← Акыда

Акыда · id 11292

قطف الجني الداني شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني

عبد المحسن العباد

Полный текст (188 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

(ما تعتقد؟ قال: ما يعتقده المسلمون، فقال: وأنتَ مُنشرح الصَّدر لذلك مستيقن به؟ أو كما قال، فقال: نعم، فقال: اشكر الله على هذه النِّعمة، لكنِّي – والله! – ما أدري ما أعتقد، – والله! – ما أدري ما أعتقد! – والله! – ما أدري ما أعتقد!) وبكى حتى أخضَل لحيته. ولابن أبي الحديد الفاضل المشهور بالعراق: فيكَ يا أُغلوطة الفِكَر ... حارَ أمري وانقضى عمري سافرتْ فيك العقولُ فما ... ربحت إلاَّ أذى السفر فلحى الله الأُلَى زعموا ... أنَّك المعروف بالنَّظر كذبوا إنَّ الذي ذكروا ... خارجٌ عن قوة البشر وقال الخونجي عند موته: "ما عرفتُ مِمَِّا حصَّلته شيئاً سوى أنَّ الممكن يفتقر إلى المرجِّح، ثم قال: الافتقار وصفٌ سلبِيٌّ، أموت وما عرفتُ شيئاً". وقال آخر: "أضطجع على فراشي، وأضع الملحفةَ على وجهي، وأقابل بين حُجَج هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجَّح عندي منها شيء". إلى أن قال شارح الطحاوية: "وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز، فيُقرُّ بما أقرُّوا به، ويُعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك، التي كان يقطع بها ثمَّ تبيَّن له فسادُها، أو لم يتبيَّن له صحتُها، فيكونون في نهاياتهم – إذا سلموا من العذاب – بِمنْزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب". وكان أبو محمد الجوينِي والد إمام الحرمين في حيرة واضطراب في صفات الله ، ثمَّ صار إلى مذهب السَّلف، وألَّف رسالة نُصح لبعض مشايخه من الأشاعرة، وهي مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (١/١٧٤ – ١٨٧) .

стр. 37

الفائدة الثامنة: هل صحيح أنَّ أكثرَ المسلمين في هذا العصر أشاعرة ؟ الأشاعرة هم المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري، وهو علي بن إسماعيل المتوفى سنة (٣٣٠هـ) ﵀، وقد مرَّ في العقيدة بثلاثة أطوار: كان على مذهب المعتزلة، ثم في طور بين الاعتزال والسُّنَّة، يثبت بعضَ الصفات ويؤوِّل أكثرها، ثمَّ انتهى أمره إلى اعتقاد ما كان عليه سلف الأمة؛ إذ أبان عن ذلك في كتابه الإبانة، الذي هو من آخر كتبه أو آخرها، فبيَّن أنَّه في الاعتقاد على ما كان عليه إمام أهل السُّنَّة، الإمام أحمد بن حنبل – ﵀ – وغيره من أهل السُّنَّة، وهو إثبات كلّ ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، على ما يليق بالله، من غير تكييف أو تمثيل، ومن غير تحريف أو تأويل، كما قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . والأشاعرة باقون على مذهبه الذي كان عليه قبل الانتقال إلى مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، وقد اشتهر عند بعض الناس مقولةٌ أنَّ الأشاعرة في هذا العصر يُمثِّلون ٩٥? من المسلمين، وهذه المقولة غير صحيحة من وجوه: الأول: أنَّ إثبات مثل هذه النسبة إنِّما يكون بإحصاء دقيق يؤدِّي إلى ذلك، وهو غير حاصل، وهي مجرَّد دعوى. الثاني: أنَّه لو سُلِّم أنَّهم بهذه النِّسبة؛ فإنَّ الكثرةَ لا تدلُّ على السلامة وصحَّة العقيدة، بل السَّلامةُ وصحَّةُ المعتقد إنَّما تحصل باتِّباع ما كان عليه سلف هذه الأمَّة من الصحابة ومَن سار على نهجهم، وليست باتِّباع

стр. 38

معتقد توفي صاحبُه في القرن الرابع، وقد رجع عنه، وليس من المعقول أنَّ يُحجب حقٌّ عن الصحابة والتابعين وأتباعهم، ثم يكون في اتِّباع اعتقاد حصلت ولادتُه بعد أزمانهم. الثالث: أنَّ مذهب الأشاعرة إنَّما يعتقده الذين تعلَّموه في مؤسَّسات علمية، أو تعلَّموه من مشايخ كانوا على مذهب الأشاعرة، وأمَّا العوام– وهم الأكثرية – فلا يعرفون شيئاً عن مذهب الأشعرية، وإنَّما هم على الفطرة التي دلَّ عليها اعتقاد الجارية في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، وقد تقدَّم. والعقيدة المطابقة للفطرة هي عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة، وقد مرَّ إيضاحُ ذلك قريباً في الفائدة الثالثة.

стр. 39

الفائدة التاسعة: عقيدة الأئمَّة الأربعة ومَن تفقَّه بمذاهبهم من أئمَّة أهل السُّنَّة الإمام أبو حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل ﵏، وعقيدتُهم هي عقيدة السَّلف من الصحابة ومَن سار على نهجهم. وأمَّا المشتغلون بالفقه بعدهم، فمنهم من يستفيدُ من علمهم في الفروع، ويُعوِّل على ما دلَّ عليه الدليل؛ أخذاً بوصايا الأئمَّة أنفسهم، فإنَّ كلَّ واحد منهم جاء عنه الأمرُ باتِّباع الدليل، وتركِ قوله إذا كان الدليلُ على خلافه، وهؤلاء موافقون لهم في العقيدة.

стр. 40

ومنهم مَن يُقلِّدُهم في مسائل الفروع، دون سعيٍ إلى معرفة الرَّاجح بالدَّليل، وهؤلاء منهم مَن يُوافقهم في العقيدة، وكثيرون منهم يتَّبعون مذهب الأشاعرة. ومن أمثلة مَن تفقَّه في المذهب الحنفي وهو على عقيدة السَّلف الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة، وشارح هذه العقيدة علي بن أبي العز الحنفي، ومنهم في المذهب الشافعي عبد الرحمن ابن إسماعيل الصابوني، مؤلِّف كتاب عقيدة السلف وأصحاب الحديث، والذهبي صاحب كتاب العلو، وابن كثير صاحب التفسير، ومنهم في المذهب المالكي ابن أبي زيد القيرواني، وأبو عمر الطلمنكي، وأبو عمر بن عبد البر، ومنهم في المذهب الحنبلي الإمام ابن تيمية، والإمام ابن القيم، والإمام محمد بن عبد الوهاب. وقد ذكر ابن القيم – ﵀ – في كتابه الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة كما في مختصره لابن الموصلي اثنين وأربعين وجهاً في إبطال قول مَن فسَّر الاستواء على العرش بالاستيلاء عليه، وذكر أنَّ كثيراً من المالكية على منهج السَّلف في العقيدة، فقال في (٢/١٣٢ – ١٣٦) : "الوجه الثاني عشر: أنَّ الإجماعَ منعقدٌ على أنَّ الله سبحانه استوى على عرشه حقيقة لا مجازاً، قال الإمام أبو عمر الطلمنكي - أحد أئمَّة المالكية وهو شيخ أبي عمر بن عبد البر - في كتابه الكبير الذي سَمَّاه الوصول إلى معرفة الأصول، فذكر فيه من أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم وأقوال مالك وأئمَّة أصحابه، ما إذا وقف عليه الواقفُ علمَ حقيقةَ مذهب السَّلف، وقال في هذا الكتاب: أجمع أهلُ السنَّة على أنَّ الله تعالى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز.

стр. 41

الوجه الثالث عشر: قال الإمام أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد في شرح حديث النُزول: "وفيه دليلٌ على أنَّ الله تعالى في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة وقرَّر ذلك، إلى أن قال: وأهل السُّنَّة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في القرآن والسُّنَّة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلاَّ أنَّهم لا يُكيِّفون شيئاً من ذلك، ولا يَحدُّون فيه صفة مخصوصة، وأمَّا أهل البدع الجهمية والمعتزلة والخوارج، فكلُّهم يُنكرُها ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة، ويزعمون أنَّ مَن أقرَّ بها مشبِّهٌ، وهم عند مَن أقرَّ بها نافون للمعبود. وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره المشهور في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ : هذه المسألة للفقهاء فيها كلام، ثم ذكر أقوال المتكلمين، ثم قال: وقد كان السلف الأول لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق به في كتابه، وأخبرت به رسلُه، ولم يُنكر أحدٌ من السلف الصالح أنَّه استوى على عرشه حقيقة، وإنَّما جهلوا كيفية الاستواء، كما قال مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول. الوجه الرابع عشر: أنَّ الجهمية لَمَّا قالوا إنَّ الاستواءَ مجازٌ صرَّح أهل السُّنَّة بأنَّه مستوٍ بذاته على عرشه، وأكثرُ مَن صرَّح بذلك أئمَّةُ المالكية، فصرَّح به الإمام أبو محمد بن أبي زيد في ثلاثة مواضع من كتبه، أشهرها الرسالة، وفي كتاب جامع النوادر، وفي كتاب الآداب، فمَن أراد الوقوف على ذلك فهذه كتبه، وصرَّح بذلك القاضي عبد الوهاب، وقال: إنَّه استوى بالذات على العرش، وصرَّح به القاضي أبو بكر الباقلاني وكان مالكيًّا، حكاه عنه القاضي عبد الوهاب نصًّا، وصرَّح به أبو عبد الله

стр. 42

القرطبي في كتاب شرح أسماء الله الحسنى، فقال: ذكر أبو بكر الحضرمي من قول الطبري يعني محمد بن جرير وأبي محمد بن أبي زيد وجماعة من شيوخ الفقه والحديث، وهو ظاهر كتاب القاضي عبد الوهّاب عن القاضي أبي بكر وأبي الحسن الأشعري، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن القاضي أبي بكر نصًّا، وهو أنَّه سبحانه مُستوٍ على عرشِه بذاته، وأطلقوا في بعض الأماكن فوق خلقه. قال: وهذا قولُ القاضي أبي بكر في تمهيد الأوائل له، وهو قولُ أبي عمر بن عبد البر، والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيّين، وقول الخطّابي في شعار الدِّين. وقال أبو بكر محمد بن موهب المالكي في شرح رسالة ابن أبي زيد: قوله إنَّه فوق عرشه المجيد بذاته، معنى (فوق) و (على) عند جميع العرب واحدٌ، وفي كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ تصديقُ ذلك، ثمَّ ذكر النصوصَ من الكتاب والسنة واحتجَّ بحديث الجارية وقول النبيِّ ﷺ لها: (أين الله؟) وقولها: (في السماء) ، وحكمه بإيمانها، وذَكَر حديثَ الإسراء، ثمَّ قال: وهذا قول مالك فيما فهمه عن جماعةٍ مِمَّن أدرك من التابعين، فيما فهموا من الصحابة فيما فهموا عن نبيِّهم ﷺ : أنَّ اللهَ في السماء بمعنى فوقها وعليها، قال الشيخ أبو محمد: إنَّه بذاته فوق عرشه المجيد، فتبيَّن أنَّ علوَّه على عرشه وفوقه إنَّما هو بذاته، إلاَّ أنَّه بائنٌ من جميع خلقه بلا كيف، وهو في كلِّ مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته، لا تحويه الأماكن؛ لأنَّه أعظمُ منها، إلى أن قال: وقوله: على العرش استوى، إنَّما معناه عند أهل السنَّة على غير معنى الاستيلاء والقهر والغلبة والملك، الذي ظنَّت المعتزلةُ ومَن قال بقولهم أنَّه معنى الاستواء، وبعضُهم يقول إنَّه على

стр. 43

المجاز لا على الحقيقة، قال: ويُبيِّن سوءَ تأويلهم في استوائه على عرشه على غير ما تأوَّلوه من الاستيلاء وغيره، ما قد علمه أهلُ المعقول أنَّه لَم يَزل مستولياً على جميع مخلوقاته بعد اختراعه لها، وكان العرشُ وغيرُه في ذلك سواءً، فلا معنى لتأويلهم بإفراد العرش بالاستواء الذي هو في تأويلهم الفاسد استيلاءٌ وملكٌ وقَهرٌ وغلبةٌ، قال: وذلك أيضاً يبيِّن أنَّه على الحقيقة بقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ ، فلمَّا رأى المصنِّفون إفراد ذكره بالاستواء على العرش بعد خلق السموات وأرضه وتخصيصه بصفة الاستواء علموا أنَّ الاستواءَ غير الاستيلاء، فأقرُّوا بوصفه بالاستواء على عرشه وأنَّه على الحقيقة لا على المجاز؛ لأنَّه الصادقُ في قِيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله؛ إذ ليس كمثله شيء، هذا لفظه في شرحه. الوجه الخامس عشر: أنَّ الأشعريَّ حكى إجماعَ أهل السنَّة على بُطلان تفسير الاستواء بالاستيلاء، ونحن نذكر لفظَه بعينه الذي حكاه عنه أبو القاسم بن عساكر في كتاب تبيين كذب المفتري، وحكاه قبله أبو بكر بن فَوْرك وهو موجودٌ في كتبه، قال في كتاب الإبانة وهي آخرُ كتبه قال: "باب ذكر الاستواء" إن قال قائلٌ: ما تقولون في الاستواء، قيل: نقول له: إنَّ اللهَ تعالى مستوٍ على عرشه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، وساق الأدلَّةَ على ذلك، ثمَّ قال: وقال قائلون من المعتزلة والجهميّة والحرورية: إنَّ معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أنَّه استولى ومَلَكَ وقَهَر، وجحدوا أن يكون اللهُ على عرشه كما قال أهلُ الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القُدرة، ولو كان هذا كما قالوا كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة السُّفلى؛ لأنَّ اللهَ تعالى قادرٌ على كلِّ شيء، والأرض والسموات وكلّ شيء في العالَم، فلو كان اللهُ مستوياً على

стр. 44

العرش بمعنى الاستيلاء والقدرة لكان مستوياً على الأرض والحشوش والأنْتَان والأقْذار؛ لأنَّه قادرٌ على الأشياء كلِّها ولم نجد أحداً من المسلمين يقول إنَّ اللهَ مستوٍ على الحشوش والأخْلِيَة، فلا يجوزُ أن يكون معنى الاستواء على العرش على معنى هو عام في الأشياء كلِّها، ووَجَبَ أن يكون معنى الاستواء يَختصُّ بالعرش دون سائر الأشياء، وهكذا قال في كتابه الموجَز وغيره من كتبه".

стр. 45

نص الكتاب نصُّ مقدِّمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني ... نصُّ مقدِّمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني من طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات من ذلك الإيمانُ بالقلب والنُّطقُ باللِّسان أنَّ الله إلَهٌ واحدٌ لا إله غيرُه، ولا شبيهَ له، ولا نَظيرَ له، ولا وَلَدَ له، ولا وَالِدَ له، ولا صاحبة له، ولا شريكَ له. ليس لأَوَّلِيَّتِهِ ابتداءٌ، ولا لآخِرِيَّتِه انقضَاءٌ، لا يَبْلُغُ كُنْهَ صِفَتِهِ الواصفون، ولاَ يُحيطُ بأمرِه المُتَفَكِّرونَ، يَعتَبِرُ المتفَكِّرونَ بآياته، ولا يَتَفكَّرونَ في مَاهِيَةِ١ ذاتِه، ولا يُحيطون بشيءٍ من عِلمه إلاَّ بِما شاء وَسِعَ كرْسِيُّه السَّموات والأرض، ولا يِؤُودُه حفظُهما وهو العليُّ العَظيمُ. العالِمُ٢ الخبيرُ، المُدَبِّرُ القَدِيرُ، السَّمِيعُ البصيرُ، العَلِيُّ الكَبيرُ، وَأنَّه فوقَ عَرشه المجيد بذاته، وهو في كلِّ مَكان بعِلمه.

стр. 46

خَلَقَ الإنسانَ، ويَعلمُ ما تُوَسْوِسُ به نفسُه، وهو أَقرَبُ إليهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وما تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلاَّ يَعلَمُها، ولاَ حَبَّةٍ في ظُلُمَات الأرضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِس إلاَّ في كتاب مُبين. على العَرشِ اسْتَوى، وعَلى المُلْكِ احْتَوى، وله الأسماء الحُسنى والصِّفاتُ العُلَى، لَم يَزَل بِجَميعِ صفاتِه وأسمائِه، تَعالى أن تكونَ صفاتُه مَخلوقَةً، وأسماؤُه مُحْدَثَةً. كلَّم موسى بكلامِه الَّذي هو صفةُ ذاتِه، لا خَلْقٌ مِن خَلقِه، وَتَجَلَّى للجَبَل فصار دَكًّا مِن جلالِه، وأنَّ القرآنَ كلامُ الله، ليس بمخلُوقٍ فيَبِيدُ، ولا صفة لمخلوقٍ فَيَنْفَدُ. والإيمانُ بالقَدَرِ خَيْرِه وشَرِّه، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وكلُّ ذلك قَد قَدَّرَهُ اللهُ رَبُّنا، ومقاديرُ الأمورِ بيدِه، ومَصدَرُها عن قضائِه. عَلِمَ كلَّ شيْءٍ قَبل كَونِه، فجَرَى على قَدَرِه، لا يَكون مِن عبادِه قَولٌ ولا عَمَلٌ إلاَّ وقدْ قَضَاهُ وسبق عِلْمُه به، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ يُضِلُّ مَن يشاء، فيَخْذُلُه بعدْلِه، ويَهدي مَن يَشاء، فَيُوَفِّقُه بفضلِه، فكَلٌّ مُيَسَّرٌ بتَيْسيره إلى ما سَبَقَ مِن علمه وقَدَرِه، مِن شَقِيٍّ أو سعيدٍ. تعالَى أن يكونَ في مُلْكِهِ ما لا يُريد، أو يكونَ لأَحَد عنه غِنًى خالقاً لكلِّ شيءٍ، ألاَ هو١ رَبُّ العباد ورَبُّ أعمالِهم، والمُقَدِّرُ لِحَركاتِهم وآجالِهم. الباعثُ الرُّسُل إليهِم لإقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيهم.

стр. 47

ثُمَّ خَتَمَ الرِّسالةَ والنَّذَارَةَ والنُّبُوَةَ بمحمَّد نَبيِّه صلى الله عليه وسلم١، فجَعَلَه آخرَ المرْسَلين، بَشِيراً ونَذِيراً، وداعياً إلى الله بإذنِه وسِرَاجاً منيراً، وأنزَلَ عَليه كتابَه الحَكِيمَ، وشَرَحَ به دينَه القَويمَ، وهَدَى به الصِّرَاطَ المستَقيمَ. وأنَّ السَّاعةَ آتيَةٌ لا رَيْبَ فيها، وأنَّ اللهَ يَبعَثُ مَن يَموتُ، كما بدأَهم يعودون. وأنَّ اللهَ ضاعَفَ لعباده المؤمنين الحسَنات، وصَفَحَ لهم بالتَّوبَة عن كبائرِ السيِّئات، وغَفَرَ لهم الصَّغائِرَ باجْتناب الكبائِر، وجَعَلَ مَن لَم يَتُبْ مِنَ الكبائر صَائراً إلى مَشيئَتِه ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ومَن عاقَبَه اللهُ بنارِه أخرجه مِنها بإيمانِه، فأدخَلَه به جَنَّتَه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ ، ويُخرِجُ منها بشفاعَة النَّبِيِّ ﷺ مَن شَفَعَ لَه مِن أهلِ الكبائِر مِن أمَّتِه. وأنَّ اللهَ سبحانه قد خَلَقَ الجَنَّةَ فأَعَدَّها دارَ خُلُود لأوليائِه، وأكرَمهم فيها بالنَّظر إلَى وَجْهِه الكريم، وهي الَّتِي أَهْبَطَ منها آدَمَ نبِيَّه وخلِيفَتَه إلى أَرضِه، بِما٢ سَبَقَ فِي سابِق عِلمِه. وخَلَق النَّارَ فأعَدَّها دَارَ خُلُود لِمَن كَفَرَ به وألْحَدَ في آياتِه وكتُبه ورُسُلِه، وجَعَلَهم مَحجُوبِين عن رُؤيَتِه. وأنَّ اللهَ ﵎ يَجيءُ يَومَ القيامَةِ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا؛ لِعَرْضِ الأُمَمِ وَحِسَابِهَا وعقُوبَتِها وثَوابِها، وتُوضَعُ الموازِينُ لَوَزْنِ أَعْمَالِ العِبَادِ،

стр. 48

فمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأولئك هم المُفلِحون، ويُؤْتَوْنَ صَحائِفهم بأعمَالِهم، فمَن أُوتِي كتابَه بيمينه فسوف يُحاسَبُ حِساباً يَسيراً، ومَن أُوتِي كتابَه ورَاء ظَهْرِه فأولئِك يَصْلَوْنَ سَعيراً. وأنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ، يَجُوزُه العبادُ بِقَدْرِ أعمالِهم، فناجُون مُتفاوِتُون في سُرعَة النَّجاةِ عليه مِن نار جَهَنَّم، وقَوْمٌ أَوْبَقَتْهُمْ فيها أعمالُهم. والإيمانُ بِحَوْض رسولِ الله ﷺ ، تَرِدُهُ أمَّتُهُ لاَ يَظْمَأُ مَن شَرب مِنه، ويُذَادُ عنه مَنْ بَدَّلَ وغَيَّرَ. وأنَّ الإيمانَ قَولٌ باللِّسانِ، وإخلاَصٌ بالقلب، وعَمَلٌ بالجوارِح، يَزيد بزيادَة الأعمالِ، ويَنقُصُ بنَقْصِها١، فيكون فيها النَّقصُ وبها الزِّيادَة، ولا يَكْمُلُ قَولُ الإيمانِ إلاَّ بالعمل، ولا قَولٌ وعَمَلٌ إلاَّ بنِيَّة٢، ولا قولٌ وعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إلاَّ بمُوَافَقَة السُّنَّة. وأنَّه لا يكفرُ أَحدٌ بذَنب مِنْ أهْل القِبْلَة. وأنَّ الشُّهداءَ أحياءٌ عند ربِّهم يُرْزَقونَ، وأرْواحُ أهْل السَّعادَةِ باقِيةٌ ناعِمةٌ إلى يوم يُبْعَثون، وأرواحُ أهلِ الشَّقاوَةِ٣ مُعَذَّبَةٌ إلى يَوم الدِّين. وأنَّ المؤمنِينَ يُفْتَنُونَ في قُبُورِهم ويُسْأَلُون، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ . وأنَّ على العباد حَفَظَةً يَكتُبون أعمالَهم، ولا يَسقُطُ شيْءٌ مِن ذلك عَن عِلمِ ربِّهِم، وأنَّ مَلَكَ الموتِ يَقْبِضُ الأرواحَ بإذن ربِّه.

стр. 49

وأنَّ خيْرَ القرون القرنُ الَّذين رَأَوا رسولَ الله ﷺ وآمَنوا به، ثمَّ الَّذين يَلُونَهم ثمَّ الَّذين يَلونَهم. وَأفْضَلُ الصحابة١ الخُلَفاءُ الرَّاشدون المَهْديُّون؛ أبو بكر ثمَّ عُمر ثمَّ عُثمان ثمَّ عليٌّ ﵃ أجمعين. وأن لاَ يُذكَرَ أَحَدٌ مِن صحابَةِ الرَّسولِ ﷺ إلاَّ بأحْسَن ذِكْرٍ، والإمساك عمَّا شَجَرَ بَينهم، وأنَّهم أحَقُّ النَّاس، أن يُلْتَمَسَ لَهم أَحَسَن المخارج، ويُظَنَّ بهم أحْسن المذاهب. والطَّاعَةُ لأئمَّة المسلمين مِن وُلاَة أمورِهم٢ وعُلمائهم، واتِّباعُ السَّلَفِ الصَّالِح واقتفاءُ آثارِهم، والاستغفارُ لهم، وتَركُ المراءِ والجِدَالِ في الدِّين، وتَركُ ما أَحْدَثَهُ المُحْدِثُونَ. وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ [نبيِّه] ٣ وعلى آله وأزواجِه وذريته، وسلَّم تَسليماً كثيراً.

стр. 50

نظم مقدِّمة الرِّسالة ... ظم مقدِّمة الرِّسالة للشيخ أحمد بن مشرَّف الأحسائي المالكي المتوفى سنة (١٢٨٥هـ) نقلاً من ديوانه (ص: ١٧) . الحمدُ لله حمداً ليس مُنْحَصرَا ... على أياديه ما يخفى وما ظهرَا ثم الصلاةُ وتسليمُ المهيمنِ ما ... هبَّ الصَّبَا فأدرَّ العارضَ المَطرَا على الذي شاد بنيانَ الهُدى فسَما ... وساد كلَّ الوَرَى فخراً وما افتخرَا نبيِّنا أحمد الهادي وعَتْرَته ... وصحبِه كلِّ مَن آوى ومَن نصرَا وبعدُ فالعلمُ لَم يظفر به أحدٌ ... إلاَّ سَمَا وبأسباب العُلَى ظفرَا لا سيما أصل علم الدِّين إنَّ به ... سعادةَ العبد والمَنْجَى إذا حُشرَا باب ما تعتقدُه القلوب وتنطق به الألسنُ من واجب أمور الديانات وأوَّلُ الفرض إيمانُ الفؤاد كذا ... نُطْقُ اللِّسانِ بما في الذِّكر قد سُطرَا أنَّ الإلهَ إلَهٌ واحدٌ صَمد ... فلا إله سوى مَن للأنام برَا ربُّ السموات والأرضين ليس لنا ... ربٌّ سواه تعالى مَن لنا فطَرَا

стр. 51

وأنَّه مُوجدُ الأشياء أجمعِها ... بلا شريك ولا عَوْن ولا وُزَرَا وهو المُنَزَّه عن ولد وصاحبة ... ووالد وعن الأشباه والنُّظَرَا لا يبلغن كُنْهَ وصف الله واصفُه ... ولا يحيط به علماً مَن افتَكَرَا وأنَّه أوَّل باق فليس له ... بدءٌ ولا منتهى سبحان من قدرَا حيٌّ عليمٌ قديرٌ والكلام له ... فردٌ سميعٌ بصيرٌ ما أراد جَرَى وأنَّ كرسيَّه والعرشَ قد وَسِعَا ... كلَّ السموات والأرضين إذ كبرَا ولم يزل فوق ذاك العرش خالقُنا ... بذاته فاسأل الوحيين والفِطَرَا إنَّ العلوَّ به الأخبارُ قد وَرَدَتْ ... عن الرَّسول فتابِع مَن رَوى وقرَا فالله حق على المُلك احتوى وعلى ... العرش استوى وعن التكييف كُن حَذِرَا والله بالعلم في كلِّ الأماكن لا ... يخفاه شيءٌ سميعٌ شاهدٌ ويَرَى وأنَّ أوصافَه ليست بمُحدَثة ... كذاك أسماؤه الحُسنى لِمَن ذكرَا وأن تنْزيلَه القرآنَ أجمعَه ... كلامُه غيرُ خلق أعجز البشَرَا وَحْيٌ تكلَّم مولانا القديمُ به ... ولم يزل من صفات الله مُعْتبَرَا يُتلَى ويُحمل حفظاً في الصدور كما ... بالخطِّ يُثبِتُه في الصُّحف مَن زَبَرَا وأنَّ موسى كليمُ الله كلَّمه ... إلَهُه فوق ذاك الطور إذ حضرَا فالله أسمعه مِن غير واسطة ... من وصفه كلمات تحتوي عِبَرَا حتى إذا هام سُكراً في محبَّته ... قال الكليم: إلَهي أسأل النَّظَرَا إليك. قال له الرحمن موعظة ... أنَّى ترانِي ونوري يُدهشُ البَصَرَا فانظر إلى الطور إن يثبت مكانته ... إذا رأى بعضَ أنواري فسوف ترَى حتى إذا ما تَجلَّى ذو الجلال له ... تصدَّع الطورُ من خَوف وما اصطبَرَا

стр. 52

فصل في الإيمان بالقدر خيره وشرِّه وبالقضاء وبالأقدار أجمعها ... إيمانُنا واجبٌ شرعاً كما ذكرَا فكلُّ شيء قضاه الله في أزَل ... طرًّا وفي لوحه المحفوظ قد سطرَا وكلُّ ما كان من همٍّ ومن فرَح ... ومن ضلال ومن شكران مَن شَكَرَا فإنَّه من قضاء الله قدَّره ... فلا تكن أنت مِمَّن ينكر القَدَرَا والله خالقُ أفعال العباد وما ... يجري عليهم فعن أمر الإلَه جَرَا ففي يديه مقادير الأمور وعن ... قضائه كلُّ شيء في الورى صَدَرَا فمَن هَدى فبمحض الفضل وفَّقه ... ومن أضلَّ بعدل منه قد كفرَا فليس في مُلكه شيءٌ يكون سوى ... ما شاءه الله نفعاً كان أو ضررَا فصلٌ في عذاب القبر وفتنته ولم تَمُت قطُّ من نفس وما قُتلت ... من قبل إكمالها الرِّزق الذي قُدرَا وكلُّ روح رسولُ الموت يَقبضُها ... بإذن مولاه إذ تستكمل العُمُرَا وكلُّ من مات مسئولٌ ومفتتنٌ ... من حين يوضَعُ مقبوراً ليُختبَرَا وأنَّ أرواحَ أصحاب السعادة في ... جنَّات عدن كطير يعلق الشَّجَرَا لكنَّما الشُّهَدا أحيا وأنفسهم ... في جوف طير حسان تُعجب النَّظَرَا وأنَّها في جنان الخلد سارحةٌ ... من كلِّ ما تشتهي تجنِي بها الثَّمَرَا وأنَّ أرواح من يشقى معذَّبةٌ ... حتَّى تكون مع الجُثمان فِي سَقَرَا

стр. 53

فصل في البعث بعد الموت والجزاء وأنَّ نفخةَ إسرافيلَ ثانية ... في الصُّور حقٌّ فيحيى كلُّ مَن قُبرَا كما بدا خلقهم ربِّي يُعيدهمُ ... سبحان من أنشأ الأرواحَ والصُّوَرَا حتى إذا ما دعا للجمع صارخُه ... وكلُّ ميْتٍ من الأموات قد نُشرَا قال الإلَه: قِفوهم للسؤال لكي ... يقتصَّ مظلُومُهم مِمَّن له قَهَرَا فيوقَفون ألوفاً من سنينهمُ ... والشمسُ دانيةٌ والرَّشْحُ قد كثُرَا وجاء ربُّك والأملاكُ قاطبة ... لهم صفوفٌ أحاطت بالورى زُمَرَا وجيء يومئذ بالنار تسحبُها ... خزانها فأهالت كلَّ مَن نظَرَا لها زفيرٌ شديدٌ من تغيظها ... على العُصاة وترمي نحوهم شَرَرَا ويرسل الله صُحفَ الخلق حاويةً ... أعمالَهم كلَّ شيء جلَّ أو صغُرَا فمَن تلقَّته باليمنى صحيفتُه ... فهْو السَّعيد الذي بالفوز قد ظفرَا ومن يكن باليد اليسرى تناولُها ... دعا ثُبوراً وللنيران قد حُشرَا ووزنُ أعمالهم حقٌّ فإن ثقلت ... بالخير فاز وإن خفَّت فقد خسرَا وأنَّ بالمثل تُجزى السيِّئات كما ... يكون في الحسنات الضِّعف قد وفرَا وكلُّ ذنب سوى الإشراكِ يغفرُه ... ربِّي لِمَن شا وليس الشركُ مُغتَفرَا وجنَّة الخُلد لا تفنى وساكنُها ... مخلَّدٌ ليس يخشى الموتَ والكبرَا أعدَّها اللهُ داراً للخلود لِمَن ... يخشى الإلَهَ وللنَّعماء قد شَكَرَا وينظرون إلى وجه الإلَه بها ... كما يرى الناسُ شمسَ الظهر والقمَرَا كذلك النارُ لا تفنى وساكنُها ... أعدَّها الله مولانا لِمَن كَفَرَا

стр. 54

ولا يخلد فيها مَن يوَحِّدُه ... ولو بسفك دم المعصوم قد فَجَرَا وكم يُنجي إلَهي بالشفاعة مِنْ ... خير البريَّة من عاص بِها سجرَا فصل في الإيمان بالحوض وأنَّ للمصطفى حوضاً مسافتُه ... ما بين صَنْعَا وبُصرَى هكذا ذكرَا أحلَى من العسل الصافي مذاقتُه ... وأنَّ كِيزَانَه مثلُ النجوم تُرَى ولم يَرِدْه سوى أتباع سُنَّته ... سيماهم: أن يُرى التَّحجيل والغُرَرَا وكم يُنحَّى ويُنفَى كلُّ مبتدع ... عن وِرْدِه ورجالٌ أحدثوا الغيَرَا وأن جسراً على النِّيران يَعبُرُه ... بسرعة مَن لمنهاجِ الهُدى عبَرَا وأنَّ إيْمَانَنا شرعاً حقيقتُه ... قصدٌ وقولٌ وفعلٌ للذي أمرَا وأنَّ معصيةَ الرحْمن تُنقصُه ... كما يزيد بطاعات الذي شَكَرَا وأنَّ طاعةَ أولي الأمر واجبةٌ ... من الهُداة نجوم العلم والأُمرَا إلاَّ إذا أمروا يوماً بمعصية ... من المعاصي فيُلغى أمرهم هَدَرَا وأنَّ أفضلَ قرن للَّذين رأوا ... نبيَّنا وبهم دينُ الهُدى نُصرَا أعنِي الصحابةَ رُهبانٌ بليلهمُ ... وفي النهار لدى الهَيْجَا لُيوث شَرَى وخيرُهم مَن ولِي منهم خلافته ... والسَّبق في الفضل للصِّدِّيق معْ عُمَرَا والتابعون بإحسان لهم وكذ ... أتباع أتباعهم مِمَّن قفى الأثَرَا وواجبٌ ذِكرُ كلّ من صحابته ... بالخير والكفُّ عمَّا بينهم شَجَرَا فلا تَخُض في حروب بينهم وقعت ... عن اجتهاد وكنْ إن خُضتَ معتذِرَا والاقتداءُ بهم في الدِّين مفتَرَضٌ ... فاقتَد بهم واتَّبع الآثار والسُّوَرَا

стр. 55

وتركُ ما أحدثه المُحدِثون فكم ... ضلالة تبعت والدِّين قد هُجِرَا إنَّ الهُدى ما هدى الهادي إليه وما ... به الكتاب كتاب الله قد أمَرَا فلا مراء وما في الدِّين من جدلِ ... وهل يُجادل إلاَّ كلُّ مَن كفرَا فهاك في مذهب الأسلاف قافيةً ... نظماً بديعاً وجيزَ اللَّفظ مختصرَا يحوي مهمّات باب في العقيدة من ... رسالة ابن أبي زيد الذي اشتَهَرَا والحمد لله مولانا ونسأله ... غفران ما قلَّ من ذنب وما كثرَا ثمَّ الصلاةُ على مَن عمَّ بعثته ... فأنذر الثَّقلَين الجنَّ والبَشَرَا ودينُه نَسَخ الأديانَ أجمَعَها ... وليس يُنْسَخُ ما دام الصَّفَا وحِِرَا محمد خير كلِّ العالَمين به ... ختم النبيِّين والرُّسل الكرام جَرَا وليس من بعده يوحَى إلى أحد ... ومن أجاز فحَلَّ قتلُه هَدَرَا والآلُ والصَّحبُ ما ناحت على فنَن ... وَرْقَا ومَا غرَّدت قُمْريّة سَحَرَا

стр. 56

شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني ... أوَّلُ الشَّرح ١ قوله: "باب ما تنطق به الألسنةُ وتعتقدُه الأفئدة من واجب أمور الديانات، من ذلك الإيمانُ بالقلب والنُّطقُ باللِّسان أنَّ الله إلَهٌ واحدٌ لا إله غيرُه، ولا شبيهَ له، ولا نَظيرَ له، ولا وَلَدَ له، ولا وَالِدَ له، ولا صاحبةَ له، ولا شريكَ له". عقد ابنُ أبي زيد القيرواني – ﵀ – هذا البابَ في مقدِّمة رسالته بالفقه؛ لأنَّه لَم يجعل التأليف في العقيدة مستقلاًّ، بل أتى به تحت هذا الباب في مقدِّمة رسالته، فصارت رسالتُه في الفقه، جمعت بين الفقهين: الفقه الأكبر، وهو ما يتعلَّق بالعقيدة التي لا مجال فيها للاجتهاد، وفقه الفروع، الذي فيه مجال للاجتهاد. وما ذكره من التنصيص على قول اللِّسان واعتقاد القلب بين يدي هذه العقيدة؛ لأنَّ ما يُعتقدُ مطلوبٌ فيه أن يكونَ في القلب، وأن يكون على اللِّسان، ولا يُقال: إنَّه لم يذكر الأعمالَ، فيُشابه مرجئةَ الفقهاء؛ لأنَّه قد ذكر في هذه المقدِّمة أنَّ الإيمانَ يكون بالقلب واللِّسان والعمل. وكلامُ ابن أبي زيد – ﵀ – هذا مشتملٌ على إثبات ألوهية الله وحده، وعلى النفي لأمور سبعة، هي: نفيُ الإلَهية عن غيره، ونفيُ الشَّبيه، ونفيُ النَّظير، ونفيُ الولد، ونفيُ الصاحبة، ونفيُ الشريك. فقوله: "أنَّ اللهَ واحدٌ لا إلَه غيره" مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ، وهو مشتملٌ على بيان أنَّ اللهَ

стр. 57

وحدَه هو الإلَهُ الحقُّ الذي يجب أن تُفرَدَ له العبادة، وأن لا يكون لغيره نصيبٌ منها، ولهذا الأمر العظيم أرسل اللهُ الرُّسلَ وأنزل الكتبَ، كما قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ،وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ، فالله خلق الخَلق، وأرسلَ الرُّسلَ، وأنزل الكُتبَ لأمرهم بعبادته وحده، وترك عبادة غيره، وهذا النوع من التوحيد وهو توحيد الألوهية، وهو إفرادُ الله بالعبادة هو أحدُ أنواع التوحيد الثلاثة، التي هي توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. فتوحيد الألوهية: توحيد الله بأفعال العباد، كالدعاء والاستغاثة والاستعاذة والذَّبح والنَّذر، وغيرها من أنواع العبادة، كلُّها يَجب على العباد أن يَخصُّوا الله تعالى بها، وأن لا يجعلوا له فيها شريكاً. وتوحيد الربوبية: هو توحيد الله بأفعاله، كالخَلق والرَّزق والإحياء والإماتة والتصرُّف في الكون، وغير ذلك من أفعال الله التي هو مختصٌّ بها، لا شريك له فيها. وتوحيدُ الأسماء والصفات: هو إثباتُ ما أثبته اللهُ لنفسه وأثبته له رسولُه ﷺ من الأسماء والصفات على وجه يليقُ بكمال الله وجلاله، من غير تمثيل أو تكييف، ومن غير تحريف أو تعطيل. وهذا التقسيم لأنواع التوحيد عُرف بالاستقراء من نصوص الكتاب والسُّنَّة، ويتَّضح ذلك بأوَّل سورة في القرآن، وآخر سورة؛ فإنَّ كلاًّ منهما مشتملةٌ على أنواع التوحيد الثلاثة.

стр. 58

فأمَّا سورة الفاتحة، فإنَّ الآيةَ الأولى فيها، وهي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مشتملةٌ على هذه الأنواع؛ فإنَّ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فيها توح يد الألوهية؛ لأنَّ إضافةَ الحمد إليه من العباد عبادةٌ، وفي قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إثبات توحيد الربوبيَّة، وهو كون الله ربَّ العالمين، والعالَمون هم كلُّ مَن سوى الله؛ فإنَّه ليس في الوجود إلاَّ خالقٌ ومخلوق، والله الخالقُ، وكلُّ مَن سواه مخلوق، ومن أسماء الله الرب. وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مشتملٌ على توحيد الأسماء والصفات، والرحمن الرحيم اسمان من أسماء الله يدُلاَّن على صفة من صفات الله، وهي الرَّحمة، وأسماءُ الله كلُّها مشتقَّةٌ، وليس فيها اسم جامد، وكلُّ اسم من الأسماء يدلُّ على صفة من صفاته. و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه إثبات توحيد الربوبيَّة، وهو سبحانه مالك الدنيا والآخرة، وإنَّما خصَّ يوم الدِّين بأنَّ اللهَ مالكُه؛ لأنَّ ذلك اليوم يخضعُ فيه الجميعُ لربِّ العالَمين، بخلاف الدنيا، فإنَّه وُجد فيها من عتا وتَجبَّر، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه إثباتُ توحيد الألوهية، وتقديمُ المفعول وهو ﴿إِيَّاكَ﴾ يُفيد الحصرَ، والمعنى: نخصُّكَ بالعبادة والاستعانة، ولا نشرك معك أحداً. وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فيه إثبات توحيد الألوهية؛ فإنَّ طلبَ الهداية من الله دعاءٌ، وقد قال رسول الله ﷺ : "الدعاءُ هو العبادة"، فيسأل العبدُ ربَّه في هذا الدعاء أن يَهديَه الصرطَ المستقيمَ الذي سلكه

стр. 59

النبيُّون والصدِّيقون والشهداء والصالِحون، الذين هم أهل التوحيد، ويسأله أن يُجنِّبَه طريقَ المغضوب عليهم والضالِّين، الذين لَم يحصل منهم التوحيدُ، بل حصل منهم الشِّركُ بالله وعبادةُ غيره معه. وأمَّا سورة الناس، فقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فيه إثباتُ أنواع التوحيد الثلاثة؛ فإنَّ الاستعاذةَ بالله من توحيد الألوهيَّة. و ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فيه إثبات توحيد الربوبيَّة وتوحيد الأسماء والصفات، وهو مثل قول الله في أول الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فيه إثباتُ الربوبيَّة والأسماء والصفات. و ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ فيه إثبات الألوهية والأسماء والصفات. والنسبةُ بين أنواع التوحيد الثلاثة هذه أن يُقال: إنَّ توحيدَ الربوبيَّة وتوحيدَ الأسماء والصفات مستلزمان لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهيَّة متضمِّنٌ لهما، والمعنى أنَّ مَن أقرَّ بالألوهيَّة فإنَّه يكونُ مُقرًّا بتوحيد الربوبيَّة وبتوحيد الأسماء والصفات؛ لأنَّ مَن أقرَّ بأنَّ اللهَ هو المعبودُ وحده فخصَّه بالعبادة ولم يجعل له شريكاً فيها، لا يكون منكراً بأنَّ اللهَ هو الخالقُ الرازقُ المُحيي المميتُ، وأنَّ له الأسماء الحسنى والصفات العُلَى. وأمَّا مَن أقرَّ بتوحيد الربوبيَّة وتوحيد الأسماء والصفات، فإنَّه يلزمه أن يُقرَّ بتوحيد الألوهيَّة، وقد أقرَّ الكفَّارُ الذين بُعث فيهم رسول الله ﷺ بتوحيد الربُوبيَّة، فلَم يُدخلهم هذا الإقرارُ في الإسلام، بل قاتَلَهم حتى يَعبدوا اللهَ وحده لا شريك له، ولهذا يأتي كثيراً في القرآن تقريرُ توحيد الربوبيَّة الذي أقرَّ به الكفَّارُ؛ لإلزامهم بالإقرار بتوحيد الألوهيَّة، ومن أمثلة ذلك قول الله : ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ

стр. 60

السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ففي كلِّ آية من هذه الآيات تقريرُ توحيد الربوبيَّة للإلزام بتوحيد الألوهيَّة، فيقول في كلِّ آية من هذه الآيات الخمس عقب تقرير توحيد الربوبيَّة: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ، والمعنى أنَّ مَن تفرَّد بهذه الأفعال التي هي من أفعال الله وحده، يجبُ أن يُخصَّ بالعبادة وحده؛ لأنَّ مَن اختصَّ بالخلْق والإيجاد وغيرها من أفعال الله يَجب أن يُخصَّ بالعبادة وحده، وكيف يُعقل أن تكون المخلوقات التي كانت عَدَماً، وقد أوجدَها الله، كيف يُعقل أن يكون لها نصيبٌ من العبادة وهي مخلوقةٌ لله؟! ثمَّ إنَّه لا بدَّ لقبول العبادة والعمل الصالح من توفُّر شرطين: أحدهما: أن يكون العملُ لله خالصاً، والثاني: أن يكون لسُنَّة نبيِّه ﷺ موافقاً. فلا بدَّ من تجريد الإخلاص لله وحده، ولا بدَّ من تجريد المتابعة للنِّبِيِّ ﷺ ، فلو وُجد العملُ مبنيًّا على سُنَّة وفُقد فيه شرطُ الإخلاص لم يُقبَل؛

стр. 61

لقول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ ، ولو وُجد العملُ خالصاً لله لكنَّه لَم يُبْنَ على سُنَّة، بل بُنِيَ على البدع والمحدثات فإنَّه مردودٌ على صاحبه؛ لقوله ﷺ في الحديث المتَّفق على صحَّته عن عائشة ﵂: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ"، وفي لفظ لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ"، أي: مردودٌ عليه غير مقبول منه. ولا يُقال: إنَّ العملَ إذا كان خالصاً لله، ولم يكن مبنيًّا على سُنَّة، وكان قَصدُ صاحبه حسناً أنَّه محمودٌ ونافعٌ لصاحبه، ومِمَّا يدلُّ على ذلك أنَّ الرَّسولَ الكريم ﷺ قال للصحابيِّ الذي ذبح أُضحيتَه قبل صلاة العيد: "شاتُك شاةُ لَحم"، فلَم يعتبرها رسول الله ﷺ أُضحيةً؛ لأنَّها ذُبحَت قبل ابتداء وقت الذَّبح الذي يبدأ بعد صلاة العيد، والحديثُ أخرجه البخاري (٥٥٥٦) ، ومسلم (١٩٦١) ، وقد قال الحافظ في شرحه في الفتح (١٠/١٧) : "قال الشيخ أبو محمد بن أبي جَمرة: وفيه أنَّ العملَ وإن وافق نيَّةً حسنةً لَم يصحَّ، إلاَّ إذا وقع على وفق الشَّرع". وفي سنن الدارمي (١/٦٨ ٦٩) أنَّ عبد الله بن مسعود ﵁ وقف على أناس في المسجد مُتحلِّقين وبأيديهم حصًى، يقول أحدهم: كبِّروا مائة، فيُكبِّرون مائة، فيقول: هلِّلوا مائة، فيُهلِّلون مائة، ويقول: سبِّحوا مائة، فيُسبِّحون مائة، فقال: "ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعدُّ به التكبيرَ والتهليلَ والتسبيحَ، قال: فعُدوا سيِّئاتكم فأنا ضامنٌ أن لا يَضيعَ من حسناتكم شيءٌ، وَيْحَكم يا أمّة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابةُ نبيِّكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابُه لم تَبْلَ، وآنيتُه لم تُكسر، والذي نفسي بيده إنَّكم لَعلَى مِلَّةٍ هي أهدى من مِلَّة

стр. 62

محمد ﷺ أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه". وهذا الأثر أورده الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم: ٢٠٠٥) . وقول ابن أبي زيد ﵀: "أنَّ الله إله واحد لا إله غيره" هو معنى كلمة الإخلاص (لا إله إلاَّ الله) ، وهي مشتملةٌ على نفي عام وإثبات خاص، فالنَّفيُ العام نفيُ العبادة عن كلِّ مَن سوى الله، والإثباتُ الخاص إثباتُها لله وحده، و (لا) نافيةٌ للجنس، وخبرها محذوفٌ تقديرُه: حقٌّ، والمقصودُ نفيُ وجود إله بحق سوى الله، وإلاَّ فإنَّ الآلهةَ بالباطل موجودةٌ وكثيرةٌ، وقد ذكر الله عن الكفار أنَّهم قالوا: ﴿جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ . والجملةُ الأولَى من جُمل النفي السَّبع في كلام ابن أبي زيد "لا إله غيره" تأكيدٌ لقوله: "أنَّ الله إلهٌ واحدٌ"، وختمها بقوله: "ولا شريك له"؛ لبيان أنَّ العبادةَ يجب أن تكون خالصةً لله، وألاَّ يكون له شريكٌ في أيِّ نوع من أنواع العبادة، والله تعالى واحدٌ في ربوبيَّته، وواحدٌ في ألوهيَّته، وواحدٌ في أسمائه وصفاته، فلَم يُشاركه أحدٌ في ألوهيَّته؛ فهو مستحقٌّ للعبادة دون مَن سواه، ولم يُشاركه أحدٌ في ربوبيَّته، فهو سبحانه وحده الخالقُ المدبِّر، ولم يُشاركه أحد في أسمائه وصفاته؛ لأنَّ المعانِيَ اللاَّئقة بالله لا يُشاركه أحدٌ من خلقه فيها. وقوله: "ولا شبيه له ولا نظير" أي: أنَّ الله لا مِثْلَ له ولا يُشبهه أحدٌ من خلقه، بل هو المتفرِّدُ بصفاته، قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، قال ابن كثير ﵀: "أي ليس كخالق الأزواج كلّها شيء؛ لأنَّه الفردُ الصمد الذي لا نظير له".

стр. 63

وهذه الآيةُ أصلٌ في عقيدة أهل السُّنَّة في الأسماء والصفات، وهي الإثبات مع التنْزيه، بخلاف المشبِّهة، فإنَّ عندهم الإثبات مع التشبيه، وبخلاف المعطِّلة، فإنَّ عندهم التنْزيه مع التعطيل، وأهل السُّنَّة أثبتوا الصفات، ونَزَّهوها عن مشابهة المخلوقات. وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إثباتٌ لاسْمَي السَّميع والبصير، وهما يدلاَّن على إثبات صفتَي السَّمع والبصر. وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يدلُّ على التنْزيه، أي: أنَّه له سمعٌ لا كالأسماع، وبصرٌ لا كالأبصار. وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ، قال ابن كثير ﵀: "قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هل تعلمُ للرَّبِّ مثلاً أو شبيهاً، وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جُبير وقتادة وابن جريج وغيرُهم". وقال الله تعالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ والكفو هو المِثلُ والنَّظير، قال القرطبيُّ في تفسيره (٢٠/٢٤٦) : "لم يكن له شبيهٌ ولا عدل، ليس كمثله شيء". وكلمة ﴿أَحَدٌ﴾ جاءت في سياق النفي، فتكون عامةً في نفي كلِّ شبيه أو مثيل، وما جاء في تفسير ابن كثير من تفسير هذه الكلمة بالزَّوجة هو من قبيل التفسير بالمثال، وهذه الجملة من السورة مؤكِّدةٌ لِما تقدَّم من الجُمل، ولا سيما الجملة الأولى، فهو أحدٌ، ولا يكون أحدٌ كفواً له. وقوله: "ولا وَلَدَ له، ولا وَالِدَ له، ولا صاحبةَ له" الصاحبةُ هي الزوجة، وقد جاء في القرآن نفي الولد والوالد والصاحبة عن الله ،

стр. 64

قال الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ، فنفى عنه الوالد والولد، ونفى عنه كلَّ مِثْلٍ ونظير، ومنه الزوجة، وفي هذه السورة الكريمة إثباتُ أحديَّته وصمديَّته، ونفيُ الأصول والفروع والنظراء عنه، فهو أحدٌ لا كُفء له، وهو صَمَدٌ لا ولد ولا والد له، والصَّمدُ هو الذي تصمد إليه الخلائق بحوائجها، وهو الغنِيُّ عن كلِّ مَن سواه، المفتقرُ إليه كلُّ مَن عَدَاه، فلكمال غناه لا يحتاجُ إلى الوالد والولد، ولكونه واحداً أحداً لا يكون أحدٌ له مِثْلاً ونظيراً، والوالد جاء نفيُه في القرآن عن الله في هذه السورة في قوله: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ ، وأمَّا الولد فقد جاء نفيُه عن الله في آيات كثيرة، وذلك أنَّ اليهودَ يقولون: عُزيرٌ ابنُ الله، والنصارى يقولون: المسيح ابن الله، والكفار الذين بُعث فيهم رسول الله ﷺ يقولون: الملائكةُ بنات الله، ومن ذلك قول الله في البقرة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ، وقال في المؤمنون ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ ، وقال في مريم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ ، وغير ذلك من الآيات منها في النساء والأنعام والتوبة ويونس والإسراء والكهف والأنبياء والصافات والزخرف والجنّ. وأمَّا الصاحبة، فقد جاء نفيُها عن الله في القرآن مع نفي الولد عنه في قوله : ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ ، وقوله عن الجنِّ: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ ، أي: تعالَت عظمتُه.

стр. 65

وما جاء في كلام ابن أبي زيد – ﵀ – من نفي الشبيه والنظير والوالد والولد والصاحبة هو نفيٌ على طريقة السَّلف، وهو نفيٌ متضمِّنٌ إثبات كمال الله ، فنفيُ الشبيه والنظير متضمّنٌ إثبات كمال أحديَّته، ونفيُ الوالد والولد والصاحبة متضمِّنٌ إثبات كمال غناه، وكلُّ ما جاء في القرآن من نفي شيء عن الله فإنَّه يتضمَّن إثبات كمال ضدِّ ذلك المنفي، مثل قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ ، فإنَّه دالٌّ على إثبات كمال قُدرته، وكذا قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ، أي: من تعب، فهو متضمِّنٌ إثبات كمال قدرته، ومثل قوله: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ ، وهو دالٌّ على إثبات كمال عدله، وقوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ، فهو دالٌّ على إثبات كمال علمه. وهذا بخلاف النفي عند أهل الكلام، فإنَّه لا يدلُّ على كمال، بل يُؤدِّي إلى تشبيه الله بالمعدومات، كما سبق إيضاحُ ذلك في الفائدة الثانية. ٢ قوله: "ليس لأَوَّلِيَّتِهِ ابتداءٌ، ولا لآخِرِيَّتِه انقضَاءٌ". كلام ابن أبي زيد هذا منتَزَعٌ من قول الله : ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، وفي هذه الآية إثبات اسم (الأوَّل) لله ، الذي يدلُّ على أنَّ كلَّ شيء آيلٌ إليه، واسم (الآخر) الدالُّ على بقائه ودوامه وآخريته، وقد جاء تفسير هذه الأسماء في

стр. 66

هذه الآية في حديث مشتمل على دعاء، وفيه: "اللَّهمَّ أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنتَ الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنتَ الباطن فليس دونك شيء، اقْضِ عنَّا الدَّينَ وأغننا من الفقر" أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧١٣) من حديث أبي هريرة ﵁. ومعنى قول ابن أبي زيد هذا أنَّ الله لم يسبقه عدمٌ، ولا يلحقه عدم، وأمَّا المخلوقات فلها بداية سبقها عدم، ولها نهاية يلحقها عدم. وأمَّا ما جاء في نصوص الكتاب والسُّنَّة من بقاء الجنَّة والنار ودوامهما ودوام أهلهما فيهما، فلا يُنافي كونه سبحانه الآخرَ الذي ليس بعده شيء؛ لأنَّ بقاءَه لازمٌ لذاته، بخلاف الجنَّة والنار ومَن فيهما، فإنَّه مكتَسَبٌ قد شاءه الله وأراده، ولو لم يشأه لم يحصل ولم يقع، قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية (ص: ٦٢٩) : "وبقاءُ الجنَّة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما". وقول ابن أبي زيد: "ليس لأَوَّلِيَّتِهِ ابتداءٌ، ولا لآخِرِيَّتِه انقضَاءٌ" أولَى من قول الطحاوي في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة: "قديمٌ بلا ابتداء، دائمٌ بلا انتهاء"؛ لتعبيره بما يُطابق اسْمَي الله: الأول والآخر. ٣ قوله: "لا يَبْلُغُ كُنْهَ صِفَتِهِ الواصفون، ولاَ يُحيطُ بأمرِه المُتَفَكِّرونَ، يَعتَبِرُ المتفَكِّرونَ بآياته، ولا يَتَفكَّرونَ في مَاهِيَةِ ذاتِه". أهل السُّنَّة يَصفون اللهَ بما وصف به نفسَه أو وصفه به رسوله ﷺ ، على ما يليق به ، مع فهم المعنى والجهل بالكيف، فهُم يُثبتون الصفات ولا يَبحثون عن كيفياتها، وهم مفوِّضةٌ بالكيف دون المعنى، كما

стр. 67

جاء ذلك واضحاً في الأثر المشهور عن مالك – ﵀ – عندما سُئل عن كيفية الاستواء، فقال: "الاستواءُ معلومٌ، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". ومعنى كلام ابن أبي زيد أنَّه لا يستطيع أحدٌ أن يصف اللهَ بما هو عليه، بأن يعرفَ كيفيةَ اتِّصافه بالصفات؛ لأنَّ ذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلاَّ هو. وقوله: "ولا يحيط بأمره المتفكِّرون"، أمرُ الله منه ما هو كونيٌّ قَدَري، ومنه ما هو دينِيٌّ شرعي، فالكونيُّ مثل قول الله : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ، والشرعيُّ مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ وكلٌّ من الأمر الكونيِّ والأمر الشرعي مشتملٌ على حكمة، فما قدَّره الله فلحكمة، وما شرعه الله فلحكمة، وقد يعلم العبادُ شيئاً من الحكم في الأمر الكوني القَدري والأمر الشرعي، ولكنَّهم لا يحيطون بحِكَم الله في خلقه وشرعه،؛ فإنَّ الواجبَ الإيمانُ بالقدر، والاستسلامُ للأمر والنهي، سواء عرف العبادُ حِكَم ذلك أم لَم يعرفوها. ولكنَّهم إذا عرفوا شيئاً من ذلك زاد إيمانُهم ويقينُهم، وإذا لم يعرفوا الحكمةَ في القدر والشرع فإنَّ ذلك لا يثنيهم عن القيام بما هو واجبٌ عليهم من الإيمان بالقدر والانقياد للأحكام الشرعية. والذي اشتمل عليه كلامُ ابن أبي زيد – ﵀ – نفيُ الإحاطة بالحِكَم والأسرار؛ لتعبيره بقوله: "المتفكِّرون" وليس المقصود معرفة الأحكام الشرعية؛ فإنَّ ذلك مطلوبٌ فيه العلم والعمل؛ لقوله ﷺ في

стр. 68

الحديث: "ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم" أخرجه البخاري (٧٢٨٨) ، ومسلم (١٣٢٧) . وقوله: "يعتبرُ المتفكِّرون في آياته" آياتُ الله نوعان: شرعية وكونية، فالآياتُ الشرعية هي التي اشتمل عليها القرآن الكريم، والآيات الكونية آياته في خلقه كالليل والنهار، والشمس والقمر وغير ذلك، ويدلُّ للاعتبار بالآيات الشرعية قول الله : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ، وقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ويدلُّ للاعتبار بالآيات الكونية قول الله ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وقوله: ﴿نَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ

стр. 69

وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ َمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وقوله: "ولا يتفكَّرون في ماهية ذاته" الله بذاته وصفاته الخالق، وما سواه مخلوق، وقد مرَّ في كلام ابن أبي زيد – ﵀ – التفويضُ لكيفية الصفات، وأنَّه لا يبلغ كُنْهَ صفته الواصفون، وكما أنَّه لا يجوز البحثُ في كيفية الصفات، فكذلك لا يجوزُ البحثُ في كيفية الذات، ولهذا قال هنا: "ولا يتفكَّرون في ماهية ذاته" أي حقيقتها والكيفية التي هي عليها. ٤ قوله: " ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ". هذه الجمل الأربع قطعةٌ من آية الكرسي المشتملة على عشر جمل، ومثلها في الاشتمال على عشر جمل قول الله : ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ

стр. 70

كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ، نبَّه على ذلك ابن كثير – ﵀ – عند تفسيره هذه الآية من سورة الشورى. قوله: "ولا يحيطون بشيء من علمه إلاَّ بما شاء" من صفات الله العلم، وعلمُه محيطٌ بكلِّ شيء، كما قال الله : ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ، أمَّا المخلوقون فلا يعلمون من علمه إلاَّ ما علَّمهم إيَّاه، كما قال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ وقال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ، وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ ، وأخبر الله عن نبيِّه نوح ﵊ أنَّه قال: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ، وأمر الله نبيَّه محمداً ﷺ أن يُخبر قومَه أنَّه لا يعلم الغيبَ، فقال: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ، وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . وأخبر الله عن الملائكة أنَّهم: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ، وقال الله : ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ، وقال الله عن الجنِّ: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ ، وقال: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ .

стр. 71

وأمَّا السُّنَّة فقد جاء فيها أحاديث كثيرة تدلُّ على بيان أمور لا يعلمها الرسول ﷺ ، مثل قصَّة الإفك، فإنَّه لَم يَعلَم براءةَ أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ إلاَّ بعد نزول القرآن في براءتها في آيات تُتلَى في سورة النور، ومثل قصة العِقْد الذي فقدته عائشةُ ﵂ في إحدى سفراتها مع النَّبِيِّ ﷺ ، وقد بقوا في منْزلهم للبحث عنه، وانتهى ماؤهم، فأنزل الله إليه آيةَ التيمُّم، وعند رحيلهم وُجد العِقْدُ تحت الجمل الذي تركب عليه عائشة. قال ابن كثير عند تفسير آية الكرسي: "وقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ أي: لا يطَّلع أحدٌ من علم الله على شيء إلاَّ بما أعلمَه الله وأطلعه عليه، ويحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلاَّ بما أطلعهم الله عليه، كقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ . وقوله: "وسع كرسيه السموات والأرض" الكرسيُّ مخلوقٌ من مخلوقات الله، وثبت عن ابن عباس ﵄ أنَّه موضع القَدَمين، كما في المستدرك للحاكم (٢/٢٨٢) ، وقال: "إنَّه على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ولم يتعقبه الذهبي، وفي إسناده عمَّار الدُّهْنِي، وهو من رجال مسلم دون البخاري. وانظر تخريجه في السلسلة الضعيفة للشيخ الألباني (٩٠٦) ، والضعيف فيه هو المرفوع، وأمَّا الأثر الذي جاء عن ابن عباس من تفسير الكرسي بالعلم، ففي إسناده جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال فيه الحافظ في التقريب: "صدوق يهم"، وقال ابن منده في كتاب الرد على

стр. 72

الجهمية (ص: ٤٥) : "لم يُتابَع عليه جعفر، وليس بالقوي في سعيد بن جُبَير"، وأورده الذهبي في ترجمة جعفر في الميزان (١/٤١٧) وقال: "وذكره ابن أبي حاتم وما نقل توثيقه، بل سكت"، ونقل ما تقدَّم عن ابن منده. وقال الطحاوي في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة: "والعرشُ والكرسيُّ حقٌّ". وقوله: "ولا يؤودُه حفظهما" أي: لا يثقله ولا يشقُّ عليه، وهو نفيٌ متضمِّنٌ إثبات كمال قدرته، قال ابن كثير في تفسيره: "أي: لا يثقله ولا يكترثه حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سَهلٌ عليه يسيرٌ لديه". وقوله: "وهو العليُّ العظيم" اسمان من أسماء الله يدلاَّن على صفتَين من صفات الله، وهما العلوُّ والعظمة، والله تعالى متَّصفٌ بالعلوِّ بأنواعه الثلاثة: علوُّ القدر، وعلوُّ القهر، وعلوُّ الذات، وقد جاء اسم الله العليّ في القرآن مقترناً بثلاثة من أسماء الله، وهي العظيم، والحكيم، والكبير مع تقدُّمه عليها في الذِّكر. فاقترانُه بالعظيم كما هنا، وفي أوَّل سورة الشورى. واقترانه بالكبير كما في سورة النساء: ﴿نَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ ، وفي سورتَي الحج ولقمان: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . واقترانه بالحكيم كما في آخر سورة الشورى: ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ .

стр. 73

٥ قوله: "العالِمُ الخبيرُ، المُدَبِّرُ القَدِيرُ، السَّمِيعُ البصيرُ، العَلِيُّ الكَبيرُ". العليم الخبير اسمان من أسماء الله يدلاَّن على صفتَي العلم والخبرة، وهما متقاربان في المعنى، وجاء في بعض النُّسخ: "العليم" بدل "العالِم"، و"العليم" أولَى لأمرين: الأول: أنَّ "العليم" جاء في القرآن كثيراً مطلقاً غير مقيَّد، وأمَّا "العالِم" فيأتي في القرآن مقيَّداً بعلم الغيب، كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ، وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ ، وقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ . والثاني: أنَّه يأتي في القرآن كثيراً اقترانُ اسم "العليم" باسم "الخبير" مع تقدُّم اسم "العليم" كما قال الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ، وقال: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ . وقوله: "المدبِّرُ القدير" القدير اسمٌ من أسماء الله يدلُّ على صفة من صفات الله، وهي القدرة، قال الله : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وقدرة الله عامَّةٌ لكلِّ شيء، قال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ ، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ وأمَّا المُدبِّرُ فلا أعلمُ ما يدلُّ على أنَّه من أسماء الله، وقد جاء وصفُ الله

стр. 74

تعالى بالتدبير، كما قال الله : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ ، والله المُدبِّر للأمر المتصرِّف في الكون كيف يشاء، لا إله إلاَّ هو. وقوله: "السميع البصير" السميع البصير اسمان من أسماء الله يدلاَّن على صفتَين من صفات الله، وهما السَّمع والبصر، وسَمعُ الله محيطٌ بكلِّ المسموعات، وبصرُه محيطٌ بكلِّ المرئيات، قال الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ . وفي هذه الآية الكريمة الجمعُ في وصف الله بالسَّمع بين الفعل الماضي والمضارع والاسم، وهذان الاسمان يأتيان مقروناً بينهما في كثير من آيات القرآن، كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وقوله: "العليُّ الكبير" العليُّ والكبير اسمان من أسماء الله يدلاَّن على صفتَي العلوِّ والكِبَر، والله تعالى عالٍ على كلِّ شيء قهراً وقدْراً وذاتاً، وهو أكبرُ من كلِّ كبير وأعظمُ من كلِّ عظيم، والمخلوقات كلُّها حقيرةٌ أمام كبرياء الله وعظمته .

стр. 75

وقد مرَّ قريباً أنَّ اسمَ العليِّ يأتي مقترناً باسم الكبير، ومرَّ ذكر بعضُ الآيات في ذلك، ومنها أيضاً قول الله : ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٦ قوله: "وَأنَّه فوقَ عَرشه المجيد بذاته، وهو في كلِّ مَكان بعِلمه". لَمَّا ذكر ابن أبي زيد – ﵀ – أنَّ من أسماء الله العليّ، وقد ذكره قريباً مقترناً باسم العظيم، وباسم الكبير، بيَّن في هذا أنَّ علوَّ الله وفوقيَّتَه على عرشه أنَّه علوٌّ بالذَّات، كما أنَّه عليٌّ بالقدر وعليٌّ بالقهر، وإنَّما نصَّ على علوِّه على عرشه بذاته لمَّا وُجد من يقول: إنَّ علوَّ الله علوُّ قدرٍ وعلوُّ قهرٍ، وأوَّلَ علوَّه على عرشه باستيلائه عليه، وأنَّه ليس على العرش حقيقةً بذاته، فعبَّر بعلوِّ الذَّات ردًّا على من قال: إنَّه علوٌّ مجازيٌّ وليس بحقيقيّ، وهذا نظيرُ قولِ السَّلف عن القرآن إنَّه غيرُ مخلوقٍ لمَّا وُجد من يقول: إنَّه مخلوقٌ. وأمَّا قوله: "وهو في كلِّ مكانٍ بعلمه" فهو لنفي القولِ بالحلول والاتِّحاد، وهو أنَّ اللهَ حالٌّ في المخلوقات، متَّحدٌ معها، مختلِطٌ بها؛ فإنَّ اللهَ الخالقُ، وكلُّ ما سواه مخلوقٌ، والمخلوقاتُ كلُّها كانت عدماً فأوجدها اللهُ، ووُجودُها مبايِنٌ لوجودِ الله، وهو بائنٌ من خلقه، ليست المخلوقاتُ حالَّةً في الله، ولا الخالقُ حالاًّ في المخلوقات. ومعيَّةُ الله فُسِّرتْ بأنَّها معيَّةٌ بالعلم، كما قال ابنُ أبي زيد القيرواني هنا، قال اللهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
следующие страницы →