← Язык

Язык · id 11299

علم اللغة العربية

د. محمود فهمى حجازى

Полный текст (455 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١- علم اللغة وعلم النصوص القديمة: ويختلف علم اللغة١ Linguistics بمفهومه الحديث عن علم النصوص،

стр. 37

وكثيرًا ما يحدث خلط بين مجالي العلمين، فعلم النصوص هو ما يطلق عليه في اللغات الأوربية اسم Philoligy، وقد تحدد مجال علم الفيلولوجي١ بمعناه الدقيق بتحقيق المخطوطات وإعدادها للنشر العلمي وفك رموز الكتابات القديمة وكل ما يتعلق بتقديم النصوص والنقوش القديمة على نحو يمكن من القيام بأبحاث متخصصة فيها، ولا شك أن تحقيق النصوص وفك الرموز ونشر النقوش أعمال علمية جليلة تقوم على دراسات تاريخية أو لغوية أو أدبية إلخ. ولكن هذا العمل الفيلولوجي يخرج عن ميدان اللغة، ويعتبر علم الفيلولوجي بهذا المعنى أساسًا لعلم اللغة ولغيره من العلوم التي تقوم على النصوص. ارتبط البحث اللغوي الحديث في طور نشأته في القرن التاسع عشر بالبحث في النصوص والنقوش القديمة. لقد كانت المدرسة المقارنة في علم اللغة تهدف إلى التعرف على العلاقات التي تربط كل لغة من لغات الأسرة اللغوية الواحدة بالمراحل الأقدم، بل حاولوا التعرف على ملامح اللغة الهندية الأوربية الأم التي يفترض الباحثون في أن اللغات الهندية الأوربية المختلفة قد انحدرت منها. وحاول الباحثون في اللغات السامية أيضا إيضاح العلاقات التي تربط كل لغة من اللغات السامية باللغة السامية الأم التي افترض العلماء وجودها قبل اللغات السامية المعروفة. وأدى هذا الهدف التاريخي إلى الاهتمام بالنصوص القديمة وإلى النظر في المراحل التاريخية التالية باعتبارها انعكاسًا للماضي وامتدادًا له، ومن ثم فقد

стр. 38

شغل علماء كثيرون بالبحث في النقوش والنصوص القديمة١ لقد اكتشفت اللغة الأكادية وبدأت دراستها في القرن التاسع عشر، وفي نفس الفترة اكتشفت العربية الجنوبية القديمة وكان التعرف على هاتين اللغتين قائمًا على مقارنة الصيغ الواردة في نقوشهما بما هو معروف في اللغات السامية الأخرى، وخصوصًا العربية والعبرية والآرامية والحبشية. وعندما اكتشفت النقوش العربية الشمالية القديمة وهي المعروفة باسم النقوش الثمودية والصفوية واللحيانية في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن العشرين كان نشر هذه النقوش وفهم نصوصها يقوم أيضًا على أساس المقارنة مع اللغات السامية الأخرى. ولكن تنوع جوانب البحث اللغوي في القرن العشرين فرض التخصص على من يريد المشاركة في البحث العلمي. وهنا أصبح نشر النصوص والنقوش القديمة علما مستقلا عن علم اللغة، فعلم اللغة بمفهومه الحديث يختلف عن علم النصوص القديمة PhiLology ولم يكن التمييز بينهما واضحًا في القرن التاسع عشر لارتباط البحث اللغوي بالنصوص القديمة، وكان الباحثون الألمان يميزون منذ القرن التاسع عشر بين العمل الفيلولوجي Phiology وعلم اللغة ٢Sprachwissenschaft وقد أخذ غيرهم من الباحثين يميل إلى تمييز

стр. 39

المجالين وعدم خلطهما تحت اسم واحد١ وقد تحدد مجال علم النصوص القديمة الفيلولوجي بمعناه الدقيق بتحقيق المخطوطات وإعدادها للنشر العلمي وفك رموز الكتابات القديمة وإعدادها للنشر العلمي أيضا. فكل ما يتعلق بتقديم النصوص والنقوش القديمة على نحو يمكن من القيام بأبحاث متخصصة فيها يعد من علم الفيلولوجي، ولا شك أن تحقيق النصوص والنقوش ونشرها أعمال علمية جليلة وهي الأساس الذي تقوم عليه دراسة هذه النصوص والنقوش من الجوانب التاريخية أو اللغوية أو الاجتماعية المختلفة. ويعتبر العمل الفيلولوجي بذلك أساسًا لعلم اللغة ولغيره من العلوم التي تعنى بتفسير النصوص وتحليل مادتها. فتحقيق ديوان من الدواوين المخطوطة يعتبر عملا فيلولوجيا يفيد البحث في اللغة كما يفيد البحث في الأدب ولكنه لا يدخل في مجال علم اللغة. فالدراسة اللغوية للديوان تعني دراسة النص من جوانبه الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية أي من الجوانب التي تعارف العلماء على جعلها مجال البحث في علم اللغة.

стр. 40

٢- علم اللغة المقارن Comparative Linguistics: وموضوع علم اللغة المقارن دراسة الظواهر الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية في اللغات المنتمية إلى أسرة لغوية واحدة أو فرع من أفرع الأسرة اللغوية الواحدة١ ولذا يقوم المنهج المقارن في علم اللغة على أساس تصنيف اللغات إلى أسرات، ويقسم اللغويون منذ القرن التاسع عشر اللغات المختلفة إلى مجموعات أو أسرات. فهناك أسرة اللغات الهندية الأوربية التي تضم أكثر لغات المنطقة الممتدة من الهند إلى أوربا، وتضم بذلك عددًا كبيرًا من اللغات التي عرفتها وتعرفها الهند وإيران والقارة الأوربية٢. وعرف العلماء الأوربيون في القرن التاسع عشر أيضا أن العربية تنتمي إلى أسرة اللغات السامية التي تضم أيضا اللغات العبرية والآرامية والأكادية والحبشية٣ وقد تمكن العلماء من تقسيم

стр. 41

اللغات المختلفة إلى أسرات أو فصائل بمقارنة هذه اللغات واكتشاف أوجه التشابه بينها من الجوانب الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية. ووجود جوانب شبه أساسية بين عدد من اللغات معناه أنها انحدرت من أصل واحد مشترك أي من اللغة الأولى التي خرجت عنها هذه اللغات على مر التاريخ. وجد العلماء ظواهر مشتركة في اللغات المنتشرة على مدى القرون بين إيران والهند وأوربا. فعدوا هذه اللغات أسرة لغوية واحدة خرجت لغاتها عن لغة قديمة مفترضة أطلق عليها العلماء اسم اللغة الهندية الأوربية الأو Indoeuropean - Proto. ووجد العلماء اللغات العربية والعبرية والفينيقية والآكادية والحبشية تحمل بعض الخصائص الأساسية المشتركة فاستنتج العلماء أنها لغات تشكل أسرة لغوية واحدة وأنها انحدرت من أصل واحد أطلقوا عليه: اللغة السامية الأولى١ Proto-semitic أو Ursemitisch. ومقارنة اللغات المختلفة المنتمية إلى أسرة لغوية واحدة موضوع البحث في علم اللغة المقارن. فعلم اللغات السامية المقارن يقارن اللغات الآكادية والأجريتية والعبرية والفينيقية والآرامية والعربية الجنوبية والعبرية الشمالية والحبشية، لأن هذه اللغات تكون أسرة لغوية واحدة. وعلم اللغات الهندية الأوربية المقارن يبحث اللغات المختلفة التي تدخل في إطار هذه الأسرة اللغوية. وتضم أسرة اللغات الهندية الأوربية عددًا من الفروع اللغوية أهمها الفرع الجرماني والفرع الروماني والفرع السلافي والفرع الإيراني والفرع الهندي. وقد أدت كثرة لغات هذه الأسرة إلى اهتمام بعض العلماء بالمقارنات اللغوية في إطار فرع واحد من أفرعها الكثيرة. فعلم اللغات الجرمانية المقارن يقوم ببحث اللغات: الألمانية والإنجليزية والنوردية القديمة والدانماركية وغير ذلك من اللغات واللهجات التي تدخل في هذا الفرع، وعلم اللغات الرومانية المقارن يبحث: اللغة اللاتينية واللغات واللهجات التي خرجت

стр. 42

عنها ويطلق عليها اللغات واللهجات الرومانية وتضم اللغات الرومانية الحديثة: الفرنسية والإسبانية والإيطالية ولغة جمهورية رومانيا، إلى جانب عدد كبير من اللهجات. ومقارنة هذه اللغات باللغة اللاتينية وباللاتينية الشعبية هو مجال البحث في علم اللغات الرومانية المقارن، أما علم اللغات السلافية المقارن فيبحث اللغات: الروسية والبولندية والأكرانية والتشيكية والسلوفاكية والصربوكرواسية والبلغارية، فبيان العلاقات التاريخية بين اللغات التي تكون فرعًا لغويًّا واحدًا أو أسرة لغوية واحدة هو مجال البحث في علم اللغة المقارن١

стр. 43

٣- علم اللغة الوصفي: Descriptive Linguistics يتناول علم اللغة الوصفي بالدراسة العلمية لغة واحدة أو لهجة واحدة في زمن بعينه ومكان بعينه. ومعنى هذا أن علم اللغة الوصفي يبحث المستوى اللغوي الواحد من جوانبه الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية. لقد ظل العلماء يبحثون اللغات في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين بالمنهج المقارن، ولم يكن هناك تصور واضح لإمكان بحث اللغة الواحدة أو اللهجة الواحدة على نحو علمي دقيق. ولكن الباحث السويسري دي سوسير De Saussure أثبت

стр. 44

بدراساته في نظرية اللغة ووظيفتها إمكان بحث اللغة الواحدة وصفيًّا أو تاريخيًّا١ وبذلك بدأ الباحثون في تطوير مناهج البحث لتحليل البنية اللغوية، وزاد اهتمام الباحثين بالمنهج الوصفي في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية. وأصبح المنهج الوصفي المنهج السائد في السنوات العشر الماضية عند أكثر المشتغلين بعلم اللغة الحديث في كل أنحاء العالم. يهتم علم اللغة الوصفي بدراسة بنية أية لغة أو أية لهجة، فكل لغة وكل لهجة تتكون من أصوات لغوية، تنتظم في كلمات، وتتألف منها الجمل، لتعبر عن المعاني المختلفة. والفرق بين اللغة واللهجة فرق حضاري لا ينبع من البنية اللغوية، ولكنه يقوم على أساس مجالات الاستخدام، فالاستخدام في المجالين الثقافي والعلمي يجعل من المستوى اللغوي المستخدم لغة، وأما التعامل المحلي فيمكن أن يكون بهذه اللغة عند المثقفين في بعض الخدمات الراقية ولكنه يكون في أكثر الجماعات اللغوية في العالم باللهجة٢ المحلية. ويمكن تطبيق

стр. 45

المنهج الوصفي في تحليل البنية اللغوية لأية لغة أو لهجة. فدراسة أبنية الأفعال في لهجة الكويت أو النظام الصوتي في لهجة عمان أو جملة الاستفهام في النثر العربي في القرن الرابع الهجري موضوعات تدخل في إطار علم اللغة الوصفي. وأية دراسة صوتية أو صرفية أو نحوية أو دلالية لإحدى اللهجات القديمة الوسيطة أو الحديثة تعد دراسة وصفية. وهناك مجالات كثيرة لبحث النقوش والنصوص العربية القديمة بالمنهج الوصفي. فدراسة الأبنية الصرفية التي وردت مستخدمة في مجموعة من النقوش أو في مجموعة من النصوص المنتمية إلى مستوى لغوي واحد تعد دراسة صرفية بالمنهج الوصفي. فدراسة أي جانب من جوانب بناء الجملة في مستوى لغوي واحد تعد دراسة نحوية بالمنهج الوصفي. وفضلا عن هذا فهناك مجال كبير لإعداد المعاجم الصغيرة التي تسجل الألفاظ الورادة أو المستخدمة في أحد مستويات الاستخدام اللغوي مثل إعداد معاجم يسجل كل منها الألفاظ الورادة في ديوان بعينه أو في لهجة واحدة، وكل هذه الجهود تتم بالمنهج الوصفي.

стр. 46

٤- علم اللغة التاريخي Historical Linguistics: يبحث علم اللغة التاريخي تطور اللغة الواحدة عبر القرون. فتاريخ اللغة من جوانبها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية يدخل في مجال علم اللغة التاريخي١.

стр. 47

ومعنى هذا أن دراسة تطور النظام الصوتي للعربية الفصحى هي دراسة صوتية تاريخية. وتطور الأبنية الصرفية ووسائل تكوين المفردات في العربية على مدى القرون مما يدخل في الدراسة الصرفية التاريخية وتطور الجملة الشرطية أو جملة الاستفهام في العربية الفصحى مما يدخل في الدراسات النحوية التاريخية والمعاجم التاريخية التي يسجل كل منها تاريخ حياة كل كلمة من كلمات اللغة من أقدم نص جاءت به متتبعًا تطور دلالتها على مر التاريخ - تعد أيضا من علم اللغة التاريخي. فالتاريخ الصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي لأية لغة من اللغات يدخل في مجالات البحث اللغوي التاريخي، والنحو التاريخي والمعاجم التاريخية من الأركان الأساسية في علم اللغة التاريخي. ولا يتناول تاريخ اللغات تطورها البنيوي والمعجمي فحسب، بل يبحث أيضًا تطورها وحياتها في المجتمع، فقضية انتشار لغة من اللغات والظروف التي مهدت لذلك وأثر ذلك في بنية اللغة تعد من موضوعات علم اللغة التاريخي، وارتباط اللغة بوظيفتها أو بوظائفها المختلفة في الجماعة اللغوية يؤثر بالضرورة في حياة اللغة. فهناك فرق كبير بين أن تكون اللغة لغة جماعة محدودة، أو أن تكون اللغة الرسمية في دولة عظمى، أو أن تكون لغة حضارة دولية. ودراسة مستويات الاستخدام اللغوي المختلفة في حياة كل لغة وأثر ذلك في بنيتها وأهميتها الحضارية ومكانتها بين اللغات مما يدخل في إطار علم اللغة التاريخي.

стр. 48

٥- علم اللغة التقابلي Contrastive Liguistics: يقوم تعليم اللغات في رأي الباحثين المعاصرين على عدة أسس من أهمها ما يطلق عليه علم اللغة التقابلي١ وموضوع البحث في علم اللغة التقابلي-

стр. 49

أحدث مناهج علم اللغة - هو المقابلة بين لغتين اثنتين أو لهجتين اثنتين أو لغة ولهجة أي من مستويين لغويين متعاصرين. ويهدف علم اللغة التقابلي إلى إثبات الفروق بين المستويين، ولذا فهو يعتمد أساسًا على علم اللغة الوصفي. فإذا كان المستويان اللغويان قد وصفا وصفًا دقيقًا بمنهج لغوي واحد أمكن بحثهما بعد ذلك بالمنهج التقابلي. وإثبات الفروق بين المستويين يوضح جوانب الصعوبة في تعليم اللغات، فإذا كان أحد أبناء اللغة الإنجليزية يود تعلم العربية فالصعوبات التي تواجهه ترجع في المقام الأول إلى اختلاف لغته الأم وهي الإنجليزية عن اللغة التي يريد تعلمها وهي العربية. فهناك فروق فردية تجعل بعض الأفراد قادرين على تعلم اللغات الأجنبية أسرع من غيرهم، ولكن علم اللغة التقابلي لا يهتم بهذه الفروق الفردية بل يهتم بالفروق الموضوعية. ولذا فهو يقابل مستويين لغويين اثنين بهدف بحث أوجه الاختلاف بينهما والتعرف على الصعوبات الناجمة عن ذلك. فالصعوبات التي تواجه أبناء اللغة اليابانية في تعلمهم للعربية ليست هي الصعوبات التي تواجه أبناء اللغة الأسبانية في أثناء تعلمهم للعربية. وبالمثل فتعليم اللغات الأجنبية للعرب تختلف صعوباته باختلاف اللغة المنشودة، وهذا مجال علم اللغة التقابلي، أما تحويل هذا إلى برامج تطبيقية مع التوسل بكل الوسائل التعليمية الحديثة فهو موضوع علم اللغة التطبيقي.

стр. 50

٦- علم اللغة والبحث النحوي: وهناك مصطلح آخر يستخدم كثيرًا مرادفًا لمصطلح Linguistics، وهو مصطلح Grammatik أو Grmmaire، أو Grammar فكثير من الباحثين الأوربيين في القرن التاسع عشر وأوئل العشرين ألفوا كتبًا في النحو المقارن، وتضم هذه الكتب فصولا في الأصوات، وبناء الكلمة وبناء الجملة. وبذلك كان المقصود من علم النحو المقارن نفس المقصود من علم اللغة المقارن، فكأن الكلمتين قد استخدمتا مترادفتين يؤديان نفس المعنى١. وإذا نظرنا في المؤلفات اللغوية الأوربية الحديثة نلاحظ حديثهم تارة عن النحو المقارن Cpmarative Linguistics وتارة أخرى عن علم اللغة المقارن Compartive Grammar كما نجدهم يكتبون عن النحو الوصفي Descriptive Grammar، أو علم اللغة الوصفي Linguistics Descriptive، ثم نجدهم يؤلفون في النحو التاريخي Historical Linguistics، وعلى الرغم من اختلاف مسميات هذه الكتب فإنها تدلنا على أن كلمتي Grammar أي نحو و Linguistices أي علم اللغة تستخدمان نفس الاستخدام في إطار البحث العلمي٢.

стр. 51

علم اللغة العام مدخل ... ٧- علم اللغة العام General Linguistics موضوع علم اللغة العام نظرية اللغة، ومناهج البحث فيها١، والأساس النظري لعلم اللغة العام أن اللغة ظاهرة إنسانية عامة تؤدي نفس الوظائف في المجتمعات الإنسانية على اختلافها. وتتألف بنيتها دائمًا من أصوات تنتظم في كلمات تكون الجمل لتؤدي الدلالات المختلفة. ومن هذا المنطلق يهدف علم اللغة العام إلى وضع نظرية شاملة في بنية اللغة وكيفية تحليل هذه البنية إلى عناصرها التي تجعل منها وسيلة التعامل في الجماعة اللغوية. وهذه النظرية ليست مجرد فكر نظري فلسفي ولكنها ثمرة الدراسات المنهجية والتطبيقية في اللغات المختلفة، فهي نتاج التحليل العلمي لأبنية لغوية مختلفة ونتاج معرفة السمات الأساسية التي توجد في كل لغة من اللغات الإنسانية والتي لا بد من وجودها لكي تؤدي اللغة وظيفتها. ويقوم علم اللغة العام أيضا برسم الأسس المنهجية للتحليل اللغوي من جوانبه الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية٢ فإذا كانت أصوات اللغات تبدو

стр. 52

قضايا البحث في علم اللغة ... قضايا البحث العلمي في علم اللغة Linguistics

стр. 53

لأول وهلة مختلفة متنافرة فإن كل أصوات اللغات تصدر من الجهاز الصوتي الإنساني وهو مشترك عند كل البشر. ولذا فهناك أصوات كثيرة تتكرر في أكثر اللغات. وهناك وسائل محددة تتوسل بها اللغات المختلفة للتمييز بين أصواتها. فالتعرف على هذه الجوانب والاستفادة من خبرات الباحثين في اللغات المختلفة لوضع نظرية شاملة في بنية اللغة مما يدخل في علم اللغة العام، فهناك وسائل محددة تتبعها اللغات المختلفة للتمييز بين الكلمات في جمل لأداء المعاني المختلفة. فكل اللغات مثلا بها جمل شرطية وجمل استفهامية إلخ ... والتعرف على هذه الوسائل وعلى منهج تحليل اللغة من هذه الحوانب جزء من علم اللغة العام. وهناك معاجم كثيرة ألفت للغات مختلفة، بلورت في أثناء إعدادها مناهج دقيقة في العمل المعجمي، وهذه الأسس المنهجية الناجمة عن العمل التطبيقي جزء من علم اللغة العام. وفضلا عن هذا يهتم علم اللغة العام ببيان طبيعة العلاقات المؤثرة في حياة اللغة في المجتمعات الإنسانية١ فاللغة لا تعيش في فراغ، بل لا بد لها من جماعة تستخدمها حتى تصبح لغة، وهنا يهدف علم اللغة العام إلى إيضاح

стр. 54

الجوانب الحضارية المختلفة التي تؤثر في حياة اللغة، ويحاول إيضاح عوامل انتشار اللغات وموتها وعوامل التجديد اللغوي ومشكلات الازدواج اللغوي وغير ذلك من المشكلات التي تتكرر في مجموعات إنسانية مختلفة. إن كل بحث دقيق يعد حول بنية أية لغة أو وظائفها في المجتمع هو بحث يفيد علم اللغة العام، ولذلك تتطور النظرية العامة للغة ولمناهج بحثها بتطور الأبحاث الجزئية في اللغات واللهجات المختلفة. إن علم اللغة الحديث يحاول بتطوير مناهجه وبالإصرار على الدقة العلمية أن يصل إلى نتائج دقيقة. ولذلك استبعدت من البحث في اللغة تلك الموضوعات التي لا يمكن بحثها بمناهج دقيقة. وأشهر هذه الموضوعات نشأة اللغة، ومرجع الاهتمام القديم بهذا الموضوع إلى الدين، فقد تكونت عند الجماعات الدينية المختلفة آراء راسخة نسبيًّا حول نشأة اللغة الإنسانية، فاليهود يصرون على كونها هي العبرية ومسيحيو الشرق يجعلونها السريانية، وحار المؤلفون العرب، بين جعلها العربية أو السريانية١. وإذا كان المفكر العربي ابن حزم قد وجد أنه من العبث التفكير في اللغة الأولى عند الإنسان ونسبتها إلى الدين دون دليل٢، فإن علم اللغة الحديث لا يتناول البحث في قضية نشأة اللغة الإنسانية لعدم وجود منهج علمي لبحث ذلك. لقد حاول بعض الباحثين في القرن الماضي إعادة تكوين عدد من اللغات الموغلة في القدم مثل اللغة الهندية - الأوروبية الأولى واللغة السامية الأولى. واللغة الهندية - الأوربية الأولى هي الأصل المفترض الذي خرجت عنه كل لغات الأسرة الهندية - الأوربية المختلفة. واللغة السامية الأولى هي الأصل المفترض الذي خرجت عنه اللغات السامية المختلفة. ولكن محاولات إعادة تكوين اللغة الهندية- الأوربية الأولى واللغة السامية الأولى لم تنجح إلا في التعرف على بعض الخصائص المغرقة في القدم، ولكن من الصعب القول بأن

стр. 55

هذه الأبحاث استطاعت أن ترسم الملامح الكاملة للغات بادت منذ عصور سحيقة. ولهذا عزف الباحثون المحدثون عن البحث في المراحل التي لم تصل إلينا في النقوش والنصوص، وأصبح البحث في اللغة لا يهتم إلا بالمراحل التاريخية والمعاصرة، فعلم اللغة يبدأ حين نجد نقشًا قديمًا أو نصًا مدونًا، وليس من الممكن أن يمضي الباحث في تأريخه للأسرة اللغوية إلى المراحل السابقة على تدوين أقدم النقوش المكتوبة، فنشأة اللغة تخرج تمامًا عن مجال البحث في علم اللغة، وعلم اللغة يشبه في هذا علم التاريخ في أن كليهما يبدأ من أقدم الكتابات والرسوم تاركًا لعلم ما قبل التاريخ بحث المراحل السابقة على ذلك.

стр. 56

٨- التسميات المختلفة لعلم اللغة: من المفيد في هذا الصدد إيضاح التسميات المختلفة لمجالات علم اللغة ومناهجه، في محاولة لإزالة الغموض القائم عند البعض نتيجة لكثرة التسميات وغموضها وتداخلها. يطلق البعض على علم اللغة عدة تسميات: ١- فقه اللغة: بمعنى: علم اللغة المقارن، أو بمعنى: دراسة الألفاظ العربية، أو بمعنى: الدراسة المقارنة للألفاظ العربية في ضوء اللغات السامية، أو بمعنى: بحث الأصوات في الفصحى، أو بمعنى: بحث اللهجات القديمة والحديثة. ٢-علم اللغة: بمعنى، علم اللغة العام، أو بمعنى: دراسة الأصوات في الفصحى، أو بمعنى: دراسة اللهجات، أو بمعنى: دراسة الدلالة. ٣- علم اللسان: بنفس المعاني المتعددة المذكورة ٤- اللسانيات، الجزائر ٥- الألسنيات ٦- اللِسْنِيَّات، للدلالة على نفس المجالات.

стр. 57

٧- النحو المقارن بمعنى: دراسة بناء الكلمة؟ في اللغات السامية. ٨- اللغويات، محاكاة للكلمة الإنجليزية Linguistics، وتتناول في أكثر الأحوال ما يدرس في أقسام اللغة الإنجليزية من تدريبات نحوية، مع مدخل عن نظرية اللغة والبحث الصوتي وتاريخ اللغة، وتستخدم الكلمة أيضًا في الأزهر بعد محاولة تطويره. وتتداخل هذه المصطلحات مع بعضها البعض تداخلا لا يفيد العلم، كما تتداخل مع اصطلاحي النحو والصرف، وقد أدى هذا إلى تمزق مجالات البحث العملي في اللغة وإهمال كثير من قضاياه وإلى عدم وضوح في تصور الكثيرين تجاه جوانبه المتكاملة. ولذا نرى ضرورة ترك الدلالات الموروثة من الماضي للحديث في تاريخ العلم، واستخدام تسمية موحدة واضحة: علم اللغة، تخصص بعد ذلك: المقارن، التاريخي، الوصفي، التقابلي، التطبيقي. ويضم كل منها قطاعات: الأصوات، الكلمة، الجملة، الدلالة.

стр. 58

٩- علم اللغة وعلم النفس ترجع العلاقة بين علمي اللغة والنفس إلى طبيعة اللغة باعتبارها أحد مظاهر السلوك الإنساني. فإذا كان علم النفس يعنى بدراسة السلوك الإنساني عمومًا فإن دراسة السلوك اللغوي تعد أحد جوانب الالتقاء بين علم اللغة وعلم النفس. لقد اهتمت المدرسة السلوكية Behaviorism بالسلوك اللغوي١.

стр. 59

وكان لها أثر كبير في البحث اللغوي الأمريكي في النصف الأول من القرن العشرين. ولكن ثمة فرقًا بين بحث اللغويين وبحث علماء النفس في قضايا اللغة. يهتم علم اللغة بالعبارة المنطوقة عند صدروها من الجهاز الصوتي للمتحدث وفي أثناء مرورها في الهواء وعند تلقي الجهاز السمعي للمخاطب لها. ومعنى هذا أن العمليات العقلية السابقة على صدور العبارات المنطوقة لا تدخل في إطار علم اللغة. والعلاقة بين الجهاز العصبي والجهاز النطقي عند المتحدث ليست من مجالات البحث اللغوي، فاللغوين يهتمون باللغة عند صدورها ولا يهتمون بالعلميات العقلية السابقة على ذلك، فهي موضوع من موضوعات البحث في علم النفس، وعندما تصل اللغة الجهاز السمعي للمتلقي ويقوم بنقلها إلى الجهاز العصبي تحدث عمليات عقلية يبحثها علم النفس أيضا. أما تلك الظاهرة الصوتية التي تصدر عن المتحدث وتمضي في شكل موجات صوتية فتصل الملتقي فهي اللغة، وهي مجال البحث في علم اللغة١. وهناك فرق أساسي بين منهج اللغويين وعلماء النفس تجاه الظواهر اللغوية، فقد صرف علماء النفس جهدهم إلى اكتشاف قوانين عامة تفسر السلوك الإنساني، وركزوا جهدهم على الظواهر العامة مثل التعليم والإدراك والقدرات. ولكنهم لم يهتموا بمحتوى السلوك نفسه، ففي بحث قضية التعليم لم يهتموا بالمادة المنشودة التي تعلم، بل كان اهتمامهم مركزًا على عملية التعليم باعتبارها عملية عقلية٢. وفي السنوات الأخيرة حاول بعض الباحثين النظر إلى اللغة من الجانبين، فلم تعد الاستجابات اللغوية Verbal responses تدرس باعتبارها ضربًا من ضروب الاستجابات فحسب بل روعيت البنية اللغوية في

стр. 60

ذلك أيضا. ويتضح هذا من مقارنة الدراسات السابقة حول اللغة عند الطفل بالدراسات المعاصرة. فهي تبحث نفس الموضوع بطريقة اللغويين. أي بتحليل لغة الطفل من جوانبها الصوتية والنحوية والدلالية١. وقد أفاد علماء النفس في السنوات الأخيرة من مناهج التحليل اللغوي في بحثهم للسلوك اللغوي. ولكن هذا لا يمنع من تحديد مجال اختصاص كل من الفريقين. فمجال الدراسة النفسية للغة هو كيفية تحويل المتحدث للاستجابة إلى رموز لغوية to encode، وهذه عملية عقلية تتم عند الإنسان. وينتج عنها إصدار الجهاز الصوتي للغة، وعندما تصل اللغة إلى المتلقي ويقوم بفك هذه الرموز اللغوية في العقل إلى المعنى المراد to decode تتم عملية عقلية أخرى تدخل في إطار علم النفس أيضا، أما تلك الرموز الصوتية التي تنتقل من المتحدث عبر الهواء إلى المتلقي، فهي مجال البحث في علم اللغة. ويرى بعض اللغويين وعلماء النفس أن دراسة السلوك اللغوي إسهام مثمر لا لفهم اللغة فحسب بل لتكوين النظرية العامة لعلم النفس وقد تطورت الدراسات اللغوية والنفسية في العشرين عامًا الماضية لتجعل من جوانب اللقاء بين علم النفس وعلم اللغة فرعًا مستقلا بذاته هو علم اللغة النفس٢ Psychoinguistics

стр. 61

١٠- علم اللغة والعلوم الاجتماعية: اللغة ظاهرة اجتماعية وحضارية، ولذا يلتقي في بحثها علم اللغة مع العلوم الاجتماعية المختلفة، وهناك عدة تسميات أطلقت على جوانب اللقاء بين علم اللغة والعلوم الاجتماعية في بحثها للغة. وتعددت هذه التسميات بتعدد أسماء العلوم الاجتماعية ومدارسها المختلفة. وليس من شأننا هنا أن ندخل في اختلافات التسميات بين العلوم الاجتماعية المتداخلة. ويكفي أن نشير إلى جوانب اللقاء الكثيرة بينها وبين علم اللغة١. لقد أفاد الباحثون في العلوم الاجتماعية من نتائج البحث اللغوي من عدة جوانب؛ منها أن اللغة أهم مظاهر السلوك الاجتماعي وأوضح سمات الانتماء الاجتماعي للفرد. وأفاد اللغويون كذلك من الدراسات الاجتماعية، فدراسة الألفاظ ودلالاتها على نحو دقيق لا تتم إلا في إطارها الاجتماعي والحضاري. والتغير اللغوي لا يفسر تفسيرًا كاملا إلا في ضوء الظروف الحضارية والاجتماعية، وإلى جانب هذا تؤثر المواقف الاجتماعية من مستويات اللغة في مكانة هذه المستويات وتحدد مسار التغير فيها. هناك قضايا لغوية كثيرة لا يمكن اتضاح معالمها الكاملة إلا بالتعاون بين الدراسات اللغوية والاجتماعية والحضارية٢.

стр. 62

١١- علم اللغة وتعليم اللغات: يعد علم اللغة التطبيقي Applied Linguistics ثمرة اللقاء بين علم اللغة والتربية. موضوع علم اللغة التطبيقي هو الإفادة من علم اللغة بمناهجه ونتائج دراساته، وتطبيق هذا كله في مجال تعليم اللغات. لقد كان علماء اللغة في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين ينهجون في أبحاثهم المنهج المقارن، ولم يكن ثمة لقاء بين دراساتهم وعلم التربية. ولكن البحث الوصفي للغات والتقدم الذي أحرزه علم اللغة العام في القرن العشرين أوضحا حقائق كثيرة عن بنية اللغة وحياتها. وبدأ المختصون في تعليم اللغة وخصوصًا في العشرين عاما الماضية يحاولون تطبيق مناهج علم اللغة ونتائجه في تعليم اللغات١. فلم تعد اللغة الأجنبية تعلم باعتبارها ظاهرة مكتوبة بل باعتبارها ظاهرة صوتية في المقام الأول. بدأ الاهتمام بالنطق يحتل المكان الأول في تعليم اللغات، فهو الأصل، أما الكتابة فهي ظاهرة تابعة، ومن ثم أصبح من المتفق عليه في علم اللغة التطبيقي أن يعد تعليم النطق أساسا لتعليم الكتابة. فيبدأ تعليم اللغة بالجانب الصوتي ثم تأتي كيفية الكتابة بعد ذلك، مع ملاحظة أن الفروق بين البنية الصوتية للغة ونظام

стр. 63

كتابتها يشكل صعوبات التدوين، ومن ثم ينبغي الإشارة إليها باعتبارها ظواهر خاصة بالكتابة لا باللغة. وإذا كان علم اللغة التقابلي يهتم بمقارنة أي مستويين لغويين بهدف إثبات الفروق بينهما، فإن مقارنة اللهجة المحلية التي اكتسبها التلميذ في طفولته باللغة الأدبية التي ينبغي له أن يتعلمها توضح لنا الصعوبات التي تواجهه في ذلك، ولذا تعد الدراسات اللغوية التقابلية من أهم أدوات البحث في وضع برامج تعليم اللغة القومية، كما أنها تفيد بنفس القدر في تحديد الصعوبات التي تواجه أبناء جماعة لغوية ما في تعلمهم للغة أجنبية, وبذلك تستطيع الدراسة التقابلية أن تحدد بطريقة موضوعية جوانب الصعوبة الناجمة عن اختلاف بنية اللغتين: اللغة الأم واللغة المنشودة١. وإذا كان علم اللغة قد أوضح أن المعنى هو حصيلة الاستخدام في المواقف الكلامية والثقافية المختلفة، وأن إيحاءات الرمز اللغوي هو حصيلة استخدامه في هذه المواقف، فإن تعليم اللغات أخذ يضع في اعتباره أن دلالة الكلمة أو العبارة لا تتضح عند التلميذ إلا إذا درست مرتبطة بمواقف استخدامها. فاستظهار قوائم المفردات لا يعني إدراك إيحاءات المعنى المراد، ودلالة الألفاظ لا تكتسب إلا في مواقف استخدامها، ولا تعلم إلا في مثل هذه المواقف أو ببيان هذه المواقف. لقد أثبت علم اللغة وجود مستويات متنوعة للاستخدام اللغوي، ولذا ينبغي تحديد المستوى اللغوي المراد وعدم قضاء الوقت في تعلم مستويات لغوية متداخلة دون وعي بالمستوى اللغوي المنشود٢، ولا بد من تحديد هذا

стр. 64

المستوى في ضوء الأهداف الحضارية والثقافية والاجتماعية المختلفة، فتعليم لغة من اللغات بهدف التعامل اليومي بها يختلف عن تعليمها بهدف قراءة المؤلفات الطبية بها، وتعليم اللغة بهدف قراءة كتب الفيزياء أو الرياضيات يختلف عن تعليمها لقرءاة الصحف، فهذه المستويات متنوعة متفاوتة.

стр. 65

١٢- علوم اللغة بين العلوم: هناك فرق أساسي بين مكانة علوم اللغة في التراث العربي ومكانة علم اللغة بين العلوم الحديثة. فإذا كانت مدارس علم اللغة المتتابعة عبر القرون تختلف في مناهج التحليل اختلافًا كبيرًا فإن الفرق الأساسي بين علم اللغة في التراث العربي وعلم اللغة الحديث ينبع من مكان علم اللغة بين العلوم، كان البحث اللغوي عند العرب أداة لفهم الدين، وقد ارتبط منذ نشأته بالبحث في لغة القرآن الكريم، وظل هذا الارتباط قائمًا في الدوائر العلمية على مدى القرون. وظهر هذا بصفة خاصة عند المؤلفين المسلمين من غير العرب، مثل الثعالبي وأبي حاتم الرازي والخوارزمي والتهانوي. فالثعالبي يرى العربية خير اللغات والألسنة والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين١. وقد جاء أبو حاتم الرازي للغات العربية والعبرية والسريانية والفارسية أفضل لغات الأرض لأن الكتب الدينية دونت بها، فالمعيار الديني هو معيار تفضيل لغة على لغة. ومن ثم فهو يرفض أيضا الرأي القائل بفضل اللغة اليونانية والهندية لأن كتب الفلاسفة والأطباء وأصحاب النجوم والهندسة والحساب بها.٢ لقد كان

стр. 66

العلوم الدينية تشغل حيزًا كبيرًا من الاهتمام العلمي في مجال الحضارة الإسلامية. وكان الاهتمام بعلوم اللغة جزءًا من الدراسة الهادفة إلى التعمق في الدين. فعندما صنف الخوارزمي العلوم التي عرفتها الحضارة الإسلامية جعلها في مجموعتين: العلوم الشرعية وما يقترن بها من العلوم العربية، ثم: علوم العجم من اليونانيين وغيرهم من الأمم١. ونجد في مقدمات كتب كثيرة إشارات إلى أن الدراسة اللغوية أداة من أدوات فهم نصوص القرآن والحديث، فابن القوطية -مثلا- قدم لكتابه الأفعال بأنها: أصول مباني أكثر الكلام ... وبعلمها يستدل على أكثر علم القرآن والسنة٢. وقد عد ابن خلدون معرفة: علوم اللسان العربي ضرورية على أهل الشريعة إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب، وشرح مشكلاتها من لغاتهم٣. وعندما قسم ابن خلدون العلوم إلى علوم مقصودة بالذات وعلوم آلية، عد علوم اللغة من العلوم الآلية باعتبار أنها مجرد وسيلة لفهم العلوم الشرعية، ولذا فالبحث اللغوي عند ابن خلدون ليس هدفًا في ذاته٤ بل إنه يرى: الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعًا للعمر وشغلا بما لا يعني.٥ وتتضح هذه الفكرة عند التهانوي الذي جعل علم اللغة من فروض الكفاية التي تسقط عن الكل إذا قام بها البعض، فعلم اللغة لم يكن مستقلا بذاته، ولم يكن إلا وسيلة لفهم النصوص الدينية. أو كما يقول التهاوني: آلة لتحصيل العلم بالشرعيات٦ وتوضح هذه النصوص موقفا عاما من علوم اللغة في إطار

стр. 67

الحضارة الإسلامية، فقد كان الاشتغال بعلوم اللغة أداة لفهم العلوم الدينية، ولم تكن فكرة استقلال كل علم واردة في فكر العصور الوسطى ولم يكن الهدف العلمي واضحا في تصنيف العلوم. ولكن التقدم العلمي في العصر الحديث أدى إلى اتساع مجالات المعرفة عند الإنسان وفرض التخصص على من يريد المشاركة في البحث العلمي، وهنا أخذ علم اللغة يستقل بنفسه شأنه في هذا شأن فروع المعرفة الأخرى، وإذا كان ثمة ضرورة لتصنيف العلوم في العصر الحديث فإن علم اللغة يشغل في التصنيف العشري لديوي١ مكانًا وسطًا بين علم الاجتماع والعلوم الطبيعية. وفي هذا إدراك واضح لمكان علم اللغة الحديث بين العلوم والمعارف الحديثة. لم يعد علم اللغة مجرد وسيلة لفهم النصوص الدينية أو أداة لفهم النقوش القديمة فحسب، بل له أيضا أهدافه العلمية العامة بجانب الأهداف التطبيقية الكثيرة. فعلم اللغة علم أساسي بمعنى أنه يحاول- مثل باقي العلوم الأساسية الأخرى- كشف جوانب موضوعه بأدق المناهح العلمية. أما الأهداف التطبيقية مثل الإفادة من نتائج علم اللغة في تعليم اللغات والتخطيط اللغوي فتأتي ثمرة طبيعية للدراسات الأساسية، ولكن علم اللغة لا يهدف بطريقة مباشرة نحو هذه القضايا التطبيقية، وهذا أيضا شأن كل فروع المعرفة العلمية. لقد أصبح علم اللغة علمًا مستقلا هدفه الأساسي بحث كل جوانب اللغة والحياة اللغوية في العالم. ويقدم علم اللغة هذه النتائج، فتكون متاحة لعدة تخصصات وعلوم تستفيد من علم اللغة ومن غيره. وما أكثر العلوم التي تتعامل.

стр. 68

بنتائج علم اللغة. منها: علم الأصوات العلاجي. علوم التربية. علم النفس. العلوم الاجتماعية. هندسة أجهزة الاتصال Comunication Engineering إلخ ... وإذا كان ابن خلدون وغيره قد اعتبروا الحساب أداة للعلوم الدينية١ فلم يعد أحد يعتبر الرياضيات مجرد وسيلة لتنظيم المعاملات الفقهية. وإذا كانت الرياضيات قد أصبحت علمًا مستقلا. وأصبح للطب الذي كان فرض كفاية٢ فروع كثيرة مستقلة ومتكاملة، فإن علم اللغة قد أصبح علما مستقلا ببحث اللغة ويستفيد من كل فروع المعرفة التي تنير له جوانب مختلفة في بحث اللغة، فإلى جانب الإفادة من أجهزة القياس الصوتي والوسائل الإحصائية ونتائج علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء وعلم فيزياء الصوت فإن علم اللغة يرتبط بأوثق الوشائج مع العلوم الإنسانية الأخرى. مثل علم النفس وعلم الاجتماع ولذا يصفه البعض بأنه أكثر العلوم الدقيقة إنسانية وأكثر العلوم الإنسانية دقة.

стр. 69

الفصل الثالث: علوم اللغة في التراث العربي مدخل ... الفصل الثالث: علوم اللغة في التراث العربي اهتم عدد من الباحثين العرب بعلوم اللغة منذ بداية الحركة العلمية في إطار الدولة الإسلامية، فكانت لهم جهودهم في مجالات الأصوات وبناء الكلمة وبناء الجملة والمفردات. وكان المشتغلون بعلوم اللغة يصنفون مجموعتين، تهتم المجموعة الأولى ببنية اللغة، وتهتم المجموعة الثانية بمفردات اللغة ودلالاتها. وقد وصف مجال بحث عند المجموعة الأولى "النحو" أو "علم العربية" بينما وصف مجال بحث المجموعة الثانية بأنه "اللغة" أو "علم اللغة" أو "فقه اللغة" أو "متن اللغة". وإلى جانب هذه المصطلحات، ولكن منها تاريخ مستقل، وجدت محاولات لوصف علوم اللغة مجتمعة، فسميت "علم اللسان" أو "علوم اللسان العربي" أو "علوم الأدب" أو "العلوم العربية"، كما وجدت إلى جانب هذا محاولات لبيان ترابط هذه الأفرع وإيضاح النسق الذي يتخذه كل منها في إطار البحث اللغوي العام.

стр. 70

١- النحو وعلم العربية: أطلق علماء اللغة على دراسة بنية اللغة من جوانبها الصوتية والصرفية والنحوية

стр. 71

في التراث العربي اسمين اثنين، هما النحو وعلم العربية، ويرجع مصطلح النحو إلى القرن الثاني الهجري، وظل مستخدمًا لوصف هذا المجال من مجالات البحث إلى يومنا هذا. لقد صنف كتاب سيبويه بأنه كتاب في النحو، ووصفه أبو الطيب اللغوي، ت ٣٥١ هـ، بأنه قرآن النحو كما وصف سيبويه بأنه أعلم الناس بالنحو بعد الخليل١. ويضم النحو بهذا المعنى مجموعة الدراسات التي تصنف في علم اللغة الحديث في إطار الأصوات وبناء الكلمة وبناء الجملة. إن سيبويه صاحب أقدم كتاب وصل إلينا في النحو العربي -لم يقسم كتابه إلى موضوعات كبرى متميزة. وإنما اكتفى بحشد الأبواب الكثيرة متتابعة. لقد بدأ كتابه بقضية الإعراب وانتقل منها إلى عدد من القضايا الخاصة ببناء الجملة، وعندما تحول بعد ذلك إلى الأبواب الخاصة بالأبنية الصرفية وجد لزامًا عليه أن يفسر بعض الأبنية في ضوء البحث الصوتي فجاءت الأبواب الخاصة بالأصوات في آخر كتابه. لم يضع سيبويه مصطلحات تميز في وضوح قطاعات الأصوات وبناء الكلمة وبناء الجملة، فكل هذا يدخل عنده في مجال واحد هو مجال النحو. وظل الباحثون في القرون الأولى للهجرة يستخدمون مصطلح النحو في أكثر الأحوال بهذا المعنى العام. يضم النحو في تعريف ابن جني، ت ٣٩١هـ، المجالات التالية: الإعراب، التثنية، الجمع، التحقير، التكسير، الإضافة، النسب، التركيب وغير ذلك٢. فالنحو يضم عند ابن جني هذه الدراسات التي تصنف الآن في إطار بناء الكلمة إلى جانب ما يتعلق ببناء الجملة ويتناول علم النحو عند أبي حيان الأندلسي: معرفة الأحكام التي للكلمة العربية من جهة

стр. 72

إفرادها ومن جهة تركيبها١ أي أنه يبحث بنية الكلمة المفردة وعلاقات الكلمات في الجملة. وظل كثير من النحويين يعدون النحو شاملا لكل هذه الدراسات، فالنحو عندهم يتناول كل ما يتعلق بالكلمة والجملة. لقد ألف ابن الحاجب، ت ٦٤٦هـ، كتاب "الكافية" في النحو ويتناول فيه القضايا الخاصة بالإعراب وبناء الجملة بينما خصص لبناء الكلمة كتابا آخر هو "الشافية" ولكنه على الرغم من هذا التقسيم ظل ابن الحاجب يعد "التصريف" قسما من النحو لا قسيما له٢. وهناك مؤلفون آخرون استخدموا كلمة "النحو" بمدلول أضيق، فقصروا استخدام هذه الكلمة على البحث في بناء الجملة، وبهذا المعنى استقر المصطلح في القرون المتأخرة للحضارات العربية الإسلامية٣. وهناك مصطلح آخر وصف به البحث في بنية اللغة، وهو مصطلح "العربية" أو "علم العربية". لقد وصل إلينا المصطلحان في مؤلفات القرن الرابع الهجري، فابن النديم وابن فارس يستخدمان مصطلح العربية بمعنى النحو. فعندما نوقشت قضية أولية التأليف في النحو نجد عندهما العبارة التالية: أول من وضع العربية ... ٤ وظل استخدام هذين

стр. 73

المصطلحين في كتب المشارقة في القرون التالية يمثل ظاهرة فردية محددة، على نحو ما نجد في مؤلفات ابن الأنباري، ت ٥٧٧هـ، ولكن المغاربة والأندلسيين كانوا يفضلون وصف ذلك التخصص بأنه علم العربية. لقد ذكر أبو البركات بن الأنباري مصطلح العربية في مواضع كثيرة بمعنى النحو، كما جاء هذا المصطلح في تراجم كثير من العلماء، فعند يونس بن حبيب يلتقي طلبة العربية وفصحاء الإعراب١ واليزيدي أخذ علم العربية من أبي عمرو بن العلاء وعبد الله بن إسحق الحضرمي والخليل بن أحمد٢ كما وصف ابن الأنباري كتابه الإنصاف بأنه أول كتاب صنف في علم العربية٣ حول القضايا الخلافية. وسمى ابن الأنباري أحد كتبه في النحو أسرار العربية ولكن استخدان مصطلحي العربية وعلم العربية بمعنى النحو يعد ظاهرة محدودة الانتشار عند المشارقة مثل ابن الأنباري. أما في المغرب والأندلس فهناك نصوص كثيرة توضح تفضيلهم لمصطلح العربية في القرن الرابع الهجري ذكر الزبيدي، ت ٣٧٩هـ، في تراجم لكثير من علماء الأندلس والمغرب مصطلح العربية بمعنى النحو فإذا كان المشارقة قد كتبوا عن النحو واللغة فإن الزبيدي ذكر في مواضع كثيرة "العربية" و"اللغة"٤ والعربية أو علم العربية عند الزبيدي مصطلحان

стр. 74

دارا كثيرا في مؤلفاته بمعنى النحو١ وليس استخدام مصطلحي العربية وعلم العربية عند الزبيدي سمة فردية خاصة، فالمصطلحان وردا في كتب مغربية وأندلسية كثيرة٢، كما وردا في تراجم أندلسية تناقلتها كتب الطبقات٣، وهناك مواضع كثيرة عند ابن خلدون توضح أن المغاربة والأندلسيين كانوا قد اعتادوا حتى عصره التعبير عن النحو بمصطلح "العربية" أو "علم العربية". لقد وصف ابن خلدون كتاب سيبويه بأنه في علم العربية وأن ألفية ابن مالك في العربية أيضا٤ وإذا كان ابن خالويه، ت ٣٧٠هـ، وهو أحد علماء المشرق قد استخدم عبارة "أهل صناعة النحو" فإن ابن خلدون وهو مغربي قد ذكر في نفس المعنى عبارة "أهل صناعة العربية"٥، وقد أطلق ابن خلدون على القواعد النحوية مصطلحين مترادفين هما: "قوانين العربية"، و"القوانين النحوية"٦. ومن هذا كله يتضح أن المغاربة

стр. 75

والأندلسيين كانوا يستخدمون مصطلح العربية في الوقت الذي كان فيه المشارقة يميلون إلى مصطلح النحو. ظل النحو عند المشارقة أو علم العربية عند المغاربة يضم الدراسات الخاصة ببنية اللغة من جوانبها المختلفة. وعندما ألف المازني، ت ٣٤٩هـ، كتابه التصريف لم يكن البحث في بناء الكلمة إلا جزءًا من النحو بالمعنى الشامل. لم يضع سيبويه اصطلاحًا مستقلا للعلم الذي يبحث بناء الكلمة، ويبدو أن المازني من أوائل من خصصوا للأبنية الصرفية كتبًا مستقلة، وكتابه "التصريف" أقدم كتاب مستقل كامل وصل إلينا في الأبنية الصرفية، وقد حدد ابن جني، ت ٣٩١هـ، مجال البحث في التصريف بأنه معرفة أصول كلام العرب من الزوائد الداخلة عليه وأن التصريف هو الأساس الذي تقوم عليه معرفة الاشتقاق١، ولم يكن التصريف عند ابن جني إلا جزءا من النحو، وألف ابن عصفور الأندلسي، ت ٦٩٩هـ، في بنية الكلمة كتابه "الممتع في التصريف"، والتصريف عنده جزء من البحث في علم اللغة٢، وصرح الاستراباذي، ت ٦٨٨هـ، بأن التصريف جزء من أجزاء النحو بلا خلاف من أهل الصناعة٣. أما مصطلح الصرف الذي استقر في الاستخدام المدرسي بعد ذلك فهو اصطلاح متأخر نسبيا. فالسكاكي، ت ٦١٧هـ، استخدم مصطلح الصرف في حديثه عن الأحكام الخاصة ببنية الكلمة٤، وبهذا المعنى ذكر طاشكبري زاده علم الصرف٥. ويلاحظ عند هؤلاء المؤلفين المتأخرين أن الصرف عندهم ليس جزءا من النحو، بل هو قسيم النحو. وهكذا استقر مجال عالم النحو عندهم باعتبار أنه دراسة الإعراب وبناء الجملة في مقابل الصرف الذي يتناول بنية الكلمة.
следующие страницы →