← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 11296

علم التخريج ودوره في خدمة السنة النبوية - عبد الغفور البوشلي

عبد الغفور البلوشي

Полный текст (145 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... علم التخريج ودوره في خدمة السنة إعداد الدكتور عبد الغفور عبد الحق البلوشي التمهيد: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، وعلى آله الطيبين وصحابته المكرمين المجاهدين الذين لم يألوا جهدًا في نشر هذا الدين وتبليغه للعالمين، أما بعد: فمن فضل الله سبحانه على هذه الأمة أن تكفَّل الله بحفظ هذا الدّين ومصادره وأصوله وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] كما أنه جعل وظيفة رسوله ﷺ بيان كل ما يحتاج إلى بيان في هذا الكتاب، فبيَّن وفسّر، وصار بيانه لازماً لحفظ القرآن، ومن هنا هيأ الله تعالى لكتابه وسنة رسوله من يحفظونهما جيلاً بعد جيل، حفظاً في الصدور وحفظاً في السطور جنباً إلى جنب، فالذين قاموا بخدمة الكتاب والسنة هم العدول الأثبات فما تركوا جانبًا من جوانب العلم تحتاج إليه الأمة إلاَّ قاموا بذلك، والعناية بالسنة لا تزال مستمرة من القرون المفضلة إلى يومنا هذا، وليست إقامة هذه الندوة إلاَّ نموذجًا لاهتمام المملكة بخدمة السنة والسيرة، إذ يقوم عدد كبير من الباحثين بالكتابة في موضوعاتها المختلفة، وكنت ممن دعي إلى ذلك، فتلبية للدعوة بالمشاركة في ندوة «عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية» التي تنظمها وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ممثلة في مجمع الك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، بتقديم بحث في المحور الثاني: «عناية

стр. 2

المسلمين بالسنة والسيرة النبوية على مرّ العصور» الموضوع الثامن «علم التخريج ودوره في خدمة السنة» . فشمّرت عن ساق الجد مستعينا بالله تعالى في كتابة هذا البحث، أسأل الله تعالى أن ينفع به المسلمين وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، إنّه سميع مجيب.

стр. 3

خطة البحث: قسمت البحث إلى تمهيد ومقدمة وأربعة أبواب، وفي كل الأبواب فصول، ثم خاتمة. أما التمهيد ففي عناية الأمة بخدمة الكتاب والسنة وسبب الكتابة في هذا البحث. أما المقدمة ففي معاني التخريج لغة واصطلاحاً، والكتب المؤلفة حديثاً فيه. الباب الأول: أهمية التخريج والاستخراج وفوائده ونشأته. وفيه فصلان: الفصل الأول: أهمية التخريج والاستخراج وفوائده. الفصل الثاني: نشأته وتطوره. الباب الثاني: اهتمام العلماء بالتخريج وجهودهم في ذلك. ويشتمل على مدخل وفصلين: المدخل: بداية الاهتمام بالتخريج بشكل مؤلفات في القرن الرابع فما بعد. الفصل الأول: جهود العلماء في تخريج الأحاديث الواقعة في كلام بعض المصنفين من أهل الفنون المختلفة. الفصل الثاني: جهود العلماء في تخريج الأحاديث بدون تقيّد بكتاب معيّن وموضوع معين. الباب الثالث: التخريج المبني على المتن والإسناد وطرق تخريجهما: وفيه مدخل وفصلان: المدخل: بيان الصعوبة في التخريج وشدة الحاجة إليه.

стр. 4

الفصل الأول: في التنبيه على بعض الأمور المهمة المتعلقة بالتخريج. الفصل الثاني: طرق تخريج الحديث ووسائله: وفيه مدخل وثلاثة مباحث: المبحث الأول: التخريج عن طريق معالم السند. المبحث الثاني: التخريج عن طريق معالم المتن. المبحث الثالث: التخريج عن طريق الكلّ بالحاسوب. الباب الرابع: دراسة إسناد الحديث ومتابعاته وشواهده. وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: في بيان بعض الأمور المهمة بين يدي الموضوع. الفصل الثاني: دراسة الأسانيد والطرق وثمرتها، وخطواتها. الفصل الثالث: في بعض الكتب المهمة المساعدة على دراسة الرواة. الخاتمة.

стр. 5

المقدمة: قبل أن أدخل في موضوع البحث أريد أن أُعرِّف التخريج لغة واصطلاحاً وإطلاقاته عند المحدثين، فأقول: التخريج لغة: التخريج مشتق من مادة خرج خروجاً، والخروج نقيض الدخول، وخارج كل شيء ظاهره. يقال: خرجت خوارج فلان إذا ظهرت نجابته (١) . ومنه قوله تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] أي كمثل زرع أبرز وأظهر مزروعه وطرفه (٢) ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٢٩] أي: أبرز وأظهر نهارها ونورها (٣) . وقال ابن فارس: «فقولنا خرج يخرج خروجاً والخراج بالجسد ... والخروج خروج السحابة، يقال ما أحسن خروجها، وفلان خرّيج فلان، إذا كان يتعلم منه كأنّه هو الذي أخرجه من حدّ الجهل» (٤) ، فكلّ ما ذكر يتضمن معنى الظهور، وورد الاستخراج والاختراج بمعنى الاستنباط أيضاً، ويقال أيضاً: وخرّجه في الأدب فتخرَّج فهو خِرِّيج (٥) ، ومن ذلك خِرِّيج

стр. 6

الجامعة، وذكر الدكتور بكر أبو زيد: أنّ معناه مشتق من: النفاذ والظهور والانفصال للشيء، من المكان الذي هو فيه إلى غيره سواء في الأعيان أو المعاني، ومَثَّل للأعيان: خروج السحابة وخروج الشمس من تحت السحاب وخروج الرّجل من داره، وللمعاني: قولهم: فلان يحب الخروج أي الظهور، ولهذا سمّي الخارجون عن طاعة الإمام خوارج (١) ، وخرّج على وزن فعّل من فعله الرّباعي ومصدره التخريج، ومن هذا الرّباعيّ على أساس اشتقاقه الكبير، -وهو انفصال الشيء من المكان الذي هو فيه إلى غيره- قيل لعمل المحدث الذي يخرج الحديث من بطون الكتب «تخريج» (٢) ، فمن هنا يظهر لنا مناسبة المعنى اللغوي للمعنى الاصطلاحي، وقد يَرِدُ التخريج بمعنى الإخراج والاستخراج أيضاً (٣) . أمَّا اصطلاحاً: فلم يتعرض له من ألَّفوا في التخريج، وقاموا بتخريج أحاديث في كتب فقهية أو تفسيرية ونحوهما مثل: الزيلعي والحافظ العراقي وابن حجر وغيرهم، وهذا ما جعل الباحثين يختلفون في التعريف الاصطلاحي للتخريج. ونذكر فيما يلي نموذجاً من بعض الإطلاقات لمعاني التخريج عند المحدثين، ثم ما ورد من المعاصرين من تعريفات اصطلاحية عندهم.

стр. 7

إطلاقات التخريج عند المحدِّثين: حيث ورد إطلاقه على معان: منها: الإخراج: أي إبراز المحدِّث الحديث أو إظهاره بسنده إلى النبيّ ﷺ وروايته للناس. قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه (١) "ثم إنّا إن شاء الله، مبتدئون في تخريج ما سألت، وتأليفه على شريطه"، أي شرطه، فسمّى ﵀ عمله في إخراج الصحيح تخريجاً. وهكذا ينطبق هذا الإطلاق على غيره من المصنفات التي صنفها أصحابها بأسانيدهم مثل الصحاح والسنن والمسانيد، وغيرها من الكتب التي عنيت بذكر الأحاديث بالأسانيد، ولذا يقال عند النسبة إليها أخرجه البخاري، وأخرجه مسلم، وهكذا كان يطلق عند العلماء المتقدمين (٢) –بعد ظهور المصنفات المنهجية في السنة – على إيراد الحديث بإسناده في مصادر السنة، وهذا الاصطلاح قد خفت حِدَّتُه كثيرا عند المتأخرين (٣) . وعلى هذا ينزل كلام ابن الصلاح (٤) : وللعلماء بالحديث في تصنيفه طريقتان إحداهما: ((التصنيف على الأبواب، وهو تخريجه على أحكام الفقه وغيرها ...)) أي إخراجه وروايته للناس في كتبهم فهو مرادف له بهذا المعنى. ويطلق أيضاً على إخراج الأحاديث من بطون الكتب وروايتها كما ذكر الدكتور الطحان (٥) ، ونزل كلام السخاوي على هذا، حيث قال السخاوي:

стр. 8

((والتخريج: إخراج المحدث الحديث من بطون الأجزاء والمشيخات، والكتب ونحوها وسياقها من مرويات نفسه، أو بعض شيوخه أو أقرانه أو نحو ذلك، والكلام عليها، وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين مع بيان البدل والموافقة ونحوهما ... (١)) ) . وذكر د. بكر أبو زيد أن السخاوي - رحمه الله تعالى - أشار في تعريفه المذكور إلى اختلاف حقيقة التخريج بتنوع طرقه واختلاف حقائقها (٢) ، ثم ذكر أنه قد يُتوسع في إطلاقه - أي التخريج - على مجرد الإخراج والعزو (٣) . ومن اطلاقات التخريج: الانتقاء: الفوائد والأجزاء وغيرها، ومنها تخاريج الخطيب البغدادي لعدد من الكتب، منها فوائد أبي القاسم النَّرْجِسي، تخريج الخطيب في عشرين جزءا. «الفوائد المنتخبة الصحاح العوالي» لجعفر بن أحمد السراج القاري، تخريج الخطيب (٤) . وينطبق التخريج بهذا المعنى على كل الكتب التي انتخبها المحدِّثون من المصادر الحديثية، وذكر الذهبي في ترجمة الجارودي الهروي (ت٤١٣هـ) أنه

стр. 9

قال بعض الكبار: الجارودي أول من سنّ بهراة تخريج الفوائد وشرح الرجال والتصحيح (١) . ولكن هذا المعنى لم ينتشر ولم يستمر فيما بعد، وصار في حكم المنسي. وإنّما كثر استعماله في الأزمنة الأخيرة إلى وقتنا الحاضر بمعنى العزو والدلالة: أي عزو الحديث إلى مصادره التي خرجته والدّلالة على مواضعه مع بيان الحكم. ذكر المناوي عند قول السيوطيّ: «وبالغت في تحرير التخريج» بمعنى اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث، من الجوامع والسنن والمسانيد فلا أعزو إلى شيء منها إلاّ بعد التفتيش عن حاله وحال مخرجه، ولا أكتفي بعزوه إلى من ليس من أهله -وإن جلَّ– كعظماء المفسرين» (٢) أي: الذين يذكرون الأحاديث بدون إسناد، أمَّا الذّين يسندون الأحاديث فداخل في عزوه. وهذا المعنى الأخير هو الذي شاع وذاع عند المتأخرين من المحدثين في القرون المتأخرة وكثر استعماله بعد أن بدأ العلماء بتخريج الأحاديث المبثوثة في بطون الكتب المختلفة، ولا سيما في الفقه والتفسير وغيرهما (٣) . ومن إطلاقات المحدثين: الاستخراج أو المستخرج، وجمعه مستخرجات،

стр. 10

ذكر الذهبي في ترجمة الحافظ أبي عليّ الحسين بن محمد بن أحمد أنّه «خرج على الصحيحين» مستخرجاً حافلاً (١) . وذكر الحافظ ابن حجر في كتابه النكت فقال: «إنّ الحافظ أبا بكر محمد ابن عبد الله الشيباني المعروف بالجوزقي ذكر في كتابه المسمَّى بـ المتفق (أي الكبير) – أنه استخرج على جميع ما في «الصحيحين» حديثاً حديثاً، فكان مجموع ذلك خمسة وعشرين ألفَ طريق، وأربعمائة وثمانين طريقاً (٢) . وكذا ذكر الذهبي وابن عبد الهادي أنّ «كتاب المتفق الكبير» نحو ثلاثمائة جزء (٣) . وسيأتي الكلام على اصطلاح الاستخراج عند المحدثين وفوائده قريباً. وقد توسع د. بكر أبو زيد في معنى التخريج – بعد أن عدَّه من المشترك اللفظي – واستعماله عند المحدثين وغيرهم- حتى وصّلها إلى ثمانية عشر معنى واستعمالاً ختمها بلفظ «التخريج عند النحاة» (٤) . تبيّن من خلال المعاني السابقة أنّ المتقدمين لم يُعَرِّفوا التخريج، بالمفهوم المصطلح عند المتأخرين، ولعلّ أقرب تعريف للتخريج الاصطلاحي عند المتأخرين ما تقدم ذكره عن السخاوي والمناوي؛ ولذلك اختلف المعاصرون الذين ألّفوا في أصول التخريج وقواعده في معنى التخريج اصطلاحاً.

стр. 11

التخريج في اصطلاح المعاصرين عرّفه الطحان بقوله: «التخريج هو الدلالة على موضع الحديث في مصادره الأصلية التي أخرجته بسنده، ثم بيان مرتبته عند الحاجة» (١) . وردَّ هذا التعريف الدكتور بكر أبو زيد، وقال: إن «هذا تعريف لطرق استخراج الحديث، ولا يمكن قبوله تعريفاً وحقيقة «للتخريج» ، وتأباه صناعة الحدود والتعريفات» (٢) . وعرفه البقاعيّ: بقوله: «هو إظهار مواضع الأحاديث من مصادرها المسندة» (٣) . ثم ذكر أنه لا يَرِدُ على تعريفه هذا أن بعض كتب التخريج فيها زيادات... كالحكم عليه صحة أو ضعفاً؛ لأنه لاحظ جوهر التعريف دون الزيادات، إذ إن هذه الزيادات لم يطَّرد وجودُها في كتب التخريج كافة (٤) . فيرد على هذا التعريف ما أورد على التعريف السابق. وعرّفه إقبال أيضا قريبا من تعريف الطحان المذكور مع تفاوت يسير في الألفاظ (٥) .

стр. 12

«هو عزو الحديث إلى من أخرجه من أئمة الحديث والكلام عليه بعد التفتيش عن حاله ورجال مخرجه» (١) . وذكر الدكتور سعد بن عبد الله آل حميد أن تعريف التخريج الاصطلاحي: له ثلاثة تعريفات: التعريف الأول: إخراج الحديث وإبرازه للناس بذكر سنده ومتنه، فيقال: هذا حديث أخرجه البخاري، أي أبرزه وأظهره للناس بذكر سنده ومتنه كاملاً. التعريف الثاني: تخريج أحاديث كتاب معين، بذكر المخرِّج الحديثَ الذي ذكره صاحب ذلك الكتاب بسنده كما فعل الحافظ ابن حجر في كتابه «نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار» (٢) للنووي، فالنووي يورد فيه الأحاديث بدون ذكر الأسانيد مع العزو كما هو طريقته في رياض الصالحين، فخرج الحافظ ابن حجر أحاديثه حديثاً حديثاً بإسناده الطويل منه إلى النبي ﷺ ، بتصرف يسير. التعريف الثالث: هو التعريف الذي أصبح الدارج عند متأخري زماننا عرَّفه بعضهم، ويعني بالبعض تعريف الطحان المذكور، الذي نقده د. بكر أبو زيد، ولعلَّ أدق تعريف له الذي ينطبق على أعمال التخريج عند العلماء هو ما عرَّفه الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد بقوله:

стр. 13

«هو معرفة حال الراوي والمروي، ومَخْرَجِهِ، وحكمه صحة وضعفاً بمجموع طرقه، وألفاظه» (١) ، ثم قال: «هذا تعريف التخريج» بمعناه الدقيق وهو المراد عند الإطلاق، وهو «الطريقة الخامسة» (٢) من طرق التخريج وهي أعلاها» (٣) ، وهذا التعريف هو الذي أراه دقيقاً بفن التخريج العمليّ عند أهله، وقريب مما ذكره د. بكر أبو زيد، تعريف الدكتور عبد الغني أحمد مزهر التميمي الثالث في كتابه ((تخريج الحديث النبوي)) (٤) ، وإن كانت بقية التعريفات أيضاً ليست بعيدة وكلها تدور حول الحمى، لكنّ الاختيار وقع للأدق والأمثل منها، والله أعلم. ولعله من المناسب بعد الانتهاء من عرض معنى التخريج اصطلاحاً أن أذكر الكتب والرسائل التي ألفت في هذا الموضوع.

стр. 14

أهم المؤلفات في «أصول التخريج» «وطرق استخراج الحديث» (١) ١- «حصول التفريج بأصول العزو والتخريج» لأبي الفيض أحمد بن محمد ابن الصدِّيق الغماري (ت١٣٨٠هـ) ، والكتاب مطبوع ولم أقف عليه لعدم توفره (٢) . ٢- «أصول التخريج ودراسة الأسانيد» للدكتور محمود الطحان (٣) . ٣- «كشف اللثام عن أسرار تخريج أحاديث سيد الأنام» للدكتور عبد الموجود عبد اللطيف (٤) . ٤- ((طرق تخريج حديث رسول الله ﷺ ) للدكتور عبد المهدي عبد القادر (٥) لم أقف عليه. ٥- «أصول التخريج وطرق تخريج الحديث» للدكتور شاكر ذيب فيّاض (٦) . ٦- «منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها ويليه دراسة في تخريج الأحاديث» للدكتور وليد بن الحسن العاني (ت١٤١٦هـ) (٧) .

стр. 15

٧- علم تخريج الأحاديث: أصوله، طرائقه، مناهجه للدكتور محمد محمود بكار (١) . ولم أقف عليه. ٨- «تخريج الحديث» للدكتور همام عبد الرّحيم سعيد (٢) . ولم أقف عليه. ٩- «تبسيط علم التخريج» للدكتور مصطفى سليمان الندوي (٣) لم أقف عليه. ١٠- «التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل» للدكتور بكر ابن عبد الله أبو زيد (٤) . ١١- «مفاتيح علوم الحديث وطرق تخريجه» لمحمد عثمان الخشين (٥) . ولم أقف عليه. ١٢- «فن تخريج الحديث» للدكتور عزّت علي عيد عطية، لم أقف عليه (٦) . ١٣- «المدخل إلى تخريج الأحاديث والآثار والحكم عليها» للدكتور عبد الصمد بن بكر عابد (٧) . ١٤- «تحفة الخريج إلى أدلة التخريج» تأليف: إقبال أحمد محمد إسحاق (٨) .

стр. 16

١٥- «طرق تخريج الحديث» للدكتور سعد بن عبد الله آل حميد (١) . ١٦- «تخريج الحديث النبوي» للدكتور عبد الغني أحمد مزهر التميمي وهي رسالة صغيرة الحجم. ١٧- «القول الصحيح في مراتب التعديل والتجريح» للمرتضى الزبيدي (٢) ولم أقف عليه. ١٨- «المفيد في تخريج الحديث ودراسة الأسانيد» تأليف محمد عجاج الخطيب (٣) ولم أقف عليه. بعد هذا السرد للمؤلفات في فن التخريج، نعود إلى بيان أهمية التخريج وفوائده ونشأته وتطوره.

стр. 17

الباب الأول: أهمية التخريج والاستخراج وفوائده ونشأته وتطوره الفصل الأول: أهمية التخريج والأستخراج وفوائده ... الفصل الأول: أهمية التخريج والاستخراج (١) وفوائده (٢) وهي كثيرة ومتداخلة في أمور كثيرة: ولا يخفى على أحد من أهل العلم أهمية أصول التخريج وشرف منزلته وذلك لأنّه أساس لمعرفة السنة النبوية التي عليها مدار فهم القرآن وتفسيره، حيث جعل الله بيانه إلى الرسول ﷺ في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ، فهي عليها مدار الأحكام وتفاصيلها، وبها يعرف الحلال من الحرام وغير ذلك، وأهم ثمرة لأصول التخريج هي حفظ السنة وصيانتها من الدّخيل عليها ومعرفة صحيح المتون من سقيمها ومحفوظها من شواذها ومنكراتها. ولذا قال ابن المديني رحمه الله تعالى: ((الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبيَّنْ خطؤه)) (٣) .

стр. 18

قال أبو حاتم الرازي (١) – رحمه الله تعالى -: ((لو لم نكتب الحديث من ستين وجهاً ما عقلناه)) ، وكذا ورد عن ابن معين مثله لكن بلفظ «ثلاثين» وورد عن غيرهم أيضاً: ((الباب إذا لم تجمع طرقه لا يوقف على صحة الحديث ولا على سُقمه)) (٢) . وقال الخطيب (٣) البغدادي – رحمه الله تعالى-: ((من أراد الفائدة فليكسر قلم النسخ وليأخذ قلم التخريج)) . وقال أيضاً: ((قلّما يتمهر في علم الحديث، ويقف على غوامضه، ويستثير الخفي من فوائده، إلاّ من جمع متفرقه وألف مشتته وضم بعضه إلى بعض .... فإنّ ذلك مما يقوي النفس، ويُثبت الحفظ ... ويكشف المشتبه ويوضح الملتبس ...)) . وقال ابن دقيق العيد (٤) – رحمه الله تعالى -: ((إذا اجتمعت طرق الحديث يُستدل ببعضها على بعض ويجمع بين ما يمكن جمعه ويظهر به المراد)) . ومن ذلك تُعْرَفُ أهمية التخريج وفوائده عند أهل الفن. وفيما يلي بيان لجملة (٥) من ذلك:

стр. 19

١- من أهم هذه الفوائد بل هي ثمرته معرفة صحة الحديث وضعفه من جمع الطرق وتخريجها. ٢ - معرفة مظان الحديث في مصادره الأصلية، ومن ثَمَّ توثيق نص الحديث ورجاله، وضبط هذا النص. ٣ - معرفة كون الحديث فرداً غريباً أو عزيزاً، أو مشهوراً مستفيضاً، أو متواتراً. ٤ - معرفة أنَّ الحديث أخرجه الشيخان أو أحدهما في الأصول المسندة، فلسنا بحاجة إلى دراسة الإسناد والحكم عليه عندهما لما تكفل كل واحد منهما مؤنة ذلك، وقد تلقت الأمة كتابيهما بالقبول، وإذا احتجنا إلى التخريج لأحاديثهما فليس لأصل الحكم بل لفوائد أخرى في التخريج، كما سأشير إلى فوائد المستخرجات عليهما وعلى غيرهما ضمن هذه الفوائد. ٥ - الوقوف من خلال التخريج على كلام الأئمة في الحديث وإسناده صحة وضعفاً، مثل كلام الترمذي وما ينقله عن البخاري وكلام النسائي وأبي داود والدارقطني والبيهقي وغيرهم، فيسهِّل ذلك له معرفة حكم الحديث وإسناده. ٦ - معرفة شواهد الحديث ومتابعاته من عملية التخريج ومن ثم معرفة تقوية الإسناد أو الحديث بها أو عدم تقويته. ٧ - يمكن الوصول بالتخريج وجمع طرق الحديث إلى معرفة علل الحديث متنا وإسناداً، من الشذوذ والنكارة وزيادة الثقة ونحوها. ٨ - الوقوف على أسباب ورود الحديث من خلال تخريجه وجمع طرقه

стр. 20

والاطلاع على معاني الغريب منه، كما ذكر أبو حاتم (١) الرازي بقوله: ((لو لم نكتب الحديث من ستين وجها ما عقلناه)) فهذه الجملة القصيرة تبين لنا قيمة جمع طرق الحديث. ٩- معرفة السقط في السند سواء في أوّله وهو المعلق، أو في وسطه باثنين متواليين وهو المعضل، أو بواحد وأكثر متفرقاً فهو المنقطع، أو في آخره فهو المرسل، أو وجود تدليس في الإسناد. ١٠- معرفة من روى عن المختلط قبل اختلاطه من بعده. ١١- معرفة القلب في الإسناد أو المتن أو الإدراج أو الاضطراب وغيرها من العلل. ١٢- إظهار علل الإسناد الخفية عند الاختلاف على الراوي بالوصل والإرسال، أوبالوقف والرفع، أو الاتصال والانقطاع، أو زيادة رجل في أحد الإسنادين، أو الاختلاف في اسمه وهو متردد بين ثقة وضعيف. فمعرفة الحديث المعلول من غيره هي بحق أُمُّ الفوائد (٢) . ١٣ - معرفة المهمل والمبهم من الرواة. والفرق بينهما أن المهمل سُمِّي ولم ينسب، والمبهم لم يسمَّ.

стр. 21

١٤ - كشف أوهام الرواة، والمخرجين من خلال التخريج (١) . ١٥ – معرفة العلو بجميع أقسامه. وأشير هنا إلى بعض الفوائد التي ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح (٢) حيث قال: ((ثم ذكر ابن القاضي فصلاً في فائدة تتبع طرق الحديث ... )) ، فمن أراد التوسع والمزيد فليراجعه.

стр. 22

نماذج تطبيقية لبعض هذه الفوائد (١) : من أمثلة العلو: انظر للعلو المطلق: الحديث (٢٦) من باب (٢٢) عند الطوسي، حيث جاء عنده، نا إسحاق ابن شاهين الواسطي قال: نا خالد بن عبد الله قال: نا عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ توضأ ... الحديث، فعلا إسنادُ الطوسي إسنادَ الترمذي بقلة رواته، حيث رواه الطوسي بخمسة رواة، والترمذي بستة رواة، وهذا إسناده: قال: حدثنا يحيى بن موسى حَدَّثنا إبراهيم بن موسى الرّازي حدثنا خالد بن عبد الله عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد قال: رأيت النبي ﷺ مضمض.... (٢) ، فتبيَّن لنا من المثال المذكور علو إسناد الطوسي على إسناد الترمذي وزيادة ((توضأ)) وهي ليست عند الترمذي. وأما العلو النسبي – حيث يلتقي معه في "شيخه" وهو ما يعرف بالموافقة، وهو النوع الأول من أنواع القرب من كتب السنة المعروفة – فانظر لذلك: الحديث رقم (٥٠) باب رقم (٤٠) ، قال الطوسي: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي..

стр. 23

وقال الترمذي: (١) حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ... فالتقى معه الطوسي في شيخه محمد بن بشار وهو الموافقة. ومن أمثلة ما يلتقي معه في "شيخ شيخه" أو فيمن فوقه وهو ما يعرف بـ"البدل": الحديث رقم (١٥) باب رقم (١٢) قال الطوسي: حدثنا محمد بن إسماعيل السلميّ، قال: نا عبد الله بن الزبير الحميدي قال: نا سفيان بن عيينة.... وقال الترمذي (٢) : حدثنا محمد بن أبي عمر المكيّ حدثنا سفيان بن عيينة ... فالتقى الطوسيُّ مع الترمذي في شيخ شيخه ابن عيينة وهو البدل. وأما ما يعرف بالمساواة، فمثاله: الحديث رقم (٥٨) الباب رقم (٤٨) من كتاب الطهارة. عند الطوسي حيث قال: حدثنا بذلك يحيى بن حكيم المقوّميّ قال: نا عبد الله بن بكر السهميّ قال: حدثنا هشام عن محمد عن أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة، فتساوى عدد الرواة عندهما وهو خمسة رواة. وأما زيادة أصحاب المستخرجات ألفاظاً على الكتب المخرج عليها، فمن أمثلة ذلك: الحديث الوارد عند الترمذي في أوّل أبواب الطهارة برقم (١) عن ابن عمر –﵄– عن النبي ﷺ قال: "لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول"،

стр. 24

وجاء عند الطوسي (١) بزيادة في أوله وهي: عن مصعب بن سعد قال: "مرض ابن عامر فجعلوا يُثنون عليه، وابن عمر –﵄– ساكت، فقال: أما إني لست داع (٢) لك، ولكنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول". والحديث رقم (٢٩) الباب رقم (٢٤) من كتاب الطهارة عند الطوسي وفيه زيادة قصة وضوء عبد الله بن زيد ﵁. والحديث رقم (١٨٠) الباب رقم (١٣٢) من كتاب الصلاة، وفيه زيادة قصة ازدحام الناس على فضل وضوء رسول الله ﷺ . ومن أمثلة الزيادات التي تضمنت أحكاماً شرعية: ما ورد عند الترمذي (٣) بلفظ: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه"، بينما جاء عند الطوسي (٤) بزيادة "ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار". والحديث الذي رواه الترمذي في سننه (٥) عن لقيط بن صبرة مرفوعاً بلفظ: "إذا توضَّأت فخلّل الأصابع" وجاء عند الطّوسي (٦) عنه ﵁ بزيادة "وأسبغ الوضوء، وإذا استنشقت فبالغ إلاّ أن تكون صائماً".

стр. 25

ومن أمثلة الزيادة بذكر سبب ورود الحديث: حديث أمّ قيس بنت محصن قالت: "دخلت بابن لي على النبي ﷺ لم يأكل الطعام فبال عليه، فدعا بماء فرشّه" كما في الترمذي (١) . فزاد الطوسي (٢) فيه بيان سبب ورود حديث "العود الهندي فيه سبعة أشفية" مع زيادة جملة أخرى ليست عند الترمذي. والحديث الوارد في التسبيح والتحميد والتكبير أدبار الصلوات، جاء عند الطوسي (٣) فيه بيان سبب وروده"، دون الترمذي. وكذا ورد عند الطوسي (٤) بيان سبب ورود حديث ((إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)) دون الترمذي. ومن أمثلة كثرة طرق الحديث: الحديث المتعلق بالنهي عن البول في الماء الراكد، حيث رواه الترمذي (٥) من طريق واحد عن شيخه محمود بن غيلان، بينما رواه الطوسي (٦) من طرق ثلاثة عن ثلاثة من شيوخه وهم: أبو عبيدة بن أبي السفر الكوفي، ويحيى بن حكيم المقوّمي، وجميل بن حسن البصري.

стр. 26

ومن أمثلة تصريح بعض المدلّسين بالتحديث والإخبار ونحوهما عند صاحب المستخرج: حديث رقم (٩) باب رقم (٧) من كتاب الطهارة، حيث جاء فيه تصريح ابن إسحاق بالتحديث عند الطوسي دون الترمذي (١) . وحديث رقم (٧١٧) باب رقم (٥١٤) من كتاب الصيام، وفيه تصريح «عبد الرزاق» بالأخبار عند الطوسي دون الترمذي.

стр. 27

تعيين المهملين في الإسناد: انظر: الحديث رقم (٨٩) باب (٧١) من كتاب الطهارة، وفيه تعيين «الأسود» وهو ابن يزيد عند الطوسي بينما أهمل عند الترمذي (١) . والحديث رقم (٢٣٠) الباب (١٦٧) من كتاب الصلاة، وفيه تعيين «سفيان» ، أنّه الثوري عند الطوسي بينما هو مهمل عند الترمذي. ومن أمثلة تمييز بعض الرواة: الحديث (٦٨) باب (٥٦) من كتاب الطهارة عرّف الطوسيّ في إسناده «عبد الله بن عبد الله» أنه مولى لقريش بخلاف الترمذي. وكذا في حديث (٨١) باب (٦٧) من كتاب الطهارة، عرف الطوسيّ «أبا قيس» بذكر اسمه واسم أبيه ونسبه عند الطوسي ولم يعرف عند الترمذي (٢) . وغير ذلك من أمثلة للفوائد المذكورة من تمييز ألفاظ الأحاديث وعزوها لرواتها، والمغايرات في ألفاظها، ليس هنا مجال ذكرها. (١) السنن (١/٢٠٢) ك: الطهارة، ح ١١٨. (٢) انظر: السنن (١/١٢٢) ك: الطهارة، ح ٨١.

стр. 28

الفصل الثاني: نشأة علم التخريج وتطوره: انتقاء الأئمة أحاديث مصنفاتهم من مئات الألوف من الأحاديث: لا شك أن «علوم الحديث» وبطون الكتب الحديثية حوت أشياء كثيرة في «التخريج» وأصوله. قال د. بكر أبو زيد: «إن أصوله تستمد منها (أي من علوم الحديث) ومن سائر كتب الحديث وشروحه ورجاله، ولهذا فإن إفراده بالتأليف ليس اختراعاً لعلم جديد، وإنما هو جمع لما هنالك، ولعل هذا هو السبب لدى المتقدمين، ولسبب آخر، وهو أن التخريج لم يكن يمارسه إلاّ الحفاظ الجامعون (١) ....)) . وزيادة على ذلك أقول: إن علم التخريج وإن لم يكن مدوناً في كتب مستقلة وذلك لمهارتهم وعدم الحاجة إليها لما كانوا يحفظونها، مع حثهم على ذلك، كما ورد عن ابن معين: «إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش» ، وما تقدم عن ابن المديني: «الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه» وعن أبي حاتم الرازي: «لو لم نكتب الحديث من ستين وجهاً ما عقلناه» ، ومثله عن ابن معين لكنه بلفظ ثلاثين. ولذلك نجد الأئمة مثل البخاري ومسلم وأبي داود وغيرهم يصرحون بذلك كما سيأتي.

стр. 29

بل المحدِّث عندهم لا يصبح محدِّثًا وعالماً بالحديث وماهراً فيه بصحيحه من سقيمه، وعارفاً بعلله وغير ذلك إلا بعد أن يروي الحديث بوجوه مختلفة وأسانيد متعددة، ومن هنا نرى الإمام البخاري -كما ذكر ابن عدي والخطيب والحازمي والذهبي (١) عنه- يقول: ((أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح)) . وقال أيضاً: ((ما أدخلت في كتابي «الجامع» إلا ما صَحَّ، وتركت من الصحيح خشية أن يطول)) (٢) . وقال أيضاً: ((أحفظ منه – أي من الصحيح – عشر ألف ألف حديث – أي مائة ألف حديث – ومائة ألف حديث غير صحيح)) وذكر السخاوي أنه أراد بلوغ العدد المذكور بالتكرار لها.. فربّ حديث له مائة طريق فأكثر)) (٣) . وذكر الخطيب البغدادي قول البخاري: ((صنفت كتابي الصحاح لست عشرة سنة خرّجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله)) (٤) . وقال أبو محمد السرخسي راوي الصحيح ومن تبعه: ((إن الذي لم يخرجه البخاري من الصحيح أكثر ممّا خرجه)) (٥) .

стр. 30

ولذلك نجد الذين استخرجوا على الصحيحين أتوا بطرق كثيرة زيادة على ما عندهم، وعلى سبيل المثال نذكر ما ذكره ابن حجر وتبعه تلميذه السخاوي عن الجوزقاني: ((أنه استخرج على أحاديث الصحيحين حديثاً حديثاً، فكانت عدته خمسة وعشرين ألف طريق وأربعمائة وثمانين طريقاً)) (١) . وهكذا صرّح مسلم ﵀: أن الأحاديث التي لم يخرجها لم يقل عنها إنها ضعيفة، حيث قال: ((إنما أخرجت هذا الكتاب وقلت: هو صحاح، ولم أقل إن ما لم أخرجه من الحديث فيه ضعف)) (٢) ، وورد عنه قوله: ((صنفت هذا الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث)) (٣) . وهكذا صرّح الإمام أبو داود السجستاني كما نقل عنه تلميذه أبو بكر ابن داسة راوي سننه حيث قال: ((سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يُشْبِهُه ويُقَاربُه ...)) (٤) . وهكذا الإمام النسائي أبو عبد الرحمن – ﵀ – ألَّف كتابه «السنن الكبرى» فذكر محمد بن معاوية الأحمر راوي الكتاب عن النسائي قوله: ((كتاب السنن كلّه صحيح وبعضه معلول)) إلاّ أنّه لم يبين علته، والمنتخب

стр. 31

المسمى «بالمجتبى» – «السنن الصغرى» – صحيح (١) كله، وذكر بعضهم أن النسائي لما صنف «السنن الكبرى» أهداه إلى أمير الرّملة، فقال له الأمير: أكل ما في هذا صحيح؟! قال: لا، قال: فجرّد الصحيح منه، فصنف «المجتبى» (٢) . وكان الإمام النسائي للمحدثين مرجعاً في الانتخاب للأحاديث، كما ذكر الذهبي (٣) عن مأمون المصري المحدِّث قال: ((خرجنا إلى طرسوس مع النسائي سنة الفداء، فاجتمع جماعة من الأئمة: عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن إبراهيم مُربَّع وأبو الأذان، وكيلَجة (محمد بن صالح أبو بكر الأنماطي) فتشاوروا: من ينتقي لهم على الشيوخ؟ فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي، وكتبوا كلهم بانتخابه)) وهذا الذي صنعه الإمام البخاري وغيره هو جزء مهمّ من أسس التخريج وأساس معتمد قويّ ألا وهو جمع الطرق للأحاديث، ثم اختيار الصحيح من بينها وهذا ما فعله الأئمة المشهورون، فالانتخاب أحد معاني التخريج كما تقدم. وأضرب نموذجاً آخر من هذا القبيل وذلك بمسند الإمام الأجل إمام أهل السنة أحمد بن حنبل حيث شرع في تصنيف «مسنده» منصرفه من عند عبد الرزاق – شيخه – نحو سنة (٢٠٠هـ) ، وهو في السادسة والثلاثين من

стр. 32

عمره، انتقاه من أكثر من سبعمائة ألف حديث (١) سمعها في رحلاته، فضمّ نحو ثلاثين ألف حديث (٢) يرويها عن مائتين وثلاثة وثمانين شيخاً من شيوخه (٣) . ومن أهم ثمرات التخريج تمييز الصحيح من السقيم والمقبول من المردود وهذا ما حققه عدد من الأئمة، بل كان هدفهم من تأليفهم الذي جعلوه نصب أعينهم هذا الغرض المهم. ذكر الحافظ ابن حجر (٤) ما يشير إلى وجود شعور الإمام البخاري بهذه الحاجة وزاده همّةً بقيام هذه المهمة شيخه الإمام إسحاق بن راهويه حيث قال: لماَّ رأى الإمام البخاري –﵀– هذه المصنفات ورُواءها وانتشق رياها واستجلى محياها، وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يقال لغثه سمين، فحرّك همته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمَه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، فيما أخبرنا أبو العباس أحمد بن عمرو ثم ساقه بسنده إلي أبي عبد الله البخاري أنّه قال: «كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله ﷺ قال: فوقع ذلك في قلبي في جمع الجامع الصحيح)) .

стр. 33

وهكذا أشار مسلم في مقدمة (١) صحيحه مبيناً سبب تأليفه. وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه ((الصحيح)) أول كتاب الوضوء (٢) حيث قال: ((مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي ﷺ بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه من غير قطع في أثناء الإسناد ولا جرح ناقلي الأخبار...)) . وكذا صرّح ابن حبان في مقدمة (٣) صحيحه حيث قال: ((وإني لما رأيت الأخبار طُرقها كثرت ومعرفة الناس بالصحيح منها قلّت، لاشتغالهم بِكتْبَةِ الموضوعات، وحفظ الخطأ والمقلوبات، حتى صار الخبر الصحيح مهجورًا لا يكتب، والمنكر المقلوب عزيزاً يستغرب .... فتدبرت الصحاح لأسهّل حفظها على المتعلمين وأمعنت الفكر فيها لئلا يصعب وعيها على المقتبسين، ثم نملي الأخبار بألفاظ الخطاب، بأشهرها إسناداً وأوثقها عماداً من غير قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها...)) . فبذلك تحقق ركنا التخريج: جمع الطرق، والحكم على الحديث في ضوئها.

стр. 34

الباب الثاني: في اهتمام العلماء بالتخريج زجهودهم في ذلك مدخل ... المدخل: بداية الاهتمام بالتخريج بشكل مؤلفات في القرن الرابع فما بعد: فمن هنا لم يكن العلماء في القرون الذهبية لرواية الحديث وتدوينه بحاجة إلى تخريج الأحاديث والآثار؛ لأنّها كانت تُروى بالأسانيد وهي محفوظة عندهم بطرقها، إمّا في الصدور أو في السّطور، أو فيهما معاً، لكنه لما وجدت بعض الأحاديث بغير أسانيد، كالبلاغات والمعلّقات التي هي في موطأ مالك، أو الأحاديث الواردة في كتب الفقه وغيره بدون إسناد وعزو، قام أئمة بوصلها، وتخريجها كما قال (١) الغماري: ((فصنف الحافظ أبو عمر أحمد بن خالد بن يزيد القرطبي المعروف بابن الجبَّاب (ت٣٢٢هـ) مسند حديث الموطأ)) . ((وصنف الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي الجوهري المصري (ت٣٣٥هـ) «مسند الموطأ» أيضاً ... ولما كان هؤلاء متقدمين موجودين في زمن الإسناد والإخراج، جاءت مصنفاتهم جامعةً بين التخريج والإخراج، فمن حيث إنّها مسندة كانت أصولاً يعزى إليها ويخرج منها، ومن حيث إن أصحابها قصدوا وصل ما في مصنفات غيرهم من المراسيل والمعلقات كانت كالتخاريج لتلك المصنفات)) اهـ.

стр. 35

وعلى هذا الغرار، ما قام به البيهقي (ت٤٥٨هـ) في تصنيفه كتاباً مستقلاً لتخريج أحاديث كتاب «الأم» للإمام الشافعي (١) . وكذا يهتم البيهقي في كتابه «السنن الكبرى» وغيره من كتبه بعزو الحديث إلى مصادره الأصلية بعد أن يسوقه بإسناده، فيقول: متفق عليه أو رواه البخاري أو مسلم. كما قام بعده أبو بكر محمد بن موسى الحازمي (ت٥٨٤هـ) فخرج أحاديث كتاب «المهذّب» لأبي إسحاق الشيرازي الشافعي (٢) . ومعلوم أنّ الفقهاء المتقدمين غالباً يوردون الأحاديث من غير عزو، ولا بيان الصحيح من الضعيف، فهذا ما جعل العلماء يهتمون بتخريج أحاديث مثل هذه الكتب، كما ذكر الحافظ العراقي في خطبة تخريجه الكبير للإحياء حيث قال: ((عادة المتقدمين السكوت عمّا أوردوا من الأحاديث في تصانيفهم، وعدم بيان مَنْ خَرَّجه، وبيان الصحيح من الضعيف إلا نادراً، وإن كانوا أئمة الحديث حتى جاء النووي (ت٦٧٦هـ)) ) – أي: فبيّن في كتابه المجموع حيث خرّج، وبين درجة الحديث وعلله-. وقصد الأولين ألا يغفل الناس النظر في كل علم في مظنته، ولهذا مشى الرافعي على طريقة الفقهاء مع كونه أعلم بالحديث من النووي)) (٣) .

стр. 36

قلت: الصحيح أنّ النووي سُبق في هذا المجال بمن ذكرنا في القرن الرابع والخامس. ومن هذا نعرف أيضاً أن ما ذهب إليه الدكتور محمود الطحّان في كتابه أصول (١) التخريج بقوله: ((وكان من أوائل تلك الكتب (٢) –فيما أعلم– الكتب التي خرّج الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ) أحاديثها وأشهرها ((تخريج الفوائد المنتخبة)) و ((الصحاح والغرائب)) ... إلى آخر ما ذكره. فغير مسلّم له؛ لأن كتبه -أي الخطيب- المخرجة ومنها كتابا «تخريج الفوائد المنتخبة» و «الصحاح والغرائب» لأبي القاسم الحسيني ليسا من كتب التخريج بالمعنى الذي قصده هو، وإنّما التخريج هنا بمعنى الانتخاب والانتقاء (٣) . وحتى التخريج بالمعنى المذكور: أي الانتقاء، ليس الخطيب هو أوّل من صنف فيه، بل سبقه الإمام الدارقطني أبو الحسن علي بن عمر (ت٣٨٥هـ) ، حيث صنف في تخريج الأفراد والغرائب الحسان، فخرَّج حديث أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي النيسابوري عن شيوخه.

стр. 37

وكما قام «بتخريج الفوائد المنتقاة» لأبي بكر محمد بن عبيد الله الكاتب الكوفي وله غير ذلك من الفوائد المنتخبة (١) . بل قد سُبق إلى ذلك بصنيع الأئمة المذكورين في أوّل هذا المبحث وغيرهم. لاشك أنّ الانتقاء والانتخاب إنما يتم للأسانيد العالية والأحاديث الصحيحة كما ذكر الخطيب فقال: ((ينبغي للمنتخب أن يقصد تخيُّر الأسانيد العالية، والطرق الواضحة، والأحاديث الصحيحة، والروايات المستقيمة، ولا يُذْهب وقته في التُرُّهات من تتبع الأباطيل والموضوعات وتطلُّب الغرائب المنكرات)) (٢) . وممّا يجدر الإشارة إليه هنا أن العلماء قد اهتموا بالتخريج وجمع الطرق، إبان ظهور الكتب الصحيحة، فتزامن هذا الاهتمام مع فترة الانتخاب والانتقاء كما تقدم، فقام أئمة من الحفاظ المحدثين بتصنيف «المستخرجات» فمن أوائل ما وقفنا عليه أنّه استخرج هو الحافظ محمد بن محمد بن رجاء أبو بكر الإسفرائيني (ت٢٨٦هـ) حيث استخرج على صحيح مسلم في كتابه المسمى «الصحيح المخرج على صحيح مسلم» (٣) .

стр. 38

ثم توالت المؤلفات في «المستخرجات» على الصحيحين أو أحدهما، وبلغ مجموع ما علمناه منها، نحو عشرين كتاباً مستخرجاً عليهما أو على أحدهما ألِّفت في القرن الثالث والرابع والخامس؛ إذ قام بعض الحفاظ بالاستخراج على سنن أبي داود والترمذي في القرن الرابع والخامس (١) . فهكذا وجد التخريج عند المتقدمين، بمعنى الاستخراج أو الانتخاب والانتقاء في القرن الثالث الهجري واستمر إلى القرن الخامس الهجري. وبجانب هذا ظهرت كتب في فنّ التخريج مستقلة في القرن الرابع (٢) ، كما تقدم ذكر بعضها، واستمر التأليف بعد ذلك في التخريج إلى يومنا هذا، وما زال مستمراً إلى الآن في الكتب التي بحاجة إلى التخريج. وقبل أن أنتقل إلى بيان كتب التخريج وسردها، أريد أن أنبّه على ما ذكره الدكتور عبد الموجود في كتابه «كشف اللثام ...» (٣) وتبعه د. عبد الصمد بكر عابد في كتابه «المدخل إلى تخريج الأحاديث ...» (٤) . حيث يقول د. عبد الموجود: ((وكانت أولى المحاولات لوضع ضوابط لهذا العلم –حسبما توصلت إليه– هي ما قام به ذلك الحافظ الفذّ أبو عيسى محمد

стр. 39

ابن عيسى بن سورة الإمام الترمذي (ت٢٧٩هـ) حيث استخدم ولأوّل مرة طريقة عزو أحاديث الباب إلى عدد من الرّواة، فيذكر بعد إيراد الأحاديث في الباب، وفي الباب عن فلان، عن فلان)) . وذكر د. عبد الصمد بقوله: ((ولعلّ أول من يمكن أن ننسب إليه نشأة هذا العلم وتأسيسه هو: الإمام أبو عيسى الترمذي في كتابه «الجامع» حيث يقول عقب الأحاديث التي يوردها وفي الباب عن فلان وعن فلان ...، فصنيعه بالنسبة لذلك الوقت يُعد تخريجاً ... ونسبنا إليه نشأة هذا العلم مع وجوده في كلام الأئمة السابقين له وفي وقته؛ لأنّه هو الذي التزم به كمنهج اتبعه في كتاب يُروى عنه، فكان بزوغ فجر التخريج – في اعتبارنا – على يديه ﵀) . فأقول: إنّ ما يذكره الترمذي، وفي الباب عن فلان وعن فلان، ليس إلاّ مفتاحاً للتخريج ونواة أوّلية، ولا يُعدّ محاولة لوضع ضوابط لهذا العلم، كما ذكر د. عبد الموجود، ولا أول مؤسس ومنشئ لعلم التخريج لا على طريقة المتقدمين ولا على طريقة المتأخرين كما هو معلوم، بل يتطلب ما ذكره أولا البحث عن متن حديث الصحابي ثم عن إسناده ومن خرّجه، فكل هذه الأمور، بجانب جمع طرقه والوصول إلى حكمه يُسمّى تخريجاً، وليس مجرد القول: عن فلان يقال له التخريج، والله أعلم. بعد هذا العرض حول نشأة التخريج وتطوره أشرع في اهتمام العلماء في خدمة السنة النبوية عن طريق التخريج ودراسة الأسانيد والبحث عن اختيار الصحيح وهجر الضعيف وبيان ذلك، فنرى من هذا الجانب أنّ كتب التخريج التي وضعها العلماء تنقسم إلى قسمين:

стр. 40

القسم الأول: كتب اعتنت بتخريج الأحاديث الواقعة في كلام بعض المصنفين من أهل الفنون المختلفة، سواء في العقائد، أو التفسير، أو الفقه وأصوله وغير ذلك. القسم الثاني: كتب اعتنى أصحابها – بدون تقيّد بكتاب معيّن– بتخريج الأحاديث عامة إمّا مقيداً بموضوع معين، ككتب أحاديث الأحكام، أو بدون تقييد بموضوع معين، وسأتناول ذلك في فصلين إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →