روح الرسالة الإسلامية، وإن النظام الإسلامي التشريعي يعد صورة مجسمة لهذه الروح.
وبعد هذه التحليلات والتحديدات لمفهوم الأخلاق في نظر الإسلام يمكننا أن نجمل هذا المفهوم بأن "الأخلاق الحسنة هي أنماط السلوك الحسن الخير والمعروف في الحياة"، سواء كان هذا السلوك ظاهرا أو باطنا يصدر من الإنسان بإرادة ويهدف إلى تحقيق غاية، وهذا الفهم ليس غريبا على الاستعمال اللغوي والفلسفي، بل يدخل في إطار نظرة الإسلام توسيعا لإطار استعمالها اللغوي والفلسفي، ومن ثم فإن معالجتنا لهذا الموضوع ستقتصر على المعالجة النظرية وسوف أحاول فيها بقدر المستطاع الكشف عن الأصول الفكرية لفروع الأخلاق الإسلامية المختلفة وبيان فلسفته فيها، كما أحاول أحيانا معالجة بعض المشكلات المعاصرة لأَضرب مثالا عمليا لإمكان معالجة مشكلاتنا المعاصرة المتعلقة بالأخلاق أو النابعة من الانحرافات الخلقية.
وعلى ذلك يكون مفهوم الأخلاق السيئة هي أنماط سلوك الشر والقبيح والمنكر، وينبغي أن نعرف أن هناك أنواعا ومستويات من الخيرات الظاهرة والباطنة والخيرات المادية والمعنوية والاجتماعية والصحية.
كما أن هناك أنواعا ومستويات من الشرور الظاهرة والباطنة والشرور المادية والمعنوية والاجتماعية، انظر إلى تفصيلات ذلك في كتابنا "طريق السعادة".
стр. 72
الفصل الثاني: غاية الأخلاق
الاتجاهات العامة في غاية الأخلاق
مدخل
...
الفصل الثاني: غاية الأخلاق
أولا: الاتجاهات العامة في غاية الأخلاق:
إذا ألقينا نظرة عامة على الاتجاهات الفلسفية المختلفة فيما يتصل بغاية الأخلاق وجدنا فيها اتجاهين عامين: يرى أحدهما أن للأخلاق غاية، وهو اتجاه معظم الأخلاقيين، ويرى ثانيهما أن ليست للأخلاق غاية، وهو الاتجاه الذي ذهب إليه كانط١ وأساس الخلاف يرجع إلى أنه كان هناك غاية للأخلاق فمعنى ذالك أنها وسيلة، وأنها تتغير وتتبدل وليست ثابتة، ومن جهة أخرى فالادعاء بأن الأخلاق وسيلة يؤدي إلى تجريدها من كل قدسية، وهذا يؤدي بدوره إلى عدم الإلزام والالتزام اللائقين بها.
وقد ذهب إلى هذا أيضا بعض أنصار الاتجاه الأول وخالفه البعض الآخر، فقال هؤلاء المخالفون: إن وجود الغاية للأخلاق لا يدل على أن الأخلاق تتغير وتتبدل، ولا يدل كذلك على عدم وجود قدسية تكون موضع احترام الناس، حتى إن بعض هؤلاء أمثال "جون ديوي" قد ادعى وحدة الوسيلة مع الغاية في الأخلاق، من حيث عدم إمكانية انفصال إحداهما عن الأخرى٢.
وإذا كانت للأخلاق غاية بناء على رأي الاتجاه الأول فما هذه الغاية؟ يقولون: إن الغاية من الأخلاق هي السعادة، وأما الاتجاه الثاني فيرى أنه وإن لم يكن للأخلاق غاية فإنها تؤدي إلى حال من السعادة بطبيعتها، ومن هنا نرى أن
стр. 73
الأخلاقيين اتفقوا جميعا على اختلاف اتجاهاتهم سواء كانوا من الأول الاتجاه الروحي أو الثاني الاتجاه المادي أو الثالث الاتجاه العقلي على أن الأخلاق تؤدي إلى السعادة سواء أكانت السعادة غاية لها أم لم تكن غاية.
ولكن ما حقيقة السعادة؟
لقد اختلف الدارسون في تحديد السعادة من حيث ماهيتها ومن حيث الطريق المؤدي إليها ومن حيث زمانها ومكانها، وقد أدى هذا الاختلاف إلى الاختلاف في تنظيم الحياة الأخلاقية ومجالات العمل الأخلاقي، وسنفصل القول في هذا الجانب الأخير بعد هذا الموضوع مباشرة، وسوف نوضح كيف أن هذا الاختلاف قد أدى إلى الاختلاف في تحديد هذه المجالات ولا شك أن أكثر أسباب هذا الاختلاف راجعة إلى الاختلاف في فهم حقيقة طبيعة الإنسان ومصيره وطراز الحياة الذي يحقق هذه السعادة له.
والآن قبل بيان رأي الأسلام في الموضوع أود إعطاء فكرة موجزة عن بعض الاتجاهات المختلفة في السعادة الأخلاقية، وسنقصر القول على الاتجاهات الآتية:
стр. 74
أ- الاتجاه الروحي:
يرى هذا الاتجاه أن الروح حقيقة الإنسان وجوهره، وأما الجسم فما هو إلا أداة تستعملها الروح، ولهذا فحقيقة سعادة الإنسان سعادة روحية وهي لا تتم إلا بالاهتمام بها وتحقيق متطلباتها وتطهيرها وتزكيتها من العلائق المادية والنوازع الشريرة، وبذلك تصبح مالكة الجسم تسيره حسب مشيئتها وتتحرر من قيود الجسم وأغلاله ومتطلباته، ولذا لا ينبغي الاهتمام بالجسم؛ لأن الاهتمام به يقوي النوازع المادية فتتسلط المادة على الروح وتشقى، ومن جهة أخرى فإن الروح هي
стр. 75
الحقيقة الباقية بعد فناء الجسد، فالاهتمام بها يعد اهتمامًا بالسعادة الحقيقية الدائمة، تلك هي السمة العامة لهذا الاتجاه، لكنه يتشكل بصورة متفاوتة فهناك اتجاه روحي صرف يتمثل في الاتجاه الصوفي الذي يرى أن السعادة هي الرضا الروحي والسكينة الروحية، وتكتمل هذه السعادة بصورة مؤقتة عند الوصول إلى الله، ومعرفته معرفة كاملة عن طريق التطهير والتأمل، كما قال الغزالي: "إنما الوصول إليه "أي: الله" بالتجرد عن علائق الدنيا والإكباب بجملة همته على التفكير في الأمور الإلهية حتى ينكشف له بالإلهام الإلهي جليها، وذلك عند تصفية نفسه من هذه الكدورات، والوصول إلى ذلك هو السعادة"١.
أو عند المكاشفة كما يقول ابن عربي: "فإن كوشف على أن الطبيعة عين نفس الرحمن فقد أوتي خيرًا كثيرًا"٢- وقال بعضهم أيضا: "من عرف الله تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس بالله تعالى"٣.
تلك هي السعادة المؤقتة في الاتجاه الروحي، أما السعادة الأبدية فتتحقق بعد انتقال الروح من عالم الدنيا إلى عالمها الأول عالم الخلود.
وهناك اتجاه روحي آخر "يتمثل في فلسفة البراهمة، وخاصة البوذية التي تطورت من البراهمة على يد واحد من زهادهم اختلف في اسمه فقيل: هو "سكياموني" وقيل: "سدهارتا جوتاما" ولقب بالبوذا أي: المستنير"٤، ترى
стр. 76
هذه الفلسفة بصفة عامة أن السعادة الكاملة تتم عن طريق التخلص من هذه الحياة التي هي مصدر الآلام والأحزان والشقاء والكآبة والتعاسة، والانتقال إلى عالم الإله أو إفناء الذات في الله: "في رأي من يثبت عقيدة التأله في أصل الدين البرهمي أو البوذي"١، أو الالتحاق بعالم النرفانا "في رأي من ينكر مثل تلك العقيدة في أصل هذه الديانة"٢، والنرفانا عالم موجود مستقل بذاته لا يوجد فيه ما يسمى بالفناء أو بعدم الفناء، وليس هو هذا العالم ولا غيره، هو نهاية عالم مرحلة التألم والمعاناة، وهو عالم لا يوصف بالتركيب ولا بالقدم ولا بالحدوث٣، يسعد من يدخل في نطاقه أو يفنى فيه، والسبيل إلى ذلك هو محاربة الأهواء والرغبات المادية، وترك اللذائذ والمتع الدنيوية، وتجنب الرذائل والآثام والقبائح مثل: الكذب وشهادة الزور والزنى وإراقة الدماء وقتل البقر بصفة خاصة، ثم التحلي بالفضائل مثل الجود والعفو والقناعة والاستقامة والطهارة ودراسة الفيدا والصبر والصدق وعبادة الله٤، ومعلوم أن الانتقال من دار الشقاء إلى دار السعادة يتم عن طريق التناسخ وهو من أهم مبادئ هذه الفلسفة، وللتناسخ في هذا المذهب مراتب، ولكل مرتبة تجربة روحية خاصة، وعند انتقال الروح في هذه التجربة من المرتبة الأولى إلى أعلاها تشعر بالسعادة الجزئية، وهكذا تزيد سعادتها وتكتمل عندما ترجع إلى مصدرها الأول وهو الله٥، أو إلى النرفانا.
стр. 77
ب- الاتجاه العقلي
ويرى هذا الاتجاه أن السعادة هي الشعور الغالب بالسرور الدائم في جميع الظروف، وهذا الشعور يأتي نتيجة إخضاع السلوك لحكم العقل واتباع قوانينه والتمسك بالفضائل التي يأمر بها، وقد ذهب إلى هذا الاتجاه أرسطو والرواقيون في العصور القديمة، و"ديكارت" و"كانت" في العصور الحديثة، وإذا كان هناك فارق بين هؤلاء فإنما هو في الدرجة لا في النوع.
فالسعادة الحقيقية عند "أرسطو" تحصل نتيجة الحصول على جميع الخيرات الداخلية والخارجية، وهي الخيرات التامة، فهو بذلك يجمع بين الخيرات الخارجية الحسية من المال والنعم الأخرى، والخيرات الداخلية النفسية من الحكمة والمعرفة والفضيلة، إلا أنه يفضل الخيرات العقلية والنفسية على الخيرات الخارجية أي: إنه يرجح إلى الخيرات المعنوية على الخيرات المادية، فيقول مثلا: "حسب المرء الرزق الكفاف لتكون حياته سعيدة متى اتخذ الفضيلة قائدا لسلوكه"١.
والسعادة عنده درجات: الدرجة الأعلى هي التي تحصل في الحياة العقلية؛لأنها موافقة لأعلى جزء في الإنسان، ولهذا فهي حياة قدسية عنده.
والدرجة الثانية هي التي تحصل في الحياة الأخلاقية الفاضلة، وهذه الحياة حياة إنسانية، أما الحياة المادية فيسميها باللذائذ، ويعتبرها جزءا من السعادة وليست السعادة وليست من الخيرات الأعلى أيضا٢.
وقد تبنى ابن مسكويه رأي أرسطو في السعادة، ولهذا فلا داعي لتفصيل
стр. 78
رأيه١، والسعادة عند الرواقية هي حالة شعورية بالسرور تحصل للإنسان نتيجة اتحاد إرادته مع إرادة الله، ونتيجة اتحاد عقله مع عقل الله، أو نظامه في الطبيعة، وعن طريق المعرفة لهذا وذلك.
ذلك أنهم يعتقدون أن نظام الكون نظام عقلي أو هو العقل الأكبر -كما يسمونه- وعقل الإنسان هو العقل الأصغر، ووظيفة هذا العقل الأخير أن يعمل وفقا لذلك النظام العقلي أو الطبيعة، فالحياة وفقا للطبيعة هي الحياة الأخلاقية الفاضلة وهي التي تؤدي إلي السعادة الحقيقية٢.
واتجاه الرواقية يشبه اتجاه أرسطو من جهة واتجاه المتصوفين من جهة أخرى، أما من الجهة الأولى فإنهم قد دعوا إلى الخضوع للعقل، واختلفوا مع أرسطو عندما دعوا إلى استئصال الشهوات من جذورها، بينما كان أرسطو لا يدعو إلى هذا، بل كان يدعو إلى إخضاعها لمنطق العقل، ومن الجهة الثانية فإنهم كانوا يدعون كالمتصوفين إلى محاربة الشهوات والابتعاد ما أمكن عن الحياة المادية المحسوسة٣.
وقد ذهب الفارابي إلى قريب من هذا الاتجاه، إذ عرف السعادة بأنها اتحاد عقل الإنسان مع العقل الفعال٤، وقد يكون ذلك عن طريق التحلي بالفضائل الأخلاقية، والابتعاد عن الشرور والرذائل الأخلاقية٥.
стр. 79
وأما السعادة عند "ديكارت" فهي الحالة الروحية أو الشعور النفسي بالارتياح الناتج عن خضوع الإرادة لحكم العقل، أو خضوع السلوك لحكم العقل أو نتيجة الحياة الفاضلة التي لا تخضع إلا للحكمة١.
والسعادة عند "كانط" هي الشعور بالخير الكامل الذي يأتي نتيجة التمسك بالفضيلة، والسعادة ليست هدفا خارجا عن الفضيلة، وليست الفضيلة علة للسعادة، وإنما هما مقترنان، والخير الكامل يجمع بين الفضيلة والسعادة معا٢.
стр. 80
ج- الاتجاه المادي:
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن السعاة هي: التي يشعر بها الإنسان نتيجة إشباع دوافعه الطبيعية وغرائزه الحسية.
وقد تطور هذا الاتجاه وأخذ صورا مختلفة على هيئة مذاهب خاصة منها: مذهب القورينائية أتباع "أرستبوس" تلميذ سقراط، وقد فسروا السعادة التي نشدها سقراط باللذة الحسية، واهتموا باللذات العاجلة بدلا من الآجلة، ونشدوا إشباع الدوافع في حينها، وأوصوا بعدم تأخيرها؛لأنه يؤدي إلى الشعور بالحرمان والكآبة، وهذا شقاء نفسي، ولهذا تجب المسارعة في طلب اللذات، ولا حياء ولا خجل في طلب اللذات في أية صورة كانت وبأية طريقة تيسرت.
ومنها مذهب الأبيقورية أتباع أبيقور، وقد توسع هؤلاء في مفهوم اللذة فضمونها اللذات الحسية والعقلية واللذات العاجلة والآجلة المستمرة، بل آثروا
стр. 81
الآخرة على الأولى، ولا سيما إذا كان يعقبها ألم ومشقة، ومهما كان من أمر فإن الغالب على هذا المذهب هو الطابع الحسي والاهتمام الزائد باللذات الحسية كسابقه.
ومنها مذهب المنفعة التطوري الذي يمثله "هربرت سبنسر" و"لسلي ستيفن" ويرى هذا المذهب أن الحياة السعيدة تكون في التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع وهي الفضيلة، وبقدر ما يزيد مقدار هذا التكيف يزيد مقدار لذة الفرد وخاصة اللذة النفسية، والإنسان يسعى إلى هذا التكيف بالطبيعة؛ لأنه حاجة بيولوجية لا لمجرد مصلحة مصطنعة أو عقد اجتماعي كما يدعي البعض، وهذا التكيف الذي يسعى إليه الإنسان بالطبيعة لم يكتمل بعد، وسوف يكتمل فيما بعد؛ لأن الحياة بطبيعتها متطورة، وهي سائرة نحو الحياة الإنسانية المثالية١.
стр. 82
ثانيا: اتجاه الإسلام في غاية الأخلاق:
قلنا فيما مضى: إن نظام الإسلام لحياة الإنسان نظام خلقي في جوهره، ومقاصده، فما الهدف الذي كان يرمي إليه الإسلام من وضع هذا النظام؟
عندما ندرس الإسلام من جميع النواحي نجد تصريحات حينا وتلميحات حينا آخر، إلى أن هذا النظام وضع من أجل خير الإنسان، وتحقيق السعادة له، لا في هذه الحياة فقط بل في الحياة الآخرة أيضا، ونجد أيضا أن حقيقة السعادة في هذه الحياة هي الشعور والإحساس الدائم للمرء بالبهجة والأريحية والطمأنينة نتيجة إحساسه بخيرية الذات وخيرية الحياة وخيرية المصير.
стр. 83
وليتحقق العنصر الأول وهو الإحساس بخيرية الذات لا بد من صحة العقيدة وصحة العقل وصحة النفس، والدليل على صحة العقيدة أن تبرر نفسها بنفسها بالبراهين العقلية الواضحة، والدليل على صحة العقل التمييز بين الحق والباطل وبين الفضيلة والرذيلة وبين النافع والضار، وهذا يكون بالمعرفة والعلم والحكمة.
والدليل على صحة النفس الشعور بالصحة النفسية والشعور بالأمن والطمأنينة، ولكي يتحقق هذا الأمن لا بد من توافر الأمن الخارجي وذلك متوقف على النظام العام للحياة، ولا بد من توافر الأمن الداخلي أيضا، وذلك إنما يتحقق بالتوفيق بين تلك العقيدة التي يؤمن بها، وبين السلوك في الحياة، ثم بينهما وبين الأهداف التي يريد الإنسان تحقيقها في الحياة، فلا بد من أن يكون بين هذه الأمور انسجام وتوافق وتناسق ليشعر بالأمن، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١.
ولكي يتحقق العنصر الثاني وهو: الشعور بخيرية الحياة لا بد من توافر الشروط الآتية:
الأول: الشعور بخيرية الذات والثاني: السلامة من الأمراض والثالث والأخير: تحقيق مطالب الإنسان الأولية وأن يكون ذلك بالحكمة.
وأما العنصر الثالث: فإن تحققه يتوقف على تحقيق العنصرين السابقين، ذلك أن الإنسان لا يشعر بخيرية مصيره إلا إذا رسخت العقيدة الصحيحة في قلبه وإلا إذا عمل بمقتضى هذه العقيدة، وإلا إذا كانت الأهداف التي حددها لنفسه في حياته متلائمة مع هذه العقيدة من جهة ومع إمكانات طبيعته البشرية من جهة.
стр. 84
أخرى، يقول أفلاطون: "إن النفس تجد طمأنينية تامة وقوة، أيما قوة، عندما تتفق إحساساتها وأعمالها فتغتبط بأنه ليس لها أن تعود باللائمة على نفسها في فكرة أو عمل ظالم في حق الله أو في حق الناس"١.
وتحقيقا لذلك فقد جاء الإسلام بعقيدة سليمة، بَرْهَنَ على صدقها وصحتها ببراهين عقلية واضحة لا يشك في صحتها وسلامتها إلا المكابر أو ضعيف العقل، وقد فسر بها الإنسان ألغاز هذا الوجود ومعضلاته التي لولاها لما كان له أن يحيط بكنهها تماما، وأن يطمئن إليه بقلبه وجنانه.
ثم جاء بنظام عام للحياة الإنسانية، حدد فيه سلوك الإنسان تفصيلا فيما ينبغي تفصيله، ومجملا ينبغي إجماله، وقد راعى في هذا وذاك طبيعة هذا الوجود بوجه عام وطبيعة الإنسان بوجه خاص، كما حدد مركزه ومصيره والأهداف التي ينبغي أن يسعى إلى تحقيقها، وقد ربط في كل ذلك بين العقيدة وواقع الإنسان وسلوكه في هذه الحياة، ومصيره فيما بعد هذه الحياة، وكل ذلك بحكمة تخضع لها العقول المدركة لحقيقتها خضوع الإكبار والإجلال.
وليس ما أقول هنا مجرد دعوى بدون دليل، أو فكرة مفروضة على الإسلام بل إنها مستوحاة من روح الإسلام وفلسفته، إذ أنا نجد في الإسلام أسانيد لها، ففيما يتعلق بأثر العقيدة الراسخة في سعادة الفرد، قال الرسول: "إن الله بحكمته وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في الشك والسخط" ٢.
ولهذه العقيدة أثر آخر وهو: حلاوة طمأنينة القلب
стр. 85
ولهذا قال إبراهيم ﵇ ليطمئن قلبي، ولها أثر ثالث وهو: حلاوة الإيمان الناشئ عن محبة، ولهذا قال الرسول: "ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" ١، يقول هنا "وليم جيمس": "إن الإيمان بالله هو الذي يجعل للحياة قيمة، وهو الذي يمكننا من أن نستخرج من الحياة كل ما فيها من اللذات والسعادة".
ويقول الفيلسوف الألماني "ليبيتز": "ولإزالة القلق النفسي والروحي أن يؤمن بالله عن طريق العقل أو يملأ نفسه بسرور عقلي؛ لأن القلق ناتج عن الشك، والشك وسيلة لتفتيت القلب"٣.
ولصحة العقل وسعادته اتخذ الإسلام طريقين: طريق الوقاية وطريق التنمية، ففي الطريق الأول حرم على الإنسان تناول كل ما يخدر العقل ويضره، وفي الطريق الثاني دعا إلى تحقيق مطالبه من النظر والمعرفة والحكمة، ولم يكتفِ بمجرد الدعوى إلى ذلك فحسب، بل زوده بمعرفة كثيرة من أسرار الكون والحياة وعلم الغيب، علم ما وراء هذا الكون، وهم العلم الذي ما كان يستطيع العقل الإنساني أن يصل إليه وحده، وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ٤.
стр. 86
حقا ليس في قدرة الإنسان أن يعلم أو يدرك ما وراء هذا الكون وما وراء هذه الحياة، ونحن نعلم مدى حيرة الفلاسفة الذين حاولوا أن يعلموا من ذلك شيئا عن طريق البحث النظري، وذلك مع عظم عقولهم ومع ما بذلوا من مجهودات ضخمة، ومع قصور الإنسان في هذا العلم فإنه دائم التساؤل عنه طوال تاريخه الطويل.
وكأن هناك دافعا وراء العقل الإنساني يدفعه إلى هذا التساؤل الدائم وهذا البحث المستمر، وربما كان هذا فطرة إلهية أودعها فيه منذ خلقه، ليعرف الإنسان أن هذا الوجود ليس هو هذه المحسوسات فقط، بل إنه أوسع وأكبر مما ندركه بحواسنا الظاهرة، ومهما كان من أمر فإن الإسلام قد أتى في هذا العلم بما يشفي غليل الإنسان ويكفيه التساؤل ويحفظه من الزلل والتيه، ويريحه من عناء البحث ومشقته، ومن ثم يطمئن عقله إلى ما جاء به الإسلام في هذا الميدان.
وفيما يتعلق بالأمن الداخلي فقد دعا الإسلام إلى بعض الأمور التي تحقق هذا الأمن منها: ذكر الله دائما؛ لأن القلوب تطمئن بذكرالله، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ١. ومنها دعوته إلى أن يكون الله ملجأ الإنسان في السراء والضراء، والمستعان الذي يستطيع معاونة الإنسان ونصره وتأييده وهو يكلؤه ويحفظه إذا سلك طريقه وكسب رضاه ومحبته، فقال الرسول ﷺ في حديث قدسي: "إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلى ما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر
стр. 87
به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأن أكره مساءته" ١. ونتيجة الاطمئنان إلى رعاية الله ونصره فلا يصيب هذه النفوس خوف ولا فزع عند المصائب والشدائد: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٢.
وأما تحقيق الأمن الخارجي فإن النظام الأخلاقي الذي وضعه الإسلام يكفل للفرد الأمن الخارجي، ذلك أن هذا النظام أوجب احترام الفرد في حريته وممارسة حقوقه الطبيعية، وحرم القتل والغصب والسرقة والاعتداء على الأعراض، وإلى جانب هذا دعا الناس إلى التبشير بالخير والنهي عن التشاؤم فقال الرسول ﷺ : "بشروا ولا تنفروا" ٣، وقال أيضا: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني من الفأل الصالح الكلمة الطيبة" ٤، وقال "سوء الخلق شؤم" ٥.
وذلك ليعيش الناس في ضياء من التفاؤل بخير الحياة، كما أمر بالتعاون والتراحم واحترام مشاعر الناس وإحساساتهم الأدبية ليجد الناس الاستقرار والطمأنينة والأمن في معاملاتهم وفي حياتهم، ثم لم يكتفِ بوضع النظام بل أقام حكومة لتنفيذ هذا النظام وجعل الحكام مسئولين عن ذلك.
ولتحقيق الصحة الكاملة أمر الإسلام بثلاثة أمور:
الأمر الأول: الوقاية من الأمراض، وذلك بالأمر بمراعاة النظافة والطهارة
стр. 88
في كل شيء؛ لأن أغلب الأمراض تأتي -كما يقول الأطباء- نتيجة عدم الاعتناء بالنظافة، ولهذا قال الرسول ﷺ : "إن الله نظيف يحب النظافة.. فنظفوا أفنيتكم" ١، وقال: "الطهور شطر الإيمان"، وأمر بتغطية الأطعمة والآنية من التلوث بالجراثيم، فقال: "أوكوا قربكم"، وفي رواية "خمروا الطعام والشراب" ٣، كما أمر بالابتعاد عن الأمراض المعدية والأماكن الموبوءة فقال: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها" ٤، وقال: "وفر من المجذوم فرارك من الأسد"، وقال أيضا: "لا يورد ممرض على مصح" ٦.
هنا نرى الرسول يأمر بعملية الحصار للمرض المعدي إذا أصاب فردا، أو بلدا كما تفعل الدول اليوم عندما ينتشر مرض معدٍ في بلد ما مثل: منع التنقل بين هذا البلد والبلاد الأخرى، ومنع الأفراد المصابين بمثل تلك الأمراض من الاتصال بغيرهم.
غير أنه ينبغي ألا نغفل هنا الإشارة إلى بعض النصوص الأخرى التي تفيد إنكار الرسول العدوى مثل: حديث "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة" ٧، ومناقشته مع الأعرابي في مسألة تعدي الجذام من بعير إلى آخر، وأكله ﷺ مع المجذوم٨.
стр. 89
ولقد وقع هنا خلاف طويل بين العلماء، إلا أن الرأي الراجح عندي هو الرأي القائل بأن حديث "لا عدوى" عام، والأحاديث التي تفيد العدوى خاصة، وهذا صحيح؛ لأنه ليس كل الأمراض معدية، كما أن أكل الرسول مع المجذوم ومناقشته مع الأعرابي يوحيان بأن الرسول أراد أن يثبت أن العدوى لا تحصل إلا بإرادة الله، فهو لا يريد أن يلغي إرادة الله مع وجود الأسباب، لكن مع ذلك أمرنا باتخاذ الأسباب بصفة عامة لتحقيق الأهداف، اتباعا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ ١.
الأمر الثاني: تحقيق المطالب الأساسية في الطبيعة الإنسانية بحكمة واعتدال، وهذه الحاجات تنقسم -بصفة عامة- إلى قسمين: هما الحاجات الروحية والحاجات الحسية، وأهمية الأولى لا تقل عن الثانية؛ لأن الروح موجودة في الطبيعة الإنسانية، أودعها الله في الإنسان لمعرفته وللاتصال به، ولتدفع الإنسان إلى تحمل مسئولياته الإنسانية في هذه الحياة، وهي وإن كانت غامضة من حيث كنهها وجوهرها فهي ظاهرة من حيث آثارها في السلوك، وفاعليتها في الأبدان، وهي متأصلة في الإنسان بالفطرة، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من أن تكون لها مطالب تنشط بتحقيقها وتبذل وتضيق بالحرمان منها، من أجل هذا قرر الإسلام لها نصيبًا من حياة الإنسان في نظامه الخلقي، والحياة الروحية كما قررها الإسلام هي: أداء العبادات المختلفة من الصلاة والصوم والحج والزكاة، وتذكر الله دائما بأنه خالقه ورازقه، وهو الذي يستمد منه العون ويعتمد عليه في كل شيء؛ لأن الأمر بيده، وهو على كل شيء قدير، وأن يتذكر أن هذه الحياة
стр. 90
مؤقتة ستتحول في النهاية -إن أحسن الإنسان عمله- إلى حياة أبدية ملؤها السعادة والهناء، ولهذه الحياة الروحية دور كبير في سعادة الإنسان، ذلك أن الإنسان عندما يحيا هذه الحياة يشعر بالاطمئنان والراحة في أعماق قلبه؛ لأنه يحس دائما في قرارة نفسه بأن الله راضٍ عنه وأنه سيكلؤه ويحفظه، وهو بعد ذلك يتطلع إلى حياة صافية من الأحزان والآلام؛ ولأنه يرى أن الموت لا يقطع عليه حياته بل ينقله من حياة مؤقتة إلى حياة دائمة، وأن الأعمال التي يؤديها هنا وإن لم يجنِ ثمارها كلها أو بعضها هنا سوف يجنيها هناك، ولهذا كله فإن هؤلاء الذين يحبون هذه الحياة تبتسم سريرتهم بالرغم من الشدائد التي يعانون منها والصعوبات التي يخوضونها، أما الذين أهملوا الروح، ولم يعطوها حقها من الحياة فهم في ضيق وحرج ولا سيما عند الأزمات والمصائب يزعجهم خوف الموت، ويقلقهم ضياع الحقوق، وعدم استيفائهم ثمار أعمالهم -ويؤدي بهم هذا الضيق والحرج أحيانا- إلى الذبحة الصدرية أو الانتحار، ولقد أدرك هذه الحقيقة العالم الفرنسي الدكتور ألكسيس كارل، فهو يقول: "ومن الغريب أن الإنسان الحديث قد استبعد من الحقيقة الواقعية كل عامل نفسي "روحي" وبنى لنفسه وسطا ماديا بحتا، غير أن هذا العالم لا يلائمه قط، بل نراه يصاب فيه بالانهيار.. فيبدوا -جيدا- أنه يجب على البشرية المتحضرة لكي تتجنب ترديها النهائي في وهدة التنافر والفوضى، أن تعود إلى بناء المعابد في ذلك العالم الفاخر الصارم الذي يعيش فيه علماء الطبيعة والفلك.. فالعالم الحديث يبدو لنا كالثوب المفرط في الضيق بمجرد أن يطبعه مذهب الحرية الفردية أو المذهب الماركسي بطابعه.
ومما لا يقبله العقل أن يصبح الواقع الخارجي أضيق من أن يشمله الإنسان في كليته، وألا يكون تركيبه متفقا مع تركيبنا من بعض الوجوه
стр. 91
فمن الحكمة إذن أن نجعل لعالم الروح الموضوعية نفسها التي لعالم المادة"١، ويهاجم المتحضرين فيقول: "فهم يتوهمون أن تربية الذكاء تضاهي تربية الروح، ولم يكتشفوا بعد أن هناك إلى جانب التفكير المنطقي ضروبا أخرى من النشاط الروحي الضرورية حتى يكون السلوك في الحياة سلوكا عقليا، وقد ردت الحياة على هذا الجهل بجواب بطيء صامت بدت مظاهره جلية.. في الزحف التدريجي للقبح والقذارة والفظاظة والسُكْر وشهوة الترف وحب السلامة والحسد والنميمة والبغض المتبادل.. والنفاق والكذب والخيانة، هكذا أجابت الحياة بطريقة آلية على رفض الخضوع لقانون الارتقاء الروحي فقضت على نفسها بالانحطاط والانحلال"٢، وهكذا نرى فداحة الخطأ الذي يرتكبه هؤلاء الذين يضعون نظاما للناس ويهملون فيه الجانب الروحي بقصد أو بغير قصد.
وأما الحاجات الحسية الأساسية في الإنسان -مثل: المأكل والمشرب والجنس والملبس والمسكن وما إلى ذلك- فهي ضرورية أيضا لدوام الحياة أولاً وللشعور بالسعادة ثانيا، ولهذا فقد أباح الإسلام كل ما يحتاج إليه الإنسان بالضرورة، وحرم كل شيء يضر الصحة، وقد سمي الأول بالطيب والثاني بالخبيث ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ٣، وكيف يحرم الطيبات وهو الذي خلقها رزقا للعباد ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ ٤.
стр. 92
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ١.
وليس لمجرد الرزق فحسب بل للمتعة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً، ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً، وَعِنَباً وَقَضْباً، وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً، وَحَدَائِقَ غُلْباً، وَفَاكِهَةً وَأَبّاً، مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ ٢، وأباح النكاح للحاجة البيولوجية وللمتعة النفسية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ٣، وخلق الله أشياء لنصنع منها لباسا نحمي به أنفسنا من حر الشمس وبرد الشتاء: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ ٤، إذن لا مانع من أن نهتم بحاجاتنا الأساسية لنسعد في حياتنا، ولهذا قال الرسول: "من سعادة ابن آدم ثلاثة ومن شقوة ابن آدم ثلاثة، من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح، ومن شقوة ابن آدم: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء" ٥، وقال أيضا: "ثلاث خصال من سعادة المرء المسلم في الدنيا، الجار الصالح والمسكن الواسع والمركب الهنيء" ٦.
ذلك أن هذه الأمور بالإضافة إلى ضرورتها فإن الإنسان مقارن لها بالاستمرار فإذا كانت غير مريحة شعر بالضيق والحرج والألم، إذن ينبغي أن يهتم الإنسان بأن يختار مما يحتاج إليه أحسنه وأفضله ليسعد نفسه ويريح باله.
стр. 93
ولم يراعِ الإسلام حاجة الإنسان التي بها قوام حياته ودوامها فحسب بل لفت نظره إلى العناصر الجميلة في الكون التي خلقها الله للزينة والمتعة ليشبع بها العاطفة الجمالية، ولهذا كرر دعوته مرارًا إلى النظر إلى زينة السماء ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ ١. وإلى زينة الحدائق وأنواع الأشجار والنبات ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ٢، وجمال الحيوانات والدواب ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ ٣، وهكذا نجد أن الإسلام يقرر للإنسان حياة مادية حسنة يحقق مطالبه، وهذا مما لا شك فيه يمثل جزءا من سعادة الإنسان في هذه الحياة، وصلة تحقيق الحاجات بالأخلاق أن حرمان الإنسان نفسه من حقه ظلم كظلم غيره، والظلم منافٍ للأخلاق.
غير أنه توجد هنا ملاحظة لا ينبغي أن نغفلها وهي: أننا نجد هناك نصوصًا إسلامية أخرى تذم الحياة الدنيا وطلاب هذه الحياة، ولكن لا ينبغي أن نظن وجود تناقض بين تلك النصوص، كما قد يبدو للنظرة السطحية، وإنما هذا الانقسام الظاهري من نظرة الإسلام إلى الحياة المادية من زاويتين مختلفتين؛ لأنه يريد بذلك أن يكشف لنا عن منهجه في الحياة وفلسفته فيها، وربما كان انقسام النصوص بهذا الشكل حول الحياة المادية، وإذا شرحنا الزاويتين السابقتين بدا لنا موقف الإسلام من هذه الحياة بوضوح.
أما الزاوية التي منها ذم الحياة فهي زاوية الماديين: وهي أن هذه
стр. 94
الحياة غاية لا وسيلة، وأنها مستقلة لا صلة لها بحياة بعدها، بل هي الحياة ولا حياة بعدها، وعندما نظر الإسلام إليها من هذه الزاوية وبهذا الاعتبار ذمها وذم المنهمكين فيها؛ لأنها حياة عارضة زائلة، وفيها أحزان وآلام ومشقة، فهي بهذه النظرة لا تساوي شيئا ولا جناح بعوضة، بالنسبة إلى حياة مقدرة للإنسان بعد موته، ولهذا قال الرسول: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء"، حقا إنها لا تساوي جناح بعوضة حين نقيسها بالحياة الأخروية، ومن هنا يستحق الذم هؤلاء الذين يتخذونها مجمع همهم ومبلغ سعيهم فلا يرجون الآخرة من بعدها، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ٢، وكل الآيات والأحاديث التي تذم الحياة المادية وأهلها، إنما تذمها بهذا الاعتبار ومن هذه الزاوية.
يريد الإسلام بذلك أن يبين للناس أنه ينبغي ألا تتخذ هذه الحياة غاية في ذاتها؛ لأنه أمر لا يليق بهم، فقد خلقوا لهدف أعلى أو غاية كبرى وهي: تلك الحياة الأبدية السعيدة وهذه الحياة هي الجديرة بأن يعمل المرء من أجلها، وحقيق أن يتخذها غاية.
وأما الزاوية الثانية: فهي أن هذه الحياة ما هي إلا وسيلة لحياة أخرى أو مقدمة لها، يجب استغلالها لتلك الحياة واشتراؤها بها، فمن هذه الزاوية وبهذا الاعتبار نرى الإسلام يمدح الحياة ويهتم بها، وكان اهتمامه بها على النحو التالي
стр. 95
أولاً: تنظيمها تنظيما اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وقضائيا.
ثانياً: دعوة الناس إلى أخذ نصيبهم منها، من مأكل ومشرب وزواج وملبس ومسكن، وكل ما يحتاج إليه الإنسان بحكم الغريزة والطبع، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ١، كما وبخ الذين يمنعون الناس من هذه المتعة التي أخرجها لعباده: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ، وما أحسن الإشارة هنا إلى أن نعيم هذه الدنيا خلق للمؤمنين، وإذا اشترك معهم الكفار في التمتع به فلن يشتركوا معهم في نعيم الجنة في الآخرة، نعيم لا يخالطه غم ولا مشقة، ثم إن الإسلام يعتبر هذه الحياة كلها سبيل الله إلى الجنة التي أعدها الله للسالكين سبيله، فهو داخل فيها في نهاية المطاف بالوعد الذي قطعه على نفسه، وبذلك تكون لهذه الحياة أهمية كبرى في نظر الإسلام، وتعطي لها قيمة لا يساويها شيء إلا تلك الحياة الأبدية، ذلك أنها وإن كانت لا تساوي شيئا في حد ذاتها بالنسبة لتلك الحياة إلا أنها لما كان من الممكن أن تشتري بها الجنة فإن قيمتها تساوي الجنة بهذا الاعتبار، ومن هذا كله تبين لنا أنه لا تعارض بين هذه النصوص المتعلقة بشئون الحياة، وأن النظرتين فيها تمثِّلان فلسفة الإسلام في الحياة ومنهجه فيها، ومن ثم تبين خطأ الذين نبذوا هذه الحياة استنادا إلى تلك النصوص، كما تبين خطأ أولئك الذين ينهمكون في ملذات هذه الحياة، ويتمتعون كالأنعام تاركين كل الجوانب الأخرى والواجبات الإلهية والإنسانية وكأنهم خلقوا من أجل هذه المتعة الحسية فقط، ولهذا كله قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ
стр. 96
الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١.
الأمر الثالث: الذي أمر به الإسلام لكمال الصحة هو الاعتدال في الحياة والتصرف فيها طبقا للحكمة سواء كان في ميدان إشباع الدوافع والمطالب الأساسية أم في ميدان العمل أيا كان نوع هذا العمل وشكله.
أما في ميدان إشباع الدوافع أو الحاجات الاساسية؛ فإن الإسلام قد قرر بصورة عامة إشباعها؛ لأن عدم إشباعها يؤدي إلى الشعور بالكآبة والضيق والحرمان، كما يؤدي إلى حدوث بعض الأعراض والأمراض، مثل: الأنيميا "فقر الدم" والعته والآم المفاصل وتصلب الشرايين، وما إلى ذلك.
والأمر كذلك في الإفراط في إشباعها، والانهماك في الملذات الحسية أو بعضها فقد تؤدي كثرة الأكل والشرب -مثلاً- إلى التخمة والسكتة القلبية، والإفراط في الجنس يؤدي إلى إتلاف بعض الأنسجة والخلايا التي لا يستطيع تعويضها فيما بعد، وبالتالي يؤدي ذلك في النهاية إلى بعض الأمراض الفسيولوجية٢.
ولهذا كله منع الإسلام الإفراط في الأكل والشرب والملذات الأخرى فقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ٣.
стр. 97
وقال الرسول ﷺ : "إن المؤمن يأكل في معىً واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" ١، وليس المراد من كثرة الأمعاء هنا معناها الحقيقي بل القصد منها الكناية عن الكثرة في الأكل، ويريد من الكافرين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر فهمُّهم الدنيا ونعيمها، يأكلون كما تأكل الأنعام ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ﴾ ٢.
وكما منع الإسلام الإفراط في تحقيق الحاجات الحسية، منع أيضا الإفراط في التعبد والتنطع فيه، فقال الرسول ﷺ : "هلك المتنطعون" ٣، وروي عن أنس أن الرسول ﷺ "نهى عن التبتل" ٤، وأوضح دليل صريح على هذا نهيه ﷺ لجماعة من أصحابه اعتزموا مواصلة العبادة وترك كل شيء ما عداه، فقال: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" ٥. وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول ﷺ قال له: "يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل، قلت: نعم، قال: فلا تفعل صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا" ٦.
أما الاعتدال في ميدان العمل فإنه ضروري أيضا؛ ذلك أن الإرهاق في العمل يؤدي إلى الإضرار بالصحة، فالإرهاق في العمل العقلي مثلا يؤدي إلى الجنون، كما أن الإرهاق في الأعمال الجسمية الأخرى يؤدي إلى الاختلال في
стр. 98
وظائف الأعضاء وإلى الأمراض الفسيولوجية؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : "إن المنبتَّ لا أرضا قطع ولا ظهرًا أبقى" ١، "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق" ٢، وقال: "إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" ٣، وقال: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا" ٤.
من هذا كله نرى أن الإسلام يأمر بالاعتدال في تحقيق المطالب، ويأمر أيضًا بالعدالة في إعطاء كل ذي حق حقه، وبالاعتدال والعدالة في الأعمال كلها، حتى تتحقق الصحة الكاملة، وتنتظم أمور الدنيا، والسعادة تتبع الاعتدال أو العدالة في كل الأمور، كما يقول أفلاطون، فيقول في جمهوريته: "إن العدالة لا تتناول مظاهر أداء الإنسان لعمله الخاص فحسب وإنما تتناول البواطن التي تخص الرجل نفسه ومصالحه الخارجية بحيث لا يسمح الرجل العادل لعناصره المتعددة أن تعمل عملًا غير عملها، ولا للطبائع المميزة في نفسه أن يتدخل بعضها في بعض"٥.
يبقى بعد هذا كله العنصر الأخير والهام لتحقيق السعادة في رأي الإسلام وهو: تحديد الغاية الكبرى للإنسان في هذه الحياة، وأن يكون تحقيق هذه مقرونًا بتحقيق السعادة الكاملة، وهذه الغاية هي الفوز برضا الخالق والدخول في دار الرضوان، دار السعادة الأبدية؛ وذلك بعد الانتقال من هذه الحياة الدنيا.
إن ربط الإنسان مصيره بالسعادة له دور كبير في إحساسه بالسعادة في
стр. 99
مختلف الظروف مهما تكبد في سبيلها من عناء ومشقة؛ لأن السعادة أمل الإنسان دائما، إن عاجلا أو آجلا، وهذا الأمل هو الذي يبعث في نفس الإنسان الاطمئنان والرضا، لذا قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ١، هذه الجنة تنعم فيها تلك الوجوه التي تحقق غايتها من وجودها، تنعم بنعم لم ترها أعين ولم تسمع بها آذان ولا خطرت على قلب بشر، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ، لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً، فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ، فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ٢، ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ٣.
وفيها ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ٤.
وقد روي عن الرسول أنه: "ينادي منادٍ في أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدا" ٥، تلك هي السعادة الحقيقية الأبدية ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ٦، وذلك هو الفوز الأكبر، والمصير السعيد لسعي الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ
стр. 100
أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١.
من هذا كله نرى أن الإسلام قد حدد للإنسان عقيدة سليمة وغاية سعيدة، ثم حدد له نمطا سلوكيا في الحياة تتسق فيه العقيدة مع الغاية، وينسجم مع قوانين الحياة والدوافع الأساسية للطبيعة البشرية، وسوف يتبين هذا بصورة أوضح في الموضوعات الآتية، ثم إن هناك أمرا وهو أن الإسلام قرر أن من يسير في هذه الحياة وفقا لهذا النمط السلوكي الذي حدده هذا الدين سوف يسعد في هذه الحياة أيضا، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ ٢.
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ٤، وقال الرسول ﷺ : "من سعادة المرء حسن الخلق، ومن شقاوته سوء الخلق" ٥.
ويمكن أن نستخلص من هذا كله أن هدف الأخلاق في الإسلام هو السعادة، وماهية هذه السعادة في نظره تختلف من حيث الزمان والمكان، ومن حياة إلى أخرى فالسعادة في الحياة الدنيا ليست هي سعادة الحياة الأخرى، وإن الإسلام يستهدف تحقيق السعادة في الآخرة أكثر مما يستهدفها في الدنيا، ثم إن السعادة التي استهدفها أو أرادها لا تقتصر على جانب واحد، بل تشمل -كما رأينا- الجانب الروحي والعقلي والنفسي والحسي معا.
стр. 101
وكلما كان هناك اتساق بين هذه الجوانب زاد نطاق السعادة كمًّا وكيفًا، ولكن يجب أن ننتبه هنا إلى أن الأخلاق في نظر الإسلام، وإن كانت ترمي إلى تحقيق السعادة للإنسان فإن هذا الهدف هدف الأخلاق لا هدف الذات الفاعلة، فإن هذه الذات ينبغي ألا ينحصر في تحقيق المرء السعادة لنفسه أو لغيره وإنما ينبغي أن يكون هدفه الأول هو الله وحده، إنه يجب أن يقوم بالأعمال الأخلاقية؛ لأنه مأمور بها من قبل خالقه، وأن يقصد بها وجهه لا وجه أحد ولا وجه السعادة أو تحقيق السعادة، هذا القصد الخالص لوجه الله من السلوك في هذه الحياة هو العبادة الخالصة التي جعلها الله الغاية من خلق الإنسان، مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ٢، وقال الرسول ﷺ : "فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له" ٣، وكما قلنا: إذا أخلص الإنسان حياته كلها لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٤، وإذا أسلم الإنسان بهذه الصورة يعد كل سلوكه عبادة يؤجر مقابل كل ما يصاب به في الحياة، ولهذا قال الرسول ﷺ : "ما يصاب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه" ٥، وهذا يقتضي أن يكون صبورا لنيل الثواب، كما يكون صبورًا لمكاسب الدنيا.
وسيأتي تفصيل هذه النقطة الأخيرة بصورة أوضح في الباب الثالث من هذا الكتاب.
стр. 102
الفصل الثالث: مجالات الأخلاق
مدخل
...
الفصل الثالث: مجالات الأخلاق
إن تحديدنا السابق لمفهوم الأخلاق وغايتها يساعدنا في تحديد مجالها هنا، وسوف يغنينا عن كثير من التفصيلات الجزئية، ذلك أن تحديد مفهوم الأخلاق يؤثر في تحديد غايتها، وهذا بدوره يؤثر في تحديد مجالها؛ لأن الغاية ترسم بالطبع الطريقة التي يمكن أن تؤدي إليها، كما تحدد المجالات التي تحقق فيها.
стр. 103
أولاً: الاتجاهات العامة في مجالات الأخلاق:
من هنا نجد أن كل اتجاه في تحديد الغاية الأخلاقية قد عني ببيان السلوك المناسب لتحقيقها والمجال الذي يدور فيه هذا السلوك، فالاتجاه المادي في الأخلاق وغايتها يهتم بالسلوك الذي يحقق منافع مادية ينبغي استخدامها بالطريقة التي تحقق اللذة أو السعادة حسب وجهة نظره في فهمها، والاتجاه الروحي يهتم بالسلوك الذي يحقق مكاسب معنوية، ويطهر النفس من النوازع الشريرة.
والاتجاه العقلي يهتم بالسلوك الذي يحقق مكاسب عقلية من كشف الحقائق وتنظيم السلوك والحياة وفقا لهذه الحقائق.
فمجال الاتجاه الأول هو: الطبيعة المادية، ومجال الاتجاه الثاني هو: الجانب النفسي والروحي في الطبيعة الإنسانية، ومجال الاتجاه الثالث هو: الحقائق كما تتكشف للعقل أو كما تتراءى له.
وإذن فالشيء الذي يوجه السلوك في الاتجاه الأول هو: المنافع، وفي الثاني هو: الدوافع الروحية، وفي الثالث هو: متطلبات الطبيعة المدركة في الإنسان أو القوة العاقلة.
стр. 104
ثانيا: مجالات الأخلاق في الإسلام: كما ألمحنا إليه سابقا فهو مجال الحياة كلها؛ لأن الأخلاق إذا كانت نمطا للعمل وللسلوك في الحياة فإن عمل الإنسان لمساعدة الآخرين أخلاق، وعمله لكسب قوته وقوت من يعوله أخلاق وإيمانه بالله وعبادته له أخلاق؛ لأنه بر كما جاء في الآية التي ذكرناها، بل لا يتحقق البر دون الإيمان والعبادة، والبر هو الأخلاق والأخلاق هي البر، والأعمال العلمية سواء كانت للتكامل الذاتي أو لخدمة الحياة الإنسانية -أخلاق- ثم إن معاملة الإنسان للكائنات الحية الأخرى بالرفق أخلاق، وإيذاءه لها ليس بأخلاق، كذلك تحمله أعباء الحياة والصبر على ما يصيبه من المصائب فيها أخلاق أيضا.
وإذن فإن كل سلوك إنساني يحقق الخير والبر للذات الفاعلة أو لغيرها يعد أخلاقا، طالما كانت الذات الفاعلة تريد بسلوكها هذا عمل الخير لوجه الله قبل كل شيء، ومصداق ذلك قول الرسول ﷺ : "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" ١، ثم إن هناك مبادئ أخلاقية عامة مثل الصدق والأمانة والإخلاص وإتقان العمل لا بد من مراعاتها في جميع الأقوال والأفعال.
ولم يكتف الإسلام بإضفاء الصفة الأخلاقية على نوع السلوك ذي الطابع النفعي والضروري للحياة فحسب، بل أضفى تلك الصفة على كل سلوك ولو لم يتسم بصفة النفع أو الضرورة؛ لأن الأخلاق في نظر الإسلام لا تحمل معنى النفع فحسب، بل تحمل إلى جانب ذلك المعنى التحسيني والجمالي والإرادة والخيرة.
стр. 105
ومن ثم فلم يكن هدفه تحقيق النفع للإنسان فقط، بل تحقيق الحياة الأدبية له، التي تمتاز بها حياة الإنسان على حياة الحيوان، ومن هنا نرى الإسلام يحاول أن يطبع كل سلوك صادر من الإنسان بالطابع الأدبي، بصرف النظر عن مكان هذا السلوك وزمانه، وبصرف النظر عن صلته بالناس الآخرين، ولهذا نرى الإسلام يأمر بالأدب في المأكل والمشرب والملبس والمجلس والمشي والتحدث ومعاشرة الناس، ففي المأكل أمر -مثلا- أن يبدأ الإنسان بالبسملة، وأن يأكل بيمينه ومما يليه، فقد روي عن أبي سلمة ﵁ قال: كنت غلاما في حجر رسول الله، وكانت يدي تطيش في الصَّحْفَة* فقال لي رسول الله: "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك" ١، وقال في الشرب: "إذا شرب أحدكم فليشرب في ثلاثة أنفاس يحمد الله في كل منها"، وفي الملبس أمر بالتستر والاحتشام، ولو في السر حتى ولو في الحمام، فقال الرسول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار" ٢؛ لأن الحياء جزء هام في الأدب الإسلامي، بل إنه جزء من الإيمان كما جاء من الرسول، فإنه قال: "فإن الحياء من الإيمان" ٣، وليس الحياء من الناس فحسب بل من الله والملائكة، ولهذا كان أمره بالتستر ولو في الخلاء الذي لا يراه فيه أحد من الناس، والاستحياء من الله له دور هام في تجنب المعاصي، ولهذا قال الرسول: "إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت" ٤.
وفي المجلس أمر مثلا بالجلوس المتواضع الرزين، فقد روي عن الشريد بن
стр. 106
سويد قال: مر بي رسول الله وأنا جالس هكذا وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على ألية يدي، فقال: "أتقعد قعدة المغضوب عليهم" ١، أي: القعود المتكبر، وروي عن أحد الصحابة أنه قال: أصابني رسول الله نائما في المسجد على بطني فركضني برجله، وقال: "ما لك ولهذا النوم، هذه نومة يبغضها الله" ٢، "وكان نائما مضجعا على وجهه"، وفي المشي أمر بالاقتصاد والتواضع، فقال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ ٣، وقال أيضا: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً، كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً، ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ٤.
وعند الكلام أمر مثلا بعدم رفع الصوت، وعدم التكلف أو التشدق في الكلام، فقال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ٥، وقال الرسول: " إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل البقرة بلسانها" ٦.
وعند معاشرة الناس دعا بصفة خاصة إلى مراعاة الشعور والإحساس الأدبيين لدى الآخرين في الحركات، فدعا مثلا إلى بسط الوجه عند المقابلة، ونهى عن تصعير الخد فقال تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ ٧، وقال الرسول: "إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق" ٨
стр. 107
ودعا إلى عدم التناجي بين الاثنين دون الثالث، فقال الرسول: "إذا كنتم ثلاثا فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما" ١.
كما دعا إلى احترام كل إنسان بما يليق به من التقدير حسب دينه وعلمه ومنزلته بين الناس، فقال الرسول ﷺ : "أنزلوا الناس منازلهم من الخير والشر" ٢.
كما دعا إلى الظهور بالمظهر الجميل أمام الناس، فقد روي أن رجلا جاء إلى الرسول ثائر الرأس، فأشار إليه بإصلاح شعره، وجاء آخر وشعره جمة وأشار بقصه، ثم قال: "هذا أحسن"٣، وعندما سأله رجل هل من الكبر أن يكون ثوب الإنسان حسنا ونعله حسنا، فقال الرسول ﷺ : "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس" ٤. وكان ينصح دائما بتحسين الهندام وتجميل الظاهر وتطهير الثياب٥.
ولم يفرض الإسلام المبادئ الأخلاقية على سلوك الإنسان الظاهري فقط، بل فرضها أيضا على السلوك الباطني؛ لأن الحياة قسمان: قسم منها ظاهر محسوس والآخر باطن غير محسوس، وأهمية الأخير لا تقل عن أهمية الأول، بل إن مظاهر الأول ما هي إلا انعكاس للأخير، ولهذا كانت الأخلاق الإسلامية مركزة على الحياة الباطنة في الدرجة الأولى؛ لأنها إذا صلحت واستقامت صلحت الأخرى واستقامت، وصلاح هذه وتلك واستقامتها هما الطريق إلى السعادة
стр. 108
الإنسانية، ولهذا قال الرسول ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" ١.
ويجمع بين الأمرين قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ٢.
ومن هنا دعا الإسلام إلى تجميل الباطن وتحسينه، فدعا إلى حسن الظن بالخالق كما دعا إلى حسن الظن بالمخلوق أو الناس بصفة خاصة، قال الرسول ﷺ : "حسن الظن من حسن العبادة" ٣، وقال راويًا عن ربه: "أنا عند ظن عبدي بي إن خيرا فخير، وإن شرا فشر" ٤، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ٥، ثم دعا إلى الفأل ونهى عن التشاؤم والتطير، قال الرسول ﷺ : "لا طيرة ويعجبني الفأل الصالح أو الكلمة الحسنة" ٦؛ لأن التشاؤم والتطير وسوء الظن من العوامل التي تؤدي إلى الكآبة والقلق وعدم راحة البال.
ثم إلى جانب دعوته نهى عن الأمور التي تجعل الحياة النفسية ظلاما قاتما، وتزيل عنها كل البشاشة والبهجة كالتباغض والتحاسد والحقد وما إلى ذلك من الرذائل النفسية، ولهذا قال: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا" ٧، وقد عد بعض علماء النفس هذه الرذائل الأخلاقية من الأمراض النفسية والاجتماعية.
стр. 109
ثم دعا إلى المحبة؛ لأنها تضفي على حياة الناس البهجة والنشاط والفاعلية، ولهذا قال الرسول ﷺ : "إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله"، قالوا يا رسول الله تخبرنا ما هم، قال: "هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" ١.
ومن التوجيهات الخلقية للحياة الداخلية:القناعة والرضا، القناعة بما في يدك وعدم التطلع لما في أيدي الناس؛ لأن الغنى كما قال الرسول ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" ٢؛ لأن النفس بغير القناعة لا تشبع بالمال والعرض ولو ملكت الدنيا، وما دام المرء لم يشبع فإنه يشعر بالضيق والكآبة كأنه لا يملك شيئا، إذن ليس هناك وسيلة لإشباع النفس إلا امتلاك القناعة، ثم رضى المرء بما هو فيه له دور كبير في طمأنينة الحياة الداخلية؛ لأن عدم الرضا يؤدي إلى التبرم والضجر، وكما أن الرضا وسيلة لتهدئة النفس من الملمات والمصائب التي لا مخرج منها، فهو وسيلة أيضا للشعور بالغنى إذا رضي الإنسان بما في يده، ولهذا قال الرسول: "ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس" ٣.
стр. 110
ووسيلة امتلاك الشعور بالرضا هي: أن ينظر الإنسان في المال والصحة إلى من هو دونه، ولهذا قال الرسول ﷺ : "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم" ١.
ولا ينبغي أن يفهم من هذا أن في الأخلاق الإسلامية دعوة إلى الاتكال والتكاسل والدعة وإسقاط الهمم العالية، إذ أن هناك فرقا في التنافس بين ميدان وآخر.
ففي ميدان الصحة والمال لا ينبغي التنافس والتباهي، بينما الأمر ممدوح في ميدان الفضائل الإنسانية ومكارم الأخلاق، فالمبدأ المذكور في حديث الرسول السابق ضروري لترضية النفس وتهدئتها، ولا يمنع ذلك من السعي إلى معالى الأمور مثل: الأعمال العلمية وعمل الخيرات ومكارم الأخلاق التي يمدح فيها الناس ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ ،٢ وفي ذلك فليتقدم من يشاء، وفيه قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ ٣.
ومن تلك التوجيهات أيضا دعوته إلى جعل الإرادة العاقلة الخيرة مسيطرة على أعمال النفس ونزعاتها وأهوائها، هذه الإرادة هي التي ينبغي أن تحكم قوى النفس ونزعاتها الأخرى مثل: قوة الغضب وقوة الشهوة، ومثل نزعة الانتقام والشح والأنانية.
ومن هنا نرى الإسلام يدعو إلى تحكم الإرادة في هذه القوى، فدعا إلى