← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11293

علم الأخلاق الإسلامية

مقداد يالجن

Полный текст (524 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

العلمية والتربوية، يدرك هذه الحقيقة كل من يتأمل في الدراسات الأخلاقية وتظهر له هذه الحقيقة بصورة أوضح عندما يقارنها بالدراسات الأخرى، وعندما يرى كم نالت تلك الدراسات الأخرى من عناية الدارسين واهتمامهم، ولم يكن هذا الحق مهضومًا لدى الدارسين الإسلاميين فقط بل لدى غير الإسلاميين كذلك من الفلاسفة والمفكرين. ولا أريد هنا أن أهضم حق المهتمين بالدراسات الأخلاقية بين المسلمين بل من الواجب أن نعترف أن هناك رجالًا من المفكرين الإسلاميين قد أبدوا كثيرًا من الاهتمام بالأخلاق أمثال: ابن مسكويه والغزالي والطبري ومحمد مهدي العراقي قديمًا، وجاد المولى بك والدكتور محمد عبد الله دراز والدكتور عبد الرحمن حبنكة حديثا، وبالرغم من ذلك فإن هذه الدراسات لم تعطِ للأخلاق حقها من الدراسة، أو أنها -بتعبير أصدق- لم تعطها حقها من الدراسة النظرية والتربوية والنظامية، ولعل أكبر محاولة جادة لإعطاء هذا الجانب النظري حقه هي المحاولة التي قام بها المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز، وما قام به حديثا الدكتور حسن حبنكة الميداني، أما الجانب التربوي والنظامي فلم يأخذا حقهما من الدراسة الجادة. وكانت رؤيتي لهذا النقص ضمن العوامل التي دفعتني إلى إنجاز هذه الموسوعة بأجزائها الثلاثة، ولإبراز ذلك بصورة أكثر وضوحًا احتجت إلى عرض بعض الاتجاهات الأخرى الهامة؛ لأن ذكر المتناقضات يجعل ما نريد بيانه أكثر جلاء ويغني عن كثير من الكلام، ولهذا فإن التعرض للاتجاهات الأخرى لم يكن هدفي منه عملية المقارنة الأكاديمية بقدر ما كان وسيلة للإيضاح وبيان مكانة

стр. 37

التفكير الإسلامي في هذا الموضوع، واتجاهه فيه من بين تلك الاتجاهات، ولقد سبقت بعرض مجمل وأغلب تلك الاتجاهات الفلسفية في أغلب الموضوعات الرئيسية، لما رأيت أن كل ما أريد أن أفيده في هذا الصدد لا أستطيع إفادته إلا بهذا النظام والترتيب، كما أن سعة الموضوع بوجه عام ورغبتي في الإيجاز مع ذلك أوجبتا علي الإشارة بقليل من اللفظ إلى كثير من المعنى، ولهذا أشرت أحيانا بالمقدمات إلى النتائج، كذلك وجدتني مضطرا إلى تركيز معالجتي على معالم الموضوع الهامة والضرورية فقط، بناء على هذا كله وبناء على متطلبات المادة العلمية والفكرة المنهجية التي ألمعت إليها حددت مراحل البحث في هذا الجزء على النحو التالي: فقد تطلب منطق البحث أن أعقد أولًا بابًا أحدد فيه مفهوم علم الأخلاق الإسلامية، ثم أحدد فيه كذلك غاية الأخلاق ومجالها ومدى ضرورتها للحياة الإنسانية في نظر الإسلام. ثم رأيت أنه لا بد من بيان الأسس التي يقوم عليها بناء علم الأخلاق الإسلامية، وكانت هذه الأسس هي الأساس الميتافيزيقي والواقعي والطبيعة الإنسانية والحرية والمسئولية والجزاء، وقد عالجت هذه الأسس في الباب الثاني وأفردت كل أساس بفصل مستقل. وبعد هذا تطلب الأمر أن أحدد المعايير التي نستطيع بها التمييز بين السلوك الأخلاقي وغير الأخلاقي والتي تمكننا من تحديد قيمة الأخلاق، وأن نتعرف أيضا على حقيقة القيم الأخلاقية من الناحية النظرية والعلمية. وهذا مرتبط بالموضوع السابق؛ لأن تحديد القيمة مبني على تحديد المعيار

стр. 38

فينبغي أن نحدد القيمة بالمعيار لا المعيار بالقيمة، ولقد ساقني الأمر بعد ذلك كله إلى بيان اتجاه الإسلام الأخلاقي في تحديد قيمة الفرد والمجتمع؛ لأن فلسفة الإسلام في الموضوعات السابقة واتجاهه نحو هذا الموضوع الأخير بالذات، قد أثَّرا في تحديد المبادئ والقيم الأخلاقية وتكييف نظام الحياة الخلقية في صورتها النظرية والعملية معًا، وكل هذا قد عالجته في الباب الثالث بفصوله الثلاثة. وأخيرًا تطلب البحث استخلاص النتائج العامة التي أدى إليها البحث، وهي التي تحدد بصورة واضحة خواص علم الأخلاق في الإسلام، وهذا ما جاء في الخاتمة. ولم أُتبع في بيان ذلك كله الطريقة التي سلكها السابقون أو المنهج الذي وضعه الدارسون للأخلاق من الفلاسفة ومفكري الإسلام السابقين. ولا يعني هذا أنني لم أستفد منهم، ولكنه يعني أنني لم أتخذ دراستهم نقطة بدء ونقطة انتهاء، بل جعلتها وسيلة أستعين بها في بعض النقط، وذلك اتباعًا لمنهجي الخاص الذي ذكرته آنفا. وعندما كنت بصدد بيان رأي الإسلام في أي موضوع من الموضوعات السابقة كنت أجمع النصوص من الآيات والأحاديث المتعلقة به وأدرسها في سياقها الخاص، ثم أدرسها مجتمعة باعتبارها تمثل موضوعًا وتحدد اتجاهًا، وعندما كنت أستخلص الفكرة أذكر النصوص الهامة التي تحدد الفكرة أو الاتجاه من أطرافه المختلفة١، ومن هنا فقد ذكرت أحيانًا عدة نصوص في موضوع فكرة واحدة، وفيما يتعلق بالاستشهاد بالنصوص لم أستشهد بحديث قيل إنه موضوع

стр. 39

أو ضعيف أو مختلف فيه ولا سيما عند تدعيم الأفكار الرئيسية، ومن حيث المعنى فلم أنص أحيانًا على المعنى الذي أقصده اكتفاء بذكره في إطار فكرة معينة؛ لأن ذكره في هذا الإطار أو ذاك يدل على المعنى المقصود منه. وكان لاتباعي هذا المنهج في دراسة هذا الموضوع الفضل في أن أخرج بنتائج في غاية الأهمية ولا سيما فيما يتعلق بتحديد الفكرة وإبرازها بصورة متكاملة، وهذا التصور الكامل للموضوعات قد أدى بي كثيرا إلى التوفيق بين وجهات نظر المفكرين المتناقضة في موضوعات مختلفة. وبعد فمهما كانت النتائح التي خرجت بها حقا في نظري فإني لا أنظر إليها على أنها نهائية لا تقبل المناقشة. وفي نهاية هذا الموضوع يتلخص منهج البحث في هذه الدراسة في ثلاثة مناهج بارزة وهي الآتية: ١- منهج الوصفي التحليلي ... ويستخدم في وصف المذاهب الأخلاقية ومقارنتها بالاتجاه الأخلاقي الإسلامي. ٢- المنهج الاستنباطي الأصولي.. وذلك لاستنباط الآراء والأفكار والقيم الأخلاقية الإسلامية من نصوص القرآن والسنة. ٣- المنهج التاريخي.... وذلك للوقوف على التراث الأخلاقي الإسلامي الذي خلده علماؤنا الأجلاء السابقون. ومن الناحية الفنية فلم أكتب كل البيانات الخاصة بالمراجع في الهوامش ولكن نظمتها بالحروف الأبجدية في قسم المراجع لسهولة الحصول على المطلوب.

стр. 40

الباب الأول: علم الأخلاق الإسلامية مفهومة، غايته، مجالاته، مدى ضرورته في نظر الإسلام الفصل الأول: تحديد مفهوم علم الأخلاق الإسلامية مدخل ... الباب الأول: علم الأخلاق الإسلامية مفهومة، غايته، مجالاته، مدى ضرورته في نظر الإسلام. الفصل الأول: تحديد مفهوم علم الأخلاق الإسلامية. إن مما يتطلبه البحث العلمي الدقيق تحديد سير البحث وخط تفكيره، وهذا لا يتم إلا عن طريق تحديد المصطلحات الأساسية ومنهج البحث فيه، ففيما يتعلق بالمنهج تحدثت عنه عموماً في المقدمة. وبالاختصار فهو منهج الوصفي التحليلي، ومنهج الاستنباط الإسلامي. وفيما يتعلق بالمصطلحات فهناك مصطلحان أساسيان: أولهما علم وثانيهما الأخلاق.

стр. 41

تحديد مفهوم كلمة العلم مدخل ... أولا: تحديد مفهوم كلمة العلم: عرف بعض العلماء العلم "بأنه الاعتقاد الجازم المطابق للواقع" وقيل هو إدراك الشيء على ما هو به، وقيل وصول النفس إلى معنى الشيء١، وقيل هو إدراك حقائق الأشياء وعللها، وقيل هو الإدراك الكلي٢. في هذه التعريفات تختلط مفهوم المعرفة بمفهوم العلم ولا بد من التمييز بينهما: فالمعرفة عامة تتعلق بالجزئيات، فهي إدراك حقيقة الشيء في أي ميدان من الميادين، سواء كان ماديًّا أو معنويًّا، وتنقسم إلى قسمين: الأول المعرفة العامية: وهي التي يكونها الإنسان من خلال تجاربه وملاحظاته ومشاهداته العادية من غير اتباع منهج دراسي معين، وتكون غالبًا شخصية وطنية.

стр. 42

والثانية المعرفة العلمية: وهي التي يكونها الإنسان عن طريق اتباع منهج دراسي أو بحثي معين مناسب لموضوع المعرفة وتكون علمية وموضوعية. أما العلم: فيطلق على مجموعة من المعارف العلمية المتجانسة تتعلق بموضوع متميز له أسسه وقواعده ومعاييره. أو بعبارة أخرى أن العلم مجموعة من المعارف العلمية المصنفة والمنظمة تجمعها علاقة وثيقة وتتعلق بموضوع واحد، وعلى ذلك يمكن تلخيص أهم خصائص العلم بما يلي: ١- العلم يطلق على الإحاطة بعلم معين له أجزاء عديدة من المعارف الجزئية. ٢- العلم له موضوع مستقل ومنهجه الخاص به. ٣- العلم شيء موضوعي يمكن التحقق من صدقه من خلال الدراسة والتجربة أو اتباع منهج مناسب لهذا الموضوع. ٤- العلم يكون يقينيًّا: أو هو كما يقول الغزالي "ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا تبقى معه ريبة ولا يقارنه إمكان الغلط".

стр. 43

أقسام العلوم وموقع علم الأخلاق منها فقد قسم أرسطو قديمًا العلوم على حسب مقاصدها من الطلب، وهي ثلاثة: مقاصد الاطلاع، والإبداع، والانتفاع ... وعلى هذا الأساس قسم العلوم إلى ثلاثة أقسام أو صنفها على ثلاثة مجموعات وفق الآتي: ١- العلوم النظرية مثل الرياضيات والطبيعيات.

стр. 44

٢- علوم شعرية كالبلاغة والشعر والجدل. ٣- العلوم العملية كالأخلاق والاقتصاد والسياسة١. وقسمها ابن سينا إلى صنفين: الأول: العلوم النظرية كالرياضيات والطبيعيات والإلهيات. والثاني: العلوم العملية كالأخلاق وتدبير المنزل وتدبير المدينة "ويقصد بها الاقتصاد" وأخيرًا السياسة. وصنفها ابن خلدون في صنفين: الأول العلوم العقلية وهي النظرية عند غيره، والثانية العلوم النقلية وهي العلوم الشرعية. وصنفها آمبر إلى قسمين: الأول العلوم الكونية وموضوعها المادة، والثاني العلوم المعنوية وموضوعها الفكر وآثاره. وهناك تقسيمات أخرى مثل العلوم التطبيقية مثل: الصناعة والاقتصاد والعلوم الإنسانية وهي التي تبحث في سلوك الناس والمعنويات والاجتماعيات والعلوم المعيارية مثل: المنطق وعلم الأخلاق وعلم الجمال والعلوم الخفية مثل القوى المادية والروحية المجهولة. فمن هذا المنطلق إذا أردنا الإجابة على سؤال: هل الأخلاق علم؟ فنقول: بالتأكيد إنه علم، وإذا أردنا أن نعرف مكانها بين العلوم فنقول: إنه يمكن تصنيفه بين العلوم الإنسانية والعلوم المعيارية والعلوم العملية والعلوم الشرعية.

стр. 45

ثانيا: مفهوم كلمة الأخلاق فقد اختلفت المذاهب والاتجاهات الفلسفية

стр. 46

في تحديده، ولا أريد هنا -كعادة الباحثين- أن أستطرد فأذكر جميع أو أكثر التعاريف والمفاهيم الواردة في كلمة الأخلاق، إذ إنه لا داعي إلى ذلك في نظري، وإنما سأقتصر كما فعلت في كلمة العلم على بعض المعاني والمفاهيم الهامة التي تكون سندا علميا لنا في الوقوف على معنى الأخلاق، وذلك لدعم بعض المفاهيم ومناقشة بعضها الآخر أو اتخاذها وسيلة إيضاح نلقي بها بعض الأضواء الكاشفة على معالجتنا لبعض الموضوعات في ثنايا الدراسة. ولهذا اقتضى الأمر أن نبحث عن معناها في ثلاث نواحٍ: في اللغة وفي الفلسفة وأخيرًا في الإسلام نفسه. أما في اللغة، فقد جاءت كلمة الخَلْق في أساس البلاغة بمعنى التقدير، واستعملت في القرآن مجازا بمعنى الإيجاد بتقدير وحكمة، يقال: رجل مختَلق أي: حسن الخِلْقَة، ويقال: رجل له خُلُق حسن وخليقة، وهي ما خلق عليه من طبيعته. وتخَلَّق بكذا وهو خليق لكذا كأنما خلق وطبع عليه، ويقال: امرأة خليقة أي: ذات خَلْق وجسم. إذن خلاصة معنى الخلق في الأساس: هو الخلق بحسن التقدير والحكمة، ويشمل الخلق على هيئة جميلة، ومن هنا استعمل للسلوك على نهج مستقيم جميل. وجاءت كلمة الخُلُق في القاموس المحيط بمعنى السجية والطبع والمروءة والدين١، والخلقة بمعنى الفطرة، والخَلْق بمعنى التقدير. وفي لسان العرب الخُُلُق: الطبيعة وجمعها أخلاق، والخُلْق والخُلُق:

стр. 47

السجية، وقال الخُلُق هو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه وصف لصورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها، بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها ولهما أوصاف حسنة وقبيحة. من هذا العرض اللغوي للأخلاق يمكننا تلخيص ثلاثة معانٍ بارزة: الأول: الخُلُق يدل على الصفات الطبيعية في خلقة الإنسان الفطرية على هيئة مستقيمة متناسقة. والثاني: تدل الأخلاق أيضا على الصفات التي اكتسبت وأصبحت كأنها خلقت مع طبيعته. والثالث: أن للأخلاق حانبين: جانبًا نفسيًّا باطنيًّا وجانبًا سلوكيًّا ظاهريًّا. وأما مفهوم الأخلاق لدى الفلاسفة فتابع في مقوماته للاتجاهات التي يدين بها هؤلاء الفلاسفة، فكل يعرف الأخلاق ويحدد معناها وخصائصها وفقًا للاتجاه الفلسفي الذي يعتنقه، ونحن نعلم أن هناك اتجاهات فلسفية متعددة ومختلفة حول الأخلاق، مثل: الاتجاه الاجتماعي والمثالي والتجريبي والواقعي والعقلي والحدسي والنفعي، وما إلى ذلك، ولا أريد تفصيل القول في اتجاه كل فلسفة في الأخلاق ولكن أريد أن أعطي فكرة موجزة عن بعضها، وهي المهمة في نظري. وفي هذا الصدد سأعرض أولا بعض الاتجاهات في المذاهب الفلسفية المختلفة وأتبع ذلك باتجاه الفلاسفة الأخلاقيين المسلمين، وذلك لما بين الفلسفتين من الصفات المميزة، وإن كانت هناك صفات أخرى مشتركة.

стр. 48

فمن الناحية الأولى توجد عدة اتجاهات مختلفة منها: الاتجاه الاجتماعي الوضعي: فقد ذكر "ليفي بريل" الذي يتبنى هذا الاتجاه ثلاث دلالات أو معانٍ لكلمة الأخلاق، وهي الدلالات الآتية: أولاً: تطلق كلمة الأخلاق على مجموعة من الأفكار والأحكام والعواطف والعادات التي تتصل بحقوق الناس وواجبات بعضهم تجاه بعض، والتي يعترف بها ويقبلها الأفراد بصفة عامة في عصر معين أو في حضارة معينة. ثانيا: أنها تطلق أيضا على العلم الذي يدرس هذه الظواهر، كما أن علم الطبيعة هو العلم الذي يدرس الظواهر الطبيعية، وبذلك يتميز علم الأخلاق عن العلوم الطبيعية الأخرى، وإذا كانت هذه العلوم الأخيرة تتميز عن موضوعها في الدلالة، فإن علم الأخلاق يدل على العلم وعلى موضوعه في آن واحد. ثالثاً: وأخيرا تطلق الأخلاق على تطبيقات هذا العلم. وعلى هذا يفهم من تقدم الأخلاق تقدم الحياة الاجتماعية مثل: زيادة العدالة والتعاون والأمن والطمأنينة، وما إلى ذلك١. وأهم صفات أو خصائص الأخلاق عند "دور كايم" الواجب أو الخير من حيث إنه نظام وقاعدة للسلوك الاجتماعي، ومن حيث إنه يضع للسلوك الإنساني غاية خيِّرة ويجذب إرادة الناس إلى عمل الخيرات، وهذه الواجبات وضعها المجتمع لتحقيق الخير لنفسه ٢.

стр. 49

وبناء على ذلك تكون الأخلاق في نظر الاتجاه الاجتماعي علما وضعيا واقعيا يدرس سلوك الإنسان مرتبطا بزمانه ومكانه، وليس علما معياريا مثاليا يدرس السلوك من حيث ما ينبغي أن يكون عليه وفقا للمثل العليا التي يؤمن بها المجتمع على أنها فوق موضوعاته. ومنها الاتجاه المثالي العقلي الذي يفهم الأخلاق على خلاف الاتجاه السابق تماما، فهو يرى أن الأخلاق هي السلوك الإنساني كما ينبغي أن يكون وفقا للمثل العليا التي توجب على العقل الإنساني أن يسايرها في سلوكه لا لغاية بل لأنها واجب. فالشعور بأن هذا السلوك أو ذاك واجب هو الذي يضفي عليه الصفة الخلقية، إذن فالأخلاق بناء على هذا الاتجاه علم معياري لا وضعي كما ذهب إليه الاجتماعيون الوضعيون. ومن أهم خصائص الأخلاق في هذا الاتجاه -على نحو ما ذكره الدكتور توفيق الطويل- أنها عامة وليست جزئية، ضرورية وليست عرضية، واضحة بذاتها لا تقبل برهانا ولا تقبل شكا ولا جدلا ولا تحمل تناقضا١. وقد تمثل هذا الاتجاه في أضيق صوره، أو ذروة مثاليته لدى الفيلسوف الألماني "كانط" وهو يتفق في اتجاهه العقلي مع الاتجاه العقلي اليوناني في الأخلاق الذي يتمثل لدى سقراط وأفلاطون وأرسطو٢ وإن كان يختلف عن هؤلاء في الهدف الأخلاقي إذ إنه أنكر أن يكون للأخلاق هدف أو غاية وإن كانت

стр. 50

الأخلاق تؤدي بطبيعتها إلى الخير العام، إلا أنه ينبغي ألا تتبع الأخلاق بهذه النية، بل بنية أنها الواجب فقط لا غير، ولذلك يسمي الأخلاق علم الواجبات، أما أولئك الفلاسفة فقد اتفقوا على أن تكون الأخلاق غاية وهي الخير أو الكمال الإنساني أو السعادة، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه. ومن تلك الاتجاهات الاتجاه النفعي: ويدخل فيه ثلاثة مذاهب: الأول مذهب المنفعة الشخصية، وله صورتان: صورة دعا إليها "أرستبوس" تلميذ سقراط الذي فسر السعادة عند سقراط باللذة، ودعا إلى اللذات الحسية الفردية العاجلة، وقال: على المرء أن يستعجلها؛ لأن تأخيرها يثير في النفس البؤس والشقاء، والحرمان، والسلوك الذي يحقق هذه السعادة القائمة على تلك اللذات أخلاقي، والمبادئ السلوكية التي تحققها مبادئ أخلاقية١ ونجد صورة أخرى لهذا المذهب، وهي المنفعة الفردية التي دعا إليها "هوبز" ومن سلك مسلكه، فقد ادعى "هوبز" أن الطبيعة الإنسانية طبيعة أنانية تعمل لمصلحة الذات، وقد اخترع المبادئ الأخلاقية متخذها وسيلة لتحقيق منفعته الشخصية، ولهذا يرى أن الأخلاق توضع وسيلة لتحقيق المنفعة وليست طبيعة في الإنسان، والفرق بين "هوبز" و"أرستبوس" أن "هوبز" يجاوز اللذة الحاضرة ويطلب النظر إلى الخير والشر الذين ينتجان عنها٢ ولهذا أولى أن نسمي مذهب أرستبوس بمذهب اللذة الفردية، ومذهب هوبز بالمنفعة الفردية وتجمعها صفة الأنانية الشخصية.

стр. 51

الثاني: مذهب المنفعة العامة الذي دعا إليه "بنتام" و"جون ستورات ميل" وغيرهما قالوا: إن على الإنسان أن ينشد منفعة البشر عامة حتى الحيوانات١. وقد اشترك "مل" مع "بنتام" في إقرار المنفعة غاية للأفعال الإنسانية ومعيارا للأخلاق، وتقاس أخلاقية الفعل بنتائجها لا ببواعثها، والجزاء هو العامل الوحيد لفعل الخير وتجنب الشر، وزاد "ميل" على "بنتام" بتقرير الجزاء الباطني والوجداني٢. الثالث: مذهب النفعية العملية "المذهب البرجماتي": يعد هذا المذهب -الذي يمثله جون ديوي في مرحلته الأخيرة- صورة من الاتجاه النفعي أو فرعا متطورا منه كما يقول الدكتور توفيق الطويل٣. فقد اتفق المذهب البرجماتي مع النفعية في إرجاع الأخلاق إلى نتائج الأعمال دون بواعثها، ويهتم البراجماتي بالنجاح العملي وما له من قيمة معنوية، عكس النفعية التي تجعل الأعمال تجارية وصناعية وترد الأخلاق إلى تحقيق ذاتية أو رغبات شخصية أكثر من خدمة اجتماعية إنسانية٤. وخالف الواقعيين التجريبيين؛ لأنهم يرفضون الأفكار المطلقة والمبادئ الميتافيزيقية، فإنها في نظره إذا أدت إلى تحقيق عمل نافع لا مانع من قبولها ولو لم تكن صحيحة في ذاتها؛ لأن قيمة الشيء ليست في حقيقة وجوده بل فيما يحقق من فائدة عملية، ولو لم يكن موجودا في حقيقة ذاته، وأرجع المثل الأخلاقية إلى نتائج الظروف الواقعية للإنسان، فهي ليست مبادئ مطلقة ثابتة.

стр. 52

يضعها الفلاسفة، كما يدعي المثاليون، وليست من وضع المجتمع كما يدعي الوضعيون الاجتماعيون، وليست من وضع السماء كما يدعي رجال الدين١، ثم أنكر أن تكون للأخلاق غاية علية سامية ثابتة وأن لها مبادئ مطلقة لا تقبل التغير؛ لأن الحياة متطورة٢، ومغزى هذا المذهب أنه جعل أساسا هدف الإنسان في الحياة العمل المنتج النافع، وبناء على ذلك اعتبر كل فكرة أو اعتقاد يؤدي إلى العمل الناجح أمرا قيما بصرف النظر عن قيمتها العلمية أو المنطقية أو الحقيقية، ومن ثم اتفق عنده أن معيار الخطأ والصواب أو الحق والباطل، ومعيار الأخلاق هو تحقيق المنفعة العملية٣، وعلى ذلك فقد عرَّف ديوي الأخلاق بأنها "كل ما ينطوي عليه العمل من عمليات الإمعان أي: الموازنة والتروي والرغبة أو الدوافع سواء كانت هذه العمليات قريبة أو بعيدة"٤. وأخيرا هناك اتجاه الطبيعة البشرية، ويسمي هذا الاتجاه الأخلاق أحيانًا بأنها علم السجايا الإنسانية؛ لأنه يحاول أن يستخلص المبادئ الأخلاقية عن طريق السجايا الإنسانية٥. ومفهوم الأخلاق في هذا الاتجاه عموما هو عبارة عن مبادئ للسلوك الإنساني تنبع من طبيعة الإنسان، غير أن القائلين بهذا الاتجاه لم يتفقوا على هذه الطبيعة، ولا تحديد تلك المبادئ التي تحدد السلوك الأخلاقي، ومن ثم ذهبوا مذاهب مختلفة في تفسير سلوك الإنسان وبيان دوافعه. فقد ذهب "شفتسبوري"

стр. 53

Shaftesbury إلى أن في الإنسان ميولا اجتماعية طبيعية وعاطفة إنسانية نبيلة يدركها كل منا عندما يتأمل في إعجابه بالنبل وميله إلى التعاطف مع الآخرين وحبه الخير لهم. وقد أيد وجهة نظره هذه "هاتشيسون" عندما أكد وجود حاستين خاصتين في الطبيعة الإنسانية: إحداهما حاسة الجمال، والأخرى حاسة الخير، وبهما يكشف الإنسان جمال السلوك الأخلاقي وخيريته، ويندفع إلى عمل الخيرات، وإصدار الأحكام على الأفعال. ومن أنصار هذا الاتجاه "آدم سميث" الذي أثبت في الإنسان غريزة التعاطف الإنساني، وجعلها منبع الأخلاق الإنسانية. كما سار على هذا النحو "جان جاك رسو" الذي يرى أن الطبيعة الإنسانية طبيعة طيبة، لكن المدنية هي التي تفسد هذه الطبيعة، لذا يرى أن الفساد الخلقي من نتاج المدنية، والأخلاق الإنسانية ناتجة أساسًا من هذه الطبيعة الطيبة١، يقول روسو: "إن في قرارة النفوس مبدأ فطريا للعدل والفضيلة، نقيس إليه أفعالنا وأفعال سوانا من الناس، ونحكم عليها بالخير أو السوء، وهذا المبدأ هو الذي أسميه الضمير"٢. ويقول روسو أيضا: "يخرج كل شيء من يد الخالق صالحا، وكل شيء في يد البشر يلحقه الاضمحلال.. يقلب كل شيء، ويشوه كل شيء، يحب المسخ والإمساخ، ولا يريد شيئا على الوجه الذي برأته به الطبيعة حتى ولو كان

стр. 54

ما برأته الطبيعة إنسانا مثله، فهو يأبى إلا أن يروض له كأنه جواد ركوب، وأن يصاغ على هواه كأنه شجرة في بستانه١"، وهذا ضد الاتجاه المسيحي الذي يرى أن تلك الطبيعة الإنسانية شريرة في أصلها٢. ومن مذاهب هذا الاتجاه مذهب العاطفة الجمالية الذي ذهب إليه جون روسكين "John Ruskin" والذي يرى أن الإحساس بجمال الطبيعة وآثار الفن البديعة هو الأساس للشعور الأخلاقي، ولقد بالغ في الأمر حتى اعتبر تعبد الجمال أخلاقا، فالجمال الذي أبدعته يد الخالق والجمال الذي صنعته يد الفنان كلاهما يهب الإنسان سموا ونبلا، والإحساس بذلك يؤدي إلى السعادة الروحية التي هي هدف الأخلاق٣. ومن أنصار هذا الاتجاه "شوبنهور" الذي أعاد أساس الأخلاق إلى غريزة التعاطف والتراحم، فقال: "إن التعاطف المباشر وهو شعور غريزي يقصر وحده عن بناء الأخلاق ولا بد من عاطفة الرحمة"٤ وشبيه بهذا ما ذهب إليه "وليم مكدوجل" حيث إنه أثبت مجموعة من الغرائز أو الميول الفطرية في الطبيعة الإنسانية وعلى رأسها مراعاة الذات والحنان والتقزز من كل ما هو كريه ومنبوذ واعتبرها استعدادات أولية للأخلاق والتنمية الأخلاقية٥. وأخيرا من أنصار هذا الاتجاه "فولتير" الذي أرجع قانون الأخلاق إلى الطبيعة

стр. 55

الإنسانية فقال "وما هذا القانون الطبيعي إلا القانون الأخلاقي الذي أودع الله في غريزة جبلتنا محبته والتقيد به والحفاظ عليه"١. هذا أحد وجهتي النظر في فطرية السلوك التي مرجعها النفس والقلب، وهناك وجهة نظر أخرى تقول بوجود ملكة عقلية -لا ملكة نفسية أو قلبية كالأولى- تصدر أحكامها على أفعال الإنسان، وأحكامها بريئة عن احتمال الخطأ، وترى أن بعض الأفعال في ذاتها حق وعدل وخير، وبعضها الآخر باطل وظلم وشر، وأكبر مؤيد لهذا الاتجاه هو "بطلر"٢ الذي قال "إن الفضيلة طبيعية في الإنسان والرذيلة انتهاك لطبيعتنا، إذ هي نوع من تشويه الذات"٣. ويقول "جون كارل فلوجل" مؤيدا وجهة النظر هذه، ومبينا مدى وضوح تلك المبادئ الأخلاقية في الطبيعة الإنسانية أو في عقل البشر "إن الأخلاق "بمعنى المثل العليا التي نسعى وراءها، والقيود التي تفرض وتراعى والآثام التي نشعر بها والعقاب الذي يجب أن نناله" راسخة كل الرسوخ في العقل البشري، وإن الإنسان في أساسه حيوان أخلاقي، لكن كثيرا من أخلاقياته خشن بدائي، سيئ التكيف مع الواقع، ولذلك كثيرا ما يبدو سلوك المرء متنافيا مع ما يحلم به عقله، وما يطمح إليه من سامي الآمال التي يكون متفطنا إليها"٤.

стр. 56

ويقول "ازفلد كولبه": "إن معظم الفلاسفة الأخلاقيين قالوا بفطرية الضمير الأخلاقي"١.

стр. 57

ما يكون مستفادا بالعادة والتدرب، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر، ثم يستمر عليه أولا فأول حتى يصير ملكة وخلقا"١. والطابع العام في الاتجاه العقلي هو تفسير المبادئ الأخلاقية وتدعيمها بالعقل، وجعل غايتها غاية عقلية ثابتة، ومقياسها الأسمى العقل والوسطية، ثم حصر الفضائل الأخلاقية تحت أمهات الفضائل الأربع: وهي الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة، وأساس الفضيلة هو التصرف بمقتضى العقل والحكمة، وهذا الاتجاه يظهر بصورة أوضح لدى المعتزلة، وسيأتي تفصيل رأيهم. وأما الاتجاه الثاني فيمثله المتصوفون بصفة عامة، ونحن نعرف أن الأخلاق من أهم موضوعات التصوف، ولقد بالغ بعض المتصوفين حتى قصر التصوف على الأخلاق، فعرف التصوف "بأنه الدخول في كل خلق سني، والخروج من كل خلق دني"٢، وقال التستري: "من لم يدخل فيما بينه وبين الله على مكارم الأخلاق لم يتهن بعيشه في دنياه وآخرته"٣، وقال الجنيد عندما سئل عن التصوف "التصوف تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بالعلوم الحقيقية، واستعمال ما هو أولى على الأبدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة، واتباع الرسول ﷺ في الشريعة"٤ من هذه التعريفات نرى مدى اهتمام المتصوفين بالأخلاق، وتتبلور الأخلاق في الاتجاه الصوفي في النقط الآتية:

стр. 58

١- الاهتمام الزائد بإصلاح الباطن: وإصلاح الباطن يتوقف على ثلاثة أمور: الأمر الأول معرفة النفس ونوازعها ورغباتها، ومن هنا نرى تركيز المتصوفة في دراستهم الأخلاقية على التحليلات النفسية الدقيقة من وصف خلجات النفس وخطرات القلب، والصراع النفسي وأهوال هذا الصراع، ثم الرذائل الناتجة عن اتباع أهواء النفس ورغباتها، الأمر الثاني تطهير القلب وتصفية الروح من الرذائل وذلك عن طريق المجاهدات والعزلة والزهد والعبادة الزائدة، الأمر الثالث: التحلي بالفضائل والمكارم الأخلاقية، ولذلك نراهم يقسمون التربية الأخلاقية إلى مراحل: مرحلة للمبتدئين وأخرى للمتوسطين وثالثة للواصلين، ويسمون المرحلة الأولى بالتخلية، والثانية بالتحلية، والثالثة بالثبات والدوام في حضرة الله. ٢- التفاني في الإخلاص لله في جميع الأعمال، والتنكر للإرادة البشرية، والاتحاد مع إراداة الله في تطبيق جميع مراد الله، ومن هنا ينكرون الحرية للإنسان من حيث وجوب الاختيار لا من حيث القدرة على الاختيار؛ لأن الإنسان يجب أن يطبق إرادة الله ولا ينبغي أن يخرج على إرادة الله، ويعتبرون إفناء إرادة الإنسان في إرادة الله هو الإخلاص الكامل لله في الأعمال. ٣- تنمية علاقة المودة والمحبة والإخاء بين الناس والتفاني في الفداء والإيثار. ٤- إيثار الزهد في الدنيا والتقشف في الحياة، ومن هنا قال "أبو على الروذباري" عندما سئل عن الصوفي: "الصوفي من لبس الصوف على الصفا، وأطعم الهوى ذوق الجفا، وكانت الدنيا منه على القفا، وسلك منهاج

стр. 59

المصطفى"١. ٥- الثبات في الشخصية في جميع الظروف والأحوال، وذلك تطبيقا لقوله تعالى: ﴿أَلاَّ إنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٢. ٦- الاهتمام بالجانب التطبيقي أو العملي من الأخلاق أكثر من الاهتمام بالجانب النظري؛ لأن العمل هو الأهم وليس النظر، وقد نجد تطبيق هذه المبدأ لدى المتصوفين الأوائل أكثر مما نجده لدى الأواخر٣. هذه بعض معالم الأخلاق الهامة، في الاتجاه الصوفي حاولت إيجازها بالقدر الذي يتناسب مع موضوع البحث. وأما الاتجاه الثالث: وهو الذي يجمع بين الاتجاهين السابقين فيمثله بصورة أوضح الإمام الغزالي في معالجته للموضوعات الأخلاقية، إذ إننا نجده في هذه المعالج يسير من ناحية على خط تفكير الفلاسفة في دراسة الأخلاق، مثل: إخضاع قوى النفس المختلفة لحكم العقل وسلطانه٤، ومثل: محاولة حصر الفضائل الأخلاقية تحت أمهات الفضائل كالحكمة والشجاعة والعفة والعدالة٥، ويسير من ناحية أخرى على خط تفكير المتصوفين في تحليلاته النفسية والروحية الدقيقة، وفي طرق تطهير الباطن وتصفية الروح والتحلي بالفضائل الأخلاقية، ولهذا فقد عرف الأخلاق كالآتي: "الخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث

стр. 60

تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا، سميت تلك الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا"١. وربما كان السبب في انتهاج الغزالي هذا المنهج هو اعتماده في دراسته الأخلاقية على الدراسات الصوفية والفلسفية معًا.

стр. 61

ثالثا: مفهوم علم الأخلاق الإسلامية: بعد هذا العرض لمفهوم الأخلاق في الاتجاهات الفلسفية المختلفة ننتقل إلى تحديد مفهوم الأخلاق في الاتجاه الإسلامي. مفهوم علم الأخلاق الإسلامية؛ هو علم الخير والشر والحسن والقبح، وهو واحد من العلوم الإسلامية التي تقوم على مصادر المعرفة الإسلامية منها القرآن والسنة والمصادر التشريعية الأخرى، والدليل على ذلك كثير في القرآن والسنة؛ إذ جاءت كثير من الآيات والأحاديث تبين أين الخير والشر وأين الحسن والقبح، وتعرفها أحيانا بالمعروف وأخرى بالمنكر والنفع والضر، وسوف نذكر لذلك كله دليلا من الآيات والأحاديث فيما بعد. بعد هذا تبقى نقطة أخرى في المفهوم المحدد سابق، وهي أن الأخلاق تنظم الحياة من الناحية العملية من أجل الحياة الخيرة مع الغير أيا كان هذا الغير إنسانا كان أم حيوانا أو غير حيوان من حيث ما ينبغي أن يكون عليه هذا السلوك كسلوك إنساني تجاه الغير، وذلك بناء على مكانته في الكون ومسئولياته التي يجب أن ينهض بها، وبناء على ما وضع له خالقه من أهداف في هذه الحياة. هذا جانب من مفهوم الأخلاق في الإسلام، وهناك جانب آخر وهو تكامل

стр. 62

الجانب النظري مع الجانب العملي منه، ثم إن هناك شيئا آخر هاما لا بد من ملاحظته وهو أن النظام الأخلاقي ليس جزءا من نظام الإسلام العام، بل إن الأخلاق هو جوهر الإسلام وروحه السارية في جميع جوانبه، فالنظام الإسلامي عموما مبني على فلسفته الخلقية أساسا. ومصداق ذلك قول الرسول ﷺ : "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" ١، فقد قصر الرسول أهداف رسالته في هذا الحديث على الأخلاق، وأنه جاء ليتم البناء الأخلاقي الذي بدأت الرسالات السابقة به، كما قال في حديث آخر: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون: لولا موضع اللبنة، فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء" ٢. إذن فهدف الرسالات الإلهية كلها هدف أخلاقي أيضا؛ لأنها تستهدف إرشاد الإنسان إلى طريق الخير وإبعاده عن الشر في الدنيا وسوء العاقبة في الآخرة، وهذا هو موضوع الأخلاق كما بينا سابقا. ولهذا قال الرسول: "الدين حسن الخلق" ٣، وكانت عائشة تفهم هذا المعنى من الدين الإسلامي، ولهذا فهي عندما سئلت عن أخلاق النبي قالت: "كان خلقه القرآن"٤، يؤيد ذلك قول الرسول أيضًا: "إن أحسن الناس خلقا أحسنهم

стр. 63

دينا" وقوله كذلك: "الإسلام حسن الخلق" ١. وقال الرسول: "ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن" ٢، وروي عنه أنه قال: "حسن الخلق خلق الله الأعظم" ٣، وعندما سئل الرسول أي الإسلام أفضل قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده "٤، وجاء في تفسير القرطبي وابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ أي: على دين فيه أخلاق عظيمة ولأن الدين عبارة عن واجبات نحو الله تعالى ونحو الإنسان نفسه وغيره، وواجباته نحو المخلوقات الحية الأخرى، وإذا علمنا أن الله لم يصف أحدا من الأنبياء بالخلق العظيم وإنما وصفهم بأوصاف مثل: رشيد وصالح وحليم وما إلى ذلك، علمنا السر في ذلك. وقد سمى البعض الأخلاق بأنها علم الواجب أي: أنها علم يعرِّف الإنسان الواجبات كما يجب أن يفعلها٥، ومن ثم كان إطلاق الأخلاق على الدين في اللغة كما سبق، وفي الاصطلاح أحيانا كما بينا، ومن هنا يدخل العبادات في إطار الواجبات "انظر آراء الفلاسفة في إدخال الواجبات الإلهية في إطار الأخلاق في علم الأخلاق لأرسطو ج١ ص ١٣١". وليس هذا الفهم الذي عرضناه مفروضا على الإسلام أو غريبا عنه، بل روح الإسلام فإن هذه الروح روح أخلاقية، وهدف الإسلام في الحياة تحقيق غاية

стр. 64

أخلاقية هذه روح نجدها في كل جانب من جوانب الإسلام، نجدها في جانب العقيدة، كما جاء في الحديث، فقال الرسول: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا"، وقال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٢، وقال أيضا: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" ٣. ثم إن الإسلام اعتبر الإيمان برا فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٤. ومعلوم أن البر صفة للعمل الأخلاقي أو هو جامع لأنواع الخير، كما يقول بعض العلماء٥. وقد بين الرسول أن من لم يتخلق بالأخلاق الحسنة لا يقبل الله منه الإيمان والدين، فقال: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" ٦. وأخلاقية الإيمان تتضح من ناحيتين: الأولى: باعتباره عملا، ذلك أن الأعمال إما داخلية وإما ظاهرية، والإيمان من النوع الأول، ولهذا فقد نص الرسول نفسه على أن الإيمان عمل فقال عندما سأله رجل، أي العمل أفضل؟ فقال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله" ٧؛ لأنه عمل إيجابي من أعمال القلب، الناحية الثانية: أن الإيمان في حقيقته عمل القلب بالاعتراف بالحقيقة الإلهية والاعتراف

стр. 65

بالحقيقة فضيلة، وعدم الاعتراف بها مكابرة، وهي خروج على الخلق الحسن، ولهذا فقد وصف الله الكافرين بالتكبر في كثير من الآيات، كما وصف الشرك بالظلم؛ لأنه يشرك غير المنعم بالمنعم في الإجلال والتعظيم، ولهذا يقول "رنيه مونييه": إن الإيمان ليس على الصعيد المنطقي بل على الصعيد الأخلاقي؛ لأنه ينتمي إلى واجب" "البحث عن الحقيقة ص٤٦". وهو اعتراف أيضا بإنعام المنعم والاعتراف بالفضل وهو أخلاق، ولهذا بيَّن الله في الآية السابقة "أن الإيمان به بر"؛ لأنه من أعمال القلوب الإيجابية الأخلاقية، ثم الشكر على هذا واجب وأداء الواجب أخلاق. ومن هنا نجد أن روح العبادة روح أخلاقية في جوهرها؛ لأنها أداء الواجبات الإلهية، ولهذا نجد الاتجاه الأخلاقي سائدا في جميع العبادات، ففي الصلاة قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ١، وبيَّن الرسول أن من لم يتخلق لا يقبل الله منه الصوم، فقال: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" ٢، وقال تعالى في الحج: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ٣، وقال أيضا في الأضحية: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ ٤، وقال في الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٥، وقد ذكر للرسول مرة أن فلانة تكثر من

стр. 66

صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار" ١. هنا نجد الإسلام يختلف في نظريته الأخلاقية بالنسبة إلى الله عن بعض الفلاسفة مثل "كانط" الذي يرى عدم وجود هذا النوع من الأخلاقية؛ لأن الأخلاق في نظره واجبة، والواجب يقتضي سبق حق وليس للإنسان حق سابق على الله٢. أما الإسلام فقد قرر أن للعباد حقا على الله كتبه الله على نفسه إذا عبدوه ولم يشركوا به أن يدخلهم الجنة، فقال الرسول: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولم يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا" ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٤. بل أكثر من ذلك فقد قرر الإسلام حقوقا للحيوان على الإنسان في مقابل حق تسخيرها له، قال تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٥، هذا إلى أن الإسلام

стр. 67

قرر الحقوق الطبيعية للحيوان، وعلى الإنسان أن يحترم هذه الحقوق، وبيَّن الرسول "أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا سقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" ١، وقال عبد الله: "كنا مع رسول الله في صفر فانطلقت لحاجتي فرأيت حمرة "عصفورة" معها فرخان، فأخذت فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تعرض "تغرد حزنا" فجاء النبي فقال: "من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها" ٢. ثم إن الإسلام دين الرحمة جاء رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣. وعلى ذلك فلا بد من أن يقرر لكل مخلوق حي حقوقا طبيعية، وأن يوجب على الإنسان احترام هذه الحقوق، ولهذا فقد جاءت أحاديث كثيرة عن الرسول في الرفق بالحيوان فمنها أيضا ما روي عن المقداد أن الرسول قال لعائشة عندما رآها ركبت بعيرا فكانت فيه صعوبة فجعلت تردد: "عليك بالرفق فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه" ٤، وقال: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله" ٥. ولعل هذا المبدأ هو الذي جعل "شبلي" رحيما حتى لأتفه مخلوق، لدرجة أنه اشترى يوما كيسا من القمح وبعد أن حمله على كتفه إلى بلده وجد فيه نملة،

стр. 68

فأخذته الشفقة فبات قلقا عليها حتى أعادها في الصباح إلى مكانها قائلا لها: "أيتها الجريحة ليس من الرحمة أن أجلب لك الحزن"، ثم قال: "إذا أردت أن تعيش سعيدا فأسعد قلوب الذين ألمت بهم الأحزان"١. ولقد أثار القرآن هذا التعاطف والتراحم بين الإنسان والكائنات الحية الأدنى في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٢. أما روح الأخلاق في المعاملة العامة بين الناس في جانب الشريعة الإسلامية فنجدها بصورة أوضح، ومن الأدلة الواضحة على ذلك ما نجد من اعتراف علماء الشريعة أنفسهم بهذا المفهوم، ذلك أنهم في صدد بيان مقاصد الشريعة قالوا: إن مقاصد الشريعة ثلاثة، وهي: تحقيق الضروريات والحاجيات والتحسينات للإنسان في هذه الحياة، والضروريات في نظرهم "هي الأمور التي لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وبهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين ... ومجموع الضروريات خمس وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل"٣، وأما الحاجيات فهي: الأمور التي يحتاج إليها الإنسان في هذه الحياة لرفع الضيق والحرج والمشقة التي تكون نتيجة عدم تحقيق بعض المطالب مثل: تحقيق كل حاجيات الإنسان بشيء من السعة والرفاهية من المأكل

стр. 69

والمشرب والملبس والمسكن وإزالة ما يؤدي إلى الضيق والحرج في بعض الظروف كالتخفيف عن المكلف بالرخص في بعض التكاليف في حالات الاضطرار، وأما التحسينات فهي اتخاذ أجمل وأحسن الأساليب في حالة معاشرة الناس ومراعاة شعورهم وإحساساتهم الأدبية١. وإذا كان الأمر كذلك نجد مقاصد الشريعة مقاصد أخلاقية، لذا من الممكن تفسير النظام التشريعي في ضوء النظرية الأخلاقية أو في ضوء هذه الروح الأخلاقية، ويؤيدنا في هذه الفكرة نصوص كثيرة لا حصر لها، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا، وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ ٢. ومنها قول الرسول: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما حرم الله"، وفي رواية "والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه" متفق عليه٣، وقال الرسول أيضا: "من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا" ٤. ومما يدل على ما نقول فهم بعض أهل الشريعة أن جوهر الشريعة يكمن في تحقيق الخير ودفع الشر، يتبين ذلك لنا عندما نرى البعض عند محاولة سرد القواعد الأصولية واختصارها، فحصرها البعض في قاعدتين الأولى: جلب

стр. 70

المصلحة والثانية: دفع المفسدة، واختصرها البعض في قاعدة واحدة وهي تحقيق المصلحة أو جلب المصلحة، وذلك على أساس أن جلب المصلحة أو تحقيقها يقتضي دفع المفسدة والمضرة. والشريعة تحاول تحقيق روح الأخلاق بالتشريعات الملزمة لدفع الناس إلى طريق الخير والفلاح وردعهم عن طريق الشرور والمفاسد، ولا تتحقق للإنسان السعادة إلا بذلك، ولهذا الأمر بالمعروف وهو الخير والنهي عن المنكر وهو الشر واجب. وهكذا نجد أن الإسلام قد ربط بين جوانب الإسلام برباط أخلاقي لتحقيق غاية أخلاقية، وأصدق دليل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ١، وأصحاب الخلق هم هؤلاء الذين يؤدون تلك الواجبات السابقة، وقد فهم هذه الروح الأخلاقية في الإسلام "أكثم بن صيفي" أحد حكماء العرب الذي قال عندما دعا قومه إلى الإسلام: "إن الذي يدعو إليه محمد لو لم يكن دينا لكان في أخلاق الناس حسنا"٢. وبعد هذا كله لا نبالغ إذا قلنا: إن الأخلاق في الإسلام بالمفهوم السابق هي

стр. 71

روح الرسالة الإسلامية، وإن النظام الإسلامي التشريعي يعد صورة مجسمة لهذه الروح. وبعد هذه التحليلات والتحديدات لمفهوم الأخلاق في نظر الإسلام يمكننا أن نجمل هذا المفهوم بأن "الأخلاق الحسنة هي أنماط السلوك الحسن الخير والمعروف في الحياة"، سواء كان هذا السلوك ظاهرا أو باطنا يصدر من الإنسان بإرادة ويهدف إلى تحقيق غاية، وهذا الفهم ليس غريبا على الاستعمال اللغوي والفلسفي، بل يدخل في إطار نظرة الإسلام توسيعا لإطار استعمالها اللغوي والفلسفي، ومن ثم فإن معالجتنا لهذا الموضوع ستقتصر على المعالجة النظرية وسوف أحاول فيها بقدر المستطاع الكشف عن الأصول الفكرية لفروع الأخلاق الإسلامية المختلفة وبيان فلسفته فيها، كما أحاول أحيانا معالجة بعض المشكلات المعاصرة لأَضرب مثالا عمليا لإمكان معالجة مشكلاتنا المعاصرة المتعلقة بالأخلاق أو النابعة من الانحرافات الخلقية. وعلى ذلك يكون مفهوم الأخلاق السيئة هي أنماط سلوك الشر والقبيح والمنكر، وينبغي أن نعرف أن هناك أنواعا ومستويات من الخيرات الظاهرة والباطنة والخيرات المادية والمعنوية والاجتماعية والصحية. كما أن هناك أنواعا ومستويات من الشرور الظاهرة والباطنة والشرور المادية والمعنوية والاجتماعية، انظر إلى تفصيلات ذلك في كتابنا "طريق السعادة".

стр. 72

الفصل الثاني: غاية الأخلاق الاتجاهات العامة في غاية الأخلاق مدخل ... الفصل الثاني: غاية الأخلاق أولا: الاتجاهات العامة في غاية الأخلاق: إذا ألقينا نظرة عامة على الاتجاهات الفلسفية المختلفة فيما يتصل بغاية الأخلاق وجدنا فيها اتجاهين عامين: يرى أحدهما أن للأخلاق غاية، وهو اتجاه معظم الأخلاقيين، ويرى ثانيهما أن ليست للأخلاق غاية، وهو الاتجاه الذي ذهب إليه كانط١ وأساس الخلاف يرجع إلى أنه كان هناك غاية للأخلاق فمعنى ذالك أنها وسيلة، وأنها تتغير وتتبدل وليست ثابتة، ومن جهة أخرى فالادعاء بأن الأخلاق وسيلة يؤدي إلى تجريدها من كل قدسية، وهذا يؤدي بدوره إلى عدم الإلزام والالتزام اللائقين بها. وقد ذهب إلى هذا أيضا بعض أنصار الاتجاه الأول وخالفه البعض الآخر، فقال هؤلاء المخالفون: إن وجود الغاية للأخلاق لا يدل على أن الأخلاق تتغير وتتبدل، ولا يدل كذلك على عدم وجود قدسية تكون موضع احترام الناس، حتى إن بعض هؤلاء أمثال "جون ديوي" قد ادعى وحدة الوسيلة مع الغاية في الأخلاق، من حيث عدم إمكانية انفصال إحداهما عن الأخرى٢. وإذا كانت للأخلاق غاية بناء على رأي الاتجاه الأول فما هذه الغاية؟ يقولون: إن الغاية من الأخلاق هي السعادة، وأما الاتجاه الثاني فيرى أنه وإن لم يكن للأخلاق غاية فإنها تؤدي إلى حال من السعادة بطبيعتها، ومن هنا نرى أن

стр. 73

الأخلاقيين اتفقوا جميعا على اختلاف اتجاهاتهم سواء كانوا من الأول الاتجاه الروحي أو الثاني الاتجاه المادي أو الثالث الاتجاه العقلي على أن الأخلاق تؤدي إلى السعادة سواء أكانت السعادة غاية لها أم لم تكن غاية. ولكن ما حقيقة السعادة؟ لقد اختلف الدارسون في تحديد السعادة من حيث ماهيتها ومن حيث الطريق المؤدي إليها ومن حيث زمانها ومكانها، وقد أدى هذا الاختلاف إلى الاختلاف في تنظيم الحياة الأخلاقية ومجالات العمل الأخلاقي، وسنفصل القول في هذا الجانب الأخير بعد هذا الموضوع مباشرة، وسوف نوضح كيف أن هذا الاختلاف قد أدى إلى الاختلاف في تحديد هذه المجالات ولا شك أن أكثر أسباب هذا الاختلاف راجعة إلى الاختلاف في فهم حقيقة طبيعة الإنسان ومصيره وطراز الحياة الذي يحقق هذه السعادة له. والآن قبل بيان رأي الأسلام في الموضوع أود إعطاء فكرة موجزة عن بعض الاتجاهات المختلفة في السعادة الأخلاقية، وسنقصر القول على الاتجاهات الآتية:

стр. 74

أ- الاتجاه الروحي: يرى هذا الاتجاه أن الروح حقيقة الإنسان وجوهره، وأما الجسم فما هو إلا أداة تستعملها الروح، ولهذا فحقيقة سعادة الإنسان سعادة روحية وهي لا تتم إلا بالاهتمام بها وتحقيق متطلباتها وتطهيرها وتزكيتها من العلائق المادية والنوازع الشريرة، وبذلك تصبح مالكة الجسم تسيره حسب مشيئتها وتتحرر من قيود الجسم وأغلاله ومتطلباته، ولذا لا ينبغي الاهتمام بالجسم؛ لأن الاهتمام به يقوي النوازع المادية فتتسلط المادة على الروح وتشقى، ومن جهة أخرى فإن الروح هي

стр. 75

الحقيقة الباقية بعد فناء الجسد، فالاهتمام بها يعد اهتمامًا بالسعادة الحقيقية الدائمة، تلك هي السمة العامة لهذا الاتجاه، لكنه يتشكل بصورة متفاوتة فهناك اتجاه روحي صرف يتمثل في الاتجاه الصوفي الذي يرى أن السعادة هي الرضا الروحي والسكينة الروحية، وتكتمل هذه السعادة بصورة مؤقتة عند الوصول إلى الله، ومعرفته معرفة كاملة عن طريق التطهير والتأمل، كما قال الغزالي: "إنما الوصول إليه "أي: الله" بالتجرد عن علائق الدنيا والإكباب بجملة همته على التفكير في الأمور الإلهية حتى ينكشف له بالإلهام الإلهي جليها، وذلك عند تصفية نفسه من هذه الكدورات، والوصول إلى ذلك هو السعادة"١. أو عند المكاشفة كما يقول ابن عربي: "فإن كوشف على أن الطبيعة عين نفس الرحمن فقد أوتي خيرًا كثيرًا"٢- وقال بعضهم أيضا: "من عرف الله تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس بالله تعالى"٣. تلك هي السعادة المؤقتة في الاتجاه الروحي، أما السعادة الأبدية فتتحقق بعد انتقال الروح من عالم الدنيا إلى عالمها الأول عالم الخلود. وهناك اتجاه روحي آخر "يتمثل في فلسفة البراهمة، وخاصة البوذية التي تطورت من البراهمة على يد واحد من زهادهم اختلف في اسمه فقيل: هو "سكياموني" وقيل: "سدهارتا جوتاما" ولقب بالبوذا أي: المستنير"٤، ترى
следующие страницы →