مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فقد نظرت في كثير مما ألف في التجويد على رواية حفص من المصنفات القديمة فاستقر عزمي على تأليف كتاب للطلاب، أجمع فيه خلاصة ما في تلك الكتب وأرتبه بأسلوب مناسب لمداركهم في هذا العصر، وقد بذلت غاية جهدي لأكمل ما نقص، وأوضح ما أبهم، ولأختار من التعريفات والتقسيمات أكثرها دقة، وخاصة في باب مخارج الحروف، حيث يختلفون فيه اختلافًا ملحوظًا مع أنه أهم أبواب هذا الفن، ويليه باب الصفات، وهذان البابان يعتمدان اعتمادًا كبيرًا على دقة التطبيق العملي للنطق الصحيح الفصيح، وقد كنت أخضع ما يقوله بعض الشراح والعلماء من أهل هذا الفن للتجارب العملية في فصول الدراسة عند تدريس القرآن في المعهد الثانوي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وإن كنت لم أجد من الإمكانات أكثر من ذلك للتحقيق لكنني بذلك توصلت إلى بعض النتائج التي تيسر على الطالب قواعدها هذا العلم..
والأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسات الدقيقة والجهود المخلصة والإمكانات والوسائل الحديثة لتستخدم في هذه الدراسات، والمقصود الرئيسي خدمة القرآن الكريم، والتوصل إلى النطق العربي النبوي الفصيح لكتاب الله.
стр. 2
وليعلم كل من درس هذا العلم أو قام بتدريسه أنه وإن كان يعتمد على النقل والرواية فحسب إلا أن مرجعه في الحقيقة الذوق العربي السليم الفصيح، لأن القرآن نزل بلسان العرب، وكانوا يلجئون في لغتهم دائمًا إلى الحسن الجميل السهل في النطق، ويفرون من الثقيل على ألسنتهم المستبشع في أذواقهم، فكالنوا يحلون كلامهم بكل مستحسن جميل في النطق ويميلون إلى السهولة واليسر.
ولذا وصف التجويد بأنه حلية التلاوة وزينة الأداء، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "زينوا القرآن بأصواتكم" رواه الحاكم، وقال ابن الجزري في المقدمة:
وهو أيضًا حلية التلاوة ... وزينة الأداء والقراءة
وعلى مدرسي هذا العلم أن يلحظوا أثناء تدريسهم أنه لابد من الإكثار من التطبيق وممارسة النطق الصحيح من الطلاب، وهناك ثلاث مراحل ينبغي أن يتدرج فيها المبتدئ في هذا الفن:
الأولى: تصحيح نطقه بتحقيق مخارج الحروف وصفاتها اللازمة حتى لا يخلط الحروف ببعضها، وحتى يتعود التمييز بينها، والنطق بها نطقًا صحيحًا، بإخراج كل حرف من مخرجه المحقق، وبالمحافظة على حركات الإعراب، والتنبه للوقوف اللازمة أو الممنوعة التي يترتب عليها إخلال بالمعنى، وفي هذه المرحلة يعنى المعلم أولًا بتصحيح اللحن الجلي المعروف حده وتعريفه في هذا الفن، وبتصحيح الخلل الواضح في النطق الذي يؤدي إلى خلل في المبنى أو في المعنى.. ويعنى أيضًا
стр. 3
بالأحكام الواجبة، كالمدود اللازمة، والطبيعية، ومواضع الإظهار ونحو ذلك.
الثانية: يرتقي فيها المعلم مع التلميذ إلى العناية بأحكام الحروف وصفاتها التكميلية، أي: لا تتوقف صحة النطق عليها، ولكنها من مقتضيات الفصاحة والكمال، كالترقيق والتفخيم، والغنة، والإدغام والإخفاء والإقلاب، والمدود الجائزة، ومن الصفات مثل القلقلة واللين، والانحراف، والإصمات، والإذلاق، وتحقيق التكرار، ومن الوقوف: المواضع الواضحة التي يظهر فيها تعلق المعنى أو عدم تعلقه وحسنه أو قبحه، ويبدأ في هذه المرحلة بتصحيح الأخطاء الخفية.
الثالثة: وهي المرحلة الأخيرة وتعتبر مرحلة المتقنين، فالتلميذ فيها يكون مجودًا محققًا لأحكام الحروف ومخارجها وصفاتها، ويكون نطقه سليمًا من الأخطاء الجلية، ومعظم الأخطاء الخفية، إلا أنه بعد لم يكتمل إتقانه، ولم يبلغ درجة كافية من المهارة في النطق، وحتى لو بلغ درجة المتقنين، فإن المتقنين على مراتب متفاوتة، والإتقان درجات بعضها فوق بعض، وقمة الإتقان ومنتهاه نطق رسول الله ﷺ الذي لم يأذن الله لشيء ما أذن له وهو يقرأ القرآن يجهر به ويتغنى به١
في هذه المرحلة الأخيرة يهتم المعلم بالنواقص الخفية التي تخل بالإتقان لا بالنطق، كالتدقيق في مقادير المدود ودرجاتها، ومراعاة المعاني الدقيقة في الوقوف، وبلوغ الغاية من المهارة في تحقيق الصفات.
стр. 4
وينبغي أن يوفر المعلم أثناء درس التجويد والقراءة فرصتين لتلاميذه:
إحداهما: السماع للنطق الصحيح، فيقرأ لهم وهم يتابعونه في المصحف أو على السبورة.
والأخرى: النطق الصحيح، فيقرءون وهو يستمع ويتابع ويصحح الأخطاء.
وليعلم كل طالب علم معنيّ بهذا الفن العظيم أنه من الفنون والعلوم العملية التي لا يمكن أخذها من الكتب وحدها، بل لابد من الممارسة والتطبيق، والإكثار من التمرين حتى يستقيم لسانه ويعتاد النطق السليم، قال ابن الجزري:
وليس بينه وبين تركه ... إلا رياضة امرئ بفكه
كما أنه من العلوم التي ترجع إلى السماع والنقل ولا مجال فيه للقياس فلابد من سماع القرآن من مجود متقن وعرضه عليه، وليحذر طالب التجويد الذي يروم التقحيق والإتقان أن يتلقى القراءة إلا من مجود متقن وكان السلف يشترطون في ذلك اتصال السند إلى النبي ﷺ لأن هذا العلم سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول كما ثبت عن عمر وزيد بن ثابت ﵄.
ولكن المعاصرين كثيرًا ما يخطئون فيه، وكذا أهل الأداء ومن انتسب إليهم، فإن العناية اليوم بالتحقيق ضعيفة، خاصة في هذا الميدان. حتى صار من الصعب الوثوق بمجود يقرر حكمًا حتى يثبت مرجعه أو اتصال سنده.
стр. 5
واعتمادي في هذا لكتاب على عدد من مراجع هذا الفن من كتب السلف المعتمدة، أولها: المقدمة فيما على قارئه أن يعلمه، وشروحها وهي كثيرة، لكنني رجعت إلى: شرح ابن المصنف مخطوطًا، وشرح الملا علي القاري، وشرح الشيخ زكريا الأنصاري، وتعليقات الشيخ خالد الأزهري.
ومما دفعني إلى تأليف هذه الرسالة ما علمته من اهتمام والدي ﵀ الشيخ عبد الفتاح القارئ -وهو شيخي في القراءة- بتأليف راسلة في رواية حفص استجابة لطلب إدارة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ورئيسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وفقه الله وبارك في عمره، لكن عاق والدي عن ذلك الأجل المحتوم الذي أدركه، أسأل الله له الرحمة والرضوان، وأن يتقبل مني عملي هذا وينفع به طلبة القرآن، إنه سميع قريب.
كتبه بالمدينة النبوية في المحرم عام ١٣٩٣ هـ أبو عاصم عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ
стр. 6
لمحة موجزة من تاريخ التجويد والقراءات:
لقد تعبد الله خلقه بتلاوة هذا القرآن العظيم، ووعدهم عليها الثواب الجزيل، وأثابهم على كل حرف منه عشر حسنات وأمرهم أن يتفكروا فيه، ويتدبروا معانيه، حتى يصلوا إلى المقصود والمراد وهو تحقيق مبادئه وتطبيق أحكامه، وشرع للقراءة صفة معينة، وأمر نبيه بها فقال: ﴿وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [٤: المزمل] وقال: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ . [١٠٦: الإسراء]
وكان ﷺ من حرصه على إتقان القرآن يستعجل عندما كان يلقنه جبريل ﵇ ويقرئه إياه فقال : ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [١٦، ١٧: القيامة] .
وكان ﷺ يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة في رمضان، وفي السنة التي توفي فيها عرضه مرتين.
وقد علم النبي ﷺ الصحابة القرآن كما تلقاه من جبريل، ولقنهم إياه بنفس الصفة، وحثهم على تعلمها والقراءة بها، وروي عنه أنه قال: "إن الله يحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل" رواه ابن خزيمة في صحيحه عن زيد بن ثابت.
ثم خص نفرًا من أصحابه أتقنوا القراءة حتى صاروا أعلامًا فيها، خصهم بمزيد من العناية والتعليم، وكان منهم: أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو
стр. 7
موسى الأشعري، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وغيرهم. وكان ﷺ يتعاهدهم بالاستماع لهم أحيانًا، وبإسماعهم القراءة أحيانًا أخرى، فقد جاء في الحديث الصحيح أنه طلب من ابن مسعود أن يقرأ عليه فقرأ حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [٤١: النساء] قال: حسبك. فالتفت فإذا به ﷺ تذرف عيناه١.
وجاء عنه أنه قال لأبي بن كعب: "يا أبا المنذر، إني أمرت أن أقرأ عليك القرآن" ٢
وقال ﷺ بتعلم القراءة، وبتحري الإتقان فيها، بتلقيها عن المتقنين الماهرين: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب" ٣.
كل هذا وغيرها يدل على أن هناك صفة معينة للقراءة، هي الصفة المأخوذة عنه ﷺ ، وبها أنزل القرآن فمن خالفها أو أهملها فقد خالف السنة وقرأ القرآن بغير ما أنزل.
وصفة القراءة هذه التي اصطلحوا على تسميتها بعد ذلك بالتجويد تتضمن لهجات العرب الفصحى، وطريقتهم في النطق، وهذا من مقتضى كون القرآن عربيًا، فهو عربي في لفظه ومعناه، وأسلوبه وتركيبه، ولهجته وطريقة النطق به، ولذلك تجد كثيرًا من
стр. 8
مباحث التجويد والقراءة في علم اللغة والنحو، فهي مباحث مشتركة بين الطرفين.
وقد اهتمت الأمة بهذا العلم الجليل، وقام علماء السلف -رضوان الله تعالى عليهم- بخدمته ورعايته بالتصنيف والقراءة والإقراء، حتى ليكاد القارئ يقول: لم يتركوا للآخرين شيئا.
وإني كلما اطلعت على شيء من مصنفاتهم ازداد يقيني بأن ما صنفه هؤلاء في القراءات والتجويد يشكل مكتبة قرآنية ضخمة لا تعادلها مكتبة أخرى، ومازالت الكنوز المدفونة في هذه المكتة تكشف عن روائعها كل يوم.
تاريخ التأليف في هذا الفن:
لعل أول من جمع هذا العلم في كتاب: الإمام العظيم أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفي سنة ٢٢٤ هـ، فقد ألف كتاب القراءات الذي قال عنه الحافظ الذهبي: ولأبي عبيد كتاب في القراءات ليس لأحد من الكوفيين قبله مثله١
وقيل: إن أول من جمع القراءات وألف فيها: حفص بن عمر الدوري المتوفى سنة ٢٤٦ هـ ٢. واشتهر في القرن الرابع الهجري الحافظ أبو بكر بن مجاهد البغدادي، وهو أول من سبع السبعة، وأفرد القراءات السبعة المشهورة في كتاب وتوفي سنة ٣٢٤ هـ.
стр. 9
وفي القرن الخامس اشتهر الحافظ الإمام أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني مؤلف كتاب التيسير في القراءات السبع، والذي صار عمدة القراء بعده فهم يدورون حوله شرحًا ونظمًا، وقراءة وإقراء، وله تصانيف كثيرة في هذا الفن وغيره، قال الحافظ الذهبي: بلغني أن له ماية وعشرين مصنفًا١. وقد عد ابن الجزري منها في طبقاته واحدًا وعشرين كتاب.
توفي أبو عمرو الداني سنة ٤٤٤هـ.
واشتهر في هذا القرن أيضًا الإمام مكي بن أبي طالب القيسي القيرواني وقد ألف كتاب لا تعد ولا تحصى في القراءات وعلوم القرآن وغيرها، وذكر ابن الجزري في طبقاته أن له نيفًا وثمانين تأليفا، قلت: وقد وجد الكثير منها، ومن أشهرها التبصرة في القراءات وشرحه الكشف عن وجوه القراءات وعللها، والإبانة عن معاني القراءات، والرعاية في التجويد.
وفي القرن السادس الهجري اشتهر شيخ هذا الفن الذي تسابق العلماء إلى لاميته، وانكبوا عليها انكباب الفراش على النور، تلك هي الشاطبية التي أسماها حرز الأماني ووجه التهاني نظم فيها القراءات السبعة المتواترة في ثلاثة وسبعين وألف بيت، وذاك هو أبو القاسم بن فيرة بن خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي الأندلسي.
توفي سنة ٥٩٠ من الهجرة.
стр. 10
وبعده ما زالت العلماء تترى في هذا الفن في كل عصر وقرن، حاملين لواء القرآن آخذين بزمام علومه إقراءً وتطبيقًا، وصارفين الأعمار لخدمته تصنيفًَا وتحقيقًا، حتى قيض الله له إمام المحققين ورئيس المقرئين محمد بن الجزري الشافعي، فتتلمذ عليه خلق لا يحصون وألف كتبًا كثيرة أشهرها النشر في القراءات العشر ضمنه السبعة وزاد عليها قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف، ثم اختصره في كتابه تقريب النشر ثم نظم في هذه القراءات العشر منظومة أسماها طيبة النشر، ونظم في القراءات الثلاث الدرة المضية.
ونظم في التجويد المقدمة فيما على قارئه أن يعلمه وقد تداولها أهل هذا الفن وعنوا بها، وممن شرحها ابن الناظم، ثم وضع لها الشيخ خالد الأزهري شرحًا مختصرًا سماه الحواشي الأزهرية، وشرحها أيضًا الشيخ زكريا الأنصاري، والملا علي القاري، وغيرهم.
وقد أفرد العلماء بعض أبواب هذا الفن بالتصنيف، كمخارج الحروف وصفاتها ومن أشهر الكتب فيها الرعاية لمكي، وكالفرق بين الضاد والظاء، والممدود والمقصور، والوقف والابتداء، وأحكام النون الساكنة والتنوين.
وإن من أماني النفس أن نرى هذه المكتبة القرآنية العظيمة التي تحوي كنوزًا مدفونة لا حصر لها وقد أبرزت للدنيا وكشفت للناس، فيفرح بها المسلمون، وينتفع المقرئون، ويشهد الشانئون الحاقدون مقدار عظمة هذا الدين، وعظمة كتابه المبين، ويروا بأعينهم معنى الحفظ الذي تكفل الله به لهذا الكتاب العظيم ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
стр. 11
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [٩: الحجر] . ولعل بوادر نهضة في مجال الدراسات القرآنية قد بدت في الأفق، فإن القرآن لا تنفد عجائبه وعلومه، وما زال علم القراءات والتجويد يحتاج إلى مزيد من البحث والتدقيق باستخدام الوسائل المعاصرة.
ولا شك أن القارئ المعاصر، والتلميذ الحديث يحتاج مع ذلك إلى تقريب هذا الفن إلى ذهنه، وتحبيبه إلى قلبه بصياغته في ثوب جديد وأسلوب حديث، إذ أكثر المصنفات السالفة ألفت لمستويات رفيعة من المتفرغين وطلبة العلم المتخصصين، ووضعت بأسلوب غير أسلوبنا، وهم معذورون في ذلك إذ كانت الهمم أعلى، والعزائم أقوى، والنفوس مقبلة على العلم متفرغة له.
وجزى الله أسلافنا العلماء خير الجزاء عن القرآن وطلابه، وعن الإسلام وأهله.
стр. 12
القراءات المتواترة:
تواتر عن رسول الله ﷺ "أن القرآن أنزل على سبعة أحرف" -أي: سبعة أوجه من أوجه القراءة- تتضمن مختلف لغات العرب ولهجاتها الفصحى، وعلى رأسها لغة قريش حيث كان نزول القرآن أول ما نزل بها.
وكان ﷺ يقرئ أصحابه بهذه الأحرف فيذهب كل واحد منهم وهو يقرأ بقراءة غير التي يقرؤها صاحبه.
وتفرق الصحابة في البلاد، وأخذ عنهم الناس القرآن، ثم كثر تنازع الناس واختلافهم في القراءة، حتى خشي حذيفة بن اليمان ﵁ أن يصيبهم مثل ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف في كتابهم.
لقد كان الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- على وعي وإدراك تام لمعنى هذه الأحرف المختلفة والمقصود منها بعد أن علمهم النبي ﷺ أما الناس فلم يصل إدراكهم وفهمهم إلى ما وصل إليه أولئك، ولذلك استقر إجماع الصحابة على أن يجمعوا الأمة على مصحف واحد، فكتب عثمان بن عفان المصاحف وبعث بها إلى الأمصار، وأجمعت الأمة على ما كتبه في هذه المصاحف واطرحوا ما سواه فلم يقرءوا به، وما زال المسلمون على ذلك إلى اليوم.
اعتمد عثمان ﵁ في النص الذي كتبه، على العرضة الأخيرة التي عرضها فيها النبي ﷺ القرآن على جبريل مرتين قبل موته،
стр. 13
وجعل الأصل في خطه أن يكون على لسان قريش١ عند الاختلاف، وإذا أمكن الجمع بين الأحرف في الخط كتبوه كذلك وإلا اختاروا حرف قريش في الغالب.
والقرآن: إنما يتلقى بالرواية كما سبق بيانه، وينقل عبر الدهور في الصدور، فيرويه الجمع العظيم من القراء الضابطين عن شيوخهم، ويتسلسل السند إلى النبي ﷺ ولذلك كان الشرط الأول لقبول القراءة وثبوت قرآنيتها:
تواتر السند إلى النبي ﷺ أو استفاضته على الأقل، وقد ثبت عن زيد بن ثابت قوله: القراءة سنة متبعة.
ولكي لا يقع القارئ فيما اتفق الصحابة على اطراحه وتركه من الأحرف السبعة ويخرج على إجماعهم فإنهم اشترطوا أيضًا:
موافقة القراءة لخط المصاحف العثمانية ورسمها ولو تقديرًا.
فإذا لم يحتملها الرسم اعتبرت القراءة شاذة وإن صح سندها، فلا يقرأ بها القرآن، وبعضهم يزيد شرطًا ثالثًا هو:
أن توافق القراءة وجهًا من العربية.
فإذا تأملت هذه الشروط، فاعلم أن كل قراءة تعرض عليها فإن تحققت فيها فهي قرآن ثابت عن النبي ﷺ وهي مما تضمنه مصحف عثمان وأجمع عليه الصحابة، فيقرأ بها بلا خلاف، ولا يجوز إنكارها أو ردها، ومن هذا يتبين لك أنه لا تحديد في الأصل لعدد القراءات أو
стр. 14
أعيان القراء الذين يقرأ بروايتهم، ولذلك كان كثير من علماء السلف يقرأ بقراءات ثبتت عندهم من غير طريق هؤلاء السبعة المشهورين، ولم يلتزموا في عدد الرواة بسبعة ولا بسبعين.
فابن جرير الطبري ﵀ روى في كتابه واحدًا وعشرين قراءة.
وكذلك فعل أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه القراءات.
وإسماعيل بن إسحاق القاضي صاحب قالون، وغيرهم.
يقول مكي بن أبي طالب القيسي في كتابه الإبانة: وقد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين ممن هو أعلى رتبة وأجل قدرًا من هؤلاء السبعة.
أما القراء السبعة فكان أول من اختارهم واقتصر عليهم في كتابه أبو بكر بن مجاهد في القرن الرابع الهجري ولذلك يوصف بأنه مسبع السبعة، وتبعه في ذلك أبو عمرو الداني، والشاطبي، وغيرهما، وإنما كان اختيار ابن مجاهد وغيره لهؤلاء القراء السبعة بقصد التيسير على الأمة، فإنهم رأوا الهمم قصرت والأفهام عجزت عن استيعاب طرق القراءات كلها، فنظروا في أئمة القراءة وأكثرهم ضبطًا وإتقانًا، واختاروا منهم هؤلاء، وابن مجاهد إنما جعلهم سبعة ليوافق عدد مصاحف عثمان ﵁ والقراء السبعة هم:
١ نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، ويكنى أبا رويم مولى جعونة بن شعوب الليثي حليف حمزة بن عبد المطلب، أصله من أصبهان، أخذ القراءة عن سبعين من التابعين.
стр. 15
أشهر من روى عن نافع: قالون واسمه عيسى بن مينا، وورش واسمه عثمان بن سعيد.
توفي نافع بالمدينة سنة ١٦٩هـ.
٢ عبد الله بن كثير الداري: إمام أهل مكة في القراءة، تابعي جليل، أخذ القراءة عرضًا عن عبد الله بن السائب ﵁ وعرض أيضًا على مجاهد مولى ابن عباس ﵄ توفي سنة ١٢٠هـ أشهر الرواة لقراءته: قنبل واسمه محمد بن عبد الرحمن المكي، والبزي واسمه أحمد بن محمد بن عبد الله.
٣ أبو عمرو بن العلاء بن عمار التميمي المازني البصري، واسمه زبان كما ذكر الذهبي وغيره، وهو أحد التابعين: سمع من أنس بن مالك، وقرأ على شيوخ لا يحصون، وهو أكثر القراء السبعة شيوخًا. توفي سنة ١٥٤ هـ، وأشهر الرواة لقراءته الدوري وهو أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز الأزدي، والسوسي وهو أبو شعيب صالح بن زياد.
٤ عبد الله بن عامر بن يزيد اليحصبي، إمام أهل الشام في القراءة وأحد التابعين، أخذ القراءة عرضًا عن أبي الدرداء ﵁ وعن المغيرة بن أبي شهاب صاحب عثمان بن عفان ﵁ وقيل: إنه سمع بعض القرآن من عثمان وأنه قرأ على فضالة بن عبيد.
стр. 16
توفي بدمشق سنة ١١٨هـ، وأشهر الرواة لقراءته هشام بن عمار الدمشقي وابن ذكوان واسمه عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان القرشي.
٥ عاصم بن أبي النجود تأتي ترجمته مستقلة.
٦ حمزة بن حبيب الزيات أبو عمارة الكوفي التيمي مولاهم، أخذ القراءة عن الأعمش، وكان الأعمش يجود قراءة ابن مسعود، وقرأ على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وكان يجود قراءة علي، وقرأ على أبي إسحاق السبيبعي وكان يأخذ من قراءة ابن مسعود وقراءة علي، وقرأ على حمران بن أعين وكان حمران يأخذ بقراءة ابن مسعود ولا يخرج عن موافقة مصحف عثمان وهذا كان اختيار حمزة.
قال العجلي: قال أبو حنيفة لحمزة: شيئان غلبتنا عليهما لسنا ننازعك فيهما القرآن والفرائض. وكان شيخه الأعمش إذا رآه أقبل يقول: هذا حبر القرآن.
توفي حمزة سنة ١٥٦هـ، وأشهر الرواة لقراءته خلف وهو ابن هشام البزار وخلاد بن خالد الصيرفي الكوفي.
٧ الكسائي هو علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الأسدي مولاهم، أصله من أولاد الفرس، وهو الكسائي الكبير إمام النحو والقراءة، وإليه انتهت رئاسة الإقراء بالكوفة بعد شيخه حمزة.
توفي سنة ١٨٩هـ، وأشهر من روى عنه أبو الحرث الليث بن خالد البغدادي والدوري حفص بن عمر.
стр. 17
فهؤلاء هم القراء السبعة الذين تلقت الأمة قراءتهم بالقبول وثبت تواترها إلى النبي ﷺ بالإجماع.
وزاد ابن الجزري في نشره ودرته ثلاثة قراء، هم:
١ أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي المدني، شيخ نافع وأحد التابعين المشهورين، أخذ القراءة عرضًا عن مولاه عبد الله بن عياش ﵁ وعن أبي هريرة، وعبد الله بن عباس، رضوان الله عليهم أجمعين.
توفي أبو جعفر بالمدينة سنة ١٣٠هـ.
وقد روى ابن الجزري قراءته من روايتي عيسى بن وردان وسليمان بن جماز.
٢ يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي مولاهم البصري، إمام أهل البصرة ومقرئها، أخذ القراءة عن سلام الطويل، وشهاب بن شرنفة. قال يعقوب: قرأت على سلام في سنة ونصف، وقرأت على شهاب بن شرنفة المجاشعي في خمسة أيام، وقرأ شهاب على مسلمة بن محارب في تسعة أيام، وقرأ مسلمة على الأسود الدؤلي على علي بن أبي طالب ﵁.
قال ابن الجزري في الطبقات: وقراءته على أبي الأشهب عن أبي رجاء عن أبي موسى في غاية العلو.
روى ابن الجزري قراءته من روايتي رويس وروح.
стр. 18
٣ خلف بن هشام البزار الأسدي، أحد رواة قراءة حمزة، أخذ القراءة عن عبد الرحمن بن حماد عن حمزة، وعن سليم عن حمزة، وعن يعقوب بن خليفة الأعشى، وأبي زيد سعيد بن أوس عن المفضل الضبي، وروى الحروف عن إسحاق المسيبي، وإسماعيل بن جعفر، وعبد الوهاب بن عطاء، وسمع من الكسائي.
روى ابن الجزري قراءته من روايتي إسحاق الوراق وإدريس الحداد.
стр. 19
ترجمة عاصم:
إسناده وشيوخه: هو عاصم بن أبي النجود -ويقال ابن بهدلة- الأسدي مولاهم شيخ الإقراء بالكوفة، وأحد التابعين، قال ابن الجزري: روى عن أبي رمثة رفاعة بن يثربي التميمي، والحارث بن حسان البكري وكانت لهما صحبة، أما حديثه عن أبي رمثة فرويناه في مسند أحمد بن حنبل، وأما حديثه عن الحارث فرويناه في كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام.
وإسناد عاصم في القراءة ينتهي إلى عبد بن مسعود وعلي بن أبي طالب ﵄ ويأتي إسناده في العلو بعد ابن كثير وابن عامر، فبين عاصم وبين النبي ﷺ رجلان، وليس بين ابن كثير وابن عامر وبين النبي ﷺ إلا الصحابي، وقد قرأ عاصم القرآن على أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁ وقرأ على زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود، ﵁.
وكان يتردد عليهما فيأخذ من هذا قراءة ابن مسعود ومن ذاك قراءة علي وهكذا استوثق في القراءة وجمع فيها بين أقوى المصادر، فأبو عبد الرحمن السلمي تابعي مشهور روى عنه الأئمة الحديث كما رووا القراءة، وأخرج له البخاري ومسلم وغيرهما، وزر بن حبيش أيضًا أحد الأعلام وقد عرض القرآن على عبد الله، وعلي رضوان الله عليهم أجمعين.
وكان عاصم يقرئ حفصًا بقراءة علي بن أبي طالب التي يرويها
стр. 20
من طريق أبي عبد الرحمن، ويقرئ أبا بكر بن عياش بقراءة ابن مسعود التي يرويها من طريق زر بن حبيش، وقرأ عاصم أيضًا على أبي عمرو سعد بن إياس الشيباني الكوفي، وأبو عمرو هذا أدرك النبي ﷺ ولم يره، وقد أخذ القراءة عن عبد الله بن مسعود.
تلاميذه: أما تلاميذ عاصم الذين رووا عنه فكثيرون، عد منهم الذهبي:
الأعمش، والمفضل بن محمد الضبي، وحماد بن شعيب، وأبا بكر بن عياش، وحفص بن سليمان، ونعيم بن ميسرة. وهؤلاء قرءوا عليه القرآن.
وممن روى عنه: عطاء بن أبي رباح، وأبو صالح السمان، وهما من شيوخه، وأبو عمرو بن العلاء، وحمزة بن حبيب الزيات، والحمادان، والسفيانان، وشعبة، وأبان، وشيبان، وأبو عوانة، وزاد ابن الجزري: إسماعيل بن مجالد، وسلامة بن سليمان أبا المنذر، وسهل بن شعيب، والضحاك بن ميمون، وعصمة بن عروة، وعمرو بن خالد، والمفضل بن صدقة، ومحمد بن زريق، ونعيم بن يحيى، والحسن بن صالح، والحكم بن ظهير، والحارث بن نبهان، والمغيرة الضبي، ومحمد بن عبد الله العزرمي. وغيرهم.
مكانته وثناء الأئمة عليه: سبق أن بينا إسناد قراءته وعلوها وأنه استوثق في الرواية ولم يكتف بطريق واحدة، ولذا فقد أثنى عليه الأئمة وقدموه في القراءة، وتلقوا روايته بالقبول، واعتبروا قراءته في مقدمة القراءات المتواترة التي أجمع الناس على أنه يقرأ بها القرآن.
стр. 21
روى عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: سألت أبي: أي القراءة أحب إليك؟ فقال: قراءة أهل المدينة فإن لم يكن فقراءة عاصم.
وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: ما رأيت أحدًا أقرأ من عاصم بن أبي النجود.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي: عاصم بن بهدلة صاحب سنة وقراءة كان رأسًا في القرآن.
وقد تلقى الأئمة حديثه بالقبول فقال فيه الإمام أحمد: صالح خيّر ثقة. ووثقه كذلك أبو زرعة وجماعة، وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: حسن الحديث.
توفي ﵀ وجزاه عن الأمة خير الجزاء سنة ١٢٠ من الهجرة.
стр. 22
ترجمة حفص:
إسناده وشيوخه: حفص بن سليمان الدوري الغاضري الأسدي مولاهم، صاحب عاصم وربيبه، أخذ عنه القراءة وأتقنها فشهد له العلماء بالإمامة فيها، قال الذهبي: روى الحديث عن علقمة بن مرثد البناني، وأبي إسحاق السبيعي، وكثير بن زاذان، ومحارب بن دثار، وإسماعيل السدي، وليث بن سليم، وعاصم.
تلاميذه: أخذ عنه القراءة عرضًا وسماعًا: عبيد بن الصباح، وأخوه عمرو بن الصباح، وأبو شعيب القواس، وحمزة بن القاسم، وحسين بن محمد المروزي، وخلف الحداد، وسليمان بن داود الزهراني، وحمدان بن أبي عثمان الدقاق، والعباس بن الفضل بن يحيى بن شاهي بن فراس الأنباري، وحسين بن محمد بن علي الجعفي، وأحمد بن جبير الأنطاكي، وسليمان الفقيمي. وروى عنه أيضا: بكر بن بكار، وآدم بن أبي إياس، وهشام بن عمار، وأحمد بن عبده، وعلي بن حجر، وعمرو الناقد، وهبيرة التمار، وغيرهم.
ثناء العلماء عليه: أما في القراءة فيعدونه مقدمًا على أبي بكر بن عياش شعبة، وهو الراوي الآخر عن عاصم، فهو أكثر حفظًا وإتقانًا، ولذلك اشتهرت روايته وتلقاها الأئمة بالقبول، يقول الحافظ الذهبي: وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ بها على عاصم. وقال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت عن عاصم رواية حفص بن سليمان.
стр. 23
وليس ذلك بغريب فقد كان ربيب عاصم فلازمه وأتقن قراءته، وكان كما قال ابن المنادى: قد قرأ على عاصم مرارًا.
وبين حفص وشعبة من الحروف المختلفة فيها خمسمائة وعشرون حرفًا كما ذكر ابن مجاهد، وقد سبق أن رواية حفص ترتفع إلى علي بن أبي طالب، وأن شعبة ترتفع روايته إلى عبد الله بن مسعود.
وتكلم المحدثون في حديث حفص من جهة ضبطه للحديث، وذلك لا يؤثر في قراءته فإنه كان متخصصًا بالقراءة متقنا لها ولم يكن شأنه كذلك في الحديث.
قال الذهبي في ميزان الاعتدال: كان ثبتا في القراءة واهيًا في الحديث لأنه كان يتقن القرآن ويجوده ولا يتقن الحديث وإلا فهو في نفسه صادق.
توفي حفص ﵀ وجزاه عن القرآن وأهله أحسن الجزاء سنة ١٨٠ هـ.
وقد قرأت القرآن بروايته على والدي ﵀ الشيخ عبد الفتاح القارئ بن الشيخ عبد الرحيم بن الشيخ ملا محمد الآقورغاني الخوقندي الفرغاني، عرضًا وسماعًا أكثر من عشر مرات.
وتلقيت عنه الجزرية. وقد أجازني في قراءة حفص شفاهيًا.
وهو قرأ القرآن عرضًا وسماعًا بمضمن الشاطبية وطرقها على شيخه الشيخ أحمد بن السيد حامد التيجي المصري الريدي، وانتهى من
стр. 24
العرض عليه بمكة المكرمة سنة ١٣٦٢هـ، وقد أجازه في القراءات السبع وأخبره بإسناده قائلًا: أخذت طرق القراءات السبع من طرق الشاطبية على ما اختاره الواثق بربه المغني الشيخ عبد الرحمن اليمني، وعلى ما اختاره الشيخ سلطان المزاحي، أخذتها من شيخي وأستاذي الشيخ محمد سابق إلى قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وعاقني عن إتمام الختمة موته وقد أجازني شفاهيًا، فاستأنفت ختمة للأئمة العشرة من طريق الشاطبية والدرة على تلميذ شيخنا المذكور الشيخ عبد العزيز كحيل شيخ القراء والمقارئ بمدينة الإسكندرية، وأخبرني أنه قرأ على الشيخ محمد سابق المذكور، وأخذ الشيخ محمد سابق عن الإمام الشيخ خليل عامر المطوبسي، عن الشيخ علي الحلو إبراهيم بسمنود، وهو عن الشيخ سليمان الشهداوي الشافعي، والشيخ سليمان نقل ما ذكر عن الشيخ مصطفى الميهي، وهو عن والده الشيخ علي الميهي البصير بقلبه، وهو نقل ما ذكر عن مشايخ منهم: الشيخ المحلي، والشيخ إسماعيل، عن شيخه الشيخ علي الرميلي، وهو عن الشيخ محمد البقري.
ح وأخبرني أيضًا أنه أخذ للأئمة الأربعة عشر عن شيخه أحمد البقري، وهو عن الشيخ محمد بن قاسم بن إسماعيل البقري.
ح وأخذ الرشيدي أيضًا عن الشيخ العباسي الشهير بالعطار، وهو عن المشايخ الثلاثة: الشيخ سلطان بن أحمد المزاحي، والشيخ علي الشبراملسي والشيخ محمد البقري.
стр. 25
ح وأخذ الرشيدي أيضًا عن الشيخ مصطفى بن عبد الرحمن الأزميري، وهو عن شيخه محمد المقرئ بأزمير، وقرأ المقرئ على الشيخ عمر القسطنطيني، عن الشيخ شعبان بن مصطفى، على محمد بن جعفر الشهير بأوليا أفندي.
ح وأخذ الشيخ مصطفى الأزميري أيضًا عن الشيخ عبد الله بن محمد بن يوسف الشهير بيوسف أفندي زاده، عن والده الشيخ محمد بن يوسف، عن والده الشيخ يوسف، عن الشيخ محمد بن جعفر الشهير بأوليا أفندي.
ح وأخذ الشيخ مصطفى الأزميري أيضًا عن الشيخ حجازي، عن الشيخ علي بن سليمان المنصوري، عن المشايخ الثلاثة الشيخ: سلطان، والشيخ الشبراملسي، والشيخ محمد البقري.
ح قال الشيخ أحمد بن السيد حامد التيجي: وأخبره أيضًا أني أخذت القراءات العشر من طرق طيبة النشر عن شيخي وأستاذي الشيخ علي بن محمد الضباع المصري، وهو عن شيخه الشيخ عبد الرحمن الخطيب، وهو عن شيخه الأستاذ الشهير الشيخ محمد بن أحمد المتولي، وقرأ المتولي بذلك على شيخه المحقق السيد أحمد الدري التهامي، وقرأ التهامي على شيخه أحمد سلمونه، وقرأ الشيخ سلمونه على السيد إبراهيم العبيدي وقرأ العبيدي على المشايخ المحققين: الشيخ عبد الرحمن الأجهوري المالكي، والسيد علي البدري، والشيخ المنيري السمنودي.
стр. 26
أما الأجهوري فقرأ على المشايخ المحققين: الشيخ عبده السجاعي، والشيخ أحمد البقري المعروف بأبي السماح، والشيخ عمر الإسقاطي، والشيخ يوسف أفندي زاده شيخ قراء القسطنطينية بقلعة مصر وقت قدومه إليها قاصدًا الحج سنة ١١٥١هـ، وكذا على الشيخ محمد الأزبكاوي، وعلى الشيخ محفوظ، والشيخ عبد الله الشيماظي وقت رحلته إلى المدينة المنورة مارًا بمصر سنة اثنتين وخمسين ومائة وألف، وقرأ الأزبكاوي على الشيخ محمد البقري، وقرأ الشيخ محفوظ على الشيخ علي الرميلي، وقرأ الرميلي على الشيخ محمد البقري، وقرأ السجاعي على الشيخ أحمد البقري، وقرأ أحمد البقري على الشيخ محمد البقري، وقرأ الشيخ عبد الله الشيماظي على شيوخه بالمغرب المتصل سندهم إلى شيخ الإسلام الهبطي المشهور المتصل سنده بأبي عمرو الداني -هكذا ذكروا- ولعلهم تركوا تفصيل سنده لشهرته أو لإجماعهم على ثقته وعدالته.
وقرأ البقري، والشبراملسي: على الأستاذ الشيخ عبد الرحمن اليمني، وقرأ اليمني على والده الشيخ شحاذة اليمني إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الآية، ثم مات والده فاستأنف على تلميذ والده العلامة ابن عبد الحق السنباطي ختمة أخرى، وقرأ السنباطي على الشيخ شحاذة المذكور.
وقرأ الشيخ سلطان على الشيخ سيف الدين البصير بقلبه، وقرأ سيف الدين على الشيخ شحاذة اليمني.
وقرأ الإسقاطي على البدر المنير أبي النور الدمياطي، وقرأ أبو النور
стр. 27
على العلامة الشيخ أحمد البنا صاحب -إتحاف فضلاء البشر- وقرأ صاحب الإتحاف على نور الدين الشيخ علي الشبراملسي بسنده، وقرأ أبو النور أيضًا على الشيخ سلطان بن أحمد المزاحي بسنده.
وقرأ الشيخ يوسف أفندي زاده أيضًا على المشايخ المحققين: الشيخ محمد البقري والشيخ علي الشبراملسي، والشيخ سلطان المزاحي، وتقدمت أسانيدهم:
وقرأ الشيخ شحاذة اليمني على الشيخ محمد بن جعفر الشهير بأوليا أفندي، وقرأ أوليا أفندي على شيخه أحمد المسيري المصري، وقرأ المسيري على شيخه نصر الدين الطبلاوي، وقرأ الطبلاوي على شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وقرأ الأنصاري على الشيخ أحمد بن أسد الأنبوطي، والشيخ رضوان العقبي، وأبي العباس أحمد بن أبي بكر القليتائي، وأبي نعيم النقير، وأبي طاهر محمد بن محمد العقيلي الشهير بالنويري، والإمام نور الدين علي بن محمد بن صالح المخزومي البلبيسي.
وأخذ الأنبوطي، والعقبي، والقليتائي، والنقير، والعقيلي، ونور الدين: عن الإمام حافظ عصره ووحيد دهره أبي الخير محمد بن محمد بن محمد الجزري المقرئ الشافعي مؤلف كتاب -النشر وطيبته وتقريبه-
وقرأ ابن الجزري على شيوخ كثيرين بالشام منهم: شيخه شيخ مشايخ الإقراء بالشام أبو المعالي محمد بن أحمد بن علي بن حسين اللبان الدمشقي، وقرأ ابن اللبان على أبي العباس أحمد ابن إبراهيم المراوي العشاب، وقرأ المراوي على أبي محمد عبد الله بن يوسف بن أبي بكر
стр. 28
الشبارتي، وقرأ الشبارتي على أبي العباس أحمد بن علي بن يحيى الحصار.
ح وقرأ ابن الجزري أيضًا على الشيخ أبي جعفر أحمد بن يوسف بن مالك الأندلسي قدم إلى دمشق في أوائل سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، وقرأ أحمد بن يوسف على أبي الحسن علي بن عبد العزيز الأندلسي، وقرأ أبو الحسن على أبي بكر محمد بن وضاح الأندلسي، وقرأ الحصار وابن وضاح على الإمام أبي الحسن علي بن محمد بن هذيل الأندلسي.
ح وقرأ ابن الجزري أيضًا بمضمن كتاب الشاطبية على الشيخ أبي المعالي محمد بن رافع السلامي بدمشق، وقرأ ابن رافع على الإمام إسماعيل بن عثمان العالم الحنفي، وقرأ ابن عثمان على الإمام علم الدين أبي الحسن علي بن عبد الصمد السخاوي شارح الشاطبية، وقرأ السخاوي بمضمنها على ناظمها أبي القاسم الشاطبي.
ح وقرأ ابن الجزري أيضًا بمضمنها على الإمامين أبي محمد عبد الرحمن بن أحمد بن علي البغدادي الشافعي، وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي الحسن الحنفي: وقرأ كل منهما على الإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الخالق الصايغ شيخ القراء بالديار المصرية.
وقرأ الصايغ على الإمام أبي الحسن علي بن شجاع بن سالم العباسي الهاشمي الضرير صهر الشاطبي، وقرأ الهاشمي على ناظمها أبي القاسم الشاطبي.
ح وقرأ ابن البغدادي أيضًا على الشيخ أبي علي الحسن بن عبد الكريم الغماري المصري، وقرأ الغماري على الإمام أبي عبد الله محمد
стр. 29
ابن يوسف القرطبي، وقرأ القرطبي على ناظمها أبي القاسم ابن فيرة بن خلف بن أحمد الرعيني الأندلسي الشاطبي، على الإمام ابن هذيل، وقرأ ابن هذيل على الإمام أبي داود سليمان بن نجاح، وقرأ ابن نجاح على الإمام أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني مؤلف التيسير في القراءات السبع.
قال الداني:
أما رواية حفص فحدثنا بها أبو الحسن طاهر بن غلبون المقرئ، قال: أنبأنا بها أبو الحسن علي بن محمد بن صالح الهاشمي بالبصرة، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن سهل الأشناني قال: قرأت على أبي محمد عبيد بن الصباح، وقال: قرأت على حفص، وقال: قرأت على عاصم.
وقرأت بها القرآن كله على شيخنا أبي الحسن، وقال: قرأت بها القرآن على الهاشمي، وقال: قرأت على الأِشناني عن عبيد عن حفص عن عاصم.
وعاصم هو ابن أبي النجود، وكنيته أبو بكر، تابعي قرأ على عبد الله بن حبيب السلمي، وزر بن حبيش الأسدي، على عثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي، وزيد ﵃ عن النبي، ﷺ .
وقرأ رسول الله ﷺ على أمين وحي رب العالمين جبريل ﵇ وهو عن رب العزة جل ثناؤه وتقدست أسماؤه.
التجويد:
معنى التجويد: في اللغة مأخوذ من أجاد الشيء يجيده أي: أتى به جيدًا، والجيد نقيض الرديء، وصيغة التفعيل منه جود يجود تجويدًا، فهو بمعنى التحسين والتكميل والإتقان.
وفي الاصطلاح: هو إعطاء الحروف حقها من الصفات اللازمة لها ومستحقها من الأحكام التي تنشأ عن تلك الصفات.
وتفصيل ذلك: أن للحرف حالتين: حالة الانفراد وحالة التركيب وله في كل منهما أحكام:
فأول أحكامه منفردًا تحديد مخرجه، ثم تحقيق الصفات اللازمة له كالاستفال أو الاستعلاء، والهمس أو الجهر، والشدة أو الرخاوة.
وعندما يتركب مع غيره من الحروف تنشأ أحكام الترقيق والتفخيم، والإظهار والإدغام، والمدود، ونحو ذلك.
ثم عندما تتركب الكلمات مع بعضها مكونة جملًا تنشأ أحكام الوقوف.
الغاية من علم التجويد: هو إتقان قراءة القرآن، بالنطق بحروفه مكتملة الإحكام والصفات ومحققة المخارج، من غير زيادة ولا نقصان، ولا تعسف ولا تكلف. وحينئذ يكون القارئ قد قرأ القرآن على الطريقة النبوية واللهجة العربية الفصحى التي أنزل بها.
ولذلك ميزان دقيق لا يحتمل الزيادة ولا النقصان تجب مراعاته وإلا اختلت القواعد والأحكام.
стр. 32
وإنما يبلغ القارئ الإتقان في ذلك بالتمرين والممارسة الدائبة وبرياضة اللسان على النطق الصحيح كما قال ابن الجزري:
وليس بينه وبين تركه ... إلا رياضة امرئ بفكه
فإذا أخل القارئ بهذا الميزان الدقيق فزاد في المقادير أو نقص، وتكلف في النطق وتعسف في القراءة، فإنه يأتي بالحروف قبيحة ينفر منها السامع، ويضيع بذلك المقصود من التجويد.
قال الشيخ المقرئ علم الدين السخاوي في نونيته:
لا تحسب التجويد مدًا مفرطًا ... أو مد ما لا مد فيه لواني
أو أن تشدد بعد مد همزة ... أو أن تلوك الحرف كالسكران
أو أن تفوه بكلمة متهوعًا ... فيفر سامعها من الغثيان
للحرف ميزان فلا تك طاغيًا ... فيه ولا تلك مخسر الميزان
حكم القراءة بالتجويد: قال ابن الجزري في المقدمة:
والأخذ بالتجويد حتم لازم
من لم يجود القرآن آثم
فجعله واجبًا شرعيًا يأثم الإنسان بتركه، وبه قال أكثر العلماء والفقهاء، ذلك لأن القرآن نزل مجودًا، وقرأه الرسول ﷺ على جبريل كذلك، وأقرأه الصحابة فهو سنة نبوية.
ومن أدلتهم على الوجوب قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [٤: المزمل] . قال علي بن أبي طالب ﵁: الترتيل هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف١.
стр. 33
ومنها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [١٢١: البقرة] .
فمن حق التلاوة حسن الأداء، كما أن منه العمل بالمقتضى.
وقد سبق ذكرالحديث "إن الله يحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل".
ومما يدل على وجوب تجويد القراءة ما رواه سعيد بن منصور في سننه١ أن عبد الله بن مسعود كان يقرئ رجلًا فقرأ الرجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ مرسلة، فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ فقال: كيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ فمدها.
ومثله ما أخرجه البخاري عن أنس -رضي الله تعالى عنه- أنه سئل عن قراءة النبي ﷺ فقال: كانت مدًا. ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمد الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم.
ومن أصرح الأدلة على أن تجويد القراءة هي سنة النبي ﷺ ما أخرجه الترمذي في سننه عن أم سلمة ﵂ أنها سئلت عن قراءة النبي ﷺ فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفًا حرفًا.
لكن وجوب التجويد وترتب الإثم على تركه فيه تفصيل حسن ذكره بعض العلماء: فقد قسموا التجويد إلى قسمين:
стр. 34
واجب: وهو ما يتوقف عليه صحة النطق بالحرف، فالإخلال به يغير مبنى الكلمة أو يفسد معناها، وذلك مثل معرفة مخارج الحروف وتحقيقها، ومعرفة الصفات التي تتميز بها بعض الحروف: كالاستعلاء والإطباق في الطاء، وكالتفشي في الشين، ومثل: إظهار المظهر، وإدغام المدغم، وتفخيم المخم، وترقيق المرقق، ومد ما يجب مده وقصر ما يلزم قصره، ونحو ذلك من الأحكام المتعلقة ببنية الكلمة، فمن أخل بشيء من تلك فقد أخل بالواجب فيأثم مع القدرة على القيام به في محل الواجبات.
وهذا القسم من التجويد يلزم كل قارئ للقرآن تحقيقه على قدر طاقته، وبذل وسعه في إتقانه حتى يصحح نطقه بالقرآن ويسلم من الوقوع في التحريف والتبديل في كتاب الله.
صناعي: وهو ما يتعلق بالمهارة في إتقان النطق الصحيح، وذلك ببلوغ الغاية في تحقيق الصفات والأحكام، وضبط مقادير المدود ضبطًا دقيقًا لا يزيد نصف درجة ولا ينقص، بل بعض القراء يزن المدود بأدق من ذلك فيفرق بين ربع الحركة في الزيادة أو النقص، ويدخل فيه مراعاة المعاني الخفية في الوقوف فإن ذلك لا يدركه إلا المهرة في فهم القرآن.
وهذا القسم لا يتعلق به إخلال بالنطق، ولذا لا يجب على العامة إتقانه ولا يطالبون به ولا يأثمون بتركه؛ لأنه من أسرار هذا العلم وخفاياه التي لا يدركها إلا المهرة فيه.
стр. 35
معنى اللحن الجلي واللحن الخفي
...
اللحن الجلي واللحن الخفي:
اللحن يأتي لمعان كثيرة، والمراد به هنا الخطأ في القراءة، وهو عند القراء ينقسم إلى قسمين: جلي، وخفي:
اللحن الجلي: هو الخطأ الذي يطرأ على اللفظ فيخل بمبناه إخلالًا ظاهرًا يشترك في معرفته علماء القراءة وعامة الناس، سواء أدى ذلك إلى فساد المعنى أم لم يؤد. مثل تبديل حرف بآخر، أو حركة بأخرى، كأن يضم التاء في قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا مما يؤدي إلى فساد المعنى، أو يكسر التاء في قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾ أو يفتحها، ومثال ما كان الإخلال فيه بالمبنى لا يؤدي إلى تغيير المعنى، أن يضم الهاء في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أو يفتح الباء في ﴿رَبِّ﴾ ، ومثله أن يحرك المجزوم في ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ومثال ما يؤدي إلى تبديل الحرف بآخر، أن يترك الإطباق والاستعلاء في الطاء فتنقلب تاءً أو دالًا في مثل: ﴿الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ .
ومن اللحن الجلي: ترك المدود الطبيعية في مثل: ﴿قَالَ﴾ ﴿إِنَّا نَحْن﴾ ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ فتذهب ذات الحرف.
ومنه ترك الإظهار في مواضع الإظهار، وترك الإدغام في مواضع الإدغام، وقصر المدود الواجبة واللازمة، وتفخيم ما يجب ترقيقه، وترقيق ما يجب تفخيمه، ونحو ذلك.
ومنه الوقف القبيح الذي يكون فساد المعنى فيه ظاهرًا جليًا مثل أن يقف على المنفي من كلمة التوحيد ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ.. إِلاَّ اللَّهُ﴾ .
стр. 36
اللحن الخفي: هو الخطأ الذي يتعلق بكمال إتقان النطق لا بتصحيحه، فلا يدركه إلا أهل الفن الحذاق، ويخفى على العامة، وذلك مثل: عدم ضبط مقادير المدود بأن تنقص نصف درجة أو تزيد، أو عدم المساواة بين مقادير المدود الواحدة في المقرأ الواحد بأن يوسط المنفصل في موضع ويقصره في الموضع الذي يليه، ومثله قلة المهارة في تحقيق الصفات وتطبيق الأحكام كزيادة التكرير في الراءات، وتطنين النونات، وتغليظ اللامات في غير محل التغليظ.
أما من وقع في اللحن الجلي فإنه لا تصح قراءته، ولا تنبغي الصلاة خلفه، ويأثم مع الإهمال، وأما من وقع في اللحن الخفي فهو أخف حكمًا ويعتبر في عرف المجودين مخلًا بالإتقان، والصلاة خلفه صحيحه.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما يفيد أنه لا ينبغي لطلبة العلم الصلاة خلف من لا يقيم الفاتحة ويقع في اللحن الجلي بحيث يغير حرفًا أو حركة، أما من يخطئ فيما يعتبر من اللحن الخفي ويمكن أن تتضمنه القراءات الأخرى ويكون له وجه فيها فإنه لا تبطل صلاته ولا صلاة المؤتم به، كمن قرأ الصراط بالسين فإنها قراءة متواترة١
стр. 37
تمرين رقم١
١ ما معنى التجويد لغة واصطلاحًا، وما المقصود بحق الحرف ومستحقه؟ بين ذلك مع ذكر أحوال الحرف في علم التجويد.
٢ ما الغاية من علم التجويد؟
٣ ينقسم التجويد إلى طبيعي وصناعي: بين كلًا منهما مع ذكر حكمه.
٤ في أي من القسمين تدخل الأحكام الآتية؟:
معرفة المخارج، معرفة الصفات، الإظهار والإدغام، المد الواجب، الوقوف الجائزة والحسنة، الترقيق والتفخيم، ترقيق اللامات أو تغليظها؟
٥ ما معنى اللحن وإلى كم قسم ينقسم؟ وما حكم كل قسم؟
٦ من أي أنواع اللحن ما يأتي؟:
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إذا قرأها أحد بضم التاء.
﴿فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ إذا فخمت الراء.
﴿جَاءَت الطَّامَّةُ﴾ إذا أبدل أحد الطاء تاء بترك صفة الإطباق والاستعلاء.
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ إذا ترك قارئ المد الواجب في ﴿أُوْلَئِكَ﴾ وفي ﴿الْفَائِزُونَ﴾ .
﴿لَقَدِ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ إذا وقف أحد على ﴿قَالُوا﴾ وبدأ بما بعدها؟
стр. 38
الباب الأول
مخارج الحروف
стр. 39
مخارج الحروف
الحروف الأصلية: ثمانية وعشرون حرفًا، إذا اعتبرنا الألف الممدودة اللينة فرعًا عن الهمزة، أما إذا اعتبرناها حرفًا مستقلًا فتكون الحروف الأصلية تسعة وعشرين، وعليه بعض المجودين، قال الناظم:
وعدة الحروف للهجاء ... تسع وعشرون بلا امتراء
أولها الهمزة لكن سميت ... بألف مجازًا إذ قد صورت
وذلك أنهم يسمون كلًا من الهمزة والألف اللينة ألفًا ويفرقون بينهما بوصفهم للألف باللينة والممدودة والجوفية والضعيفة.
على هذا القول: مكي بن أبي طالب، وابن الجزري ومعظم القراء، ولعل الذي جعلهم يعتبرون الألف الجوفية حرفا أصليًا، ولم يعتبروا الواو والياء الجوفيتين كذلك أن انحصار الصوت في هذين الحرفين مشترك بين المخرجين اشتراكًا منع من اعتبارهما حرفين مستقلين.
وهناك حروف أخرى فرعية، وضابطها: أنها كل حرف يتردد بين مخرجين. وقد عدها ابن الجزري في نشره ثمانية وهي:
الهمزة المستهلة بين بين: أي التي ينطق بها بين الهمزة والألف، أو بين الهمزة والياء، أو بين الهمزة والواو.
الألف الممالة: أي التي ينطق بها مائلة إلى الياء.
стр. 40
الصاد المشوبة بالزاي: في مثل ﴿الصِّرَاطَ﴾ ﴿أَصْدَقُ﴾ فإنه ينطق بها في بعض القراءات مخلوطة بصوت الزاي.
الياء المشمة بالواو: في مثل ﴿قِيلَ﴾ ﴿غَيْظَ﴾ فإنه ينطق بها مخلوطة بصوت الواو.
الألف المفخمة: إذا وقعت مع حرف مفخم فإنها تتبعه مع أن الأصل فيها الترقيق.
اللام المفخمة: فإن الأصل في اللام الترقيق، فإذا فخمت قربت من الواو.
النون المخفاة: حيث تخلط بالحرف الذي بعدها.
الميم المخفاة: مثل النون، وكلاهما إذا أخفيا صارا حرفين ناقصين.
وكل هذه الحروف الفرعية قرئ بها في رواية حفص إلا الصاد المشوبة بالزاي فإنها رواية عن حمزة.
المخرج: يراد به موضع خروج الحرف من الفم أو الحلق.
وعدد المخارج على التحقيق سبعة عشر مخرجًا، وهذا مذهب الخليل بن أحمد واختيار ابن الجزري.
ومذهب سيبويه وأصحابه: أنها ستة عشر مخرجًا، وذلك لجعلهم الألف الجوفية والهمزة من مخرج واحد.
ومذهب الفراء وأصحابه: أنها أربعة عشر مخرجًا، لأنهم جعلوا مخرج اللام والنون والراء واحدًا.