فردية واجتماعية معا، وذلك بصرف النظر عن سمته الغالبة وعما يتراءى للناس من مظهره الخارجي.
لكن هل النظام الأخلاقي في الإسلام يراعي مصلحة الفرد أو مصلحة الجماعة من الناحية التشريعية؟ ليس من الممكن أن نؤكد بصفة عامة أنها أخلاق فردية فحسب أو أخلاق اجتماعية.
стр. 422
أنواع الأخلاقيات في إطار الأخلاق الإسلامية
النوع الأول: ينزع منزعاً فردياً
...
ثالثا: أنواع الأخلاقيات في إطار الأخلاق الإسلامية:
نستطيع أن نفرق بين ثلاثة أنواع متميزة من الأخلاق في هذا المجال في إطار أخلاقي في الإسلام.
النوع الأول: ينزع منزعا فرديا:
رأينا أن السلوك لا يوصف بأنه أخلاقي إلا إذا كان يتسم بالغيرية، ولو كان الهدف منه الذات الفاعلة نفسها. وبقدر ما تجرد من الأنانية واتسم بالغيرية كانت الصفة الأخلاقية فيه أبرز وأوضح. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يصح لنا أن نصف السلوك الفردي الذي يدور حول الذات الفردية وحدها بأنه سلوك أخلاقي؟ وكيف نجمع الفردية الأنانية والغيرية في آن واحد؟
هذا يمكن جمعه وتصوره من الناحية النظرية والعملية معا، ولتجسيد هذه الفكرة يمكن أن نضرب لذلك مثلا بالشخص المنتحر فهو من ناحية فاعل ومن ناحية أخرى مفعول، ومن الناحية الغائية أصبحت الذات الفاعلة نفسها وسيلة وغاية في الوقت نفسه، إذ يمكن أن نتصور الذات فردين من هذه الزاوية لوجود الطرفين في السلوك مع الغاية، ونستطيع تقويم أي سلوك من هذا القبيل بالمعايير الأخلاقية: فالانتحار هنا فعل شر وغير أخلاقي؛ لأنه فعل هدام وليس بناء وهو يهدف إلى هدم شيء قيم هو إنسان ثم إنه يصدر بنية إعدام قيمة.
стр. 423
ثم إن النفوس في نظر الإسلام متساوية من حيث الأصل وهي ملك الله فلا يحق لأحد أن يتصرف فيها، ولو في نفسه كما يشاء، بالإهمال، أو الإهدار ولهذا فالإنسان يلقى عقابا من الله على إهدار نفسه كما يعاقب على إهدار نفس غيره، لذا حرم الانتحار فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ١. وقال الرسول ﷺ : "كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا حز بها يده فما رقأ الدم حتى مات قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة" ٢.
هذا من ناحية الإضرار بالنفس بقصد أو بغير قصد، أو من زاوية النظر إلى العمل الفردي الشخصي غير الأخلاقي، ولننظر إلى العمل الشخصي النافع أو الأخلاقي ولنضرب لذلك مثلا بشخص آخر يعتني بصحته ويهدف من وراء ذلك إلى القيام بأعمال يعود نفعها على نفسه وعلى غيره، فالاعتناء بالصحة عمل شخصي ولكنه عمل بناء بصرف النظر عن غايته، وكما أنه مفيد نافع لذاته فهو مفيد لغيره أيضا؛ لأن الناس الآخرين ينتفعون من صحته وأعماله بطريق غير مباشر وإن لم يكن قد قصد ذلك، هذا إلى أنه متى قصد منه خدمة الناس اعتبر هذا العمل أخلاقيا من ناحيتين معا: من ناحية المظهر ومن ناحية المعنى؛ لأنه يهدف إلى دوام قيمة من ناحية، وإيصال قيم إلى الآخرين من ناحية أخرى ولهذا قد عد الرسول ﷺ عمل الإنسان الخير لنفسه عملا أخلاقيا فقال: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا" ٣.
стр. 424
بل إن الإسلام عد كل عمل إيجابي بناء، ولو كان من الأعمال العادية عملا أخلاقيا خيرا، ما دام يتم ذلك بنية الخير، بل إن إشباع المرء لحاجاته الأولية يعد خيرا بتلك النية الخيرة.
نخلص من هذا كله إلى أن عمل الإنسان لنفسه على اعتبار أنه فرد من المجتمع له قيمة أخلاقية؛ لأنه مكلف برعاية هذه النفس وحفظها وهذا يعد عملا أخلاقيا واجتماعيا من ناحيتين: الأولى أنه بذلك يؤدي واجبا إلهيا.
والثانية أنه بذلك يضع حجرا سليما في بناء المجتمع؛ لأن سلامة هذا المجتمع متوقفة أيضا على سلامة أفراده ولهذا كان الرسول ﷺ دقيقا للغاية عندما شبه في الحديث السابق المجتمع بالجسد الواحد، والأفراد بالأعضاء١. إذن عمل الإنسان الشخصي يدخل من هذه الزاوية في إطار الأخلاق الفردية، وإن لم يخلُ في الوقت نفسه من صبغة اجتماعية.
стр. 425
النوع الثاني: ينزع منزعا اجتماعيا:
وهذا النوع ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول، وهو الأعمال التي يقوم بها مجموعة من الناس بقصد تحقيق غايات تتصل بهم أو بغيرهم وهذا النوع من الأخلاق منه واجب ومنه ما ليس واجبا فالدفاع عن الدين والوطن ضد الاعتداءات الخارجية واجب اجتماعي وليس المسئول عنه هنا فرد معين أو طائفة معينة بل المسئول كل المجتمع وكل فرد قادر على الدفاع ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ .١
стр. 426
وكذلك قتال العابثين بأمن المجتمع ونظامه سواء كانت هذه الجماعة الخارجة من المسلمين أو غير المسلمين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١. ويصبح هذا الواجب عينيا في كلتا الحالتين إذا لم يتم إلا بمشاركة الجميع، ويدخل في هذا القسم كل تعاون جماعي في سبيل الخير إذا كان عمله يحتاج إلى هذا التعاون ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
أما القسم الثاني: فهو كل الأعمال التي يقوم بها المرء من أجل الغير بإرادة مخلصة لإيصال الخير إلى الغير، وهذا الشرط الأخير هو الفيصل الحاسم بين السلوك الفردي والاجتماعي بين السلوك العادي والسلوك الفاضل. أو السلوك الأخلاقي وغير الأخلاقي.
ذلك أنه لو قصد من إيصال هذا الخير مقابلا -أيا كانت صورته- المَنَّ أو التظاهر.. إلخ فإن هذه العملية لا تعد عملية أخلاقية وإنما تعد -كما قلنا- صفقة تجارية, والإ فما الفرق بين تاجر يعطي البضاعة ويطلب بدلها نقدا أو تعويضا وبين هذا الإنسان الذي يريد مقابل عمله شيئا آخر بل قد يكون ضرر هذا أكثر بالنسبة للغير؛ لأنه ربما كان هذا يريد من مساعدته مقابلا أكثر مما يستحق عمله فهو بذلك يكون مرابيا؛ لأن إرادة الربا ربا أيضا.
ومن هنا نرى أن كثيرا من الهدايا والمساعدات تجلب الخصومة والفرقة بين
стр. 427
الناس؛ لأن هؤلاء عندما لا يحصلون على رغباتهم يلومون أولئك ويمنون عليهم, ولهذا كله قد منع الإسلام اتخاذ الأخلاق مآرب شخصية ووسائل تجارية، فقال تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ ١, ووعد بمكافأة الذين لا يبتغون من وراء أعمالهم الخيرة المقابل أو المن فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ٢.
ومتى أردنا تقويم الأخلاقين الفردية والاجتماعية وجدنا أن الثانية أكثر التصاقا بالتفكير الأخلاقي من الأولى، من حيث المفهوم ومن حيث الغاية أيضا ذلك أن المقصود من الأولى خير الفرد في الدرجة الأولى بخلاف الثانية إذ المقصود منه خير المجموع في الدرجة الأولى، كما أن الأولى مهما كانت غايتها خيرة فإنها أكثر تعرضا للتهمة بالأنانية، ثم إن خير المجموع أفضل من خير الفرد بصفة عامة؛ لأن الفرد وخيره يعتبر قيمة واحدة بالنسبة إلى الجماعة التي هي مجموع قيم الأفراد ولهذا فإن الثانية ينبغي أن ترجح منطقيا في التنظيم الأخلاقي للحياة الإنسانية وإن كان لا يقتضي ذلك بصفة عامة إهدار قيمة الفرد في سبيل خير المجموع، وجعله مجرد وسيلة في يد الجماعة لتحقيق النفع لها؟
وينبغي أن نفرق هنا بين حالتين: حالة الضرورة وحالة الحرية، فإذا اقتضى الأمر في الحالة الأولى إهدار قيمة الفرد أو مصلحته من أجل إنقاذ قيمة الجماعة ومصالحها فلا مانع من ذلك بل هو واجب ولهذا يجب التضحية بالنفس في سبيل الدفاع عن الدين والوطن ضد الاعتداء الخارجي أو الداخلي ويجب ترجيح مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد إذا كانت مصلحته تعوق تحقيق مصلحة الجماعة.
стр. 428
فمثلا إذا كان فتح الطريق يقتضي هدم بيت واحد من الناس فليهدم ويعوض إذا كانت الجماعة قادرة على التعويض، ولا يحق كذلك للفرد احتجاز واستملاك المنافع العامة١, ولكن لا ينبغي أن يفهم من هذا أن من حق مجموعة من الناس إذا اقتضت مصحلتهم المادية قتل إنسان وأخذ ماله، هذا شيء وما نقوله شيء آخر.
وفي الحالة الثانية؛ يفضل العمل من أجل الجماعة على العمل من أجل فرد واحد, فلا شك إن إيثار الغير على النفس في الخيرات من أجل الفضيلة هو عين الفضيلة وهو عين الأخلاق ولهذا مدح الله الإيثار فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
ولا ينبغي أن يفهم هنا تعارض بين هذه الآية وبين قول الرسول ﷺ السابق: "ابدأ بنفسك في الإنفاق" إذ إن الحديث في حالة الضرورة فيما إذا كان الإيثار فيه هلاك لنفسه فالإنسان قد يعطي ما لديه من القوت وهو قوام حياته ولا يأكل منه حتي يمرض أو يموت وذلك إيثارا للفضيلة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ ٣؛ لأن الحفاظ على الحياة فضيلة أيضا كما بينا ولأن قيمة النفس أغلى من قيمة الإنفاق في مثل هذه الحالة. إذن مهما يكن من تعارض بين الفردية والغيرية في الظاهر
стр. 429
فلا بد من الاعتراف بهما معا في الحياة العملية مع التنسيق بينهما.
حقا إن التنسيق بينهما من الصعوبة بمكان ولكن التنسيق أمر لا مفر منه, ولقد استطاع الإسلام تحقيق ذلك التنسيق وذلك بإعطاء كل منهما قيمة مع ترجيح الغيرية بالجبر أحيانا والاختيار أحيانا أخرى ومع ترجيح الأنانية أيضا في الحالات ثم ترك حرية الترجيح لأحد الأمرين إلى ضمير الفرد في بعض الحالات في الحياة العامة.
وخلاصة القول: إن الإسلام اعتبر الفرد الحجر الأساس في المسئولية: مسئوليته عن نفسه ومسئوليته عن غيره وقد حدد له حقوقا وفرض عليه واجبات وترك له مجالا لحرية العمل يكافأ إن عمله ولا يعاقب إن تركه.
وأخيرا فإن المرء متى أدى واجباته الأخلاقية نحو نفسه أو غيره بروح من الإخلاص فإن سلوكه يعد سلوكا أخلاقيا، ولهذا قال الرسول ﷺ : "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" ١, وقال أيضا: "على كل مسلم صدقة, قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق, قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف, قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير, قيل: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة" ٢.
стр. 430
النوع الثالث: أخلاقيات الحاكم المسلم
قد يبدو هذا التقسيم غريبا لأول وهلة ولا سيما إذا نظرنا إليه من زاوية
стр. 431
الأخلاق التقليدية الشائعة غير أن من يتأمل في النصوص الإسلامية ويتحقق في فحص التفكير الأخلاقي في الإسلام يجد ذلك حقيقة ويجد فيه حكمة.
وإذا نظرنا إلى هذا النوع من الأخلاق من الزاوية الفردية والاجتماعية وجدناه وسطا بينهما، ذلك أن الحاكم من حيث إنه فرد من المجتمع ينبغي أن يتصف بما يتصف به أي فرد ومن حيث إنه يمثل جماعة فينبغي أن يكون رمزا مثاليا لإرادة وأخلاقية هذه الجماعة في شخصيتها وفي تنفيذ قوانينها، ونتيجة لذلك فقد تحمل مسئوليات تتجاوز حدود مسئوليات أي فرد آخر وأصبح هناك فرق بين عمله وبين عمل غيره ومن ثم اقتضى الأمر الالتزام ببعض الأخلاقيات الخاصة به بصفته حاكما ولا أقصد من الحاكم رئيس الدولة فحسب، بل أقصد أيضا كل من يتولى وظيفة اجتماعية تتصل بتحمل مسئوليات تتجاوز حدود مسئوليات الفرد العادي، ومن ثم كان عليه أن يتصف ببعض أخلاقيات خاصة, وأهم هذه الأخلاقيات ما يلي:
١- فضيلة العدالة في الحكم١:
العدالة فضيلة في مجال الحكم وقصاص في مجال المعاملة، والعادل ممدوح في المجال الأول وليس بممدوح ولا بمذموم في المجال الثاني والحاكم مطالب بالعدالة وملزم بها بينما غير الحاكم مخير بين أخذ حقه كاملا بالتساوي وبين التجاوز عنه أو عن بعض حقه وإذا عفا يكون فاضلا وإن لم يعف لا يكون فاضلا ولا يكون كذلك ظالما: ذلك أن الإسلام قد حدد موقفه في ثلاث تصرفات أخلاقية في
стр. 432
التعامل الاجتماعي، فالأولى الأثرة: وهي مذمومة عموما إلا فيما يتعلق باسترداد الحقوق؛ لأن الأمر إذا كان متعلقا بالمال فاسترداد المرء لأكثر من حقه ظلم لأنه يعتبر غصبا أو ربا, والثانية: الإيثار وهو التجاوز عن حقه أو بعضه وهذا فضيلة؛ لأنه صدقة، والثالثة: العدالة وهي أن يأخذ حقه دون زيادة أو نقصان وهذا ليس بفضيلة ولا برذيلة، ولهذا ذم الله السلوك الأخلاقي الأول وأشاد بالثاني وسكت عن الثالث في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ, وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ, إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. ونجد الروح نفسها في آية الربا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ, فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ, وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢, وأوضح من هذا كله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣.
هذا دليل نقلي والدليل العقلي يقتضي أيضا ألا يكون في العدالة فضيلة وقيمة أخلاقية في هذا المجال؛ لأنه لم يفعل شيئا سوى أن أخذ حقه كاملا، فالفضيلة تأتي من الإيثار وليس في ذلك إيثار ولا عمل من أجل الغير اللهم إلا
стр. 433
أنه اعتدل في معاملته لغيره فلم يظلم ولم يتعد حدود حقه في مظلمته، أما العدالة في ميدان الحكم فقد جاء الثناء على العادل ووعد الله له بالمكافأة الجزيلة في الآخرة؛ لأن العدالة هنا منتهى الأخلاق وعدمها منتهى الظلم، وقد وردت نصوص كثيرة في القرآن والسنة تدعو الحكام إليها وتشوقهم وتحرضهم عليها وتنذرهم من الخروج على العدالة بالعقاب والعذاب الأليم، من هذه النصوص قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ١, ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ٢, ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٣.
وقال الرسول ﷺ : "من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ومن غلب جوره العدل فله النار" ٤, وقال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة الله ... " ٥. وقال: "أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال" ٦.
وهكذا نجد الفرق بين المقامين مقام الحكم ومقام المعاملة العادية، ولقد فرق الدكتور "محمد عبد الله دراز" أيضا بين المقامين فقال: "فمقام الحكم هو مجال العدل الدقيق الصارم ومقام المعاملة هو مجال العفو والمسامحة والمكارمة والمجاملة"٧.
стр. 434
هذا فيما يتعلق بالحاكم بصفة الحاكم في مجال الحكم والقضاء، ولكن الأمر يختلف فيما يتعلق بحقوقه الخاصة في مجال التعامل الاجتماعي فالتجاوز عن حقه هنا يعتبر فضيلة بل أكبر من فضيلة تسامح أي إنسان؛ لأنه بالرغم من سلطته ونفوذه يتخلى عن حقوقه ويتسامح فيها، فالعفو عند المقدرة أكثر فضيلة منه عند العجز. والفرق بين المجالين أن الحقوق في المجال الأول حقوق الناس وهو مكلف برد الحقوق إلى أصحابها وليس له حق في التجاوز عنها بالمحاباة لقرابة أو شفاعة أو لمركز، ولهذا فلم يقبل الرسول ﷺ شفاعة أسامة بن زيد في إقامة الحد على المرأة المخزومية التي سرقت قائلا: "أيها الناس إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ١.
وأما الحقوق في المجال الثاني فمن حقه التصرف فيها كما يشاء بالاسترداد أو بالعفو.
وهكذا نجد أن أخلاقية العدالة تختلف من الحاكم إلى غيره من حيث الفضيلة ومن حيث المسئولية أيضا.
٢- ومن أخلاقيات الحاكم المسلم أيضا عدم قبوله الهدية ممن يشمل عليه حكمه وسلطانه؛ لأن قبول الهدية يكون موضع سوء الظن من الناس لمحاباة الحاكم للمهدي، ولأن الإهداء إلى الحاكم يكون غالبا مصحوبا بالغرضية ويفيد الرشوة ثم إن الحاكم الذي يقبل الهدية يتأثر غالبا بالميل إلى الذي أهداه في القضايا والخصومات، ولهذا منع الرسول ﷺ قبول ولاته وعماله الهدايا عندما حدث أن
стр. 435
أحد عماله قدم بصدقات جهة من الجهات وقال للرسول: هذا لكم وهذا لي قد أهدي لي فقال الرسول ﷺ : "ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، فلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا، والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تَيْعَر" ١, وقال بعض العلماء: إنها لسحت وأن ما أخذ عليه رده إلى مهديه فإن تعذر فإلى بيت المال٢.
٣- لقد جاء في أدب القاضي صفات كثيرة خاصة به ينبغي أن يتحلى بها في مجلسه ومعاشرته مع الناس ونذكر منها: كراهة مباشرته البيع والشراء, وألا تخل تصرفاته العامة مع الناس بالوقار والرزانة والنزاهة، ومن أدبه أن يسوي بين الخصوم في المقابلة ولو كان أحدهم عدوه، في الالتفات واللحظ والخطاب والدخول عليه والإنصات وما إلى ذلك٣.
٤- خاصية المسئولية الأخلاقية للحاكم. إجبار المحكومين على تطبيق الأخلاق.
لقد بينا في المسئولية مدى مسئولية الفرد عن سلوك الغير ولكن هناك فرقا بين تلك المسئولية الغيرية للشخص العادي وبين مسئولية الحاكم عنها، ذلك أن الفرد العادي لا يستطيع إجبار الناس على تطبيق المبادئ الأخلاقية في الحياة العامة؛ لأنه لا يملك هذه السلطة بخلاف الحاكم فإنه مالكها وقد خوله هذا المجتمع فلا يكون له العذر بالعجز وإذا لم يطبق ذلك لعدم إيمانه بهذه المبادئ يكون كافرا
стр. 436
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١؛ لأن الآية السابقة قد وصفتهم بالكفر لعدم إيمانهم بتلك المبادئ.
وإذا ترك ذلك إهمالا أو ظلما فيكون ظالما ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢, ومعلوم أن هذه الآية قد نزلت بعد آية القصاص وإذا لم يطبق القصاص يظلم الناس بعضهم بعضا ويتعدون أكثر مما يتعدى عليهم وينتشر الثأر وهذا ظلم والسكوت على الظلم ظلم أيضا والقصاص يمنع الظلم؛ لأنه يمنع تجاوز الحدود في القود، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ٣, وإذا أراد انتشار الفساد من عدم تنفيذ ذلك يكون فاسقا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٤؛ لأن إرادة الفساد فسق ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ٥, والدليل على صدق ما نذهب إليه سياق هذه الألفاظ نفسها فهي تعبير عما يدور في نفوس أولئك الحكام الذين لا يطبقون تلك المبادئ لوجود إحدى هذه الحالات الثلاث وإلا فما الذي يمنعهم من تطبيق ذلك مع وجود إمكانات في أيديهم.
ولا ينبغي أن يفهم من الحاكم هنا -رئيس الدولة فقط- بل المقصود كل رئيس جماعة أو إدارة أو مؤسسة أو رب أسرة فكل واحد مسئول عن أخلاق مؤسسته أو إدارته أو بيته والسكوت على اللا أخلاقية مع قدرته على منعها يدل على اللا أخلاقية, ثم إن الفرد العادي غير مسئول عن البحث عن مواضع الفساد لإزالته وإنما هو مسئول فقط بحسب قدرته التي ذكرناها عن فساد يراه ولم ينكره
стр. 437
أما الحاكم فمسئول عن فساد المجتمع ومواضع الفساد فيه أيضا. ولهذا فقد جعل الرسول ﷺ في حديث المسئولية -الذي ذكرناه في المسئولية- كل صاحب أمر وسلطة مسئول عمن ينفذ عليه أمره وسلطانه اعتبارا من الأمير إلى رب الأسرة وقال عمر بن الخطاب: "والله لو أن ناقة انتكست في أصقاع العراق لكنت مسئولا عنها" لعدم تمهيده الطريق للمسافرين.
فمسئولية الحاكم أكبر وأوسع نطاقا من مسئولية أي فرد آخر وأن جزاءه كذلك أكبر ولهذا قال الر سول ﷺ : "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" ١, وقال أيضا: "من من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة" ٢.
والآن بعد هذه المعالجة لهذا الموضوع ننتهي إلى أن الإسلام يعتمد في تنظيمه الأخلاقي للحياة الاجتماعية على فلسفته الأساسية في قيمة الفرد والمجتمع والسلوك الأخلاقي نفسه. فالفرد له طبيعته وشخصيته المستقلة ومن ثم له قيمة مستقلة أيضا وبناء على هذه الفكرة ينبغي احترام متطلباته الطبيعية عن طريق إتاحة الفرص لتحقيقها ومن ضمن متطلباته أن يعيش في مجتمع من جنسه وذلك ضرورة وفطرة.
ولكن الحياة في المجتمع تتطلب نظاما أو أخلاقا؛ إذ لو تركت الحرية للفرد لتحقيق رغباته فيها فقد يستغل المجتمع لتحقيق مآربه وحاجياته ويتخذ المجتمع وسيلة وغرضا، وهذا النظام ينبغي ألا يسمح باستغلال الآخرين والإضرار
стр. 438
بهم في سبيل مصلحة الأفراد. ولكن ينبغي كذلك ألا يسمح للجماعة باستغلال أفرادها باتخاذهم وسائل لتحقيق أغراض وتسخيرهم لذلك إذ في ذلك إهدار لقيمة الإنسان ولهذا قال رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" ١.
إذن ينبغي أن تقوم هذه العلاقة بين الفرد والمجتمع على مبادئ أخلاقية من شأنها أن تمنع الاستغلال والتسخير من أحد الطرفين للآخر ومن شأنها أن تؤدي إلي التنسيق بين المتطلبات الاجتماعية والفردية وتؤدي في الوقت نفسه إلى حياة مستقرة آمنة مطمئنة، هذا ومن الضروري أن تكون هناك سلطة تنفيذية لتنفيذ هذا النظام لإرغام الناس على احترامه، وهذه السلطة يجب أن تخضع بدورها لمبادئ أخلاقية حتى لا تستغل نفوذها وتصبح مجتمعا مستغلا داخل المجتمع الكبير فيعيش على حساب المجتمع حياة مترفة باستعباد أفراده واستغلالهم لنفسه، إذن لا بد من أن تكون هناك أخلاقية خاصة للحكام تمنعهم من الاستغلال والسطو وتلزمهم بتنفيذ ذلك النظام لتأمين الحياة الاجتماعية.
وهكذا فعل الإسلام لقد راعى هذه الأمور كلها في نظامه الخلقي وحدد أخلاقية الفرد وأخلاقية المجتمع ثم أخلاقية الحكام ووفقا لهذه الفلسفة الأخلاقية وضع نظامه التشريعي في شئون الحياة في المجالات المختلفة.
стр. 439
خاتمة أهم النتائج والتوصيات
مدخل
...
خاتمة أهم النتائج والتوصيات
خلال دراستنا للموضوعات السابقة خرجنا ببعض النتائج الهامة وهذه النتائج مجتمعة تبرز بصفة عامة خصائص الأخلاق الإسلامية، ولا أريد هنا عرض جميع تلك النتائج عرضا مفصلا بل أرى الاقتصار على خلاصة ما هو ضروري.
وفيما يلي نذكر تلك النتائج الهامة:
стр. 440
أولا: أهم النتائج:
١- توسيع الإسلام نطاق مفهوم الأخلاق وميدان العمل بها ، وإعطاؤه الأهمية الكبرى لها:
فمن حيث المفهوم يدخل في نطاق الأخلاق كل سلوك إرادي صادر من إنسان راشد من حيث الخير والشر والحسن والقبح، ليس السلوك هو الفعل الظاهر فحسب بل إن عمل القلب من النية والإرادة والاعتقاد يدخل في السلوك وتترتب عليه المسئولية والجزاء كما تترتب على الفعل المادي الظاهر إلا ما استثنى منه، سواء كان هذا السلوك ينظم علاقة الفرد بنفسه أو بالناس أفرادا وجماعات أو بالكائنات الحية الأخرى.
ومن هنا تصبح الحياة كلها ميدانا للعمل الأخلاقي ذلك أنه ما من عمل إلا ويكون له صلة مباشرة أو غير مباشرة بجهة أو أكثر من الجهات المذكورة.
وبناء على ذلك لا بد من أن يخضع هذا السلوك لنظام ولمعيار يتحدد بحسب العلاقة بين الذات الفاعلة وبين الطرف الآخر الذي له صلة بها من حيث العمل ومن حيث الغاية أو من حيث العملية والغاية القصدية.
والإسلام في كل ذلك لم يكن خياليا في التنظيم الأخلاقي لسلوك الأفراد.
стр. 441
والجماعات بل كان عمليا حيث إن هذا التنظيم يتسق تمام الاتساق مع قوانين الحياة والطبيعة فهو قد امتاز بذلك كله على بعض الأخلاقيات الفلسفية مثل الأخلاق المادية الوضعية والأخلاق الكانطية والأرسطية التي تحصر الأخلاق على العلاقة بين الإنسان والإنسان فقط١، ويمتاز كذلك على بعض الأخلاق الدينية القديمة التي تقصر الأخلاق على ما بين الإنسان وبين الله. ويمتاز أخيرا على الأخلاق الاجتماعية التي تقصر الأخلاق على العلاقات الاجتماعية بين الفرد والمجتمع٢.
وهكذا نرى أن الأخلاق الإسلامية قد جمعت بين الأخلاق الفلسفية والدينية والاجتماعية معا. ولقد كان الرسول ﷺ صادقا عندما قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ٣, وصدقه الله تعالى عندما قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٤.
стр. 442
٢- أصالة الأسس التي أقام عليها الإسلام نظامه الأخلاقي:
لقد أقام الإسلام صرح الأخلاق على أسس لا غنى عنها، ولننظر إلى مدى ضرورة كل واحد من الأسس السابقة، فقد كان الأساس الميتافيزيقي والاعتقادي ضروريا للأخلاق؛ لأنه يوجه الإنسان إلى طريق الحق في التفكير وطريق الخير في السلوك؛ ولأنه يعد أقوى إلزام للإنسان باتباع هذا الطريق أو ذاك.
стр. 443
وضرورة الأساس الواقعي والعلمي تظهر في أمرين أولها: أن مراعاة الواقع وقوانين الطبيعة الكونية عامة شرط أساسي حتى تكون الأخلاق واقعية، وصالحة للتطبيق العملي في ظروف وأزمان مختلفة. وثانيهما: أن هذا الأساس الواقعي دافع إلى الالتزام بالأخلاق على أساس أنها أسلم طريق يحقق المطالب الأساسية للإنسان ويوجهه إلى حياة فاضلة تتناسب مع مكانته ومركزه في الكون.
ولا يخفى علينا أيضا مدى ضرورة الأساس القائم على مراعاة الطبيعة الإنسانية لدوام النظام الأخلاقي، ذلك أن أي نظام لا يراعي هذه الطبيعة من حيث متطلباتها الضرورية وإمكاناتها العملية فلا بد من أن يكون منبوذا ومنافيا لهذه الطبيعة ولا بد من أن يبوء بالفشل أخيرا.
والنظام الأخلاقي في الإسلام لم يكتفِ -كما رأينا- بمراعاة تلك الطبيعة من حيث حاجاتها وإمكاناتها بل وجهها نحو أفضل وأسمى حياة, فيها سعادتها وفلاحها في العاجل والآجل.
وكذلك لا يمكن الاستغناء عن أساس الإلزام والالتزام، وخاصة إذا كان هذا الأساس قد جمع جميع عناصر الإلزام وكان مراعيا في ذلك طبيعة الإنسان وكرامته.
أما أساس الحرية والمسئولية فيحتمه التفكير الأخلاقي من ناحية، ووضع الإنسان أمام خالقه من ناحية ثانية ثم تحمل الإنسان مسئولياته بنفسه عن جدراة وقبوله لأداء تلك الأمانة الأخلاقية عن اختيار وحرية، وتوافر هذه الأمور مجتمعة في هذين الأساسين يوحي إلى الإنسان بالشجاعة الأدبية لتحمل
стр. 444
مسئولياته والقيام بواجباته الأخلاقية خير قيام؛ لأنه قادر حر يستطيع القيام بها.
وأما أساس الجزاء فهو الذي يعطي للأخلاق -في الحقيقة- قيمة ومعنى إذ بدونه تصبح الأخلاق سلوكا جافا لا يقوم على عدل ولا يجذب الناس إلى العمل به والجزاء بقدر ما يكون عاما ومتنوعا بقدر ما يضفي على الأخلاق قيمة ومعنى وثراء.
ولهذا نرى أن الإسلام قد نوع الجزاء الأخلاقي وربط سعادة الإنسان وفلاحه به، وقد شرحنا أصالة كل تلك الأسس وما أتى به الإسلام فيها من جديد وما أكمل فيها من نقص، بحيث يمكننا القول عندما نقارنها بغيرها: إن الإسلام قد فاق الأخلاقيات الأخرى في هذه النقطة أيضا، من حيث تنوع وتعدد الأسس التي أقام عليها بناءه الأخلاقي ومن حيث الخصائص التي أضفاها على كل واحد منها.
стр. 445
٣- وضع الإسلام معايير متعددة لقياس الأخلاق ولبيان قيمتها:
إن الإسلام لم يكتفِ بوضع معيار واحد لقياس العمل الأخلاقي كما فعلت كل أخلاقية أخرى إذ وضعت لنفسها معيارا واحدا, بل إنه نوَّع المعايير وقد بينا أهمها من قبل، وهي الشرع والعقل ثم الإرادة والغاية والضمير الأخلاقي, ولكن قد يرد هنا سؤال وهو هل تعدد المعايير يعد ميزة؟
الجواب على ذلك أنه إذا كان اختلاف المعايير يؤدي إلى قياس القيمة من عدة وجوه أو يساعد الناس على قياس السلوك الأخلاقي بوضوح فلا شك أنه يعد
стр. 446
ميزة في هذه الحالة, أما إذا كان اختلافها يؤدي إلى اختلاف الناس في التقويم الأخلاقي، فلا شك أنه في هذه الحالة لا يعتبر ميزة، ولكن مهما كان الأمر فإن ذلك لا يدل على أن الشيء ليس له إلا قيمة واحدة, بل إنه قد يكون لشيء واحد عدة قيم، ولنضرب لذلك مثلا معدن الذهب فإن له قيمة موضوعية اتفق عليها جميع الناس في جميع البقاع ولكن هذه القيمة قد تختلف بالزيادة أو النقصان بحسب التشكيل والتصنيع والوضع والزمان وباختلاف الناس المقيمين.
فالصراف مثلا ينظر إليه باعتبار أنه نقد يروج في جميع البلاد وتزيد قيمته في نظر الصانع والفنان، وتزيد على هذا وذاك في نظر المُهْدَى إليه إذ كان قد قدم إليه كرمز للتفوق العلمي أو الأدبي من رئيس دولة، وهكذا توجد معايير مختلفة لقياس قيمة هذا الشيء فهناك معيار موضوعي مشترك وهناك معيار فني وهناك أخيرا معيار رمزي. وتختلف قيمته باختلاف المعيار.
وكذلك السلوك الأخلاقي له قيمة لدى جميع الناس ولكن هذه القيمة تختلف باختلاف معاييرهم فمنهم من يقيسها بالمعيار العقلي والآخر يقيسها بالمعيار الجمالي والأخير بالمعيار النفعي وما إلى ذلك، وكل يعطي له قيمة بحسب معياره وتزيد هذه القيمة في نظر إنسان يقيسها بجميع تلك المعايير.
كما أن اعتداد الإسلام بالعقل معيارا للأخلاق يدل على أن الأخلاق ليست أمرا تعبديا ومسألة ميتافيزيقية بحتة كما يدعي البعض.
стр. 447
٤- تقويم الإسلام للأخلاق تقويما متكاملا
إن الأخلاق تكتسب قيمتها في نظر الإسلام من أربعة روافد:
الأول: القيمة الإلهية باعتبارها وحيا إلهيا وإرادة إلهية وكل ما يوافق إرادة الله يكون له قيمة وقداسة عند المؤمن.
الثاني: القيمة الإنسانية: لأن الإنسان له قيمة والأخلاق من الناحية العملية فعل إنساني ولأن إرادة الإنسان وغايته تلعبان دورا هاما في قيمة الفعل الأخلاقي بل تعتبران روح السلوك الأخلاقي. ولقد حددنا أن الإرادة والغاية الأخلاقية لا بد من أن تكونا أخلاقيتين وهنا ينبغي أن نفرق بين الغاية الفعلية والغاية القصدية، فالأولى هي نتيجة الفعل الأخلاقي التي ينتهي إليها الفعل، وأما الثانية فهي ما ينبغي أن يقصده الفاعل عند الفعل وهو وجه الله، ولا ينبغي أن يقصد الإنسان فقط النتيجة العملية أو الفائدة المادية التي تترتب على العمل الأخلاقي، سواء أكانت من الله أو من الناس أم ما ينبع من الفعل نفسه، وإلا فالأخلاق تتحول عندئذ إلى صفقة تجارية أو وسيلة نفعية.
الثالث: القيمة المادية: لأن الأخلاق مهما كانت بعيدة عن المادة من حيث المصدر والغاية فإنها متصلة بالمادة ويترتب عليها جزاء مادي ومعنوي ولقد وعد الله المتمسكين بالمبادئ الأخلاقية بالجزاء المادي عاجلا أو آجلا.
الرابع: القيمة النظرية: فالحق والباطل قيمتان، الأول خير والثاني شر. والأول علم، والثاني جهل. والأخلاق هدفها الخير أو جلب الخير ولهذا فإن
стр. 448
مبادئها مبنية على الحق وعلى العلم وتدعو إلى الحق وإلى العلم وتنهى عن الباطل والجهل، ثم إن الأخلاق سلوك جميل والجمال له قيمة في نظر الإنسان.
إذن قيمة الأخلاق في الاتجاه الإسلامي قيمة عظيمة تجمع بين قيم السماء والأرض ولهذا فقد اهتم الإسلام كل الاهتمام بالأخلاق، ويدعو الناس إليها دائما؛ لأن سعادة المرء مرهونة بها في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى أيضا.
стр. 449
٥- الاتجاه الأخلاقي في الإسلام يجمع وينسق بين الفردية والاجتماعية:
قد قرر الإسلام للإنسانية حقوقا بصورة لا نجد لها مثيلا في أي نظام من النظم الحالية فهو أولا أعطى قيمة للفرد أو قرر له قيمة إنسانية كما أعطى له حرية لممارسة حقوقه الطبيعية فردا إنسانيا في إطار الأخلاق ثم جعله مسئولا عن تصرفاته أمام الله وأمام ضميره ومجتمعه.
وكذلك أعطى قيمة للمجتمع وقرر حقوقا له بناء على تلك القيمة ثم أقام التنسيق بين حقوق الفرد وحقوق المجتمع بحيث لا يطغى أحدهما على حق الآخر. وبذلك لم يجعل الفرد مجرد وسيلة في يد المجتمع أو آلة تقاس قيمتها بقيمة إنتاجها. كما فعلت بعض النظم الاجتماعية.
ومن جانب آخر لم يجعل المجمتع مجرد وسيلة في يد الأفراد ولم يعطِ الفرد حرية كاملة بحيث يمكن أن يستغل بها المجتمع لصالحه الخاص بل جعل لكل منهما شخصية مستقلة لها كرامتها وحقوقها ثم ربط بين كرامة الفرد وكرامة المجتمع وبين حقوقهما بحيث لا ينفصل أحدهما عن الآخر استقلالا كاملا بل يجد
стр. 450
الفرد مصلحته في المجتمع كما يجد المجتمع مصلحته في أفراده وكرامته في كرامتهم. وبناء على هذا فقد رسم الإسلام الأخلاق للفرد والمجتمع وأقام التنسيق بين الأخلاقية الفردية والأخلاقية الاجتماعية.
ثم إنه لم يعتبر هذا النظام الأخلاقي مجرد فرض أي نظام مفروض عليه من الخارج لا يتفق مع استعدادته الفطرية كما ذهب إلى ذلك بعض المفكرين الاجتماعيين أو الأخلاقيين، بل اعتبر أنه نظام طبيعي يتلاءم مع استعدادات الفرد الطبيعية وميوله الفطرية وأنه نظام لا بديل له للحياة الإنسانية الكريمة.
стр. 451
٦- التقاء التفكير الأخلاقي والديني في الاتجاه الإسلامي:
قد رأينا أن الأخلاق عبارة عن سلوك صادر من الإنسان الراشد يبدأ بنية ويهدف إلى تحقيق غاية خيرة، تقتضيها المثل العليا المرسومة للإنسان من قبل خالقه وفقا لطبيعته وغايته، أو غاية خالقه من خلقه.
وبهذا المفهوم ارتبطت الأخلاق بالميتافيزيقا من جهة وبالطبيعة الإنسانية من جهة أخرى ثم بمركز الإنسان في هذا الوجود من جهة ثالثة.
ومن ثم يدخل في الأخلاق عنصر إلهي يتمثل في الأمر والجزاء عليه، وعنصر إنساني. ولا غرابة في هذا؛ لأن الأخلاق في نظر الإسلام نظام إلهي إنساني معا يجمع بين نظام اعتقادي معيارا للتمييز بين الحق والباطل في النظر. ونظام حياة معيارا للتمييز بين الخير والشر في السلوك. وبناء على ذلك فالأخلاق لا تكون سليمة ملزمة إلا إذا جمعت بين صحة النظر للتمييز بين الحق
стр. 452
والباطل في الحقائق وصحة السلوك وفقا لذلك التمييز بين الخير والشر في الحياة والخير تابع دائما للحق، والشر كذلك تابع للباطل، ولذا فلا بد من أن تبنى صحة النظر ونظام الحياة الخيرة على نظام الاعتقاد الحق. وإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن تصور العمل النافع للخير بدون التصور النظري الصحيح، إذن لا بد من الجمع بين النظر والعمل إذا أريد العمل الناجح النافع.
وتبين من هذا اتفاق معيار الحق والباطل ومعيار الخير والشر في الأخلاق والإسلام معا، وتبعا لهذا الاتفاق اتفق المعياران أيضا في النظر إلى القيم بوجه عام والقيم الأخلاقية بوجه خاص، ذلك أن القيم ومعيارها نابعان من فكرتي الخير والشر وهما بدورهما نابعان من الحق والباطل بمعناهما الأوسع والأعم.
وقيمة الحق في نظر الإسلام هي قيمة الحق نفسها في نظر الأخلاق؛ لأن كلا منهما يبني أسسه على الحق ويأمر باتباعه لتحقيق الخير الإنساني فالخير نتيجة طبيعية لاتباع الحق، والشر نتيجة طبيعية لاتباع الباطل.
وهكذا التقى الإسلام والأخلاق في الغاية والهدف، وهو تحقيق الخير الإنساني في هذه الحياة، وزاد الإسلام على التفكير الأخلاقي البحت استهداف تحقيق ذلك الخير في الآخرة أيضا.
стр. 453
٧- قدرة الأخلاق الإسلامية على مسايرة تطور الحياة وأشكالها المختلفة
وذلك أن الإسلام أسس بناءه الأخلاقي على دعائم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان من ناحية، ويمكن تطبيقها على أشكال مختلفة من الحياة من ناحية أخرى
стр. 454
فمن الناحية الأولى بينا كيف أن الإسلام ربط بين القوانين الأخلاقية والقوانين الطبيعية العامة وقوانين الطبيعة البشرية الخاصة وأقام بناء الأخلاق على أساسها. كما أقام الإلزام الأخلاقي على ما فطر عليه الإنسان من وجدان أدبي وعلى مراقبة الله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ويراه أينما كان في السر والعلن ويعلم ما يخفي وما يبدي، ثم لم يكتفِ بهذا وذاك بل ربط الأخلاق بمصلحة الإنسان حيث فرض الجزاء الجزيل مكافأة لمن يتخلق، كما توعد بالعقاب كل من ينحرف ويضل. ولا شك في أن هذه الأمور ثابتة ومن ثم لا بد من أن يكتب الثبات والدوام لهذه القوانين الأخلاقية.
ومن الناحية الثانية جعل الإسلام النظام الأخلاقي أساسا للتكيف بالحياة كيفما كانت في أي زمان في ضوء مبادئها، ذلك أنه اهتم أولا بروح الأخلاق أكثر مما اهتم بشكلها فمن ناحية الشكل لم يقيد كل حركات الإنسان وأفعاله فيما يتعلق بأمور الحياة التي تتطور بتطور الزمان، بل زود الإنسان بمبادئ عامة توجهه إلى تنظيم الحياة تنظيما يخضع لروح تلك المبادئ، ولما كانت هذه المبادئ تسير مع الواقع الإنساني في الحياة ولم يكن في تطبيقها إحراج بل تراعي استطاعة الإنسان وطبيعته، كانت الأخلاق الإسلامية من هذه الناحية قابلة للتطبيق في ظروف وأزمان مختلفة.
زد على هذا أن الإسلام زود الإنسان بمعايير أخلاقية يستطيع بها تقويم سلوكه وحركاته ومعرفة ما إذا كان هذا السلوك أخلاقيا أم لا.
وأخيرا لم تكن الأخلاق الإسلامية جافة وسلوكا روتينيا لا تمت بصلة إلى القيم، بل إنها جامعة للقيم المادية والمعنوية ومن ثم كانت سعادة الإنسان مرهونة
стр. 455
بهذه الأخلاق.
كل هذه الأمور هي التي تضفي على الأخلاق الإسلامية قدرة على مسايرة تطور الحياة الإنسانية في أزمانها وأشكالها المختلفة.
وقد يعترض هنا بأن هناك مشكلات في حياتنا المعاصرة لا نستطيع إخضاعها للأخلاق الإسلامية، الحقيقة إن هذه المشكلات يمكن إخضاعها لهذه الأخلاق من حيث طبيعتها ولكن الصعوبة آتية من حيث إنها وجدت في نظام لم يقم أصلا على أسس هذه الأخلاق.
стр. 456
٨- الأخلاق الإسلامية أكمل وأصلح أخلاق للحياة الإنسانية
لا يرجع هذا التكامل وتلك الصلاحية للأخلاق الإسلامية إلى قدرتها على مسايرة تطور الحياة فحسب، بل إنها قد بلغت من التكامل والصلاحية حدا مثاليا، ذلك أنها تحتضن جميع الفضائل الإنسانية والأعمال الخيرة لصالح الفرد والمجتمع. وتنفر عن جميع الرذائل والشرور ثم إنها لا تكتفي بمجرد تبصير طريق الخير وطريق الشر للإنسان بل تستخدم جميع وسائل الإلزام باتباع طريق الخير, وتستخدم جميع الوسائل لإبعاد الإنسان عن طريق الشر، ليس ما نقوله مجرد ادعاء بل هو حقيقة عبرنا عن بعض جوانبها الموضوعية خلال الفصول السابقة، كما أنها تحارب العنصرية التي تمزق الكيان الاجتماعي البشري.
فقد وجدنا في ميدان احترام الإنسان كيف أن هذه الأخلاق تجعل لكل إنسان كرامة بصرف النظر عن لونه وجنسه واتجاهاته الخاصة، وبناء على ذلك
стр. 457
تدعو إلى احترام جميع الحقوق الطبيعية للإنسان، بل أكثر من هذا فإنها تدعو إلى تحقيق تلك الحقوق للناس أو تيسير السبل إلى ذلك لمن يعجز عن الوصول إليها، ومن ثم يعد من يخدم الناس خير الناس، فقال الرسول ﷺ : "خير الناس أنفعهم للناس" ١, كما تدعو إلى المحبة والمودة والإخاء والمساواة بين الناس.
وفي ميدان المعاملة تدعو إلى احترام العقود وأداء الأمانة والنزاهة والصدق في القول، وتنهى عن الاستغلال والمماطلة والغش والكذب والخداع والخيانة.. وما إلى ذلك من الصفات الذميمة.
وفي ميدان السياسة والحكم، تدعو هذه الأخلاق الكريمة إلى احترام العهود والمواثيق المبرمة وإلى الحكم بالعدل والمساواة والعمل من أجل رفع مستوى الأمة,
وتنهى عن الغدر والمحاباة والمفاجأة بالعدوان والتسلط والتجبر وما إلى ذلك من الصفات القبيحة، وفي ميدان الاقتصاد تدعو إلى العمل الجاد والإتقان والإبداع والابتكار من ناحية، ثم التقشف والقناعة وعدم التبذير والإسراف من ناحية أخرى.
وفي ميدان العلم تدعو إلى التعلم والتعليم والتربية واستخدام العلم في خدمة الإنسانية. كما تنفر عن الجهل وعن عدم العمل بالعلم أو بمقتضى العلم.
وهكذا كان الإسلام دين الحق والهدى وجاء بأكمل الأخلاق وأصلحها وأهداها ليظهر بذلك على الأديان والفلسفات الأخرى وكان ذلك نعمة من الله على هذه الأمة بل على الإنسانية كلها. وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿هُوَ الَّذِي
стр. 458
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ ١, وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ٢.
وبعد.. فهذا ما استطعت تقديمه في هذا البحث ولست أدعي أن ما قدمته هو كل ما في الأخلاق الإسلامية بل أصرح وأقول: إن ما قدمته ليس إلا جانبا واحدا منها وهو الجانب الأساسي فقط في صورة موجزة مركزة أساسا على بيان خط علم الأخلاق الإسلامية وأهمية هذا العلم، وما عرضت في هذا السبيل من المبادئ والصور العملية للأخلاق الإسلامية إن هي إلا أمثلة لتوضيح الفكرة والاستدلال على صدق الدعوى، لا تمثل أو لا تصور هيكل الأخلاق الإسلامية من جميع أبعادها، وإن كنت أحاول باستمرار إعطاء أمثلة والاستدلال من جوانب الأخلاق الإسلامية المختلفة لمحاولة إبراز الجوانب القيمة المتميزة لعلم الأخلاق الإسلامية.
أما بالنسبة إلى الأخلاق الإسلامية عموما فأعتبر هذه الدراسة الأساس العلمي لدراسات واسعة النطاق، ذلك أن هناك جوانب كبيرة وهامة لا بد من أن تدرس دراسة جادة على أساس المنهج الذي عرضته في المقدمة، من تلك الجوانب: الجانب النظامي والجانب التربوي، ثم مقارنة هذه الجوانب بأخلاق الديانات والفلسفات الأخرى.
وكل هذه الدراسات جديرة بالبحث ذلك أن الأخلاق في نظري من أهم الدراسات اللازمة لحياة الإنسان العملية.
стр. 459
ولهذا ينبغي أن تسترعي هذه النقطة نظر الباحثين والمسئولين عن الإصلاح الاجتماعي، ثم الإداريين والتربويين على حد سواء لإعطاء الاهتمام الأكبر لهذه الدراسات عن طريق تجنيد الكفاءات العالية لبذل أقصى الجهود الممكنة لإعطاء هذه الدراسات حقها من الدراسة والبحث إذ إنها تعد قوام حياتنا الفردية والاجتماعية وأساس التقدم الاجتماعي والحضاري، فلا معنى للحياة الإنسانية بدون الأخلاق، بل لا يمكن التقدم في الحياة الباطنية والظاهرية والمادية والمعنوية.
وإني لأرجو من الله أن أكون قد وفقت في هذه الدراسة وما قدمت فيها من أراء، وأن يوفقني فيما أنوي القيام به من دراسات في المستقبل أكثر عمقا ونضجا في تلك الموضوعات التي تحتاج إلى الدراسة والبحث المتواصلين، كما أرجو أن يوفق المسئولين والباحثين الآخرين إلى الاهتمام بتلك الحقائق واتخاذ التدابير اللازمة التي تتناسب معها.
стр. 460
أهم التوصيات
مدخل
...
ثانيا: أهم التوصيات:
هذه التوصيات موجهة إلى أهم المؤسسات المسئولة عن تعاليم الأخلاق وتربية الأجيال عليها، وهي المسئولة أيضًا عن ظاهرة انتشار الانحلال الخلقي في الأجيال والشباب، وتلك المؤسسات هي الأسرة والإعلام والمدرسة ومراكز البحوث. وعلى هذا الأساس أصنف التوصيات على النحو الآتي: