عِلْمُ الرِّجَال نَشْأَتُهُ وُتَطَوُّرُهُ من القرْنِ الأوَّل إلى نهاية القَرْنِ التَّاسع
تَأْليف د. محمَّد بن مَطَر الزَّهْراني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ال مقدمة:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً شَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ .
أما بعد:
فإنه لما أُسند إليَّ تدريس مادتي "تدوين السنة" و "رواة الحديث وطبقاتهم" لطلاب السنة الأولى بكلية الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ألفيت هاتين المادتين لتلازمهما تكمّل
стр. 2
على الفهم الصحيح والعمل بما علم ثم نشر علمه وبثه في الأمة.
ثالثاً: حاولت قدر المستطاع التقيد بمفردات منهج المادة المقرر على طلاب كلية الحديث إلا أن مقتضيات التأليف والتصنيف اضطرتني أحياناً لبعض الإضافات أو الزيادات أو التوسع أحياناً في بعض الفقرات.
كما حاولت جهدي أن لا أترك فقرة من المنهج دون دراسة إلا أنني تركت فقرتين من الممفردات قصداً، وهما:
الأولى: تفسير المستشرقين للفتنة التي ورد ذكرها في قول ابن سيرين: "كانوا لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة".
والثانية: موقف الخوارج والشيعة من عدالة الصحابة ﵃
وكان تركي لها للأسباب الآتية:
١- بالنسبة لتفسير المستشرقين فكان سقوطه وعدم صحته واضحاً بحيث لا يساوي تسويد الصفحات بالرد عليه لاسيما وهم قد تناقضوا
فيه.
ثم إن فضيلة شيخنا الدكتور أكرم العُمري قد كشف عوار ذلك التفسير بما لا مزيد عليه وذلك في كتابه "بحوث في تاريخ السنة" (٥١ - ٥٢) .
٢- أما موقف الخوارج والشيعة من عدالة الصحابة فأهملت الرد عليه للأسباب الآتية:
١- إن التنزل لمناقشة مثل هذه الآراء يعني وضع الصحابة في
стр. 3
قفص الاتهام ونسلم به جدلاً ثم ننشغل بعد ذلك بالدفاع ورد الشبهات بدلاً من أن نشغل أنفسنا بتقرير منهجهم وبيان مكانتهم في الأمة كما وردت في الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
٢- إنهم لا يحتاجون مع تزكية الله لهم ورسوله ﷺ إلى تزكية أحد فضلاً عن دفاعه عنهم.
٣- إن سلفنا من علماء السنة لم يسودوا صفحات كتبهم بالرد على موقف هؤلاء المبتدعة من الصحابة، بل اكتفوا بسرد النصوص الواردة في تزكيتهم من الكتاب والسنة وإجماع الأمة وبيان فضلهم وجهادهم ثم انشغلوا بتقرير منهجهم في العلم والعمل.
انظر عن ذلك مثلاً: ما كتبه ابن أبي حاتم في مقدمة "الجرح والتعديل"، والخطيب البغدادي في "الكفاية" باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، وما كتبه الحافظ ابن حجر في مقدمة "الإصابة"، فضلاً عن صنيع صاحبي "الصحيح" الإمامين البخاري ومسلم حين خصصا في كتابيهما كتاباً لذكر ما ورد في فضائل الصحابة ومناقبهم وغير ذلك من الكتب.
٤- إن من منهج السلف عندما يضطرون للرد على مثل هؤلاء الطوائف أن ينقلوا المعركة إلى عُقر دارهم، فيهتكوا أستارهم ويفضحوا باطلهم ويبينوا فساد وعوار منهجهم، ولا ينشغلوا برد ما يثيرونه من شكوك أو يروجونه من شبهات إلا في أضيق نطاق.
والله تعالى أسأله أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم
стр. 4
ويتقبله مني، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم على أشرف خلق الله محمد رسول الله.
المؤلف
د. محمد بن مطر الزهراني
في العشرين من شهر جمادى الأول من شهور سنة أربع عشرة بعد الأربع مئة وألف المدينة النبوية حرسها الله
стр. 5
إحداهما الأخرى في بيان جهود سلف هذه الأمة في خدمة هذا الدين وخدمة السنة النبوية على وجه الخصوص، وبما أن موضوعاتها المبينة في المنهج المقرر على طلاب الكلية لا يجمعها أو جُلّها كتاب واحد - فيما أعلم -، فعقدت العزم على جمع مفرداتها من مختلف الكتب التي اعتنت بذلك من كتب المتقدمين أو كتب المتأخرين.
وقد يسر الله لي بمنه وفضله أن انتهيت منذ سنتين من جمع مفردات منهج مادة تدوين السنة فأخرجته في كتاب بعنوان "تدوين السنة النبوية نشأته وتطوره من القرن الأول إلى نهاية القرن التاسع الهجري"، وقد تقيدت فيه بمفردات المنهج حسب الإمكان ولذلك جاءت موضوعاته في شكل نبذ مختصرة وليست مستوعبة لكل الموضوعات التي يمكن أن تدخل تحت العنوان.
وها أنا الآن أتقدم بإخراج الكتاب الثاني في هذا الموضوع، والذي يعد مكملاً للكتاب الأول وسميته "علم الرجال نشأته وتطوره من القرن الأول إلى نهاية القرن التاسع الهجري" جمعت فيه مفردات منهج مادة "رواة الحديث وطبقاتهم" المقرر على طلاب السنة الأولى بكلية الحديث، وقد جاء الكتاب في مقدمة وتمهيد وخمسة أبواب فيها أربعة عشر فصلاً تحتها واحد وخمسون مبحثاً.
وبعد: فهناك أمور أُحِبُّ أن أُنَبِّه عليها في هذه المقدمة تتمة للفائدة:
أولاً: إن قواعد علوم الحديث أو ما يسمى بمصطلح الحديث، والتي منها ما يتعلق بالرواية ومنها ما يتعلق بالدراية، كانت ثمرة لتطور التدوين في متون السنة والتصنيف في علم الرجال وجهود السلف في
стр. 6
ذلك.
وقد مر التصنيف في مصطلح الحديث بعدة مراحل:
المرحلة الأولى: عندما كانت قواعده تتناقل إما مشافهة وإما منثورة في مصنفات شتَّى، وذلك طيلة القرون الثلاثة الأولى، إذ لم يوجد - فيما أعلم - مصنف واحد يجمع تلك القواعد في هذه القرون الثلاثة، وإنما وجد بعضها منثوراً في مثل: "الرسالة" للإمام الشافعي، وكتاب "التمييز" للإمام مسلم، وكذلك في مقدمة "صحيحه"، وفي كتب معرفة الرجال والعلل، وكتب الجرح والتعديل المختلفة وغيرها.
المرحلة الثانية: محاولة جمع هذه القواعد في كتاب واحد أو في كتب، وهذه المرحلة امتدت من أوائل القرن الرابع إلى نهاية القرن الخامس تقريباً، ومن أهم هذه الكتب:
١- المحدث الفاصل لأبي محمد بن خلاد الرامهرمزي (ت ٣٦٠ هـ) .
٢- معرفة علوم الحديث لأبي عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) .
٣- الكفاية لأبي بكر الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) .
وغيره من كتبه الأخرى.
وتميزت هذه المؤلفات بسرد الراويات والأسانيد ثم استخلاص القواعد منها، وذكر من قال بها أو ذهب إليها من السلف.
المرحلة الثالثة: ما بعد القرن الخامس، وهي مرحلة جمع
стр. 7
القواعد من كتب من تقدم من الأئمة بدون ذكر الأسانيد أو الروايات، ثم محاولة إعادة ترتيبها وتهذيبها، ومن أبرز المؤلفات في ذلك كتاب "مقدمة في علوم الحديث" للحافظ أبي عمرو ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) وما تفرع منها من اختصار أو تنكيت أو نظم أو شرح وغير ذلك.
ثانياً: إنه من خلال معايشتي لجهود سلف هذه الأمة في خدمة هذا الدين أثناء عملي في كتابي "تدوين السنة"، و "علم الرجال" لاحظت الأمور الآتية:
١- إن الإخلاص لله كان رائدهم في كل ما قاموا به من الأعمال وما بذلوه من جهود، حيث كان ذلك كله ابتغاء وجه الله وذبّاً للكذب عن سنة رسول الله ﷺ .
٢- إن حياتهم وأوقاتهم كلها كانت إما في طلب علم أو عمل عبادة أو نشر للعلم وجهاد في سبيل الله، فما كانوا يرون الراحة إلا في طلب العلم والعمل به ثم نشره بين الناس.
٣- إنهم لم يكونوا يبتغون بأعمالهم منصباً دنيويّاً أو جاهاً عند ذي سلطان أو التكثر من الأموال، بل كانوا يفرون من ذلك كله فرار الصحيح من المجذوم، وما كان الغرور والعجب والكبر والرياء ليجد إلى قلوبهم سبيلاً فضلاً من الله ونعمة، بل كان الاحتساب لله رائدهم، وإظهار العلم وإخفاء العمل هديهم.
٤- إنهم كانوا في طلب العلم يتدرجون وفق برنامج علمي وعملي سليم، فيبدأون بالتعبد والتأدب أولاً، ثم يشرع الطالب بعد ذلك في طلب العلم على أهله المعروفين مخلصاً نيته في طلبه حريصاً
стр. 8
ال تمهيد:
أولاً: الإسناد وأهميته:
أ- تعريف الإسناد:
قال الحافظ بدر الدين بن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) :
"السند: هو الإخبار عن طريق المتن، وهو مأخوذ:
إما من السند وهو ما ارتفع وعلا من سفح الجبل لأن المسند - بكسر النون - يرفعه إلى قائله.
أو من قولهم: فلان سند أي معتمد، فسمي الإخبار عن طريق المتن سنداً لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه.
وأما الإسناد فهو رفع الحديث إلى قائله، والمحدثون يستعملون السند والإسناد لشيء واحد".
وقال: "وقبله المتن: فهو في اصطلاح المحدثين ما ينتهى إليه غاية السند من الكلام، وهو مأخوذ إما من المماتنة وهي المباعدة في الغاية لأن المتن غاية السند، أو من المتن وهو ما صلب وارتفع من الأرض، أو من تمتين القوس بالعصب وهو شدها به وإصلاحها" ١ اهـ. بتصرف يسير.
وقال الحافظ الحسين بن عبد الله الطيبي (ت ٧٤٣ هـ) :
стр. 9
"والسند: إخبار عن طريق المتن، من قولهم فلان سند أي معتمد، فسمي سنداً لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه".
والإسناد: رفع الحديث إلى قائله. فعلى هذا السند والإسناد يتقاربان في معنى الاعتماد".
وقال قبله: "المتن: هو ما اكتنف الصلب من الحيوان وبه شبه المتن من الأرض، ومَتُنَ الشيءُ قَوِيَ متنُه، ومنه حبل متين، فمتنُ كل شيء ما يتقوم به ذلك الشيء، كما أن الإنسان يتقوم بالظهر ويتقوى به.
فمتن الحديث ألفاظه التي تتقوم بها المعاني.
واختلف في متن الحديث، أهو قول الصحابي عن رسول الله ﷺ كذا وكذا أو هو قول الرسول ﷺ فحسب، والأول أظهر لما تقرر من أن السنة إما قول أو فعل أو تقرير". ١ اهـ.
ب: أهمية الإسناد:
للإسناد مكانته وأهميته في الإسلام، إذ الأصل في ذلك تلقي الأمة لهذا الدين عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وهم تلقوه عن رسول رب العالمين محمد ﷺ ، وهو تلقى عن رب العزة والجلال
стр. 10
بواسطة أو بغير واسطة كما هو معلوم من أقسام الوحي.
وكذلك ما صح عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَسْمَعُون ويُسْمَع مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ يَسْمَعُ مِنْكُمْ". ١
وللدلالة على أهمية ومكانة الإسناد من الإسلام، أذكر فيما يلي طائفة من أقوال السلف ﵏:
١- روى الإمام مسلم بسنده عن محمد بن سيرين قال: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". ٢
٢- وبإسناده إلى محمد بن سيرين أيضاً قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".٣ وذلك لأن الإسناد وسيلة لتمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة مما يترتب عليه معرفة أحكام أو تعاليم الدين.
стр. 11
٣- وأخرج مسلم أيضاً بإسناده إلى الإمام عبد الله بن المبارك أنه قال: "بيننا وبين القوم القوائم" يعني الإسناد. ١
٤- وأخرج ابن حبان عن سفيان الثوري قال: "الإسناد سلاح المؤمن، إذا لم يكن معه سلاح فبأيِّ شيءٍ يقاتل". ٢
٥- وبإسناده إلى شعبة قال: "كل حديث ليس فيه (حدثنا) و (أخبرنا) فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام". ٣
٦- أخرج الخطيب بسنده إلى أبي بكر محمد بن أحمد (ت ٣٣١ هـ) قال: "بلغني أن الله خص هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها مَنْ قبلها من الأمم: الإسناد والأنساب والإعراب". ٤
٧- وقال الحافظ السيوطي: قال أبو علي الحسين بن محمد الجياني الغساني (ت ٤٩٨ هـ) : "خص الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها مَنْ قبلها: الإسناد والأنساب والإعراب". ٥
٨- وقال الحافظ أبو محمد بن حزم (ت ٤٥٦ هـ) :
"نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي ﷺ مع الاتصال، نقل خص الله به المسلمين، دون سائر أهل الملل كلها. وأما مع الإرسال والإعضال فمن هذا النوع كثير من نقل اليهود بل هو أعلى
стр. 12
ما عندهم إلا أنهم لا يقربون فيه من موسى ﵇ كقربنا فيه من محمد ﷺ ... وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط على أن مخرجه من كذَّاب قد صحَّ كذبه، ثم قال: وأما النقل بالطريق المشتملة على كذَّاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى" اهـ ملخصاً. ١
٩- وقال أبو حاتم الرازي ﵀ (ت ٢٧٧ هـ) :
"لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسل إلا في هذه الأمة".
فقال له رجل: يا أبا حاتم ربما رووا حديثاً لا أصل له ولا يصح.
فقال: "علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم، فروايتهم ذلك للمعرفة ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها"، ثم قال: "رحم الله أبا زرعة كان والله مجتهداً في حفظ آثار رسول الله ﷺ ". ٢
١٠- روى الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) بإسناده إلى أبى العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي قال: سمعت محمد بن حاتم بن المظفر يقول: "إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها
стр. 13
بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمهم وحديثهم إسناد، وإنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم، وتمييز بين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات.
وهذه الأمة إنما تَنُصّ الحديث من الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقل مجالسة.
ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهاً وأكثر حتى يهذّبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه ويعدّوه عداً، فهذا من أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة نستوزع الله شكره هذه النعمة ونسأله التثبيت والتوفيق لما يُقرب منه ويُزْلف لديه، ويمسكنا بطاعته إنه ولي حميد.
فليس أحد من أهل الحديث يحابي في الحديث أباه ولا أخاه ولا ولده، وهذا علي بن عبد الله المديني - وهو إمام الحديث في عصره -، لا يُروى عنه حرف واحد في تقوية أبيه بل يُروى ضد ذلك، فالحمد لله على ما وفقنا ". ١
١١- وقال أبو عبد الله الحاكم ت (٤٠٥ هـ) : "فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام ولتمكن أهل الإلحاد والبدع منه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرَّت عن وجود الأسانيد فيها كانت بُتْراً".
стр. 14
ثم ذكر بإسناده إلى عتبة بن أبي حكيم أنه كان عند إسحاق بن أبي فروة وعنده الزهري، قال: فجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ .
فقال له الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة، ما أجرأك على الله، ألا تسند حديثك تحدثنا بأحاديث ليس لها خُطُم ولا أزمة". ١
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) :
"وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد ﷺ ، وجعله سلماً إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة أهل الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم، والمعوج والقويم" ٢اهـ.
ثانياً: بدء استعمال الإسناد والسؤال عنه:
تقدم في الفقرة السابقة عند الكلام عن أهمية الإسناد أن الأصل في ذلك تلقي الأمة الدين كله عن الصحابة وهم تلقوه عن رسول الله وهو تلقاه عن رب العزة والجلال.
وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) : في ترجمة أبي بكر الصديق ﵁: وكان أول من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب: "أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد في كتاب الله شيئاً وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر
стр. 15
لك شيئاً، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله ﷺ يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر". ١
وقال في ترجمة عمر ﵁:
"وهو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب".
"فروى الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت فلم يؤذن فرجعت، وقال رسول الله ﷺ : "إذا اسْتأذَنَ أَحَدكُمْ ثَلاثاً فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ"، فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك". ٢
وقال الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) : "فقد جاء في بعض طرقه أن عمر قال لأبي موسى: أما إني لم أتهمك، ولكني أردت أن لا
стр. 16
يتجرأ الناس على الحديث عن رسول الله ﷺ ". ١
وقال الحافظ أبو حاتم بن حبان (ت ٣٥٤ هـ) :"وتبع عمر على ذلك التثبت عليّ بن أبي طالب ﵁ باستحلاف من يحدثه عن رسول الله ﷺ ، وإن كانوا ثقات مأمونين ليعلمهم توقي الكذب على رسول الله ﷺ ".
ثم قال: "وهذان أول من فتش عن الرجال في الرواية وبحثا عن النقل في الأخبار ثم تبعهما الناس على ذلك ... وتشديدهم فيها على أصحاب رسول الله ﷺ كان منهم ذلك توقياً للكذب عليه ممن بعدهم لا أنهم كانوا متهمين في الرواية". ٢
هذه النصوص تدل دلالة واضحة على أن التحري والتوقي في رواية الحديث والسؤال عن الإسناد قد بدأ في فترة مبكرة، لكن كثرة السؤال عن الإسناد والتفتيش عنه ازدادت بعد وقوع فتنة عبد الله بن سبأ اليهودي وأتباعه في آخر خلافة عثمان بن عفان ﵁، ولم يزل استعمال الإسناد ينتشر ويزداد السؤال عنه مع انتشار أصحاب الأهواء بين المسلمين وكثرة الفتن التي قد تحمل على الكذب حتى أصبح الناس لا يقبلون حديثاً بدون إسناد حتى يعرف رواته ويعرف حالهم.
وفيما يلي من النصوص دلالة واضحة على ذلك:
١- روى الإمام مسلم بإسناده إلى مجاهد قال: "جاء بشير بن كعب العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ، فجعل لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه فقال:
стр. 17
يا ابن عباس مالي لا أراك تسمع لحديثي أحدثك عن رسول الله ﷺ ، ولا تسمع، فقال: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف". ١
٢- وروى بسنده أيضاً إلى محمد بن سيرين قال:
"لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم". ٢
٣- وعن يعقوب بن شيبة قال: "سمعت علي بن المديني يقول: كان محمد بن سيرين ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، لا نعلم أحداً أول منه ... ". ٣
٤- روى الإمام أحمد عن جابر بن نوح قال:
"أخبرنا الأعمش عن إبراهيم النخعي قال: إنما سُئل عن الإسناد أيام المختار". ٤
стр. 18
٥- وروى الحافظ أبو محمد بن خلاد الرامهرمزي (ت ٣٦٠ هـ) بسنده إلى الإمام الشعبي عن الربيع بن خثيم قال: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد فله كذا وكذا، قال الشعبي: فقلت: من حدَّثك قال: عمرو بن ميمون، فلقيت عمرو ميمون وقلت: من حدَّثك فقال: أبو أيوب صاحب رسول الله ﷺ .
قال يحيى بن سعيد القطان: وهذا أول ما فتش عن الإسناد. ١
٦- وروى ابن أبي حاتم بإسناده إلى خالد بن نزار قال: سمعت مالكاً يقول: "أول من أسند الحديث ابن شهاب الزهري" (ت ١٢٤ هـ) . ٢
стр. 19
ثالثاً: ظهور علم الرجال وبدء التصنيف فيه:
كان ظهور علم الرجال نتيجة لتطور استعمال الإسناد وانتشاره وكثرة السؤال عنه، وكلما تقادم الزمن كثرت الوسائط في الأسانيد وطالت، فاحتيج إلى بيان أحوال تلك الوسائط والتمييز بينها ولاسيما مع ظهور البدع والأهواء وكثرة أصحابها، لذلك نشأ علم الرجال الذي هو ميزة لهذه الأمة على سائر الأمم، وقد جاء التأليف فيه متأخر عن تدوين الأحاديث. ١
ولم تظهر كتب الرجال - فيما وقفت عليه - إلا من بعد منتصف القرن الثاني الهجري.
وأقدم ما وقفت على ذكره من هذه الكتب: كتاب "التأريخ" تأليف الليث بن سعد (ت ١٧٥ هـ) ، و "التأريخ" للإمام عبد الله بن المبارك (ت ١٨١ هـ) ٢، وذكر الإمام الذهبي: أن للوليد بن مسلم (ت ١٩٥ هـ) كتاباً في تاريخ الرجال ٣، ثم تتابع التأليف في ذلك كما سيأتي بيانه في الباب الأول من هذا البحث.
وقد كان الكلام في الرواة وبيان أحوالهم قبل التأليف فيه يتناقل مشافهة يتلقاه العلماء بعضهم عن بعض جيلاً بعد جيل.
١- قال الحافظ ابن رجب (ت ٧٩٥ هـ) : "ابن سيرين (ت ١١٠ هـ) ﵁ هو أول من انتقد الرجال وميز الثقات من غيرهم ... ".
стр. 20
وقال يعقوب بن شيبة: "قلت ليحيى بن معين: تعرف أحداً من التابعين كان ينتقي الرجال كما كان ابن سيرين ينتقيهم؟ فقال برأسه، أي: لا".
وقال يعقوب أيضاً: "وسمعت علي بن المديني يقول: كان ابن سيرين ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، لا نعلم أحداً أول منه، ثم كان أيوب (ت ١٣١ هـ) ، وابن عون (ت ١٥٠) ، ثم كان شعبة (ت ١٦٠ هـ) ، ثم كان يحيى بن سعيد - القطان - (ت ١٩٨ هـ) ، وعبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨) .
قلت لعلي: فمالك بن أنس فقال: أخبرني سفيان بن عُيينة قال: ما كان أشد انتقاء مالك للرجال". ١
٢- وقال أبو عبد الله الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) :
"فأول من زكَّى وجرح عند انقراض عصر الصحابة: الشعبي (ت ١٠٣ هـ) ، وابن سيرين (ت ١١٠ هـ) ونحوهما، وحفظ عنهم توثيق أُناس وتضعيف آخرين فلما كان عند انقراض عامَّة التابعين في حدود الخمسين ومئة، تكلم طائفة من الجهابذة في التوثيق والتضعيف، كالأعمش (١٤٨ هـ) وشعبة بن الحجاج (ت ١٦٠ هـ) ومالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) .
٣- بعد أن ذكر ابن حبان تفتيش الصحابة عن الرجال قال: "ثم أخذ مسلكهم واستن بسنتهم واهتدى بهديهم فيما
стр. 21
استنوا من التيقظ في الروايات جماعة من أهل المدينة من سادات التابعين منهم: سعيد بن المسيب (ت ٩٣ هـ) ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر (ت ١٠٦ هـ) ، وسالم بن عبد الله بن عمر (ت ١٠٦ هـ) ، وعلي بن الحسين بن علي (ت ٩٣ هـ) ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (ت ٩٤ هـ) ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (ت ٩٨ هـ) ، وخارجة بن زيد ابن ثابت (ت ٩٩ هـ) ، وعروة بن الزبير بن العوام (ت ٩٤ هـ) ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (ت ٩٤ هـ) ، وسليمان بن يسار (ت بعد سنة مئة) .
فجَدُّوا في حفظ السنن والرحلة فيها، والتفتيش عنها والتفقه فيها ولزموا الدين ودعوة المسلمين.
ثم أخذ عنهم العلم وتتبع الطرق وانتقاء الرجال ورحل في جمع السنن جماعة بعدهم منهم: الزهري (ت ١٢٤ هـ) ، ويحيى بن سعيد الأنصاري (ت ١٤٤ هـ) ، وهشام بن عروة بن الزبير (ت ١٤٥ هـ) ، وسعد بن إبراهيم (ت ١٢٥ هـ) ، في جماعة معهم من أهل المدينة، إلا أن أكثرهم تيقظاً، وأوسعهم حفظأً وأدومهم رحلة وأعلاهم همة الزهري رحمة الله عليه".
ثم قال: "ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الحديث وانتقاد الرجال وحفظ السنن والقدح في الضعفاء جماعة من أئمة المسلمين والفقهاء في الدين منهم: سفيان بن سعيد الثوري (ت ١٦١ هـ) ، ومالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) ، وشعبة بن الحجاج (ت ١٦٠ هـ) ، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت ١٥٦ هـ) ، وحماد بن سلمة (ت ١٦٧ هـ) ، والليث بن سعد (ت ١٧٥ هـ) ، وحماد بن زيد (ت ١٧٩ هـ) في جماعة
стр. 22
معهم، إلا أن من أشدهم انتقاء للسنن وأكثرهم مواظبة عليها، حتى جعلوا ذلك صناعةً لهم لا يشوبونها بشيء آخر ثلاثة: مالك والثوري وشعبة".
وقال: "ثم أخذ عن هؤلاء بعدهم الرسم في الحديث والتنقير عن الرجال والتفتيش عن الضعفاء والبحث عن أسباب النقل جماعة منهم: عبد الله بن المبارك (ت ١٨١ هـ) ، ويحيى بن سعيد القطان (ت ١٩٨ هـ) ووكيع بن الجراح (ت ١٩٧ هـ) ، وعبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ) ومحمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) في جماعة معهم، إلاَّ أن من أكثرهم تنقيراً عن شأن المحدثين وأتركهم للضعفاء والمتروكين حتى جعلوا هذا الشأن صناعة لهم لم يتعدوها إلى غيرها مع لزوم الدين والورع الشديد والتفقه في السنن رجلان: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي".
وقال: "ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الحديث والاختيار وانتقاء الرجال في الآثار حتى رحلوا في جمع السنن إلى الأمصار، وفتشوا المدن والأقطار، وأطلقوا على المتروكين الجرح وعلى الضعفاء القدح، وبينوا كيفية أحوال الثقات والمدلسين والأئمة والمتروكين حتى صاروا يقتدى بهم في الآثار وأئمة يسلك مسلكهم في الأخبار، جماعة منهم: أحمد بن حنبل ﵁ (ت ٢٤١ هـ) ، ويحيى بن معين (ت ٢٣٣ هـ) ، وعلي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ) ، وأبو بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) ، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي (ت ٢٣٨ هـ) ، وعبيد الله بن عمر القواريري (ت ٢٣٥ هـ) ، وزهير بن حرب أبو خيثمة (ت ٢٣٤ هـ) في جماعة من أقرانهم.
стр. 23
إلا أن من أورعهم في الدين وأكثرهم تفتيشاً عن المتروكين، وألزمهم لهذه الصناعة على دوام الأوقات: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني رحمة الله عليهم أجمعين".
ثم قال: "ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الانتقاد في الأخبار وانتقاء الرجال في الآثار جماعة منهم: محمد بن يحيى الذهلي (ت ٢٥٨ هـ) ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (ت ٢٥٥ هـ) ، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (ت ٢٦٤ هـ) ، ومحمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) ، ومسلم بن الحجاج (ت ٢٦١ هـ) ، وأبو داود سليمان ابن الأشعث (ت ٢٧٥ هـ) في جماعة من أقرانهم أمعنوا في الحفظ، وأكثروا في الكتابة، وأفرطوا في الرحلة، وواظبوا على السنة والمذاكرة والتصنيف والمدارسة، حتى أخذ عنهم من نشأ بعدهم من شيوخنا هذا المذهب، وسلكوا هذا المسلك، ولولاهم لدرست الآثار، واضمحلَّت الأخبار، وعلا أهل الضلال والهوى، وارتفع أهل البدع والعمى، فهم لأهل البدع قامعون، وبالسنن شأنهم دامغون" ١. اهـ. ملخصاً.
في هذا النص يلخص لنا الإمام الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البستي رحمه الله تعالى (ت ٣٥٤ هـ) تلك المراحل التي مر بها هذا العلم الجليل الذي ميز الله به أمة محمد ﷺ على سائر الأمم، وهو علم الرجال أو الجرح والتعديل، وذلك من حين النشأة، وهو السؤال عن الإسناد والتثبت في الرواية في عصر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ومروراً بتلك المراحل المختلفة من البحث
стр. 24
والتحري عن أحوال الرواة وحفظ وضبط المروي في كل عصر إلى زمانه رحمه الله تعالى، وذلك مع الإشارة إلى ما امتاز به علماء ونقاد كل جيل من تلك الأجيال المتعاقبة، وتطور خدمتهم للسنة سنداً ومتناً ﵏ جميعاً.
стр. 25
الباب الأول: كتب الرجال حسب ظهورها إلى نهاية القرن الخامس
تمهيد:
اتَّبع المصنفون الأوائل في علم الرجال أساليب متعددة في تآليفهم مما أدى إلى تنوع مصنفاتهم.
فمنها:
١- كتب الطبقات التي شملت: طبقات الصحابة والتابعين وتابعيهم وتبعهم.
٢- كتب معرفة الصحابة: وهي خاصة بتراجم أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم.
٣- كتب الجرح والتعديل: وقد اهتمت ببيان درجة توثيق الرجال أو تضعيفهم، سواء منها ما اقتصر على الضعفاء أو اقتصر على الثقات أو جمع بينهما.
وهذه الأنواع من المصنفات ظهرت في الفترة الواقعة ما بين أواخر القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث الهجري تقريباً ثم كثرت وتوسعت بعد ذلك.
٤- كتب تواريخ المدن التي اقتصرت على تراجم الرواة في بلدة
معينة، وقد ظهرت منذ النصف الثاني من القرن الثالث الهجري.
٥- كتب معرفة الأسماء وتمييزها: وقد ظهرت متأخر نسبياً عما قبلها، وذلك عندما كثر عدد الرواة وتشابهت أسماؤهم وكناهم
стр. 26
وأنسابهم فاحتيج إلى التمييز بين المتشابه والمؤتلف والمختلف والمتفق والمفترق منهم.
٦- كتب الرجال المذكورين في مصنف أو مصنفات معينة ١: وهذه المصنفات نظراً لتأخر ظهورها، وأن التوسع فيها وانتشارها كان من بعد القرن الخامس الهجري، لذلك أفردتها في باب مستقل وهو الباب الثاني من هذا البحث.
اقتصَرْتُ في هذا الباب على كتب الرجال المصنفة في القرون الخمسة الأولى للأمور الآتية:
أ- إن هذه المصنَّفات هي أصول كتب الرجال المؤلفة فيما بعد القرن الخامس الهجري.
ب- إن المؤلفات من بعد القرن الخامس جُلها إن لم تكن كلها إما ترتيب لكتب السابقين أو تذييل عليها أو ناقلة عنها، أو اختصار أو تهذيب لها ونحو ذلك.
ج- إنه لا يكاد يوجد ترجمة - فيما أعلم - لأحد من رواة القرون المفضلة - عصر الرواية - ليس له ترجمة في أحد هذه المصنفات إلا أن يكون مجهولاً أو نحو ذلك.
стр. 27
الفصل الأول: كتب الطبقات
المبحث الأول: تعريف الطبقة مع بيان نشأة علم الطبقات وفائدة معرفته
...
المبحث الأول: تعريف الطبقة مع بيان نشأة علم الطبقات وفائدة معرفته
أ- تعريف الطبقة:
من أجود وأشمل ما وقفت عليه في تعريف الطبقة لغة ما كتبه الأستاذ محمود شاكر في مقدمة تحقيقه لكتاب "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام الجمحي، حيث قال:
"والذي لا شك فيه أن هذا اللفظ من كلام العرب قديماً للدلالة على معانٍ مختلفة، ولما جاء عصر التدوين صار له مجاز آخر عند المؤلفين والكاتبين، حتى انتهى إلى زماننا هذا بمعنى مشهور مألوف.
ومادة (طبق) تؤول أكثر معانيها في لسان العرب إلى تماثل شيئين إذا وضعت أحدهما على الآخر ساواه وكانا على حذوٍ واحد فقيل منه: تطابق الشيئان إذا تساويا وتماثلا.
وسموا كل ما غطى شيئأ (طبقاً) لأنه لا يغطيه حتى يكون مساوياً
له، ثم لا يغطيه حتى يكون فوقه، فسموا مراتب الناس ومنازل بعضهم فوق بعض (طبقات) ١.
ولما كانت كل مرتبة من المراتب لها حال ومذهب سموا
стр. 28
الحال المميزة نفسها طبقة.
فقالوا: فلان من الدنيا على طبقات شتى؛ أي: على أحوال شتى، وهذا المعنى أشد وضوحاً في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: "أَلا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِناً وَيَحْيَا مُؤْمِناً وَيَمُوتُ مُؤْمِناً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِراً وَيَحْيَا كَافِراً وَيَمُوتُ كَافِراً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِناً وَيَحْيَا مُؤْمِناً وَيَمُوتُ كَافِراً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِراً وَيَحْيَا كَافِراً وَيَمُوتُ مُؤْمِناً" الحديث. ١
وهذا بيان عن مذاهب الناس وأحوالهم في حياتهم، لا عن مراتبهم ومنازلهم.
وقد وجدت هذا اللفظ في خبر آخر تعين عليه اللغة، فقد روى القاضي ابن أبي يعلى (ت ٥٢٦ هـ) بإسناده إلى عباس بن محمد الدوري (ت ٢٧١ هـ) أنه قال: "انتهى علم أصحاب رسول الله ﷺ إلى ستة نفر، من الصحابة ﵃: عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، فهؤلاء طبقات الفقهاء.
стр. 29
وأما الرواة فستة نفر أيضاً: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، وعائشة ﵃.
وأما طبقات أصحاب الأخبار والقصص فستة نفر: عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وطاووس اليماني، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن عمر الواقدي.
وأما طبقات التفسير فستة أيضاً: عبد الله بن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، والسدي.
وأما طبقات خُزَّان العلم: فالأعمش، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومسعر بن كدام، وشعبة ابن الحجاج.
وأما طبقات الحفاظ فستة نفر: أحمد بن محمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو زرعة الرازي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج. ١
فَبَيِّنٌ جداً أنه سمَّى كل واحد من الستة (طبقة) ، وسمى كل ستة نفر جميعاً: إما طبقات الفقهاء، وإما طبقات الرواة، وإما طبقات التفسير ... إلى آخر ما سمى، وبَيِّنٌ أنّه يعني بتسمية كل واحد منهم (طبقة) أنه رأس متميز في الفقه أو الرواية أو التفسير أو الحفظ". ٢ اهـ. ملخصاً بتصرف يسير.
стр. 30
أما تعريف الطبقة في اصطلاح المحدثين فهو:
قوم تقاربوا في السن والإسناد أو في الإسناد فقط، بأن يكون شيوخ هذا هم شيوخ الآخر أو يقاربوا شيوخه، وقد يكون الراوي في طبقة باعتبار مشابهته لها من وجه ومن طبقة أخرى لمشابهته لها من وجه آخر، كأنس بن مالك وشبهه من أصاغر الصحابة، هم مع العشرة في طبقة الصحابة، وعلى هذا الصحابة كلهم طبقة باعتبار اشتراكهم في الصحبة، وباعتبار آخر هو النظر إلى الفضل والسابقة في الإسلام - هم عدة طبقات كما ذكر الحافظ ابن سعد في "طبقاته" والحاكم في "معرفة علوم الحديث". ١
ب- نشأة علم الطبقات وتطوره:
تقسيم تراجم الرواة على الطبقات تقسيم إسلامي أصيل، والأصل فيه:
ما رواه عمران بن حصين ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ... الحديث. ٢
وقد نشأ هذا العلم وتطور على أيدي علماء الحديث منذ القرن الثاني الهجري، ولم يقتصر فيه على تقسيم الرواة على الطبقات بحسب لقائهم للشيوخ، سواء كان عاماً بمعنى الجيل أو القرن كما فعل كلٌّ من:
стр. 31
١- بحشل الواسطي (ت ٢٩٢ هـ) في "تاريخ واسط".
٢- أبو حاتم بن حبان البستي (ت ٣٥٤ هـ) في كتابيه "الثقات" و "مشاهير علماء الأمصار".
٣- أبو عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) في "تاريخ نيسابور".
حيث جعل هؤلاء الرواة على أربع طبقات: الصحابة، التابعون، أتباع التابعين، تبع الأتباع.
أو كان بصورة أدق في التقسيم كما فعل كل من:
١- محمد بن سعد الزهري (ت ٢٣٠ هـ) في "طبقاته الكبرى".
٢- خليفة بن خياط العصفري (ت ٢٤٠ هـ) في "طبقاته".
٣- أبو عبد الله الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث".
حيث قسم هؤلاء الرواة إلى عدة طبقات بحسب لقائهم للشيوخ لكن بصورة أدق، فمثلاً من لقي كبار الصحابة من التابعين يعد طبقة أولى، ومن لقي من دونهم يعد طبقة ثانية، ومن لقي صغارهم يعد طبقة ثالثة، وهكذا ١.لم يقتصر المحدثون على تقسيم الرواة
стр. 32
بحسب الشيوخ بل تطور استعماله عند علماء الحديث إلى معان أخرى كالفضل والسابقة كما في الصحابة أو الحال والمنزلة كما تقدم ذكر ذلك في كلام عباس الدوري، وكل هذه التقسيمات يشملها معنى الطبقة في لسان العرب، كما سبق الإشارة إلى ذلك في التعريف.
وقد استمر التأليف على الطبقات يتسع ويتطور حتى نهاية القرن التاسع الهجري.
كما امتدَّ استعمال نظام الطبقات إلى كتب التراجم الأخرى:
كـ "طبقات القراء" لخليفة بن خياط (ت ٢٤٠ هـ) ، و "طبقات الفقهاء" لأبي إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ) ، و "طبقات الصوفية" لأبي عبد الرحمن السلمي (ت ٤١٢ هـ) ، و "طبقات فحول الشعراء" لمحمد سلاّم الجمحي (ت ٢٣٢ هـ) ، و "طبقات النحويين" لأبي بكر الزبيدي (ت ٣٧٩ هـ) وغير ذلك.
ج- فائدة معرفة علم الطبقات:
قال الحافظ العراقي (ت ٨٠٦ هـ) :
"ومن المهمات معرفة طبقات الرواة، فإنه قد يتفق اسمان في اللفظ فيظن أن أحدهما الآخر فيتميز ذلك بمعرفة طبقتهما إن كانا من طبقتين، فإن كانا من طبقة واحدة فربما أشكل الأمر، وربما عرف ذلك بمن فوقه أو دونه من الرواة، فربما كان أحد المتفقين في الاسم لا يروي عمن روى عنه الآخر، فإن اشتركا في الراوي الأعلى وفيمن روى عنهما فالإشكال حينئذ أشد، وإنما يميز ذلك أهل الحفظ
стр. 33
والمعرفة، ويعرف كون الراويين أو الرواة من طبقة واحدة بتقاربهم في السن وفي الشيوخ الآخذين عنهم، إما بكون شيوخ هذا هم شيوخ هذا أو تقارب شيوخ هذا من شيوخ هذا في الأخذ، وبسبب الجهل بمعرفة الطبقات غلط غير واحد من المصنفين، فربما ظن راوياً راوياً آخر غيره، وربما أدخل راوياً في غير طبقته". ١
وقال الحافظ السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) :
"وفائدته الأمن من تداخل المشتبهين كالمتفقين في اسم أو كنية أو نحو ذلك، وإمكان الاطلاع على تبيين التدليس والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة لمعرفة الحديث المرسل أو المنقطع وتمييزه عن الحديث المسند، وبينه وبين التأريخ عموم وخصوص وجهي، فيجتمعان في التعريف بالرواة وينفرد التأريخ بالحوادث والطبقات بما إذا كان في البدريبن مثلاً من تأخرت وفاته عمن لم يشهدها لاستلزامه تقديم المتأخر الوفاة". ٢
стр. 34
المبحث الثاني: طبقات الرواة في عصر الرواية
اتفق علماء الحديث على اعتبار القرون الثلاثة الأولى للهجرة - القرون المفضلة - هي عصر الرواية وبعضهم يدخل أهل المائة الرابعة كذلك في عصر الرواية - وإن كان استعمال الإسناد والتأكيد عليه قد استمر إلى ما بعد القرن الخامس تقريباً - ويؤيد هذا الاتفاق ما جاء في النصوص الآتية:
١- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيَقُولُونَ: فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ". ١
٢- وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ".
стр. 35
قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة: ثم يكون بعدهم قَوْم يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلا يوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ". ١
٣- وعن بريدة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ أَنَا فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ، وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ". ٢
٤- قال الحافظ ابن حبان البستي (ت ٣٥٤ هـ) :
"إني أملي في ذكر من حمل عنه العلم كتابين: كتاباً أذكر فيه الثقات من المحدثين، وكتاباً أبين فيه الضعفاء والمتروكين، وأبدأ منهما بالثقات، نذكر من صحب رسول الله ﷺ واحداً واحداً على المعجم، إذ هم خير الناس قرناً بعد رسول الله ﷺ ، ثم نذكر بعدهم التابعين الذين شافهوا أصحاب رسول الله في الأقاليم كلها على المعجم، إذ هم خير الناس بعد الصحابة قرناً، ثم نذكر القرن الثالث الذين رأوا التابعين وأذكرهم على نحو ما ذكرنا الطبقتين الأوليين، ثم نذكر القرن الرابع الذي رأوا أتباع التابعين على سبيل من قبلهم، وهذا
стр. 36
القرن ينتهي إلى زماننا هذا" ١ انتهى.
٥- وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) :
"فالحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاث مائة". ٢
وقال أيضاً: "ومن هذا الوقت - أواخر المائة الرابعة من الهجرة - تناقص الحفظ، وقلَّ الاعتناء بالآثار، وركن العلماء إلى التقليد، وكان التشيع والاعتزال والبدع ظاهرة بالعراق، لاستيلاء آل بُوَيْه ثَمَّ، وبمصر والشام والمغرب، لاستيلاء بني عُبيد الباطنية نسأل الله العافية". ٣
فمن هذه النصوص يمكن حصر طبقات الرواة الرئيسة في عصر الرواية في الطبقات الآتية:
الأولى: الصحابة رضوان الله عليهم.
الثانية: التابعون.
الثالثة: أتباع التابعين.
الرابعة: تبع الأتباع.
الطبقة الأولى: الصحابة الكرام ﵃:
стр. 37
قال الإمام ابن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ) :
"فأما أصحاب رسول الله ﷺ فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونصرته وإقامة دينه وإظهار حقه، فرضيهم له صحابة، وجعلهم لنا أعلاماً وقدوة، فحفظوا عنه ﷺ ما بلغهم عن الله وما سن وشرع، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدين وعلموا أمر الله ونهيه ومراده" انتهى ملخصاً. ١
وسيأتي مزيد تفصيل عن هذه الطبقة في الفصل الثاني من هذا الباب بإذن الله.
الطبقة الثانية: التابعون:
يقال للواحد منهم: تابع وتابعي: وهو من لقي واحداً من
الصحابة. ٢
وقال الخطيب: "التابعي: من صحب الصحابي". ٣
واشترط ابن حبان أن يكون عند رؤيته للصحابي في سن من يحفظ، وهو نظير اشتراط التمييز في الصحابي عند رؤيته لرسول الله. ٤
стр. 38
أهمية معرفة التابعين:
قال الحافظ ابن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ) : فخلف من بعد الصحابة التابعون، الذين اختارهم الله لإقامة دينه وخصهم بحفظ فرائضه وحدوده وأمره ونهيه ... فحفظوا عن الصحابة ما نشروه وبثوه من الأحكام والسنن والآثار ... فأتقنوه، وعلموه، وفقهوا فيه، فكانوا من الإسلام والدين ومراعاة أمر الله ونهيه بحيث وضعهم الله ونصبهم له، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ١، فصاروا برضوان الله لهم وجميل ما أثنى عليهم بالمنزلة التي نزههم بها عن أن يلحقهم مغمز أو تدركهم وصمة لتيقظهم وتحرزهم وتثبتهم، ولأنهم البررة الأتقياء الذين ندبهم الله لإثبات دينه، وإقامة سننه وسبله، فلم يكن لاشتغالنا بالتمييز بينهم معنى، إذ كنا لا نجد منهم إلا إماماً مبرزاً مقدماً في الفضل والعلم ووعي السنن وإثباتها، ولزوم الطريقة واحتذائها، ورحمة الله ومغفرته عليهم أجمعين، إلا ما كان ممن ألحق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس يلحقهم ولا هو في مثل حالهم لا في فقه ولا علم ولا حفظ ولا إتقان" ٢ اهـ ملخصاً.
وقال أبو عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) : " وهذا نوع - يعني معرفة التابعين - يشتمل على علوم كثيرة، فإنهم على طبقات في الترتيب، ومهما غفل الإنسان عن هذا العلم لم يُفَرِّق بين الصحابة والتابعين ثم لم يفرق أيضاً بين التابعين وأتباع التابعين ... وقد ذكرهم
стр. 39
رسول الله ﷺ في قوله: "خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ... " فخير الناس قرناً بعد الصحابة من شافه أصحاب رسول الله ﷺ وحفظ عنهم الدين والسنن وهم - الصحابة - قد شهدوا الوحي والتنزيل". ١
وقال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) : " هذا - معرفة التابعين - ومعرفة الصحابة أصل أصيل يرجع إليه في معرفة المرسل والمسند". ٢
طبقات التابعين:
قال أبو عبد الله الحاكم: وهم خمس عشرة طبقة، آخرهم من لقي أنس ابن مالك من أهل البصرة، ومن لقي عبد الله بن أبي أوفى من أهل الكوفة، ومن لقي السائب بن يزيد من أهل المدينة، ومن لقي عبد الله بن الحارث بن جزء من أهل مصر، ومن لقي أبا أمامة الباهلي من أهل الشام". ٣
وقال الحافظ زين الدين العراقي (ت ٨٠٦ هـ) : " ثم إن التابعين طباق، فجعلهم مسلم في كتاب "الطبقات" - مطبوع - ثلاث طبقات، وكذا فعل محمد بن سعد في "الطبقات"، وربما بلغ بهم أربع طبقات" اهـ. ٤
وكذلك فعل خليفة بن خياط في "طبقاته" مثل ما فعل ابن
стр. 40
سعد. ١
وقد قسمها الحافظ ابن حجر في مقدمة "تقريب التهذيب". ٢ إلى أربع طبقات هي: الأولى: كبار التابعين. الثانية: الطبقة الوسطى من التابعين. الثالثة: طبقة تليها جُلّ روايتهم عن كبار التابعين كالزهري وقتادة. الرابعة: الطبقة الصغرى من التابعين.
المخضرمون من التابعين:
قال الحافظ زين الدين العراقي (ت ٨٠٦ هـ) : "المخضرمون من التابعين - بفتح الراء - وهم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله ﷺ وليس لهم صحبة".
وقال صاحب "الصحاح": "لحم مخضرم - بفتح الراء - لا يدرى من ذكر هو أو من أنثى، والمخضرم أيضاً الشاعر الذي أدرك الجاهلية والإسلام مثل: لبيد الشاعر". ٣
فكذلك المخضرمون مترددون بين الصحابة للمعاصرة وبين التابعين لعدم الرؤية". ٤
قال ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) : "وذكرهم – أي المخضرمين - الإمام مسلم فبلغ بهم عشرين نفساً منهم: أبو عمرو بن إياس الشيباني، وسويد بن غفلة الكندي، وعمرو بن ميمون الأودي، وعبد خير الخيواني، وأبو عثمان النّهدي، وأبو رجاء العطاردي،