← Язык

Язык · id 11299

علم اللغة العربية

د. محمود فهمى حجازى

Полный текст (455 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة هذا الكتاب محاولة لتقديم الأسس العامة للبحث التاريخي والمقارن في اللغة العربية. ويقوم هذا الكتاب على النظرية العامة لعلم اللغة الحديث من جانب، وعلى الاهتمام بالتراث اللغوي العربي من الجانب الآخر. فإذا كان علم اللغة الحديث قد حقق بمناهجه الدقيقة تقدمًا ملحوظًا في مجالاته المختلفة، فإن الإفادة من وضوح الرؤية ودقة المناهج التي طورها علم اللغة في القرنين التاسع عشر والعشرين قد أصبحت ضرورة علمية. لقد شغل عدد من الباحثين بدراسة النحو المقارن للغات السامية، وأتاح هذا المنهج رؤية جديدة للعربية في ضوء اللغات السامية. واهتم كثير من الباحثين في اللغات المختلفة بقضية التأريخ اللغوي، ولا يزال البحث في اللغة العربية بحاجة إلى جهود كثيرة تفيد من كل المصادر المتاحة لإيضاح الجوانب المختلفة من تاريخ اللغة العربية. وهدف هذا الكتاب أن يقدم للدارسين والطلاب في صورة مركزة الملامح العامة والمعلومات الأساسية للبحث العلمي في اللغة العربية في ضوء النظرية الحديثة لعلم اللغة العام وعلم اللغات السامية المقارن والتراث العربي، وآمل أن يحقق هذا الكتاب ما ينشده القارئ من وضوح موضوعي ورؤية علمية محمود فهمي حجازي

стр. 2

الفهرس الفصل الأول: اللغة والحياة اللغوية ١- طبيعة اللغة ١٠ ٢- وظيفة اللغة ١٦ الفصل الثاني: علم اللغة الحديث ١- علم اللغة وعلم النصوص القديمة ٣١ ٢- علم اللغة المقارن ٣٥ ٣- علم اللغة الوصفي ٣٧ ٤- علم اللغة التاريخي ٣٩ ٥- علم اللغة التقابلي ٤٠ ٦- علم اللغة والبحث النحوي ٤٢ ٧- علم اللغة العام ٤٣ ٨- التسميات المختلفة لعلم اللغة ٤٧ ٩- علم اللغة وعلم النفس ٤٨ ١٠علم اللغة والعلوم الاجتماعية ٥١ ١١- علم اللغة وتعليم اللغات ٥٢ ١٢- علم اللغة بين العلوم ٥٤ الفصل الثالث: علوم اللغة في التراث العربي ١- النحو وعلم العربية ٥٩ ٢- اللغة وعلم اللغة وفقه اللغة ٦٥ ٣- علم اللسان وعلوم الأدب والعلوم العربية ٦٨

стр. 3

الفصل الرابع: كتب طبقات النحويين واللغوين ١- كتب الطبقات ٧٣ ٢- كتاب الفهرست ٧٥ ٣ كتب التراجم ٧٦ ٤ المراجع العامة الحديثة في التراث ٨١ الفصل الخامس: المكتبة النحوية ١- كتاب سيبويه والنحاة البصريون ٨٤ ٢- النحاة الكوفيون في القرن الثاني والثالث ٨٧ ٣- نحاة القرن الرابع ٨٨ ٤- الكتب النحوية التعليمية والمنظومات ٩١ ٥- الموسوعات النحوية والشروح ٩٢ الفصل السادس: المكتبة اللغوية ١- جمع اللغة وتأليف المعاجم ٩٥ ٢- معاجم الترتيب الصوتي ٩٩ ٣- معاجم الترتيب الهجائي ١٠٣ ٤- مصادر المعاجم الموسوعية ١٠٥ ٥- المعاجم الدلالية الخاصة ١٠٩ ٦- المعاجم الموضوعية ١١٣ ٧- كتب الأبنية الصرفية ١١٤ ٨- كتب التثقيف اللغوي ولحن العامة ٩- كتب الموضوعات الصوتية ١١٧ الفصل السابع: المنهج المقارن وتصنيف اللغات ١- تصنيف اللغات ١١٩ ٢- العرب واللغات الأجنبية ١٢٢ ٣- الأوربيون والمقارنات ١٢٤ ٤- نشوء علم اللغة المقارن ١٢٦

стр. 4

الفصل الثامن: اللغات السامية بين اللغات الأفروآسيوية ١- اللغات الأفروآسيوية ١٣١ ٢- اللغات السامية ١٣٢ ٣- اللغات السامية واللغة المصرية القديمة ١٣٤ ٤- اللغان السامية واللغة الليبية القديمة ١٣٥ الفصل التاسع: الخصائص المشتركة في اللغات السامية: ١- الأصوات ١٣٩ ٢- بناء الكلمة ١٤٢ ٣- بناء الجملة ١٤٧ ٤- الألفاظ الأساسية ١٤٨ الفصل العاشر: التوزيع الجغرافي والتاريخي للغات السامية ١- الفرع الأكادي ١٥١ ٢- الفرع الكنعاني ١٥٧ ٣- الفرع الآرامي ١٧٢ ٤- العربية الجنوبية ١٨٣ ٥- اللغات السامية في الحبشة ١٨٧ الفصل الحادي عشر: العربية في ضوء اللغات السامية ١- الخطوط السامية والواقع الصوتي ١٩٤ ٢- القوانين الصوتية ١٩٧ ٣- أصوات عربية تختلف عن السامية الأولى ٢٠٠ ٤- الضمائر ٢٠٢ ٥- الأسماء الثنائية ٢٠٥ ٦- الأفعال ٢٠٨ ٧- تحديد الجذور ٢٠٨ ٨- الألفاظ المشتركة ٢٠٩ ٩- الدخيل في ضوء اللغات السامية ٢١١

стр. 5

١٠- المقارنات اللغوية وتاريخ الألفاظ ٢١٣ الفصل الثاني عشر: العربية في جزيرة العرب ١- النقوش العربية القديمة ٢١٧ ٢-اللهجات العربية واللغة الفصحى ٢٢٤ ٣- قضية الاستخدام اللغوي واللهجات ٢٣٤ الفصل الثالث عشر: العربية في المشرق الآسيوي ١- موجات التعريب في المشرق ٣٣٩ ٢- العربية في العصر الأموي ٢٤٢ ٣- الجاحظ وملاحظاته اللغوية ٢٥٤ ٤- العربية بين البداوة والحضارة ٢٥١ ٥- العربية في القرن الرابع ٢٥٧ ٦- الهمداني والحياة اللغوية ٢٦١ ٧- المقدسي والحياة اللغوية ٢٦٣ ٨- العلاقات اللغوية من القرن الخامس ٢٦٧ الفصل الرابع عشر: العربية في القارة الأفريقية ١- تعريب مصر والنوبة والسودان ٢٧١ ٢- المغرب وتعريب البربر ٢٨٠ ٣- العربية جنوب دول المغرب ٢٨٨ ٤- العربية لغة الدين والثقافة الإسلامية ٢٩٤ الفصل الخامس عشر: اتجاهات التغير في البنية والمعجم ١- التغير في البنية ٢٩٩ ٢- نمو المفردات العربية ٣٠٩ ببليوجرافيا مختارة بالكتب العربية في الدراسات اللغوية ٣١٧ ببليوجرافيا مختارة بالكتب الأوربية في علم اللغة العام وعلم اللغات السامية وعلم اللغة العربية ٣٥٣

стр. 6

الفصل الأول: اللغة والحياة اللغوية مدخل ... الفصل الأول: اللغة والحياة اللغوية هناك تعريفات كثيرة للغة عرفتها الدوائر العلمية المختلفة في شتى الحضارات. ويعد تعريف اللغة عند ابن جني "المتوفى ٣٩١هـ" من التعريفات الدقيقة إلى حد بعيد. قال ابن جني: حد اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم١ وهذا تعريف دقيق يذكر كثيرًا من الجوانب المميزة للغة. أكد ابن جني أولا الطبيعة الصوتية للغة، كما ذكر وظيفتها الاجتماعية في التعبير ونقل الفكر، وذكر أيضا أنها تستخدم في مجتمع فلكل قوم لغتهم. ويقول الباحثون المحدثون بتعريفات مختلفة للغة٢، وتؤكد كل هذه التعريفات الحديثة الطبيعة الصوتية للغة والوظيفة الاجتماعية للغة، وتنوع البنية اللغوية من مجتمع إنساني لآخر.

стр. 7

طبيعة اللغة مدخل ... ١- طبيعة اللغة: اللغة أولا وقبل كل شيء نظام من الرموز الصوتية، وتكمن قيمة أي رمز في الاتفاق عليه بين الأطراف التي تتعامل به، وقيمة الرمز اللغوي تقوم على علاقة بين متحدث أو كاتب هو المؤثر وبين مخاطب أو قارئ هو المتلقي. واللغة وسيلة التعامل ونقل الفكر بين المؤثر والمتلقي. وصدور هذه الرموز الصوتية اللغوية لأداء معان محددة متميزة يعنيها المتحدث ويفهمها المتلقي- معناه اتفاق الطرفين على استخدام هذه الرموز للتعبير عن الدلالات المقصودة. وبهذا يكون هناك ارتباط غير مباشر بين الجهاز العصبي للمتكلم والجهاز العصبي للمخاطب وما اللغة إلا وسيلة الربط بينهما وأداة التعبير. فكل موقف كلامي يشترط وجود متحدث ومتلق. وتتم عملية الكلام بأن يصدر الجهاز العصبي عند المتحدث أوامره إلى الجهاز النطقي عنده، فتصدر اللغة وتمضي على شكل موجات صوتية في الهواء فيتلقاها المتلقي بجهازه السمعي، ثم تنتقل بعد ذلك إلى جهازه العصبي فتترجم هذه الرموز الصوتية اللغوية إلى معانيها المرتبطة بها. واللغة وسيلة التعامل الاجتماعي الأولى في المجتمع الإنساني، أما وسائل الاتصال الأخرى مثل الإشارات الصوتية أو أعلام الكشافة فليست إلا محاولة بديلة للنظام اللغوي وهي تقوم أساسًا على النظام اللغوي ولذا ليس لها بدونه وجود.

стр. 8

اللغة والكتابة الرموز اللغوية Linguistic symbols رموز صوتية، ومعنى هذا

стр. 9

أن طبيعة اللغة تتخذ في المقام الأول صورة صوتية منطوقة مسموعة. فالكتابة في أحسن أحوالها محاولة للتعبير عن اللغة في واقعها الصوتي. وهذه المحاولة دقيقة أحيانًا وغير دقيقة في أكثر الأحيان. والكتابة محاولة لنقل الظاهرة الصوتية السمعية إلى ظاهرة كتابية مرئية، فاللغة تسمع بالأذن والكتابة ترى بالعين، الكتابة محاولة لترجمة الظاهرة الصوتية السمعية إلى ظاهرة كتابية مرئية، والكتابة محاولة لنقل اللغة من بعدها الزمني إلى البعد المكاني، فالظواهر الصوتية تتتابع في الزمن والحروف المكتوبة تتتابع في المكان. وإذا كانت اللغة في المقام الأول ظاهرة صوتية فمن الطبيعي أن يقوم البحث اللغوي بدراسة اللغة في صورتها الصوتية. وعلينا أن نميز دائمًا بين الطبيعة الصوتية للغة وكيفية تدوين هذه اللغة، فالخط العربي شيء واللغة العربية شيء آخر، الخط العربي ذو إمكانات معينة يحاول بها التعبير عن الواقع الصوتي. ويدوّن الخط العربي الأصوات الصامتة مثل الباء والسين والصاد ... إلخ والحركات الطويلة وهي: الضمة الطويلة والفتحة الطويلة والكسرة الطويلة بحروف الكتابة العربية. الخط يتعامل بالحروف، وعلم اللغة يتعامل بالأصوات. يحاول الخط العربي بشكل ما تدوين أصوات اللغة العربية إلا أن الحركات القصيرة وهي الضمة والفتحة والكسرة ليست لها حروف في الخط العربي. ولذا فكتابتها أمر اختياري، ولكن الحركات القصيرة -شأنها شأن الحركات الطويلة والصوامت- عناصر أساسية في تكوين النظام اللغوي للعربية وكل اللغات. يؤدي تغيير الحركات إلى تغيير المعنى فالفرق بين ضرب المبني للمعلوم وضُرب المبني للمجهول فرق في الحركات أدى إلى تحول في الصيغة وتغير في المعنى. وثمة فرق أساسي بين مجموع الحروف ومجموع الأصوات في أنماط كثيرة من الكلمات العربية فالفعل الماضي: كتبوا، سافروا.... إلخ ينتهي بألف ليست لها أية دلالة صوتية. وعلى العكس من هذه الظاهرة نجد الحروف التي تكتب بها كلمات كثيرة أقل عددًا من الأصوات المكونة لها. وبعض الحركات

стр. 10

الطويلة لا تكتب في بعض الكلمات. مثل: هذا، هذه.... إلخ. وثمة فرق آخر بين الحروف والأصوات، ويتضح هذا الفرق بأن نلاحظ أن حرف الواو في الخط العربي يرمز إلى ظاهرتين صوتيتين مختلفتين في اللغة العربية، فالواو ترمز في تدوين الكلمات: ورد، ولد، إلى صوت صامت في العربية، بينما ترمز الواو نفسها في تدوين الكلمات خلود، سرور، شهود، إلى حركة طويلة في اللغة العربية. وكذلك حرف الياء في الخط العربي. فهو يرمز تارة إلى صوت صامت في الكلمات: يكتب، يلعب، وتارة أخرى إلى حركة في الكلمات: في، لي. ولهذا كله لا يجوز في بحث اللغة العربية -أو أية لغة أخرى- أن نتعامل بالحروف المكتوبة، بل علينا أن ندرس الأصوات اللغوية المكونة لهذه اللغة، محاولين في كل حالة أن نتبين الواقع الصوتي للغة مراعين مدى الاختلاف بين اللغة باعتبارها ظاهرة صوتية وكيفية تدوينها بالحروف.

стр. 11

النظام اللغوي: الرموز الصوتية، التي يتعامل بها أبناء الجماعة اللغوية الواحدة محدودة، فأكثر اللغات تتعامل كل منها بحوالي ثلاثين رمزًا صوتيًّا، وتتعامل كل اللغات الإنسانية مجتمعة بما لا يزيد على خمسين رمزًا صوتيًّا لكل لغة منها نصيب، ولكن هذه الرموز المحدودة تعبر في كل لغة من هذه اللغات الكثيرة عن أكثر ما يريد الإنسان التعبير عنه في كل مجالات الحياة والفكر. إنها ثلاثون رمزًا تقريبًا في كل لغة من اللغات تكوِّن آلاف الكلمات ثم ملايين الجمل لنقل ملايين الملايين من المعاني وظلال المعاني. وتكوّن هذه الرموز الصوتية المحدودة بنية اللغة باتخاذها عدة أنساق محددة، فالكلمتان كاتب وكتاب تتكونان من نفس الصوامت ونفس الحركات، الصوامت هنا: الكاف والتاء والباء، والحركات هي: الكسرة والفتحة وحركة الإعراب. غير أن هذه الحركات تتخذ في الكلمتين السابقتين نسقين مختلفين. واستخدام الرموز الصوتية المحدودة في كل لغة من لغات الأرض في أنساق مختلفة أتاح لها أن تكوّن الآلاف الكلمات. وتتخذ الأجزاء

стр. 12

المختلفة في النظام اللغوي في كل حالة على حدة ترتيبًا محددًا، فلكل رمز صوتي وظيفته في الكلمة، ولكل كلمة وظيفتها في العبارة أو الجملة، وينبغي الالتزام بالنسق المتفق عليه في البيئة اللغوية الواحدة، وإلا فقد الرمز قدرته على النقل والإيحاء. وهذا النسق اللغوي يتضمن ترتيب الأصوات داخل الكلمة وترتيب الكلمات داخل الجملة. وهنا تكون مهمة الباحث في اللغة أن يتبين طبيعة هذه الرموز الصوتية والأنساق المختلفة التي تتخذها لتكون الكلمات ثم عليه أن يتبين أيضا الأنماط المختلفة لترتيب هذه الكلمات لتكوّن الجمل المختلفة. اللغة ظاهرة غير مادية، شأنها في هذا شأن العرف والعادات. وهناك فرق أساسي بين بحث الظواهر المادية في مجتمع ما وبحث الظواهر غير المادية في نفس المجتمع. ويكمن استيعاب الظواهر المادية مثل أشكال السكن والملابس وأدوات العمل بوصف هذه الأشياء وصفًا مباشرًا، ولكن دارس الظواهر غير المادية يواجه مجموع العناصر غير المرئية وقد تداخلت جزئياتها تداخلا كاملا وهذا شأن عالِم اللغة في بحثه للغة وعالِم الاجتماع في بحثه للعرف مثلا. كلاهما مطالب بملاحظة آلاف الجزئيات المكونة للنظام اللغوي أو النظام العرفي وأن يتبين هذه الجزئيات وأن يصنفها تصنيفًا واضحًا، وأن يبلور العلاقات الكامنة بين هذه الجزئيات المتكاملة. فالباحث في اللغة يلاحظ، ثم يسجل، ثم يصنف، ثم يبلور ليكشف بنية اللغة التي يدرسها.

стр. 13

الرموز اللغوية والدلالة: تكتسب الرموز اللغوية قدرتها الإيحائية عن طريق الاستخدام، والكلمة أقل عناصر اللغة ذات الدلالة، وليس هناك معنى محدد لصوت السين أو صوت الصاد أو لأي صوت آخر. وعندما يسمع الإنسان لغة أجنبية لا يعرفها فإنه لا يستطيع - أول الأمر- أن يميز الكلمات المختلفة التي يسمعها، فهو يسمع سلسلة من الأصوات المتتابعة. وهذا شأن الطفل قبل اكتسابه للغة، فهو يسمع اللغة مجرد جرس صوتي غير متميز الملامح، ثم يأخذ الطفل في تمييز الرموز

стр. 14

الصوتية التي يسمعها شيئًا فشيئًا، وما أن يكتمل تمييز الطفل بين هذه الأصوات وتكتمل قدرته على محاكاتها حتى يكون الطفل قد اكتسب الأساس الصوتي للغته الأم. وترتبط هذه المرحلة بملابسات استخدام كل كلمة وكل عبارة سمعها الطفل، فهو لا يسمع الأصوات المكونة للكلمات والعبارات مجردة عن سياقها، بل يسمع عبارات معينة في مناسبات محددة، وبذلك ترتبط كل كلمة وكل عبارة في عقل مكتسب اللغة أو مستخدمها بمواقف خاصة وظروف معينة. وما المعنى إلا حصيلة المواقف التي استخدم فيها الرمز اللغوي، ولذا فالوسيلة العلمية لمعرفة دلالة كلمة من الكلمات أو عبارة من العبارات تتلخص في بحث الظروف والملابسات التي استخدمت فيها الكلمة فاكتسبت معناها وقدرتها الإيحائية. وليست هناك أية علاقة طبيعية بين الرمز اللغوي ومدلوله في الواقع الخارجي، والعلاقة الوحيدة القائمة بين الرمز الصوتي اللغوي وما يدل عليه هي علاقة الرمز، فالكلمة ترمز إلى شيء مادي أو معنوي، وعلى هذا فلا علاقة طبيعية تربط الأصوات المكونة لكلمة منضدة في العربية أو كلمة Tisch في الألمانية وبين المنضدة كواقع مادي. والمنضدة في اللغة العربية كلمة مؤنثة، لا لأن هناك تأنيثًا في خشب المنضدة ولكن لأنها تنتهي بتاء، والتاء في العربية علامة تأنيث، فالتأنيث هنا ليس للمنضدة كواقع مادي ملموس بل لكلمة منضدة في اللغة العربية ويقابل هذه الكلمة بالألمانية كلمة der Tisch وهذه الكلمة الألمانية تصنف من المذكر. ولذا فتصنيف الكلمات في اللغة الواحدة يكوّن نظامًا لغويًّا مستقلا عن مدلولات هذه الأشياء في الواقع الخارجي، وكل ما يربط الكلمة بمدلولها هو علاقة الرمز. ويصدق هذا على كل ظواهر وكلمات اللغة الإنسانية، فاللغة لها نظامها الداخلي، وليس هذا النظام انعكاسًا مباشرًا للواقع الخارجي بل هو رؤية له بطريقة ما. وتصدق علاقة الرمز على كل الألفاظ في كل اللغات، فليست هناك علاقة طبيعية بين بعض الألفاظ ومدلولاتها في الواقع الخارجي. وقد توهم البعض في عدد من الكلمات مثل: خرير، صهيل، هديل

стр. 15

محاكاة للطبيعة وأطلق ابن جني١ على هذه الكلمات اسم الأصوات المسموعات ويطلق على هذه الكلمات في الإنحليزية Onomatopoetic Words ولكن هذه الكلمات لا تختلف في شيء عن باقي كلمات اللغة من الناحية الدلالية، إذ إنها لم تكتسب قيمتها الرمزية إلا في بيئة لغوية محددة، فليست دلالات هذه الكلمات طبيعية مشتركة في كل اللغات، بل كل منها ذات إيحاء محدد في مجتمع لغوي بعينه دون غيره. فكلمة "خرير" تؤدي معناها في البيئة اللغوية العربية وتوحي فيها بصوت الماء المتدفق المتلاطم، ولكن هذه الكلمة ليست لها أية دلالة أو معنى أو قدرة إيحائية خارج البيئة اللغوية العربية. وربما توهم البعض وجود علاقة طبيعية بين معنى الإيجاب والموافقة وكلمة "أيوه" في اللهجة العربية القاهرية، والواقع أن هذه الكلمة لا توحي بهذا المعنى إلا في مجتمع يفهم اللغة القاهرية، ولو قيلت وحدها لمخاطب أمريكي لفهم منها اسم ولاية أمريكية ولو نطقت أمام ألماني لما فهم منها أي شيء على الإطلاق، وكل هذا يدل على ارتباط دلالة هذه الكلمة وغيرها من الكلمات بالاستخدام اللغوي في بيئة لغوية محددة، وليست هناك علاقة طبيعية بين الصوت اللغوي أو الكلمة ودلالتها. فالمعنى هو حصيلة استخدام الكلمة في البيئة اللغوية الواحدة. وهناك تصور سائد في بعض البيئات المتحضرة وفي كل البيئات الأقل تحضرًا تجاه بعض الكلمات، فنطق كلمة بعينها عندهم يعني استحضار الشيء، وكأن الكلمة والشيء الذي تدل عليه يكونان وحدة طبيعية واحدة. ويؤدي هذا

стр. 16

التصور إلى تجنب ذكر أسماء الأمراض وأسماء الوحوش حتى لا تحل بالمكان الذي نطقت فيه أسماؤها. ولذا تنوعت تسميات الحيوان المخيف في الجماعة اللغوية الواحدة، وقد تجنبت جماعات لغوية في شمال أوربا ذكر اسم الدب صراحة فكانوا يرمزون له بتسميات أخرى مجازية حتى لا يحضر١كما حاول البعض تجنب حضور الأسد بأن أطلقوا عليه تسميات مجازية أخرى كثيرة حتى لا يحل بالمكان ورغم وجود أمثلة كثيرة لذلك في بيئات حضارية مختلفة فواقع اللغة يثبت أنه لا علاقة بين الرمز اللغوي وما يشير إليه في عالم الواقع إلا علاقة الرمز. وكل الرموز اللغوية سواء في ذلك.

стр. 17

وظيفة اللغة مدخل ... ٢- وظيفة اللغة: يرتبط الرمز اللغوي ببيئة محددة يطلق عليها الجماعة اللغوية Linguistic Communtity فعندما يسمع إنسان لغة أجنبية لا يعرفها يسمعها أصواتا غير متميزة، وليس لها تصنيف واضح عنده، وليست لها لدلالة رمزية، إنه يسمع سلسلة صوتية لسيت لها وحدات متميزة. ولكن ابن اللغة أو العارف بها لا يسمع هذه السلسلة الصوتية فحسب، بل يميز مكوناتها ويفهم محتواها الدلالي. ومن الممكن بحث الأصوات المنطوقة من ناحية الخصائص الفيزيائية، فالمادة الصوتية موضوع من موضوعات التحليل في الفيزياء، ويكشف التحليل الفيزيائي

стр. 18

للصوت عن جوانب كثيرة من خصائصه الطبيعية، مما يفيد أيضا من الناحية التطبيقية في تصميم أجهزة التليفونات وأجهزة الإرسال والاستقبال اللاسكلي وتصميم المباني التي يتردد فيها الصوت.. إلخ ولكن البحث اللغوي لا يبحث الخصائص الفيزيائية باعتبارها هدفًا في ذاتها، بل يبحث المادة الصوتية باعتبارها وسيلة لتوصيل المعلومات، ولذا لا يراها مجرد حشد صوتي كما تبدو للأجنبي وكما يسجلها الجهاز الأصم بل يرى فيها نظامًا محددًا من الرموز المتميزة التي تحمل معنى. تختلف الخصائص الفيزيائية للصوت باختلاف الأفراد والمواقف الكلامية داخل الجماعة اللغوية الواحدة، فلكل فعل كلامي خصوصيته. وتختلف الخصائص النطقية والفيزيائة للعبارة الواحدة باختلاف الأفراد، وقد يختلف نطق الإنسان الواحد لنفس العبارة باختلاف أحواله النفسية ويتغير نطقه بتقدم العمر. ومع هذا فالجماعة اللغوية هي الجماعة التي تتشابه فيها مجموع العبارات التي يتعامل بها أبناؤها، على نحو يمكنهم من الفهم المتبادل mutual intelligibility، ومجموع العبارات المستعملة في الجماعة اللغوية يصدر عن بنية لغوية واحدة تربط كل أفراد الجماعة. وتتحدد الجماعة اللغوية باعتبار تشابه مجموع العبارات التي يتعامل بها أفرادها، فتعاملهم بها هو الذي جعل منهم جماعة لغوية واحدة١.

стр. 19

الفصحى واللهجات: يوجد في أكثر الجماعات اللغوية في العالم أكثر من مستوى لغوي واحد يشارك الفرد في كل مستوى منها وفق المواقف الكلامية التي يعيشها. فالمواقف الكلامية في مجال الحياة اليومية تختلف عنها في المجالات الثقافية أو مجالات السياسة. قد يكون هذا الاختلاف في إطار اللغة الواحدة كما هي حال المثقفين من أبناء اللغة الألمانية أو الفرنسية أو الإنجليزية في تعاملهم بلغاتهم. وقد يكون الاختلاف أكثر من ذلك، في إطار اللغة الواحدة عندما تستخدم اللهجة العامية والفصحى جنبا إلى جنب. وتوجد أشكال مختلفة من الازدواج اللغوي١. ويحدد الاستخدام اللغوي الوظيفة التي يقوم بها كل مستوى لغوي. وليست هناك سمات في البنية اللغوية من النواحي الصوتية أو الصرفية أو النحوية أو الدلالية تفرض كون أحد المسوتيات هي الفصحى والآخر هو العامية، فكلاهما ينطبق عليه تعريف اللغة باعتبارها نظامًا من الرموز الصوتية، ولكن أبناء الجماعة اللغوية يقفون من الفصحى موقفًا غير موقفهم من العامية. فالفصحى تحترم اجتماعيًّا وتحترم قواعدها عند المثقفين، كما تدعم النماذج الأدبية والكتب الثقافية والعلمية مكانة الفصحى. ويؤدي هذا في حالات كثيرة إلى أن جعل استخدامها موحدًا -أو يكاد يكون موحدًا- عند كل أبنائها، حتى وإن كانوا منفصلين جغرافيًّا واجتماعيًّا عن بعضهم البعض، فيظل الاختلاف الإقليمي في استخدام الفصحى داخل العرف النحوي والمعجمي للغة، ولكن العامية تعد في رأي مستخدميها غير مقننة من الناحية النحوية، على الرغم من أن لكل لهجة قوانينها الخاصة بها. ولا يقف أبناء الجماعة اللغوية من العامية موقف الاحترام، ولذا لا تستخدم العامية في الكتابة الرسمية ولا في المجالات الثقافية والعلمية تاركة ذلك للغة الفحصى.

стр. 20

أشكال التنوع اللغوي: وهناك جماعات لغوية تستخدم أكثر من لغة تختص كل واحدة منها بمجالات محددة. وفي كل هذه الحالات هناك مصطلحات لوصف مستويات الاستخدام اللغوي المختلفة١. اللغة الرسمية Official Language هي اللغة المستخدمة في المجالات الرسمية في الدولة. وتنص الدساتير -غالبًا- على تحديد اللغة الرسمية في كل دولة. قد تكون اللغة الرسمية هي اللغة الوطنية National Languge كما هي الحال في كثير من دول العالم، وقد تكون امتدادا للغة الرسمية في عهد الاستعمار وهذه حال كثير من الدول الجديدة في أفريقيا وآسيا. فاللغة الرسمية في موريتانيا هي اللغة الفرنسية، وليست الفرنسية لغة أبناء موريتانيا فهم عرب وبربر، وما تزال اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية في عدد من الدول الإفريقية. وهناك دول اعترفت لظروف تاريخية بتعدد اللغات الرسمية، فالفرنسية والفلمنكية لغتان رسميتان في بلجيكا، والانجليزية والأفريكانز Afrikaans لغتان رسميتان في اتحاد جنوب إفريقيا، والإنجليزية والفرنسية لغتان رسميتان في كندا. والألمانية والفرنسية والإيطالية هي اللغات الرسمية في سويسرا. وتوصف اللغة التي تستخدم في المجالات التعليمية والثقافية والتقنية بأنها لغة التعليم Educational Language أو لغة الثقافة Cultural Language أو اللغة التقنية Technical Language وكثيرًا ما تكون اللغة الرسمية لغة

стр. 21

التعامل في هذه المجالات، ولكن عددا كبيرا من الجماعات اللغوية في العالم المعاصر تتعامل في المجالات التقنية بلغة تختلف عن اللغة الرسمية التي نص عليها الدستور. فتدريس العلوم والهندسة والطب يتم في أكثر جامعات الدول العربية باللغة الإنجليزية أو اللغة الفرنسية مع أن دساتير هذه الدول تنص على كون اللغة الرسمية هي اللغة العربية. وهناك لغات تستخدم في مجالات خاصة دون أن تكون اللغة الوطنية أو اللغة الرسمية أو لغة التعليم. فلغة الدين Religious Language أو لغة الشعائر الدينية Language Liturgical هي اللغة العربية في كل أنحاء العالم الإسلامي. واللغة اللاتينية هي لغة الطقوس الدينية عند الكاثوليك واللغة العبرية هي لغة الدين عند اليهود. ويؤدي قصر استخدم لغة من اللغات على المجال الديني إلى اهتمام رجال الدين -في المقام الأول- بهذه اللغة ليقرءوا الكتب المؤلفة بها ويؤلفوا بها ما يريدون من كتب دينية. وإلى جانب هذا فهناك لغات توصف كل منها بأنها لغة جماعة Group langugae ويقتصر استخدامها على مجموعة حضارية أو اثنية داخل الدولة، فالمهرية في منطقة من اليمن الجنوبية وعند المهاجرين منهم إلى الكويت هي لغة مجموعة اثنية Ethnic Language وهذا كذلك شأن النوبية في مصر. والكردية في العراق والبربرية في المغرب. وتعد معرفة لغة المجموعة الحضارية أو الاثنية في أكثر الأحوال معيارًا لبيان انتماء الفرد لهذه المجموعة. ويؤدي ارتباط اللغة بمجموعة بشرية بعينها إلى عدم استخدامها عند غير أبنائها للأغراض العامة خصوصًا إذا كانت جماعة أبناء هذه اللغة منفصلة عن باقي أبناء البلاد بحواجز جغرافية أو حضارية أو دينية أو طبقية. وفي أكثر هذه الحالات يتعامل أبناء هذه اللغة مع الآخرين بلغة أخرى تصبح بمثابة لغتهم الثانية١.

стр. 22

لغات التعامل واللغات الدولية: وإذا كان التعاون بين البشر ضرورة اجتماعية وحضارية فإن التعامل بين الأفراد المنتمين إلى جماعات لغوية مختلفة يشكل في أكثر الأحوال صعوبة كبيرة. ويطلق على اللغة التي تتعامل بها جماعات تختلف لغاتها الأم اسم لغة التعامل١ Lingua franca وهناك عدة لغات تعامل في العالم الحديث. ومن أمثلة لغات التعامل استخدام العربية بين القبائل غير العربية في السودان وإريتريا.

стр. 23

واستخدام الإنجليزية بين أبناء اللغات المختلفة في الهند١ وأكثر لغات التعامل لغات طبيعية Natural Languages أي لغات تطورت ونمت نموًّا طبيعيًّا، ولكن بعض الأفراد حاولوا وضع لغات أخرى توخوا فيها البساطة ويطلق عليها اللغات المصطنعة Artificial Language أو اللغات المساعدة auxiliary Language مثل الإسبرانتو. ولكن هذه اللغات المصطنعة ليست سهلة لجميع أبناء اللغات بنفس الدرجة، الإسبرانتو مثلا أكثر عناصرها تتشابه مع الإيطالية والإسبانية وباقي هذه العناصر أوربية ولذا فاكتساب الأوربيين عموما للإسبرانتو أسهل من اكتساب غيرهم لها. إن العالم المعاصر به أكثر من ثلاثة آلاف لغة، ولكن أكثر هذه اللغات يقتصر استخدامها على أعداد محدودة من البشر. وهناك إحدى عشرة لغة من هذه اللغات يتحدث بها أكثر من خمسين مليونًا وهي: الصينية والإنجليزية والهندية، الأردية، والإسبانية، والروسية، والعربية، والبرتغالية، واليابانية، والبنغالية، والألمانية، والفرنسية ولكن ليست كل هذه اللغات مما يمكن وصفها بأنها من اللغات الدولية International Language فاللغة الدولية لا تتحدد مكانتها بانتشارها وعدد أبنائها فحسب، بل تتحدد مكانتها بأهميتها الحضارية وإقبال غير أبنائها على تعلمها والتعامل بها٢ فاللغة لاتعيش إلا في جماعة لغوية، ولا ترقى إلا بالإنسان.

стр. 24

مستويات الاستخدام اللغوي: النظام الرمزي الصوتي لا يصبح لغة إلا إذا استخدم للتعامل في بيئة إنسانية، ولذا فالبحث اللغوي يتناول البنية اللغوية ويربطها بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة في هذه البيئة اللغوية. فطبيعة اللغة ووظيفتها شيئان مترابطان، فلو حاولنا أن نكتب اليوم عن الحياة اللغوية في العالم العربي الحديث فإننا نجد عددا من مستويات الاستخدام اللغوي تستخدم اللغة الفصحى في التأليف الأدبي والثقافي وفي كثير من برامج الإذاعة وتستخدم في المحاضرات العامة إلى حد كبير، ولكنها لا تكاد تستخدم في الحديث بين المثقفين، أما اللهجات المحلية فيدور بها الحديث اليومي في أمور الحياة. وليس من الصحيح أن نقول بوجود مستويين اثنين هما الفصحى والعامية، فبين هذه وتلك عدة مستويات لغوية وللنظر في حديث المثقفين العرب حيث تتخذ عناصر كثيرة من الفصحى مكانها إلى جانب عناصر أخرى من اللهجات المحلية، نجد المصطلحات العلمية فصيحة وصيغ الأفعال عامية والضمائر عامية، ففي عامية المثقفين هذه تستقر عناصر من الفصحى وأخرى من العامية. ولا يجوز أن نعمم هذا التقسيم، فكل مجتمع يعرف علاقاته اللغوية الخاصة ففي المجتمعات الأوربية المثقفة يدور الحديث باللغة الأدبية الفصحى، ويحاول كل مثقف في حديثه أن يجرد نفسه المثقف بقدر الإمكان عن التأثير باللون المحلي أو اللهجة الإقليمية، ويحاول الشباب المثقف في وسط أوربا استخدام الفصحى بقدر الإمكان، حتى إن الكثير من مثقفى المدن لم يعد يستخدم اللهجة المحلية على الاطلاق واقتصر استخدام اللهجات على التعامل المحلي بين أبناء القرية الواحدة أو القرى المتجاورة وهو استخدام متناقص مع الزمن. فمجالات استخدام اللغة الفصحة في البيئات الأوروبية المثقفة وبيئات المدن عموما أكثر من مجالات استخدام العربية الفصحى في العالم العربي. وتبدو هذه الحقيقة من مقارنة الاستخدام اللغوي في المدارس والمعاهد العلمية هنا وهناك،

стр. 25

كما تبدو هذه الحقيقة واضحة بمقارنة الاستخدام اللغوي بين المثقفين الأوربيين والمثقفين العرب. ويلاحظ في بعض المجتمعات ارتباط لغة بعينها بجماعة بشرية محددة، ففي واحة سيوة الواقعة في صحراء مصر الغربية يتحدث الرجال اللغة العربية بجانب استخدام اللغة السيوية وهي لغة مستقلة تختلف عن العربية، وأما النساء فلا يتحدثن إلا باللغة السيوية ولا يستطعن التعامل بالعربية. وشبيه بهذا ما نجده في المناطق النوبية في مصر أو البربرية في المغرب العربي والمهرية في شرق اليمن الجنوبية. وارتباط لغة بعينها بالرجال دون النساء يرجع إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية. فمجتمع النساء في هذه البيئات منفصل تمامًا عن التعامل الخارجي ولذا لم تدخله العربية لغة التعامل الخارجي ولغة التعليم والثقافة. ففي هذه المجتمعات يسود ازدواج لغوي والمقصود بهذا استخدام لغتين في بيئة واحدة. ونجد الازدواج اللغوي في الجزر اللغوية غير العربية في شمال العراق مثلا، فهناك عدة جزر لغوية آرامية في عدد من القرى الجبلية، وتستخدم العربية في هذه الجزر اللغوية بدرجة اتصال أبناء هذه المناطق بالجماعة اللغوية العربية وبدرجة انتشار التعليم بينهم, وفي مثل هذه الحالات ينبغي على الباحث أن يحدد مجالات استخدام كلتا اللغتين فإحداهما تستخدم في الحياة المنزلية والأخرى وسيلة التعامل الثقافي، ومن النادر أن نجد اللغتين تستخدمان في البيئة اللغوية الواحدة في كل المجالات، بل هناك ضرب من تقسيم مجالات الاستخدام. وتصدق هذه الملاحظة على الجزر اللغوية في أوربا وعلى المناطق التي تتعامل بلغتين في نفس الوقت، ففي دولة لوكسمبورج يسود ازدواج لغوي، تستخدم اللوكسمبورجية وهي لهجة ألمانية في الحياة اليومية، أما الثفافة والتعليم والتعامل مع الدوائر الرسمية فيتم باللغة الفرنسية، فلكل لغة منهما وظيفة محددة.

стр. 26

مستويات الاستخدام اللغوي والقوانين الصوتية: لا بد إذن في دراسة الحياة اللغوية من تحديد مستويات الاستخدام اللغوي وليس

стр. 27

هناك تقسيم مسبق لهذه المستويات. ولكن تحديد هذه المستويات اللغوية والتعرف على خصائصها ومجالات استخدام كل منها شرط أساسي لبحث العلاقات المتبادلة بين المستويات اللغوية المختلفة. لقد ثبت من أبحاث اللغوين الأوربيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أن القوانين الصوتية مطردة لا تعرف الشذوذ، ومعنى هذا أن التغير الصوتي يحدث في كل ألفاظ المستوى اللغوي. فإذا لاحظنا مثلا أن القاف الفصحى قد اختفت من لهجة القاهرة وحلت محلها الهمزة، فهذا قانون صوتي مطرد لا يعرف الشذوذ أو الاستثناء. ولكن رغم هذا نجد عدة كلمات تستخدم اليوم عند أبناء لهجة القاهرة وتحتفظ بالقاف مثل كلمتي القاهرة والقرآن. وهنا يتضح لنا السبب في احتفاظ الكلمتين بالقاف في ضوء التمييز بين مستويين لغويين اثنين، فكلمة القرآن لم تستخدم إلا على المستوى الثقافي فظلت تنطق بالقاف، ولذا لم يطبق عليها قانون تحول القاف إلى همزة. وكان مستخدم اللهجة المحلية يستعيض عن كلمة القرآن بكلمة مصحف أو ربعة، وعندما استعيرت كلمة القرآن من المستوى الثقافي إلى العامية احتفظت بصورتها القديمة ولم تتأثر بالقانون الصوتي الذي كان قد حول كل قاف إلى همزة. فالكلمة إذن مستعارة من الفصحى أو بالأحرى من المستوى الفصيح في الاستخدام اللغوي، وأما كلمة القاهرة فلم يكن استخدامها جاريًا في العامية لأن كلمة مصر حلت محلها في الاستخدام العامي. ولذا ظلت كلمة القاهرة على المستوى الفصيح فاحتفظت بصورتها الصوتية الفصيحة. وتصدق قضية التمييز بين المستويات اللغوية المختلفة في كل البيئات اللغوية، ففي الكويت ومناطق الخليج العربي التي تستخدم الياء في مقابل صوت الجيم الفصحى نجد كلمات تنطق بالجيم، وليس في هذا ما ينقض كون القوانين الصوتية مطردة، فالقانون الصوتي الخاص بتحول الجيم الفصحية إلى ياء في هذه اللهجات خاص بمستوى الألفاظ الأساسية، وليست له علاقة بالألفاظ الهابطة من الفصحى إلى هذه اللهجات. لقد تحولت الجيم الفصحى إلى ياء في كل الألفاظ الأساسية في اللهجة، مثال ذلك الكلمات: جاء يا، واجد وايد

стр. 28

"بمعنى كثير". ولكن الألفاظ الهابطة من الفصحى في مرحلة تاريخية حديثة احتفظت بالجيم الفصيحة نجد هذا في كلمات مثل: جمعية، جامعة. يؤدي وجود ألفاظ من مستويين اثنين في البيئة اللغوية الواحدة إلى وجود أمثلة لانقسام الكلمة الواحدة إلى كلمتين بدلالتين مختلفتين، فكلمة "يامعة" في اللهجة الكويتية تعني التعويذة أو الحجاب، وكلمة "جامعة" تستخدم بمعناها الفصيح ولا شك أن استخدام الكلمة الأولى في تناقص والثانية في ازدياد بسبب التحول الثقافي في المنطقة، ولكن وجود إحداهما الآن بالياء والأخرى بالجيم يوضح انتماءهما إلى مستويين لغويين اثنين، وهكذا تطرد القوانين الصوتية، وكل اختلاف عنها يفسر بمعايير منها تحديد مستوى الاستخدام اللغوي، وهذا يعني أن البنية اللغوية لا يمكن أن تدرس أو تفسر تاريخيًّا إلا في ضوء استخدامها في المجتمع.

стр. 29

اللغة والكلام: اللغة ظاهرة اجتماعية ولكن استخدامها الحقيقي لا يتم إلا بين الفرد والآخرين. وقد اهتم علم اللغة ببيان العلاقة بين اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية واستخدام الأفراد لهذه اللغة. ويفرق الباحثون في القرن العشرين بين اللغة من جانب والكلام من الجانب الآخر١ والفرق بينهما على النحو التالي: اللغة نظام من الرموز الصوتية المتفق عليه في البيئة اللغوية الواحدة، وهي حصيلة الاستخدام المتكرر لهذه الرموز الصوتية التي تؤدي المعاني المختلفة. أما الكلام فهو الكيفية الفردية للاستخدام اللغوي، ويختلف استخدام كلمتي اللغة والكلام في الكتب اللغوية عن الاستخدام الشائع للكلمتين، فكثيرًا ما نستخدم في كلامنا اليومي كلمة لغة للتعبير عن الكلام، نقول لغته جيدة أو لغته رديئة

стр. 30

والمقصود بهذا الاستخدام الفردي للغة، ولكن المعنى الاصطلاحي لكلمة لغة يجعلها عبارة عن مجموعة الإمكانات التعبيرية في البيئة اللغوية الواحدة، أما الكلام فهو كيفية اختيار الفرد لعناصر بعينها من هذه الإمكانات التعبيرية الكثيرة، وتتضح هذه القضية في التراكيب والمفردات بصفة خاصة، فلا يوجد فرد يستخدم كل التراكيب المتاحة في لغته. وليس هناك فرد يستخدم كل مفردات لغته مهما أوتي من الفصاحة واللسن والتمكن اللغوي، فكل فرد يستخدم جزءا من الإمكانات التعبيرية المتاحة في البيئة اللغوية، ويعبر بهذا الجزء عن حاجاته اليومية أولا ثم عن حرفته -وما أكثر الحرف- ومجالات اهتمامه وفكره وثقافته. والتمييز بين اللغة والكلام ضروري في دراسة قضية التغير اللغوي، والتغير اللغوي شبيه بالتغير في العادات والتقاليد والأزياء. وهذا معناه أن التغير اللغوي يبدأ عند فرد ما، أي على مستوى الكلام، فإذا وجد هذا التجديد قبولا من المجتمع أصبح بمضي الوقت عرفًا لغويًّا سائدًا. يهتم علم اللغة بالتغير اللغوي على المستوى الاجتماعي، ويرجع التغير اللغوي دائما إلى تجديد فردي يقبله المجتمع، أما التجديد الذي يرفضه المجتمع فيبقى خارج مجال علم اللغة؛ لأن علم اللغة يبحث اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية. وليس كل تغير لغوي عند فرد ما أو مجموعة أفراد يقبل اجتماعيًّا، فإلى جانب تغيرات بدأت على مستوى الفرد ثم أصبحت على مستوى البيئة اللغوية كلها، هناك تجديدات فردية ظلت مرتبطة بمجموعة أفراد ولم تقبل اجتماعيًّا. وقد لوحظ مثلا أن نطق الراء في الفرنسية الباريسية بدأ هكذا منذ قرن عند أحد المرموقين في الدولة، ثم قلده رجال البلاط وتلاهم عدد من أبناء الطبقات المترفة، وأصبح هذا النطق هو العرف اللغوي السائد. وعلى العكس من هذا نجد أن اتجاه نطق أصوات الإطباق العربية دون الإطباق لم ينجح. فمنذ سنوات أخذت بعض الطالبات في جامعات مصر في نطق الطاء والقاف والضاد والصاد

стр. 31

دون القدر الضروري من الإطباق. فكادت الطاء تنطق تاء والقاف كافًا والضاد دالا. ولكن هذا الاتجاه ظل عدة سنوات محدود الانتشار مقصورًا على مجموعة أفراد ولم يقبل اجتماعيًّا.. لم يؤد إلى تغير في نطق هذه الأصوات العربية.

стр. 32

٣- المؤثرات العامة في الحياة اللغوية: يتأثر انتشار الصيغ اللغوية والتراكيب بعوامل كثيرة، أهمها في العالم المعاصر العامل الحضاري. فإذا كانت مكانة أية لغة من اللغات الكبرى المعاصرة تتحدد في المقام الأول بما تحمله من تراث حضاري وما تقدمه من نتاج حضاري حديث فإن للعلماء والمثقفين ووسائل الإعلام أثرًا كبيرًا في البيئة اللغوية. وفي المجال الصوتي تعد الإذاعة من العوامل الحاسمة، فالنطق الذي يرتضيه مذيعو الإذاعة يؤثر في آلاف المستمعين، ولذا تهتم دول كثيرة في العالم المعاصر بكيفية نطق المذيعين وتدربهم تدريبًا صوتيًّا دقيقًا. ويؤثر المحاضرون في الجامعات في الحياة اللغوية من ناحية المصطلحات، فهم يدخلون بصفة مطردة مصطلحات علمية جديدة للتعبير عن المعاني الجديدة أو العلوم الحديثة. فتستخدم هذه المصطلحات عند طلابهم وقرائهم ثم في دوائر أوسع إلى أن تستقر في العرف اللغوي. وبذلك تصبح من المشاع اللغوي العام. فإن اختلف واضعو الاصطلاحات وتعددت معهم اصطلاحاتهم للشيء الواحد حدث ارتباك في استخدام المصطلحات وربما تعذر التفاهم. ويؤثر كبار الكتاب والأدباء في الحياة اللغوية من ناحية التراكيب بصفة خاصة، ولكن أي نطق جديد أو اصطلاح جديد أو تركيب أسلوبي جديد- يظل ظاهرة فردية إلى أن يقبل اجتماعيًّا ويصبح من العرف اللغوي. وكثير مما يستحدث في الإذاعة ووسائل الإعلام وفي الجامعات وعند كبار الأدباء يقبل اجتماعيًّا، ولذا تعد هذه الدوائر الحاكمة لغويًّا أهم ما يؤثر في الحياة اللغوية المعاصرة.

стр. 33

وقد تأثرت اللغات على مدى التاريخ وما زالت تتأثر بعوامل أخرى غير العامل الحضاري المذكور. فالعامل الديني أبقى اللغة العربية مقروءة أكثر من عشرين قرنًا، فكان اليهود يتعلمون قدرًا من العبرية لأنها لغة العهد القديم، وهو كتاب اليهود المقدس. والتقاء العرب حول الفصحى وعدم نجاح الدعوى إلى الكتابة بالعامية يرجع إلى عوامل منها الالتقاء حول لغة القرآن الكريم، وقد مهد العامل الديني لدخول عدد كبير من الألفاظ العربية المتعلقة بالدين والحضارة إلى لغات العالم الإسلامي في إفريقيا وآسيا وجنوب أوربا، ففي اللغات السواحلية والتركية والفلبينية وأيضا في اللغة الصربوكرواسية نجد المسلمين يستخدمون الألفاظ الخاصة بالعبادات وبالسلوك اليومي مستعارة من اللغة العربية. وارتباط الخط العربي بالدين الإسلامي جعل المتحدثين بالحبشية في هرر، وكلهم من المسلمين يكتبون الحبشية بالخط العربي، وقد دخلت في الهررية ألفاظ عربية كثيرة وكأنهم أرادوا بذلك أن يثبتوا ارتباطهم بالعالم الإسلامي وتميزهم عن الأحباش المسيحيين حولهم. والعامل السياسي ذو أثر كبير في حياة اللغات، وقد ظهرت اللغات الرومانية المختلفة من فرنسية وإسبانية وإيطالية ورومانية في فترة واحدة كانت الوحدة السياسية لهذه المناطق قد تمزقت نهائيًّا، وكان الوعي القومي آخذًا في الظهور. وقد أدى النفوذ الاستعماري في الهند إلى انتشار اللغة الإنجليزية حتى أصبحت أكثر اللغات استخدامًا في الهند، وقد حدد تقسيم القارة الإفريقية إلى مناطق للنفوذ الاستعماري مسار انتشار لغات المستعمرين فيها، فالدول التي أعلنت الفرنسية لغة رسمية فيها أو التي تتعامل في المجالات الثفافية والسياسية والتجارية بالفرنسية قد احتفظت بذلك باللغة التي دخلت هذه المناطق مع الاستعمار، وهناك دول إفريقية كثيرة تتعامل في هذه المجالات بالفرنسية وأخرى تتعامل بالإنجليزية. وعندما تقسم الدول الإفريقية إلى الدول الناطقة بالفرنسية والدول الناطقة بالإنجليزية، ففي هذا -رغم الاستقلال- أثر للسيطرة الاستعمارية الفرنسية والإنجليزية واليوم يتعلم التلاميذ في أوزبكستان "التركستان سابقًا" اللغة الروسية لأن أوزبكستان تابعة للاتحاد السوفيتي وهكذا يؤثر العامل

стр. 34

السياسي في الحياة اللغوية، ولكنه تأثير يتفاوت طبقًا لطبيعة العلاقات السائدة في البيئة اللغوية. أما العامل الاجتماعي فهو من أهم العوامل في حياة اللغات، فانتقال مجموعة بشرية معينة من مكان لآخر واختلاط المجموعة الوافدة مع السكان الأصليين كفيل بخلق علاقات لغوية جديدة. ومن المعروف أن هجرة القبائل العربية عقب الفتح الإسلامي وفي القرون التالية للشام والعراق ومصر والمغرب كانت من أهم العوامل في انتشار اللغة العربية، وبذلك لم تعد اللغة العربية لغة شمال الجزيرة العربية فحسب بل أصبحت بمضي الوقت لغة الحديث والعلم والأدب في الدول الإسلامية الكبرى، وفوق هذا فالطبقة العليا في المجتمع الواحد ذي الطباقات المتعددة تؤثر تأثيرًا حاسمًا في الاستخدام اللغوي لدى الطبقات الأخرى، ومحاكاة الطبقة العليا أو الفئة الحاكمة أمر معروف في دول العالم المختلفة.

стр. 35

الفصل الثاني: علم اللغة الحديث مدخل ... الفصل الثاني: علم اللغة الحديث علم اللغة في أبسط تعريفاته هو دراسة اللغة على نحو علمي. وتدرس اللغة في إطار علم اللغة في المجالات الآتية: أ- الأصوات phonetics, Phonology ب- بناء الكلمة "الصرف" Morphology, Morphematics ج_ بناء الجملة "النحو" Syntax د- المفردات ودلالتها Semantics

стр. 36

١- علم اللغة وعلم النصوص القديمة: ويختلف علم اللغة١ Linguistics بمفهومه الحديث عن علم النصوص،

стр. 37

وكثيرًا ما يحدث خلط بين مجالي العلمين، فعلم النصوص هو ما يطلق عليه في اللغات الأوربية اسم Philoligy، وقد تحدد مجال علم الفيلولوجي١ بمعناه الدقيق بتحقيق المخطوطات وإعدادها للنشر العلمي وفك رموز الكتابات القديمة وكل ما يتعلق بتقديم النصوص والنقوش القديمة على نحو يمكن من القيام بأبحاث متخصصة فيها، ولا شك أن تحقيق النصوص وفك الرموز ونشر النقوش أعمال علمية جليلة تقوم على دراسات تاريخية أو لغوية أو أدبية إلخ. ولكن هذا العمل الفيلولوجي يخرج عن ميدان اللغة، ويعتبر علم الفيلولوجي بهذا المعنى أساسًا لعلم اللغة ولغيره من العلوم التي تقوم على النصوص. ارتبط البحث اللغوي الحديث في طور نشأته في القرن التاسع عشر بالبحث في النصوص والنقوش القديمة. لقد كانت المدرسة المقارنة في علم اللغة تهدف إلى التعرف على العلاقات التي تربط كل لغة من لغات الأسرة اللغوية الواحدة بالمراحل الأقدم، بل حاولوا التعرف على ملامح اللغة الهندية الأوربية الأم التي يفترض الباحثون في أن اللغات الهندية الأوربية المختلفة قد انحدرت منها. وحاول الباحثون في اللغات السامية أيضا إيضاح العلاقات التي تربط كل لغة من اللغات السامية باللغة السامية الأم التي افترض العلماء وجودها قبل اللغات السامية المعروفة. وأدى هذا الهدف التاريخي إلى الاهتمام بالنصوص القديمة وإلى النظر في المراحل التاريخية التالية باعتبارها انعكاسًا للماضي وامتدادًا له، ومن ثم فقد

стр. 38

شغل علماء كثيرون بالبحث في النقوش والنصوص القديمة١ لقد اكتشفت اللغة الأكادية وبدأت دراستها في القرن التاسع عشر، وفي نفس الفترة اكتشفت العربية الجنوبية القديمة وكان التعرف على هاتين اللغتين قائمًا على مقارنة الصيغ الواردة في نقوشهما بما هو معروف في اللغات السامية الأخرى، وخصوصًا العربية والعبرية والآرامية والحبشية. وعندما اكتشفت النقوش العربية الشمالية القديمة وهي المعروفة باسم النقوش الثمودية والصفوية واللحيانية في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن العشرين كان نشر هذه النقوش وفهم نصوصها يقوم أيضًا على أساس المقارنة مع اللغات السامية الأخرى. ولكن تنوع جوانب البحث اللغوي في القرن العشرين فرض التخصص على من يريد المشاركة في البحث العلمي. وهنا أصبح نشر النصوص والنقوش القديمة علما مستقلا عن علم اللغة، فعلم اللغة بمفهومه الحديث يختلف عن علم النصوص القديمة PhiLology ولم يكن التمييز بينهما واضحًا في القرن التاسع عشر لارتباط البحث اللغوي بالنصوص القديمة، وكان الباحثون الألمان يميزون منذ القرن التاسع عشر بين العمل الفيلولوجي Phiology وعلم اللغة ٢Sprachwissenschaft وقد أخذ غيرهم من الباحثين يميل إلى تمييز

стр. 39

المجالين وعدم خلطهما تحت اسم واحد١ وقد تحدد مجال علم النصوص القديمة الفيلولوجي بمعناه الدقيق بتحقيق المخطوطات وإعدادها للنشر العلمي وفك رموز الكتابات القديمة وإعدادها للنشر العلمي أيضا. فكل ما يتعلق بتقديم النصوص والنقوش القديمة على نحو يمكن من القيام بأبحاث متخصصة فيها يعد من علم الفيلولوجي، ولا شك أن تحقيق النصوص والنقوش ونشرها أعمال علمية جليلة وهي الأساس الذي تقوم عليه دراسة هذه النصوص والنقوش من الجوانب التاريخية أو اللغوية أو الاجتماعية المختلفة. ويعتبر العمل الفيلولوجي بذلك أساسًا لعلم اللغة ولغيره من العلوم التي تعنى بتفسير النصوص وتحليل مادتها. فتحقيق ديوان من الدواوين المخطوطة يعتبر عملا فيلولوجيا يفيد البحث في اللغة كما يفيد البحث في الأدب ولكنه لا يدخل في مجال علم اللغة. فالدراسة اللغوية للديوان تعني دراسة النص من جوانبه الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية أي من الجوانب التي تعارف العلماء على جعلها مجال البحث في علم اللغة.

стр. 40

٢- علم اللغة المقارن Comparative Linguistics: وموضوع علم اللغة المقارن دراسة الظواهر الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية في اللغات المنتمية إلى أسرة لغوية واحدة أو فرع من أفرع الأسرة اللغوية الواحدة١ ولذا يقوم المنهج المقارن في علم اللغة على أساس تصنيف اللغات إلى أسرات، ويقسم اللغويون منذ القرن التاسع عشر اللغات المختلفة إلى مجموعات أو أسرات. فهناك أسرة اللغات الهندية الأوربية التي تضم أكثر لغات المنطقة الممتدة من الهند إلى أوربا، وتضم بذلك عددًا كبيرًا من اللغات التي عرفتها وتعرفها الهند وإيران والقارة الأوربية٢. وعرف العلماء الأوربيون في القرن التاسع عشر أيضا أن العربية تنتمي إلى أسرة اللغات السامية التي تضم أيضا اللغات العبرية والآرامية والأكادية والحبشية٣ وقد تمكن العلماء من تقسيم
следующие страницы →