← Язык

Язык · id 11299

علم اللغة العربية

د. محمود فهمى حجازى

Полный текст (455 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

في التراث العربي اسمين اثنين، هما النحو وعلم العربية، ويرجع مصطلح النحو إلى القرن الثاني الهجري، وظل مستخدمًا لوصف هذا المجال من مجالات البحث إلى يومنا هذا. لقد صنف كتاب سيبويه بأنه كتاب في النحو، ووصفه أبو الطيب اللغوي، ت ٣٥١ هـ، بأنه قرآن النحو كما وصف سيبويه بأنه أعلم الناس بالنحو بعد الخليل١. ويضم النحو بهذا المعنى مجموعة الدراسات التي تصنف في علم اللغة الحديث في إطار الأصوات وبناء الكلمة وبناء الجملة. إن سيبويه صاحب أقدم كتاب وصل إلينا في النحو العربي -لم يقسم كتابه إلى موضوعات كبرى متميزة. وإنما اكتفى بحشد الأبواب الكثيرة متتابعة. لقد بدأ كتابه بقضية الإعراب وانتقل منها إلى عدد من القضايا الخاصة ببناء الجملة، وعندما تحول بعد ذلك إلى الأبواب الخاصة بالأبنية الصرفية وجد لزامًا عليه أن يفسر بعض الأبنية في ضوء البحث الصوتي فجاءت الأبواب الخاصة بالأصوات في آخر كتابه. لم يضع سيبويه مصطلحات تميز في وضوح قطاعات الأصوات وبناء الكلمة وبناء الجملة، فكل هذا يدخل عنده في مجال واحد هو مجال النحو. وظل الباحثون في القرون الأولى للهجرة يستخدمون مصطلح النحو في أكثر الأحوال بهذا المعنى العام. يضم النحو في تعريف ابن جني، ت ٣٩١هـ، المجالات التالية: الإعراب، التثنية، الجمع، التحقير، التكسير، الإضافة، النسب، التركيب وغير ذلك٢. فالنحو يضم عند ابن جني هذه الدراسات التي تصنف الآن في إطار بناء الكلمة إلى جانب ما يتعلق ببناء الجملة ويتناول علم النحو عند أبي حيان الأندلسي: معرفة الأحكام التي للكلمة العربية من جهة

стр. 72

إفرادها ومن جهة تركيبها١ أي أنه يبحث بنية الكلمة المفردة وعلاقات الكلمات في الجملة. وظل كثير من النحويين يعدون النحو شاملا لكل هذه الدراسات، فالنحو عندهم يتناول كل ما يتعلق بالكلمة والجملة. لقد ألف ابن الحاجب، ت ٦٤٦هـ، كتاب "الكافية" في النحو ويتناول فيه القضايا الخاصة بالإعراب وبناء الجملة بينما خصص لبناء الكلمة كتابا آخر هو "الشافية" ولكنه على الرغم من هذا التقسيم ظل ابن الحاجب يعد "التصريف" قسما من النحو لا قسيما له٢. وهناك مؤلفون آخرون استخدموا كلمة "النحو" بمدلول أضيق، فقصروا استخدام هذه الكلمة على البحث في بناء الجملة، وبهذا المعنى استقر المصطلح في القرون المتأخرة للحضارات العربية الإسلامية٣. وهناك مصطلح آخر وصف به البحث في بنية اللغة، وهو مصطلح "العربية" أو "علم العربية". لقد وصل إلينا المصطلحان في مؤلفات القرن الرابع الهجري، فابن النديم وابن فارس يستخدمان مصطلح العربية بمعنى النحو. فعندما نوقشت قضية أولية التأليف في النحو نجد عندهما العبارة التالية: أول من وضع العربية ... ٤ وظل استخدام هذين

стр. 73

المصطلحين في كتب المشارقة في القرون التالية يمثل ظاهرة فردية محددة، على نحو ما نجد في مؤلفات ابن الأنباري، ت ٥٧٧هـ، ولكن المغاربة والأندلسيين كانوا يفضلون وصف ذلك التخصص بأنه علم العربية. لقد ذكر أبو البركات بن الأنباري مصطلح العربية في مواضع كثيرة بمعنى النحو، كما جاء هذا المصطلح في تراجم كثير من العلماء، فعند يونس بن حبيب يلتقي طلبة العربية وفصحاء الإعراب١ واليزيدي أخذ علم العربية من أبي عمرو بن العلاء وعبد الله بن إسحق الحضرمي والخليل بن أحمد٢ كما وصف ابن الأنباري كتابه الإنصاف بأنه أول كتاب صنف في علم العربية٣ حول القضايا الخلافية. وسمى ابن الأنباري أحد كتبه في النحو أسرار العربية ولكن استخدان مصطلحي العربية وعلم العربية بمعنى النحو يعد ظاهرة محدودة الانتشار عند المشارقة مثل ابن الأنباري. أما في المغرب والأندلس فهناك نصوص كثيرة توضح تفضيلهم لمصطلح العربية في القرن الرابع الهجري ذكر الزبيدي، ت ٣٧٩هـ، في تراجم لكثير من علماء الأندلس والمغرب مصطلح العربية بمعنى النحو فإذا كان المشارقة قد كتبوا عن النحو واللغة فإن الزبيدي ذكر في مواضع كثيرة "العربية" و"اللغة"٤ والعربية أو علم العربية عند الزبيدي مصطلحان

стр. 74

دارا كثيرا في مؤلفاته بمعنى النحو١ وليس استخدام مصطلحي العربية وعلم العربية عند الزبيدي سمة فردية خاصة، فالمصطلحان وردا في كتب مغربية وأندلسية كثيرة٢، كما وردا في تراجم أندلسية تناقلتها كتب الطبقات٣، وهناك مواضع كثيرة عند ابن خلدون توضح أن المغاربة والأندلسيين كانوا قد اعتادوا حتى عصره التعبير عن النحو بمصطلح "العربية" أو "علم العربية". لقد وصف ابن خلدون كتاب سيبويه بأنه في علم العربية وأن ألفية ابن مالك في العربية أيضا٤ وإذا كان ابن خالويه، ت ٣٧٠هـ، وهو أحد علماء المشرق قد استخدم عبارة "أهل صناعة النحو" فإن ابن خلدون وهو مغربي قد ذكر في نفس المعنى عبارة "أهل صناعة العربية"٥، وقد أطلق ابن خلدون على القواعد النحوية مصطلحين مترادفين هما: "قوانين العربية"، و"القوانين النحوية"٦. ومن هذا كله يتضح أن المغاربة

стр. 75

والأندلسيين كانوا يستخدمون مصطلح العربية في الوقت الذي كان فيه المشارقة يميلون إلى مصطلح النحو. ظل النحو عند المشارقة أو علم العربية عند المغاربة يضم الدراسات الخاصة ببنية اللغة من جوانبها المختلفة. وعندما ألف المازني، ت ٣٤٩هـ، كتابه التصريف لم يكن البحث في بناء الكلمة إلا جزءًا من النحو بالمعنى الشامل. لم يضع سيبويه اصطلاحًا مستقلا للعلم الذي يبحث بناء الكلمة، ويبدو أن المازني من أوائل من خصصوا للأبنية الصرفية كتبًا مستقلة، وكتابه "التصريف" أقدم كتاب مستقل كامل وصل إلينا في الأبنية الصرفية، وقد حدد ابن جني، ت ٣٩١هـ، مجال البحث في التصريف بأنه معرفة أصول كلام العرب من الزوائد الداخلة عليه وأن التصريف هو الأساس الذي تقوم عليه معرفة الاشتقاق١، ولم يكن التصريف عند ابن جني إلا جزءا من النحو، وألف ابن عصفور الأندلسي، ت ٦٩٩هـ، في بنية الكلمة كتابه "الممتع في التصريف"، والتصريف عنده جزء من البحث في علم اللغة٢، وصرح الاستراباذي، ت ٦٨٨هـ، بأن التصريف جزء من أجزاء النحو بلا خلاف من أهل الصناعة٣. أما مصطلح الصرف الذي استقر في الاستخدام المدرسي بعد ذلك فهو اصطلاح متأخر نسبيا. فالسكاكي، ت ٦١٧هـ، استخدم مصطلح الصرف في حديثه عن الأحكام الخاصة ببنية الكلمة٤، وبهذا المعنى ذكر طاشكبري زاده علم الصرف٥. ويلاحظ عند هؤلاء المؤلفين المتأخرين أن الصرف عندهم ليس جزءا من النحو، بل هو قسيم النحو. وهكذا استقر مجال عالم النحو عندهم باعتبار أنه دراسة الإعراب وبناء الجملة في مقابل الصرف الذي يتناول بنية الكلمة.

стр. 76

٢- اللغة وعلم اللغة وفقه اللغة: أطلق المؤلفون العرب على الاشتغال بالمفردات اللغوية جمعًا وتأليفًا عدة مصطلحات أقدمها مصطلح "اللغة". لقد وصف أبو الطيب اللغوي، ت ٣٥١هـ، أبا زيد الأصمعي وأبا عبيدة. وقارنهم من جانب معرفتهم باللغة. كان أبو زيد أحفظ الناس للغة، وكان الأصمعي يجيب في ثلث اللغة، وكان أبو عبيدة يجيب في نصفها، وكان أبو مالك يجيب فيها كلها١. والمقصود هنا بكلمة اللغة مجموع المفردات ومعرفة دلالاتها. وبهذا المعنى كانت كتب الطبقات تميز بين المشتغلين بالنحو أو العربية من جانب والمشتغلين باللغة من الجانب الآخر. لذا عد سيبويه والمبرد من النحاة بينما عد الأصمعي وأقرانه من اللغويين. وقد ظل استخدام كلمة اللغة بهذا المعنى عدة قرون، وأصبح اللغوي هو الباحث في المفردات جمعًا وتصنيفًا وتأليفًا. فالأصمعي لغوي لأنه جمع ألفاظ البدو وسجلها في رسائل لغوية مصنفة في موضوعات دلالية. والخليل لغوي لأنه أول من حاول حصر الألفاظ العربية وتسجيلها في معجم، وابن دريد لغوي أيضا لأنه ألف معجمه جمهرة اللغة. والأزهري لغوي لأنه ألف معجمه تهذيب اللغة، وظل استخدام كلمة اللغة بمعنى بحث المفردات وتصنيفها في معاجم وكتب موضوعية سائدًا في الدوائر العلمية عدة قرون. وهناك مصطلح ظهر في القرن الرابع الهجري عند اللغوي العربي ابن فارس، ت ٣٩٥هـ، وأخذه عنه الثعالبي، ت ٤٢٩هـ. لقد أطلق ابن فارس على أحد

стр. 77

كتبه "الصاحبي في فقه اللغة"، وبذلك ظهر مصطلح فقه اللغة لأول مرة في التراث العربي عنوانًا لكتاب، وتسمية لفرع من فروع المعرفة. ولم ينتشر هذا المصطلح إلا بقدر محدود، وأشهر من استخدمه بعد ابن فارس- لغوي أديب هو الثعالبي، فقد سمى كتابه "فقه اللغة وسر العربية". يتفق كتابا ابن فارس والثعالبي، في معالجتهما لقضايا الألفاظ العربية، فموضوع فقه اللغة عندهما هو معرفة الألفاظ العربية ودلالاتها وتصنيف هذه الألفاظ في موضوعات وما يتعلق بذلك من دراسات١. يضم كتاب ابن فارس إلى جانب هذا مجموعة من القضايا النظرية حول اللغة، من أبرزها قضية نشأة اللغة، فإذا كان العلماء قد اختلفوا في ذلك فرآها البعض "اصطلاحًا" أي عرفًا اجتماعيًّا فإن ابن فارس رفض هذا الرأي واعتبرها توقيفًا أي بمنزلة الوحي المنزل من السماء٢. ولا يدخل موضوع اللغة ولا موضوع ارتباط اللغة بالوحي في إطار قضايا علم اللغة الحديث، لأنه ليس من الممكن بحث الموضوعين بمعايير علمية دقيقة. كما تضمن كتاب الثعالبي قسمًا ثانيًا هو سر العربية، وقد تناول الثعالبي في القسم الثاني عددًا من الموضوعات الخاصة ببناء الجملة العربية. ولكن المؤلفين

стр. 78

متفقان على جعل فقه اللغة هو دراسة دلالات الألفاظ وتصنيفها في موضوعات. أما مصطلح "علم اللغة" فقد استخدم عند بعض اللغويين المتأخرين وكان المقصود منه دراسة الألفاظ مصنفة في موضوعات مع بحث دلالاتها. فالرضي الاستراباذي يفرق بين علم اللغة وعلم التصريف، موضوع الأول: دراسة الألفاظ، والثاني: معرفة القوانين الخاصة ببنية هذه الألفاظ١، أما أبو حيان فقد ذكر مصطلح علم اللغة في عدة كتب له، وموضوع علم اللغة عنده هو دراسة مدلول مفردات الكلم٢. ولا يختلف استخدام مصطلح علم اللغة عند ابن خلدون عن هذا المعنى، فعلم اللغة عنده هو بيان الموضوعات اللغوية والمقصود بذلك الدلالات التي وضعت لها الألفاظ٣. وقد ذكر ابن خلدون في إطار كلامه عن علماء اللغة الخليل بن أحمد وغيره من أصحاب المعاجم العربية. ويوضح كل هذا أن مصطلح علم اللغة يعني عند الرضي الاستراباذي وأبي حيان وابن خلدون وغيرهم٤ دراسة المفردات وتصنيفها في معاجم وكتب. وهناك اصطلاحا آخر أطلقه بعض المؤلفين على دراسة دلالات المفردات اللغوية وهو اصطلاح "علم متن اللغة"٥ وقد حاول المرصفي٦ وحمزة

стр. 79

فتح الله استخدام هذا المصطلح بهذا المعنى، كما أطلق أحمد رضا أيضا على معجمه متن اللغة. وهكذا استخدم المؤلفون العرب قبل العصر الحديث، وتابعهم المؤلفون السلفيون في أوائل القرن العشرين بصفة خاصة مصطلحات اللغة وفقه اللغة وعلم اللغة ومتن اللغة في عناوين مؤلفاتهم أو وصفًا لجهود مؤلفي المعاجم وكتب المفردات اللغوية.

стр. 80

٣- علم اللسان وعلوم الأدب والعلوم العربية: ترجع أول محاولة جادة١ لترتيب علوم اللغة في نسق واحد إلى الفارابي، وقد أطلق الفارابي على كل العلوم اللغوية اسما شاملا لها هو "علم اللسان"، يتألف علم اللسان عنده من عدة مجالات. يقابل "علم الألفاظ المفردة" في تصنيف الفارابي "علم الدلالة" في التصنيف الحديث. ويتناول "قوانين الألفاظ عندما تكون مفردة وعندما تركب" البحث في الأصوات وبناء الكلمة وبناء الجملة على التوالي. ولكن الفارابي أدخل في علم اللسان بعض الموضوعات التي لا تدخل في علم اللغة بالمعنى الحديث، من ذلك علم الألفاظ المركبة التي صنعها خطباؤهم وشعراؤهم أي دراسة الشعر والنثر. ومن ذلك أيضا قوانين تصحيح الكتابة وقوانين تصحيح القراءة وقوانين الأشعار٢. وهكذا ضم علم اللسان عند الفارابي علوم اللغة إلى جانب غيرها من العلوم والمهارات. ويدل مصطلح علوم الأدب عند ابن الأنباري على علوم اللغة: النحو

стр. 81

واللغة والتصريف وعلم الجدل في النحو وعلم أصول النحو بالإضافة إلى العروض والقوافي وصنعة الشعر وأخبار العرب وأنسابهم١. أي أن علوم الأدب تشمل عند ابن الأنباري مجموعة العلوم اللغوية والأدبية وما يتعلق بها من معارف. وكان ابن الأنباري أول من اعتبر علم أصول النحو أي مناهج البحث النحوي علمًا قائمًا بذاته، وقد ألف فيه محتذيًا حذو المؤلفين في علم أصول الفقه يقول ابن الأنباري أصول النحو هي أدلة النحو التي تفرعت عنها فروعه وفصوله كما أن معنى أصول الفقه أدلة الفقه التي تفرعت عنها جملته وتفصيله. والأديب عند ابن الأنباري وعند ياقوت الحموي هو المشتغل بهذه العلوم اللغوية الأدبية وما يرتبط بها من معارف، وبهذا المعنى ألف ابن الأنباري كتابه نزهة الألباء في طبقات الأدباء، وألف ياقوت الحموي إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب. أما تصنيف السكاكي لعلوم اللغة فيقوم على أساس "مثارات الخطأ"، فالخطأ اللغوي يمكن أن يكون في بنية الكلمة وهذا موضوع علم الصرف وقد يكون في تأليف المفردات داخل الجملة وهذا موضوع علم النحو وقد يكون في مطابقة العبارة للمعنى وهذا موضوع علمي المعاني والبيان. واعتبر السكاكي علوم الصرف والنحو والمعاني والبيان بالإضافة إلى علم اللغة مجموعة علوم متكاملة انتظمت عنده في نسق واحد٢. وكان أبو حيان النحوي أول من أطلق مصطلح علوم اللسان العربي على علوم اللغة. وقد تابعه ابن خلدون في استخدام هذا المصطلح. تضم علوم اللسان

стр. 82

العربي عند أبي حيان علم اللغة وعلم التصريف وعلم النحو. يتناول علم اللغة "مدلول مفردات الكلم" ويتناول علم التصرف "أحكام مفردات الكلم قبل التركيب" أما علم النحو فيتناول أحكام مفردات الكلم "حالة التركيب" وبذلك كان مصطلح "علوم اللسان العربي" عند أبي حيان شاملا لعلوم اللغة عند العرب دون غيرها من العلوم١. ولا يقتصر مجال علوم اللسان العربي عند ابن خلدون على النحو واللغة بل ضم إليهما علم البيان وعلم الأدب، وبذلك لم يفصل ابن خلدون بين علوم اللغة بمعناها المحدد والدراسة الأدبية٢. ويقوم تصنيف طاشكبري زاده للعلوم اللغوية وما يتعلق بها من دراسات على أساس التمييز بين ما يتناول "المفردات" من جانب وما يتناول "المركبات" من الجانب الآخر٣. ذكر طاشكبري زاده أن دراسة المفردات تتناول مجالات خمسًا، أولها: علم مخارج الحروف. ويعد هذا المصطلح أول تسمية محددة شاملة لما يطلق عليه في العصر الحديث علم الأصوات، فإذا كانت الدراسة الصوتية قديمة في التراث العربي فإن سيبويه والخليل ومن جاء بعدهما لم يضعوا لها تسمية خاصة وشاملة إلى أن جاء طاشكبري زاده وحاول في تصنيفه للعلوم أن يخصص هذه الدراسة. فأطلق عليها علم مخارج الحروف، وجعل هذا العلم أول مجالات البحث اللغوي، وبهذا اتفق طاشكبري زاده مع ما تعارف عليه اللغويون المحدثون بعده بقرون. يتناول علم مخارج الحروف معرفة تصحيح مخارج الحروف -كيفية وكمية- وصفاتها العارضة لها بحسب ما تقتضيه طباع العرب ... ويستمد من العلم الطبيعي وعلم التشريح ويتضح من تحديد

стр. 83

طاشكبري زاده لمكان علم مخارج الحروف في أول مجالات البحث اللغوي إدراكه العميق لأهمية علم الأصوات، بل ويعد فهمه لعلاقة البحث الصوتي بالعلم الطبيعي وبعلم التشريح سابقا لعصره ولكثيرين ممن جاءوا بعده. وإلى جانب علم مخارج الحروف تضم دراسة المفردات عند طاشكبري زاده: "علم اللغة" ويبحث "جواهر المفردات وهيئاتها من حيث الوضع للدلالة على المعاني الجزئية" كما يضم "علم الوضع"، ويبحث في "تفسير الوضع وتقسيمه إلى الشخصي والنوعي والعام والخاص"، والمقصود بذلك دراسة الدلالات التي وضعت لها الألفاظ، ويضم أيضا "علم الاشتقاق" وموضوعه كيفية خروج الكلم بعضها عن بعض. وآخر مجالات دراسة المفردات: علم الصرف١ وعلى هذا تتناول دراسة المفردات عند طاشكبري زاده ما يقابل علم الأصوات وعلم بنية الكلمة وعلم الدلالة في مجالات علم اللغة الحديث. أما بنية الجملة فقد جعلها طاشكبرى زاده الموضوع الأول للبحث في المركبات، وتضم دراسة المركبات عنده النحو والمعاني والبيان والبديع والعروض والقوافي ... إلخ٢.... وبذلك ضم طاشكبري زاده ... هذه الدراسات الأدبية مع علم النحو في إطار واحد. ويتفق التهانوي في تصنيفه لما أطلق عليه العلوم العربية مع تصنيف هذه العلوم عند طاشكبري زاده اتفاقًا بعيدًا، ولكن التهانوي لم يخصص لعلم الأصوات قسمًا مستقلا كما فعل طاشكبري زاده. بل بدأ التهانوي حصره للعلوم العربية بعلم اللغة، ثم جاء علم الصرف، وعلم الاشتقاق، وعلم النحو، وعلم المعاني، وعلم البيان، وعلم العروض، وعلم القافية.....إلخ٣ وقد

стр. 84

ظل مصطلح العلوم العربية مستخدمًا عند أصحاب الثقافة السلفية في العالم العربي الحديث. فقد صنف الشيخ المرصفي العلوم العربية إلى علم "متن اللغة" و"فقه اللغة" و"علم الصرف" و"علم النحو"، والفرق بين علم متن اللغة وفقه اللغة عند المرصفي أن الأول يبحث في "أوضاع الألفاظ لمعانيها" والثاني يبحث الألفاظ "باعتبار تخالفها في المعاني التي وضعت لها"١ أي أنه يعتبر علم متن اللغة هو معرفة المعاني الحقيقية للألفاظ وفقه اللغة هو دراسة الفروق في المعاني. وهكذا تنوعت التسميات التي أطلقت في مراحل تاريخية مختلفة على مجال البحث في اللغة، ولذا تعتبر هذه المصطلحات جزءًا من تاريخ البحث اللغوي. وينبغي أن نترك هذه المصطلحات للحديث في تاريخ العلم على أن تكون المصطلحات الحديثة قائمة على أساس النظرية الحديثة لعلم اللغة.

стр. 85

الفصل الرابع: كتب طبقات النحويين واللغويين مدخل ... الفصل الرابع: كتب طبقات النحويين واللغويين هناك عدة مصادر عربية وغير عربية ترجمت للنحويين واللغويين وحدهم أو مع غيرهم من المشتغلين بالعلوم الأخرى. وتضم هذه الكتب أخبار النحويين واللغويين مع ذكر مكوناتهم الثقافية ومؤلفاتهم في علوم اللغة وفي غيرها، لذا تعد هذه المصادر مدخلا طبيعيا للتعرف على الحياة الثقافية والعلمية للمسهمين في التراث اللغوي العربي.

стр. 86

١- كتب الطبقات لقد اهتم النحاة ولما تمض مائة عام على وفاة سيبويه بتصنيف النحاة إلى طبقات على غرار تصنيف ابن سعد في كتابه "الطبقات الكبرى" لأعلام علمي الحديث والتفسير. ويبدو أن أول كتاب في هذا الموضوع هو كتاب "طبقات النحويين البصريين وأخبارهم" للمبرد، ت ٢٨٥ هـ، لم يصل إلينا هذا الكتاب، غير أننا نتعرف على طبيعة مادته من النقول التي أخذها السيرافي عنه. كان السيرافي، ت ٣٦٨ هـ، يورد في كتابه "أخبار النحويين البصريين" مادته

стр. 87

بطريقتين متميزتين، فهو يقدم لبعض أخباره بسلسلة إسناد تسبق كل خبر وتشير إلى أخذه له عن طريق الرواية الشفوية١، ولكن السيرافي لا يقدم للأخبار التي أخذها عن المبرد بأية سلسلة إسناد ويكتفي بعبارة: قال المبرد٢، وإذا كان السيرافي قد ولد سنة ٢٨٠هـ ووفاة المبرد كانت ٢٨٥هـ، فلا بد أن أخذ السيرافي للمادة المنسوبة للمبرد إنما قام على أساس اعتماد السيرافي على كتاب المبرد المؤلف في نفس الموضوع. وترجع أقدم كتب الطبقات الموجودة والتي ترجمت للنحويين واللغويين إلى القرن الرابع الهجري. ويعد كتاب مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي، ت ٣٥١هـ، أقدم كتاب وصل إلينا في الترجمة للنحويين، وله أهميته أيضا لأن المؤلف لغوي عرف الكثيرين ممن ترجم لهم من المشتغلين بعلوم اللغة حتى ذلك الوقت. أما كتاب أبي سعيد السيرافي، ت ٣٦٨هـ، فقد وصل إلينا بعنوان "أخبار النحويين البصريين" وقد اعتمد السيرافي في كتابه هذا على كتاب المبرد، وأضاف إلى ذلك أخبار كثيرة وصلت مشافهة. موضوع كتاب السيرافي: ذكر مشاهير النحويين وطرف من أخبارهم وذكر أخذ بعضهم عن بعض والسابق منهم إلى علم النحو٣. ذكر السيرافي في النحاة البصريين

стр. 88

فقط. ولم يذكر شيئًا عن النحاة الكوفيين وكأنه لا يعترف بهم ولا يهتم بأخبارهم. لم يترجم السيرافي في كتابه لكل النحويين البصريين حتى عصره بل قصر كلامه على نحاة البصرة حتى أبي العباس محمد بن يزيد المبرد وتلاميذه، وكأنه تحرج من الترجمة لمعاصريه فلم يترجم لهم. لم يهتم السيرافي إلا بذكر الأخبار الخاصة بهؤلاء النحاة فكتابه كتاب أخبار، ولذا فهو لا يذكر عن مؤلفات هؤلاء النحاة أية معلومات ولا يشير إلى أسماء هذه المؤلفات إلا نادرًا. أما كتاب طبقات النحويين واللغويين لأبي بكر الزبيدي، ت ٣٧٩هـ، فهو كتاب أندلسي، مؤلفه لغوي ونحوي من أهم من أنجبتهم الأندلس في علوم اللغة. وترجع أهمية هذا الكتاب إلى كونه أندلسيا، فالكتب التي ذكرناها -من قبل- كانت كلها من العراق، وتقدم لنا صورة للحياة الثقافية والعلمية لنحاة المشرق، ولكن كتاب الزبيدي اهتم إلى جانب ترجمته لنحاة المشرق بالترجمة أيضا لعلماء المغرب والأندلس في النحو واللغة، فأتى بمادة جديدة لها أهميتها في دراسة النحويين واللغويين المغاربة والأندلسيين١.

стр. 89

٢- كتاب الفهرست: ويعد كتاب الفهرست لابن النديم المؤلف سنة ٣٧٧هـ المصدر الأول للتعرف على مؤلفات النحويين واللغويين حتى تاريخ تأليفه، وقد خصص ابن النديم المقالة الثانية أي الباب الثاني، من كتابه لأخبار النحويين واللغويين وأسماء كتبهم. وقد اعتمد ابن النديم على المصادر التي أتيحت له حول أخبار النحويين مثل كتاب أخبار النحويين البصريين لأبي سعيد السيرافي، ولكنه يمتاز عن الكتب السابقة عليه بأنه يذكر المصنفات التي ألفها كل نحوي ولغوي حتى عصره، وهو بذلك أقدم وثيقة تضم أسماء الكتب العربية في علوم

стр. 90

اللغة وفي غيرها. قسم ابن النديم هذه المقالة إلى قسم خاص بالبصريين وقسم آخر للكوفيين وقسم ثالث لمن خلط المذهبين. وقد تابع ابن النديم حركة التأليف في النحو واللغة منذ بدايتها حتى عصره. وبذلك يختلف ابن النديم عن كثير من علماء عصره والذين كانوا يتجنبون الترجمة لمن عاصرهم، فابن النديم يحترم النابهين من أبناء عصره وترجم لهم في حياتهم، فقد ذكر ابن النديم في ترجمة الرماني النحوي أنه كان على قيد الحياة وقت تأليف الكتاب١.

стр. 91

٣- كتب التراجم: هناك مجموعة كثيرة من الكتب التي ترجمت للنحويين واللغويين وحدهم أو مع غيرهم من أصحاب العلوم، ولكنها رتبتهم ترتيبا مخالفا لكتب الطبقات. كانت كتب الطبقات ترتبهم ترتيبا زمنيا، فكل طبقة تمثل مجموعة متعاصرة من العلماء، ولكن كتب التراجم لم تتبع هذا المنهج في الترتيب بل كانت ترتب الرجال وفق الأسماء الحقيقية لكل منهم، فالمبرد لا يذكر بهذا الاسم، بل ينبغي البحث تحت اسمه الحقيقي: محمد بن يزيد وسيبويه يذكر في هذه الكتب تحت اسمه الحقيقي: عمرو بن عثمان، وبغض النظر عن بعض السمات الخاصة ببعض هذه الكتب فإن أكثرها يرتب أسماء النحاة واللغويين الحقيقية ترتيبًا هجائيًّا. وصل إلينا من القرنين الخامس والسادس الهجريين كتابان مهمان ترجما للنحاة واللغويين، هما كتاب "تاريخ بغداد" لابن الأنباري، ت ٥٧٧هـ، كتاب تاريخ بغداد من كتب التاريخ العام بل هو كتاب في تاريخ الرجال

стр. 92

الذين كانت لهم ببغداد صلة مولد أو دراسة أو إقامة١، ولذا يضم الكتاب تراجم لعدد كبير من أعلام الحضارة الإسلامية حتى عصره؛ فما أكثر من كانت لهم صلة ببغداد حتى القرن الخامس الهجري. ويلاحظ في ترجمة الخطيب البغدادي للنحويين واللغويين أنه اعتمد على مصادر شفوية بجانب أخذه عن المؤلفات السابقة عليه في هذا المجال، وقد اهتم في المقام الأول بذكر الأخبار الخاصة بكل نحوي أو لغوي أتى بترجمته، وقد جاءت هذه الأخبار مزودة بأسانيدها المفصلة، فكتابه في الأخبار وليس في حصر المؤلفات وتصنيفها. ومن هذا الجانب يختلف كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي عن كتاب "الفهرست" لابن النديم. أما كتاب "نزهة الألباء في طبقات الأدباء" لابن الأنباري فهو كتاب موجز لخص المادة التي وجدها في الكتب السابقة عليه مثل الفهرست لابن النديم وتاريخ بغداد، ولكن ابن الأنباري حذف كثيرًا من أسانيد الأخبار التي وجدها في تاريخ بغداد. ولا يكاد كتاب نزهة الألباء يقدم مادة جديدة بخصوص النحويين واللغويين الذين جاءت ترجمتهم في المصادر التي ألفت قبل ابن الأنباري. ولكنه أضاف

стр. 93

مجموعة تراجم للغويين ونحويين ترد ترجماتهم لأول مرة في كتابه، وله أهميته من هذا الجانب. وهناك ثلاثة كتب من القرن السابع الهجري تضمنت تراجم النحويين واللغويين وهي "إنباه الرواة" للقفطي، ت ٦٣٤ هـ، و"إرشاد الأريب" لياقوت، ت٦٢٦ هـ، و "وفيات الأعيان" لابن خلكان، ت ٦٨١هـ، تناول القفطي وهو مؤلف مصري في كتابه "إنباه الرواة على أنباه النحاة" اللغويين والنحويين وحدهم. ولا يقتصر كتابه على ذكر النحويين واللغويين المصريين بل هو كتاب شامل لعلماء اللغة والنحو ومن ألف في علوم اللغة أو درس علوم اللغة في أرض الحجاز واليمن والبحرين وعمان واليمامة والعراق وأرض فارس والجبال وخرسان..... والشام والساحل ومصر....... وأفريقية ووسط المغرب وأقصاه وجزيرة الأندلس وجزيرة صقلية١" يتسم كتاب إنباه الرواة بالشمول والإحاطة؛ فقد ترجم للمشتغلين بعلوم اللغة في كل أنحاء الدول الإسلامية حتى عصره، إلا أنه لا يكاد يأتي بجديد حول النحويين الذي ترجم لهم مؤلفو القرن الرابع مثل السيرافي وابن النديم، وأهميته ترجع إلى ترجمته للنحاة الذين جاءوا بعد ذلك. ويضم كتاب "إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب" لياقوت الحموي تراجم كثيرة للمشتغلين بالعلوم المختلفة حتى عصره، فالأديب عنده هو المشتغل بالعلوم أيضا، ولذا عرف كتابه باسم "معجم الأدباء"٢ خصص ياقوت تراجم مستفيضة للنحويين واللغويين واستقى مادته من كتب الطبقات السابقة عليه ومن كتاب الفهرست لابن النديم، كما أضاف إلى ذلك مادة كثيرة

стр. 94

أخذها من كتب أخرى، فقد اعتمد في ترجمته لأبي سعيد السيرافي، الحسن بن عبد الله، على كتب الطبقات وكتاب الفهرست، واقتبس نصوصا كثيرة حول السيرافي من كتب تليمذه أبي حيان التوحيدي مثل كتاب محاضرات العلماء وكتاب مثالب الوزيرين وكتاب الإمتاع والمؤانسة، أيضا من كتاب تقريظ الجاحظ، وقد ضاع الكتاب الأخير ولم يعد له أثر إلا ما نقل عنه ياقوت الحمودي وغيره١. ويعد ياقوت في كتابه "إرشاد الأريب" من أكثر العلماء العرب دقة في استخدام المصادر، يظهر هذا من عبارات كثيرة له تحفظ فيها تجاه النصوص التي ذكرها. فقد علق على خبر ذكره بقوله: أو كما قال أبو حيان فإني لم أنقل ألفاظ الخبر لقدم الأصل الذي قرأت منه٢. وكان ياقوت يقارن عدة نسخ من الكتاب الواحد ليصل إلى حقيقة ما عناه مؤلفه دون تصحيف الوراقين والكتاب، نجد هذا واضحا في تعليقاته على بعض العبارات مثل: "وكانت النسخة غير مرضية فتركتها إلى أن يقع لي ما أرتضيه". وأكثر النسخ ... لا توجد هذه الرقعة فيها٣. فياقوت كان يتحرى الدقة في النقل عن مصادره ويقارن النسخ بعضها ببعض تحقيقًا لمبدأ الأمانة العلمية في صحة النقل. ولذا يعتبر كتاب إرشاد الأريب على الرغم من تأخره زمنيًّا - من أهم الكتب التي ترجمت للنحويين واللغويين وغيرهم.

стр. 95

وقد اتبع ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" الترتيب الهجائي للأعلام المترجم لهم، اعتمد ابن خلكان على الكتب السابقة عليه، وأضاف إليها ما أخذه من أفواه الأئمة المتقنين وما أن فكر المؤلف في تحرير كتابه في صيغته الأخيرة سنة ٦٥٤هـ حتى وجد أن ترتيب أسماء الأعلام ترتيبًا هجائيًّا أفضل من ترتيبهم وفق المعيار الزمني. ويفيد كتاب "وفيات الأعيان" في الترجمة للعلماء الذين لا نجد لهم تراجم في الكتب السابقة عليهم، ولكنه في كثير من التراجم لا يكاد يضيف إلى مصادره المعروفة لنا شيئًا. ويعد كتاب "بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة" للسيوطي، ت ٩١١هـ، أحد الكتب الموسوعية التي ظهرت في مصر قبيل الفتح العثماني، ألف السيوطي في كل فروع المعرفة التي اعترف بها عصره، وهو فيها جميعا ناقل جامع لا يضيف إلى العلم جديدًا، تتركز قيمة كتبه في احتفاظها بنقول أخذها السيوطي من مصادر لم تعد متاحة للباحث الحديث. اعتمد السيوطي في بغية الوعاة على كتب الطبقات السابقة عليه، وأفاد أيضا من معرفته الواسعة للتراث العربي الأندلسي، ففصل القول في ذكر النحويين واللغويين والأندلسيين، وله أهميته من هذا الجانب، ويفيد كتاب بغية الوعاة في معرفة أعلام النحاة واللغة حتى عصره، وتتسم تراجم النحاة واللغويين عند السيوطي بالتركيز على ثقافة النحوي ومؤلفاته. وقد لاحظ السيوطي صعوبة البحث عن النحوي تحت اسمه الحقيقي، فأعد في آخر كتابه ثبتًا بالنحويين واللغويين وفق ألقابهم وكناهم، وبذلك يستطيع الباحث إذا عرف لقب النحوي أو كنيته أو اسمه الذي اشتهر أن ينظر في هذا الثبت ليجد الاسم الحقيقي للنحوي أو اللغوي١

стр. 96

٤- المراجع العامة الحديثة في التراث: خصص المستشرق الألماني كارل بروكلمان C. Brokelman عدة فصول للمشتغلين بعلوم اللغة في كتابه عن التراث العربي١ وقد اهتم بروكلمان ببيان المسهمين في التأليف اللغوي العربي واحدًا واحدًا، وقد رتبهم ترتيبًا زمنيًّا ثم مكانيًّا. وترجع أهمية كتابه إلى اهتمامه بذكر الكتب التي ألفها كل واحد منهم. وبين أماكن وجود مخطوطاتها وأرقام هذه المخطوطات، وذكر طبعاتها إن كانت قد طبعت. وقد ظل كتاب بروكلمان أفضل دليل مصنف بالمخطوطات العربية عدة سنوات. ثم اتضح القصور في عمل العالم الكبير، ولم يعد الكتاب شاملا للتراث العربي المخطوط. فقد ظهرت آلاف المخطوطات التي لم تكن معروفة لبروكلمان وصنفت مجموعات كاملة لم يكن أحد قد سمع بها قبل اكتشافها. وهنا شرع عالم تركي هو فؤاد سزكين في إكمال كتاب بروكلمان، ولكن عمله تجاوز حدود الإكمال والتذييل فأصبح عملا مستقلا متكاملا. وقد أطلق سزكين على كتابه في الأصل الألماني اسم Geschichte des arabischen Schrifttums أي: تاريخ التراث العربي٢. ويمتاز هذا العمل الكبير عن كتاب بروكلمان بمميزات أساسية، فقد عرف سزكين مخطوطات أكثر، وعرف عن المخطوطات

стр. 97

التي عرفها بروكلمان معلومات أكثر. يمتاز كتاب سزكين عن كتاب بروكلمان بأنه يذكر عند كل مخطوط معلومات مهمة عن حالته وعدد أوراقه وتاريخ نسخه. وهو بهذا أفضل عمل ببليوجرافي حديث للتراث العربي. وينبغي عند دراسة النحويين واللغويين والأخبار الواردة عنهم وعند التعرف على صحة نسبة مؤلفاتهم لهم أن يراعي الباحث الترتيب التارخي المذكور لكتب الطبقات والتراجم فقد أثبتت الدراسة المقارنة لهذه الكتب أن اللاحق منها ينقل عن السابق نقلا، ولا يضيف جديدًا، والكتب المتأخرة لا تعنى بالأسانيد مما يجعل من الصعب دراسة مصدر النص ورواته، وإذا افترضنا صحة النقل في أكثر الكتب المتأخرة فلا جدوى من استخدامها إذا كانت المصادر الأقدم متاحة للباحث الحديث. والواجب العلمي يقتضي أن نستخدم أقدم المصادر، فلا فائدة من النقل عمن نقل عن المصدر الأصلي.

стр. 98

الفصل الخامس: المكتبة النحوية مدخل ... الفصل الخامس: المكتبة النحوية ذكر السيرافي في أخبار النحويين البصريين قصة كتابين نسبهما البعض لعيسى بن عمر، ت ١٤٩هـ، وهما كتاب "الجامع" و"المكمل" ثم قال السيرافي بعد ذلك وهذان الكتابان ما وقعا إلينا ولا رأيت أحدًا يذكر أنه رآهما١. وأكد ابن النديم هذا بقوله وقد فقد الناس هذين الكتابين منذ المدة الطويلة ولم تقع إلى أحد علمناه، ولا خبرنا أحد أنه رآهما٢. فإذا افترضنا صحة ما نسب إلى عيسى بن عمر فإن البحث العلمي لا يستطيع القول بشيء في كتابين لم يبق منهما أثر. وقد اهتم مؤلفو كتب الطبقات بقصة وضع النحو عن أبي الأسود وحاول ابن النديم بحث هذه القصة قال: "ورأيت ما يدل على أن النحو عن أبي الأسود ما هذه حكايته. وهي أربعة أوراق أحسبها من ورق الصين. ترجمتها هذه: فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود ... ثم لما

стр. 99

مات هذا الرجل فقدنا القمطر وما كان فيه فما سمعنا له خبرًا١. والمقصود بذلك الرجل أحد أصحاب خزائن الكتبة ولا يستطيع الباحث أن يخرج بشيء من هذا الخبر عن جهود أبي الأسود الدؤلي في النحو إن كانت له فيه جهود على الإطلاق.

стр. 100

١- كتاب سيبويه والنحاة البصريون: يعد "الكتاب" أو كتاب سيبويه أقدم ما وصل إلينا في النحو العربي. يضم كتاب سيبويه إلى جانب آراء مؤلفه أبي بشر، عمرو بن عثمان جهود نحويين آخرين تقدموا سيبويه، وعرف آراءهم فذكرها في كتابه وهؤلاء النحويين هم: ١- عبد الله بن إسحق الحضرمي، ت ١١٧هـ. ٢- عيسى بن عمر الثقفي، ت ١٤٩هـ. ٣ أبو عمرو بن العلاء، ت ١٥٤هـ. ٤- الخليل بن أحمد، ت ١٧٤هـ. ٥- يونس بن حبيب، ت ١٨٣هـ. وأقدم هؤلاء النحاة عبد الله بن إسحق الحضرمي الذي عده ابن سلام صاحب طبقات الشعراء أول من بعج النحو ومد القياس وشرح العلل١ ولا شك أن أهم هؤلاء الخليل بن أحمد، أستاذ سييبويه وأكثرهم تأثيرًا في فكره العلمي. وقد حدد كتاب سيبويه لأجيال النحويين على مدى القرون معالم البحث

стр. 101

النحوي ومنهج معالجة قضايا النحو، وظل فكرهم في إطاره بغض النظر عن اختلافات جزئية بسيطة قامت عليها المدارس النحوية وقد كان كتاب سيبويه منذ تأليفه في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري أساس دراسة النحو في كل أنحاء العالم الإسلامي، قال السيرافي وكان كتاب سيبويه لشهرته وفضله، علمًا عند النحويين. فكان يقال بالبصرة: قرأ فلان الكتاب. فيعلم أنه كتاب سيبويه وقرأ نصف الكتاب، ولا يشك أنه كتاب سيبويه١ والمتتبع لتاريخ النحويين العرب يلاحظ أن الكتاب كان عمدة الدراسة النحوية حتى القرن الثامن الهجري. وكان طلاب العلم يقرءون كتاب سيبويه على نحويين تخصصوا فيه، وعرفوا بإجادتهم له وحسن تدريسهم له. كان الأخفش سعيد بن مسعدة، ت ٢٢١هـ، أول من قام بتدريس كتاب سيبويه، يقول السيرافي، الطريق إلى كتاب سيبويه الأخفش، وذلك أن كتاب سيبويه لا نعلم أحدًا قرأه على سيبويه ولا قرأه عليه سيبويه ولكن لما مات سيبويه قرأ الكتاب على أبي الحسن الأخفش، وكان ممن قرأه، أبو عمر الجرمي صالح بن إسحق. وأبو عثمان المازني بكر بن محمد، وغيرهما٢. وبذلك كان تلاميذ الأخفش أول مجموعة من النحاة تتلمذت على كتاب سيبويه، وكان لكل واحد منهم اهتمام خاص بالكتاب. اهتم أبو عمر الجرمي، ت ٢٢٥هـ، بدراسة الأبنية الصرفية التي وردت في كتاب سيبويه، وصنف في ذلك كتبًا كثيرة لا نعرف إلا أسماءها، كما ألف أيضا في "تفسير غريب سيبويه" وكتابًا آخر بعنوان "الفرخ"، أي فرخ كتاب سيببويه، لم يبق أي كتاب من كتب الجرمي، ولكنها كانت من أهم المصادر التي اعتمدت عليها شروح سيبويه التالية. أما أبو إسحق الزيادي، ت ٢٤٩هـ، فهو أول من ألف

стр. 102

كتابًا بعنوان "شرح كتاب سيبويه" ولم يبق من هذا الكتاب إلا بعض النقول في الكتب التي نقلت عنه. ويعد كتاب التصريف للمازني الكتاب الثاني الذي وصل إلينا في النحو العربي بعد كتاب سيبويه. لقد تتلمذ أبو عثمان المازني، ت ٢٤٨هـ، على الأخفش، وقرأ عليه كتاب سيبويه، واهتم أيضا بالأبنية الصرفية كما فعل زميله الجرمي وقد وصل كتاب التصريف للمازني مشروحًا بقلم أبي الفتح عثمان بن جني، ت ٣٩٢هـ، وكتاب التصريف أقدم كتاب مستقل وصل إلينا حول الأبنية الصرفية. يتفق مؤلفو كتب الطبقات على أن أبا العباس محمد بن يزيد المبرد، ت ٢٨٥هـ، أهم نحاة المدرسة البصرية في القرن الثالث الهجري، لقد ألف المبرد مجموعة كبيرة من الكتب اللغوية بالمعنى الشامل، ولكن أهمها هو كتاب "المقتضب" وهو كتاب شامل يضم كل الجوانب النحوية والصرفية والصوتية التي تناولها كتاب سيبويه وهذا الكتاب هو الكتاب الثاني بعد كتاب سيبويه في تناوله لكل هذه الجوانب، وهناك قضايا نحوية ولغوية كثيرة تناولها المبرد في كتبه الأخرى وخصوصا في كتابه الكامل وفضلا عن الكتب التي وصلت إلينا للمبرد فله كتاب آخر مفقود ذكرته كتب الطبقات والتراجم باسم "الرد على سيبويه" ويعني تأليف المبرد لكتاب بهذا العنوان عدم اتفاقه -وهو البصري- مع كبير نحاة البصرة سيبويه. أي أن وحدة المدرسة البصرية أمر نسبي، وقد أدى اختلاف وجهات نظر المبرد عن سيبويه في بعض المسائل إلى ظهور كتاب في الدفاع عن سيبويه والرد على المبرد، وهو كتاب "الانتصار لسيبويه من المبرد" للنحوي المصري ابن ولاد، ت ٣٣٢هـ١. وقد درس على المبرد عدد كبير من النحويين المبرزين الذين كان لهم أثر

стр. 103

كبير في حمل التراث النحوي ودراسته والتعليق عليه. وأهم تلاميذ المبرد أبو بكر بن السراج، ت ٣١٦ هـ، وأبو إسحق الزجاج، ت ٣١١هـ، وابن درستويه، ت بعد ٣٣٠ هـ.

стр. 104

النحاة الكوفيون في القرنين الثاني والثالث ... ٢- النحاة الكوفيون في القرن الثاني والثالث: هناك أسماء كثيرة تذكرها كتب الطبقات وكتاب الفهرست لنحويين ولغويين كوفيين، وقد خصص لهم ابن النديم فصلا مستقلا يحتوي على "أخبار النحويين واللغويين الكوفيين" ويعد الكسائي والفراء وثعلب أكثر أسماء الكوفيين شيوعًا في كتب النحو العربي. لم يصل إلينا أي كتاب كامل يوضح منهج الكوفيين في التحليل النحوي١، فلا نعرف لهم كتابًا يضارع كتاب سيبويه أو كتاب المقتضب للمبرد ولكن نتعرف على آرائهم اللغوية من كتبهم التي ضمنت موضوعات مختلفة من بينها قضايا النحو واللغة. فالكسائي، ت ١٩٧هـ، نحوي كوفي مشهور عاصر سيبويه وكانت بينهما اختلافات ومشاحنات، ولم يبق من مؤلفات الكسائي إلا رسالة صغيرة في لحن العامة، وقد ضاعت باقي كتبه ولا نستطيع التعرف على آرائه إلا من خلال الكتب النحوية التي نقلت هذه الآراء وحفظتها بذلك من الضياع. وقد ذكر ابن النديم للفراء، ت ٢٠٧هـ، كتبًا كثيرة في علوم اللغة منها كتاب الحدود في النحو، وقد ضاع هذا الكتاب، ولم يبق منه إلا فهرس موضوعاته، فقد نقله ابن النديم في كتاب الفهرست٢ وأهم مصدر نتعرف

стр. 105

منه على آراء الفراء النحوية واللغوية هو كتابه "معاني القرآن" وهو أهم كتبه التي وصلت إلينا. وليس كتاب "معاني القرآن" في التفسير بالمعنى المباشر بل هو كتاب في اللغة اتخذ القرآن الكريم موضوعًا له، وقد وصلت إلينا ثلاثة كتب أخرى للفراء تناولت موضوعات لغوية، وهي "المذكر المؤنث" و"المنقوص والممدود" و"الأيام والليالي والشهور". وثالث النحويين الكوفيين المبرزين هو ثعلب، ت ٢٩١ هـ، وكثيرًا ما كان أبو العباس ثعلب بين معاصريه موضع مقارنة مع أبي العباس المبرد، كان المبرد كبير نحاة البصرة بينما كان ثعلب أكبر نحوي كوفي في نفس الفترة وقد وصلت إلينا عدة كتب لثعلب أهمها كتاب "الفصيح"، وهو كتاب في المفردات، ولكن آراءه النحوية واللغوية موجودة أيضا في كتاب مجالس ثعلب. وهناك علماء كثيرون تذكرهم كتب الطبقات، وكان جهدهم في علوم اللغة مقصورًا على جمع المفردات، وتحديد أبنيتها الصرفية، وتصنيفها وتدوين الملاحظات عليها، ومن هؤلاء أبو عمرو الشيباني صاحب كتاب "الجيم"، وهو معجم لغوي، وأبو عبيد القاسم بن سلام مؤلف "الغريب المصنف" وهو كتاب في المفردات، وابن السكيت مؤلف "إصلاح المنطق" وهو كتاب في التثقيف اللغوي، وكل هذا يشير إلى أن جهد العلماء الكوفيين كاد ينصرف إلى بحث المفردات وتصنيفها، ولم يكن اهتمامهم ببنية اللغة إلا اهتمامًا ثانويًّا لا يرقى إلى مستوى المدرسة البصرية، ولذا فقد سادت آراء البصريين في النحو العربي وحدها دون غيرها في القرون التالية، وأصبح المنهج النحوي وتعليم النحو يقوم -في المقام الأول- على آراء البصريين.

стр. 106

٣- نحاة القرن الرابع: عرف القرن الرابع مجموعة من النحاة أكثرهم في بغداد، وأهمهم

стр. 107

ابن السراج، ت ٣١٦ هـ، والزجاج، ت ٣١١هـ، وابن درستويه توفي بعد ٣٣٠ هـ وأبو سعيد السيرافي ت ٣٦٨ هـ وأبو علي الفارسي ت ٣٧٧هـ والرماني ت ٣٨٥هـ وابن جني ٣٩١هـ. وقد وصلت إلينا كتب كثيرة من مؤلفات هؤلاء النحاة. اهتم ابن السراج، ت ٣١٦ هـ، بكتاب سيبويه اهتمامًا كبيرًا، فقد كان يقوم بتدريس كتاب سيبويه وقد لاحظ ابن السراج تعدد نسخ كتاب سيبويه فقارن النسخ المتداولة في عصره وأثبت مجموعة الفروق والاختلافات بين هذه النسخ. كان كتاب سيبويه حتى ذلك الوقت أساس تدريس النحو، ولذا كثرت نسخه وكثرت معها التصحيفات والاختلافات وأحس ابن السراج الذي ولد بعد وفاة سيبويه بأقل من مائة عام بضرورة المقابلة بين نسخ الكتاب المختلفة للتوصل إلى النص الصحيح، فقام بذلك وسجل ملاحظاته حول اختلاف نسخ كتاب سيبويه في كتاب أصول النحو١ ويعد كتاب أصول النحو لابن السراج الكتاب النحوي الثالث بعد كتاب سيبويه والمقتضب للمبرد، فإذا كان ابن السراج هو صاحب أول محاولة لتحقيق كتاب سيبويه فهو إلى جانب هذا مؤلف "أصول النحو". وقد وصل إلينا من كتب أبي إسحق الزجاج، ت ٣١١هـ، أكثر من كتاب وأهم مؤلفاته التي بقيت لنا كتاب "سر النحو" ويتناول هذا الكتاب موضوع الممنوع من المصرف. وقد اتضح من مقارنة هذا الكتاب أنه ألف تيسيرًا لفهم كتاب سيبويه. وكأن الزجاج أراد أن يشرح كتاب سيبويه فألف كتابه "سر النحو" يدل على ذلك أن ترتيب موضوعات "سر النحو" هو

стр. 108

نفس ترتيب أبواب كتاب سيبويه في موضوع الممنوع من الصرف فالترتيب الداخلي واحد في الكتابين. وفي منتصف القرن الرابع الهجري عرفت بغداد ثلاث شخصيات مرموقة من اللغويين والنحويين. لقد عُرف أبو سعيد السيرافي،ت ٣٦٨هـ، بشرحه الكبير لكتاب سيبويه، كما اشتهر الرماني، ت ٣٨٥هـ، بشرحه لكتاب سيبويه أيضا يتفق السيرافي والرماني في إعجابهما بسيبويه والتزامهما بمنهج نحاة البصرة ولكن شرحيهما يختلفان، فقد ذكر السيرافي كثيرًا من الشواهد والآراء النحوية وعرض في كتابه لمعارفه النحوية واللغوية العميقة. أما شرح الرماني فلا يعكس أي اهتمام بالشواهد وآراء النحاة الذين عاشوا بعد سيبويه وكأنه اكتفى بشرح مضمون كتاب سيبويه بطريقة منطقية. ويمتاز شرح السيرافي باهتمامه بموضوعات لم تنل عند معاصريه نفس الاهتمام، فقد خصص السيرافي في آخر شرحه لسيبويه بابًا خاصًا لآراء الكوفيين في الدراسات الصوتية، وهذا الباب هو مصدرنا الوحيد للتعرف على آراء الكوفيين في الأصوات. أما ثالث الثلاثة فهو أبو على الفارسي، ت ٣٧٧هـ، وقد وصلت إلينا كتب كثيرة له منها المسائل الشيرازيات إلى جانب كتابه في علم القراءات "الحجة في القراءات". لقد تتلمذ أبو الفتح عثمان بن جني، ت ٣٩٢ هـ، على هؤلاء النحاة الأعلام فأصبح أهم نحاة بغداد في عصره. ألف ابن جني كتبًا كثيرة في علوم اللغة منها كتاب "الخصائص" الذي يضم حشدَا من القضايا الصرفية والدلالية والنحوية، وكتاب "سر صناعة الإعراب" لابن جني ليس في الإعراب النحوي بل هو أول كتاب عربي مستقل في الدراسات الصوتية فالإعراب عنده هو الإبانة نطقًا. بدأت علوم اللغة في مصر والأندلس في القرن الرابع الهجري امتداد لجهود علماء بغداد. لقد درس ابن ولاد، ت ٣٣٢هـ، وأبو جعفر النحاس، ت ٣٣٨هـ، النحو في بغداد على الزجاج وأسسا علم النحو في مصر فابن ولاد أول نحوي

стр. 109

مصري، وقد وصلت إلينا بعض كتبه، مثل: المقصور والممدود، والانتصار لسيبويه من المبرد، أما أبو جعفر النحاس فقد اهتم بالقراءات وبكتاب سيبويه وألف فيهما. وبدأت علوم اللغة في الأندلس تأخذ شكلها الواضح بهجرة أبي علي القالي، ت ٣٥٦ هـ، بعد أن درس علوم اللغة في بغداد. وبذلك نقل أبو علي القالي دراسة كتاب سيبويه وتدريس اللغة والأدب إلى الأندلس، وبه بدأت المدرسة الأندلسية في علوم اللغة.

стр. 110

٤- الكتب النحوية التعليمية والمنظومات: عرف القرن الرابع الهجري اتجاهًا جديدًا لتأليف كتب تعليمية في النحو، وأول كتاب في هذه المجموعة هو كتاب الجمل للزجاجي، ت ٣٣٧هـ، وقد ضم الزجاجي في كتابه "الجمل" كل أبواب النحو والصرف بأسلوب سهل موجز وألف ابن السراج، ت ٣١٦هـ، كتابًا تعليميًّا بعنوان "الموجز في النحو". ثم ألف أبو علي الفارسي، ت ٣٧٧هـ، كتابين تعليميين هما "الإيضاح في النحو" و"التكملة في الصرف" وألف ابن جني، ت ٣٩١هـ، كتابًا تعليميًّا هو "اللمع" وتختلف هذه الكتب مجتمعة عن الكتب النحوية السابقة عليها فالكتب التعليمية كتب موجزة واضحة الشواهد شاملة لكل الأبواب في عرض سهل وعبارة واضحة، ولذا دارت حولها دروس تعليم النحو عدة قرون، فكثرت شروحها بتعدد مدرسي هذه الكتب وقد اهتم الأندلسيون بكتاب "الجمل" للزجاجي فألفوا عليه أكثر من عشرين شرحًا. وزادت الكتب النحوية التعليمية في القرن الخامس الهجري والقرون التالية زيادة ملحوظة وظهرت محاولات أخرى لوضع منظومات تعليمية تلخص
следующие страницы →