← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 11300

علم علل الحديث ودوره في حفظ السنة النبوية

وصى الله عباس

Полный текст (85 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال ابن سعد: “اختلط في آخر عمره فحجبه أهله في منزله حتى مات” (١) . وأورده الذهبي في الميزان ثم قال: “فما ضره الاختلاط، وعامة من يموت يختلط قبل موته، وإنما المضعف للشيخ أن يروي شيئاً زمن اختلاطه” (٢) . ٧- أن يكون الراوي المختلط لم يحدث إلا من كتابه فهذا لا يتطرق إليه الضعف مثل عبد الرزاق فقد روى عن مصنفه حال اختلاطه. قال البخاري: “ما حدث عنه عبد الرزاق من كتابه فهو أصح” (٣) . وقال السخاوي: “وقال الحاكم: قلت للدارقطني أيدخل في الصحيح (يعني حديث عبد الرزاق الصنعاني) قال: إي والله وكأنهم لم يبالوا بتغير عبد الرزاق لكونه إنما حدثه من كتبه لا من حفظه قاله المصنف” (٤) . وهناك قصة طريفة في مسائل البرذعي لأبي زرعة: قال البرذعي: قلت لأبي زرعة: قرة بن حبيب تغيّر؟ فقال: نعم، كنا أنكرناه بآخره غير أنه كان لا يحدث إلا من كتاب به ولا يحدث حتى يحضر ابنه، ثم تبسم، فقلت: لم تبسمتَ؟ قال: أتيته ذات يوم وأبو حاتم فقرعنا عليه الباب، واستأذنا عليه، فدنا من الباب ليفتح لنا، فإذا ابنته قد خفّت، وقالت له: يا أبت، إن هؤلاء أصحاب الحديث، ولا آمن أن يُغلِّطوك أو يدخلوا عليك ما ليس من حديثك، فلا تخرج إليهم حتى يجيء أخي يعني علي بن قرة

стр. 37

– فقال لها: أنا أحفظ فلا أمكنهم ذاك، فقالت: لست أدعك تخرج فإني لا آمنهم عليك، فما زال قرة يجتهد ويحتج عليها في الخروج وهي تمنعه وتحتج عليه في ترك الخروج إلى أن يجيء علي بن قرة، حتى غلبت عليه ولم تدعه، قال أبو زرعة: فانصرفنا وقعدنا حتى وافى ابنه علي، قال أبو زرعة: فجعلت أعجب من صرامتها وصيانتها أباها (١) . حكم رواية المختلط: قال ابن حجر: “والحكم فيه أن ما حدث به قبل الاختلاط إذا تميّز، قُبل، وإذا لم يتميز تُوقف فيه، وكذا من اشتبه الأمر فيه، وإنما يعرف ذلك باعتبار الآخذين عنه” (٢) . يعني: إذا عرف عن طريق تلامذته أن هذا الحديث بعينه أخذ عنه التلميذ قبل الاختلاط يكون مقبولاً صحيحاً. وإذا عرف أن التلميذ أخذ عنه بعد الاختلاط، توقف فيه ولم يعمل به، وإذا لم يعمل به، صار في حيّز المردود. وكذلك إذا لم يعرف، هل أخذ منه التلميذ هذا الحديث بعينه قبل الاختلاط أو بعده، توقف فيه حتى يوجد له متابعات وشواهد توافقه، فتقويه وتصححه، وإلا يبقَ متوقفاً فيه غير معمول به. وهذا هو مقصود من قال: ترد روايته، أو تسقط روايته. قال ابن الصلاح: “والحكم فيهم (أي المختلطين) ، أن يقبل حديث من

стр. 38

أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يعرف هل أُخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده” (١) . وقال السخاوي: “فما روى المتصف بذلك في حال اختلاطه، أو أبهم الأمر فيه وأشكل بحيث لم يعلم أروايته صدرت في حال اتصافه به أو قبله؟ سقط حديثه في الصورتين، بخلاف ما رواه قبل الاختلاط لثقته، هكذا أطلقوه” (٢) . وقال نحوه في "فتح الباقي" (٣) . فليس قصدهم رَدَّ رواية المختلط الذي روى عنه تلميذه بعد الاختلاط، أو أشكل أمره هل سمع قبل أو بعد؟ وإنما المقصود: أن حديث المختلط من هذا النوع لا يقبل بانفراده، ويبقى متوقفاً فيه للاعتبار، ليس مردوداً مطلقاً، ولا ساقطاً. ٤- ومن أسباب العلة في الحديث: الاضطراب، وهو داخل في عدم تمام الضبط وهذه العلة أيضاً من الأسباب الخفية المضعّفة لحديث الراوي، لأنها لا تظهر إلا بجمع الطرق والأسانيد وألفاظ المتون. والاضطراب: افتعال من ضرب، فأصل الكلمة اضْتَرَب، فأُبدلت التاء طاءً، فصار اضطرب فهو مضطرب. والاضطراب يأتي بمعنى الاختلاف، يقال: اضطرب الحبل بين القوم إذا اختلفت كلمتهم، واضطرب أمره اختلّ واضطرب تحرك وماج (٤) .

стр. 39

وأما تعريف المضطرب اصطلاحاً: فقد قال ابن الصلاح: “المضطرب من الحديث، هو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له. وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان” (١) . والاضطراب قد يكون في السند، وقد يكون في المتن، وتارة فيهما. قال ابن الصلاح: “يقع الاضطراب في متن الحديث، وقد يقع في الإسناد، وقد يكون على شخص واحد، وقد يكون على أكثر من ذلك” (٢) . وحكمه: أنه سبب مُضَعَّفٌ للحديث. قال ابن الصلاح: “والاضطراب موجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط” (٣) . وتأتي أمثلته في الباب الثاني إن شاء الله. ٥- ومن أسباب العلة: ما يتعلق بشرط الاتصال: وهو الانقطاع. فإن كان ظاهراً لا يدخل في تعريف العلة، ولكن إذا كان الانقطاع خفياً وهو: الذي يسمى مرسلاً خفياً فيدخل في صميم تعريف العلة وهو ما إذا كان الانقطاع بين طالب وشيخه الذي سمع منه الكثير، ولازمه، فإذا كان مثل هذا التلميذ روى عن شيخه بواسطة، ثم حذف الواسطة، دخلت العلة هنا، فلا ينتبه لها إلا من له درك وجُهد في جمع الطرق الكثيرة. هذا إذا لم يكن التلميذ معروفاً بالتدليس. وكذلك إذا كان الراوي أو التلميذ معاصراً، لكنه لم يلق الشيخ وهو في

стр. 40

طبقة تلاميذ الشيخ فالانقطاع قد يخفى على الكثير. وكونه منقطعاً في هذه الصورة أمر واضح، إذا ثبت لدى الناس عامة أنه لم يلقه مطلقاً أما إذا كان إمكان السماع حاصلاً ولم نتيقن بسماعه من الشيخ، فإمكان عدم السماع أيضاً حاصل. ولذا جعل الأئمة شرط البخاري في اشتراط ثبوت اللُّقِيِّ ولو مرة شرطاًًً أشد وأسد وأقوى من شرط مسلم الذي اكتفى بالمعاصرة. ودع عنك قول من يقول: ليس ذلك شرط البخاري، فالأئمة كادوا أن يجمعوا على حكاية هذا القول ونسبته إلى البخاري وصنيعه في صحيحه يدل عليه كما يدل عليه عمله في تراجم الرواة في تواريخه، فلا يقال: إن الانقطاع علة ظاهرة لا خفية، فلا يكون علة من علل الحديث على اصطلاح القوم، فقد رأيت أنه قد يخفى الانقطاع، فيدخل في تعريف العلة التي هي القادحة الخفية. وستأتي الأمثلة عليه في الباب الثاني إن شاء الله. ويدخل في هذه الصورة ما إذا روي الحديث مرسلاً من وجه رواه الثقات الحفاظ، ويسند ويوصل من وجه آخر ظاهره الصحة، ففيه انقطاع خفي تدخل العلة فيه، وتخفى على كثيرين، ولا تظهر هذه العلة إلا للعالم الخبير بعد سبر الطرق المختلفة على الراوي الذي عليه مدار الرواية. لأن الثقة قد يَهِمُ فيوصل المرسل، فيدخل الحديث في قسم الضعيف للانقطاع بين التابعي وبين النبي ﷺ ، ففقد شرط الاتصال على التعريف الراجح للمرسل وهو: ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ (١) .

стр. 41

ولا يقال في تعريف المرسل: ما منه الصحابي سقط، لأنه لو تعين لنا أن الصحابي ﵁ هو الساقط، لما ضُعّف المرسل، كأن يظهر من طرق أخرى ذكر التابعي للصحابي في هذه الرواية ذاتها، أو أن يصف التابعي الصحابي بوصف الصحبة كـ"عن صالح بن خوَّات، عمن صلَّى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع" (١) ، أو غزا مع النبي ﷺ ، أو وفد إلى رسول الله ﷺ ، فإن لم يصفه بالصحبة فلا يكون موصولاً، لاحتمال أن يكون المحذوف تابعياً آخر، فيحتمل أن يكون ضعيفاً، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الاحتمال الثاني، يحتمل أن يكون حمل الرواية عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق، ويتعدد إما بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له، وإما بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وُجِدَ من رواية بعض التابعين عن بعض (٢) . روى الذهبي في "معجم شيوخه" من طريق الإمام أحمد (٣) قال حَدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي عن زائدة عن منصور عن هلال بن يساف عن الربيع ابن خثيم عن عمرو بن ميمون عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن امرأة من الأنصار عن أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ قل هو الله أحد في ليلة فقد قرأ ثلث القرآن. ثم قال الذهبي: “هذا حديث صالح الإسناد من الأفراد، ولا نعلم حديثاً بين أحمد بن حنبل وبين النبي ﷺ فيه تسعة أنفس سواه، وهو مما اجتمع في سنده ستة تابعيون يروي بعضهم عن بعض.

стр. 42

وهذا لا نظير له، فإن منصور بن المعتمر معدود في صغار التابعين، وقد أخرجه الترمذي، والنسائي، من طريق زائدة، وحسنه الترمذي مع أنه معلل” (١) . ٦- ومن أهم أسباب العلة: الشذوذ. والشذوذ لغة: الانفراد، شذ عنه يَشِذُّ ويَشُذُّ شُذوذاً انفرد عن الجمهور ونَدَرَ فهو شاذ (٢) . وأمَّا في اصطلاح أهل الحديث فقد اختلف تعريف الشاذ في كتبهم. قال الحاكم: “فأَمَّا الشاذ فإنه حديثٌ يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابِعٌ لذلك الثقة” (٣) . فيظهر من تعريفه أن الشاذ هو الحديث الذي انفرد به الثقة خالف أم لم يخالف. ولكن الذي يظهر لي: أن الحاكم أيضاً يشترط المخالفة في الشذوذ وذلك كما يأتي عن الشافعي وذلك لأمرين: الأول: قوله: "ليس له أصل متابع" فكأنه قال: لم يخالف فلو كان له أصل متابع لما كان مخالفاً. الثاني: أنه ذكر بعد تعريفه قول الشافعي ﵀ مستشهداً به، فالذي يظهر أنه يشير إلى شرط المخالفة في الشاذ مثل الشافعي والله أعلم. وعرفه الخليلي فقال: “إن الشاذ ما ليس له إسناد إلا واحد، يشذُّ بذلك

стр. 43

شيخ ثقة أو غير ثقة، فما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به ويرد ما شذ به غيره” (١) . وعرفه الإمام الشافعي بقوله: “ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره هذا ليس بشاذ إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثاً يخالف فيه الناس هذا الشاذ من الحديث. ذكره الحاكم بإسناده عنه بعد تعريفه” (٢) . وهذا التعريف الأخير هو الذي اختاره العلماء قديماً وحديثاً وكان العمل في رد ما خالف فيه الثقة لا ما انفرد به غير مخالف. قال ابن الصلاح: “قلت: أمَّا ما حكم الشافعي عليه بالشذوذ فلا إشكال في أنه شاذٌّ غير مقبول، وأما ما حكيناه عن غيره فَيُشْكل بما يتفرد به العدل الحافظ الضابط كحديث: "إنما الأعمال بالنيات" فإنه حديث فرد تفرد به عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ ، ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص، ثم عن علقمة محمد بن إبراهيم، ثم عنه يحيى بن سعيد على ما هو الصحيح عند أهل الحديث. وأوضح من ذلك في ذلك: حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر”أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وهبته” تفرد به عبد الله بن دينار. وحديث مالك عن الزهري عن أنس "أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه مغفر" تفرد به مالك عن الزهري، فكل هذه مخرجة في الصحيحين مع أنه ليس له إلا إسناد واحد تفرد به ثقة.

стр. 44

وفي غرائب الصحيح أشباه لذلك غير قليلة، وقد قال مسلم بن الحجاج: للزهري نحوٌ من تسعين حرفاً يرويه عن النبي ﷺ لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد. والله أعلم. فهذا الذي ذكرنا وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم بل الأمر على تفصيل نبيّنه" (١) . فالذي اصطلح عليه العلماء هو قول الشافعي ﵀ في تعريف الشاذ وهو: ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو أرجح منه. قال ابن حجر: "فإن خولف أي الراوي بأرجح منه، لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله -وهو المرجوح- يقال له: الشاذ" (٢) . والشذوذ يدخل في العلة الخفية لأنه قد لا يظهر لعامة الناس إلا بعد جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف الرواة والاختلاف عليهم من الرواة عنهم. قال الخطيب البغدادي: "السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع طرقه وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم من الإتقان والضبط" (٣) . وقال علي بن المديني –﵀: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبيَّن خطؤه" (٤) .

стр. 45

وقال عبد الله بن المبارك: "إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض" (١) . وقال ابن معين: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه". وقال أحمد بن حنبل: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضاً" (٢) . ولا شك أن جمع الطرق المختلفة وموازنة بعضها ببعض، ثم النظر في النقلة واختلافهم ثم وزن هؤلاء بميزان الترجيح كل هذا من مهمة المحدث الجهبذ لا يستطيع أن يقوم به عامة المحدثين ولذلك نجد أفذاذاً وأفرادًا معدودين قد دخلوا في هذا المضمار وسدد الله أقوالهم ووفقهم لتقعيد قواعد في معرفة الصحيح من حديث رسول الله ﷺ على قواعد فطرية تقبلها العقول السليمة. كما نجد أن هذا العلم وهو معرفة الخطأ من الصواب في روايات الراوي يحتاج إلى سبر روايات الراوي الواحد، بحيث يقدر الإمام المحدث أن يقول: روى حديثين أو ثلاثة أو عشرة. ثم عرض روايته على روايات غيره ممن هم أصوب منه، حفظاً ونقلاً ومعرفة موافقة بعضهم لبعض أو مخالفتهم، أعظم وسيلة لمعرفة الخطأ من الصواب. قال ابن حبان: "سمعت محمد بن إبراهيم بن أبي شيخ الملطي يقول: جاء يحيى بن معين إلى عفان ليسمع منه كتاب حماد بن سلمة فقال: ما سمعتها من

стр. 46

أحد؟ قال: نعم حدثني سبعة عشر نفساً عن حماد بن سلمة فقال: والله لا حدثتك. فقال: إنما هو وهم، وانحدر إلى البصرة واسمع من التبوذكي فقال: شأنك فانحدر إلى البصرة وجاء إلى موسى بن إسماعيل فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب عن أحد؟ قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفساً وأنت الثامن عشر فقال: وماذا تصنع بهذا؟ فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره، فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافهم، علمت أن الخطأ منه لا من حماد فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أخطئ عليه" (١) . وقال الإمام أحمد: كنت أنا وعلي بن المديني فذكرنا أثبت من يروي عن الزهري فقال: علي: سفيان بن عيينة، وقلت أنا: مالك بن أنس وقلت: مالك أقل خطأ عن الزهري وابن عيينة يخطئ في نحو من عشرين حديثاً عن الزهري في حديث كذا وحديث كذا فذكرت منها ثمانية عشر حديثاً، وقلت هات ما أخطأ فيه مالك، فجاء بحديثين أو ثلاثة، فرجعت فنظرت فيما أخطأ فيه ابن عيينة فإذا هي أكثر من عشرين حديثاً. وفي كتاب التمييز للإمام مسلم أمثلة كثيرة وفيرة لهذا الجانب. قال الإمام مسلم: "ذكر الأخبار التي نقلت على الغلط في متونها. حدثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر، قالا: ثنا شعبة عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجراً أبا العنبس يقول: حدثني علقمة بن

стр. 47

وائل، عن وائل، عن النبي ﷺ . وثنا إسحاق، أنا أبو عامر، ثنا شعبة عن سلمة، سمعت حجراً أبا العنبس يحدث عن وائل بن حجر، عن النبي ﷺ بهذا الحديث. كلهم عن شعبة، عن سلمة، عن حجر، عن علقمة، عن وائل، إلا إسحاق عن أبي عامر، فإنه لم يذكر علقمة، وذكر الباقون كلهم علقمة. قال مسلم: أخطأ شعبة في هذه الرواية حين قال: وأخفى صوته (١) . وسنذكر إن شاء الله رواية من حديث شعبة فيها فأصابه. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم، فقالوا: ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل قال: سمعت النبي ﷺ قرأ "ولا الضالين" قال: "آمين". يمد بها صوته" (٢) . ثم ذكر رواية أخرى قال: حدثنا أبو كريب ثنا أسود بن عامر، ثنا شريك، عن سماك، عن علقمة، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يجهر بآمين. وقد روى عن وائل ما يدل على ذلك (٣) . يشير به الإمام مسلم إلى ما أخرجه الدارقطني، فقد روى فيه عبد الجبار ابن وائل عن أبيه وفيه مد بها صوته (٤) .

стр. 48

ثم ذكر الإمام مسلم شاهداً مخالفاً لرواية شعبة فقال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة، أنهما أخبراه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له" (١) .

стр. 49

الباب الثاني: في ذكر أمثلة تطبيقية للعلل في الحديث في ضوء شروط الصحيح الفصل الأول: في ذكر أمثلة للأحاديث التي وقعت العلة فيها في معرفة العدل من غيره مثال العلة في معرفة الراوي العدل من غيره. ما ذكره العلامة المحدث محمد ناصر الدين في سلسلته الضعيفة حديث: “اتقوا البول فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر” ثم قال: موضوع، أخرجه ابن أبي عاصم في الأوائل رقم (٩٣) حدثنا دحيم، ثنا عبد الله بن يوسف عن الهيثم بن حميد قال: سمعت رجلاً يحدث مكحولاً عن أبي أمامة قال قال رسول الله ﷺ فذكره. قلت: هو إسناد ضعيف رجاله ثقات غير الرجل الذي لم يسم. والحديث قال المنذري في الترغيب (١: ٨٨) : "رواه الطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به" وقال الهيثمي في المجمع (١/٢٠٩) : "رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون". قلت: في قوليهما إشعار لطيف بأن إسناده لا يخلو من ضعف ولا سيما قول الهيثمي: "ورجاله موثقون" فإنه لا يقول هذا عادة إلا فيمن كان فيه توثيق غير معتبر. فقول المناوي في "فيض القدير": رمز المصنف لحسنه وهو أعلى من ذلك، ثم ذكر قول المنذري والهيثمي المتقدم فأقول: إنه لا وجه لتحسينه بله تصحيحه لما ذكرنا، ومن المؤسف أن الجزء الذي فيه مسند أبي أمامة من المعجم الكبير ليس في المكتبة الظاهرية عمرها الله تعالى؛ ولذلك فإني غير

стр. 50

مطمئن لتحسين السيوطي للحديث فضلاً عن تصحيح المناوي له، ولا سيما مع كشف إسناد ابن أبي عاصم عن علته. والله أعلم. ثم طبع المعجم الكبير بهمة أخينا الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي فرأيت الحديث فيه (٨/ ١٥٧) (رقم ٧٦٠٥) ، قال: حدثنا بكر بن سهل، ثنا عبد الله بن يوسف بإسناده المتقدم عن ابن أبي عاصم. وبهذا الإسناد أخرجه الطبراني أيضاً في مسند الشاميين (ص٦٥٥) وقد عرفت علته وهي الرجل الذي لم يسم، وقد سماه إسماعيل بن إبراهيم فقال: ثنا أيوب عن مكحول به. أخرجه الطبراني أيضاً رقم (٧٦٠٧) وإسماعيل هذا هو أبو إبراهيم الترجماني وهو من رجال النسائي وقال هو وغيره: لا بأس به. وشيخه أيوب هو ابن مدرك الحنفي كما في الميزان، وقال: قال ابن معين: ليس بشيء وقال مرة: كذاب، وقال النسائي وأبو حاتم: متروك. وبهذا يتبين خطأ قول المنذري والهيثمي المتقدم، بله ميل المناوي إلى تصحيحه، فقد تبين أن الرجل الذي لم يسم في الطريق الأولى إنما هو أيوب ابن مدرك في الطريق الأخرى وهو متهم ولعل المناوي تبين له هذا الذي ذكرته بعد الذي قاله في الفيض فقد رأيته بيض للحديث في التيسير ولم يحسنه، ومنشأ هذا الخطأ في نقدي: أنهم رأوا (أيوب) هذا جاء في السند غير منسوب، فتوهموا أنه أيوب بن أبي علقمة، وهو ثقة حجة، وساعدهم على ذلك أنهم رأوا الراوي عنه إسماعيل بن إبراهيم، فتوهموا أيضاً أنه إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المعروف بـ (ابن علية) وهو ثقة حافظ؛ لأنهم رأوا في ترجمته أنه روى عن أيوب وهو السختياني وكل ذلك خطأ، وإنما هذا أبو

стр. 51

إبراهيم الترجماني كما تقدم وشيخه أيوب هو ابن مدرك، وليس السختياني كما جاء مصرحاً بهذا كله في الطبراني في حديث آخر قبل هذا. وقال أيضا: ً ثم إن للحديث علة أخرى عند ابن حبان ألا وهي الانقطاع. فقد قال في ترجمة ابن مدرك هذا من كتابه الضعفاء (١: ١٦٨) يروي المناكير عن المشاهير ويدعي شيوخاًلم يرهم ويزعم أنه سمع منهم روى عن مكحول نسخة موضوعة ولم يره. ثم قال الشيخ: واعلم أيها القارئ الكريم أن مثل هذا التحقيق يكشف لطالب هذا العلم الشريف أهمية تتبع طرق الحديث، والتعرف على هوية رواته، فإن ذلك يساعد مساعدة كبيرة جداً على الكشف عن علة الحديث، التي تستلزم الحكم على الحديث بالسقوط " (١) . وعكسه قد يكون الراوي ثقة فيظنه البعض ضعيفاً؛ لاشتباهه ولاشتراكهما في الاسم، وبخاصة إذا ورد غير منسوب إلى أبيه أو إلى ما يميزه عن سميه، ذكر السيوطي عن ابن فيل في جزئه حديثاً من طريق المؤمل بن إسماعيل عن عبد الكريم عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مرتد أعرابياً بعد هجرة، ولا ولد زنى، ولا من أتى ذات محرم"، ثم قال: لا يصح، عبد الكريم متروك" (٢) . وهنا ذهب ظن السيوطي أن عبد الكريم هو ابن أبي المخارق وهوضعيف وله فيه عذره، فهو ليس منسوباً. وهذا الموضع يشتبه الأمر على كثيرين، وإنما

стр. 52

كان يعرف عبد الكريم بوجهه الصحيح بعد التتبع وبعد الجمع لطرق الحديث. فقد ظهر بعد التتبع أن تعيينه بعبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف خطأ، وإنما هو عبد الكريم بن مالك الجزري الثقة المشهور، وقد جاء مصرحاً بنسبه عند أبي نعيم في الحلية، فقد رواه من طريق مؤمل أيضاً، ثنا سفيان عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو به. وهذا النوع من الخطأ خطير جداً، فإذا توهم الراوي في تعيين الراوي فقد ينقلب الإسناد من الضعف إلى الصحة وبالعكس، كما هو واضح ومغبته واضحة. وروى الإمام أبو عبد الله بن ماجه حدثنا هشام بن عمار حدثنا محمد بن شعيب بن شابور حدثنا عبد الرحمن بن يزيد عن جابر عن سعيد بن أبي سعيد أنه حدثه عن أنس بن مالك قال: إني لتحت ناقة رسول الله ﷺ يسيل عليّ لعابها فسمعته يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث" قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٣: ١٤٤) : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، ومحمد بن شعيب وثقه دحيم وأبو داود، وباقي الإسناد على شرط البخاري. ولكن قال ابن حجر في "النكت الظراف" في الكلام على ترجمة الحافظ المزي لسعيد بن أبي سعيد المقبري: قلت: وهو سعيد بن أبي سعيد الساحلي شامي، وأما المقبري فهو مدني، وقد أوضحت ذلك في التهذيب. وفي حاشية "تحفة الأشراف" حاشية بخط ابن عبد الهادي: سعيد بن أبي سعيد راوي هذه الأحاديث عن أنس ليس هو المقبري أحد الثقات، وإنما هو

стр. 53

الساحلي وهو غير محتج به كذلك جاء مصرحا به عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (١) . ومن أمثلة العلة في تعيين العدل من غيره: ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قام يوم فتح مكة فقال: "لا يتوارث أهل ملتين المرأة ترث من دية زوجها وماله وهو يرثها من ديتها ومالها مالم يقتل أحدهما صاحبه عمداً، فإن قتل أحدهما صاحبه عمداً لم يرث من ديته وماله وإن قتل صاحبه خطأً ورث من ماله ولم يرث من ديته". أخرجه ابن ماجه وابن الجارود في المنتقى والدارقطني في سننه والبيهقي (٢) . كلهم من طريق الحسن بن صالح عن محمد بن سعيد عن عمرو بن شعيب قال: أخبرني أبي عن جدي عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وهذا الحديث فيه الحسن بن صالح العجلي وهو الحسن بن سلمة بن صالح العجلي قال ابن حجر: مجهول (٣) . ولكن رواه محمد بن يحيى الذهلي كما عند ابن ماجه، ولكن سمى شيخه عمر بن سعيد محمد بن سعيد هذا هو الصواب، وقد قيل عمر بن سعيد وهو خطأ والصواب محمد كما صوَّبه الذهبي في "الكاشف" (٤) .

стр. 54

ومحمد بن سعيد هل هو الشامي المصلوب وهو مكذب ذكر بوضع الحديث (١) ؟ وبه قال غير واحد: قال البوصيري في الزوائد: “في إسناده محمد بن سعيد وهو المصلوب، قال أحمد: حديثه موضوع” (٢) . وكذا قال العلامة محمد ناصر الدين الألباني في تخريج "مشكاة المصابيح": هو محمد بن سعيد المصلوب: قال أحمد: حديثه موضوع (٣) ، وبناءً عليه حكم في ضعيف ابن ماجه بأنه موضوع (٤) . وكذا قلده بعض من علق على الكاشف للذهبي والصواب أنه ليس محمد ابن سعيد المصلوب الشامي المقتول بالزندقة بل هو محمد بن سعيد الطائفي أبو سعيد المؤذن صدوق (٥) أو ثقة. والذي بينه هو الدارقطني ﵀ فقد أخرجه في سننه ثم قال: محمد بن سعيد الطائفي ثقة ثم بإسناد آخر عن الحسن ابن صالح وقال بإسناده مثله، محمد بن سعيد الطائفي ثقة (٦) . فقد ظهر بهذا أن محمد بن سعيد هذا ليس المتروك بل هو ثقة أو صدوق فيكون الحكم على الحديث يختلف من الضعف جداً إلى الصحة أو الحسن، إذا لم تكن في الإسناد علة أخرى.

стр. 55

ومن هذا النوع ما أورده العلامة الألباني في "الصحيحة" قال: زيادة ومغفرته في رد السلام ثم قال: كنا إذا سلم النبي ﷺ علينا قلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته. قال الشيخ: أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/١/٣٣٠) قال: قال محمد: حدثنا إبراهيم بن المختار عن شعبة عن هارون بن سعد عن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم قال: فذكره. ثم قال: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات كلهم من رجال التهذيب غير إبراهيم بن المختار وهو الرازي، روى عنه جماعة من الثقات ذكرهم ابن أبي حاتم (١/١/١٣٨) ثم قال: سألت أبي عنه فقال: صالح الحديث، وهو أحبُّ إليَّ من سلمة بن الفضل وعلى بن مجاهد. ومحمد الراوي عنه هو ابن سعيد بن الأصبهاني وهو من شيوخ البخاري في الصحيح، فالإسناد متصل غير معلق (١) . قلت: قد صحح الألباني ﵀ هذا الحديث، واستنبط منه جواز زيادة ومغفرته في السلام بناءً على ثقة رجاله، والمسألة تتعلق بالوصول إلى طرق الحديث المختلفة، حتى تظهر علة الحديث إن كانت فيه، فقد أخرجه البيهقي في شعبه من طريق علي بن الحسين بن حسان قال: نا محمد بن حميد قال: نا إبراهيم بن المختار عن شعبة عن هارون بن سعد عن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم به.

стр. 56

ثم قال: تابعه محمد بن غالب عن محمد بن حميد، وهذا إنْ صَحَّ قلنا به غير أن في إسناده إلى شعبة من لا يحتج به (١) . وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير قال: حدثنا محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني وجعفر بن أحمد بن سنان الواسطي قالا: ثنا محمد بن حميد الرازي ثنا إبراهيم بن المختار به (٢) . ففيه نسبته إلى الرازي فلا شك أنه ليس محمد بن سعيد بن الأصبهاني، الثقة بل هو محمد بن حميد الرازي قال فيه في "التقريب": محمد بن حميد بن حيان الرازي حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه (٣) . وما دام قد تبين أن مدار الحديث على راو ضعيف، فيكون إسناد الحديث ضعيفاً. ولا يغض هذا من منزلة العلامة الألباني في الحديث فقد وقع فيه الكبار قبله، وهذا الهيثمي ذكر الحديث في مجمع الزوائد وقال: وفيه إبراهيم بن المختار وثقه أبو داود وأبو حاتم، وقال ابن معين ليس بذاك وبقية رجاله ثقات (٤) .

стр. 57

الفصل الثاني: في ذكر أمثلة وقعت العلة فيها لأجل ضبط الراوي من أمثلة عدم الضبط من الثقات المعروفين: قال ابن معين: حديث أبى البداح يرويه مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه، أن النبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموا الجمار ليلاً. ثم قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه، أن النبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً. قال ابن معين: وكلام سفيان هذا خطأ إنما هو كما قال مالك بن أنس، فكان سفيان لا يضبطه، كان إذا حدث به يقول: ذهب عليّ من هذا الحديث شيء (١) . ومن أمثلة عدم الضبط من الثقات المعروفين: ما ذكره عبد الله عن أبيه قال سألت أبي عن حديث هشيم (٢) عن حصين عن عمرو بن مرة عن علقمة بن وائل عن أبيه عن النبي ﷺ في الرفع، قال: رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن

стр. 58

وائل عن النبي ﷺ ، خالف حصين شعبة، شعبة أثبت في عمرو بن مرة من حصين، القول قول شعبة، من أين يقع شعبة على أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل؟ ويبدو في هذا النص أن الإمام أحمد يرى أن حصينا قد أخذ الدرب المعروف والجادة المسلوكة: علقمة بن وائل عن أبيه، وتوهم حصين فيه، وأما شعبة فهو أحفظ وأثبت، فالإسناد كما روى شعبة لا كما روى حصين. وهذا الباب يحتاج من العالم المتصدي لبيان معرفة طبقات الرواة ومراتب أعيان الثقات وبيان مراتبهم في الحفظ ومن يرجح قوله منهم عند الإطلاق، فيجب على المحدث أن يعتني بمعرفة مراتبهم ومن أوثق من غيره في فلان ومَنْ كان يخطئ في فلان (١) . ويدخل هذا الباب في الشاذ أيضاً حيث تكون الموازنة بين الحافظ والأحفظ، كما يأتي إن شاء الله أمثلته. ومثال عدم الضبط في المتن: رفع ما ليس بمرفوع. حديث: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل. ألا وإن لكل أمة أمينا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. ذكر ابن حجر في "التلخيص الحبير" طرفاً منه ثم قال: “أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي قلابة عن أنس: "أرحم أمتي

стр. 59

بأمتي أبو بكر..." الحديث وفيه "وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت" صححه الترمذي والحاكم وابن حبان، وفي رواية للحاكم "أفرض أمتي زيد" وصححها أيضاً، وقد أعلَّ بالإرسال، وسماع أبي قلابة من أنس صحيح إلا أنه قيل لم يسمع منه هذا. وقد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه على أبي قلابة في العلل ورجح هو وغيره كالبيهقي والخطيب في المدرج أن الموصول منه ذكر أبي عبيدة، والباقي مرسل" (١) . ورجح ابن المواق وغيره رواية الموصول. وأخرج البخاري في باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح من طريق خالد عن أبي قلابة جزء “إن لكل أمة أمينا ...” إلخ فقط. قال ابن حجر في الفتح بعد ذكر الحديث بكامله: “إسناده صحيح. إلا أن الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري والله أعلم” (٢) . ومن أوهام الثقات: رواية الإسناد لمتن آخر. قال ابن أبي حاتم: “سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه محمد بن مصعب القرقساني عن الأوزاعي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبي ﷺ مر بشاة ميتة قد ألقاها أهلها فقال: ”زوال الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها”.

стр. 60

فقالا: هذا خطأ إنما هو: أن النبي ﷺ مر بشاة ميتة فقال: "ما على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها". فقلت لهما: الوهم ممن؟ قالا: من القرقساني” (١) . وبه عَلَّلَه الإمام أحمد، كما في "المنتخب من العلل" للخلال (٢) . وبه علله ابن حبان في المجروحين فقال: وهذا المتن بهذا الإسناد باطل (٣) . ومما يدخل في عدم تمام الضبط: الاضطراب. وهذه العلة من الأسباب الخفية المضعفة لحديث الراوي، لأنها لا تظهر، إلا بجمع الطرق والأسانيد كما تقدم في الباب الأول، ومعرفة الاختلاف على الراوي الذي عليه مدار الرواية، حتى يتعين موضع الاضطراب في السند أو المتن، وممن هو؟ مثاله: ما أخرجه ابن أبي شيبة ومن طريقه ابن ماجه والدارقطني وأحمد كلهم من طريق وكيع عن حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة قالت: ذكر عند رسول الله ﷺ قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال: "أراهم قد فعلوا استقبلوا بمقعدتي القبلة" (٤) . وأورده ابن أبي حاتم (٥) من طريق حماد وفيه عن عراك سمعت عائشة مرفوعاً.

стр. 61

قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا حديث فيه اضطراب والصحيح عندي عن عائشة من قولها (١) . وكذا أشار ابن حجر إلى الاضطراب في هذا الحديث في ترجمة خالد بن أبي الصلت (٢) . ولا يظهر هذا الاضطراب إلا بعد جمع طرق الحديث، فجمعناها فوجدنا الاضطراب فيه واضحاً. ١- فقد أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي، ثنا خالد عن رجل عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: "ما استقبلت القبلة بفرجي منذ كذا وكذا " فحدث عراك بن مالك عن عائشة أن النبي ﷺ (٣) قال .... وكذا عند الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق حماد عن خالد. ٢- وأخرجه الطحاوي أيضاً من طريق آخر عن حمّاد عن خالد الحذّاء عن خالد بن أبي الصلت وفيه، فحدث عراك بن مالك عن عروة بن الزبير عن عائشة مرفوعاً (٤) . فزاد فيه عروة بن الزبير، بين عراك وعائشة. ٣- وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير، من طريق وهب عن خالد عن رجل أن عراكاً حدث عن عمرة عن عائشة عن النبي ﷺ (٥) .

стр. 62

فهذه الألفاظ المختلفة عن خالد بن أبي الصلت، تدل على عدم ضبطه واضطرابه، فالاضطراب من العلل الخفية التي لا تظهر إلا بالمتابعات وجمع الطرق والشواهد، ومعرفة الراوي الذي عليه مدار الاختلاف لمعرفة صاحب العهدة في الاضطراب. ومن أمثلة المضطرب: سئل الداقطني عن حديث المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن جده عبد الرحمن عن النبي ﷺ " لا يغرم السارق" فقال: يرويه مفضل بن فضالة واختلف عنه: ١- فقيل عنه عن يونس بن يزيد عن سعد بن إبراهيم عن أخيه المسور عن عبد الرحمن بن عوف. ٢- وقيل عنه عن المسور عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف ولا يثبت القول. ٣- وقيل عنه عن سعيد بن إبراهيم قال أبو صالح الحراني: كذا كان في كتاب المفضل عن سعيد بن إبراهيم. ٤- وقيل عنه عن يونس عن الزهري عن سعيد بن إبراهيم ولا يصح هذا القول. ٥- وقال ابن لهيعة عن سعيد بن إبراهيم عن المسور بن مخرمة عن النبي ﷺ . ولا يصح أيضاً، وهو مضطرب غير ثابت (١) .

стр. 63

فقد حكم الدارقطني ﵀ على الحديث بالاضطراب، وجعل العهدة فيه على المفضل بن فضالة لكون مدار الاختلاف عليه، فهو الذي اضطرب. وروى عن يونس على أوجه مختلفة لا يمكن ترجيح بعضها على بعض وشرحها ودراستها تطول. ومن أمثلة المضطرب ما ذكره ابن أبي حاتم في علله قال: ١- "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه المبارك بن فضالة عن عبد الله ابن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين مَوْجُوءَيْن (١) " الحديث. ٢- وروى هذا الحديث حماد بن سلمة عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه جابر عن النبي ﷺ . ٣- وروى هذا الحديث الثوري فقال: عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة أو عائشة عن النبي ﷺ . ٤- ورواه عبيد الله بن عمر وسعيد بن سلمة فقالا: عن عبد الله بن محمد ابن عقيل عن علي بن حسين عن أبي رافع عن النبي ﷺ . قلت لأبي زرعة: فما الصحيح؟ قال: ما أدري، ما عندي في ذا شيء. قلت لأبي: ما الصحيح؟ قال أبي: ابن عقيل لا يضبط حديثه. قلت: فأيهما أشبه عندك؟ قال: الله أعلم. قال أبو زرعة: هذا من ابن عقيل، الذين رووا عن ابن عقيل كلهم ثقات” (٢) .

стр. 64

فهذا الحديث روي من أربعة وجوه كلها مختلفة، فرأى أبو زرعة أن العهدة فيه على ابن عقيل، هو الذي لم يضبط، وكان يخلط، وذكره الدارقطني في العلل وقال “والاضطراب فيه من ابن عقيل” (١) .

стр. 65

الفصل الثالث: في ذكر أمثلة وقعت العلة الخفية فيها لأجل عدم الاتصال ١- مثال العلة في اتصال السند إذا ثبت فيه انقطاع ظاهره السلامة والانقطاع هو عدم سماع بعض الرواة من البعض، فهو بحسب موقعه في الإسناد يتنوع إلى أنواع ويسمى بأسماء مختلفة: ١- إذا كان الانقطاع من آخر السند الذي في طرفه الصحابي والنبي ﷺ ، فيسمى مرسلاً. ٢- إذا كان الانقطاع في وسط السند وكان الساقط واحداً أو أكثر ولكن من غير التوالي، فيسمى منقطعاً. ٣- إذا كان الانقطاع من وسط السند باثنين على التوالي، فيسمى معضلاً. ٤- إذا كان الانقطاع من أول السند كُلاً أو بعضاً منه، فيسمى معلقاً. ٥- إذا كان الراوي معروفاً بالتدليس ففيه خوف الانقطاع فيحكم له بالانقطاع حتى يثبت له سماعه من شيخه. ولا يدخل في البحث الخاص بالعلة، إلا ما كان الانقطاع فيه خفياً لا ظاهراً. ولذلك لا نذكر من الأمثلة إلا ما كان الانقطاع فيها خفياً. مثال الانقطاع الذي فيه إمكان الانقطاع وعدمه: ما رواه مدلّس، مثل: أبي إسحاق السبيعي، روى الترمذي قال: حدثنا عبدُ بن حميد، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب، قال:

стр. 66

مات رجال من أصحاب النبي ﷺ قبل أن تُحرّمَ الخمر، فلما حُرّمت الخمر قال رجال: كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر. فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة:٩٣] ، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب. فنرى أن الترمذي يحسن ويصحح الحديث، وذكر -فيما يظهر والله أعلم- رواية شعبة عن أبي إسحاق بعدها متابعة لإسرائيل لرفع الاختلاط والتدليس عن أبي إسحاق في هذا الحديث؛ لأن شعبة كان أشد الناس على التدليس والمدلسين، ولأنه سمع من أبي إسحاق قبل اختلاطه فيما يظهر. فقال حدثنا بندار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: قال البراء فذكره ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. ولكن هنا خفي الاتصال، وظهر للناظر فيه أن شعبة لم يكن يروي عن المدلسين ومن أوثق الناس فالحديث صحيح، ولكن قد ظهر الانقطاع الخفي بعد جمع الطرق، فقد روى أبو يعلى في مسنده بعد إخراجه هذا الحديث: شعبة قال لأبي إسحاق: أسمعته من البراء؟ قال: لا (١) . وعليه فالحديث منقطع. وهذا النوع من الانقطاع الخفي. وأخرجه الدارقطني في سننه (٢) من ثلاث طرق: الأولى: من طريق معاوية بن سعيد التُجيببي ثنا الزهري عن أم عبد الله الدوسية.

стр. 67

الثانية: من طريق الحكم بن عبد الله بن سعد عن الزهري عن أم عبد الله الدوسية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجمعة واجبة على أهل كل قرية وإن لم يكونوا إلا ثلاثة رابعهم إمامهم". وقال الدارقطني في الثانية أي التي فيها التحديث: لا يصح هذا عن الزهري، كل من رواه عنه متروك. وقال في الثالثة: الزهري لا يصح سماعه من الدوسية، والحكم هذا متروك (١) . فهنا قد يخفى هذا الانقطاع، فإن الزهري وصف بتدليس قليل وبخاصة مع تصريح التحديث في بعض الروايات، فهذا النوع من الانقطاع الخفي داخل في العلة. ومن أمثلة العلة في اتصال السند إذا ثبت الانقطاع فيه وظاهره السلامة منه: ما رواه أبو داود: قال حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل والحسن بن علي قالا: ثنا عبد الرزاق -قال أحمد- ثنا معمر أخبرني أشعث، وقال الحسن: عن أشعث بن عبد الله عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في مستحَمِّه ثم يَغْتَسِل فيه"، وفي رواية: "ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه" (٢) . قال الحاكم في المستدرك: ”صحيح على شرطهما“، ووافقه الذهبي (٣) .

стр. 68

وقال المنذري في الترغيب: “إسناده صحيح متصل”. وهذا الإسناد الذي حكموا عليه بالصحة لا شك أن رجاله ثقات ولكن له علة خفية، وهي عنعنة الحسن وهو البصري. قال الذهبي فيه: “كان الحسن البصري كثير التدليس، فإذا قال في حديث: عن فلان، ضَعُفَ احتجاجه، ولا سيما عمن قيل: إنه لم يسمع منهم كأبي هريرة ونحوه” (١) . وهو وإن كانوا قد ذكروا له سماعاً من عبد الله بن مُغَفَّل، فليس معنى ذلك أن كل حديث له عنه موصول سمعه منه، بل لا بُدّ من تصريحه بالسماع من كل صحابي، يروي عنه ليكون حجة خالياً من عِلَّةٍ، هذا هو الذي يقتضيه علم مصطلح الحديث (٢) . ومن أمثلته: قال مُهنّا قلت لأحمد ويحيى: حدثوني عن عبد المجيد بن أبي روّاد عن عبيد الله بن عُمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان"، فقالا جميعاً: ليس بصحيح، وليس يعرف هذا الحديث من أحاديث عبيد الله ولم يسمع عبد المجيد بن أبي روَّاد من عُبيد الله شيئاً، ينبغي أن يكون عبد المجيد دلّسه سمعه من إنسان فحدث به (٣) . والانقطاع في الإسناد سبب مضعف للحديث كما هو واضح وهو قد يكون ظاهراً وقد يكون خفياً.

стр. 69

وهنا علّل الأئمة في الأحاديث المذكورة لخفاء الانقطاع. ومن أمثلته ما ذكره الحاكم في "معرفته" بإسناده عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من جلس مجلساً كثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذاك". قال أبو عبد الله: “هذا حديثٌ مَنْ تأمَّله لم يشك أنه من شرط الصحيح، وله علة فاحشة، ثم ذكر بإسناده أن مسلماً جاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبَّل بين عينيه وقال: دعني حتى أقبِّل رجلك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، فذكر الحديث بإسناد البخاري فقال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل قال: حدثنا وهيب قال: ثنا سهيل عن عون بن عبد الله قوله، قال محمد بن إسماعيل: هذا أولى فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماعٌ من سهيل” (١) . وكان الانقطاع هنا خفيّاً جداً، حتى أظهره أمير المؤمنين في الحديث: البخاري؛ لأن سهيلاً وموسى بن عقبة متعاصران، فقد مات سهيل بن أبي صالح سنة ١٣٨? تقريباً، ومات موسى بن عقبة قريباً من سنة ١٤١?، وسهيل لم يوصف بالتدليس فيما أعلم، وأما موسى بن عقبة فقد تُكلِّم في روايته عن الزهري فقط، ولم يتكلم أحد في روايته عن سهيل، وكلاهما مدني، فتعليل البخاري الحديث بالانقطاع بينهما -وقد كان خفياً شديداً- له اعتباره، فقد خفي هذا الانقطاع حتى على مسلم ﵀.

стр. 70

ويدخل في علة الانقطاع روايات شيوخ ثقات قد سمعوا من شيوخهم أحاديث كثيرة فإذا روى أحدهم من أحد شيوخه حديثاً لم يسمع منه، خفي على الناظر عدم السماع وحكم على الحديث بالاتصال والصحة في حين أن الحديث فقد شرط الاتصال. وهذا النوع من العلة لا يظهر إلا للجهابذة الذين يتتبعون روايات الشيخ واحدة واحدة. قال الإمام أحمد: قال سفيان: قلت لرجل: سل زيداً -يعني ابن أسلم- سمعته من عبد الله -يعني ابن عمر- حديث: "دخل النبي ﷺ مسجد بني عمرو ابن عوف، وهِبْتُ أن أسأله، فقال: يا أبا أسامة سمعتَه من عبد الله بن عمر؟ فقال: أما أنا فقد رأيته وكلّمته". قال أحمد أيضاً: حدثنا سفيان قال: حدثنا عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني عن أبيه عن عبد الله بن زيد، أن النبي ﷺ توضأ (١) . قال سفيان حدثنا يحيى بن سعيد عن عمرو بن يحيى منذ أربع وسبعين، فسألت بعد ذلك بقليل، فكان يحيى أكبر منه. قال أحمد: قال سفيان: سمعت منه ثلاثة أحاديث، وسمعت أنا هذا الحديث من سفيان ثلاث مرار. قال: قال سفيان: لم أسمع منه حديث عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ في الحمّام والمقبرة. قال الإمام أحمد: قد حدثنا به سفيان دلّسه (٢) .

стр. 71

وأخرج الترمذي من طريق إبراهيم النخعي عن عمرو بن ميمون عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ أنه سئل عن المسح على الخفين، فقال: "للمسافر ثلاثة وللمقيم يوم"، ثم قال: وقد روى الحكم بن (عتيبة) وحماد عن إبراهيم النخعي عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت، ولا يصح. وقال: قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد الله الجدلي حديث المسح (١) .

стр. 72

الفصل الرابع: في ذكر أمثلة وقعت العلة فيها لأجل الشذوذ وأما الشذوذ فقد مضى تعريفه، كما مضى ذكر الراجح في تعريفه، وهو: اشتراط مخالفة الراوي الثقة لمن هو أوثق منه، أو مخالفته جماعة من الثقات. وهذا السبب كاد أن يكون هو السبب الغالب في إثبات علة الحديث، لذا نرى الأئمة إذا ذكروا حديثاً في بعض الأحيان من طريق واحد أو إسناد خاص أو ذكروا المتن بلفظ خاص فيحشدون لَه طرقاً كثيرة لإثبات العلة وتعيين الصواب فيه. وهذه سيما يتميز بها كتاب "العلل" للدارقطني، ومن قبل كتاب "التمييز" للإمام مسلم ﵀. والشذوذ قد يكون في الإسناد بذكر راوٍ تفرد عنه أحد الرواة في حين خالفه الأكثرون. وقد يكون في المتن برفع موقوف أو وقف مرفوع أو إرسال موصول، أو وصل مرسل. وقد مضى قول الأئمة: السبيل إلى معرفة علة الحديث أن تجمع بين طرقه وتنظر في اختلاف رواته وتعتبر أي الخطأ والصواب بمكانهم من الحفظ. وقال ابن المديني: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه" (١) .

стр. 73

فأول حديث في علل الدارقطني: سئل الشيخ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الحافظ عن حديث عمر بن الخطاب عن أبي بكر في تزويج النبي ﷺ حفصة وقول أبي بكر لعمر: "لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضتَ عليّ، إلا أني علمتُ أن رسول الله ﷺ ذكرها، فلم أكن لأفشِيَ سرَّ رسول الله ﷺ ولو تركها لقَبِلْتها". قال: يرويه الزهري عن سالم عن أبيه عن عُمر "تأيّمتْ حَفْصة من خُنَيْس (١) بن حذافة السَّهْمي. وهو حديث صحيح من حديث الزهري رواه عنه جماعة من الثقات الحفاظ فاتفقوا على إسناده منهم: شعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، ويونس وعُقيل ومحمد بن أخي الزهري، وسفيان ين حُسَين، والوليد بن محمد الموقري وعبد الله بن أبي زياد الرصافي، وغيرهم عن الزهري فاتفقوا على لفظ واحد في قول أبي بكر لعمر: “لم يمنعني أن أرجع إليك شيئاً إلا أني قد كنت علمت أن رسول الله ﷺ ذكر حفصة”. ورواه معمر بن راشد عن الزهري بهذا الإسناد فجوّده وأسنده، وقال فيه: “لم يمنعني أن أرجع إليك شيئاً إلا أني كنتُ سمعتُ رسول الله ﷺ يذكرها، ولم أكن أفشي سرَّ رسول الله ﷺ “. وهو حديث صحيح عن الزهري أخرجه البخاري في الصحيح من حديث معمر ومن حديث صالح بن كيسان وشعيب عن الزهري. إلا أن معمراً قال: فيما حكى عنه هشام بن يوسف – قال فيه: حُبيش ابن حذافة، صحّف فيه.

стр. 74

وأما عبد الرزاق فقال عن معمر: خُنيس بن حذافة أو حذيفة. والصحيح أنه خُنَيس بن حذافة بن قيس السهمي أخو عبد الله بن حذافة (١) . ثم ذكر الدارقطني بعده الاختلافات الأخرى في الرواية، فالذي يظهر أن الدارقطني ﵀ ساق هذا القول لبيان أمرين: الأول: الاختلاف في قوله: “لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ”، وهو لفظ الجماعة. الثاني: في اسم زوج حفصة، فقال الجماعة أن اسمه خنيس بن حذافة، وقال معمر وحده حُبيش بن حذافة، وبه قضى للجماعة، وأثبت به تشذيذه لمعمر في هذين اللفظين، والله أعلم. مثال آخر: سئل الدارقطني عن حديث عمر عن أبي بكر عن النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" الحديث. فقال: هو حديث يرويه الزهري، واختلف عنه: فمِمّن رواه على الصواب: شعيب بن أبي حمزة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن الوليد الزبيدي وعُقَيْل، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والنعمان بن راشد، وسفيان بن حسين، وسليمان بن كثير، ومحمد ابن إسحاق، وجعفر بن بُرقان، وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم. فرووه عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة قال: قال عمر لأبي بكر. واختلف عن سفيان بن حُسين.

стр. 75

فأسنده عنه محمد بن يزيد الواسطي عن الزهري عن عبيد الله، عن أبي هريرة، وأرسله يزيد بن هارون، فأسقط منه أبا هريرة. ورواه معمر بن راشد واختلف عنه، فأسنده رباح بن زيد عن معمر عن الزهري عن عُبَيْد الله عن أبي هريرة بمتابعة من تقدم حديثه. وأرسله عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري عن عُبَيْد الله، لم يذكر أبا هريرة. ورواه عمران القطان عن مَعْمر، وقال: عن الزهري عن أنس بن مالك عن أبي بكر، ووهم فيه على معمر. ورواه يحيى بن أبي أُنَيْسة عن الزُهْري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ووهم أيضاً في ذكر سعيد. ورواه صالح بن أبي الأخضر فقال: عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة. ورواه الوليد بن مسلم عن شُعَيْب ومرزوق بن أبي الهذيل وسفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة. ووهم فيه على شعيب وعلى ابن عُيينة، لأن شعيباً يرويه عن الزهري عن عُبيد الله عن أبي هريرة. وابن عيينة يرويه عن الزهري مرسلاً لا يذكر فوقه أحداً. والقول الأول هو الصواب (١) . فهنا جمع الدارقطني ﵀ أحد عشر طريقاً لهذا الحديث عن الزهري
следующие страницы →