← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11293

علم الأخلاق الإسلامية

مقداد يالجن

Полный текст (524 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

جاءت القيمة إلي الإيثار, لا شك أنها جاءت من فكرة الفضيلة، ولكن من أين جاءت القيمة إلي هذه الفكرة لا شك أنها جاءت من الإنسانية؛ لأنه عمل إنسان يستهدف غاية إنسانية, ولكن فكرة الإنسانية أيضا تستمد قيمتها من شعور الإنسان بالقيمة المثالية للسلوك. هذه الغاية قيمة؛ لأنها موافقة للمثل العليا أو القيمة العليا. ولكن ما زلنا نحتاج إلى سؤال متسلسل من نوع الأسئلة السابقة وهو من أين جاءت القيمة إلي المثل العليا؟ وما المثل العليا في حقيقتها؟ إن الفلاسفة الذين قالوا: إن القيم الأخلاقية نازلة من المثل العليا أو أن الأخلاق تستمد قيمتها من المثل العليا حاولوا تحديد ماهية هذه المثل, ولكنهم لم يستطيعوا تحديدها وبيان حقيقتها. أما الإسلام فقد بينها بأنها ضرب من النظام المتعالي على الواقع يستمد قيمته من إرادة الله ومن الإنسان والوجود المادى, وهذه المثالية للقيمة معطاة قد أخذت مكانها في فطرة الإنسان باسم الحاسة الخلقية والشعور الخلقي وتحت دافعية هذا الإحساس أو ذلك الشعور يحاول الإنسان التسامي به إلي ذلك المثال وتقليده وفي ضوئهما يميز بين العمل الأخلاقي واللا أخلاقي وبين درجات القيمة الأخلاقية للأفعال الإنسانية. إذن الغاية تستمد من إرادة الله. وعندما يريد الإنسان من سلوكه ما أراد الله منه أن يريده فإنه يكون قد اتحدت الإرادتان أو الغايتان إرادة الإنسان وإرادة الله. ولقد حدد الإسلام غاية الأخلاق التي ينبغي أن يتم العمل الخلقي في ظلها بأن يريد الإنسان من عمله وجه الله وأن يعمل لأن هذا العمل إرادة الله منه لا أكثر ولا أقل, ولهذا قال تعالى

стр. 387

: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ١, ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢, ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً, إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ ٣, ونرى في هذه الآيات بالإضافة إلى جعل الله غاية الأخلاق ابتغاء وجهه فإنه قد ربط بين هذه الغاية وبين خيرية الأخلاق والجزاء في الآخرة. ولا ينبغي أن يفهم من هذا أن ليس للسلوك الأخلاقي أية قيمة بدون الغاية الأخلاقية إذ إن له قيمة أيضا لكن قيمته ناقصة ولا ينال ثوابه في الآخرة وإنما ينال ثوابه الطبيعي في الدنيا؛ لأن الله يكافئ من يعمل من أجله, ومن كان يعمل للناس أو للدنيا ينال مكافأة عمله من الناس أو من الدنيا. ولا نصيب له منه في الآخرة ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ, أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤, وقال تعالي: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ ٥. وروي عن ابن عباس في معنى الآية: "من كان من الأبرار يريد بعمله الصالح ثواب الأخرة نزد له في حرثه أي: في حسناته, ومن كان من الفجار يريد

стр. 388

بعمله الحسن الدنيا نؤته منها", وقال قتادة: "إن الله يعطى مَن نيته الآخرة ما شاء من أمر الدنيا ولا يعطي علي نية الدنيا إلا الدنيا"١, لكن إذا قلنا: إن للأخلاق قيمة فلنا أن نسأل ما ماهيتها؟ وما مميزاتها بالنسبة إلي القيم الأخرى؟ نحن نعلم أن هناك قيما كثيرة: قيم الأشياء والحق والخير والجمال وقد عبر الفلاسفة عن قيم الأخلاق بالخير وذهبوا في تفسير الخير مذاهب شتى. فما مذهب الإسلام في حقيقة هذه القيمة؟ عندما ندرس هذه الحقيقة في الإسلام نجد أنه قد عبر عنها أحيانا بالخير وأحيانا بالقيمة, وإن كان استعماله للفظ الأول أكثر من الأخير, إلا أن إبدال لفظ بلفظ آخر قد لا يزيد الأمر وضوحا, لبيان حقيقة هذا الخير أو تلك القيمة في الإسلام ينبغي أن ندرسها في المجالات التي استعمل فيها حتى نستطيع تحديد حقيقة هذه القيمة ومقارنتها بالقيم الأخرى. وإذا نظرنا إلي المجالات التي استعمل فيها لفظ الخير وجدنا أنه استعمل في المجالات الآتية: وعبر عنها بألفاظ مختلفة مثل: البر والحكمة ورفعة المكانة الأدبية بين الناس وما إلي ذلك ويمكن تلخيصها في المجالات الآتية: مجال المعرفة والحكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ ٢, ومعروف أن الحكمة باختصار هي القول السديد والعمل المفيد ومعرفة أسرار الموجودات والعمل بمقتضى العلم, فهي بذلك تجمع بين القيمة الفكرية والعملية أو بين العلم والعمل بموجبه.

стр. 389

- مجال العقيدة والإيمان بالله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ ١؛ لأن الإيمان بالله كما هو خير بنفسه فإنه يؤدي كذلك إلي الخير. - مجال الصلاح والتقوى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ٢, ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ ٣. - مجال المال والمساعدة: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ٤. - مجال الشخصية الإنسانية: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ ٥, ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٧, وقال الرسول -صلي الله عليه وسلم: "إن من أخيركم أحسنكم أخلاقا" ٦. - مجال كسب رضوان الله في الآخرة: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٨, ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ ٩. أما لفظ القيمة فقد استعملت في المجالات الآتية: - مجال الدين والعبادة الخالصة لله تعالي: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ١٠, ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ١١.

стр. 390

- مجال الأحكام والقضاء: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً, فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ١, ولقد بين الله أن في تلك الصحف أحكاما قيمة صدرت من الله إلي العباد. - مجال هداية الناس بالكتاب الكريم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا, قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ ٢. - في مجال وصف الإسلام بالطريق المستقيم: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣. - مجال وصف الإسلام كله دينا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤, ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ ٥. يتبين لنا من هذا العرض لاستعمالات كلمة الخير والقيمة أن الأولى تستعمل لجميع الخصال الحميدة والأفعال الأخلاقية النبيلة وما تؤدي إليه هذه وتلك من المنافع والفوائد لصالح الفرد والجماعة في الدنيا والآخرة ويعبر بها بصفة عامة عن القيم السلوكية والشخصية والفكرية والمادية. أما كلمة القيمة فقد استعملت بصفة عامة في قيمة الإسلام أحكاما ومبادئ سليمة وهادية ومرشدة للناس في هذه الحياة.

стр. 391

إذن مجال استعمال كلمة الخير أعم من القيمة. وفي تستعمل في الدلالة علي الأخلاق وكل ما يتصل بالأخلاق من الشخصية والقيم المادية والفكرية. ذلك أن الشخصية الخيرة منبع الأفعال الخيرة عادة كما قلنا وذكرنا حديث الرسول الذي يشبه فيه الإنسان الصالح ببائع المسك والإنسان الفاجر بنافخ الكير١. إذ إن الإنسان الخير تصدر منه دائما أعمال خيرة ينتفع بها الناس كما تصدر من بائع المسك دائما رائحة طيبة يستفيد منها الناس, والإنسان الشرير مصدر للأفعال الشريرة تؤذي من يقترب منه كنافخ الكير الذي تصدر منه دائما رائحة كريهة وشرر يحرق ثوب من يقترب منه. وكذلك الحكمة وهي أساس التصرف الأخلاقي السليم بل إن الأخلاق نفسها حكمة والمتخلق يكون حكيما. وكذلك المال فلولا قيمة المال لما كانت هناك قيمة لمبدأ الإنفاق. فبقدر ما يبذل المرء من الأموال القيمة للمحتاجين بقدر ما يكون لهذا السلوك الأخلاقي من قيمة. هذا إلي أن القيم الأخلاقية يفضل بعضها على بعض أو تزيد درجة قيمة بعضها على بعض, وقد يرجع هذا أحيانا إلي الظروف والملابسات التي يتم فيها العمل الأخلاقي؛ فالعمل الأخلاقي في ظرف معين من الإنفاق في ظرف الرخاء غيره في حال الضيق, ومساعدة إنسان في حال احتمال أن يجد مساعدة من الآخرين غيرها في حال فقد هذه المساعدة وإن كان مقدار المساعدة ونوعها واحدا في كلتا

стр. 392

الحالتين؛ ولهذا مدح الله الذين يطعمون الناس وهم في حاجة إلي هذا الطعام ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ ١, ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ٢. وقد يرجع هذ التفاضل أحيانا أخرى إلى نوع العمل الأخلاقي, فالواجب مثلا أفضل من النافلة, قال تعالى في حديث قدسي "وما تقرب إلي عبدي بشئ أحب إلي مما افترضته عليه" إلي آخر الحديث٣, والعمل المستمر خير من المنقطع ولهذا قال الرسول -صلي الله عليه وسلم: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" ٤, ولما سئلت عائشة عن عمل الرسول فقالت: "كان عمله ديمة"٥, "وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته"٦. وهكذا نجد أن القيم الأخلاقية متصلة بقيم الحقائق الأخرى مادية كانت أم معنوية وذلك بالإضافة إلي قيمتها الذاتية الخاصة بها. ولكن هل هذا المفهوم للقيمة الأخلاقية يدل على عدم موضوعية هذه القيم؟ هذا هو ما سنعرض له مباشرة الآن وهو الموضوع الثاني من هذه الدراسة. ٢- مدى موضوعية القيم الأخلاقية؟ أشرنا إلى هذه النقطة فيما سبق وعرضنا آراء الفلاسفة فيها والآن نلخصها في اتجاهين عامين, ثم نعالج رأي الإسلام.

стр. 393

الاتجاه الأول: ذهب إلى أن مسألة القيم الأخلاقية مسألة نسبية تخضع للعقائد والعادات الاجتماعية المختلفة وأن الناس هم الذين يخلعون عن الأخلاق قيما من عند أنفسهم ولهذا فهي ليست حقيقة متأصلة فيها. والاتجاه الثاني: ذهب إلى أن القيم الأخلاقية قيم موضوعية نابعة من ذاتها كامنة في طبيعتها ودور الإنسان ليس إلا إخراجها وإداركها. ولو ذهبنا نستقرئ أراء المفكرين الإسلاميين في هذا الموضوع لوجدنا أنهم انقسموا فيه إلي اتجاهين أيضا كالفلاسفة. الاتجاه الأول: اتجاه أهل السنة والثاني اتجاه المعتزلة. أما الأول: فيرى وجود ثلاثة أنواع من الأحكام تتصف بصفة الحسن والقبح أو بالخير والشر فالنوع الأول كل سلوك يلائم الطبع فهو حسن وما ينافره الطبع فهو قبيح مثل إنقاذ الغرقى واتهام الأبرياء. والنوع الثاني كل وصف يدل علي الكمال فهو حسن وكل وصف يدل على النقص فهو قبيح مثل العلم والجهل. والنوع الثالث: كل ما أمر به الشرع حسن وكل ما نهى عنه قبيح. والأمران الأولان عقليان والثالث شرعي: أي أن الأولين قيمتهما في ذاتهما والثالث قيمته جاءت من الشريعة١. ولكن هل معنى كونهما عقليين أن الثواب والعقاب مترتبان عليهما طبقا لقوانين الطبيعة؟ الجواب لا, فالثواب والعقاب متوقفان علي الشرع, فكونهما أمرين عقليين شيء وكونهما يستحقان

стр. 394

الثواب والعقاب شيء أخر, وأقصد بالثواب الثواب من الله أما الثواب الطبيعي فملازمهما باستمرار. أما الأمر الثالث من الحسن والقبح اللذان لا يعلمان إلا بالشرع فليس معنى هذا أن العقل لا يدركه بل الحقيقة في هذه النقطة أن أمورا داخلة في النوع الثالث تدرك بالعقل مثل وجود الله وما يتصف به من الصفات الإيجابية أو السلبية, وهناك أيضا بعض الأوامر والنواهي التي يدرك حسنهما وقبحهما بالعقل وبالطبيعة المتلائمة والمتنافرة, ولكن بالرغم من هذا فإن معيار ثبوت الأحكام بالوجوب أو بالنهي بالحل أو الحرمة هو الشرع فإنها ثابتة بالشرع لا بالعقل. إذن الشرع هو المعيار العام في ثبوت الأحكام في هذا المجال الثالث وتعلق الثواب والعقاب عموما. ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ١, فلو أن الأحكام ثبتت بالعقل لما توقف العذاب على إرسال الرسول ولكان إرسال الرسل عبثا من غير داعٍ. ومن تلك الأدلة قوله تعالي: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢, ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣, "وإذا كان الأمر حسنا بالعقل فإنه يصبح أحسن بالأمر الشرعي ويجزي الله بالعمل الأحسن لا بالحسن"٤. وأما الاتجاه الثاني وهو اتجاه المعتزلة فقد عرف القبيح "بأنه الفعل الذي إذا فعله القادر عليه استحق الذم على بعض الوجوه" كما أن ترك منع

стр. 395

الواجب من وجوده فهو قبيح أيضا, وعرفوا الواجب بأنه "هو ما إذا لم يفعله القادر عليه استحق الذم على بعض الوجوه"١. وكل واجب حسن في نظرهم وليس كل الحسن واجبا٢؛ لأن من الحسن الإحسان وهو أيضا منفعة تسدى إلي الغير بقصد الإحسان إليه وليس كل إحسان واجبا. وأساس الواجب والحسن والقبح في نظرهم العقل فالحسن ما حسنه العقل والقبيح ما قبحه العقل؛ لأن الحسن والقبح واضحان يدركهما الإنسان بالبداهة لموافقة الأول للطبع ومنافاة الثاني له سواء كان الأمر متعلقا بالأشياء ذاتها أو صفاتها أو متعلقا بالأحكام, والأحكام الشرعية مبنية على الحسن والقبيح العقليين فهي ثابتة بالعقل قبل الشرع, والشرع جاء مؤكدا لما علمه العقل بالضرورة كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع؛ لأنه قد يكون في الصدق ضرر وفي الكذب نفع ومع ذلك يرجح حسن الصدق على نفع الكذب وهذا موضع النظر أي: يحتاج إلي التفكير والتأمل وقد يرجح العكس, وقد يأتي الشرع مظهرا لما لا يعلمه العقل ضرورة ولا نظرا كعدد ركعات الصلوات الخمس ووقوع رمضان في شهر معين فإن العقل لا يعلم حسن مثل هذه الأمور وما فيها من مصلحة وفي عكسها من مفسدة فالشرع أظهر للعقل وجود الحسن ووجه المصلحة والمفسدة. لذا قرروا أن الثواب والعقاب عقليان أصلا فإثابة المحسن حسن وعقابه قبيح, وعقاب المسيء حسن وتركه أو الإحسان إليه قبيح, فإن ذلك مقتضى

стр. 396

الحكمة وإلا ضاعت الحكمة في أفعال الله ولكانت أفعاله عبثا ولعبا وهذا يناقض قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ١. والآن إذا قارنا بين الاتجاهين وجدنا أن أهم نقط الخلاف هي النقط الآتية: الأولى: أن الحسن والقبح في الأحكام الشرعية مبنيان على أمر الإله ونهيه والناس مكلفون بها بالرسالة في نظر الاتجاه الأول والأمر على خلاف ذلك في نظر الاتجاه الثاني. إذ إن تلك الأمور مبنية على الحكم العقلي والناس مكلفون بها بالعقل لا بالرسالة. الثانية: أن الثواب والعقاب وكثيرا من الأمور المغيبات ثابتة بالشرع في الاتجاه الأول وبالعقل في الاتجاه الثاني. الثالثة: أن الشرع منشئ في جميع الأحكام في الاتجاه الأول وهو مؤكد أو كاشف في الاتجاه الثاني. ونحن في الواقع لا يهمنا اتفاق هؤلاء أو اختلافهم وإنما تهمنا حقيقة الموضوع التي نبحث عنها ولا تدل هذه الاختلافات أو تلك على نسبية القيم كما يستدل بذلك بعضهم؛ لأن رجال الفكر عادة يختلفون في كل موضوع اختلافا كليا أو جزئيا؛ وذلك لاختلافهم في درجات الإدراك, وزاوية النظر التي ينظرون منها ولاختلافهم في الحاسة الخلقية والنضج الخلقي والتجارب الشخصية. وأخيرا فإن هذه الاختلافات قد ترجع إلي التطبيقات العملية, فهم قد

стр. 397

يتفقون في قيمة من القيم من الوجهة النظرية، ولكن عند التطبيق يتخذون وسائل مختلفة ومن ثم يختلفون في الوصول إلى النتيجة أو رؤية الحقيقة من جميع أطرافها ومن ثم يختلفون في تقييم هذه الحقيقة أو تلك. ولكن أين الحقيقة الآن إذا كانت هي التي تهمنا أهي مع الاتجاه الأول أم مع الاتجاه الثاني؟ في رأيي وحسبما هدتني إليه دراستي حتي الآن يبدو لي أن الحقيقة ليست بأكملها في جانب هؤلاء أو جانب أولئك, ذلك أن موضوعية القيم الأخلاقية متميزة تماما عن موضوعية العلوم الأخرى إذا نظرنا إليها من زاوية الموضوعية العلمية المتعارفة, وهي ليست مسألة شرعية تستمد قيمتها من الوحي فحسب بل إننا نجد فيها خصائص مشتركة بينها وبين مختلف القيم الأخرى كالقيم الطبيعية والإنسانية والسماوية والاجتماعية والعلمية. إذن لا نستطيع أن نقول: إن قيمتها عقلية صرفة, كما يقول المعتزلة والموضوعيون من الفلاسفة, كذلك لا نقول: إنها شرعية تستمد قيمتها من الوحي فقط كما يقول أهل السنة, وخاصة الأشاعرة؛ لأن القول بالقيمة العقلية البحتة لا بد من أن يؤيد بأحد الدليلين على الأقل أحدهما الاستدلال الاستقرائي ولكن لا يمكن تطبيق هذا على جميع الأمور الجزئية وخاصة بعض الجزئيات الخاصة بصلة الفرد بالله. والاستدلال الثاني هو الاستدلال الاستنباطي, ولكن نعجز عن طريق هذا الاستدلال عن تفسير جميع المظاهر الأخلاقية تفسيرا عقليا موضوعيا. كما أنهم عجزوا عن ذلك هم أنفسهم. ولكن هل معنى هذا أننا لا نستطيع قياس هذه

стр. 398

القيم؟ لا ينبغي أن يستنبط من العجز عن قياس حقيقة ما بمعيار معين أننا نعجز عن قياسها بمعيار آخر بل إن الشيء الواحد المعين يمكن أن يقاس بمعايير مختلفة متى كانت له خواص مختلفة. والقيم الأخلاقية من هذا النوع لها خواص متعددة عقلية علمية موضوعية ونفسية وإنسانية وسماوية إلهية. ولهذا نستطيع قياس القيم الأخلاقية من زواياها القيمية المختلفة, بثلاثة معايير عامة: معيار سماوي مستمد من الوحي وهو الرسالة أو الشرع, ومعيار أرضي علمي تجريبي, وأخيرا معيار إنساني وتدخل فيه الحاسة الخلقية والإحساس الجمالي والوجداني في الطبيعة الإنسانية ولقد اعتد الإسلام بهذه المعايير كلها كما رأينا. إذن للقيم الأخلاقية جوانب متعددة: ففيها الموضوعية وفيها غير الموضوعية إذا نظرنا إليها من زاوية الموضوعية واللا موضوعية التقليدية, ولا ينقص من قيمة الأخلاق أنه لا يمكن تقويمها بالمعيار الموضوعي التقليدي؛ لأن المعيار السماوي معيار أيضا. والمعيار الإنساني معيار كذلك كالمعيار التجريبي العلمي, ومن هذه الزاوية تعد القيم الأخلاقية كلها موضوعية ولكن بمعنى آخر, ثم إن وجود القيم السماوية والأرضية والإنسانية في القيم الأخلاقية تدل على عظمة القيم الأخلاقية وعظيم قدرها. ٣- القيم الأخلاقية في الحياة العملية. ذهب بعض الفلاسفة أمثال "شوبنهاور" إلى التفرقة بين القيمة النظرية والقيمة العملية للأخلاق تبعا للتفرقة بين الأخلاق النظرية والأخلاق العملية.

стр. 399

وقد أدت هذه التفرقة أخيرا إلى فكرة أن معرفة الأخلاق نظريا لا تقتضي تطبيقها عمليا١. وذهب بعض الفلاسفة الآخرين أمثال "سقراط" إلى عدم التفرقة بين النظرية والتطبيق٢. والحقيقة كما تبدو في هذا الخلاف أنه إن صحت التفرقة من زاوية الدراسة النظرية فلا تصح من زاوية دراسة القيمة, ذلك أن القيمة المتكاملة للأخلاق لا تظهر بوضوح إلا عند الجمع بين الجانبين؛ لأن قيمة الأخلاق حقيقة واحدة لها جانبان: جانب نظري يدرك عن طريق النظر والتأمل العقلي, وجانب وجداني شعوري نفعي يدرك عن طريق التطبيق العملي, والإحساس بالأول يختلف نوعا ما عن الإحساس بالثاني. ولا غموض في هذا التقييم للقيمة الأخلاقية, لأنه لا بأس في تقييم أية حقيقة من زوايا مختلفة بل هذا واجب إذا أردنا تقييم أية حقيقة أن نقيس قيمتها بموازين ومقاييس مختلفة إذا كانت لها قيم متعددة. ويمكن أن نعبر عن هذا التكامل بالحكمة الأخلاقية؛ لأن الحكمة هي الجمع بين فضيلة النظر وفضيلة العمل, إذ إن الإنسان مهما اقتنع بقيمة الفكرة عقليا فإن القيمة التي يحس بها بعد العمل بها في أعماق نفسه لا يمكن أن يكون كإحساسه بالأول, ولكن قد يتحول هذا الإحساس الأخير إلى مجرد نشوة حسية إذا لم يعتمد على اقتناع نظري أو لم يقم على أساس دافع عقلي. إذن قيمة الأخلاق تعد ناقصة إذا اقتصرنا في تقييمها على المقياس النظري, كذلك تعد ناقصة إذا اكتفينا بالمقياس الحسي العملي لتقييمها؛ لأن كلا منهما يمثل نصف

стр. 400

القيمة وباجتماعهما تكتمل القيمة الحقيقية للأخلاق, ولكن المعرفة النظرية للأخلاق لا تستوجب التطبيق العملي كما يدعي "سقراط", ذلك أننا نعرف في حياتنا قيمة أشياء كثيرة ولكن بالرغم من ذلك نتكاسل عن تنفيذها أو العمل بمقتضاها, نعم إن المعرفة بقيمة الشيء عامل مشوق ودافع إلى العمل به ولكن ليس كل ما نتشوق إليه نفعله بالضرورة. والنتيجة التي ننتهي إليها من هذا كله هي أننا إذا أردنا أن نتذوق قيمة الأخلاق تذوقا حقيقيا فعلينا أن نجمع بين القيمتين, إذ إن قيمة الأخلاق تختلف عن غيرها كقيمة نوعية مستقلة تمتاز بما يجتمع في كيانها القيمة العقلية والوجدانية والحسية, ولهذا فقد أمر الرسول ﷺ بالجمع بين الأمرين عندما قال: "عليك بالعلم فإن العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله والعمل قيمه والرفق أبوه واللين أخوه والصبر أمير جنوده" ١.

стр. 401

أهمية القيم الأخلاقية في الحياة العملية الأولى: المعرفة والإبداع والاختراع وإتقان العمل ... ثالثا: أهمية القيم الأخلاقية في الحياة العملية: وتظهر حقيقة القيمة العملية للأخلاق في النتائج العملية الآتية: الأولى: المعرفة والإبداع والاختراع وإتقان العمل: قد يبدو لأول وهلة أن هذه النتيجة غريبة على التطبيق العملي للأخلاق. لكن عندما نمعن النظر في فلسفة مفهوم "ينبغي" في التفكير الأخلاقي نجد تلك النتيجة طبيعية للتطبيق العملي للأخلاق؛ إذ إن هذا المفهوم يدعو إلى أمرين, أولهما: البحث عن العمل الأخلاقي المثالي الذي ينبغي تنفيذه, وثانيهما: البحث عن الطريقة المثالية التي ينبغي أن يتم التنفيذ بها, والبحث الأول يؤدي إلى المعرفة أو الكشف عن حقائق جديدة. والبحث الثاني يؤدي إلى

стр. 402

الكشف عن مناهج وأساليب فنية للتطبيقات العملية. وهذه المثالية في البحث عن أنفع عمل الناس وأفضل طريقة لتحقيق الأعمال هي فكرة ملازمة للإنسان الأخلاقي؛ إذ إنه كلما يحقق عملا في ضوء هذه الفكرة يعود ليسأل نفسه: هل ما حققته هو العمل المثالي الذي ينبغي تحقيقه؟ وهل يمكن تحقيقه بصورة أكثر مثالية من الصور السابقة؟ وهل هناك أكثر نفعا من السابق وما السبيل إلى ذلك؟ وهكذا كلما حقق عملا مثاليا يبحث عن عمل أكثر مثالية كريمة يبحث عن حياة أكثر مثالية وسموا؛ وذلك تطبيقا لقول الرسول ﷺ : "إن الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرفها ويكره سفسافها" ١, وغير ذلك من الأحاديث التي ذكرنا فيما سبق٢, ولا شك أن ذلك كله سوف يؤدي إلى الإبداع والإتقان في العمل والأداء والكشف عن حقائق جديدة واختراع وسائل لأداء أعمال عظيمة إلى جانب أن الأخلاق تدعو إلى السعي إلى الأفضل واختيار البديل الأولى في كل الأمور وكل ذلك وسيلة للتقدم الحضاري. ومن ذلك تظهر فائدة مفهوم المعيارية أو المثالية في التفكير الأخلاقي, ولا يحق لهؤلاء الذين يهاجمون التفكير الأخلاقي بدعوة أنه غير علمي؛ لأنه لا يخضع للمعايير العلمية الموضوعية. ويقولون: إن الأخلاق المعيارية غير محددة وإن مفهوم "ينبغي" مفهوم غامض غير محدد. والحقيقة -كما تتبين مما سبق- أن عدم محدودية مفهوم المثالي أو "ينبغي" هو من أهم مميزات هذا التفكير؛ لأنه هو الذي يدفع الإنسان إلى البحث الدائم عن الأعمال الأخلاقية المثالية وهو الذي يدفع الإنسان إلى السمو والرفعة باستمرار وإلى الأفضل.

стр. 403

الثانية: توجيه الذات الإنسانية وتوحيدها: عرفنا فيما مضى أن طريق الخير هو الطريق السوي وهو الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه. وأن الأخلاق الإسلامية توجه الإنسان إلى هذا الطريق وتدعوه إليه؛ لأنه طريق الفلاح والنجاح في هذه الحياة قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١. وعرفنا أيضا عندما درسنا الطبيعة الإنسانية وجود دوافع ونوازع مختلفة فيها تتصارع هذه الدوافع والنوازع فيما بينها وكل واحد يدفع الإنسان إلى تحقيق رغبته بدون قيد أو شرط وبينا أيضا أن في الإنسان لمة الملك تدعو إلى فعل الخيرات وفيه أيضا لمة الشيطان تدعو إلى اتباع الهوى وإشباع الغرائز الشهوية ولو ترك كل قوة من هذه القوى والنزاعات وفي ذلك شقاء للإنسان ويقول علماء النفس: إن الصراع النفسي في داخل الذات من أهم أسباب الأمراض النفسية وتعاسة الإنسان في الحياة فقالوا: "الأساس الأول في تكوين العقد هو الكبت نتيجة الصراع"٢, وقالوا: إن توحيد الذات هو وسيلة السعادة وهو وسيلة القضاء على القلق والصراع والخوف٣, وقالوا أيضا: إنه لازدياد سعادة شخص لا يجوز أن نزيد فقط من مجموع لذاته وإنما نعمل أيضا على تحسين شخصيته وتقويتها وانسجام عناصرها وتوحيد وجهتها٤, ولهذا يرى بعض علماء التربية الأخلاقية: "الغرض من التربية هو تكوين شخصيات قوية متماسكة".٥

стр. 404

والأخلاق الإسلامية بصفة خاصة تجعل المرء يتغلب على نوازع النفس المختلفة وتجعله كذلك يسلك طريقا واحدا هو طريق الخير قاصدا الوصول إلى الكمال الإنساني ولذلك يكون الشخص الأخلاقي قوي الإرادة متوحد الذات يسير في طريق واحد ويسعى لتحقيق غاية واحدة. أما الشخص غير الأخلاقي فتنتابه النوازع المختلفة وتتشتت ذاته بين الاتجاهات المختلفة ويصبح أخيرا ضحية الصراع النفسي وشتان بين هذا الشخص وذاك, وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١, وقال أيضا: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.

стр. 405

الثالثة: اكتساب تنمية القيمة الإنسانية: تزيد قيمة الإنسان بقدر عمله بالمبادئ الأخلاقية؛ لأن الأخلاق من أهم مميزات السلوك الإنساني ومميزات الإنسان عن سائر الحيوان والإنسان يقاس بالإنسانية ولا تقاس الإنسانية بالإنسان. نعم إن للإنسان كرامة مدئية معطاة له من قبل الخالق منذ أن خلقه مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ١, وهذا التكريم ليس بتسخير أمور له لم تسخر لغيره فحسب, بل هناك تكريم في خلقه إذ خلقه في أحسن صورة ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ ٢, وركب فيه من القوى والإمكانات مثل قوة الإدراك والتمييز وغيرها من القوى التي يمتاز بها ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ, الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ

стр. 406

فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ ١, ثم بما تحمل من المسئوليات الأخلاقية ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ﴾ ٢, وكانت الأمانة أن يميز الحق من الباطل والخير من الشر وأن يعرف للحق حقه ويتبع الخير ويتجنب الشر في هذه الحياة, وبتحمل تلك المسئولية أصبح خليفة الله في أرضه لأداء الأمانة يحكم بمقتضى المسئولية ويأمرالناس باتباع الحق واتباع طريق الخير ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ, وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ, أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٣, لكن إذا خان الإنسان تلك الأمانة وألبس الحق بالباطل واتبع طريق الشر بدل الخير وأزال عن نفسه تلك الكرامة ارتد إلى أسفل المخلوقات ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ, ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ, إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌغَيْرُمَمْنُونٍ﴾ ٤, أما الذين يؤدون تلك الأمانة فيحتفظون بتلك الكرامة, ولهذا استثنى الله أولئك الذين يحترمون إنسانيتهم وكراماتهم فيعطون لله حقه, ويتبعون طريق الخير. وبذلك يكتسب المؤمنون الصالحون العزة والكرامة: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٥, ومن كان يريد لنفسه الكرامة والعزة فليتقرب إلى صاحب العزة ومعطي الكرامة وليتبع طريقه ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٦, وإن الله يرفع كل ذي فضل على قدر فضله ويؤتي أجره بقدر ما يعمل من الخيرات قال

стр. 407

تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ١, ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ ٢, ولا يمكن أن يستوي الإنسان الذي يعمل بالمبادئ الأخلاقية والذي لا يعمل بها، ولا يستوي الذي يعمل الخير والذي يعمل الشر قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ ٣, وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ٤, ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ, وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ٥, ثم إن الإنسان الذي يعمل بمقتضى القيم الأخلاقية لا تزيد قيمته ودرجته وجزاؤه عند الله فحسب بل تزيد قيمته الإنسانية بين الناس فيكون له الشرف والمكانة الأدبية في المجتمع, فيجد القبول والاهتمام به والمودة والتقدير من الناس فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ ٦, وقال الرسول ﷺ : "إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض، وإذا أبغض الله عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه قال: فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال: فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض" ٧, وروي عن أبي ذر قال: قيل لرسول الله ﷺ : "أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه قال تلك عاجل بشرى المؤمن" , تلك هي القيمة الأدبية التي ينالها الإنسان المتخلق في البيئة الاجتماعية التي يحيا فيها, ولا شك أن تلك القيمة لا تقدر بثمن لمن يقدرها ويعرف قيمتها, ثم إن الأدب زينة الإنسان وبقدر ما يتأدب مع الناس يوثق به ويعتمد عليه ويسند إليه المهام.

стр. 408

الرابعة: القيمة المادية: عندما نعيد النظر إلى ما كتبناه في الباب الأول نجد أن التطبيقات العملية للقيم الأخلاقية تؤدي إلى كثير من المنافع أو القيم المادية, ولا أريد هنا إعادة ما كتبت في هذا المجال، ولكن أريد أن أستخلص مما كتبت قيمتين مهمتين لكل مجتمع في الحياة العملية: وهما القيمة الاقتصادية والقيمة الصحية. أما القيمة الاقتصادية فيغفلها الاقتصاديون ويخطئون عندما لا ينظرون إلى الأخلاق من هذه الزاوية ولا يهتمون بها, ذلك أن الأخلاق تدعو إلى عدم الإسراف والتبذير, وإلى الجد في العمل وإتقانه, وإلى العمل من أجل الناس سواء أكان ذلك بالمساعدات المختلفة أم باختراع العلوم والآلات الصناعية التي تؤدي إلى نفع الناس عامة, وقضاء حوائجهم أو حل مشكلاتهم, ومن جهة أخرى نراها تدعو إلى عدم الغش والاختلاس, مما يضر اقتصاديات الأفراد والمجتمع عموما. وباختصار القول تظهر قيمة الأخلاق الاقتصادية في ناحيتين: في ناحية الإنتاج إذ الأخلاق تدعو إلي المثابرة وإلى مزيد من الإنتاج, وإلى اختراع ما يفيد المجتمع ويحل مشكلته, وفي ناحية الإنفاق, إذ إنها تدعو إلى عدم الإسراف وعدم الإنفاق إلا فيما يجب الإنفاق فيه. ولا ينمو الاقتصاد إلا بهاتين الطريقتين: كثرة الإنتاج والاقتصاد في المصروفات. ثم إن الإنسان المتخلق يجد ما يسد حاجته عند الملمات؛ لأن الناس يقدرونه ويردون إليه عند ذلك مثل إحسانه إليهم أو يعطونه دينا لثقتهم به, وهناك قيمة اجتماعية ينالها الإنسان المتخلق. أما القيمة الصحية فإننا عرفنا أيضا أنها تدعو إلى الابتعاد عن جميع الأمور والأفعال التي تضر الصحة مثل المخدرات والقذارة والفاحشة وكثرة الأكل

стр. 409

والتنطع والتطرف في أي عمل, كما تدعو إلى الابتعاد عن الأماكن الموبوءة وعن الاتصال بالناس المصابين بالأمراض الخبيثة المعدية, ومراعاة النظافة: نظافة الظاهر والباطن والبيئة, وكل هذه الأمور من أسس الصحة ولا يمكن أن يحتفظ الإنسان بصحته إلا بتطبيق تلك المبادئ الأخلاقية عمليا. هذا إلى أن للأخلاق قيمة عملية أخرى وهي أنها تدعو إلى أن يكون الإنسان نشيطا مجدا فعلا يكسب رزقه بشرف وأمانة وتدعو -إلى جانب ذلك- إلى الجلد والصبر والثقة بالنفس وقوة الإرادة, والسعي لمزيد من الإنتاج لمزيد من الإنفاق والخير وكل ذلك يؤدي إلى تحمل أعباء الحياة بالصبر والشجاعة دون التبرم والضجر, وهذا يؤدي بدوره إلى منافع وقيم مادية في مجالات الحياة المختلفة.

стр. 410

الخامسة: القيمة المعنوية: إن أهم قيمة معنوية يؤدي إليها التطبيق العملي للمبادئ الأخلاقية هي الإحساس الدائم بالسرور والطمأنينة القلبية والشعور بخيرية الذات وخيرية المصير ويمكن أن نعبر عن هذه الحقيقة بأنها الإحساس بالسعادة الروحية. وهذه الحقيقة نتيجة طبيعية للتطبيق العملي للأخلاق, ذلك أن الإنسان عندما يعمل بمقتضى عقيدته فيؤدي الواجبات كما ينبغي أداؤه، ويتجنب المحرمات ويوجه طاقاته نحو الأهداف السامية ويحققها خطوة خطوة وجزءا جزاء. يشعر عندئذ بأنه إنسان خير قوي الإرادة سائر في طريق خير نحو غاية خيرة, ولا يعوق إحساسه هذا ما يلاقي أحيانا في هذا السبيل من معوقات أو مشقات. بل يزيد إحساسه بالسعادة؛ لأنه عندئذ يشعر أنه يكافح من أجل خير نفسه وخير الإنسانية إذ إن

стр. 411

الإنسان الخير لا بد من أن يعمل لخير الإنسانية, يضاف إلى هذا ما يجد من التقدير الأدبي من الناس وهو سائر في هذا الطريق. إن هذا العمل بهذا الإحساس هو سبيل السعادة الروحية التي تلازمه باستمرار, أما الانهماك في الملذات على حاسب الأخلاق فليس وسيلة السعادة بل هو وسيلة الشقاء ذلك أن الإنسان المنحرف يشعر دائما بالدناءة وتأنيب الضمير, وهذا سبب لإحساسه بالقلق والشقاوة. وهذه الحقيقة يدركها من يصغي عن قرب إلى أنين قلوب أولئك الذين انحرفوا عن الطريق السوي. ومن يقرأ كتاباتهم وأشعارهم. ولا ننكر أيضا ما يعبرون به عن ملذاتهم الوقتية, إلا أن ما يعانونه من الشقاء النفسي والعذاب الروحي يساوي أضعاف ما يتمتعون به من اللذات أمام لذة الفضيلة إن صح هذا التعبير فهي دائمة لا تنقطع. وهكذا نجد أن الأخلاق طريق الإنسانية ومن يخرج عن هذا الطريق تعاقبه الإنسانية: الإنسانية المكنونة في ضمير كل فرد أخلاقي ومن سار فيها تكافئه بالسعادة الروحية، وهي أغلى قيمة تهدف الأخلاق لتحقيقها للإنسانية. وبعد هذا لنا أن نسأل ما الهدف من الأخلاق, الفرد أم المجتمع, وما قيمة الفرد وما قيمة المجتمع في الاتجاه الأخلاقي في الإسلام؟ هذه النقطة جديرة بالمعالجة؛ لأنها تؤثر تأثيرا كبيرا في النظام الخلقي للحياة, ولهذا فهي تحتاج إلى معالجة مفصلة خاصة. وهذا ما سنحاوله في الفصل التالي.

стр. 412

الفصل الثالث: القيم الأخلاقية بين الفرد والمجتمع أهم الاتجاهات الفلسفية والاجتماعية في الموضوع ... الفصل الثالث: القيم الأخلاقية بين الفرد والمجتمع أولا: أهم الاتجاهات الفلسفية والاجتماعية في الموضوع: هناك اتجاهات في تنظيم الحياة الاجتماعية وفقا للقيم الأخلاقية, أحدهما يجعل الصدارة للمجتمع والآخر يجعلها للفرد. والاتجاه الأول يرى أن يعيش الفرد من أجل المجتمع, وعليه أن يخضع لإرادة الجماعة خضوعا تاما في رأيها وغايتها, وإذا كانت له حرية النقد فذلك في مجال التطبيق لا في مجال النظرية, وإذا كانت له حرية العمل فذلك للبحث عن أنفع أسلوب لأداء أكبر قدر ممكن من العمل لكن ينبغي أن يتم ذلك في إطار الواجبات العامة التي تفرضها الجماعة على الأفراد, لتحقيق مصلحة للجماعة أولا. ولا قيمة للأفراد إلا باعتبارهم أداة خدمة وإنتاج للجماعة؛ لأن الفرد لم يوجد إلا من أجل هذه الغاية. أما الاتجاه الثاني فيعترف للفرد بقيمته وحريته ومسئوليته, إذ لم ينشأ النظام الاجتماعى إلا لتحقيق مصالح الأفراد عن طريق الحرية وإزالة العوائق بين الأفراد. فقيمة المجتمع إذن مرهونة بقيمة أفراده ولهذا يجب مراعاة مصلحة الأفراد واحترامهم ولا ينبغي اتخاذهم أداة طيعة أو وسائل للإنتاج الجماعي١. وأما من الناحية الأخلاقية فيرى أصحاب الاتجاه الأول النزعة الاجتماعية نزعة فطرية في الطبيعة الإنسانية فالفرد يميل إلى الاجتماع بطبيعته٢.

стр. 413

ولذا فالإيثار والغيرية في السلوك الأخلاقي ينبعان من فطرة الإنسان, إذن فالأخلاق فطرية في الإنسان وعلى الإنسان والمجتمع أن ينميا هذا الدافع الفطري١. وأما أصحاب الاتجاه الثاني فيرون أن الأثرة والأنانية غريزة في طبيعة الإنسان فهو لا يسعى إلا وراء منفعته الخاصة, وإذا سلك أحيانا السلوك الاجتماعي الغيري مثل العدالة والإحسان والتعاون؛ فذلك لأنه يريد تحقيق مصالحه الخاصة٢؛ ولأنه يرى أنه لا يستطيع أن يعيش إلا بالتعاون مع الناس.

стр. 414

ثانيا: اتجاه الإسلام في الموضوع: إن الإسلام بنى نظامه الخلقي على أساس نظرته إلى قيمة الفرد وقيمة المجتمع معا. وقد رأينا فيما سبق أن الأخلاق تكتسب بعض قيمتها من قيمة الذات الإنسانية الفاعلة وهذه الأخيرة إما تكون فطرية وإما إضافية ونريد بالقيمة الفطرية تلك الكرامة الطبيعية التي أعطاه الله إياها منذ أن خلقه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ٣, ونريد بالقيمة الإضافية تلك التي يكتسبها الإنسان عن طريق ممارسته للفضيلة, مثل الإيمان بالله والإحسان إلى الناس والتعلم وما إلى ذلك٤

стр. 415

ولذا قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ١, وقال الرسول ﷺ : "فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة" ٢, ولا شك أن العلم يكتسب بالجهد الفردي, وكذلك الفضيلة، والقيمة التي ترجع إلي الإرادة وهي الإرادة الخيرة أو مدى إخلاص الإنسان في عمله الأخلاقي. وكلما زاد إخلاص الفرد وقيمته الذاتية زادت قيمة عمله الأخلاقي كما يفهم ذلك من الحديث السابق وكما يحس به كل منا في حياته العملية. ولنضرب لذلك مثلا بالرجل الذي رأى إنسانا قد أقعده ثقل حمله من مواصلة السير إلى حيث يريد وبقي جالسا على قارعة الطريق. فلو أنه حمله عنه أو حمله إلى آخر، فمتى كان هذا المساعد عالما فاضلا من كبار القوم فإن تقديرنا لعمله سيكون أكثر من تقديرنا لهذا العمل الذي كان من إنسان عادي مع أن العمل في كلتا الحالتين واحد. إذن للفرد قيمة وتزيد قيمة عمله بحسب قيمة شخصيته وإرادته للخير وهذا قد بيناه، كما بينا أن هناك حاسة أخلاقية تدفع المرء إلى السلوك الأخلاقي وتميز بينه وبين غيره. إذن الأخلاق ليست سلوكا مجردا يصنع يتخذه المرء وسيلة لقضاء مآربة النفعية، كما يدعي ذلك أنصار المذهب الأناني. وأما فيما يخص قيمة المجتمع فنرى أنها حصيلة لجمع القيم الفردية التي تستقل كل قيمة فردية منها بذاتها ونسبة تلك القيمة الكلية شبيهة بنسبة حصيلة الخزينة إلى كل درهم تحتوي عليه. ثم إن الإسلام يخلع على تلك القيمة الاجتماعية الكلية طابعه الخاص. فقد عرفنا أن الإسلام اهتم بالحياة الاجتماعية عندما دعا إلى الحياة مع الناس ونهى عن العزلة بدليل أنه فضل العبادة مع

стр. 416

الجماعة على عبادة المنفرد فقال الرسول- ﷺ : "صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا" ١, وقال: "عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلتزم الجماعة" ٢. وقال: "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع رِبْقَة الإسلام من عنقه" ٣, وقال أيضا: "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا" ٤. وقالوا يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعون حقنا ويسألون حقهم؟ فقال: "اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم" ٥. لكنه لا ينبغي أن يفهم من هذا وجوب الطاعة لهم ولو أمروا بمعصية إذ نهى الرسول عن ذلك فقال: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" ٦. لكن للمرء أن يلجأ إلى العزلة في الظروف الاستثنائية كأن يعم الفساد في المجتمع ويعجز المرء عن مقاومته مع الخوف على النفس من أن يصيبها هذا الفساد، ولهذا قال الرسول ﷺ : "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن" ٧. وقال أيضا: "تكون فتن القائم فيها خير من اليقظان واليقظان فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الساعي، فمن وجد ملجأ أو معاذا فليستعذ" ٨.

стр. 417

أما في غير هذه الظروف الاستثنائية فيجب الاختلاط؛ لأن الاختلاط فضيلة إنسانية وهو ضرورة لتكامل الإنسان وتفادي كثير من الأضرار الناتجة عن العزلة ولهذا قال الرسول ﷺ : "المسلم إذا كان مخالطا الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" ١. وقال: "المؤمن إلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس" ٢. وقد ذكر الغزالي كثيرا من فوائد المخالطة منها التعليم والتعلم، والنفع والانتفاع والتأديب والتأدب، والاستئناس والإيناس والتجارب، وذكر كثيرا من مضار العزلة النفسية والخلقية فيقول مثلا: "إن الإنسان بالمخالطة يجرب نفسه وأخلاقه وصفات باطنه وذلك لا يقدر عليه في الخلوة.. فالصبي إذا اعتزل بقي غرا جاهلا٣.. وكل غضوب أو حقود أو حسود إذا خلا بنفسه لم ينشرح منه خبثه وهذه الصفات مهلكات في أنفسها يجب إماطتها وقهرها ولا يكفي تسكينها بالتباعد عما يحاكيها. فمثال القلب المشحون بهذه الخبائث مثل دُمَّل ممتلئ بالصديد والمُدة وقد لا يحس صاحبه بألمه ما لم يتحرك أو يمسه غيره فإن لم يكن له يد تمسه أو عين تبصر صورته ولم يكن معه من يحركه ربما ظن بنفسه السلامة ولم يشعر بالدمل في نفسه واعتقد فقده. ولكنه لو حركه محرك أو أصابه مشرط حجام لانفجر منه الصديد وفار فوران الشيء المختنق إذا حبس عن الاسترسال، فكذلك القلب المشحون بالحقد والبخل والحسد والغضب وسائر الأخلاق

стр. 418

الذميمة إنما تنفجر من خبائثه إذا حرك"١. ويقول أيضا: "إن المخالطة ارتياض بمقاساة الناس والمجاهدة في تحمل أذاهم كسرا للنفوس وقهرا للشهوات وهي من الفوائد التي تستفاد بالمخالطة وهي أفضل من العزلة في حق من لم تتهذب أخلاقه"٢. ولم يكن الغزالي هو وحده الذي تكلم عن مضار العزلة، بل هناك علماء النفس الذين هاجموا العزلة وتكلموا عن مضارها. فهذا "هورني" يرجع أحد أسباب القلق في الحياة إلى العزلة٣ وهذا "دور كايم" يرجع أحد أسباب الانتحار إلى انقطاع ارتباط الفرد عن المجتمع٤ ويرجع "وليم مكدوجل" بعض العيوب الخلقية إلى العزلة ويقول: إن المعاشرة والاجتماع وسيلة للقضاء على مثل هذه العيوب٥. ولهذا كان الإسلام حكيما عندما ربط الفرد بالمجتمع ربطا كربط العضو بالجسم فقال الرسول- ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ٦. وتشويقا إلى الاجتماع وتنفيرا من العزلة والافتراق قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ, وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا

стр. 419

مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١، وقال الرسول ﷺ : "اثنان خير من واحد وثلاثة خير من اثنين وأربعة خير من ثلاثة فعليكم بالجماعة فإن الله لن يجمع أمتي إلا على هدى" ٢. من هذا كله يتبين لنا أن قيمة الجماعة أعظم من قيمة الفرد من حيث إنها مجموع القيم من جهة ومجموع العقول من جهة أخرى، ثم إن المجتمع ضرورة للفرد إذ إنه بحاجة إليه من الناحية النفسية ومن ناحية القوة. ولكن هل معنى هذا أن الفرد مجرد وسيلة لتحقيق أغراض الجماعة، أو أن قيمته ينبغى أن تقاس بمدى ما يحقق من هذه الأغراض ويسعى لها؟ الحقيقة أن الإسلام ينظر إلى الفرد باعتباره عضوا مستقلا في المجتمع، له كرامة وحرية ومسئولية. زد على هذا أن مسئوليته لا تقتصر على نفسه بل تتعدى إلى المجتمع أيضا. ولا يصح أن يُتَّخذ الإنسان وسيلة لمآرب أخرى؛ لأنه غاية في ذاته ولهذا قال الرسول ﷺ لأبي هريرة: "يا أبا هريرة إذا استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم فافعل تكن من المقربين ولا تتخذن أحدا من خلق الله غرضا فيجعلك غرضا لشرر جهنم يوم القيامة" ٣. كذلك لم يجعل المجتمع مجرد وسيلة لتحقيق الأهداف الفردية ولهذا لا يصح استغلال المجتمع لتحقيق المنافع الشخصية أو الأغراض الأنانية.

стр. 420

إذن فلكل من الفرد والمجتمع شخصية وكرامة مستقلة ولكن هناك ارتباط بينهما من ناحية أخرى وهي أن السلوك الأخلاقي لا يمكن أن يتصور إلا بوجود طرفين: أحدهما مبدؤه والآخر منتهاه، وأحدهما معطٍ والآخر آخذ، أحدهما قاصد فاعل والآخر مقصود مفعول له، فمثلا الإنسان الذي يريد فعل الخير لا يمكن أن يريد الفعل نفسه وإنما يريد إيصال نفع بسببه إلى الآخر، إذن الغاية من الفعل ليس الفعل ذاته، وإنما ذات شخص آخر سواء كان الفاعل فردا أو جماعة، إذن لا يمكن تصور أحدهما دون الآخر من الناحية السلوكية حتى إن عمل الإنسان لنفسه يمكن أن ننظر إليه من زاوية اجتماعية؛ لأنه عضو في المجتمع وكل عمل يعود عليه نفع أو ضرر يتردد صداه في المجتمع. إذن فمن العسير أن نضع حدودا حاسمة بين ما نسميه الأخلاق الفردية والأخلاق الاجتماعية، ولا يمكن تصور ذلك إلا من ناحية واحدة وهي ناحية الغاية الأخلاقية، فإذا اتخذت الذات الفاعلة الغاية من سلوكها تحقيق أمر لنفسها دون مراعاة الغير عند اتخاذ الغاية وعند اتخاذ الوسائل لتحقيق تلك الغاية. وإذا خرج هذا السلوك من الأخلاق من حيث الظاهر لكن من حيث الواقع تبقى هناك صلة، ذلك أنه ما من عمل يقوم به الإنسان لنفسه إلا وكان لغيره منه نصيب إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ولنضرب لذلك مثلا بالرجل السكير فالسكير لا يستطيع الاحتجاج بأنه حر في أن يحقق لنفسه ضربا من المنفعة، إذ إن عمله يعود على نفسه وعلى ذريته وعلى المجتمع بالضرر، وكل سلوك ضار بصاحبه ضار بغيره ولو بطريق غير مباشر، هذه حقيقة يدركها من يدرسها دراسة علمية واعية. من هذا كله نستطيع أن نحكم بأن كل سلوك وكل عمل له صفة أخلاقية

стр. 421

فردية واجتماعية معا، وذلك بصرف النظر عن سمته الغالبة وعما يتراءى للناس من مظهره الخارجي. لكن هل النظام الأخلاقي في الإسلام يراعي مصلحة الفرد أو مصلحة الجماعة من الناحية التشريعية؟ ليس من الممكن أن نؤكد بصفة عامة أنها أخلاق فردية فحسب أو أخلاق اجتماعية.

стр. 422

أنواع الأخلاقيات في إطار الأخلاق الإسلامية النوع الأول: ينزع منزعاً فردياً ... ثالثا: أنواع الأخلاقيات في إطار الأخلاق الإسلامية: نستطيع أن نفرق بين ثلاثة أنواع متميزة من الأخلاق في هذا المجال في إطار أخلاقي في الإسلام. النوع الأول: ينزع منزعا فرديا: رأينا أن السلوك لا يوصف بأنه أخلاقي إلا إذا كان يتسم بالغيرية، ولو كان الهدف منه الذات الفاعلة نفسها. وبقدر ما تجرد من الأنانية واتسم بالغيرية كانت الصفة الأخلاقية فيه أبرز وأوضح. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يصح لنا أن نصف السلوك الفردي الذي يدور حول الذات الفردية وحدها بأنه سلوك أخلاقي؟ وكيف نجمع الفردية الأنانية والغيرية في آن واحد؟ هذا يمكن جمعه وتصوره من الناحية النظرية والعملية معا، ولتجسيد هذه الفكرة يمكن أن نضرب لذلك مثلا بالشخص المنتحر فهو من ناحية فاعل ومن ناحية أخرى مفعول، ومن الناحية الغائية أصبحت الذات الفاعلة نفسها وسيلة وغاية في الوقت نفسه، إذ يمكن أن نتصور الذات فردين من هذه الزاوية لوجود الطرفين في السلوك مع الغاية، ونستطيع تقويم أي سلوك من هذا القبيل بالمعايير الأخلاقية: فالانتحار هنا فعل شر وغير أخلاقي؛ لأنه فعل هدام وليس بناء وهو يهدف إلى هدم شيء قيم هو إنسان ثم إنه يصدر بنية إعدام قيمة.

стр. 423

ثم إن النفوس في نظر الإسلام متساوية من حيث الأصل وهي ملك الله فلا يحق لأحد أن يتصرف فيها، ولو في نفسه كما يشاء، بالإهمال، أو الإهدار ولهذا فالإنسان يلقى عقابا من الله على إهدار نفسه كما يعاقب على إهدار نفس غيره، لذا حرم الانتحار فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ١. وقال الرسول ﷺ : "كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا حز بها يده فما رقأ الدم حتى مات قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة" ٢. هذا من ناحية الإضرار بالنفس بقصد أو بغير قصد، أو من زاوية النظر إلى العمل الفردي الشخصي غير الأخلاقي، ولننظر إلى العمل الشخصي النافع أو الأخلاقي ولنضرب لذلك مثلا بشخص آخر يعتني بصحته ويهدف من وراء ذلك إلى القيام بأعمال يعود نفعها على نفسه وعلى غيره، فالاعتناء بالصحة عمل شخصي ولكنه عمل بناء بصرف النظر عن غايته، وكما أنه مفيد نافع لذاته فهو مفيد لغيره أيضا؛ لأن الناس الآخرين ينتفعون من صحته وأعماله بطريق غير مباشر وإن لم يكن قد قصد ذلك، هذا إلى أنه متى قصد منه خدمة الناس اعتبر هذا العمل أخلاقيا من ناحيتين معا: من ناحية المظهر ومن ناحية المعنى؛ لأنه يهدف إلى دوام قيمة من ناحية، وإيصال قيم إلى الآخرين من ناحية أخرى ولهذا قد عد الرسول ﷺ عمل الإنسان الخير لنفسه عملا أخلاقيا فقال: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا" ٣.

стр. 424

بل إن الإسلام عد كل عمل إيجابي بناء، ولو كان من الأعمال العادية عملا أخلاقيا خيرا، ما دام يتم ذلك بنية الخير، بل إن إشباع المرء لحاجاته الأولية يعد خيرا بتلك النية الخيرة. نخلص من هذا كله إلى أن عمل الإنسان لنفسه على اعتبار أنه فرد من المجتمع له قيمة أخلاقية؛ لأنه مكلف برعاية هذه النفس وحفظها وهذا يعد عملا أخلاقيا واجتماعيا من ناحيتين: الأولى أنه بذلك يؤدي واجبا إلهيا. والثانية أنه بذلك يضع حجرا سليما في بناء المجتمع؛ لأن سلامة هذا المجتمع متوقفة أيضا على سلامة أفراده ولهذا كان الرسول ﷺ دقيقا للغاية عندما شبه في الحديث السابق المجتمع بالجسد الواحد، والأفراد بالأعضاء١. إذن عمل الإنسان الشخصي يدخل من هذه الزاوية في إطار الأخلاق الفردية، وإن لم يخلُ في الوقت نفسه من صبغة اجتماعية.

стр. 425

النوع الثاني: ينزع منزعا اجتماعيا: وهذا النوع ينقسم إلى قسمين: القسم الأول، وهو الأعمال التي يقوم بها مجموعة من الناس بقصد تحقيق غايات تتصل بهم أو بغيرهم وهذا النوع من الأخلاق منه واجب ومنه ما ليس واجبا فالدفاع عن الدين والوطن ضد الاعتداءات الخارجية واجب اجتماعي وليس المسئول عنه هنا فرد معين أو طائفة معينة بل المسئول كل المجتمع وكل فرد قادر على الدفاع ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ .١
следующие страницы →