ) ﵀: "إذا رأيت الرجلَ ينتقصُ أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنَّه زنديقٌ؛ وذلك أنَّ رسول الله ﷺ عندنا حقٌّ والقرآن حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول الله ﷺ ، وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودَنا ليُبطلوا الكتاب والسنة، والجرحُ بهم أولى، وهم زنادقةٌ". الكفاية للخطيب البغدادي (ص: ٤٩) .
وسأكشف أباطيلَه الأخرى التي اشتمل عليها كتابُه "قراءة في كتب العقائد" وأدحضُها إن شاء الله تعالى في كتابي: "الانتصار لأهل السُّنَّة والحديث في ردِّ أباطيل حسن المالكي".
стр. 143
٢٢ قوله: "وأنَّ الإيمانَ قَولٌ باللِّسانِ، وإخلاَصٌ بالقلب، وعَمَلٌ بالجوارِح، يَزيد بزيادَة الأعمالِ، ويَنقُصُ بنَقْصِها، فيكون فيها النَّقصُ وبها الزِّيادَة، ولا يَكْمُلُ قَولُ الإيمانِ إلاَّ بالعمل، ولا قَولٌ وعَمَلٌ إلاَّ بنِيَّة، ولا قولٌ وعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إلاَّ بمُوَافَقَة السُّنَّة. وأنَّه لا يكفرُ أَحدٌ بذَنب مِنْ أهْل القِبْلَة".
١ الإيمانُ عند أهل السُّنَّة والجماعة يتألَّف من اعتقاد بالقلب وقول باللِّسان وعمل بالجوارح، فهذه الأمورُ الثلاثة داخلةٌ عندهم في مُسمَّى الإيمان، قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ، ففي هذه الآيات دخول أعمال القلوب وأعمال الجوارح في الإيمان.
وروى مسلم في صحيحه (٥٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمانُ بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شعبة، فأفضلُها قول لا إله إلاَّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبة من الإيمان"، فقد دلَّ الحديثُ على أنَّ ما يقوم بالقلب واللِّسان والجوارح من الإيمان، وأمَّا ما جاء في القرآن من آيات كثيرة فيها عطف العمل الصالح على الإيمان، كما في قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ ، فلا يدلُّ العطف على عدم دخول الأعمال في
стр. 144
مسمَّى الإيمان، بل هو من عطف الخاص على العام؛ وذلك أنَّ التفاوتَ بين الناس في الإيمان يكون غالباً لتفاوتهم في الأعمال، وفي الأقوال أيضاً؛ لأنَّ القولَ عملُ اللِّسان، بل إنَّهم يتفاوتون فيما يقوم بقلوبهم، قال الحافظ في الفتح (١/٤٦) نقلاً عن النووي: "والأظهرُ المختار أنَّ التصديق يزيد وينقص بكثرة النَّظر ووضوح الأدلَّة، ولهذا كان إيمانُ الصدِّيق أقوى من إيمان غيره؛ بحيث لا يعتريه الشُّبهة، ويؤيِّده أنَّ كلَّ أحد يعلمُ أنَّ ما في قلبه يتفاضل، حتى إنَّه يكون في بعض الأحيان الإيمان أعظم يقيناً وإخلاصاً وتوكُّلاً منه في بعضها، وكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها".
٢ الذين أخرجوا الأعمال من أن تكون داخلةً في مسمَّى الإيمان طائفتان: المرجئة الغلاة، الذين يقولون: إنَّ كلَّ مؤمن كاملُ الإيمان، وأنَّه لا يضرُّ مع الإيمان ذنبٌ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهذا القول من أبطل الباطل، بل هو كفر.
ومرجئة الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم كأبي حنيفة، الذين قالوا بعدم دخول الأعمال في مسمَّى الإيمان، مع مخالفتهم للمرجئة الغلاة في أنَّ المعاصي تضرُّ فاعلَها، وأنَّه يُؤاخذُ على ذلك ويُعاقَب، وقولُهم غيرُ صحيح؛ لأنَّه ذريعةٌ إلى بدع أهل الكلام المذموم من أهل الإرجاء ونحوهم، وإلى ظهور الفسق والمعاصي، كما في شرح الطحاوية (ص: ٤٧٠) .
٣ الإيمانُ يزيد بالطاعة وينقصُ بالمعصية، فمن أدلَّة زيادته قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ
стр. 145
آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ، وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ ، وقوله: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ .
ومن أدلَّة نقصانه قوله ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان" رواه مسلم (٧٨) .
وما جاء في حديث الشفاعة من إخراج مَن في قلبه مثقال ذرَّة من إيمان من النار، رواه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وحديث وصف النَّبِيِّ ﷺ للنساء بأنَّهنَّ ناقصاتُ عَقل ودين، أخرجه البخاري (٣٠٤) ومسلم (١٣٢) .
قال الحافظ في الفتح (١/٤٧) : "وروى يعني اللالكائي بسنده الصحيح عن البخاري قال: لقيت أكثرَ من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحداً منهم يختلف في أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ، ويزيد وينقص. وأطْنَب ابن أبي حاتم واللاَّلكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحابة والتابعين، وكلِّ من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين، وحكاه فضيل بن عياض ووكيع عن أهل السُّنَّة والجماعة".
٤ الإسلامُ والإيمانُ من الألفاظ التي إذا جُمع بينهما في الذِّكر فرِّق بينهما في المعنى، وإذا أُفرد أحدُهما شَمل المعنيين جميعاً؛ ففي حديث جبريل المشهور الذي جُمع فيه بين الإسلام والإيمان، لَمَّا سُئل عن الإيمان فسَّره بما
стр. 146
يُناسبُ معناه اللغوي، وهو الأمور الباطنة، بقوله: "أن تؤمنَ بالله وملائكته وكتبه ورُسله واليوم الآخر والقَدَر خيره وشرِّه"، ولَمَّا سُئل عن الإسلام فسَّره بما يُناسبُ معناه اللغوي، وهو الأمور الظاهرة، بقوله: "أن تشهدَ أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسولُ الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجَّ البيتَ إن استطعت إليه سبيلاً".
وإذا ذُكر الإسلام غير مقترن بالإيمان كان معناه شاملاً للأمور الظاهرة والباطنة، وكذا إذا أُفرد الإيمانُ عن الإسلام، فإنَّه يشمل الأمورَ الظاهرة والباطنة، وهذا من جنس لفظ: "الفقير والمسكين"، و"البر والتقوى"، وغير ذلك.
٥ لا بدَّ في الإيمان من اجتماع الأمور الثلاثة: الاعتقادُ والقول والعمل، فلا يكفي الاعتقاد والقول دون العمل، وكلُّ قول وعمل لا بدَّ أن يكون بنيَّة؛ لقوله ﷺ في الحديث: "إنَّما الأعمالُ بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى" أخرجه البخاري (١) ومسلم (١٩٠٧) .
واجتماع القول والعمل والنيَّة لا يكون نافعاً إلاَّ إذا كان على السُّنَّة؛ لقوله ﷺ : "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ" متفق عليه، وفي لفظ لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ".
٦ قوله: "ولا يكفرُ أحدٌ بذنب من أهل القبلة ": إذا جحد المرءُ واجباً عُلم وجوبُه من الدِّين بالضرورة كالصلاة والزكاة والصيام والحج، فإنَّه يَكفُر، وكذا إذا جَحَد تحريم ما عُلم تَحريمُه من الدِّين بالضرورة، كشرب الخمر والزنا ونحو ذلك فإنَّه يكفر، وأما إذا فعل شيئاً من الكبائر غير مستحلٍّ لها، فعند أهل السُّنَّة أنَّه يكون مؤمناً ناقصَ الإيمان، وإذا مات
стр. 147
من غير توبة فأمرُه إلى الله، إن شاء عذَّبه، وإن شاء عفا عنه، وإذا عذَّبه فإنَّه لا يخلده في النار، وذلك بخلاف قول المعتزلة والخوارج القائلين بخروجه من الإيمان في الدنيا، وبتخليده في النار في الآخرة.
٢٣ قوله: "وأنَّ الشُّهداءَ أحياءٌ عند ربِّهم يُرْزَقونَ، وأرْواحُ أهْل السَّعادَةِ باقِيةٌ ناعِمةٌ إلى يوم يُبْعَثون، وأرواحُ أهلِ الشَّقاوَةِ مُعَذَّبَةٌ إلى يَوم الدِّين".
قال الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ، وهذه الحياةُ حياةٌ برزخيَّة حقيقيَّةٌ، لا يَعلم كيفيتَها إلاَّ الله ، وجاءت السُّنَّةُ مبيِّنة أنَّ أرواحَ الشهداء في أجواف طير خُضر، وأنَّ أرواح المؤمنين على صورة طير، وأنَّ المؤمنَ يُفرَش له من الجنَّة، ويُفتَحُ له باب إلى الجنَّة، ويأتيه من رَوْحها وطيبِها، ويُفسَحُ له في قبره مدَّ بصره، وأنَّ الكافرَ يُفرَشُ له من النار، ويُفتَحُ له بابٌ إلى النار، ويأتيه من حرِّها وسَمومها، ويضيقُ عليه قبْرُه حتى تختلفَ فيه أضلاعُه، وقد تقدَّم إيرادُ هذه الأحاديث وتخريجُها عند قول ابن أبي زيد: "وأنَّ الله سبحانه قد خلق الجنَّة فأعدَّها دارَ خلود لأوليائه، وأكرمَهم فيها بالنَّظر إلى وجهه الكريم".
стр. 148
٢٤ قوله: "وأنَّ المؤمنِينَ يُفْتَنُونَ في قُبُورِهم ويُسْأَلُون، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ".
الناسُ يُفتَنون في قبورهم ويُمتَحنون، فيُثبِّتُ الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وقد وردت الأحاديثُ في فتنة القبر والسؤال فيه، فروى البخاري في صحيحه (٨٦) عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، عن عائشة في قصة صلاة الكسوف، وفيه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "ما من شيء لم أكن أُريتُه إلاَّ رأيتُه في مقامي، حتى الجنَّة والنار، فأُوحي إليَّ أنَّكم تُفتنون في قبوركم مثلَ أو قريباً لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء من فتنة المسيح الدجال، يُقال: ما عِلمُك بهذا الرَّجل؟ فأمَّا المؤمن أو المُوقن لا أدري بأيِّهما قالت أسماء فيقول: هو محمدٌ هو رسول الله، جاءنا بالبيِّنات والهُدى، فأجبنا واتَّبعنا، هو محمد ثلاثاً، فيُقال: نَمْ صالِحاً، قد علمنا إن كنتَ لَمُوقناً به، وأمَّا المنافق أو المرتاب لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء فيقول: لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولون شيئاً فقُلتُه".
وروى البخاري في صحيحه (٤٦٩٩) عن البراء بن عازب ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "المسلمُ إذا سُئل في القبر يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ".
وفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن عن البراء بن عازب ﵁ في الحديث الطويل (١٨٥٣٤) ، وفيه: "فيأتيه أي المؤمن مَلَكان فيُجلسانه، فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: ربِّي الله، فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: دينِي الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرَّجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ ".
стр. 149
وفيه: "ويأتيه أي الكافر مَلَكان فيُجلسانه، فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقولان له: ما هذا الرَّجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! ".
وفي مصنَّف عبد الرزاق (٦٧٤٤) عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير: أنَّه سَمع جابر بن عبد الله يقول: "إنَّ هذه الأمَّةَ تُبتَلَى في قبورها، فإذا دخل المؤمن قبره، وتولَّى عنه أصحابُه، أتاه ملَكٌ شديد الانتهار، فقال: ما كنتَ تقول في هذا الرَّجل؟ فيقول المؤمن: أقول إنَّه رسول الله ﷺ وعبده، فيقول له المَلَكُ: اطَّلعْ إلى مقعدك الذي كان لك من النار، فقد أنجاك الله منه، وأبدَلَك مكانَه مقعدَك الذي ترى من الجنَّة، فيراهما كلتيهما، فيقول المؤمن: أُبشِّرُ أهلي؟ فيُقال له: اسكن؛ فهذا مقعدُك أبداً، والمنافق إذا تولَّى عنه أصحابُه يُقال له: ما كنتَ تقول في هذا الرَّجل؟ فيقول: لا أدري، أقول ما يقول الناس، فيُقال له: لا دريت، انظر مقعدَك الذي كان لك من الجنَّة، قد أبدلك الله مكانه مقعدَك من النار"، وإسناده صحيح، وله حكم الرفع.
وروى مسلم في صحيحه (٥٨٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تشهَّد أحدُكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من عذاب جهنَّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرِّ فتنة المسيح الدجال".
وفي صحيح البخاري (١٣٧٧) عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ يدعو: اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال".
стр. 150
وهذه الأمور الثلاثة التي يُسأل عنها في القبر ورد ذكرُها مجتمعة في حديث العباس بن عبد المطلب في صحيح مسلم (٥٦) أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ذاق طعمَ الإيمان مَن رضي بالله ربًّا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً"، وجاء ذكرُها أيضاً في أدعية الصباح والمساء، والدعاء عند الأذان، وقد بنَى عليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – رسالتَه النفيسة التي لا يستغنِي عنها عاميٌّ ولا طالب علم: "الأصول الثلاثة وأدلَّتُها"، فإنَّ مرادَه بالأصول الثلاثة: معرفة العبد ربّه ودينه ونبيّه ﷺ .
٢٥ قوله: "وأنَّ على العباد حَفَظَةً يَكتُبون أعمالَهم، ولا يَسقُطُ شيْءٌ مِن ذلك عَن عِلمِ ربِّهِم، وأنَّ مَلَكَ الموتِ يَقْبِضُ الأرواحَ بإذن ربِّه".
١ الإيمانُ بالملائكة أحد أصول الإيمان الستة، التي بيَّنها رسول الله ﷺ في حديث جبريل المشهور، بقوله حين سأله عن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرِّه"، وهم مخلوقون من نور؛ كما في صحيح مسلم (٢٩٩٦) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "خُلقت الملائكةُ من نور، وخُلق الجانُّ من مارجٍ من نار، وخُلق آدمُ مِمَّا وُصف لكم".
وهم ذَوُو أجنحة؛ كما قال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، ولجبريل ستمائة جناح، كما في صحيح البخاري (٣٢٣٢) وصحيح مسلم (٢٨٠) .
стр. 151
ويأتون إلى البشر بأشكال على غير هيئتهم التي خُلقوا عليها، كما جاء جبريل إلى الرسول ﷺ على صورة رجل غير معروف، في حديث جبريل المشهور من رواية عمر ﵁، وهو أوَّلُ حديث عند مسلم في كتاب الإيمان، وجاء إليه في صورة دحية بن خليفة الكلبي، وجاء جبريل إلى مريم في صورة بشر، وجاءت الملائكةُ إلى إبراهيم في صورة بشر، كما في قول الله : ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآيات، وقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ الآيات.
وهم خلقٌ كثير لا يَعلم عددَهم إلاَّ الله ، ويدلُّ لذلك أنَّ البيتَ المعمور وهو في السماء السابعة يدخله كلَّّ يوم سبعون ألف مَلَك لا يعودون إليه، رواه البخاري (٣٢٠٧) ومسلم (٢٥٩) .
وروى مسلم في صحيحه (٢٨٤٢) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُؤتَى بجهنَّم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كلِّ زمام سبعون ألف ملَك يَجرُّونها".
والملائكةُ منهم الموكَّلون بالوحي، والموكَّلون بالقَطر، والموكَّلون بالموت، والموكَّلون بالأرحام، والموكَّلون بالحفظ، والمُوكَّلون بالجنَّة، والمُوكَّلون بالنار، والمُوكَّلون بغير ذلك، وكلُّهم مستسلمون منقادون لأمر الله، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمَرون.
والواجبُ على المسلم الإيمانُ والتصديق بكلِّ ما جاء في الكتاب العزيز وصحَّت به السُّنَّة من أخبار عن الملائكة.
٢ من الملائكة من وُكِّل بالحفظ والكتابة، كما قال الله : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ، وقال:
стр. 152
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ .
والكَتَبَةُ يكتبون أقوالَ العباد وأفعالَهم، بل ويكتبون الهمَّ بالحسنة والسيِّئة؛ فقد روى البخاري (٧٥٠١) ومسلم (٢٠٣) عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يقول الله: إذا أراد عبدي أن يعمل سيِّئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنةً فلَم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة"، وقال الله : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ، والمعنى أنَّ حفظَ الملائكة للإنسان هو مِمَّا أمرهم الله به، والله بكلِّ شيء عليم، وهو يعلم أقوالَ العباد وأفعالَهم كُتبت أو لم تُكتَب، والكتابةُ إنَّما هي لإحصاء أعمال العباد وأقوالهم وإيقافهم عليها وإظهار عدل الله فيهم، وأنَّه يُثيبُهم على أعمالهم الحسنة، ويُعاقبهم على أعمالهم السيِّئة، كما قال الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ .
والعقابُ يقع على الشرك، وكلُّ ذنب دونه فهو تحت مشيئة الله، كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
٣ من الإيمان بالملائكة الإيمان بالملائكة الموكَّلين بالموت، وقد جاء التَّوَفِّي في القرآن مضافاً إلى الله ، كما قال الله : ﴿اللَّهُ
стр. 153
يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ، وجاء مُضافاً إلى مَلَك الموت، كما قال الله : ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ، وجاء مضافاً إلى الملائكة، كما قال الله : ﴿جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ، ولا تنافي بين هذه الإضافات؛ فإضافةُ الموت إلى الله لكونه الآمرَ به والمقدِّرَ له والموجدَ له، وإضافتُه إلى مَلَك الموت لكونه المباشرَ لقبض الأرواح، وإضافتُه إلى الملائكة لأخذهم الأرواح من مَلَك الموت بعد قبضها، وقد جاء ذلك مُبيَّناً في حديث البراء بن عازب في مسند الإمام أحمد بإسناد حسن (١٨٥٣٤) قال رسول الله ﷺ : "إنَّ العبدَ المؤمنَ إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكةٌ من السماء بيض الوجوه، كأنَّ وجوهَهم الشمسُ، معهم كفنٌ من أكفان الجنَّة، وحَنوطٌ من حَنوط الجنَّة، حتى يجلسوا منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملكُ الموت ﵇ حتى يجلسَ عند رأسه، فيقول: أيَّتُها النفسُ الطيِّبة! اخرُجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتَخرُجُ تسيلُ كما تسيلُ القَطرةُ مِن فِي السٍِّقاء فيأخذها، فإذا أخذها لَم يَدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحَنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وُجدت على وجه الأرض. . . " إلى أن قال: "وإنَّ العبدَ الكافرَ إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكةٌ سودُ الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملَكُ الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيَّتُها النفس الخبيثة! اخرجي إلى
стр. 154
سخط من الله وغضب، قال: فتفرَّق في جسده، فيَنتزعُها كما يُنتَزَعُ السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لَم يَدَعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وُجدت على وجه الأرض. . . " الحديث.
٢٦ قوله: "وأنَّ خيْرَ القرون القرنُ الَّذين رَأَوا رسولَ الله ﷺ وآمَنوا به، ثمَّ الَّذين يَلُونَهم ثمَّ الَّذين يَلونَهم، وَأفْضَلُ الصحابة الخُلَفاءُ الرَّاشدون المَهْديُّون؛ أبو بكر ثمَّ عُمر ثمَّ عُثمان ثمَّ عليٌّ ﵃ أجمعين.
وأن لاَ يُذكَرَ أَحَدٌ مِن صحابَةِ الرَّسولِ ﷺ إلاَّ بأحْسَن ذِكْرٍ، والإمساك عمَّا شَجَرَ بَينهم، وأنَّهم أحَقُّ النَّاس، أن يُلْتَمَسَ لَهم أَحَسَن المخارج، ويُظَنَّ بهم أحْسن المذاهب".
١ أصحابُ رسول الله ﷺ هم كلُّ مَن لقي الرسول ﷺ مؤمناً به ومات على الإسلام، ذكر هذا التعريف الحافظُ ابنُ حجر في مقدمة كتابه الإصابة في تمييز الصحابة (ص: ١٠) ، فقال: "وأصحُّ ما وقفتُ عليه من ذلك أنَّ الصحابيَّ مَن لقيَ النَّبِيَّ ﵌ مؤمناً به ومات على الإسلام"، وقال في (ص: ١٢) : "وهذا التعريف مبنِيٌّ على الأصحِّ المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومَن تبعهما".
وقد شرح هذا التعريف، فقال: "فيدخل في (مَن لقيَه) مَن طالت مجالستُه له أو قصُرت، ومَن رَوى عنه أو لَم يَرو، ومَن غزا معه أو لم يغز،
стр. 155
ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومَن لَم يره لعارض كالعمى.
ويخرج بقيد (الإيمان) من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرَّة أخرى.
وقولنا (به) يخرج من لقيه مؤمناً بغيره، كمَن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وهل يدخل من لقيه منهم وآمن بأنَّه سيُبعث أو لا يدخل؟ محلُّ احتمال، ومن هؤلاء بَحيرا الراهب ونظراؤه.
ويدخل في قولنا: (مؤمناً به) كلُّ مكلَّف من الجنِّ والإنس".
إلى أن قال: "وخرج بقولنا (ومات على الإسلام) من لقيه مؤمناً به، ثمَّ ارتدَّ ومات على ردَّته والعياذ بالله، وقد وُجد من ذلك عددٌ يسير كعُبيد الله بن جحش الذي كان زوجَ أمِّ حبيبة، فإنَّه أسلَم معها وهاجر إلى الحبشة، فتنصَّر هو ومات على نصرانيته، وكعبد الله بن خطل الذي قُتل وهو متعلِّق بأستار الكعبة، وكربيعة بن أميَّة بن خلف على ما سأشرحُ خبَرَه في ترجمته في القسم الرابع من حرف الراء، ويدخل فيه مَن ارتدَّ وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به ﵌ مرَّة أخرى أم لا، وهذا هو الصحيح المعتمَد، والشِّقُّ الأول لا خلاف في دخوله، وأبدا بعضُهم في الشِّقِّ الثاني احتمالاً وهو مردودٌ؛ لإطباق أهل الحديث على عدِّ الأشعث بن قيس في الصحابة، وعلى تخريج أحاديثه في الصحاح والمسانيد، وهو مِمَّن ارتدَّ ثم عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر".
وقول ابن أبي زيد ﵀: "وأنَّ خيرَ القرون القرن الذين رأوا رسول الله ﷺ وآمنوا به" موافقٌ لِمَا نقله الحافظ عن البخاري والإمام أحمد ومن تبعهما من أنَّ الصُّحبةَ حاصلةٌ لِمَن جمع بين رؤيته ﷺ والإيمان
стр. 156
به، وهذا بخلاف ما قاله النابتةُ في هذا العصر الذي مرَّ ذكرُه في مبحث حوض رسول الله ﷺ ، الذي زعم زوراً وبُهتاناً أنَّ الذين أسلَموا وهاجروا بعد الحُديبية ليسوا من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأنَّ صُحبتَهم كصحبة المنافقين والكفار، وقد أوضحتُ بُطلان هذا الزعم الجائر الخاطئ في كتاب "الانتصار للصحابة الأخيار في ردِّ أباطيل حسن المالكي".
٢ أصحابُ رسول الله ﷺ ﵃ خيرُ هذه الأمَّة التي هي خيرُ الأُمم، ويليهم التابعون، ثم أتباع التابعين، وقد دلَّ الكتاب والسُّنَّة على فضلهم ونُبلهم، فمِمَّا جاء في القرآن في فضلهم قول الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ، وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ، وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
стр. 157
وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾
ومِمَّا جاء في السُّنَّة في فضلهم ﵃ قولُه ﷺ : "خيرُ الناس قرني ثم الذين يلونَهم، ثم الذين يلونَهم" رواه البخاري (٣٦٥١) ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁، واللفظ للبخاري.
ورَوَيَا أيضاً واللفظ للبخاري (٣٦٥٠) عن عمران بن حُصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمَّتي قرني، ثم الذين يلونَهم، ثم الذين يلونَهم، قال عمران: فلا أدري أَذَكَرَ بعد قَرنه قرنين أو ثلاثة" الحديث.
وقوله ﷺ : "يأتي على الناس زمان، يغزو فئامٌ من الناس، فيُقال لهم: فيكم مَن رأى رسولَ الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم! فيُفتَح لهم، ثمَّ يغزو فئامٌ من الناس، فيُقال لهم: فيكم مَن رأى مَن صَحب رسولَ الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم! فيُفتَح لهم، ثمَّ يغزو فئامٌ من الناس، فيُقال لهم: هل فيكم مَن رأى مَن صَحِب من صَحب رسولَ الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم! فيُفتَح لهم" رواه البخاري (٣٦٤٩) ومسلم (٢٥٣٢) ، واللفظ لمسلم.
وقوله ﷺ : "لا تسبُّوا أصحابي، فلو أنَّ أحدَكم أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفَه" رواه البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
وقوله ﷺ : "النُّجومُ أَمَنَةٌ للسماءِ، فإذا ذهبت النجومُ أتى السماءَ ما تُوعَد، وأنا أَمَنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعَدون، وأصحابي أَمَنةٌ لأمَّتِي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمَّتي ما يوعَدون" رواه مسلم
стр. 158
(٢٥٣١) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
٣ وأفضلُ أصحاب الرسول ﷺ ﵃ الخلفاءُ الراشدون الهادون المهديُّون: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وترتيبُهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ويدلُّ على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه (٣٦٧١) عن محمد بن الحنفية وهو محمد بن علي بن أبي طالب قال: "قلتُ لأبي: أيُّ الناس خيرٌ بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثمَّ مَن؟ قال: عمر، وخشيتُ أن يقول عثمان، قلتُ: ثمَّ أنت؟ قال: ما أنا إلاَّ رجلٌ من المسلمين".
وروى الإمام أحمد في مسنده (٨٣٥) تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا منصور بن عبد الرحمن يعني الغداني الأشل، عن الشعبي، حدَّثني أبو جُحيفة الذي كان عليٌّ يُسمِّيه: وهب الخير، قال: قال لي علي: "يا أبا جُحيفة! ألا أُخبرك بأفضل هذه الأمة بعد نبيِّها؟ قال: قلت: بلى، قال: ولم أكن أرى أنَّ أحداً أفضل منه، قال: أفضلُ هذه الأمَّة بعد نبيِّها أبو بكر، وبعد أبي بكر عمر، وبعدهما آخر ثالث، ولم يُسمِّه"، وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين إلاَّ منصور بن عبد الرحمن فهو من رجال مسلم، وأثر علي هذا عن أبي جُحيفة جاء في مسند الإمام أحمد وزوائده لابنه عبد الله من طرق صحيحة أو حسنة، وأرقامها من (٨٣٣) إلى (٨٣٧) و (٨٧١) .
وروى البخاري في صحيحه (٣٦٥٥) عن عبد الله بن عمر أنَّه قال: "كنَّا نُخيِّر بين الناس في زمن النَّبِيِّ ﷺ ، فنخيِّر أبا بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان بن عفّان، ﵃".
стр. 159
وقال الحافظ ابن حجر في التقريب في ترجمة علي بن أبي طالب ﵁: "مات في رمضان سنة أربعين، وهو يومئذ أفضلُ الأحياء من بنِي آدم بالأرض بإجماع أهل السُّنَّة".
ومِمَّا جاء في فضلهم وفضل خلافتهم قوله ﷺ في حديث العرباض بن سارية ﵁: ". . . فإنَّه مَن يَعِش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء المهديِّين الراشدين، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة" رواه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) ، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
وقوله ﷺ في حديث سفينة مولى رسول الله ﷺ : "خلافةُ النبوة ثلاثون سنة، ثمَّ يُؤتي اللهُ المُلْكَ أو مُلْكَه مَن يشاء" رواه أبو داود (٤٦٤٦) وغيرُه، وهو حديث صحيح، أورده الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٦٠) ونقل تصحيحه عن تسعة من العلماء.
٤ صحابةُ الرسول ﷺ عدولٌ؛ لثناء الله عليهم، وثناء الرسول ﷺ ، فلا يحتاجون مع ذلك لتعديل المعدِّلين وتوثيق الموثِّقين، ولهذا دَرَجَ السَّلفُ في التراجم إذا كان المترجَمُ صحابيًّا أن يقولوا عنه: صحابي، لا يذكرون توثيقاً ولا غيرَه مِمَّا كانوا يذكرون في غير الصحابة، قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/٤٧) : "ولا فرق بين أن يُسمِّي التابعُ الصاحبَ الذي حدَّثه أو لا يُسميه في وجوب العمل بحديثه؛ لأنَّ الصحابةَ كلَّهم عدولٌ مرضيُّون ثقاتٌ أثباتٌ، وهذا أمر مجتمعٌ عليه عند أهل العلم بالحديث".
стр. 160
وقال القرطبي في تفسيره (١٦/٢٩٩) : "فالصحابة كلُّهم عدولٌ، أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخِيرتُه من خلقه بعد أنبيائه ورسله، هذا مذهب أهل السنَّة والذي عليه الجماعة من أئمَّة هذه الأمَّة، وقد ذهبت شِرذمةٌ لا مبالاة بهم إلى أنَّ حالَ الصحابة كحال غيرهم، فيلزم البحث عن عدالتهم!! ".
وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (١/١٧) : "واتَّفق أهلُ السنَّة على أنَّ الجميعَ عدولٌ، ولَم يخالف في ذلك إلاَّ شذوذ من المبتدعة".
وقد أشار السيوطي في تدريب الراوي (ص: ٤٠٠) إلى هؤلاء الشذوذ من المبتدعة، فقال: "وقالت المعتزلة: عدول إلاَّ من قاتل عليًّا".
وقال أبو عمرو بن الصلاح في علوم الحديث (ص: ٢٦٤) : "للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي أنَّه لا يُسأل عن عدالة أحدٍ منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه؛ لكونهم على الإطلاق معدَّلين بنصوص الكتاب والسنَّة وإجماع مَن يُعتدُّ به في الإجماع من الأمَّة. . . ".
إلى أن قال: (ص: ٢٦٥) : "ثمَّ إنَّ الأمَّةَ مجمعةٌ على تعديلِ جميع الصحابة، ومَن لابس الفتنَ منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يُعتدُّ بهم في الإجماع؛ إحساناً للظَّنِّ بهم، ونظراً إلى ما تمهّد لهم من المآثر، وكأنَّ اللهَ أتاح الإجماعَ على ذلك لكونهم نقلة الشريعة، واللهُ أعلم".
وقال النووي في شرحه على مسلم (١٥/١٤٩) : "ولهذا اتَّفق أهلُ الحقِّ ومن يُعتدُّ به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم، ﵃ أجمعين".
وقال الخطيب البغدادي في الكفاية (ص: ٤٦) : "كلُّ حديثٍ اتَّصل إسنادُه بين من رواه وبين النَّبِيِّ ﷺ لَم يلزم العمل به إلاَّ بعد ثبوت عدالة
стр. 161
رجاله، ويجب النظرُ في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ عدالَةَ الصحابة ثابتةٌ معلومةٌ بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن" ثمَّ ذكر الآيات والأحاديث في ذلك.
ومِمَّا يوضِّحُ ذلك أنَّ دواوينَ السنَّة صحاحها وجوامعها وسننها ومسانيدها ومعاجمها وغير ذلك مشتملةٌ على الرواية عن الصحابة على الإبهام، وما ثبت بالإسناد إليهم فهو حجَّةٌ عند أهل السنَّة، ولا تؤثِّر جهالتُهم؛ لأنَّ المجهول منهم في حكم المعلوم.
ثمَّ إنَّ قولَ أهل السُّنَّة والجماعة بعدالة الصحابة لا يعنِي عصمتهم؛ لأنَّ العصمةَ عندهم لا تكون إلاَّ للرُّسُل والأنبياء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية (ص: ٢٨) : "وهم مع ذلك (يعنِي أهل السنة والجماعة) لا يعتقدون أنَّ كلَّ واحدٍ من الصحابة معصومٌ عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السَّوابِق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنَّهم يُغفر لهم من السيِّئات ما لا يُغفر لِمَن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ أنَّهم خير القرون، وأنَّ المُدَّ من أحدِهم إذا تصدَّق به كان أفضلَ من جبل أُحُد ذهباً مِمَّن بعدهم، ثمَّ إذا كان قد صدر عن أحدٍ منهم ذنبٌ فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غُفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحقُّ الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفِّر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المُحقَّقة فكيف الأمور التي كانوا فيها مُجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.
стр. 162
ثمَّ القدر الذي يُنكَر من فِعل بعضِهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنِهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنُّصرة والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلمٍ وبصيرةٍ وما منَّ الله عليهم من الفضائل علِمَ يقيناً أنَّهم خيرُ الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنَّهم الصَّفوةُ من قرون هذه الأمَّة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله".
وقول أهل السُّنَّة بتعديل الصحابة، كما أنَّه مستندٌ إلى نصوص من الكتاب والسُّنَّة، فهو مَبنِيٌّ على حُسن الظنِّ بهم، ومَن أحسن الظنَّ بهم فهو مأجورٌ، والقول بخلاف ذلك مَبنِيٌّ على إساءة الظنِّ بهم، ومَن أساء الظنَّ بهم فهو آثمٌ.
٥ والواجبُ لأصحاب رسول الله ﷺ تولِّيهم ومَحبَّتُهم والثناءُ عليه بالجميل اللاَّئق بهم، وألاَّ يُذكَروا إلاَّ بخير، قال الطحاوي في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة: "ونحبُّ أصحابَ رسول الله ﷺ ولا نفرط في حبِّ أحدٍ منهم، ولا نتبرَّأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلاَّ بخيرٍ، وحبُّهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضُهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ".
وروى الخطيبُ البغدادي في كتابه الكفاية (ص: ٤٩) بإسناده إلى أبي زرعة الرازي أنَّه قال: "إذا رأيت الرجلَ ينتقصُ أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنَّه زنديقٌ؛ وذلك أنَّ رسول الله ﷺ عندنا حقٌّ والقرآن حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول الله ﷺ وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودَنا ليُبطلوا الكتاب والسنة، والجرحُ بهم أولى وهم زنادقةٌ".
стр. 163
وقال البغوي في شرح السنة (١/٢٢٩) : "قال مالك: مَن يبغض أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ وكان في قلبه عليه غِلٌّ فليس له حقٌّ في فَيءِ المسلمين، ثم قرأ قولَه : ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ الآية، وذُكر بين يديه رجلٌ ينتقص أصحابَ رسول الله ﷺ فقرأ مالكٌ هذه الآية ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ، ثم قال: مَن أصبح من الناس في قلبه غِلٌّ على أحدٍ من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ فقد أصابته هذه الآية".
وقال الإمام أحمد في كتابه السنة: "ومن السنَّة ذكرُ محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلِّهم أجمعين، والكفّ عن الذي جرى بينهم، فمَن سبَّ أصحابَ رسول الله ﷺ أو واحداً منهم فهو مبتدعٌ رافضيٌّ، حبُّهم سنَّةٌ والدعاءُ لهم قربةٌ والاقتداءُ بهم وسيلةٌ والأخذُ بآثارهم فضيلةٌ".
وقال أيضاً: "لا يجوز لأحدٍ أن يذكر شيئاً من مساوئهم ولا يطعن على أحدٍ منهم فمَن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبُه وعقوبتُه ليس له أن يعفوَ عنه بل يعاقبُه ثمَّ يستتيبُه فإن تاب قبِلَ منه وإن لَم يتب أعاد عليه العقوبة وخلَّده في الحبس حتى يتوب ويراجع".
وقال ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل (١/٨٧) : "فأمَّا أصحابُ رسول الله ﷺ فهم الذين شهدوا الوحيَ والتنزيلَ، وعرفوا التفسيرَ والتأويلَ، وهم الذين اختارهم اللهُ لصحبة نبيِّه ﷺ ونصرتِه وإقامةِ دينه وإظهارِ حقِّه، فرضيهم له صحابةً، وجعلهم لنا أعلاماً وقدوةً،
стр. 164
فحفظوا عنه ﷺ ما بلَّغهم عن الله ، وما سنَّ وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدّب، ووعَوْه وأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمرَ الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله ﷺ ومشاهدتهم منه تفسيرَ الكتاب وتأويله، وتلقّفهم منه واستنباطهم عنه، فشرَّفهم اللهُ بما مَنَّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إيَّاهم موضع القدوة"، إلى أن قال:
"فكانوا عدولَ الأمَّة وأئمَّةَ الهدى وحججَ الدِّين ونقلةَ الكتاب والسنة.
وندب الله إلى التمسُّك بهديهم والجري على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم، فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية.
ووجدنا النَّبِيَّ ﷺ قد حضَّ على التبليغ عنه في أخبار كثيرة، ووجدناه يخاطبُ أصحابَه فيها، منها أن دعا لهم فقال: "نضَّر اللهُ امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتّى يبلِّغها غيرَه"، وقال ﷺ في خطبته: "فليبلِّغ الشّاهدُ منكم الغائبَ"، وقال: "بلِّغوا عنِّي ولو آيةً، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج".
ثمَّ تفرَّقت الصحابةُ ﵃ في النَّواحي والأمصار والثغور، وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء والأحكام، فبثَّ كلُّ واحدٍ منهم في ناحيته وبالبلد الذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله ﷺ ، وحكموا بحكم الله وأمضوا الأمور على ما سنَّ رسول الله ﷺ ، وأفتوا فيما سُئلوا عنه مِمَّا حضرهم من جواب رسول الله ﷺ عن نظائرها من المسائل، وجرّدوا أنفسهم مع تقدمة حسن النيّة والقربة إلى الله تقدّس اسمُه، لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام، حتّى قبضهم اللهُ رضوانُ الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين".
стр. 165
وقال أبو عثمان الصابوني في كتابه عقيدة السلف وأصحاب الحديث: "ويَرون الكفَّ عمَّا شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمَّن عيباً لهم أو نقصاً فيهم ويرون التَّرحُّم على جميعهم والموالاة لكافَّتهم".
ونقل الحافظ في الفتح (٤/٣٦٥) عن أبي المظفر السمعاني أنَّه قال: "التعرُّضُ إلى جانب الصحابة علامةٌ على خذلان فاعله، بل هو بدعةٌ وضلالةٌ".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العقيدة الواسطية: "ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ كما وصفهم الله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ ، وطاعة للنبيِّ ﷺ في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنَّ أحدَكم أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) إلى أن قال: ويتبرَّءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبّونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهلَ البيت بقول أو عملٍ، ويُمسكون عمَّا جرى بين الصحابة، ويقولون إنَّ هذه الآثار المرويّة في مساوئهم منها ما هو كذبٌ ومنها ما قد زِيد فيه ونُقص وغُيِّر عن وجهه، والصحيحُ منه هم فيه معذورون إمَّا مجتهدون مصيبون وإمَّا مجتهدون مخطئون".
وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قول الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
стр. 166
وَرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية قال: "فقد أخبر اللهُ العظيم أنَّه قد رضي عن السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسان، فيا ويلَ مَن أبغضَهم أو سبَّهم أو أبغضَ أو سبَّ بعضَهم ولا سِيَما سيِّدُ الصحابة بعد الرَّسول ﷺ وخيرُهم وأفضلُهم أعني الصِّديقَ الأكبرَ والخليفةَ الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة ﵁، فإنَّ الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضلَ الصحابة، ويبغضونهم ويسبُّونهم عياذاً بالله من ذلك، وهذا يدلُّ على أنَّ عقولَهم معكوسةٌ وقلوبَهم منكوسةٌ، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون مَن ﵃، وأمَّا أهلُ السنة فإنَّهم يترَضَّوْن عمَّن ﵁ ويسبُّون من سبَّه اللهُ ورسولُه ويوالون من يوالي اللهَ ويعادون من يعادي اللهَ، وهم متَّبعون لا مبتدعون ويقتدون ولا يبتدعون، ولهذا هم حزبُ الله المفلحون وعبادُه المؤمنون".
وقال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية (ص: ٤٦٩) : "فمن أضلُّ مِمَّن يكون في قلبه غلٌّ على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيِّين، بل قد فضَلهم اليهودُ والنصارى بخصلة، قيل لليهود مَن خيرُ أهل ملَّتكم؟ قالوا: أصحابُ موسى، وقيل للنصارى: من خير أهل ملَّتكم؟ فقالوا: أصحابُ عيسى، وقيل للرافضة: من شرُّ أهل ملَّتكم؟ فقالوا: أصحابُ محمد، ولم يستثنوا منهم إلاَّ القليل، وفيمن سبّوهم من هو خير مِمَّن استثنوهم بأضعافٍ مضاعفةٍ".
وهذا المعنى جاء في شعر أحد علمائهم بين القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري، وهو كاظم الأزري، فقال:
أهم خير أمة أخرجت للنَّا ... س هيهات ذاك بل أشقاها
стр. 167
وقفتُ عليه في نقد الأستاذ محمود الملاح لقصيدته الأزرية المطبوع بعنوان: "الرزيّة في القصيدة الأزرية" (ص: ٥١) .
وما جاء في هذا البيت غايةٌ في الجفاء والخبث، وهو مُصادمٌ للقرآن لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ .
وقال الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري (١٣/٣٤) : "واتّفق أهلُ السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من حروبٍ ولو عُرف المحقُّ منهم؛ لأنَّهم لَم يقاتلوا في تلك الحروب إلاَّ عن اجتهادٍ وقد عفا اللهُ تعالى عن المخطئ في الاجتهاد بل ثبت أنَّه يؤجر أجراً واحداً وأنَّ المصيبَ يؤجر أجرين".
وقال الشيخ يحيى بن أبي بكر العامري في كتابه الرياض المستطابة في من له روايةٌ في الصحيحين من الصحابة (ص: ٣١١) : "وينبغي لكلِّ صيِّنٍ متديِّنٍ مسامحة الصحابة فيما صدر بينهم من التشاجر والاعتذار عن مخطئهم وطلب المخارج الحسنة لهم وتسلِيم صحة إجماع ما أجمعوا عليه على ما علموه، فهم أعلم بالحال، والحاضرُ يرى ما لا يرى الغائبُ، وطريقةُ العارفين الاعتذارُ عن المعائب، وطريقةُ المنافقين تتبُّعُ المثالب، وإذا كان اللاَّزمُ من طريقة الدين سترَ عورات المسلمين فكيف الظنُّ بصحابة خاتم النبيّين مع اعتبار قوله ﷺ : (لا تسبُّوا أحداً من أصحابي) ، وقوله: (من حُسْن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه) هذه طريقةُ صلحاء السلف وما سواها مهاوٍ وتلف".
стр. 168
٢٧ قوله: "والطاعةُ لأئمَّة المسلمين مِن ولاة أمورهم وعلمائهم".
١ قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ، أولو الأمر هم العلماء والأمراء، فيُسمع للعلماء ويُطاع فيما يبيِّنونه من أمور الدِّين، ويُسمع للأمراء ويُطاع فيما يأمرون به مِمَّا ليس معصيةً لله ، وقد رجَّح تفسيرَ وُلاة الأمر بما يشمل العلماء والأمراء القرطبيُّ وابنُ كثير في تفسيريهما، فعزا القرطبيُّ تفسيرَ ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ بالأمراء إلى الجمهور وأبي هريرة وابن عباس وغيرِهم، وقال أيضاً: "وقال جابر بن عبد الله ومجاهد (أولو الأمر) : أهلُ القرآن والعلم، وهو اختيارُ مالكٍ ﵀، ونحوُه قولُ الضحّاك، قال: يعني الفقهاء والعلماء في الدِّين".
وقال ابنُ كثير في تفسيره: "وقال عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني أهل الفقه والدِّين، وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصري وأبو العالية: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني العلماء".
ويدلُّ لطاعة العلماء قولُ الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ، وقولُه: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ .
ويدلُّ لطاعة الأمراء قوله ﷺ : "السمعُ والطاعةُ على المرء المسلم فيما أحبَّ وكرِهَ ما لم يُؤمَر بمعصيةٍ، فإذا أُمر بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة" رواه البخاري (٧١٤٢) ومسلم (١٨٣٩) مِن حديث عبد الله بن عمر ﵄.
وقولُه ﷺ : "إنَّما الطاعةُ في المعروف" رواه البخاري (٧١٤٥) ومسلم (١٨٤٠) من حديث عليّ ﵁.
стр. 169
وقولُه ﷺ : "عليك السمعَ والطاعةَ في عُسرِك ويُسرِك، ومَنشَطِك ومَكرَهِك، وأثرَةٍ عليك" رواه مسلم (١٨٣٦) مِن حديث أبي هريرة ﵁.
وروى مسلم أيضاً (١٨٣٧) عن أبي ذر ﵁ قال: "إنَّ خليلي أوصاني أن أسمعَ وأُطيعَ، وإن كان عبداً مُجَدَّعَ الأطْرافِ". قال سهل بن عبد الله التستري كما في تفسير القرطبي (٥/٢٦٠) : "لا يزالُ النَّاسُ بخيرٍ ما عظَّموا السلطانَ والعلماءَ، فإذا عظَّموا هذين أصلح اللهُ دنياهم وأُخراهم، وإذا استخفُّوا بهذين أفسد دنياهم وأُخراهم".
٢ تَتمُّ ولايةُ الأمر بأحد أمورٍ أربعة:
الأول: النَّصُّ من رسول الله ﷺ ، لو نصَّ على أحدٍ بعينه فإنَّه يكون خليفةً بذلك، وقد قال بعضُ أهل العلم: إنَّ خلافةَ أبي بكر ﵁ تمَّتْ بذلك، والصحيحُ أنَّه لم يأت نصٌّ خاصٌّ عن رسول الله ﷺ بتعيين خليفةٍ مِن بعده، لا أبي بكر ولا غيرِه، كما قال عمر ﵁ لمَّا طُلب منه أن يستخلف في مرض موته، قال: "إن أستخلفْ فقد استخلف مَن هو خيرٌ منِّي: أبو بكر، وإن أتركْ فقد ترك مَن هو خيرٌ منِّي: رسول الله ﷺ " رواه البخاري (٧٢١٨) ومسلم (١٨٢٣) .
وجاء عنه ﷺ نصوصٌ تدلُّ على أنَّ أبا بكر ﵁ هو الأحقُّ والأَوْلى بالأمر مِن بعده، مثل تقديم النَّبيِّ إيّاه في الصلاة بالناس في مرض موته ﷺ ، وأَوْضحُ شيءٍ في ذلك ما رواه البخاري (٥٦٦٦) ومسلم (٢٣٨٧) ، واللَّفظُ لمسلم، عن عائشةَ ﵂ قالت: قال لي رسولُ الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أبا بكرٍ وأخاكِ حتَّى أكتُبَ كتاباً؛ فإنِّي أخاف أن يتمنَّى
стр. 170
مُتَمَنٍّ ويقولَ قائلٌ: أنا أَوْلى، ويأبى اللهُ والمؤمنون إلاَّ أبا بكر".
الثاني: اتِّفاقُ أهلِ الحلِّ والعقد على تعيين خليفةٍ، ويدلُّ له اتِّفاقُ الصّحابةِ على اختيار أبي بكر للخلافة بعد رسول الله ﷺ ، وهو اتِّفاقٌ مُستندٌ إلى نصوصٍ دالَّةٍ على أنَّه الأحقُّ بالخلافة بعد رسول الله ﷺ ، ومنها ما تقدَّمَت الإشارةُ إليه قريباً.
الثالث: أن يعهد الخليفةُ إلى رجلٍ يلي الخلافةَ مِن بعده، كما حصل مِن استخلاف أبي بكر لعمر ﵄، ويدلُّ له أثرُ عمر ﵁ الذي تقدَّم قريباً.
الرابع: أن يتغلَّب على النَّاس رجلٌ بالقهر والغلبة، فيستقرَّ له الأمرُ، كما حصل مِن انتزاعِ أبي العباس السَّفَّاح الخلافةَ مِن بني أُميَّةَ.
وقد ذكر هذه الأمورَ الأربعةَ القرطبيُّ في تفسيره عند تفسير قولِ الله : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ، وذكرها شيخُنا الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀ – في كتابه "أضواءُ البيان" عند هذه الآية، قال القرطبي: "فإن تغلَّب مَن له أهليَّةُ الإمامة وأخذها بالقهر والغلَبة، فقد قيل: إنَّ ذلك يكون طريقاً رابعاً، وقد سُئل سهل بن عبد الله التستري: ما يجب علينا لمن غلب على بلادنا وهو إمامٌ؟ قال: تُجيبُه وتُؤدِّي إليه ما يُطالبُك مِن حقِّه، ولا تُنكر فعالَه ولا تفرّ منه، وإذا ائْتمنك على سرٍّ مِن أمر الدِّين لم تُفشِه، وقال ابن خويز منداد: ولو وثب على الأمر مَن يصلُحُ له مِن غير مشورةٍ ولا اختيارٍ وبايع له النَّاسُ تمَّتْ له البيعةُ، والله أعلم".
وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٢/٢٣٤) في قولِ عبد الله ابن عمرو: "أطِعْه في طاعةِ الله، واعْصِهِ في معصيةِ الله" قال: "فيه دليلٌ
стр. 171
لوجوب طاعةِ المتَوَلّين للإمامة بالقهر مِن غير إجماعٍ ولا عهدٍ".
وقال الحافظ في الفتح (١٣/١٢٢) : "وأمَّا لو تغلَّب عبدٌ حقيقةً بطريقِ الشَّوْكة فإنَّ طاعتَه تجبُ إخماداً للفتنة، ما لم يأمُر بمعصية".
وقال الإمامُ أحمد في اعتقاده كما في السنَّة لِلاّلكائي (٢/١٦١) : "ومَن خرج على إمامِ المسلمين وقد كان النَّاسُ اجتمعوا عليه وأقرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان: بالرِّضا أو بالغلَبة، فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين وخالف الآثارَ عن رسول الله ﷺ ، فإن مات الخارجُ عليه مات مِيتةً جاهليَّة".
وقال الحافظ في الفتح (١٣/٧) في شرح حديث: "مَن رأى مِن أميره شيئاً يكرهُه فليصبر عليه؛ فإنَّه مَن فارق الجماعةَ شِبراً فمات، إلاَّ مات مِيتةً جاهليَّة" قال: "قال ابن بطَّال: في الحديث حجَّةٌ في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاءُ على وجوب طاعة السلطان المتغلِّب والجهادِ معه، وأنَّ طاعتَه خيرٌ مِن الخروج عليه؛ لِما في ذلك مِن حَقنِ الدِّماء وتسكينِ الدَّهماء، وحجتُّهم هذا الخبرُ وغيرُه مِمَّا يساعده، ولم يستثنوا مِن ذلك إلاَّ إذا وقع من السلطان الكفرُ الصَّريحُ، فلا تجوزُ طاعتُه في ذلك، بل تجب مجاهدَتُه لِمَن قدر عليها كما في الحديث الذي بعده".
يشيرُ بذلك إلى حديث عبادةَ بن الصَّامت ﵁: "بايعَنَا على السَّمع والطَّاعة في مَنشَطِنا ومَكرَهِنا وعُسرِنا ويُسرِنا، وأثرَةٍ علينا، وأن لا نُنازع الأمرَ أهلَه، إلاَّ أن ترَوا كفراً بَواحاً عندكم مِن الله فيه بُرْهانٌ".
٣ حقُّ وُلاة الأمر على الرَّعيَّة النُّصحُ لهم، ويكون النُّصحُ بالسمع والطَّاعة لهم في المعروف، والدّعاءِ لهم، وترْكِ الخروج عليهم ولو كانوا جائرين، ومِن أدلَّة النُّصح لهم قولُه ﷺ : "الدِّينُ النَّصيحةُ، قلنا: لِمَن؟
стр. 172
قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمَّة المسلمين وعامَّتِهم" رواه مسلم (٩٥) .
وروى الإمامُ مالك في الموطأ (٢/٩٩٠) عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللهَ يرضى لكم ثلاثاً، ويسخطُ لكم ثلاثاً، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تُشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، وأن تناصحوا مَن ولاَّه اللهُ أمرَكم، ويسخطُ لكم قيلَ وقالَ، وإضاعةَ المال، وكثرةَ السؤال". ورواه أيضاً الإمامُ أحمد في مسنده (٨٧٩٩) ، وهو حديثٌ صحيحٌ.
وفي مسند الإمام أحمد (٢١٥٩٠) بإسنادٍ صحيحٍ عن زيد بن ثابت ﵁ في حديثٍ طويلٍ، وفيه: "ثلاثُ خصال لا يغِلُّ عليهنَّ قلبُ مسلم أبداً: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ وُلاة الأمر، ولزومُ الجماعة؛ فإنَّ دعوَتَهم تُحيطُ مِن ورائهم".
قال ابن القيِّم في مفتاح دار السعادة (ص: ٧٩) في معنى "لا يغِلُّ عليهنَّ قلبُ مسلم": "أي لا يحمل الغِلَّ ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة؛ فإنَّها تنفي الغِلَّ والغِشَّ وفسادَ القلب وسخائمَه" إلى أن قال: "وقولُه (ومناصحةُ أئمّة المسلمين) : هذا أيضاً منافٍ للغلِّ والغشِّ؛ فإنَّ النَّصيحةَ لا تجامعُ الغلَّ؛ إذ هي ضدّه، فمَن نصح الأئمَّةَ والأمَّةَ فقد برِئَ مِن الغلّ.
وقولُه: (ولزومُ جماعتهم) : هذا أيضاً مِمَّا يطهِّرُ القلبَ مِن الغلِّ والغشِّ؛ فإنَّ صاحبَه للزومه جماعةَ المسلمين يحبُّ لهم ما يحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، ويسوؤه ما يسوؤهم، ويسرُّه ما يسرُّهم".
وقال النووي في شرحه على مسلم (٢/٣٨) : "وأمَّا النَّصيحةُ لأئمَّة المسلمين فمعاونَتُهم على الحقِّ وطاعتُهم فيه، وأَمْرُهم به، وتنبيهُهم
стр. 173
وتذكيرُهم برِفقٍ ولطفٍ، وإعلامُهم بما غفلوا عنه ولم يبلغْهم مِن حقوق المسلمين، وتركُ الخروج عليهم، وتألُّفُ النَّاس لطاعتهم، قال الخطّابي ﵀: ومِن النَّصيحة لهم الصلاةُ خلفَهم، والجهادُ معهم، وأداءُ الصّدقات إليهم، وتركُ الخروج بالسّيف عليهم إذا ظهر منهم حيفٌ أو سوءُ عِشرةٍ، وأن لا يُغرُّوا بالثّناء الكاذب عليهم، وأن يُدعى لهم بالصّلاح".
وقال ابن حجر في الفتح (١/١٣٨) : "والنَّصيحةُ لأئمَّة المسلمين إعانَتُهم على ما حمِّلوا القيامَ به، وتنبيهُهم عند الغفلة، وسدُّ خلَّتهم عند الهفوة، وجمعُ الكلمة عليهم، وردُّ القلوب النَّافرة إليهم، ومِن أعظم نصيحتهم دفعُهم عن الظلم بالتي هي أحسن، ومِن جملة أئمَّة المسلمين أئمَّةُ الاجتهاد، وتقع النَّصيحةُ لهم ببَثِّ علومِهم، ونشرِ مناقبِهم، وتحسينِ الظّنِّ بهم".
ثمَّ إنَّ النَّصيحةَ لوُلاة الأمور وغيرِهم تكون سرًّا وبرفقٍ ولينٍ، ويدلُّ لذلك قولُ الله لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ، وعن عائشةَ ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الرِّفقَ لا يكون في شيءٍ إلاَّ زانَه، ولا يُنْزَع من شيءٍ إلاَّ شانَه" رواه مسلم (٢٥٩٤) .
وفي صحيح البخاري (٣٢٦٧) ومسلم (٢٩٨٩) ، واللفظُ لمسلم، عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: قيل لأسامة: "ألا تدخل على عثمان فتكلِّمَه؟ فقال: أتُرَوْن أَنِّي لا أُكلِّمُه إلاَّ أُسمعُكم؟ والله! لقد كلَّمْتُه فيما بيني وبينه ما دون أن أفتحَ أمراً لا أُحبُّ أن أكون أوَّلَ مَن فتحَه" الحديث.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/٥١) : "أيْ كلَّمْتُه فيما أشرْتم
стр. 174
إليه، لكن على سبيل المصلحة والأدب في السرِّ بغير أن يكون في كلامي ما يثير فتنةً أو نحوَها".
وعن عياض بن غنم عن رسول الله ﷺ قال: "مَن أراد أن ينصح السلطانَ بأمرٍ فلا يُبدِ له علانيةً، ولكن لِيأخذْ بيدِه فيخلو به، فإن قَبِل منه فذاك، وإلاَّ كان قد أدَّى الذي عليه له" رواه أحمد (١٥٣٣٣) والحاكم (٣/٢٩٠) وابن أبي عاصم في السنَّة (١٠٩٦ ١٠٩٨) ، قال الألبانيُّ في تخريجه (٢/٥٢٣) : "فالحديثُ صحيحٌ بمجموع طرقه".
وإذا خلا النُّصحُ من الرِّفق واللِّين وكان علانيةً فإنَّه يضرُّ ولا ينفعُ، ومِن المعلوم أنَّ أيَّ إنسانٍ إذا كان عنده نقصٌ يحبُّ أن يُنصح برفقٍ ولينٍ، وأن يكون ذلك سرًّا، فعليه أن يعامل النَّاسَ بمثل ما يحبُّ أن يعاملوه به، ففي صحيح مسلم (١٨٤٤) في حديثٍ طويلٍ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "فمَن أحبَّ أن يُزحْزح عن النَّار ويُدخل الجنَّةَ فلتأته منيَّتُه وهو يؤمنُ بالله واليوم الآخِر، وليأتِ إلى النَّاس الذي يحبُّ أن يُؤتى إليه".
٤ مِنَ النُّصح للوُلاة السمعُ والطاعةُ في المعروف، فإذا أَمروا بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة في ذلك، ويدلُّ لذلك قولُ الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ، وجاء في السنَّة أحاديثُ كثيرةٌ في السمع والطاعة لولاة الأمور، وقد مرَّ منها قريباً حديثُ عبد الله ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي ذر، وعبادة ابن الصامت.
وروى النَّسائي (٤١٦٨) بإسنادٍ صحيح عن جرير ﵁ قال: بايعْتُ النَّبِيَّ ﷺ على السَّمع والطَّاعة، وأن أنصح لكلِّ مسلمٍ".
стр. 175
وفي صحيح مسلم (١٨٤٧) في حديثٍ طويلٍ عن حذيفةَ ﵁ قال له رسولُ الله ﷺ : "تسمعُ وتُطيعُ للأمير، وإنْ ضرب ظهرك وأخذَ مالك، فاسمعْ وأطعْ".
وروى البخاري (٧١٣٧) ومسلم (١٨٣٥) واللفظُ لمسلم، عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: " مَن أطاعني فقد أطاع اللهَ، ومَن يعصِني فقد عصى اللهَ، ومَن يُطع الأميرَ فقد أطاعني، ومَن يعصِ الأميرَ فقد عصاني".
وروى مسلم في صحيحه (١٨٤٦) عن وائل بن حجر ﵁ قال: "سأل سلمةُ بن يزيد الجعفي رسولَ الله ﷺ ، فقال: يا نبيَّ الله! أرأيتَ إن قامتْ علينا أُمراءُ يسألونا حقَّهم ويمنعونا حقَّنا؟ فقال رسول الله ﷺ : اسمعوا وأطيعوا؛ فإنَّما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتُم".
وفي تفسير القرطبي (٥/٢٥٩) أنَّ سهلَ بن عبد الله التستري قال: "إذا نهى السلطانُ العالمَ أن يُفتِيَ فليس له أن يُفتي، فإن أفتى فهو عاصٍ، وإنْ كان أميراً جائراً"، ويدلُّ لذلك حديثُ عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يقصُّ إلاَّ أميرٌ أو مأمورٌ أو مختالٌ" رواه الإمام أحمد (٢٤٠٠٥) وأبو داود (٣٦٦٥) وهو حديثٌ صحيحٌ بطرقه، وانظر تعليقَ الألباني على المشكاة على حديث رقم (٢٤٠) .
وكان أبو موسى الأشعري ﵁ يُفتي بالتَّمتُّع في الحجِّ، فبلغه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه يأمر بالإفراد، فقال: "يا أيها الناس! مَن كنَّا أفتيناه فُتيا فلْيتَّئِدْ؛ فإنَّ أميرَ المؤمنين قادمٌ عليكم، فبه فائْتمُّوا"، أخرجه مسلم في صحيحه (١٢٢١) .
وفي سنن البيهقي (٣/١٤٤) عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كنَّا مع عبد الله بن مسعود بجمع، فلمَّا دخل مسجد منى قال: كم صلّى أميرُ
стр. 176
المؤمنين؟ قالوا: أربعاً، فصلّى أربعاً، قال: فقلنا: ألم تُحدِّثْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلّى ركعتين، وأبا بكر صلّى ركعتين، فقال: بلى! وأنا أُحدِّثكموها الآن، ولكنَّ عثمان كان إماماً فما أخالفه، والخلافُ شرٌّ".
وهو عند أبي داود (١٩٦٠) ، ورواه البيهقي مِن طريقه (٣/١٤٣) ، وفي إسناده مَن أُبهم، وعند البيهقي من طريقٍ أخرى فيها مَن أُبهم، وفيها: "قال: إنِّي أكرهُ الخلافَ". وإتمامُ الصلاة في السّفر خلافُ الأَوْلى، قد فعله ابنُ مسعود تركاً لمخالفة عثمان.
وفي صحيح البخاري (٩٥٦) ومسلم (٨٨٩) في قصَّة بَدْء مرْوان بالخُطبة يومَ العيد قبل الصلاة، وإنكارِ أبي سعيد الخدري عليه ذلك، ذكر الحافظ في الفتح (٢/٤٥٠) مِن فوائد الحديث: "جوازُ عمل العالم بخلاف الأَوْلى إذا لم يوافقْه الحاكمُ على الأَوْلى؛ لأنَّ أبا سعيد حضر الخطبةَ ولم ينصرفْ، فيُستدلُّ به على أنَّ البداءة بالصلاة فيها ليس بشرطٍ في صحَّتِها، والله أعلم".
وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/١١٧) : "وأمَّا السمعُ والطاعةُ لوُلاة أمور المسلمين، ففيها سعادةُ الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشِهم، وبها يستعينون على إظهار طاعة ربِّهم".
٥ مِن النُّصح للوُلاة الدعاءُ لهم وعدمُ الدعاء عليهم، وهي طريقةُ أهل السنَّة والجماعة، قال شيخُ الإسلام ابن تيمية في السياسة الشرعيَّة (ص١٢٩) : "ولهذا كان السَّلَفُ كالفُضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوةٌ مجابةٌ لدعونا بها للسلطان".
وقال الشيخ أبو محمد الحسن البربهاري في كتابه شرح السنَّة (ص١١٦) : "وإذا رأيتَ الرَّجلَ يدعو على السلطان فاعلم أنَّه صاحبُ هوى، وإذا
стр. 177
رأيتَ الرَّجلَ يدعو للسلطان بالصّلاح فاعلم أنَّه صاحبُ سنَّةٍ إن شاء الله، يقول فضيل بن عياض: لو كانت لي دعوةٌ ما جعلتُها إلاَّ في السلطان".
ثمَّ أسند إلى فضيل قولَه: "لو أنَّ لي دعوةً مستجابةً ما جعلتُها إلاَّ في السلطان، قيل له: يا أبا عليّ! فسِّرْ لنا هذا، قال: إذا جعلتُها في نفسي لم تعْدُنِي، وإذا جعلتُها في السلطان صلح، فصلح بصلاحه العبادُ والبلاد، فأُمرنا أن ندعوَ لهم بالصَّلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن ظلموا وإن جاروا؛ لأنَّ ظلمَهم وجورَهم على أنفسهم، وصلاحَهم لأنفسهم وللمسلمين".
وقال الطحاوي في عقيدة أهل السنَّة والجماعة: "ولا نرى الخروجَ على أئمَّتِنا ووُلاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا نَنْزِعُ يداً مِن طاعتهم، ونرى طاعتَهم مِن طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصيةٍ، وندعو لهم بالصّلاح والمعافاة". العقيدة مع شرحها لابن أبي العزّ (ص٥٤٠) .
وقال الشيخ أبو إسماعيل الصابوني في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص٩٢ ٩٣) : "ويرى أصحاب الحديث الجمعةَ والعيدين وغيرهما مِن الصلوات خلف كلِّ إمامٍ مسلمٍ، برًّا كان أو فاجرًا، ويرون جهادَ الكفرة معهم وإن كانوا جوَرَةً فجَرةً، ويرون الدعاءَ لهم بالإصلاح والتوفيق والصّلاح وبسط العدل في الرَّعيَّة".
٦ إذا حصل مِن وُلاة الأمر فسقٌ أو جَورٌ فلا يجوز الخروجُ عليهم؛ لأنَّه يترتَّب على الخروج عليهم مِنَ الفوضى والفساد أضعاف ما يحصل مِن الجور، ولا يجوز الخروجُ عليهم إلاَّ إذا حصل منهم كفرٌ واضحٌ بيِّنٌ، وقد دلَّ على ذلك سنَّةُ رسولِ الله ﷺ وعملُ السلف الصالح، ومِن ذلك ما
стр. 178
رواه البخاري (٧٠٥٥) ومسلم (١٧٠٩) عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعَنا رسول الله ﷺ على السَّمع والطَّاعة في مَنشَطِنا ومَكرَهِنا وعُسرِنا ويُسرِنا، وأثرَةٍ علينا، وأن لا نُنازع الأمرَ أهلَه، إلاَّ أن ترَوا كفراً بَواحاً عندكم مِن الله فيه بُرْهانٌ".
وروى مسلم في صحيحه (١٨٥٥) عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "خيارُ أئمَّتكم الذين تحبُّونهم ويحبّونكم، وتُصلُّون عليهم ويُصلُّون عليكم، وشِرارُ أئمَّتكم الذين تُبغضونهم ويُبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قالوا: قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذُهم عند ذلك؟ قال: لا! ما أقاموا فيكم الصلاةَ، لا! ما أقاموا فيكم الصلاةَ، ألا مَن وليَ عليه والٍ، فرآه يأتِي شيئاً مِن معصيةٍ، فليكره ما يأتِي مِن معصية الله، ولا ينزعنَّ يداً مِن طاعةٍ".
وروى مسلم (١٨٥٤) عن أمّ سلمة ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّه يُستعمل عليكم أُمراءُ، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئَ، ومَن أنكر فقد سلِم، ولكن مَن رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله! ألا نقاتلُهم؟ قال: لا! ما صلّوا".
وروى البخاري (٧٠٥٤) ومسلم (١٨٤٩) عن ابن عباس ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "مَن رأى مِن أميره شيئاً يكرهُه فليصبر عليه؛ فإنَّه مَن فارق الجماعةَ شبرًا فمات إلاَّ مات مِيتةً جاهليّة".
قال الحافظ في شرحه (١٣/٧) : "قال ابن أبي جمرة: المرادُ بالمفارقة السعيُ في حلّ عقد البيعة التي حصلتْ لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنَّى عنها بمقدار الشِّبر؛ لأنَّ الأخذَ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حقٍّ".
стр. 179
وقال الإمام أحمد في اعتقاده كما في السنَّة للالكائي (١/١٦١) : "ولا يحلُّ قتالُ السلطان ولا الخروجُ عليه لأحدٍ مِن النَّاس، فمن فعل ذلك فهو مبتدعٌ على غير السنَّة والطريق".
ومرَّ قريباً قولُ الطحاوي: "ولا نرى الخروجَ على أئمَّتِنا ووُلاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا نَنْزِعُ يداً مِن طاعتهم، ونرى طاعتَهم مِن طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصيةٍ، وندعو لهم بالصّلاح والمعافاة".
وقال الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص٩٣) : "ولا يرون الخروجَ عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدولَ عن العدل إلى الجور والحيف".
ومِن قواعد الشريعة ارتكابُ أخفِّ الضررين في سبيل التخلُّص مِن أشدِّهما، قال ابنُ القيّم في كتاب إعلامُ الموقِّعين (٣/١٥) : "إنَّ النَّبيَّ ﷺ شرع لأمَّته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره مِن المعروف ما يحبُّه اللهُ ورسولُه، فإذا كان إنكارُ المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنَّه لا يسوغ إنكارُه، وإن كان اللهُ يُبغضُه ويمقتُ أهلَه، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنَّه أساسُ كلِّ شرٍّ وفتنةٍ إلى آخر الدهر".
وما أحسنَ وأجملَ قولَ عبد الله بن مسعود ﵁: "تكون أمورٌ مشتبهاتٌ، فعليكم بالتؤدة؛ فإنَّ أحدَكم أن يكون تابعاً في الخير خيرٌ مِن أن يكون رأساً في الشرِّ" رواه البيهقي في الشعب (٧/٢٩٧) .
стр. 180
٢٨ قوله: "واتِّباعُ السلف الصّالح واقتفاءُ آثارهم والاستغفارُ لهم".
الخيرُ كلُّ الخير والسعادةُ كلُّ السعادة في اتِّباع ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام ومَن تبعهم بإحسان، وقد أخبر النَّبِيُّ ﷺ عن افتراق هذه الأمَّة إلى ثلاثٍ وسبعين فِرقةٍ، كلُّها في النَّار إلاَّ واحدة، قيل: مَن هي يا رسول الله؟ قال: "هي الجماعة"، وقد مرَّ ذلك، ومرَّ أيضاً قولُ النَّبِيِّ ﷺ في حديث العرباض بن سارية: ". . . فإنَّه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء المهديين الراشدين، تَمسَّكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة".
ومرَّ أيضاً قولُ مالكٍ ﵀: "لن يصلُح آخرُ هذه الأمَّة إلاَّ بما صلح به أوَّلُها".
وقال الإمام أحمد في أوّل اعتقاده كما في السنَّة للالكائي (١/١٥٦) : "أصولُ السنَّة عندنا التمسُّكُ بما كان عليه أصحابُ رسول الله ﷺ والاقتداءُ بهم، وتركُ البدع، وكلُّ بدعةٍ فهي ضلالةٌ، وتركُ الخصومات والجلوسِ مع أصحاب الأهواء، وتركُ المراء والجدال والخصومات في الدِّين".
وقد أثنى اللهُ على مَن جاء بعد المهاجرين والأنصار، مستغفراً لهم سائلاً اللهَ ألاَّ يجعل في قلبه غِلاًّ للمؤمنين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
قالت عائشة ﵂ فيمَن نال مِن بعض الصحابة: "أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النَّبِيِّ ﷺ فسبُّوهم" أخرجه مسلم (٣٠٢٢) .
следующие страницы →