← Акыда

Акыда · id 11292

قطف الجني الداني شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني

عبد المحسن العباد

Полный текст (188 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأمَّا السُّنَّة فقد جاء فيها أحاديث كثيرة تدلُّ على بيان أمور لا يعلمها الرسول ﷺ ، مثل قصَّة الإفك، فإنَّه لَم يَعلَم براءةَ أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ إلاَّ بعد نزول القرآن في براءتها في آيات تُتلَى في سورة النور، ومثل قصة العِقْد الذي فقدته عائشةُ ﵂ في إحدى سفراتها مع النَّبِيِّ ﷺ ، وقد بقوا في منْزلهم للبحث عنه، وانتهى ماؤهم، فأنزل الله إليه آيةَ التيمُّم، وعند رحيلهم وُجد العِقْدُ تحت الجمل الذي تركب عليه عائشة. قال ابن كثير عند تفسير آية الكرسي: "وقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ أي: لا يطَّلع أحدٌ من علم الله على شيء إلاَّ بما أعلمَه الله وأطلعه عليه، ويحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلاَّ بما أطلعهم الله عليه، كقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ . وقوله: "وسع كرسيه السموات والأرض" الكرسيُّ مخلوقٌ من مخلوقات الله، وثبت عن ابن عباس ﵄ أنَّه موضع القَدَمين، كما في المستدرك للحاكم (٢/٢٨٢) ، وقال: "إنَّه على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ولم يتعقبه الذهبي، وفي إسناده عمَّار الدُّهْنِي، وهو من رجال مسلم دون البخاري. وانظر تخريجه في السلسلة الضعيفة للشيخ الألباني (٩٠٦) ، والضعيف فيه هو المرفوع، وأمَّا الأثر الذي جاء عن ابن عباس من تفسير الكرسي بالعلم، ففي إسناده جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال فيه الحافظ في التقريب: "صدوق يهم"، وقال ابن منده في كتاب الرد على

стр. 72

الجهمية (ص: ٤٥) : "لم يُتابَع عليه جعفر، وليس بالقوي في سعيد بن جُبَير"، وأورده الذهبي في ترجمة جعفر في الميزان (١/٤١٧) وقال: "وذكره ابن أبي حاتم وما نقل توثيقه، بل سكت"، ونقل ما تقدَّم عن ابن منده. وقال الطحاوي في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة: "والعرشُ والكرسيُّ حقٌّ". وقوله: "ولا يؤودُه حفظهما" أي: لا يثقله ولا يشقُّ عليه، وهو نفيٌ متضمِّنٌ إثبات كمال قدرته، قال ابن كثير في تفسيره: "أي: لا يثقله ولا يكترثه حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سَهلٌ عليه يسيرٌ لديه". وقوله: "وهو العليُّ العظيم" اسمان من أسماء الله يدلاَّن على صفتَين من صفات الله، وهما العلوُّ والعظمة، والله تعالى متَّصفٌ بالعلوِّ بأنواعه الثلاثة: علوُّ القدر، وعلوُّ القهر، وعلوُّ الذات، وقد جاء اسم الله العليّ في القرآن مقترناً بثلاثة من أسماء الله، وهي العظيم، والحكيم، والكبير مع تقدُّمه عليها في الذِّكر. فاقترانُه بالعظيم كما هنا، وفي أوَّل سورة الشورى. واقترانه بالكبير كما في سورة النساء: ﴿نَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ ، وفي سورتَي الحج ولقمان: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . واقترانه بالحكيم كما في آخر سورة الشورى: ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ .

стр. 73

٥ قوله: "العالِمُ الخبيرُ، المُدَبِّرُ القَدِيرُ، السَّمِيعُ البصيرُ، العَلِيُّ الكَبيرُ". العليم الخبير اسمان من أسماء الله يدلاَّن على صفتَي العلم والخبرة، وهما متقاربان في المعنى، وجاء في بعض النُّسخ: "العليم" بدل "العالِم"، و"العليم" أولَى لأمرين: الأول: أنَّ "العليم" جاء في القرآن كثيراً مطلقاً غير مقيَّد، وأمَّا "العالِم" فيأتي في القرآن مقيَّداً بعلم الغيب، كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ، وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ ، وقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ . والثاني: أنَّه يأتي في القرآن كثيراً اقترانُ اسم "العليم" باسم "الخبير" مع تقدُّم اسم "العليم" كما قال الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ، وقال: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ . وقوله: "المدبِّرُ القدير" القدير اسمٌ من أسماء الله يدلُّ على صفة من صفات الله، وهي القدرة، قال الله : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وقدرة الله عامَّةٌ لكلِّ شيء، قال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ ، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ وأمَّا المُدبِّرُ فلا أعلمُ ما يدلُّ على أنَّه من أسماء الله، وقد جاء وصفُ الله

стр. 74

تعالى بالتدبير، كما قال الله : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ ، والله المُدبِّر للأمر المتصرِّف في الكون كيف يشاء، لا إله إلاَّ هو. وقوله: "السميع البصير" السميع البصير اسمان من أسماء الله يدلاَّن على صفتَين من صفات الله، وهما السَّمع والبصر، وسَمعُ الله محيطٌ بكلِّ المسموعات، وبصرُه محيطٌ بكلِّ المرئيات، قال الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ . وفي هذه الآية الكريمة الجمعُ في وصف الله بالسَّمع بين الفعل الماضي والمضارع والاسم، وهذان الاسمان يأتيان مقروناً بينهما في كثير من آيات القرآن، كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وقوله: "العليُّ الكبير" العليُّ والكبير اسمان من أسماء الله يدلاَّن على صفتَي العلوِّ والكِبَر، والله تعالى عالٍ على كلِّ شيء قهراً وقدْراً وذاتاً، وهو أكبرُ من كلِّ كبير وأعظمُ من كلِّ عظيم، والمخلوقات كلُّها حقيرةٌ أمام كبرياء الله وعظمته .

стр. 75

وقد مرَّ قريباً أنَّ اسمَ العليِّ يأتي مقترناً باسم الكبير، ومرَّ ذكر بعضُ الآيات في ذلك، ومنها أيضاً قول الله : ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٦ قوله: "وَأنَّه فوقَ عَرشه المجيد بذاته، وهو في كلِّ مَكان بعِلمه". لَمَّا ذكر ابن أبي زيد – ﵀ – أنَّ من أسماء الله العليّ، وقد ذكره قريباً مقترناً باسم العظيم، وباسم الكبير، بيَّن في هذا أنَّ علوَّ الله وفوقيَّتَه على عرشه أنَّه علوٌّ بالذَّات، كما أنَّه عليٌّ بالقدر وعليٌّ بالقهر، وإنَّما نصَّ على علوِّه على عرشه بذاته لمَّا وُجد من يقول: إنَّ علوَّ الله علوُّ قدرٍ وعلوُّ قهرٍ، وأوَّلَ علوَّه على عرشه باستيلائه عليه، وأنَّه ليس على العرش حقيقةً بذاته، فعبَّر بعلوِّ الذَّات ردًّا على من قال: إنَّه علوٌّ مجازيٌّ وليس بحقيقيّ، وهذا نظيرُ قولِ السَّلف عن القرآن إنَّه غيرُ مخلوقٍ لمَّا وُجد من يقول: إنَّه مخلوقٌ. وأمَّا قوله: "وهو في كلِّ مكانٍ بعلمه" فهو لنفي القولِ بالحلول والاتِّحاد، وهو أنَّ اللهَ حالٌّ في المخلوقات، متَّحدٌ معها، مختلِطٌ بها؛ فإنَّ اللهَ الخالقُ، وكلُّ ما سواه مخلوقٌ، والمخلوقاتُ كلُّها كانت عدماً فأوجدها اللهُ، ووُجودُها مبايِنٌ لوجودِ الله، وهو بائنٌ من خلقه، ليست المخلوقاتُ حالَّةً في الله، ولا الخالقُ حالاًّ في المخلوقات. ومعيَّةُ الله فُسِّرتْ بأنَّها معيَّةٌ بالعلم، كما قال ابنُ أبي زيد القيرواني هنا، قال اللهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ

стр. 76

مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، فقد بُدئت هذه الآيةُ بالعلم، وخُتمت بالعلم. وفُسِّرتْ بأنَّها معيَّةٌ حقيقيَّةٌ، والمعنى أنَّ اللهَ فوق عرشه بذاته، وهو مع خلقه دون امتزاجٍ أو اختلاطٍ؛ فإنَّ المخلوقاتِ صغيرةٌ حقيرةٌ أمام عظمة الله وكبريائه، واللهُ مع كونه فوق عرشه، فهو قريبٌ من عباده، قال شيخُ الإسلام ابن تيمية في الواسطيَّة: "وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمانُ بما أخبر اللهُ به في كتابه وتواتر عن رسوله ﷺ وأجمع عليه سلفُ الأمَّة، مِن أنَّه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليٌّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ، وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنَّه مختلطٌ بالخَلْق، فإنَّ هذا لا توجبُه اللُّغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلفُ الأمَّة، وخلاف ما فَطَرَ الله عليه الخلقَ، بل القمر آيةٌ من آيات الله، من أصغر مخلوقاته، وهو موضوعٌ في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش، رقيبٌ على خلقه، مُهيمنٌ عليهم، مطَّلعٌ إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته، وكلُّ هذا الكلام الذي ذكره الله سبحانه من أنَّه فوق العرش وأنَّه معنا حقٌّ على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، لكن يُصانُ عن الظنون الكاذبة، مثل أن يُظنَّ أنَّ ظاهرَ قوله (في السماء) أنَّ السماء تُقلُّه أو تُظلُّه، وهذا باطلٌ

стр. 77

بإجماع أهل العلم والإيمان؛ فإنَّ الله قد وسع كرسيُّه السموات والأرض، وهو الذي يُمسك السموات والأرضَ أن تزولاَ، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ . إلى أن قال: "وما ذُكر في الكتاب والسُّنَّة من قُربه ومعيَّته لا يُنافي ما ذُكر من علوِّه وفوقيَّته؛ فإنَّه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دُنُوِّه، قريبٌ في علُوِّه". ويشيرُ شيخُ الإسلام ﵀ بالجملة الأخيرة وهي قولُه: "عليٌّ في دُنُوِّه، قريبٌ في علُوِّه" إلى ما جاء في حديث نُزول الرَّبِّ إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلثُ الآخر من الليل، وحديث عائشة ﵂ في صحيح مسلم (١٣٤٨) : أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما من يوم أكثر من أن يُعتقَ اللهُ فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنَّه لَيَدنو، ثمَّ يُباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ". ٧ قوله: "خَلَقَ الإنسانَ، ويَعلمُ ما تُوَسْوِسُ به نفسُه، وهو أَقرَبُ إليهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وما تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلاَّ يَعلَمُها، ولاَ حَبَّةٍ في ظُلُمَات الأرضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِس إلاَّ في كتاب مُبين". عِلْمُ الله محيطٌ بكلِّ شيء، فقد علمَ أزَلاً ما كان وما سيكون، وما لم يكن أن لو كان كيف يكون، كما قال الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ

стр. 78

لَكَاذِبُونَ﴾ ، فأخبر عن أمر لا يكون، وهو رجوعُ الكفَّار إلى الدنيا، وأنَّهم لو رُدُّوا لعادوا لِما نُهوا عنه، وقال الله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ،وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ ، وقال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ، وقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ، وكلُّ ما هو كائنٌ في الوجود من حركة أو سكون قد سبق به علمُ الله، ولا يحصل لله علم في شيء لم يكن معلوماً له من قبل أزَلاً، قال شيخنا محمد الأمين الشنقيطي – ﵀ – في كتابه أضواء البيان (١/٧٥ ٧٦) عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ ، قال: "ظاهرُ هذه الآية قد يَتوهَّم منه الجاهلُ أنَّه تعالى يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه، عن ذلك علوًّا كبيراً، بل هو تعالى عالِمٌ بكلِّ ما سيكون قبل أن يكون، وقد بيَّن أنَّه لا يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه بقوله جلَّ وعلا: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بعد قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ دليل قاطعٌ على أنَّه لم

стр. 79

يستفد بالاختبار شيئاً لم يكن عالِماً به، عن ذلك علوًّا كبيراً؛ لأنَّ العليمَ بذات الصدور غنِيٌّ عن الاختبار، وفي هذه الآية بيانٌ عظيمٌ لجميع الآيات التي يَذكر الله فيها اختبارَه لخلقه، ومعنى ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ أي: علماً يترتَّبُ عليه الثواب والعقاب، فلا يُنافي أنَّه كان عالِماً به قبل ذلك، وفائدةُ الاختبار ظهور الأمر للناس، أما عالِمُ السِّرِّ والنَّجوى فهو عالِمٌ بكلِّ ما سيكون كما لا يخفى". وأمَّا قول الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ، فقد فُسِّر بتفسيرين: أحدهما: قُربُه بالعلم والقُدرة والإحاطة، وهذا الذي يظهر من كلام ابن أبي زيد ﵀. والثاني: قُربُ الملائكة، نظير قوله في الواقعة: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ، وقد رجَّحه ابن كثير في تفسيره، وابن القيم كما في مختصر الصواعق (٢/٢٦٨) ، وقد جاء في القرآن الكريم ذكرُ الضمير بلفظ التعظيم والمرادُ به الملائكة، كما في قول الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ، والذي قرأه على الرسول ﷺ جبريلُ، وقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ ، وهو إنَّما جادل الملائكة، كما قال الله ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ الآية.

стр. 80

٨ قوله: "على العَرشِ اسْتَوى، وعَلى المُلْكِ احْتَوى". من صفات الله الفعليَّة استواؤه على عرشه، ومذهب السَّلف فيه وفي سائر الصفات إثبات الجميع على ما يليق بالله من غير تكييف أو تمثيل، ومن غير تحريف أو تعطيل، مع فهم المعنى والجهل بالكيفية، كما قال الإمام مالك ﵀ وقد سُئل عن كيفية الاستواء قال: "الاستواءُ معلومٌ، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". قال ابن كثير – ﵀ – في تفسيره عند تفسير آية الاستواء على العرش من سورة الأعراف، قال: "وأمَّا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، فللنَّاس في هذا المقام مقالاتٌ كثيرةٌ جدًّا ليس هذا موضع بسطها، وإنَّما نسلُكُ في هذا المقام مذهب السَّلف الصالح: مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمَّة المسلمين قديماً وحديثاً، وهو إمرارُها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المُشبِّهين منفيٌّ عن الله؛ فإنَّ اللهَ لا يُشبهه شيءٌ من خلقه، وليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، بل الأمر كما قال الأئمَّة، منهم نُعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري، قال: مَن شبَّه اللهَ بخلقه كفر، ومن جحدَ ما وصفَ اللهُ به نفسَه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسَه ولا رسولُه تشبيه، فمَن أثبت لله تعالى ما وردت به الآياتُ الصريحةُ والأخبارُ الصحيحةُ على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائصَ، فقد سلك سبيل الهُدى". وقد جاء إثباتُ استواء الله على عرشه في القرآن في سبعة مواضع، قال الله في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، وقال: ﴿ثُمَّ

стр. 81

اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في الأعراف ويونس والرعد والفرقان والسجدة والحديد. ومعنى ﴿اسْتَوَى﴾ عند السلف: ارتفع وعلاَ، وأمَّا المتكلِّمون فيؤوِّلون ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى استولى، وهو باطل، قال أبو الحسن الأشعري – ﵀ – في كتابه الإبانة (ص: ٨٦) : "وقد قال قائلون من المعتزلة والجهميّة والحرورية: إنَّ قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أنَّه استولى ومَلَكَ وقَهَر، وأنَّ الله في كلِّ مكان، وجَحَدوا أن يكون اللهُ على عرشه كما قال أهلُ الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القُدرة، ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ فالله سبحانه قادرٌ عليها وعلى الحُشوش وعلى كلِّ ما في العالَم، فلو كان اللهُ مستوياً على العرش بمعنى الاستيلاء وهو مُستوٍ على الأشياء كلِّها لكان مستوياً على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقْذار؛ لأنَّه قادرٌ على الأشياء، مُستولٍ عليها، وإذا كان قادراً على الأشياء كلِّها ولَم يَجُز عند أحد من المسلمين أن يقول: إنَّ اللهَ مستوٍ على الحشوش والأخْلِيَة، لَم يَجُزْ أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلِّها، ووجب أن يكون معناه استواء يختصُّ العرش دون الأشياء كلِّها". وقد بيَّن ابن القيم بطلانَ تفسير الاستواء بالاستيلاء من اثنين وأربعين وجهاً في كتابه الصواعق المرسلة كما في مختصره لمحمد بن الموصلي (٢/١٢٦ ١٥٢) . ولَمَّا قال ابن أبي زيد – ﵀ –: "على العرش استوى"، قال

стр. 82

عَقبَه: "وعلى الملك احتوى"، وكأنَّه يشير بذلك إلى إبطال قول المتكلِّمين: استوى بمعنى استولى؛ لأنَّ الله مالكُ كلِّ شيء: العرش وغير العرش، والله وحده الخالق، ومَن سواه مخلوق، والذي تفرَّد بالخَلْق والإيجاد هو المتفرِّد بالمُلك، قال الله : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وقال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ، وقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ، وقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ، وقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ ، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾

стр. 83

٩ قوله: "وله الأسماء الحُسنى والصِّفاتُ العُلَى". ١ أسماءُ الله وصفاته من علم الغيب التي لا يجوز الكلام فيها إلاَّ بما جاء به الوحي من كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ، فيُثبَتُ لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على ما يليق به دون تكييف وتمثيل، ودون تحريف وتعطيل، مع تنْزيهه عن كلِّ ما لا يليق به، كما قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . ٢ جاء في القرآن الكريم إثباتُ الأسماء لله ، ووَصْفُها بأنَّها حُسنَى، قال الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ، وقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ، وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ومعنى كون أسماء الله حُسنَى أنَّها بلغت في الحُسن غايته ونهايته، فلا تُوصَف أسماء الله بأنَّها حسنة فحسب، بل تُوصَف بأنَّها حُسنَى، كما جاء في هذه الآيات الكريمات. ٣ أسماءُ الله كلُّها مشتقَّةٌ، تدلُّ على معان هي صفات، فالعزيزُ يدلُّ على العزَّة، والحكيم يدلُّ على الحكمة، والكريم يدلُّ على الكَرَم، والعظيمُ يدلُّ على العَظمة، واللَّطيف يدلُّ على اللُّطف، والرحمن والرَّحيم يدلاَّن على الرَّحمة، وهكذا. وليس في أسماء الله اسمٌ جامد، وما ذكره بعضُ أهل العلم من أنَّ من أسماء الله "الدَّهر" فغيرُ صحيح؛ فإنَّ الحديثَ القدسي: "يُؤذينِي ابنُ آدم يَسبُّ الدَّهر، وأنا الدَّهر، بيدي الأمر، أُقلِّب اللَّيلَ والنَّهار" رواه البخاري (٤٨٢٦) ومسلم (٢٢٤٦) ، لا يدلُّ على أنَّ من أسماء الله الدَّهر؛ لأنَّ

стр. 84

الدَّهرَ هو الزمان، والله تعالى هو الذي يُقلِّبُ اللَّيل والنهار، فمَن سبَّ المقلَّب (بفتح اللاَّم وتشديدها) وهو الدَّهر، رجعت مسبَّتُه إلى المقلِّب (بكسر اللاَّم وتشديدها) وهو الله، وقد بيَّن الله ذلك بقوله: "بيدي الأمر، أقلِّب الليل والنهار". وأمَّا الصفات فليس كلُّ صفة يُشتقُّ منها اسم؛ فإنَّ من صفات الله الذاتية الوجه واليد والقَدَم، ولا يُؤخذ منها أسماء، ومن صفاته الفعلية الاستهزاء والكيد والمَكر، ولا يُشتقُّ منها أسماء، فلا يُسمَّى بالماكر والمستهزئ والكائد. وأقول والشيء بالشيء يُذكر: إنَّ أسماءَ الرسول ﷺ الثابتة مُشتقَّةٌ، تدلُّ على معان، وليس فيها اسم جامد، وليس من أسمائه ﷺ : طه ويس، قال ابن القيم – ﵀ – في تحفة المودود (ص: ١٢٧) : "ومِمَّا يُمنع منه التسمية بأسماء القرآن وسُوَره، مثل: طه، ويس، وحم، وقد نصَّ مالكٌ على كراهة التسمية ب: يس، ذكره السُّهيلي، وأمَّا ما يذكره العوام أنَّ يس وطه من أسماء النَّبِيِّ ﷺ فغيرُ صحيح، ليس ذلك في حديث صحيح ولا حسن ولا مرسل، ولا أثر عن صاحب، وإنَّما هذه الحروف مثل: الم، وحم، والر، ونحوها". ولعلَّ مَن توهَّم التسمية ب (طه) و (يس) من العوامّ أخذه من الخطاب للنَّبِيِّ ﷺ بعد ذكر الحروف المقطَّعة في سورتَي طه ويس، ظانًّا أنَّ هذين من أسمائه ﷺ ؛ فإنَّ خطابَ النَّبِيِّ ﷺ جاء أيضاً بعد الحروف المقطَّعة في سورتَي الأعراف وإبراهيم مثلاً، ولا يُقال: إنَّ من أسمائه ﷺ لذلك: (المص) ، و (الر) .

стр. 85

٤ أسماءُ الله غيرُ محصورة بعدد؛ فإنَّ منها ما أطلَع اللهُ الناسَ عليه، ومنها ما استأثر بعلمه، ويدلُّ لذلك حديثُ ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أصاب أحداً قطُّ هَمٌّ ولا حزن، فقال: اللَّهمَّ إنِّي عبدُك، ابنُ عبدك، ابن أَمَتك، ناصيَتِي بيدك، ماض فِيَّ حكمُك، عدلٌ فِيَّ قضاؤك، أسألك بكلِّ اسم هو لك، سَمَّيتَ به نفسَك، أو علَّمته أحداً من خلقك، أو أنزلتَه في كتابك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبِي، ونورَ صدري، وجلاءَ حزنِي، وذهابَ هَمِّي، إلاَّ أذهب اللهُ هَمَّه وحزنَه، وأبدله مكانه فرَحاً، قال: فقيل: يا رسول الله! ألاَ نتعلَّمُها؟ فقال: بلى! ينبغي لِمَن سَمعَها أن يتعلَّمها" رواه الإمام أحمد في المسند (٣٧١٢) ، وعلَّق عليه الشيخ شعيب الأرنؤوط وصاحباه بتضعيفه، وقد نقلوا عن الحافظ ابن حجر تحسينَه، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٨) ، وقد صحَّح هذا الحديث ابنُ القيم، وشرحه شرحاً واسعاً في كتابه شفاء العليل، في الباب السابع والعشرين منه (ص: ٣٦٩ ٣٧٤) . والأصلُ عدم حصر الأسماء بعدد معيَّن إلاَّ بدليل يدلُّ على ذلك، ولا أعلم دليلاً يدلُّ عليه، وأمَّا الحديث الذي رواه البخاري (٢٧٣٦، ٦٤١٠، ٧٣٩٢) ومسلم (٢٦٧٧) عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ لله تسعةً وتسعين اسماً، مائة إلاَّ واحدة، مَن أحصاها دخل الجنَّة"، فلا يدلُّ على حصر أسماء الله في هذا العدد، بل يدلُّ على أنَّ من أسماء الله تسعة وتسعين اسماً، من شأنها أنَّ مَن أحصاها دخل الجنَّة، كما لو قال قائل: عندي مائة كتاب أعددتُها لطلبة العلم؛ فإنَّه لا يدلُّ على أنَّه ليس عنده إلاَّ هذا العدد.

стр. 86

٥ لَم يثبت في سرد الأسماء حديثٌ، وقد اجتهد بعضُ العلماء في استخراج تسعة وتسعين اسماً من الكتاب والسُّنَّة، منهم الحافظ ابن حجر فقد جمع هذا العددَ في كتاب فتح الباري (١١/٢١٥) ، وفي التلخيص الحبير (٤/١٧٢) ، ومنهم الشيخ محمد بن عثيمين في كتابه القواعد المثلَى (ص: ١٥ ١٦) ، وهذه الكتب الثلاثة متفقةٌ في أكثر الأسماء، ويوجد في أحدها ما لا يوجد في الآخر. وأسرُدُ فيما يلي تسعة وتسعين من أسماء الله الحسنَى، مرتَّبَةً على حروف الهجاء، ومع كلِّ اسم دليلَه من الكتاب أو السُّنَّة، وفيها زيادة على ما في الكتب الثلاثة اسْمَا: (الستِّير، والديَّان) . ١- الله: يُطلق على هذا الاسم لفظ الجلالة، ويأتي مراداً به المسمَّى مبتدأ، ويُخبر عنه بالأسماء، مثل: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وتُنسبُ له الأسماء، كما قال الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ، وقال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ . ٢- الآخر: دليلُه ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ . ٣- الأحد: دليله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . ٤- الأعلى: دليله ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ . ٥- الأكرم: دليله ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ . ٦- الإله: دليله ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ . ٧- الأول: دليله ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ ٨- البارئ، دليله ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ .

стр. 87

٩- الباطن: دليله ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ . ١٠- البَرُّ: دليله ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ . ١١- البصير: دليله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . ١٢- التَّوَّاب: دليله ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ . ١٣- الجَبَّار: دليله. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ . ١٤- الجميل: دليله حديث: "إنَّ اللهَ جميلٌ يُحبُّ الجمالَ" رواه مسلم (١٤٧) . ١٥- الحافظ: دليله ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ . ١٦- الحسيب: دليله ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ . ١٧- الحفيظ: دليله ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ . ١٨- الحق دليله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ ١٩- الحَكَم: دليله حديث: "إنَّ اللهَ هو الحَكَم، وإليه الحُكم" رواه أبو داود (٤٩٥٥) وغيره، وإسناده حسن. ٢٠- الحكيم: دليله ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . ٢١- الحليم: دليله ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ . ٢٢- الحميد: دليله ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ . ٢٣- الحيُّ: دليله ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . ٢٤- الحَيِيُّ: دليله حديث: "إنَّ الله حَيِيٌّ سِتِّير، يُحبُّ الحياءَ

стр. 88

والسّتر" رواه أبو داود (٤٠١٢) وغيرُه، وإسناده حسن. ٢٥- الخالق: دليله ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ . ٢٦- الخبير: دليله ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ . ٢٧- الخلاَّق: دليله ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ ٢٨- الديَّان: دليله قول رسول الله ﷺ : "يَحشرُ اللهُ العبادَ أو قال: الناس عُراةً غُرْلاً بُهماً، قال: قلنا: ما بُهماً؟ قال: ليس معهم شيء، ثمَّ يُناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديَّان" الحديث، أخرجه الحاكم في المستدرك في موضعين (٢/٤٣٨) ، (٤/٥٧٤) ، وصحَّحه وأقرَّه الذهبي، وحسَّنه الحافظ في الفتح (١/١٧٤) ، والألباني في صحيح الأدب المفرد (٧٤٦) . ٢٩- الرَّبُّ: دليله ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ٣٠- الرَّحمن: دليله ﴿لْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ٣١- الرحيم: دليله ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ . ٣٢- الرزاق: دليله ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ . ٣٣- الرَّفيق: دليله حديث: "إنَّ الله رفيقٌ يُحبُّ الرِّفق" رواه البخاري (٦٩٢٧) ، ومسلم (٢٥٩٣) . ٣٤- الرقيب: دليله ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ . ٣٥- الرؤوف: دليله ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . ٣٦- السُّبُّوح: دليله حديث: "سبُّوح قدُّوس ربُّ الملائكة والرُّوح" رواه مسلم (٤٨٧) . ٣٧- الستِّير: دليله مرَّ عند اسم الحَيي.

стр. 89

٣٨- السلام: دليله ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ . ٣٩- السَّميع: دليله ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٤٠- السيِّد: دليله حديث: "السيِّد اللهُ ﵎" رواه أبو داود (٤٨٠٦) وإسناده صحيح. ٤١- الشافي: دليله حديث: "اشف أنت الشافي لا شافي إلاَّ أنت" رواه البخاري (٥٧٤٢) ، ومسلم (٢١٩١) . ٤٢- الشاكر: دليله ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ . ٤٣- الشَّكور: دليله ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ . ٤٤- الشهيد: دليله ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٤٥- الصَّمد: دليله. ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٤٦- الطيِّب: دليله حديث: "إنَّ اللهَ طيِّبٌ ولا يقبل إلاَّ طيِّباً" رواه مسلم (١٠١٥) . ٤٧- الظاهر: دليله. ﴿ ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ . ٤٨- العزيز: دليله ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٤٩- العظيم: دليله ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٥٠- العفوُّ: دليله ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ . ٥١- العليم: دليله ﴿وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٥٢- العليُّ: دليله ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ . ٥٣- الغالب: دليله ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا

стр. 90

يَعْلَمُونَ﴾ . ٥٤- الغفَّار: دليله ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ ٥٥- الغفور: دليله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . ٥٦- الغنِيُّ: دليله ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ . ٥٧- الفتَّاح: دليله ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ ٥٨- القادر: دليله ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ . ٥٩- القاهر: دليله ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٦٠- القدُّوس: دليله ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ٦١- القدير: دليله ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٦٢- القريب: دليله ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ٦٣- القهَّار: دليله ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ٦٤- القويُّ: دليله ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ ٦٥ القيُّوم: دليله ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ . ٦٦- الكبير: دليله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٦٧- الكريم: دليله ﴿يَا أَيُّهَا الأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ . ٦٨- الكفيل: دليله ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ ، وحديث قصَّة الإسرائيليِّ الذي قال لِمَن أَسْلَفه:

стр. 91

"كفى بالله كفيلاً" رواه البخاري (٢٢٩١) . ٦٩- اللطيف: دليله ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٧٠- المبين: دليله ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ ٧١- المتَعال: دليله ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ . ٧٢- المتكبِّر: دليله ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ ٧٣- المَتين: دليله ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٧٤- المُجيب: دليله ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ٧٥- المجيد: دليله ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ ٧٦- المُحسن: دليله حديث: "إنَّ الله مُحسنٌ يُحبُّ المُحسنين" رواه ابن أبي عاصم في الديَّات (ص: ٥٦) ، وابن عدي في الكامل (٦/٢١٤٥) ، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/١١٣) ، وإسناده حسن كما ذكر الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٧٠) ، وانظر صحيح الجامع الصغير (١٨١٩) و (١٨٢٠) . ٧٧- المُحيط: دليله ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ ٧٨- المصوِّر: دليله ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ ٧٩- المُعطي: دليله حديث: "والله المُعطِي وأنا القاسم" رواه البخاري (٣١١٦) . ٨٠- المُقتدر: دليله ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ ٨١- المقدِّم: دليله حديث "أنتَ المُقدِّمُ، وأنتَ المُؤخِّرُ" رواه البُخاري (١١٢٠) ومسلم (٧٧١) .

стр. 92

٨٢- المُقيت: دليله ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ ٨٣- المَلِك: دليله ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ ٨٤- المَليك: دليله ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ٨٥- المَنَّان: دليله حديث: "اللهمَّ إنِّي أسألك بأنَّ لك الحمد لا إله إلاَّ أنت المَنَّان" رواه أبو داود (١٤٩٥) ، وإسناده حسن. ٨٦- المُهيمن: ﴿هوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ ٨٧- المؤخِّر: دليله، مرَّ عند اسم المقدِّم. ٨٨- المولَى: دليله ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ٨٩- المؤمن: دليله ﴿هوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ ٩٠- النَّصير: دليله ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً﴾ . ٩١- الهادي: دليله ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ ٩٢- الواحد: دليله ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٩٣- الوارث: دليله ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ ٩٤- الواسع: دليله ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٩٥- الوتر: دليله حديث: "إنَّ الله وِترٌ يُحبُّ الوتر" رواه البخاري (٦٤١٠) ، ومسلم (٢٦٧٧) . ٩٦- الوَدود: دليله ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ ٩٧- الوكيل: دليله ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾

стр. 93

٩٨- الولِيُّ: دليله ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ٩٩- الوهَّاب: دليله ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ . وقد أورد ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين (٣/١٤٩ ١٧١) تسعةً وتسعين وجهاً تدلُّ لقاعدة سدِّ الذرائع، مُقتصراً على ذلك؛ موافقة لعدَّة أسماء الله الحُسنَى الواردة في الحديث. وأوردتُ في كتابي: دراسة حديث (نضَّر الله امرءاً سمع مقالَتِي) رواية ودراية (ص: ٢٠١ ٢١٠) تسعاً وتسعين فائدة مُستنبطة من هذا الحديث، الذي ورد بألفاظ كثيرة مختصراً ومُطوَّلاً. ٦ من أسماء الله ما يُطلق على غيره، كما قال الله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ، والمعاني التي تدلُّ عليها الأسماء لا يشبه فيها الخالقُ المخلوقَ، ولا المخلوقُ الخالقَ. ومنها ما لا يُطلق إلاَّ على الله، ولا يُطلق على غيره، مثل: الله، والرحمن، والخالق، والبارئ، والرزاق، والصمد، قال ابن كثير: في تفسيره عند تفسير البسملة في أول سورة الفاتحة: "والحاصلُ أنَّ من أسمائه تعالى ما يُسمَّى به غيره، ومنها ما لا يُسمَّى به غيرُه، كاسم الله، والرحمن، والخالق، والرزاق، ونحو ذلك".

стр. 94

١٠ قوله: "لَم يَزَل بِجَميعِ صفاتِه وأسمائِه، تَعالى أن تكونَ صفاتُه مَخلوقَةً، وأسماؤُه مُحْدَثَةً". الله متَّصفٌ بصفاته، متَسَمٍّ بأسمائه أزَلاً وأبداً، فلَم يتَسمَّ باسم بعد أن كان غيرَ متَسَمٍّ به. وأمَّا صفات الله ، فهي تنقسمُ إلى قسمين: صفات ذاتية قائمة بالذات، لازمة لها أزَلاً وأبداً، ولا تتعلَّق بمشيئة وإرادة، كالوجه واليد والحياة والعلم والسَّمع والبصر والعلو. وصفات فعليَّة متعلِّقة بالمشيئة والإرادة، كالخَلْق والرَّزق والاستواء والنُزول والمجيء، وهذه الصفات نوعُها قديمٌ، وآحادها حادثة، وهو متَّصفٌ بصفَتَي الخلْق والرَّزق أزَلاً، لم يكن غيرَ متَّصف بهاتين الصفتين ثمَّ اتَّصف بهما، والاستواء على العرش حصل بعد خلق السموات والأرض، والنُزول إلى السماء الدنيا حصل بعد خلق السموات والأرض، والمجيئ في قول الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ يَحصلُ يوم القيامة لفصل القضاء بين العباد، واتِّصافُه بكونه يفعل ما يريد قديمُ النَّوع، وهذه الأفعال من الآحاد التي حصلت في الأوقات التي شاء الله فعلَها فيها، والله تعالى بذاته وصفاته هو الخالق، ومَن سواه مخلوق، فليس في صفاته شيءٌ مخلوق، وأسماؤه لا بداية للتَّسَمِّي بها، فهي غير مُحدَثة.

стр. 95

١١ قوله: "كلَّم موسى بكلامِه الَّذي هو صفةُ ذاتِه، لا خَلْقٌ مِن خَلقِه، وَتَجَلَّى للجَبَل فصار دَكًّا مِن جلالِه، وأنَّ القرآنَ كلامُ الله، ليس بمخلُوقٍ فيَبِيدُ، ولا صفةً لمخلوقٍ فَيَنْفَدُ". اللهُ متَّصفٌ بصفة الكلام أزَلاً وأبداً، وهو متكلِّمٌ بلا ابتداء، ويتكلَّم بلا انتهاء؛ لأنَّه لا بداية له ولا نهاية له، فلا بداية لكلامه ولا نهاية له، وصفةُ الكلام صفةٌ ذاتيَّة فعلية، فهي ذاتيَّةٌ باعتبار أنَّه لا بداية للاتَِّصاف بها، وفعلية بكونها تتعلَّق بالمشيئة والإرادة، فكلامُه متعلِّقٌ بمشيئته، يتكلَّم إذا شاء، كيف شاء، وهو قديمُ النوع، حادثُ الآحاد، وقد كلَّم موسى في زمانه، وكلَّم نبيَّنا محمداً ﷺ ليلة المعراج، ويُكلِّم أهلَ الجنَّة إذا دخلوا الجنَّة، وهذه من أمثلة آحاد الكلام التي حصلت وتحصل في الأزمان التي شاء الله حصولَها فيها، والله تعالى يتكلَّم بحرف وصوت، ليس كلامُه مخلوقاً ولا معنى قائماً بالذات، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ، ففي هذه الآية إثبات صفة الكلام لله ، وأنَّ كلامَه سَمعَه موسى منه، وقوله: ﴿تَكْلِيماً﴾ ، تأكيدٌ لحصول الكلام، وأنَّه منه ، وكلام الله لا بداية له ولا نهاية له، فلا حصرَ له، بخلاف كلام المخلوق، فإنَّ له بدايةً وله نهاية، فيكون كلامُه محصوراً، قال الله : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ ، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، ففي هاتين الآيتين إثباتُ صفة الكلام لله ، وأنَّ كلامَه غيرُ محصور؛ لأنَّ البحورَ الزاخرةَ ولو ضوعِفَت أضعافاً مضاعفة، وكانت مداداً يُكتبُ به كلام الله، وكان كلُّ ما في الأرض من

стр. 96

شجر أقلاماً يُكتبُ بها، فلا بدَّ أن تنفدَ البحورُ والأقلامُ؛ لأنَّها مخلوقةٌ محصورةٌ، ولا ينفدُ كلام الله الذي هو غير مخلوق ولا محصور، والقرآن من كلام الله، والتوراة والإنجيل من كلام الله، وكلُّ كتاب أنزله الله فهو من كلامه، وكلامُه غيرُ مخلوق، فلا يَحصل له الفناءُ الذي يحصل للمخلوقات، وهو صفة الخالق الذي لا نهاية له فلا ينفدُ كلامُه، والمخلوقون يَبيدون فينفدُ كلامُهم. وأمَّا قوله: "وتجلَّى للجبل فصار دكًّا من جلاله" فقد قال الله : ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وفي هذه الآية الكريمة إثباتُ حصول الكلام من الله لموسى عندما جاء لميقات ربِّه، وفيها أنَّ موسى لَمَّا سمع كلام الله طمِعَ في الرؤية فسألَها، فلَم تحصل؛ لأنَّ اللهَ شاء أن تكون رؤيتُه في الدار الآخرة، وهي أكملُ نعيم يَحصُلُ لأهل الجنَّة، وشاء أن لا تقوى الأبصارُ في هذه الحياة الدنيا على رؤيته، ولهذا قال الله لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ، أي: في الدنيا، بل إنَّ الجبلَ مع صلابَته لَم يثبت أمام تَجَلِّي الله، فصار دكًّا، وأمَّا في الدار الآخرة فإنَّه يجعل عبادَه المؤمنين قادرين على رؤيته؛ بما يُعطيهم من القوَّة على ذلك، ويدلُّ لعدم رؤية الله في الدنيا قوله ﷺ : "تعلموا أنَّه لن يرَى أحدٌ منكم ربَّه حتى يموت" رواه مسلم (٢٩٣٠) .

стр. 97

١٢ قوله: "والإيمانُ بالقَدَرِ خَيْرِه وشَرِّه، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وكلُّ ذلك قَد قَدَّرَهُ اللهُ رَبُّنا، ومقاديرُ الأمورِ بيدِه، ومَصدَرُها عن قضائِه. عَلِمَ كلَّ شيْءٍ قَبل كَونِه، فجَرَى على قَدَرِه، لا يَكون مِن عبادِه قَولٌ ولا عَمَلٌ إلاَّ وقدْ قَضَاهُ وسبق عِلْمُه به، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ . يُضِلُّ مَن يشاء، فيَخْذُلُه بعدْلِه، ويَهدي مَن يَشاء، فَيُوَفِّقُه بفضلِه، فكَلٌّ مُيَسَّرٌ بتَيْسيره إلى ما سَبَقَ مِن علمه وقَدَرِه، مِن شَقِيٍّ أو سعيدٍ. تعالَى أن يكونَ في مُلْكِهِ ما لا يُريد، أو يكونَ لأَحَد عنه غِنًى خالقاً لكلِّ شيءٍ إلاَّ هو، رَبُّ العباد ورَبُّ أعمالِهم، والمُقَدِّرُ لِحَركاتِهم وآجالِهم". ١ الإيمان بالقدر أحدُ أصول الإيمان الستة المبيَّنة في حديث جبريل المشهور، فإنَّه سأله عن الإيمان، فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرِّه" أخرجه مسلم في صحيحه، وهو أوَّل حديث في كتاب الإيمان، الذي هو أوَّل كتب صحيحه، وجاء في إسناده أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ حدَّث به عن أبيه؛ للاستدلال به على الإيمان بالقدر، عندما سأله يحيى بن يَعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري عن أُناس وُجدوا في العراق يُنكرون القدرَ، وأنَّ الأمرَ أُنُفٌ، فقال للسائل: "فإذا لقيتَ أولئك فأخبِرهم أنِّي بريء منهم، وأنَّهم بُرآءُ منِّي، والذي يَحلف به عبد الله بن عمر! لو أنَّ لأحدهم مثل أُحُد ذهباً فأنفقه، ما قَبل الله منه حتَّى يُؤمنَ بالقدر"، ثمَّ حدَّث بالحديث عن أبيه، وحديثُ جبريل عن عمر من أفراد مسلم، وقد اتَّفق الشيخان على إخراجه من

стр. 98

حديث أبي هريرة ﵁. ٢ جاء في القرآن آياتٌ كثيرةٌ، وفي السُّنَّة أحاديثُ عديدة تدلُّ على إثبات القَدر، قال الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ، وقال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ ، وقال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ ،وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ، وأمَّا السُّنَّة فقد عقد كلٌّ من الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما كتاباً للقدر، اشتملاَ على أحاديث عديدة في إثبات القدر، روى مسلم في صحيحه (٢٦٦٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحَبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعُك، واستَعن بالله ولا تَعجَز، وإن أصابك شيءٌ فلا تَقل: لو أنِّي فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قدرُ الله وما شاء فعل؛ فإنَّ لو تفتحُ عملَ الشيطان". وروى مسلمٌ (٢٦٥٥) بإسناده إلى طاوس قال: "أدركتُ ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كلُّ شيء بقَدر، قال: وسمعتُ عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : كلُّ شيء بقدر، حتى العَجز والكيس، أو الكيسُ والعجز". والعجزُ والكيس ضدَّان، فنشاطُ النشيط وكسل الكَسول وعجزه، كلُّ ذلك بقدر، قال النووي في شرح الحديث (١٦/٢٠٥) : "ومعناه أنَّ العاجزَ قد قُدِّر عجزُه، والكَيِّسُ قد قُدِّر كيسُه". وقال ﷺ : "ما منكم من أحدٍ إلاَّ وقد كُتب مقعدُه من الجنَّة، ومقعدُه من النَّار، فقالوا: يا رسول الله! أفلا نتَّكِلُ؟ فقال: اعملوا فكلٌّ

стр. 99

ميَسَّرٌ، ثمَّ قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ " رواه البخاري (٤٩٤٥) ومسلم (٢٦٤٧) من حديث عليّ. والحديثُ يدلُّ على أنَّ أعمالَ العباد الصالحة مقدَّرَةٌ، وتؤدِّي إلى حصول السعادة وهي مقدَّرَة، وأعمالُهم السيِّئة مقدرَّةٌ، وتؤدِّي إلى الشقاوة وهي مقدَّرةٌ، واللهُ قدَّر الأسباب والمسبّبات، وكلُّ شيءٍ لا يخرج عن قضاء الله وقدره وخلقه وإيجاده. وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كنت خلف رسول الله ﷺ يوماً، فقال: يا غلام! إنِّي أُعلِّمُك كلماتٍ: احفظ اللهَ يحْفظْكَ، احفظ الله تجدْه تجاهَك، إذا سألتَ فاسأل اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله، واعلم أنَّ الأمَّةَ لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلاَّ بشيءٍ قد كتبه اللهُ لك، ولو اجتمعوا على أن يَضُرُّوك بشيءٍ لَم يضرُّوك إلاَّ بشيءٍ قد كتبه اللهُ عليك، رُفعت الأقلامُ وجفَّت الصُّحُف" رواه الترمذي (٢٥١٦) ، وقال: "هذا حديثٌ حسن صحيح". وهذا الحديث شرحه الحافظ ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلِم (١/٤٥٩) ، وهو الحديث التاسع عشر من الأربعين النَّوويّة. ٣ الإيمانُ بالقدر له أربعُ مراتب لا بدَّ من اعتقادها: المرتبةُ الأولى: عِلْمُ الله الأزلِيّ في كلِّ ما هو كائنٌ، فإنَّ كلَّ كائنٍ قد سبق به علمُ الله أزلاً، ولا يتجدَّد له علْمٌ بشيءٍ لَم يكن عالماً به أزلاً، وقد سبق إيضاح هذه المرتبة عند الكلام على صفة علم الله في الفقرة رقم (٧) .

стр. 100

الثانية: كتابةُ كلِّ ما هو كائنٌ في اللَّوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، لقوله ﷺ : "كتب اللهُ مقاديرَ الخلائق قبل أن يخلقَ اللهُ السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشُه على الماء" رواه مسلم (٢٦٥٣) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. الثالثة: مشيئةُ الله وإرادتُه، فإنَّ كلَّ ما هو كائنٌ إنَّما حصل بمشيئة الله، ولا يقع في ملك الله إلاَّ ما أراده الله، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، قال اللهُ : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الرابعة: إيجاد كلّ ما هو كائنٌ وخَلْقُه بمشيئة الله، وفقاً لما علِمَه أزَلاً وكتبه في اللَّوح المحفوظ؛ فإنَّ كلَّ ما هو كائنٌ من ذوات وأفعال هو بخلْق الله وإيجاده، كما قال الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٤ ما قدَّره الله وقضاه وكتَبَه في اللَّوح المحفوظ هو من الغيب الذي لا يعلمه إلاَّ الله، ويُمكن أن يَعلَم الخلقُ ما هو مُقدَّرٌ بأحد أمرَين: الأمر الأول: الوقوع، فإذا وقع شيءٌ عُلم بأنَّه مُقدَّر؛ لأنَّه لو لم يُقدَّر لَم يَقع، فإنَّه ما شاء الله كان وما لَم يشأ لَم يكن. الثاني: حصولُ الإخبار من رسول الله ﷺ عن أمور تقع في المستقبل، مثل إخباره عن الدَّجَّال ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى بن مريم، وغيرها من الأمور التي تقع في آخر الزمان، فهذه الأخبارُ تدلُّ على أنَّ هذه الأمور لا بدَّ أن تقع، وأنَّه سبق بها قضاءُ الله وقدَرُه، ومثل إخباره عن أمور تقع قرب زمانه ﷺ ، ومن ذلك ما جاء في حديث أبي بَكرة ﵁ قال: سمعتُ

стр. 101

النَّبِيَّ ﷺ على المنبر، والحسن إلى جنبه، يَنظرُ إلى الناس مرَّة وإليه مرَّة، ويقول: "ابْنِي هذا سيِّد، ولعلَّ اللهَ أن يُصلحَ به بين فئتَين من المسلمين" رواه البخاري (٣٧٤٦) . وقد وقع ما أخبرَ به الرسول ﷺ في عام (٤١هـ) حيث اجتمعت كلمةُ المسلمين، وسُمِّي عام الجماعة، والصحابةُ ﵃ وأرضاهم فَهموا من هذا الحديث أنَّ الحسن ﵁ لن يموتَ صغيراً، وأنَّه سيعيش حتى يحصل ما أخبر به الرسول ﷺ من الصُّلح، وهو شيءٌ مقدَّرٌ، علم الصحابةُ به قبل وقوعه. ٥ قوله: "والإيمانُ بالقَدَرِ خَيْرِه وشَرِّه، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وكلُّ ذلك قَد قَدَّرَهُ اللهُ رَبُّنا" جاء في حديث جبريل: "وأن تؤمن بالقَدر خيره وشرِّه"، والله سبحانه خالقُ كلِّ شيء ومُقدِّرُه، قال الله : ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ فكلُّ ما هو كائنٌ من خير وشرٍّ هو بقضاء الله وقدره، ومشيئته وإرادته، وأمَّا ما جاء في حديث عليٍّ ﵁ في دعاء النَّبِيِّ ﷺ الطويل وفيه: "والخير كلُّه في يديك، والشرُّ ليس إليك" رواه مسلم (٧٧١) ، فلا يدلُّ على أنَّ الشَّرَّ لا يقع بقضائه وخلقه، وإنَّما معناه أنَّ اللهَ لا يخلقُ شَرًّا محضاً لا يكون لحكمة، ولا يترتَّب عليه فائدةٌ بوجه من الوجوه، وأيضاً الشرُّ لا يُضاف إليه استقلالاً، بل يكون داخلاً تحت عمومٍ، كما قال الله : ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ، فيُتأدَّب مع الله بعدم نسبة الشرِّ وحده إلى الله، ولهذا جاء فيما ذكره الله عن الجنِّ تأدُّبُهم بنسبة الخير إليه، وذكر الشرِّ على البناء للمجهول، قال الله : ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ .

стр. 102

٦ من مراتب القدر الأربع كما مرَّ قريباً مشيئة الله وإرادتُه، والفرق بين المشيئة والإرادة أنَّ المشيئة لَم تأت في الكتاب والسُّنَّة إلاَّ لمعنى كونيٍّ قدَري، وأمَّا الإرادة فإنَّها تأتي لمعنى كونِيٍّ ومعنى دينِيٍّ شرعيٍّ، ومن مجيئها لمعنى كونيٍّ قدَري قوله تعالى: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ، وقوله ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ ومن مجيء الإرادة لمعنى شرعيٍّ قول الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ، والفرقُ بين الإرادَتَين أنَّ الإرادةَ الكونيَّة تكون عامَّةً فيما يُحبُّه الله ويَسخطُه، وأمَّا الإرادةَ الشرعيَّة فلا تكون إلاَّ فيما يُحبُّه الله ويرضاه، والكونيَّة لا بدَّ من وقوعها، والدينيَّة تقع في حقِّ مَن وفَّقه الله، وتتخلَّف في حقِّ مَن لم يحصل له التوفيقُ من الله، وهناك كلماتٌ تأتي لمعنى كونيٍّ وشرعي، منها القضاء، والتحريم، والإذن، والكلمات، والأمر وغيرها، ذكرها ابن القيم وذكر ما يشهد لها من القرآن والسنَّة في كتابه شفاء العليل، في الباب التاسع والعشرين منه. ٧ ما قدَّره الله وقضاه وكَتَبه في اللوح المحفوظ لا بدَّ من وقوعه، ولا تغييرَ فيه ولا تبديل، كما قال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ ، وقوله ﷺ : "رُفعت الأقلام، وجَفَّت الصُّحف". وأمَّا قول الله : ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ، فقد فُسِّر بأنَّ ذلك يتعلَّق بالشرائع، فينسخ اللهُ منها ما يشاء

стр. 103

ويُثبتُ ما يشاء، حتى خُتمت برسالة نبيِّنا محمد ﷺ ، التي نَسخت جميع الشرائع قبلها، وفُسِّر بالأقدار التي هي في غير اللَّوح المحفوظ، كالذي يكون بأيدي الملائكة، وانظر: شفاء العليل لابن القيم، في الأبواب: الثاني والرابع والخامس والسادس، فقد ذكر في كلِّ باب تقديراً خاصًّا بعد التقدير في اللَّوح المحفوظ. وأمَّا قوله ﷺ : "لا يَردُّ القضَاءَ إلاَّ الدعاءُ، ولا يزيد في العُمر إلاَّ البِرُّ" أخرجه الترمذي (٢١٣٩) ، وحسنه، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (١٥٤) ، فلا يدلُّ على تغيير ما في اللَّوح المحفوظ، وإنَّما يدلُّ على أنَّ اللهَ قدَّر السَّلامةَ من الشرور، وقدَّر أسباباً لتلك السَّلامة، والمعنى أنَّ اللهَ دفع عن العبد شرًّا؛ وذلك مقدَّرٌ بسببٍ يفعله وهو الدّعاء، وهو مقدَّرٌ، وكذلك قدَّر أن يطولَ عُمرُ الإنسان، وقدَّر أن يحصلَ منه سببُ لذلك، وهو البِرُّ وصلة الرَّحم، فالأسبابُ والمسبَّباتُ كلُّها بقضاء الله وقدره، وكذلك يُقال في قوله ﷺ : "مَن سرَّه أن يُبسَط له في رزقه أو يُنسَأ له في أثره فليَصِلْ رَحِمَه" رواه البخاري (٢٠٦٧) ، ومسلم (٢٥٥٧) ، وأجَلُ كلّ إنسان مُقدَّرٌ في اللوح المحفوظ، لا يتقدَّم عنه ولا يتأخَّر، كما قال الله : ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ، وكلُّ مَن مات أو قُتل فهو بأجله، ولا يُقال كما قالت المعتزلة: إنَّ المقتولَ قُطع عليه أجلُه، وأنَّه لو لَم يُقتَل لعاش إلى أجل آخر؛ فإنَّ كلَّ إنسان قدَّر الله له أجلاً واحداً، وقدَّر لهذا الأجل أسباباً، فهذا يموتُ بالمرض، وهذا يموت بالغرق، وهذا يموتُ بالقتل، وهكذا.

стр. 104

٨ لا يجوز الاحتجاجُ بالقدر على ترك مأمور ولا على فعل محظور، فمَن فعل معصيةً لها عقوبة محدَّدة شرعاً، واعتذر عن فعله بأنَّ ذلك قدر، فإنَّه يُعاقَبُ بالعقوبة الشرعية، ويُقال له: إنَّ معاقبتَك بهذه العقوبة قدَرٌ، وأمَّا ما جاء في حديث مُحاجَّة آدم وموسى في القدر، فليس من قبيل الاحتجاج بالقدر على فعل معصية، وإنَّما هو على المصيبة التي كانت بسبب المعصية، فقد روى البخاري (٣٤٠٩) ، ومسلم (٢٦٥٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "احتجَّ آدمُ وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتْك خطيئتُك من الجنَّة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومُنِي على أمرٍ قُدِّر عليَّ قبل أن أُخلق؟ فقال رسول الله ﷺ : فحجَّ آدمُ موسى، مرَّتين". وقد عقد ابن القيم في كتابه شفاء العليل البابَ الثالث للكلام عن هذا الحديث، فذكر ما قيل في معناه من أقوال باطلة، وذَكَرَ الآيات التي فيها احتجاجُ المشركين على شركهم بالقدر، وأنَّ الله أَكذَبَهم؛ لأنَّهم باقون على شركهم وكفرهم، وما قالوه هو من الحقِّ الذي أُريد به باطل، ثم ذكر توجيهَين لمعنى الحديث، أوَّلهما لشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، والثاني من فهمه واستنباطه، فقال (ص: ٣٥ ٣٦) : "إذا عرفتَ هذا، فموسى أعرفُ بالله وأسمائه وصفاته من أن يَلومَ على ذنب قد تاب منه فاعلُه، فاجتباه ربُّه بعده وهداه واصطفاه، وآدمُ أعرفُ بربِّه من أن يحتجَّ بقضائه وقدَره عل معصيته، بل إنَّما لامَ موسى آدمَ على المصيبة التي نالت الذريَّة بخروجهم من الجنَّة، ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة، بسبب خطيئة أبيهم، فذكر الخطيئةَ تنبيهاً على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذريَّةَ، ولهذا قال له: أخرجتَنا ونفسَك من الجنة، وفي لفظ (خيَّبتنَا) ، فاحتجَّ آدمُ بالقدر على

стр. 105

المصيبة، وقال: إنَّ هذه المصيبةَ التي نالت الذريَّة بسبب خطيئتِي كانت مكتوبةً بقدره قبل خلْقي، والقدرُ يُحتجُّ به في المصائب دون المعائب، أي: أتلومُنِي على مصيبة قُدِّرت عليَّ وعليكم قبل خلْقي بكذا وكذا سنة، هذا جوابُ شيخنا ﵀، وقد يتوجَّه جوابٌ آخر، وهو أنَّ الاحتجاجَ بالقدر على الذنب ينفعُ في موضع ويضرُّ في موضع؛ فينفع إذا احتجَّ به بعد وقوعه والتوبة منه وترك مُعاودته، كما فعل آدمُ، فيكون في ذِكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الربِّ وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذَّاكر والسامع؛ لأنَّه لا يدفعُ بالقدر أمراً ولا نَهياً، ولا يُبطل به شريعةً، بل يُخبر بالحقِّ المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوَّة، يوضحه أنَّ آدمَ قال لموسى: أتلومُنِي على أن عملتُ عملاً كان مكتوباً عليَّ قبل أن أُخلَق، فإذا أذنب الرَّجلُ ذنباً ثم تاب منه توبةً وزال أمرُه حتى كأن لم يكن، فأنَّبَه مُؤَنِّبٌ عليه ولاَمَه، حسُنَ منه أن يَحتجَّ بالقدر بعد ذلك، ويقول: هذا أمرٌ كان قد قُدِّر عليَّ قبل أن أُخلق، فإنَّه لم يَدفع بالقدر حقًّا، ولا ذكر حجَّةً له على باطل، ولا محذورَ في الاحتجاج به، وأمَّا الموضع الذي يضُرُّ الاحتجاجُ به ففي الحال والمستقبل، بأن يرتكبَ فعلاً محرَّماً أو يتركَ واجباً، فيلُومُه عليه لائمٌ، فيحتجَّ بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيُبطلُ بالاحتجاج به حقًّا ويرتكبُ باطلاً، كما احتجَّ به المُصِرُّون على شركهم وعبادتهم غير الله، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ ، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ ، فاحتجُّوا به مُصَوِّبين لِمَا هم عليه، وأنَّهم لم يَندموا على فعله، ولم يعزموا على تركه، ولَم يُقرُّوا بفساده، فهذا ضدُّ احتجاج مَن تبيَّن له خطأُ نفسه وندم وعزَم كلَّ العزم على أن لا يعودَ، فإذا لاَمَه لائمٌ بعد ذلك قال: كان ما كان بقدر الله، ونُكتة المسألة أنَّ اللَّومَ إذا

стр. 106

ارتفع صحَّ الاحتجاجُ بالقدر، وإذا كان اللَّومُ واقعاً فالاحتجاجُ بالقدر باطلٌ. . . ". ٩ وقوله: "تعالَى أن يكونَ في مُلْكِهِ ما لا يُريد، أو يكونَ لأَحَد عنه غِنًى خالقاً لكلِّ شيءٍ إلاَّ هو، رَبُّ العباد ورَبُّ أعمالِهم، والمُقَدِّرُ لِحَركاتِهم وآجالِهم" الظاهر أنَّ في قولَه: "خالقاً لكلِّ شيء إلاَّ هو" سقطاً يدلُّ عليه ما قبله، تقديره: "وأن يكون خالقاً لكلِّ شيء إلاَّ هو" وفي هذه الجُمل كلِّها ردٌّ على القدرية الذين يقولون: إنَّ العبادَ يَخلقون أفعالَهم، وأنَّ اللهَ لم يُقدِّرها عليهم، فإنَّ مقتضى قولهم هذا أنَّ أفعالَ العباد وقعت في مُلك الله وهو لم يُقدِّرها، وأنَّهم بخلقهم لأفعالِهم مُستغنون عن الله، وأنَّ الله ليس خالقاً لكلِّ شيء، بل العباد خلقوا أفعالَهم، والله خالق العباد وخالق أفعال العباد، فهو خالق الذوات والصفات، كما قال الله : ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ، وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ، وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ . ويُقابل نفاةَ القدر فرقةٌ ضالَّةٌ هم الجبرية، الذين سَلَبُوا عن العبد الاختيارَ، ولَم يجعلوا له مشيئةً وإرداةً، وسَوَّوا بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية، وزعموا أنَّ كلَّ حركاتهم بمنْزلة حركات الأشجار، وأنَّ حركةَ الآكلِ والشارب والمصلِّي والصائم كحركة المُرتعش، ليس للإنسان فيها كسبٌ ولا إرادة، وعلى هذا فما فائدةُ إرسال الرُّسل وإنزال الكتب، ومن المعلوم قطعاً أنَّ للعبد مشيئةً وإرادةً، يُحمَد على أفعاله الحسنة، ويُثاب عليها، ويُذمُّ على أفعاله السيِّئة ويُعاقب عليها، وأفعالُه الاختيارية يُنسبُ إليه فعلُها وكسبُها، وأمَّا الحركات الاضطرارية

стр. 107

كحركة المرتعش فلا يُقال: إنَّها فعلٌ له، وإنَّما هي صفةٌ له، ولهذا يقول النَّحويُّون في تعريف الفاعل: هو اسمٌ مرفوعٌ يدلُّ على مَن حصل منه الحَدَث أو قام به، ومرادُهم بحصول الحَدَث: الأفعال الاختيارية التي وقعت بمشيئة العبد وإرادته، ومرادُهم بقيام الحَدَث: ما لا يقع تحت المشيئة، كالموت والمرض والارتعاش ونحو ذلك، فإذا قيل: أَكَلَ زيدٌ وشرب وصلَّى وصام، فزيدٌ فيها فاعلٌ حصل منه الحَدَث، الذي هو الأكل والشربُ والصلاة والصيام، وإذا قيل: مرض زيدٌ أو مات زيدٌ أو ارتعشت يدُه، فإنَّ الحدَثَ ليس من فعل زيد، وإنَّما هو وصفٌ قام به. وأهل السُّنَّة والجماعة وسَطٌ بين الجبرية الغلاة في الإثبات، والقدرية النفاة؛ فإنَّهم أثبتوا للعبد مشيئةً، وأثبتوا للربِّ مشيئةً عامَّة، وجعلوا مشيئةَ العبد تابعةً لمشيئة الله، كما قال الله : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فلا يقع في مُلك الله ما لَم يشأه الله، بخلاف القدرية القائلين: إنَّ العبادَ يخلقون أفعالَهم، ولا يُعاقب العباد على أشياء لا إرادة لهم فيها ولا مشيئة، كما هو قول الجبرية، وبهذا يُجابُ عن السؤال الذي يتكرَّر طرحُه، وهو: هل العبدُ مسيَّرٌ أو مُخيَّر؟ فلا يُقال: إنَّه مسَيَّرٌ بإطلاق، ولا مُخيَّرٌ بإطلاق، بل يُقال: إنَّه مُخيَّرٌ باعتبار أنَّ له مشيئةً وإرادةً، وأعماله كسب له يُثاب على حَسَنها ويُعاقَب على سيِّئها، وهو مسيَّرٌ باعتبار أنَّه لا يحصل منه شيءٌ خارجٌ عن مشيئة الله وإرادته وخلقه وإيجاده. ١٠ قوله: "يُضِلُّ مَن يشاء، فيَخْذُلُه بعدْلِه، ويَهدي مَن يَشاء، فَيُوَفِّقُه بفضلِه، فكَلٌّ مُيَسَّرٌ بتَيْسيره إلى ما سَبَقَ مِن علمه وقَدَرِه، مِن شَقِيٍّ أو سعيدٍ".

стр. 108

هدايةُ كلِّ مُهتد وضلالُ كلِّ ضال، كلُّ ذلك حصل بمشيئة الله وإرادته، والعبادُ قد بيَّن الله لهم طريقَ السعادة وطريق الضلالة، وأعطاهم عقولاً يُميِّزون بها بين النافع والضار، فمَن اختار طريقَ السعادة فسلكه انتهى به إلى السعادة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته، التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك فضلٌ من الله وإحسان، ومَن اختار طريقَ الضلالة وسلكه انتهى به إلى الشقاوة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته، التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك عدلٌ من الله سبحانه، قال الله : ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ، أي: طريقَي الخير والشرِّ، وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ ،. وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ ، والهدايةُ هدايتان: هدايةُ الدَّلالة والإرشاد، وهذه حاصلةٌ لكلِّ أحد، وهداية التوفيق، وهي حاصلةٌ لِمَن شاء اللهُ هدايتَه، ومن أدلَّة الهداية الأولى قول الله لنبيِّه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، أي: أنَّك تدعو كلَّ أحد إلى الصراط المستقيم، ومن أدلَّة الهداية الثانية قول الله : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ، وقد جمع الله بين الهدايتَين في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، فقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ أي: كلَّ أحد، فحُذف المفعول لإرادة العموم، وهذه هي هداية الدلالة والإرشاد، وقوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، أظهرَ المفعولَ لإفادة الخصوص، وهي هداية التوفيق. وقد أورد شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀ – في كتابه دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة الشمس حكايتَين

стр. 109

توضِّحان فسادَ مذهب المعتزلة في باب القضاء والقدر، فقال: "ولَمَّا تناظر أبو إسحاق الإسفرائينِي مع عبد الجبار المعتزلي، قال عبد الجبار: سبحان مَن تنَزَّه عن الفحشاء، وقصْدُه أنَّ المعاصي كالسرقة والزنى بمشيئة العبد دون مشيئة الله؛ لأنَّ الله أعلَى وأجَلُّ من أن يشاء القبائح في زعمهم، فقال أبو إسحاق: كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطل، ثم قال: سبحان مَن لا يقع في ملكه إلاَّ ما يشاء، فقال عبد الجبار: أتراه يخلقه ويُعاقبُنِي عليه؟ فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبراً عليه؟ أأنتَ الرَّب وهو العبد؟! فقال عبد الجبار: أرأيتَ إن دعانِي إلى الهُدى، وقضى عليَّ بالرَدَى، أتراه أحسن إليَّ أم أساء؟ فقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك منه مُلكاً لك فقد أساء، وإن كان له: فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل، فبُهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله! ما لهذا جواب! وجاء أعرابِيٌّ إلى عمرو بن عُبيد وقال: ادعُ اللهَ لي أن يرُدَّ عليَّ حمارةً سُرقت منِّي، فقال: اللَّهمَّ إنَّ حمارتَه سُرقت ولَم تُرِدْ سرقتَها فاردُدْها عليه، فقال الأعرابِيُّ: يا هذا! كُفَّ عنِّي دُعاءَك الخبيث؛ إن كانت سُرقَت ولَم يُرِدْ سرقتَها، فقد يريد رَدَّها ولا تُرَدُّ". ١٣ قوله: "الباعثُ الرُّسُل إليهِم لإقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيهم". ١ أعظمُ نعم الله على عباده أن أرسل إليهم رسُلاً وأنزل كتُباً؛ لهدايتهم إلى الصراط المستقيم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربِّهم، وإقامة الحجَّة عليهم، قال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا

стр. 110

مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ، وقال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ، وقال: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ﴾ ٢ الإيمانُ بالرُّسل من أصول الإيمان، وكذا الإيمان بالكتب، قال الله : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ، وقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ ، وفي حديث جبريل المشهور أنَّه لَمَّا سأل الرسولَ ﷺ عن الإيمان، قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكُتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرِّه" وهو في صحيح مسلم من حديث عمر ﵁. ٣ رسُل الله منهم مَن قصَّهم علينا في القرآن ومنهم من لم يقصُصْ، قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ ، وجملةُ الذين قصَّهم علينا في القرآن خمسة وعشرون، جاء في سورة الأنعام ثمانية عشر منهم في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ
следующие страницы →