المؤلّف
الحافظ وليّ الدّين العراقيّ
اسمه ونسبه:
هو وليّ الدّين أبو زرعة أحمد (١) بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم الكرديّ الأصل، المهرانيّ القاهريّ المعروف بابن العراقيّ (٢).
_________
(١) ترجمته في: ذيل التقييد، الورقة ١٠٨ أ-١٠٩ أ، ودرر العقود الفريدة، الورقة ٩٥ ب-٩٦ أ. والسلوك: ٤/ ٢/٦٥١ - ٦٥٢، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة، الورقة ١٥٣ ب-١٥٤ أ، وإنباء الغمر: ٨/ ٢١+٢٢، ورفع الإصر: ١/ ٨١ - ٨٣، وبهجة الناظرين، الورقة ٧٤ ب-٧٦ أ، ولحظ الألحاظ: ٢٨٤ - ٢٩١، والدليل الشافي: ١/ ٥٣، والمنهل الصافي: ١/ ٣١٢ - ٣١٥، والنجوم الزاهرة: ١٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥، والإعلان بالتوبيخ: ٧٠٢ و ٧٢١، والضوء اللامع: ١/ ٣٣٦ - ٣٤٤، وحسن المحاضرة: ١/ ٣٦٣، وذيل طبقات الحفاظ: ٣٧٥ - ٣٧٦، وطبقات الحفاظ للسيوطي: ٥٤٣، وبدائع الزهور: ٢/ ٨٧، وطبقات المفسرين: ١/ ٤٩ - ٥٠، ودرّة الحجال: ١/ ٢١، وكشف الظنون: ١٢، ٦٣، ١١٧، ١٦٦، ٣٦٤، ٣٧٦، ٤٦٤، ٥٩٥، ٦٢٧، ٧٦١، ١٠٠٥، ١٠٤٢، ١١٢٤، ١٢٧٩، ١٣٦٨، ١٤٨٠، ١٥١١، ١٥٤١، ١٥٨٣، ١٨٦٧، ١٨٨٠، ١٩١٥، ١٩٧٧، وشذرات الذهب: ٧/ ١٧٣، والبدر الطالع: ١/ ٧٢ - ٧٤، والرسالة المستطرفة: «انظر فهارس الكتاب» وفهرس الفهارس: ٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦، وإيضاح المكنون: ١/ ٤٦، ٥٤، ٧٢، و ٢/ ٨٣، وهدية العارفين: ١/ ١٢٣، والأعلام: ١/ ١٤٨، ومعجم المؤلفين: ١/ ٢٧٠ - ٢٧١، وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان (الطبعة الألمانية): ٢/ ٦٦ - ٦٧ (الأصل).
(٢) لخّصنا هذه الدراسة من بحث شامل كتبناه عن حياة الحافظ وليّ الدّين وآثاره ومنهجه في كتابه «الذيل على العبر» سننشره قريبا إن شاء الله تعالى.
стр. 2
ولادته ونشأته:
ولد في سحر يوم الاثنين ثالث ذي الحجّة سنة اثنتين وستّين وسبع مئة بالقاهرة، في بيت عرف بالعلم والمعرفة، وتميّز فيه غير واحد من أفراده، فقد كان جدّه الحسين بن عبد الرحمن ممّن صحب الشيخ تقيّ الدّين القنائيّ واختص بخدمته، وأحضر ولده عبد الرحيم عليه، وتوفي سنة ٧٢٨ هـ (١)، ووالده الحافظ المتقن العلامة زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم، فريد دهره ووحيد عصره، شهد له بالتفرد في فنه أئمة عصره وأوانه، سمع الكثير وأخذ عنه الجم الغفير، وتوفي سنة ٨٠٦ هـ (٢)، ووالدته أم أحمد عائشة بنت طغاي العلائيّ، كانت خيّرة صالحة، رحلت مع زوجها عبد الرحيم إلى الشام سنة ٧٦٥ هـ، وسمعت معه من الشيوخ، وجاورت مع زوجها بالحرمين الشريفين، وتوفيت سنة ٧٨٣ هـ (٣).
في هذا البيت الأصيل نشأ وليّ الدين وترعرع في كنف والده الذي رعاه رعاية خاصة منذ نعومة أظفاره وصرفه إلى العلم فأنشأه نشأة علمية متميزة، فكان شيخه الأول الذي سمع منه وأول ما بصرت عينه من شيوخ الدرس والتعليم. وتوسم الوالد في ولده حبّ العلم ورغبته فيه، فبكر به يصحبه معه إلى مجالس العلماء على عادة أهل عصره، فأحضره على كثير من علماء القاهرة كان في طليعتهم: أبو الحرم القلانسيّ (٤)، والمحبّ أبو
_________
(١) لحظ الألحاظ: ٢٢٠ - ٢٢١.
(٢) إنباء الغمر: ٢/ ٢٧٥، والضوء اللامع: ٤/ ١٧١، وحسن المحاضرة: ١/ ٣٦٠.
(٣) الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٨٣ هـ، ومصادر الترجمة.
(٤) فتح الدّين أبو الحرم محمّد بن محمّد بن أبي الحرم القلانسيّ المصريّ المتوفى سنة ٧٦٥ هـ (وفيات ابن رافع: ٢/الترجمة ٨١١، والسلوك: ٣/ ١/٩٤، والدرر الكامنة: ٤/ ٣٥٣).
стр. 3
العبّاس الخلاطيّ (١)، وناصر الدّين التّونسيّ (٢)، والشّهاب ابن العطّار (٣)، والعزّ ابن جماعة (٤)، والجمال ابن نباتة (٥)، وخلق.
رحلاته وشيوخه:
ولمّا بلغ وليّ الدّين الثّالثة من عمره-أعني سنة ٧٦٥ هـ-رحل به أبوه إلى الشّام-وهي أوّل رحلة لوليّ الدّين-فأحضره بها على عدد من علمائها البارعين وحفّاظها المتميّزين منهم الحافظان شمس الدّين الحسينيّ (٦)
_________
(١) الشيخ محبّ الدّين أبو العبّاس أحمد بن يوسف بن أحمد بن عمر الخلاطيّ القاهريّ المتوفى سنة ٧٦٧ هـ (وفيات ابن رافع: ٢/الترجمة ٨٣٩، والدرر الكامنة: ١/ ٣٥٩).
(٢) القاضي ناصر الدّين أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن أبي القاسم الرّبعيّ التّونسيّ المتوفى سنة ٧٦٣ هـ (وفيات ابن رافع: ٢/الترجمة ٧٦٤، والذيل على العبر: وفيات سنة ٧٦٣ هـ).
(٣) شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن أبي بكر العسقلانيّ ابن العطّار المتوفى سنة ٧٦٣ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٦٣ هـ، والدرر الكامنة: ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤).
(٤) قاضي القضاة عزّ الدّين أبو عمر عبد العزيز بن محمّد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكنانيّ المتوفى سنة ٧٦٧ هـ (ذيل التذكرة: ٤١ - ٤٣، والبداية والنهاية: ١٤/ ٣١٩، والعقد الثمين: ٥/ ٤٥٧ - ٤٦٠).
(٥) الأديب المشهور جمال الدّين أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن محمّد بن الحسن بن نباتة الفارقيّ المصريّ المتوفى سنة ٧٦٨ هـ (الوافي بالوفيات: ١/ ٣١١ - ٣٣١، والذيل على العبر: وفيات سنة ٧٦٨ هـ، والسلوك: ٣/ ١/١٤٧).
(٦) السّيّد الشّريف شمس الدّين أبو عبد الله محمّد بن عليّ بن الحسن الحسينيّ الدمشقيّ المتوفى سنة ٧٦٥ هـ (البداية والنهاية: ١٤/ ٣٠٧، والذيل على العبر: وفيات سنة ٧٦٥ هـ، وطبقات الشافعية لابن قاضى شهبة، الورقة ١٢٩ ب).
стр. 4
وتقيّ الدّين ابن رافع (١) ، والمحدّث أبو الثّناء المنبجيّ (٢) ، وأبو حفص الشّحطبيّ (٣) ، والشّرف ابن يعقوب الحريريّ (٤) ، والعماد ابن الشّيرجيّ (٥) ، والمسند ابن أميلة (٦) ، وابن الهبل (٧) ، وابن السّوقيّ (٨) ، وستّ العرب بنت
_________
(١) تقيّ الدّين أبو المعالي محمّد بن رافع بن هجرس السّلاّميّ الشّافعيّ المتوفى سنة ٧٧٤ هـ (الوافي بالوفيات: ٣/ ٦٨ - ٦٩، وذيل تذكرة الحفاظ: ٥٢ - ٥٤، ومقدمة كتاب «الوفيات» له بتحقيقنا: ١/ص ١٣ - ٥١).
(٢) الشّيخ المحدّث شمس الدّين أبو الثّناء محمود بن خليفة بن محمد بن خلف المنبجيّ الدمشقيّ المتوفى سنة ٧٦٧ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٦٧ هـ، والسلوك: ٣/ ١/١٢٥).
(٣) المسند أبو حفص عمر بن محمد بن أبي بكر بن أبي النّور الشّحطبيّ الدمشقيّ المتوفى سنة ٧٦٥ هـ (وفيات ابن رافع: ٢/الترجمة ٨٢٥، والذيل على العبر: وفيات سنة ٧٦٥ هـ).
(٤) الشّيخ المسند شرف الدّين يعقوب بن يعقوب بن إبراهيم البعليّ الحريريّ الدمشقيّ المتوفى سنة ٧٦٦ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٦٦ هـ، والدرر الكامنة: ٥/ ٢١١).
(٥) عماد الدّين أبو عبد الله محمّد بن موسى بن سليمان بن محمّد الأنصاريّ الدمشقيّ ابن الشّيرجيّ المتوفى سنة ٧٧٠ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٧٠ هـ، والدرر الكامنة: ٥/ ٣٨).
(٦) الشّيخ أبو حفص عمر بن الحسن بن مزيد بن أميلة المراغيّ الحلبيّ المزّيّ المتوفى سنة ٧٧٨ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٧٨ هـ، والدرر الكامنة: ٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦، وشذرات الذهب: ٦/ ٢٥٨).
(٧) بدر الدّين أبو محمّد الحسن بن أحمد بن هلال بن سعد بن فضل الله الصّرخدّي ثم الصّالحي الدّقّاق المعروف بابن الهبل المتوفى سنة ٧٧٩ هـ (الدرر الكامنة: ٢/ ٩٤، والقلائد الجوهرية: ٢/ ٤٠٥، وشذرات الذهب: ٦/ ٢٦١).
(٨) الشّيخ المسند عزّ الدّين أبو عبد الله محمّد بن أبي بكر بن عليّ الصّالحيّ المعروف بابن السّوقيّ المتوفى سنة ٧٧٣ هـ (إنباء الغمر: ١/ ٢٩ - ٣٠، والدرر الكامنة: ٤/ ٢٥ - ٢٦، وشذرات الذهب: ٦/ ٢٢٩).
стр. 5
ابن البخاري (١) ، وغيرهم.
ثمّ واصل والده رحلته إلى بيت المقدس فأحضر ولده على الإمام المسند برهان الدّين الزّيتاويّ (٢) ، ومحمّد بن حامد (٣) وغيرهما.
وكان والده قد استحصل له إجازة عدد من العلماء الشّاميّين في وقت منهم: علاء الدين العرضيّ (٤) ، وابن الجوخيّ (٥) ، وابن شيخ الدّولة (٦) في آخرين.
ولمّا عاد من هذه الرّحلة برفقة والده إلى القاهرة، سارع إلى حفظ
_________
(١) الشّيخة المسندة ستّ العرب بنت محمّد ابن فخر الدّين عليّ بن أحمد ابن البخاريّ المقدسيّة الصّالحيّة، توفيت سنة ٧٦٧ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٦٧ هـ، والدرر الكامنة: ٢/ ٢٢٠، والقلائد الجوهرية: ٢/ ٣٠٧).
(٢) المسند المعمّر برهان الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن أحمد الزّيتاويّ النّابلسيّ المتوفى سنة ٧٧٢ هـ (وفيات ابن رافع: ٢/الترجمة ٩١٨، والذيل على العبر: وفيات سنة ٧٧٢، والدرر الكامنة: ١/ ٣٠).
(٣) شمس الدّين أبو عبد الله محمّد بن حامد بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسيّ الشّافعيّ المتوفى سنة ٧٨٢ هـ (الدرر الكامنة: ٤/ ٣٧، والأنس الجليل: ٢/ ١٢٦).
(٤) المسند المكثر علاء الدّين أبو الحسن عليّ بن أحمد بن محمّد بن صالح العرضيّ الدّمشقيّ المتوفى سنة ٧٦٤ هـ (وفيات ابن رافع: ٢/الترجمة ٧٨٥، وتاريخ ابن قاضي شهبة، ١/الورقة ١٧٠ ب، والدرر الكامنة: ٣/ ٨٨).
(٥) المسند بدر الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن أحمد بن محمود الدّمشقيّ المعروف بابن الزّقّاق وبابن الجوخيّ المتوفى سنة ٧٦٤ هـ (البداية والنهاية: ١٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣، والذيل على العبر: وفيات سنة ٧٦٤ هـ، والسلوك: ٣/ ١/٨٩).
(٦) شرف الدّين أبو حفص عمر بن علي بن أبي بكر بن الحسن السّيوطيّ المعروف بابن شيخ الدّولة المتوفى سنة ٧٦٩ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٦٩ هـ، والدرر الكامنة: ٣/ ٢٥٧).
стр. 6
القرآن الكريم، وحفظ عددا من المختصرات والمتون في فنون شتّى، ثمّ بادر فطلب بنفسه واجتهد في استيفاء شيوخ الدّيار المصريّة؛ وأخذ عمّن دبّ ودرج (١) ، وكان من أبرز شيوخه: أبو البقاء السّبكيّ (٢) ، والبهاء ابن خليل (٣) ، والحراويّ (٤) ، والبهاء ابن المفسّر (٥) ، وجويرية (٦) ، والباجيّ (٧) ، وغيرهم.
ولمّا دخلت سنة ثمان وستّين وسبع مئة رحل إلى مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة مع أبيه، وكان قد رافقهما في هذه الرّحلة الإمام الشّيخ شهاب الدّين أحمد بن لؤلؤ ابن النّقيب (٨) ، فخرجوا من القاهرة إلى المدينة
_________
(١) الضوء اللامع: ١/ ٣٣٧.
(٢) بهاء الدّين أبو البقاء محمّد بن عبد البرّ بن يحيى بن عليّ بن تمّام الأنصاريّ السّبكيّ المتوفى سنة ٧٧٧ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٧٧ هـ، والدرر الكامنة: ٤/ ١٠٩ - ١١٠، وبغية الوعاة: ١/ ١٥٢).
(٣) بهاء الدّين أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن أبي بكر بن خليل الأمويّ العثمانيّ المتوفى سنة ٧٧٧ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٧٧ هـ، وإنباء الغمر: ١/ ١٦٨ - ١٧١، وحسن المحاضرة: ١/ ٣٥٩).
(٤) المسند المعمّر ناصر الدّين محمّد بن عليّ بن يوسف بن إدريس الكرديّ الحراويّ المتوفى سنة ٧٨١ هـ (الذيل على العر: وفيات سنة ٧٨١ هـ، والدرر الكامنة: ٤/ ٢١٦، والنجوم الزاهرة: ١١/ ٢٠٠).
(٥) بهاء الدّين محمّد بن محمّد بن محمّد بن محمّد بن عبد الواحد الأرتاحيّ المصريّ المعروف بالمفسّر المتوفى سنة ٧٧٨ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٧٨ هـ، وإنباء الغمر: ١/ ٢٢٥، وتاريخ ابن قاضي شهبة، ١/الورقة ٢٤٣ أ).
(٦) الشّيخة الصّالحة جويرية بنت أحمد بن موسى الهكّاريّة توفّيت سنة ٧٨٣ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٨٣ هـ، والسلوك: ٣/ ٢/٤٦، وإنباء الغمر: ٢/ ٦٨ - ٦٩).
(٧) جمال الدّين عبد الله بن عليّ بن محمّد بن عبد الرّحمن بن خطّاب الباجيّ المتوفى سنة ٧٨٨ هـ (إنباء الغمر: ٢/ ٢٣٦، والدرر الكامنة: ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤).
(٨) توفي سنة ٧٦٩ هـ، وقد سمع عليه الحافظ وليّ الدّين كثيرا وانتفع بصحبته. -
стр. 7
النّبويّة، فسمع بها وليّ الدّين على البدر ابن فرحون (١) وأقاموا بها مدّة، ثمّ واصلوا السّير إلى مكّة المكرّمة فسمع بها على أبي الفضل النّويريّ (٢) ، ومحمّد بن عبد المعطي (٣) ، وأحمد بن سالم بن ياقوت (٤) وأمّ الحسن فاطمة بنت أحمد الحرازيّ (٥) ، والعفيف النّشاوريّ (٦) والكمال محمّد بن حبيب (٧) والبهاء ابن عقيل النّحويّ (٨) وخلق سواهم.
_________
= (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٦٩ هـ).
(١) بدر الدّين أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن أبي القاسم فرحون بن محمّد بن فرحون اليعمريّ الأندلسيّ المدنيّ المتوفى سنة ٧٦٩ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٦٩ هـ، والدرر الكامنة: ٢/ ٤٠٦، والتحفة اللطيفة: ٣/ ٥٣).
(٢) كمال الدّين أبو الفضل محمّد بن أحمد بن عبد العزيز العقيليّ النّويريّ الشّافعيّ المتوفى سنة ٧٨٦ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٨٦ هـ، وإنباء الغمر: ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، والنجوم الزاهرة: ١١/ ٣٠٣).
(٣) المسند المعمّر جمال الدّين أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن عبد الله بن عبد المعطي الانصاريّ المكيّ المتوفى سنة ٧٧٦ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٧٦ هـ، وتاريخ ابن قاضي شهبة، ١/الورقة ٢٢٥ ب-٢٢٦ أ، ولحظ الألحاظ: ١٦٤).
(٤) أبو العبّاس أحمد بن سالم بن ياقوت المكّيّ المتوفى سنة ٧٧٨ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٧٨ هـ، وإنباء الغمر: ١/ ٢٠١، وشذرات الذهب: ٦/ ٢٥٥).
(٥) الشّيخة الصّالحة أمّ الحسن فاطمة بنت أحمد بن قاسم بن عبد الرّحمن الحرازيّ المكّيّة توفّيت سنة ٧٨٣ هـ (الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٨٣ هـ، وإنباء الغمر: ٢/ ٧٧، وشذرات الذهب: ٦/ ٢٨٠).
(٦) عفيف الدّين عبد الله بن محمّد بن محمّد بن سليمان النّيسابوريّ الأصل ثم المكيّ المعروف بالنّشاوريّ المتوفى سنة ٧٩٠ هـ (إنباء الغمر: ٢/ ٣٠٠ - ٣٠١، والدرر الكامنة: ٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨، وشذرات الذهب: ٦/ ٣١٣).
(٧) المسند الأصيل كمال الدين محمّد بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب الحلبيّ المتوفى سنة ٧٧٧ هـ (السلوك: ٣/ ١/٢٦٠، والدرر الكامنة: ٤/ ٢٢٢، وشذرات الذهب: ٦/ ٢٥٥).
(٨) بهاء الدّين أبو محمّد عبد الله بن عبد الرّحمن بن عقيل الآمديّ المصريّ النّحويّ-
стр. 8
ثمّ عاود الرّحلة إلى الشّام ثانيا، وذلك بعد سنة ثمانين وسبع مئة بصحبة رفيق والده وصديقه الحميم الحافظ نور الدّين الهيثميّ (١) ، وعند وصولهما الشّام كانت تلك الطّبقة من العلماء التي سمع عليها أوّل مرّة -أعني سنة ٧٦٥ هـ-قد اختارهم الله تعالى إلى جواره فأخذ عن الموجودين من علماء دمشق منهم الحافظ أبو بكر ابن المحبّ (٢) وناصر الدّين ابن حمزة (٣) وغيرهما.
وفي سنة اثنتين وعشرين وثمان مئة رحل وليّ الدّين إلى مكّة المكرّمة لأداء فريضة الحجّ؛ ولكنّه كان في هذه الرّحلة أستاذا لا طالبا، كما هو شأنه في الرّحلات السّابقة، فقد كان في قمّة نضوجه الفكري والعلمي فأملى في مكّة المكرّمة والمدينة النبويّة عدّة مجالس حضرها جمع كبير من العلماء والطّلبة.
وفي الحقيقة أن الإمام وليّ الدين من العلماء الذين عرفوا بكثرة السّماع والشّيوخ والاختلاف إلى دور العلم وحلقات الدّروس، وما أصدق ما وصفه به السّخاويّ حين قال: «وأخذ عمّن دبّ ودرج» من حيث كثرة المسموعات والشّيوخ، إلاّ أنّه في الوقت نفسه لازم وليّ الدّين عددا من
_________
= المتوفى سنة ٧٦٩ هـ (طبقات الشافعية للإسنوي: ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠، وغاية النهاية: ١/ ٤٢٨، والسلوك: ٣/ ١/١٦٥).
(١) الحافظ نور الدّين أبو الحسن عليّ بن أبي بكر بن سليمان بن عمر الهيثميّ المتوفى سنة ٨٠٧ هـ (إنباء الغمر: ٢/ ٣٠٧، وطبقات الحفاظ: ٥٤١).
(٢) الحافظ شمس الدين أبو بكر محمّد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله المقدسيّ الحنبليّ المتوفى سنة ٧٨٩ هـ (غاية النهاية: ٢/ ١٧٤، وإنباء الغمر: ١/ ٣٤٣، وطبقات الحفاظ: ٥٣٥).
(٣) الحافظ ناصر الدّين أبو عبد الله محمّد بن عبد الرّحمن بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة المقدسيّ الصّالحيّ المتوفى سنة ٨٠٣ هـ (إنباء الغمر: ٤/ ٣٢٥ - ٣٢٦، والضوء اللامع: ٧/ ٣٠٠).
стр. 9
العلماء المتميّزين في فنون شتّى مدّة طويلة حتّى عرف بملازمته لهم، وتخرّجه بهم، منهم:
١ - والده الحافظ زين الدّين عبد الرّحيم العراقي (ت ٨٠٦ هـ).
٢ - الفقيه شهاب الدّين أحمد بن لؤلؤ ابن النّقيب (ت ٧٦٩ هـ).
٣ - جمال الدّين عبد الرّحيم بن الحسن الإسنويّ (ت ٧٧٢ هـ).
٤ - جمال الدّين محمّد بن أحمد بن عبد المعطي المكّيّ (ت ٧٧٦ هـ).
٥ - شيخ النّحاة أحمد بن عبد الرّحيم التّونسيّ (ت ٧٧٨ هـ).
٦ - ضياء الدّين عبيد الله العفيفيّ القزوينيّ (ت ٧٨٠ هـ).
٧ - برهان الدّين إبراهيم بن موسى الأبناسيّ (ت ٨٠٢ هـ).
٨ - سراج الدّين عمر بن عليّ الأنصاريّ ابن الملقّن (ت ٨٠٤ هـ).
٩ - سراج الدّين عمر بن رسلان بن نصير البلقينيّ (ت ٨٠٥ هـ).
١٠ - الحافظ نور الدّين عليّ بن أبي بكر الهيثميّ (ت ٨٠٧ هـ).
وكان لهذه الملازمة أثرها في نفس وليّ الدّين فمال إلى الحديث والفقه وأصوله وصنّف الكثير فيها، وشارك أيضا مشاركة حسنة في علوم أخرى.
مكانته العلمية
ممّا لا شكّ فيه أن المنزلة العلميّة والمكانة الاجتماعيّة التي تبوأها والده الحافظ زين الدّين من جهة، وعنايته الشديدة بولده ورعايته له من جهة أخرى، كان لهما الأثر الواضح في تكوين شخصية وليّ الدّين العلميّة، ونبوغه مبكّرا ممّا جعله يحتل مكانة رفيعة بين أقرانه وعلماء عصره، لذا فقد برع في فنون شتّى من العلوم نال بها إعجاب شيوخه
стр. 10
واعتمادهم عليه في الإفتاء والتّدريس وهو ما يزال في سن الشّباب. واستمر يتعاظم شأنه ويتوقّد ذكاؤه حتّى علا شأنه، وذاع صيته، واشتهر بفضله ونباهته.
وليس غريبا أن تجد كتب التّراجم طافحة في الثّناء عليه والإشادة بعلمه بنصوص كثيرة من أقوال رفاقه ومعاصريه وتلامذته، فقد وصفه تلميذه تقيّ الدّين الفاسيّ بقوله: «وهو أكثر فقهاء عصرنا هذا حفظا للفقه وتعليقا له وتخريجا، وفتاويه على كثرتها مستحسنة ومعرفته للتفسير والعربيّة والأصول متقنة. وأمّا الحديث فأوتي فيه حسن الرّواية وعظيم الدّراية في فنونه» (١) . وأشاد ابن تغري بردي بعلمه فقال: «كان إماما فقيها، عالما حافظا، محدّثا، أصوليّا، محقّقا، واسع الفضل، غزير العلم، كثير الاشتغال والإشغال» (٢) . ومدحه ابن حجر فقال: «الإمام الحافظ شيخ الإسلام. . . اشتغل في الفقه، والعربيّة، والمعاني والبيان. . . وأقبل على التّصنيف فصنّف أشياء لطيفة في فنون الحديث» (٣) . وأثنى عليه الدّاووديّ فقال: «ويرع في الفنون، وكان إماما محدّثا، حافظا فقيها، محقّقا، أصوليّا صالحا، له الخبرة التّامّة بالتّفسير، والعربيّة» (٤) . وقال فيه بدر الدّين العينيّ: «كان عالما فاضلا، له تصانيف في الأصول، والفروع، وفي شرح الأحاديث، ويد طولى في الإفتاء. وكان آخر الأئمّة الشّافعيّة بالدّيار المصريّة» (٥) .
إلى غيرها من النّصوص التي أوردها أصحابها في مصادر ترجمته، وكلّها إشادة بعلمه، وطيب سمعته واعتزاز بتصانيفه القيّمة (٦) .
_________
(١) ذيل التقييد، الورقة ١٠٨ ب.
(٢) المنهل الصافي: ١/ ٣١٤.
(٣) إنباء الغمر: ٨/ ٢١، ٢٢.
(٤) طبقات المفسرين: ١/ ٥٠.
(٥) الضوء اللامع: ١/ ٣٤١.
(٦) وانظر أيضا من مصادر ترجمته: بهجة الناظرين، ولحظ الألحاظ، وحسن المحاضرة، وطبقات الحفاظ للسيوطي، وبدائع الزهور، وشذرات الذهب، والبدر الطالع.
стр. 11
قوّة حفظه وحدّة ذكائه
تميّز وليّ الدّين بقوة الحافظة، والذّكاء المفرط، والنّبوغ المبكّر، فقد أجمع المؤرّخون على أنّه من أحفظ أهل زمانه للحديث، وأتقنهم لروايته، وأعلمهم بأسانيده؛ وهذا ما أهّله للتّدريس والإفتاء في حياة والده وشيوخه، وهذا الذّكاء المتميّز هو الذي جعل والده يكتب له على بعض مسموعاته:
«أنّه سامع فيما حضره ببلاد الشّام» (١) لما رأى فيه من الفطنة الكثيرة مع كونه كان في السّنة الثّالثة من عمره! ، وقد جعله والده أيضا ثاني اثنين يرجع إليهما بعده في علم الحديث (٢) . ومن أجل هذا فقد وصفه السّخاويّ بقوله: «وكان في تقريره للعلم كأنّه خطيب: فصاحة، وطلاقة، وإعرابا.
بل لو رام شخص كتابة ذلك تمكّن منها إن كان سريعها» (٣) . وأثنى عليه ابن قاضي شهبة بقوله: «والجمع في حلقته متوفّر، وأكثر أيّامه يشتغل ويشغل. وتصنيفه ودروسه من محاسن الدّروس يجري فيها بدون تلعثم ولا توقّف» (٤) . وأشاد به تقيّ الدّين ابن فهد فقال: «وصار يزداد فضلا مع ذكائه وتواضعه. . .» (٥) . وقال السّخاويّ أيضا: «واستمر يترقّى لمزيد ذكائه حتّى ساد وأبدى، وأعاد» (٦) .
وغير ذلك من أقوال المؤرّخين التي تدلّ دلالة قاطعة على قوّة حفظه، وحدّة ذكائه، وتفوّقه على أقرانه.
_________
(١) ذيل التقييد، الورقة ١٠٨ ب، والضوء اللامع: ١/ ٣٤١.
(٢) الضوء اللامع: ١/ ٣٤١ وقد جعل والده الأول ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ.
(٣) الضوء اللامع: ١/ ٣٤١.
(٤) طبقات الشافعية له، الورقة ١٥٣ أ-ب، والضوء اللامع: ١/ ٣٤١.
(٥) لحظ الألحاظ: ٢٨٧.
(٦) الضوء اللامع: ١/ ٣٣٨.
стр. 12
مكانته الاجتماعيّة
إلى جانب المكانة العلميّة المتميّزة التي تمتّع بها وليّ الدّين، كانت له مكانة اجتماعيّة مرموقة في نفوس معاصريه وتلامذته وكلّ من عرفه أو ارتبط معه بوشيجة من علم أو عمل، فقد أثنى عليه مترجموه ووصفوه بكثير من عبارات المدح والثّناء والتّخلّق بجميل الصّفات، والإكثار من النّصح لأصحابه، والصّبر على الإسماع من غير ملل ولا ضجر، والبشر والبشاشة لمن يقصده.
هذا إلى جانب الإشادة بأخلاقه، وفضله، وأمانته، وعفّته، وزهده، وورعه، وديانته. والحقّ كذلك فقد كان-﵀-عالما فاضلا، جليل القدر، عظيم الشّأن، على جانب كبير من حسن الخلق والخلق، وشرف النّفس والتّواضع، فقد أثنى عليه السّخاويّ بقوله: «واشتهر بفضله، وبهر عقله، مع حسن خلقه وخلقه، ونور خطّه، ومتين ضبطه، وشرف نفسه، وتواضعه، وشدّة انجماعه، وصيانته، وديانته، وأمانته، وعفّته، وطيب نغمته، وضيق حاله، وكثرة عياله» (١) . وذكره أيضا في موضع آخر فقال:
«وكان يحضّ أصحابه على الاهتمام بإجابة من يلتمس منهم الشّفاعة عنده عملا بالسّنّة، وليكون لهم عند المسؤول له بذلك أياد، وقام جماعة عليه حتى ألزموه بتفصيل الرّفيع من الثّياب، وقرّروا له أنّ في ذلك قوّة للشّرع، وتعظيما للقائم به، وإلا فلم يكن عزمه التّحوّل عن جنس لباسه قبله» (٢) .
ومدحه ابن تغري بردي فقال: «وكان ذا شكالة حسنة، منوّر الشّيبة، مدوّر اللّحية، متواضعا، عذب اللّفظ، قليل الكلام إلاّ فيما يعنيه، ديّنا، خيّرا، مشكور السّيرة، عفيفا» (٣) . وأشاد به ابن حجر فقال: «وكان من خير أهل
_________
(١) الضوء اللامع: ١/ ٣٣٨.
(٢) الضوء اللامع: ١/ ٣٣٩.
(٣) المنهل الصافي: ١/ ٣١٤.
стр. 13
عصره بشاشة، وصلابة في الحكم، وقياما في الحقّ، وطلاقة وجه، وحسن خلق، وطيب عشرة» (١) . وقال فيه البرهان الحلبيّ: «هو عالم نشأ نشأة حسنة في غاية من اللّطافة والحشمة، وحسن الخلق والخلق، كثير الإشغال والاشتغال من أوّل عمره إلى آخره» (٢) . ووصفه تقيّ الدّين ابن فهد فقال: «واشتهر بالفضل مع الدّين المتين، والانجماع، وحسن الخلق والخلق قلّ أن ترى العيون مثله» (٣) .
وقد صدقوا فيما قالوا، فلم أر أحدا ممّن ترجم له أو تعرّض لسيرته نال منه في شيء من أمور دينه أو دنياه، أو شكّ في نزاهة أحكامه وعفّته طوال مدّة تولّيه القضاء.
مناصبه التّدريسيّة
مارس وليّ الدّين التّدريس في عدد من مدارس القاهرة ودور العلم فيها لما عرف عنه من سعة علم، وذكاء مفرط، وبراعة منقطعة النّظير أهّلته لتولّي تلك المناصب التي يصعب على الكثير من أقرانه الوصول إليها، وبخاصة إذا علمت أنّه درّس (٤) منذ شبابه في حياة والده وشيوخه. وقد ذكرت مصادر (٥) ترجمته عددا من المدارس التي تولّى وليّ الدّين مهام التّدريس فيها وهي: -
_________
(١) إنباء الغمر: ٨/ ٢٢.
(٢) الضوء اللامع: ١/ ٣٤١.
(٣) لحظ الألحاظ: ٢٨٧.
(٤) لقد ظهرت براعة وليّ الدّين الفائقة في التدريس من أول وهلة فبهرت أنظار الطلبة والحاضرين وكان من بينهم والده، فأنشد والده فيه: دروس أحمد خير من دروس أبه وذاك عند أبيه منتهى إربه
(٥) انظر مثلا: ذيل التقييد، وإنباء الغمر، ورفع الإصر، والضوء اللامع.
стр. 14
١ - المدرسة الظّاهرية البيبرسيّة: -
هذه المدرسة بالقاهرة من جملة خطّ بين القصرين، كان موضعها من القصر الكبير يعرف بقاعة الخيّم، بناها الملك الظّاهر بيبرس البندقداري، وفرغ من عمارتها سنة ٦٦٢ هـ، وجلس أهل الدّروس كلّ طائفة في إيوان (فقهاء المذاهب الأربعة) وأهل الحديث بالإيوان الشرقي، والقراء بالقراءات السبع في الإيوان الغربي. (انظر: المواعظ والاعتبار:
٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩) وقد درس وليّ الدين الحديث الشريف في هذه المدرسة.
٢ - المدرسة القانبيهيّة: -
هذه المدرسة بالقاهرة مجاورة لمدرسة شيخون أنشأها قانباي الدّوادار المؤيدي. (ذيل رفع الإصر:١٦١). وقد درس الحافظ الحديث الشريف في هذه المدرسة.
٣ - المدرسة القراسنقرية: -
تقع هذه المدرسة تجاه خانقاه سعيد السعداء فيما بين رحبة باب العيد وباب النصر من القاهرة، أنشأها الأمير شمس الدين قراسنقر بن عبد الله المنصوري سنة ٧٠٠ هـ، وبنى بجوار بابها مسجدا معلقا ومكتبا لإقراء أيتام المسلمين كتاب الله العزيز، وجعل بهذه المدرسة درسا للفقهاء. (انظر:
المواعظ والاعتبار:٢/ ٣٨٨ - ٣٩٠) وقد درس وليّ الدين الحديث الشريف في هذه المدرسة.
٤ - جامع ابن طولون: -
يقع هذا الجامع بموضع يعرف بجبل يشكر من القاهرة، وابتدأ في بنائه الأمير أبو العباس أحمد بن طولون بعد بناء القطائع في سنة ٢٦٣ هـ.
وقد جدده الملك العادل لاجين في مطلع المئة الثامنة تقريبا ورتب فيه
стр. 15
دروسا لإلقاء الفقه على المذاهب الأربعة ودرسا يلقى فيه تفسير القرآن الكريم، ودرسا لحديث النبي ﷺ ، ودرسا للطب. . . (المواعظ والاعتبار:
٢/ ٢٦٥ - ٢٦٩). وقد درس الحافظ الحديث الشريف في هذا الجامع.
٥ - المدرسة الجمالية الناصرية: -
هذه المدرسة برحبة باب العيد من القاهرة أنشأها الأمير جمال الدين الاستادار، ورتب فيها الفقهاء من المذاهب الأربعة، وأجلس الشيخ همام الدين محمد بن أحمد الخوارزميّ الشافعيّ على سجادة المشيخة وجعله شيخ التصوف ومدرس الشافعية. . . ثم صارت هذه المدرسة تعرف بالناصرية بعد ما كان يقال لها الجمالية. (انظر: المواعظ والاعتبار:
٢/ ٤٠١ - ٤٠٣). وقد درس الحافظ الفقه في هذه المدرسة وتولى مشيخة التصوف فيها.
٦ - المدرسة الفاضلية: -
هذه المدرسة بدرب ملوخيا من القاهرة بناها القاضي الفاضل عبد الرحيم بن عليّ البيساني بجوار داره في سنة ثمانين وخمس مئة ووقفها على طائفتي الفقهاء الشافعية والمالكية وجعل فيها قاعة للإقراء (المواعظ والاعتبار:٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧) وقد درس الحافظ الفقه في هذه المدرسة.
٧ - مسجد علم دار: -
لعله من الآثار الحسنة التي قام بها علم دار بن عبد الله الناصريّ، أحد أعيان أمراء الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكانت وفاته سنة ٧٩١ هـ (السلوك:٣/ ٢/٦٨٧، وإنباء الغمر:٢/ ٣٧٣). ودرّس الحافظ الفقه في هذا الجامع.
٨ - دار الحديث الكامليّة: -
هذه المدرسة بخط بين القصرين من القاهرة، وتعرف أيضا بالمدرسة
стр. 16
الكاملية، أنشأها السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك العادل أبي بكر الأيوبي سنة ٦٢٢ هـ ووقفها على المشتغلين بالحديث النبوي الشريف ثم من بعدهم على الفقهاء الشافعية (انظر: المواعظ والاعتبار: ٢/ ٣٧٥ - ٣٧٨).
كانت هذه المدرسة من جملة الجهات التي يقوم بها الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي والد الحافظ وليّ الدين فعند توليه قضاء المدينة النبوية وخطابتها عهد بها مع جميع جهاته إلى ولده الحافظ وليّ الدين، ولكن سرعان ما وثب عليه سراج الدين عمر ابن الملقن فانتزعها من الحافظ وليّ الدين خاصة دون غيرها. وتحرك وليّ الدين لمعارضته فتدخل شيخاه برهان الدين الأبناسيّ وسراج الدين البلقيني في الأمر لصالح ابن الملقن؛ فسكت، وطار بكل ذلك ذكره، وسار فيه فخره (١) .
٩ - مجالس الإملاء: -
جلس وليّ الدين للإملاء في أماكن متعددة من الديار المصرية، وخصوصا بعد وفاة والده الحافظ زين الدين فابتدأ بمجالسه في شوال سنة عشر وثمان مئة، فأحيا الله به نوعا من العلوم كما أحياه قبل بأبيه (٢) .
ثم قصد الحجاز لأداء فريضة الحج في سنة اثنتين وعشرين وثمان مئة، فأملى مجلسا في المسجد الحرام بمكة المكرمة، وابتدأ المجلس بحديث «المسلسل بالأولية» مع فوائد تتعلق به حضره الأئمة من المكيين وغيرهم (٣) .
_________
(١) انظر تفاصيل الحادثة في: الضوء اللامع: ١/ ٣٣٨.
(٢) معجم شيوخ ابن حجر نقلا من الضوء اللامع: ١/ ٣٤٠.
(٣) الضوء اللامع: ١/ ٣٣٩، وذيل التقييد، الورقة ١٠٨ أ، وقد ذكر سماعه لهذا المجلس على الحافظ.
стр. 17
قال تلميذه التقيّ ابن فهد (١) : «فسمعت عليه المجلس الأول من أماليه إملاء واستمليت عليه وقرأت أحاديث عشاريات انتقاها الإمام رضوان من أماليه» (٢) .
وأملى أيضا مجلسا آخر في المسجد الحرام كان المستملي فيه زين الدين رضوان بن محمد العقبيّ (٣) .
ثم قصد المدينة النبوية الشريفة فأملى مجلسين بالمسجد النبوي الشريف كان الأول باستملاء الزين رضوان، والثاني باستملاء شرف الدين يحيى بن محمد المناوي (٤) .
١٠ - مجالس التحديث: -
مال الحافظ وليّ الدين بطبعه إلى الحديث الشريف فأحبه وصنّف فيه كثيرا وكان كثير التنقل في ضواحي القاهرة وغيرها من مدن الديار المصرية، فما إن حل في بلد حتى سارع إلى عقد مجلس التحديث فيه، فقد حدث في: انبابة وساقية مكة من الجيزة والجزيرة الوسطى والمكان المعروف
_________
(١) لحظ الألحاظ: ٢٨٨.
(٢) وقال أيضا: «حدّثنا الإمام الحافظ وليّ الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين المصري وقرأته عليه استملاء في يوم الجمعة الرابع من ذي الحجة الحرام سنة اثنتين وعشرين وثمان مئة في المسجد الحرام لما قدم علينا حاجّا قال أخبرنا الحافظ. . .» وذكر له حديثا. (لحظ الألحاظ: ٢٨٩ - ٢٩٠).
(٣) الضوء اللامع: ١/ ٣٣٩.
(٤) المصدر نفسه. وقد بلغت مجالس الحافظ وليّ الدّين التي أملاها ست مئة مجلسا، وقد ذكر السخاوي في ترجمة القاضي بدر الدين محمّد بن محمد بن عبد المنعم البغدادي وهو تلميذ الحافظ وليّ الدين ما نصه: وأخذ عن شيخنا [ابن حجر] ومن قبله عن «الولي العراقي» ورأيت الولي كتب بآخر المجلس السادس والثمانين بعد الخمسمائة من أماليه الذي كان إملائه في ثامن عشري جمادى الآخرة سنة ست وعشرين [وثمان مئة] ما نصه: . . . (ذيل رفع الإصر: ٣٥٠).
стр. 18
بالسبع وجوه وطنان وغيرها من القليوبية، ومنوف، بل وحدث ببعض مناهل الحجاز كالينبوع (١) .
مناصبه القضائيّة
١ - نيابة القضاء: -
ناب وليّ الدين في القضاء عن عماد الدين أحمد بن عيسى الكركي في سنة نيّف وتسعين وسبع مئة فمن بعده، واستمر في هذه النيابة نحو عشرين سنة، ثم ترفع عن ذلك وفرغ نفسه للإفتاء والتدريس والتصنيف (٢) .
٢ - قضاء منوف: -
أسند إليه قضاء منوف وعملها، وغير ذلك (٣) .
٣ - قاضي القضاة بالديار المصرية: -
تولى الحافظ هذا المنصب في منتصف شوال سنة ٨٢٤ هـ، حيث اختاره الملك الظاهر ططر بعد وفاة قاضي القضاة جلال الدّين البلقيني بأربعة أيام، وسار فيه سيرة حسنة، حتى صرف عنه لأمور أوجبت ذلك، وقد توسعنا في الكلام عليها في محنته ووفاته من هذه الدراسة.
_________
(١) قال السخاوي في ترجمة القاضي شرف الدين يحيى بن محمد بن مخلوف المناوي وهو تلميذ الحافظ وليّ الدين ما نصه: «وسمع عليه [يعني وليّ الدّين العراقيّ] من الكتب والأجزاء ونحوها أشياء حتى أخذ عنه ببعض النواحي كانبابة والجزيرة الوسطى والمكان المعروف بالسبع وجوه والمنوفية وغيرها. وكذا ببعض مناهل الحجاز كالينبوع وشبهها على ما سمعته منه ثم رأيته في الطباق. (ذيل رفع الإصر: ٤٤٢، والضوء اللامع: ١/ ٣٤٢).
(٢) ذيل التقييد، الورقة ١٠٨ ب، وإنباء الغمر: ٨/ ٢٢، والمنهل الصافي: ١/ ٣١٣، والضوء اللامع: ١/ ٣٣٩، وحسن المحاضرة: ١/ ٣٦٣.
(٣) الضوء اللامع: ١/ ٣٣٩.
стр. 19
مشيخة التصوف: -
تولى الحافظ مشيخة التصوف (١) بالمدرسة الجمالية الناصرية عقب وفاة الشيخ همام الدّين محمد بن أحمد الخوارزميّ الشافعيّ، وهي وظيفة جليلة يقوم متوليها بالإشراف على رجال الطرق الصوفية، وهي ترادف وظيفة «شيخ الشيوخ» ببلاد الشام (٢) .
تلاميذه
لما اشتهر الحافظ وليّ الدين وذاع صيته بين الناس، وبلغت سمعته أرجاء البلاد المصرية فأصبح ملحوظا من طلبة العلم ورواد المعرفة فسارعوا بالرحلة إليه والأخذ عنه والسماع عليه. وقد حفظت لنا مصادر ترجمته عددا من أسماء تلامذته، واستطعنا الوقوف على عدد آخر منهم بالرجوع إلى كتب التراجم رتبناهم على سني وفياتهم وأشرنا إلى المصادر التي ذكرت سماعهم عليه أو تخرجهم به في علم الأصول والفقه والحديث وغيرها من العلوم التي تميز بها الحافظ، وهم: -
١ - شرف الدين يعقوب المغربي المالكي المتوفى سنة ٧٨٣ هـ (٣) .
٢ - تقيّ الدين أبو الطيب محمد بن أحمد بن علي الحسني الفاسي المكي (ت ٨٣٢ هـ) (٤) .
٣ - شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد المناوي الجوهري الشافعي (ت ٨٤٠ هـ) (٥) .
_________
(١) ذيل التقييد، الورقة ١٠٨ ب، وإنباء الغمر: ٨/ ٢٢، والضوء اللامع: ١/ ٣٣٩.
(٢) صبح الأعشى: ٦/ ٣٨ و ٨/ ١٧٢، ١٧٥، ١٨٩.
(٣) الذيل على العبر: وفيات سنة ٧٨٣ هـ، والضوء اللامع: ١/ ٣٤٢.
(٤) ذيل التقييد، الورقة ١٠٨ أ.
(٥) شذرات الذهب: ٧/ ٢٣٦.
стр. 20
٤ - القاضي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن يعقوب القاياني المصري (ت ٨٥٠ هـ) (١) .
٥ - زين الدين أبو النعيم رضوان بن محمد بن يوسف بن سلامة العقبي (ت ٨٥٢ هـ) (٢) .
٦ - القاضي بدر الدين أبو الإخلاص محمد بن أحمد بن محمد القرشي الإسكندري المعروف بابن التنسي (ت ١٣ صفر ٨٥٣ هـ) (٣) .
٧ - زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن يحيى السندبيسي النحوي (ت ١٧ صفر ٨٥٣ هـ) (٤) .
٨ - كمال الدين محمد بن محمد بن عثمان بن محمد الجهني الأنصاري الحموي (ت ٨٥٦ هـ) (٥) .
٩ - القاضي بدر الدين أبو المحاسن محمد بن محمد بن عبد المنعم البغدادي القاهري الحنبلي (ت ٨٥٧ هـ) (٦) .
١٠ - عز الدين عبد السلام بن أحمد بن عبد المنعم بن أحمد القيلوي البغدادي الحنفي (ت ٨٥٩ هـ) (٧) .
١١ - القاضي وليّ الدين أبو البقاء محمد بن محمد بن عبد اللطيف السنباطي القاهري المالكي (ت ١٩ رجب ٨٦١ هـ) (٨)
١٢ - كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسي الإسكندري ابن الهمام (ت ٧ رمضان ٨٦١ هـ) (٩) .
_________
(١) ذيل رفع الإصر: ٢٧٨ - ٢٩٥.
(٢) لحظ الألحاظ: ٣٤٣.
(٣) ذيل رفع الإصر: ٢٣٩ - ٢٤٥.
(٤) شذرات الذهب: ٧/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٥) شذرات الذهب: ٧/ ٢٩٠.
(٦) ذيل رفع الإصر: ٣٤٩ - ٣٥٥.
(٧) شذرات الذهب: ٧/ ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٨) ذيل رفع الإصر: ٣٤٤ - ٣٤٨.
(٩) شذرات الذهب: ٧/ ٢٩٨ - ٢٩٩.
стр. 21
١٣ - علم الدين أبو التقى صالح بن عمر بن رسلان بن نصير الكناني العسقلاني البلقيني (ت ٨٦٨ هـ) (١) .
١٤ - الحافظ تقيّ الدين أبو الفضل محمد بن محمد بن محمد بن فهد القرشي الهاشمي المكي (ت ٧ ربيع الأول ٨٧١ هـ) (٢) .
١٥ - شرف الدين أبو زكريا يحيى بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن مخلوف المناوي المصري الشافعي (ت ٢ جمادى الآخرة ٨٧١ هـ) (٣) .
١٦ - تقيّ الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي الشمني القسطنطيني الحنفي (ت ٨٧٢ هـ) (٤) .
١٧ - القاضي حسام الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن حريز الحسيني المنفلوطي المعروف بابن حريز (ت ٨٧٣ هـ) (٥) .
١٨ - القاضي صلاح الدين أحمد بن محمد بن بركوت الحبشي الأصل المكيني (ت ٨٨١ هـ) (٦) .
١٩ - القاضي شهاب الدين محمد بن أحمد بن حسن بن إسماعيل الكحكاوي العينتابي الحنفي (ت ٨٨٥ هـ) (٧) .
٢٠ - القاضي عز الدين أبو البركات أحمد بن إبراهيم بن نصر الله بن
_________
(١) ذيل رفع الإصر: ١٥٥ - ١٨٤.
(٢) لحظ الألحاظ: ٢٨٨ - ٢٨٩.
(٣) شذرات الذهب: ٧/ ٣١٢.
(٤) شذرات الذهب: ٧/ ٣١٣ - ٣١٤.
(٥) ذيل رفع الإصر: ٢٥٨ - ٢٦٣.
(٦) ذيل رفع الإصر: ٩٤ - ١٠٤.
(٧) ذيل رفع الإصر: ٢٠٥ - ٢١٩.
стр. 22
أحمد الكناني العسقلاني (ت ٨٨٦ هـ) (١) .
٢١ - القاضي وليّ الدين أحمد بن أحمد بن عبد الخالق بن عبد المحيي الأسيوطي الشافعي (ت ٨٩١ هـ) (٢) .
محنته ووفاته
لا شك أن المكانة الاجتماعية المرموقة التي حازها الحافظ وليّ الدين، وما تبوأه من وظائف إدارية، ومناصب تدريسية عجز كثير من معاصريه عن نيلها أو تحقيق بعضها، خلقت حوله جملة من الحساد والمناوئين الذين ناصبوه العداوة والبغضاء، فقد ظهرت بوادر هذه الشحناء عند ما ولي الحافظ منصب قاضي القضاة بالديار المصرية بعد وفاة قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن عمر البلقيني نزولا عند رغبة السلطان الملك الظاهر ططر (٣) الذي رشحه لهذا المنصب، وذلك في منتصف شوال سنة أربع وعشرين وثمان مئة، مع وجود السعاة فيه بالبذل والعطاء لنيل هذا المنصب الرفيع واشترط على السلطان أنه لا يقبل شفاعة أمير في حكم! ، فسار في القضاء بعفة ونزاهة وصرامة، حتى تعصب عليه بعض أهل الدولة لعدالته، فعزل نفسه مختارا في سلطنة الملك الظاهر ططر، فلما علم بذلك استعطفه وأعاده إلى منصبه. حتى إذا مات الظاهر، بايع
_________
(١) ذيل رفع الإصر: ١٢ - ٦٢.
(٢) ذيل رفع الإصر: ٦٢ - ٧٥.
(٣) هو السلطان الملك الظاهر أبو الفتح ططر بن عبد الله الظاهري برقوق، سلطان الديار المصرية، كانت له معرفة ومشاركة في الفقه وغيره، وعنده طيش وخفة وجبروت، توفي في تاسع عشري شعبان سنة أربع وعشرين وثمان مئة. (الدليل الشافي: ١/ ٣٦٣، والنجوم الزاهرة: ١٤/ ١٩٨ - ٢١٠، والضوء اللامع: ٤/ ٧ - ٨).
стр. 23
وليّ الدين لولده الصالح محمد (١) بالسلطنة قبل انفصال السنة، ثم بايع بعده للأشرف برسباي (٢) في ثامن شهر ربيع الآخر من سنة خمس وعشرين وثمان مئة، واستمر في القضاء حتى خولف في أمر فمنع لأجله نوابه من الحكم في شوال سنة خمس وعشرين، فلما بلغ الأشرف برسباي ذلك استرضاه ووافقه على الأمر الذي كان غضب بسببه حتى كان ذلك سببا للتمادي والممالأة عليه في صرفه، فصرف من منصبه في سادس ذي الحجة سنة خمس وعشرين وثمان مئة لإقامته العدل وعدم محاباته لأحد من أجله وتصميمه في أمور لا يحتملها أهل الدولة حتى شق على كثيرين، وتمالؤوا عليه، فكانت مدة ولايته القضاء ثلاثة عشر شهرا وواحدا وعشرين يوما (٣) .
وكان من أبرز الذين ساعدوا على صرف وليّ الدين وأكثرهم تماديا وتعصبا عليه: قصروه أمير آخور (٤) ، وابن الكويز كاتب السر (٥) ، والعلاء ابن
_________
(١) هو السلطان الملك الصالح محمد ابن السلطان الملك الظاهر ططر، تولى السلطنة بعد موت أبيه وعمره نحو عشر سنين تقريبا، وخلع بالملك الأشرف برسباي في ثامن شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمان مئة، وتوفي بطاعون مصر في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وثمان مئة. (الدليل الشافي: ٢/ ٦٣٠، والضوء اللامع: ٧/ ٢٧٤).
(٢) هو الملك الأشرف أبو النصر برسباي بن عبد الله الدقماقي الظاهري، سلطان الديار المصرية، تولى السلطنة بعد خلع الملك الصالح محمد ابن الظاهر ططر، وهو من أعظم ملوك الجراكسة بعد برقوق، وتوفي في ذي الحجة سنة ٨٤١ هـ (الدليل الشافي: ١/ ١٨٦، والنجوم الزاهرة: ١٥/ ١١٢ - ٢٥٠).
(٣) لمزيد من التفاصيل انظر: ذيل التقييد، الورقة ١٠٨ ب-١٠٩ أ، وإنباء الغمر: ٨/ ٢٢، والضوء اللامع: ١/ ٣٣٩ فما بعد.
(٤) قصروه بن عبد الله من تمراز الظاهريّ، كان معدودا من الملوك. تولى نيابة طرابلس وحلب ودمشق. توفي سنة ٨٣٩ هـ (الدليل الشافي: ٢/ ٥٤٤، والنجوم الزاهرة: ١٥/ ١٩٩).
(٥) علم الدين أبو عبد الرحمن داود بن عبد الرحمن بن داود الشوبكي الكركي-
стр. 24
المغلي قاضي الحنابلة (١) . فقد جمعتهم مصالح متنوعة ومطامع شخصية دفعتهم لذلك، وكان الله تعالى لهم بالمرصاد، فقد ظهرت كرامة وليّ الدين في المتعصبين عليه ونكل بهم (٢) .
وقد تكدرت معيشة وليّ الدين بعد عزله لكونه عزل ببعض تلامذته وهو علم الدين صالح البلقيني (٣) وتألمت الخواطر الصافية لعزله، فلزم طريقته المثلى في الانجماع على العلم وإفادته وتصنيفه وإسماعه إلى أن مات قبل إكماله سنة من صرفه، مبطونا شهيدا آخر يوم الخميس سابع عشري شعبان سنة ست وعشرين وثمان مئة، وصلي عليه صبيحة يوم الجمعة بالجامع الأزهر، في مشهد حافل شهده خلق من الأمراء والقضاة والعلماء والطلبة ودفن إلى جانب والده بتربة طشتمر من الصحراء ظاهر القاهرة، رحمه الله تعالى.
_________
= المعروف بابن الكويز، المتوفى سنة ٨٢٦ هـ (الدليل الشافي: ١/ ٢٩٥، والنجوم الزاهرة: ١٥/ ١١١، والضوء اللامع: ٣/ ٢١٢).
(١) علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود بن أبي بكر السلمي الحموي الحنبلي المعروف بابن المغلي قاضي الحنابلة بالقاهرة توفي سنة ٨٢٨ - (ذيل رفع الإصر: ١٨٩ - ١٩٥، والضوء اللامع: ٦/ ٣٤٠).
(٢) انظر: مصادر ترجمة وليّ الدّين وبخاصة الضوء اللامع، وكذلك مصادر تراجمهم المذكورة آنفا، لترى ما صنع الله تعالى بهم جزاء لما اقترفوه.
(٣) هو قاضي القضاة علم الدين أبو التقى صالح بن عمر بن رسلان الكناني العسقلاني البلقيني المتوفى سنة ٨٦٨ هـ، ترجمه السخاوي في: «ذيل رفع الإصر: ١٥٥ - ١٨٤ وعدّه من تلامذة وليّ الدّين العراقي وتخرّج به في الحديث الشريف» ثم ذكر السخاوي في: «الضوء اللامع: ١/ ٣٤٠» ما نصه: «ولما وقف القاضي علم الدين [البلقيني] على كونه صرف ببعض تلامذته من «طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة» كتب على الهامش: «لا والله ما كنت من تلامذته يوما من الدهر وغلظ اليمين» فرأى ذلك مصنف «الطبقات» فضبب عليه في نسخته.
стр. 25
مصنفاته
ذكرت مصادر ترجمته عددا من آثاره النفيسة موزعة على الموضوعات التي تميز فيها، وقد رتبناها على نسق حروف المعجم وهي: -
١ - الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكيّة.
٢ - أخبار المدلسين.
٣ - الأربعون في الجهاد.
٤ - الإطراف بأوهام الأطراف للمزّيّ.
٥ - إكمال شرح الأحكام لوالده.
٦ - إكمال شرح والده على «ترتيب المسانيد وتقريب الأسانيد».
٧ - الأمالي في الحديث.
٨ - البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح وقد مس بضرب من التجريح.
٩ - تحرير الفتاوى على التنبيه، والمنهاج، والحاوي.
ويعرف أيضا ب «النكت على المختصرات الثلاثة».
١٠ - التحرير لما في منهاج الأصول من المعقول والمنقول.
١١ - تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل.
١٢ - تحفة الوارد بترجمة الوالد.
١٣ - التذكرة المفيدة، في عدّة مجلّدات.
١٤ - تراجم رجال منهاج الأصول.
١٥ - التعقيبات على الرافعي.
١٦ - تنقيح اللباب للمحاملي.
١٧ - جمع حواشي البلقيني على الروضة.
١٨ - جمع طرق حديث المهدي.
١٩ - الجواهر البهية شرح الأربعين النووية.
٢٠ - حاشية على الكشاف للزمخشري.
٢١ - الحكم بالصحة والحكم بالموجب.
стр. 26
٢٢ - حل الرموز وكشف الكنوز.
٢٣ - الدليل القويم على صحة جمع التقديم.
٢٤ - الذيل على ذيل والده على العبر للذهبي.
٢٥ - الذيل على ذيل والده على وفيات ابن أيبك الدمياطي.
٢٦ - الذيل على الكاشف في أسماء رجال الكتب الستة للذهبي.
٢٧ - شرح أبيات من ألفية والده في الحديث.
٢٨ - شرح البهجة الوردية.
٢٩ - شرح سنن أبي داود.
٣٠ - شرح الصدر بذكر ليلة القدر.
٣١ - شرح قطعة من كتاب الدقائق في الرقائق.
٣٢ - شرح متن منهاج الأصول.
٣٣ - شرح منظومة الوضوء لوالده.
٣٤ - شرح النجم الوهاج في نظم المنهاج لوالده.
٣٥ - شرح نظم الاقتراح في الاصطلاح لوالده.
٣٦ - شرح نكت أبي إسحاق الشيرازي في علم الجدل.
٣٧ - طرح التثريب في شرح التقريب.
٣٨ - فضل الخيل وما فيها من الخير والنيل.
٣٩ - فهرست مروياته على وجه الاختصار.
٤٠ - كتاب في الأحكام.
٤١ - كتاب ما ضعف من أحاديث الصحيحين.
٤٢ - مختصر الكشاف للزمخشري.
٤٣ - مختصر المنسك الكبير لابن جماعة.
٤٤ - مختصر المهمات في الفقه.
٤٥ - المستجاد في مبهمات المتن والإسناد.
٤٦ - المعين على فهم أرجوزة ابن الياسمين.
٤٧ - النكت على الإيضاح في المناسك للنووي (١) .
_________
(١) وللحافظ وليّ الدين غير ذلك من تخريجات الأجزاء والمشيخات لشيوخه وأقرانه، -
стр. 27
كتاب «الذيل على العبر»
من المعروف أن الإمام المؤرخ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ لخص كتابه الكبير المعروف ب «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام» بكتاب متوسط الحجم سماه: «العبر في خبر من عبر» وابتدأ فيه من السنة الأولى للهجرة ووصل فيه إلى سنة ٧٠٠ هجرية. ثم ما لبث أن ألف الذهبي ذيلا على هذا الكتاب «أعني العبر» ووصل به الأصل وسماه «ذيل العبر» وابتدأ فيه من سنة ٧٠١ هـ وانتهى فيه إلى سنة ٧٤٠ هـ (١) .
ثم تتابعت جهود المؤرخين في التذييل على هذا الكتاب، فكان أول من ذيّل عليه بعد ذيل مؤلفه الحافظ الشهير شمس الدين محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحسيني المتوفى سنة ٧٦٥ هـ، وابتدأ بهذا الذيل من سنة ٧٤١ هـ وانتهى به إلى سنة ٧٦٤ هـ (٢) .
_________
= ذكرناها في بحثنا الذي أشرنا إليه في أول هذه الدراسة. وقد فصلنا القول في المطبوع منها، والمخطوط وأماكن وجوده في مكتبات العالم.
(١) سار الذهبي في هذا «الذيل» على نهج كتابه «العبر في خبر من عبر» فهو يبدأ أولا بذكر الحوادث المهمة في كل سنة حسب تسلسل الشهور، ثم يتناول وفيات الأعيان في تلك السنة، وقد رتّب تلك الوفيات على نسق حروف المعجم لأسماء المترجمين. ومن الملاحظ أن الحوادث التي أوردها الذهبي كانت مختصرة وقليلة، وكذلك التراجم، وتكاد تنحصر حوادثه ووفياته بالبلاد الشامية والمصرية. وقد قام الأستاذ المرحوم محمد رشاد عبد المطلب بتحقيق هذا الذيل وطبع في الكويت سنة ١٩٧٠ م.
(٢) اقتفى شمس الدين الحسيني أثر شيخه الذهبي في تذييله على ذيل العبر، وسار على المنهج نفسه فذكر أولا حوادث كل سنة حسب تسلسل الشهور، ثم تبعها بذكر وفيات تلك السنة، وهي مختصرة وقليلة. ثم غيّر أسلوبه هذا فذكر الحوادث والوفيات معا في كل شهر وذلك في سنة ٧٥٣ هـ حتى نهاية الكتاب في سنة ٧٦٤ هـ أي قبيل وفاته بسنة واحدة. وقد قام الأستاذ المرحوم محمد رشاد عبد-
стр. 28
ثم ذيل على الحسيني ولده السيد محمد بن محمد بن عليّ المتوفى سنة ٧٩١ هـ ووصل به إلى سنة ٧٨٥ هـ (١) .
ثم جاء ابن سند، شمس الدين محمد بن موسى بن سند اللخمي المصري المتوفى سنة ٧٩٢ هـ، فذيل على ذيل شمس الدين الحسيني وابتدأ به من سنة ٧٦٣ هـ ووصل به إلى قريب سنة ٧٨٠ هـ (٢) .
وذيل الحافظ الكبير زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي المتوفى سنة ٨٠٦ هـ، فذيل على ذيل العبر للذهبي مباشرة وابتدأ بكتابه من سنة ٧٤١ هـ ووصل به إلى سنة ٧٦٣ هـ (٣) .
ثم جاء ولده الحافظ وليّ الدين أحمد بن عبد الرحيم العراقي فذيل على ذيل والده، وابتدأ به من سنة مولده في سنة ٧٦٢ هـ ووصل به إلى سنة ٧٨٦ هـ (٤) .
ثم ذيل الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٥) المتوفى سنة ٨٥٢ هـ، فذيل على ذيل شمس الدين الحسيني، وابتدأ ذيله سنة ٧٦٣ هـ.
_________
= المطلب بتحقيق هذا الذيل أيضا وطبعته وزارة الأنباء في الكويت مع ذيل العبر للذهبي في مجلد واحد سنة ١٩٧٠ م.
(١) كشف الظنون: ٢/ ١١٢٤.
(٢) ورقة عنوان مخطوطة الذيل على العبر لوليّ الدين أبي زرعة، وكشف الظنون: ٢/ ١١٢٤.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) هو هذا الكتاب الذي نحققه الآن.
(٥) ورقة عنوان مخطوطة الذيل على العبر لوليّ الدين أبي زرعة جاء فيها: «. . . ثم إن الإمام شهاب الدين ابن حجر ذيل على الحسيني أيضا فكتب سنة ٦٣ هـ وبعض التي تليها كما وقعت على ذلك بخطه في آخر النسخة التي من العبر وهي عند قريبه الإمام نجم الدين، نفع الله به».
стр. 29
وصف النّسخ الخطيّة للكتاب
لقد اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسختين مخطوطتين: الأولى:
مخطوطة مكتبة بلدية الإسكندرية ذات الرقم ١٩٩٩ د، وقد انتسخت دار الكتب المصرية نسخة عنها محفوظة لديها تحت رقم (٥٦١٥ تاريخ) وناسخها محمود عبد اللطيف فخر الدين، وكان الفراغ من نسخها يوم الثلاثاء الثامن من شهر ربيع الآخر سنة ١٣٥٤ هجرية، وقد حصلت على نسخة مصوّرة عنها، وجعلتها أصلا في تحقيق هذا الكتاب وسمّيتها «الأصل».
تتكون هذه النسخة من ١٢٨ ورقة ومسطرتها ٢١ سطرا في كل صفحة، وكل سطر يحتوي على ٩ - ١٢ كلمة، وخطّها نسخ عادي.
وقد كتب الناسخ عنوان الكتاب على طرّة النسخة على هيئة مثلث قاعدته إلى الأعلى ورأسه إلى الأسفل في ثلاثة عشر سطرا جاء فيه: «الذّيل للشيخ الإمام شيخ الإسلام أوحد الأعلام الحافظ الناقد الحجّة وليّ الدّين أبي زرعة ابن شيخ الإسلام حافظ العصر زين الدين أبي الفضل عبد الرّحيم بن الحسين العراقي الشافعي على ذيل والده على كتاب «العبر» للحافظ الكبير شيخ الإسلام شمس الدّين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي الشافعي رحمهم الله تعالى». ثم كتب أسفل هذا المثلث تعليق مفيد مقدار سبعة أسطر جاء فيه: «اعلم أنّ الذّهبي ذيّل على كتابه «العبر» إلى سنة أربعين وذيّل على الحسينيّ من ثمّ إلى سنة خمس وستين، وللحافظ شمس الدّين أبي العبّاس محمّد بن سند ذيل على الحسيني استفتحه من أول سنة ٦٣ فكتب منه هذه السنة والتي بعدها ولعله لم يقع له ذيل الحسيني كاملا ثم إنّ الإمام شهاب الدّين ابن حجر ذيّل على الحسينيّ أيضا فكتب سنة ٦٣ وبعض التي تليها كما وقعت على ذلك بخطّه في آخر النسخة التي من «العبر»
стр. 30
وهي عند قريبه الإمام نجم الدّين، نفع الله به».
تمتاز هذه النسخة بوضوح خطّها باستثناء قسم من الكلمات، وهي مكتوبة بمداد أسود، ومن المؤسف حقّا أن النّاسخ لا يعتدّ بالضّبط والتّقييد لكثير من الألفاظ وبخاصة أسماء الأشخاص والمواضع مما يجعل الكلمة الواحدة تحتمل أكثر من وجه في ضبطها وقراءتها. وفيها بعض الخروم الصغيرة أشرنا إلى مواضعها في تعليقاتنا، وإن كنّا نعتقد أن هذه الخروم هي فراغات كانت في أصل نسخة المؤلف وقد تركها ليعود إليها فلم يسعفه الحظ في ذلك، ودليلنا على ذلك: أن نسخة كوبرلي المنقولة عن نسخة بخط المؤلف تحفل بهذه الخروم كما ورد في نسختنا هذه.
أما النسخة الثانية فهي مصورة عن نسخة مكتبة كوبرلي بتركيا المرقمة (١٠٨١) والمحفوظة في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم [ف ٦٧٦] وقد حصلنا على مصورة منها. وتتكون هذه النسخة من (٤٣) ورقة ومسطرتها ٢٧ سطرا في كل صفحة، وكل سطر يحتوي على ١٤ - ١٧ كلمة وخطها نسخ جميل، وكتب على طرّة النسخة «هذا ذيل لطيف على ذيل تاريخ الإسلام للذهبي، للحافظ الشيخ وليّ الدّين العراقي على ذيل أبيه الحافظ زين الدين العراقي على تاريخ الذهبي المذكور». وعلى هذه النسخة عدد من التّملكات.
وفي خاتمة النسخة ذكر الناسخ ما نصّه: «بلغ مقابلة على الأصل وهو بخط المؤلف ﵀. . .». ثم خاتمة النسخة جاء فيها: «هذا آخر ما وجدته من خطّ المؤلف ﵀ ومن خطّه نقلت، والحمد لله أولا وآخرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل».
стр. 31
منهج التحقيق
١ - نظّمت النّصّ المحقّق بما يفيد إظهار معانيه، وإظهار النّقول من الكتب الأخرى. ووضع النّقاط، والفواصل، والأقواس، وغير ذلك مما هو متعارف عليه في عصرنا. وثبّت ما رأيته حريّا بالتّثبيت من الاختلاف بين النسختين.
٢ - خرّجت كلّ ترجمة رئيسة وردت في الكتاب باستثناء تراجم قليلة جدا لم نعثر على ذكر لها في المصادر المتيسرة. وقد رتّبت مصادر كلّ ترجمة حسب تسلسلها الزمني في التّخريج.
٣ - عنيت بتقييد أسماء الأمراء والسلاطين ورجال السلطة الذين ورد ذكرهم في الحوادث التأريخية، وذلك بالرجوع إلى المصادر المهمة التي تناولت تلك الأحداث. أما أسماء الشّيوخ والطّلبة الواردة في التراجم باختصار شديد في الاسم أو اللّقب ممّا يصعب معرفته فقد عرّفت بهم، وأحلت في تراجمهم على مصدرين أو ثلاثة.
٤ - أما الكتب التي وردت في المتن، فقد تركت المشهور منها دون تعريف أو تخريج لشهرته، وعرّفت بما لم يشتهر منها، وبمن ورد اسمه مختصرا أو محرّفا، وجعلته بين قوسين صغيرين.
٥ - لقد رجعت في تدقيق التواريخ إلى كتاب: «التوفيقات الإلهامية» لمؤلفه محمد مختار باشا المصري بوصفه أدق هذه الكتب وأكثرها شمولا.
٦ - وضعت أرقاما لورقات مخطوطة الأصل داخل النّصّ بين معقوفتين [] تسهيلا لمن أراد الرجوع إليها.
стр. 32
٧ - عرّفت بالأماكن والمدارس ودور العلم ممّا استطعت الوقوف عليه بتعريفات مختصرة، وذكرت لكل من ذلك مصادر ومراجع مختارة.
٨ - ألحقت بمقدّمة الكتاب نماذج من صور أوراق المخطوطتين المعتمدتين في تحقيق هذا الكتاب.
٩ - ذيّلت الكتاب بعدد من الفهارس تيسّر للباحث سهولة الرجوع إلى الكتاب، وتوفر عليه الجهد والوقت اللازمين في البحث والتّفتيش عن مبتغاه في صفحات الكتاب.
وبعد فهذا كتاب «الذّيل على العبر في خبر من عبر» لمؤلّفه وليّ الدّين أبي زرعة أحمد بن عبد الرّحيم بن الحسين ابن العراقيّ رحمه الله تعالى أقدّمه لقرّاء لغتنا العربيّة الحبيبة وللمهتمين بتراث أمّتنا المجيدة في حلّة قشيبة وطباعة أنيقة. قد بذلت فيه الجهد وأخلصت له النّيّة-كما هو شأني في أعمالي السّابقة-أسأل الله تعالى أن ينفع به وأن يجعله مصداق قوله:
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الرعد/الآية ١٧].
وختاما لا يسعني وقد تكامل طبع الكتاب إلاّ أن أتقدم بجزيل شكري وعظيم تقديري إلى الأستاذ الكريم السّيّد رضوان إبراهيم دعبول صاحب مؤسسة الرّسالة وإلى السّادة العاملين في المؤسسة جميعا على ما بذلوه من جهد وعناء في سبيل طبع الكتاب وإخراجه بهذا الشّكل الأنيق الذي يستحقه. وفّق الله الجميع لخدمة تراث أمّتنا المجيدة، إنّه نعم المولى ونعم النّصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسلام
стр. 33
على نبيّه الكريم وآله الطّيّبين الطّاهرين وصحبه أجمعين وسلّم تسليما كثيرا.
صالح مهدي عباس الخضيريّ
الجمهورية العراقية-بغداد
ربيع الأول ١٤٠٨ هـ-تشرين ثان
١٩٨٧ م
стр. 34
-صورة الورقة الأولى من مخطوطة بلدية الإسكندرية
стр. 35
-صورة الورقة الأخيرة من مخطوطة بلدية الإسكندرية
стр. 36
-نموذج من مخطوطة مكتبة كوبرلي (١)
стр. 37
-نموذج من مخطوطة مكتبة كوبرلي (٢)
стр. 38
الذّيل على العبر في خبر من عبر
للحافظ وليّ الدّين أبي زرعة أحمد بن عبد الرّحيم بن الحسين ابن العراقي المتوفّى سنة ٨٢٦ هـ
حقّقه وعلّق عليه صالح مهدي عبّاس
стр. 39
بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 40
أمّا بعد حمد الله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على رسوله محمّد وآله وصحبه أجمعين:
فهذا (١) تاريخ متوسط ابتداؤه سنة مولدي، وهو ذيل على تاريخ والدي أبقاه الله تعالى الذي ذيّل (٢) به على «ذيل العبر» للحافظ أبي عبد الله الذّهبيّ ﵀، فأقول:
سنة اثنتين وستّين وسبع مئة
ومولدي: سحر يوم الاثنين ثالث ذي الحجّة منها، ختم الله لي بخير، آمين.
لمّا تمهّد (٣) للسلطان الملك النّاصر حسن ابن الملك النّاصر محمّد
ابن الملك المنصور قلاوون
الأمر ولم يبق في مملكته من يخشى منه الشّر، تخلّى عن أمر مملكته وشغلته لذّاته عن القيام بمصالح رعيّته فقبض عليه كبير بطانته الأمير يلبغا الخاصّكيّ وأقام في الملك ابن أخيه السّلطان الملك المنصور صلاح الدّين محمّد ابن السّلطان المظفّر حاجي ابن الملك النّاصر محمّد بن قلاوون وحلف له الأمراء، وجلس على كرسي المملكة يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى. وزال عن النّاصر حسن سلطانه