اللحن الخفي: هو الخطأ الذي يتعلق بكمال إتقان النطق لا بتصحيحه، فلا يدركه إلا أهل الفن الحذاق، ويخفى على العامة، وذلك مثل: عدم ضبط مقادير المدود بأن تنقص نصف درجة أو تزيد، أو عدم المساواة بين مقادير المدود الواحدة في المقرأ الواحد بأن يوسط المنفصل في موضع ويقصره في الموضع الذي يليه، ومثله قلة المهارة في تحقيق الصفات وتطبيق الأحكام كزيادة التكرير في الراءات، وتطنين النونات، وتغليظ اللامات في غير محل التغليظ.
أما من وقع في اللحن الجلي فإنه لا تصح قراءته، ولا تنبغي الصلاة خلفه، ويأثم مع الإهمال، وأما من وقع في اللحن الخفي فهو أخف حكمًا ويعتبر في عرف المجودين مخلًا بالإتقان، والصلاة خلفه صحيحه.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما يفيد أنه لا ينبغي لطلبة العلم الصلاة خلف من لا يقيم الفاتحة ويقع في اللحن الجلي بحيث يغير حرفًا أو حركة، أما من يخطئ فيما يعتبر من اللحن الخفي ويمكن أن تتضمنه القراءات الأخرى ويكون له وجه فيها فإنه لا تبطل صلاته ولا صلاة المؤتم به، كمن قرأ الصراط بالسين فإنها قراءة متواترة١
стр. 37
تمرين رقم١
١ ما معنى التجويد لغة واصطلاحًا، وما المقصود بحق الحرف ومستحقه؟ بين ذلك مع ذكر أحوال الحرف في علم التجويد.
٢ ما الغاية من علم التجويد؟
٣ ينقسم التجويد إلى طبيعي وصناعي: بين كلًا منهما مع ذكر حكمه.
٤ في أي من القسمين تدخل الأحكام الآتية؟:
معرفة المخارج، معرفة الصفات، الإظهار والإدغام، المد الواجب، الوقوف الجائزة والحسنة، الترقيق والتفخيم، ترقيق اللامات أو تغليظها؟
٥ ما معنى اللحن وإلى كم قسم ينقسم؟ وما حكم كل قسم؟
٦ من أي أنواع اللحن ما يأتي؟:
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إذا قرأها أحد بضم التاء.
﴿فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ إذا فخمت الراء.
﴿جَاءَت الطَّامَّةُ﴾ إذا أبدل أحد الطاء تاء بترك صفة الإطباق والاستعلاء.
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ إذا ترك قارئ المد الواجب في ﴿أُوْلَئِكَ﴾ وفي ﴿الْفَائِزُونَ﴾ .
﴿لَقَدِ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ إذا وقف أحد على ﴿قَالُوا﴾ وبدأ بما بعدها؟
стр. 38
الباب الأول
مخارج الحروف
стр. 39
مخارج الحروف
الحروف الأصلية: ثمانية وعشرون حرفًا، إذا اعتبرنا الألف الممدودة اللينة فرعًا عن الهمزة، أما إذا اعتبرناها حرفًا مستقلًا فتكون الحروف الأصلية تسعة وعشرين، وعليه بعض المجودين، قال الناظم:
وعدة الحروف للهجاء ... تسع وعشرون بلا امتراء
أولها الهمزة لكن سميت ... بألف مجازًا إذ قد صورت
وذلك أنهم يسمون كلًا من الهمزة والألف اللينة ألفًا ويفرقون بينهما بوصفهم للألف باللينة والممدودة والجوفية والضعيفة.
على هذا القول: مكي بن أبي طالب، وابن الجزري ومعظم القراء، ولعل الذي جعلهم يعتبرون الألف الجوفية حرفا أصليًا، ولم يعتبروا الواو والياء الجوفيتين كذلك أن انحصار الصوت في هذين الحرفين مشترك بين المخرجين اشتراكًا منع من اعتبارهما حرفين مستقلين.
وهناك حروف أخرى فرعية، وضابطها: أنها كل حرف يتردد بين مخرجين. وقد عدها ابن الجزري في نشره ثمانية وهي:
الهمزة المستهلة بين بين: أي التي ينطق بها بين الهمزة والألف، أو بين الهمزة والياء، أو بين الهمزة والواو.
الألف الممالة: أي التي ينطق بها مائلة إلى الياء.
стр. 40
الصاد المشوبة بالزاي: في مثل ﴿الصِّرَاطَ﴾ ﴿أَصْدَقُ﴾ فإنه ينطق بها في بعض القراءات مخلوطة بصوت الزاي.
الياء المشمة بالواو: في مثل ﴿قِيلَ﴾ ﴿غَيْظَ﴾ فإنه ينطق بها مخلوطة بصوت الواو.
الألف المفخمة: إذا وقعت مع حرف مفخم فإنها تتبعه مع أن الأصل فيها الترقيق.
اللام المفخمة: فإن الأصل في اللام الترقيق، فإذا فخمت قربت من الواو.
النون المخفاة: حيث تخلط بالحرف الذي بعدها.
الميم المخفاة: مثل النون، وكلاهما إذا أخفيا صارا حرفين ناقصين.
وكل هذه الحروف الفرعية قرئ بها في رواية حفص إلا الصاد المشوبة بالزاي فإنها رواية عن حمزة.
المخرج: يراد به موضع خروج الحرف من الفم أو الحلق.
وعدد المخارج على التحقيق سبعة عشر مخرجًا، وهذا مذهب الخليل بن أحمد واختيار ابن الجزري.
ومذهب سيبويه وأصحابه: أنها ستة عشر مخرجًا، وذلك لجعلهم الألف الجوفية والهمزة من مخرج واحد.
ومذهب الفراء وأصحابه: أنها أربعة عشر مخرجًا، لأنهم جعلوا مخرج اللام والنون والراء واحدًا.
стр. 41
وتوجد المخارج في خمس مناطق، هي:
الجوف والحلق واللسان والشفتان والخيشوم.
الجوف: ويراد به الفراغ الممتد مما وراء الحلق إلى الفم، فهو مخرج غير محدد، وتخرج منه أحرف ثلاثة هي: الألف اللينة، والواو الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها، فتخرج هذه الأحرف ابتداءً بالنفس الصادر من الرئتين١ وانتهاءً بانتهائه عند انقطاع الصوت خارج الفم، وتسمى أحرف المد واللين كذلك؛ لأن الصوت يمتد بها في هذا المخرج كله وهي قابلة بذلك لزيادة الصوت ولخروجها من غير كلفة.
الحلق: فيه ثلاثة مخارج:
١ أقصى الحلق: أي آخره من جهة الصدر، وتخرج منه الهمزة والهاء.
٢ وسط الحلق: وتخرج منه العين والحاء.
٣ أدنى الحلق: أي أقربه إلى الفم، وتخرج منه الغين والخاء.
اللسان: فيه عشرة مخارج إليك بيانها مرتبة حسب مواضعها فيه:
١ أقصى اللسان: أي آخره من جهة الحلق، وتخرج منه القاف بينه وبين أقصى الحنك الأعلى.
стр. 42
٢ ويليه مخرج الكاف، فهو أقرب منه قليلًا إلى جهة الفم كما يتبين من الشكلين رقم١ و٢.
٣ وسط اللسان: مع وسط الحنك الأعلى، ومنه تخرج الجيم والشين والياء. انظر الشكل رقم ٣.
٤ ظهر طرف اللسان: مع التصاقه بأصول الثنايا العليا، أي الجزاء الذي تنغرز فيه الثنيتان من اللثة، ويعبر بعض المجودين عن هذا المخرج بظهر طرف اللسان ويقصدون به أول الطرف من جهة ظهر اللسان، وتخرج منه: الطاء، والدال والتاء، إلا أن الطاء تكون بانطباق واستعلاء من اللسان إلى جهة الحنك الأعلى والدال والتاء بغير استعلاء.
٥ ظهر طرف اللسان أيضًا، ولكن مع التصاقه برءوس الثنايا العليا، وتخرج منه الظاء باستعلاء، والذال والثاء بغير استعلاء.
стр. 43
٦ طرف اللسان: مع التصاقه الثنايا العليا، ومنه تخرج النون.
٧ نفس المخرج: إلا أنه أقرب منه إلى الظهر، وبغير التصاق بالثنايا العليا ولكن يقترب طرف اللسان اقترابًا شديدًا منها حتى يكاد يلتصق بها: وهو مخرج الراء.
٨ رأس اللسان: أي الجزء الذي يلي طرفه إلى جهة الشفتين، مع اقترابه اقترابًا شديدًا من أصول الثنايا حتى يكاد يلتصق بها، غير أنه تبقى فرجة صغيرة يمر منها الهواء والصوت: ومنه تخرج الصاد
стр. 44
والزاي والسين، إلا أن الصاد مع استعلاء من اللسان إلى جهة الحنك الأعلى، والزاي والسين بغير استعلاء.
٩ حافة اللسان: أي أحد جانبيه مع ما يليه من الأضراس العليا فيمكن إلصاق الحافة اليمنى بما يليها من الأضراس، أو الحافة اليسرى بما يليها كذلك، ويمكن إلصاق كلتا الحافتين بكلا الجانبين من الأضراس: ومن هذا المخرج تخرج الضاد، وهو أصعب المخارج، وحكى أبو شامة أن عمر بن الخطاب كان يخرج هذا الحرف من الحافتين.
стр. 45
١٠ الحافة الأمامية من اللسان: ويبدأ هذا المخرج من أدنى حافة الضاد إلى منتهى الحافة من الأمام مما يحاذي الأسنان، أي الثنيتين والنابين والرباعيتين، فتلتصق هذه الحافة بصفحة هذه الأسنان من الداخل: ومنه تخرج اللام، وهو أوسع المخارج، وذكر الداني أن مخرج اللام يتحقق بإلصاقه الحافة بما يليها من الثنايا فحسب، ولكن لما كان القارئ يبسط الحافة عند نطقه باللام، لما فيها من الانحراف، حتى يكاد مخرجها يتصل بمخرج الراء، توهموا أن المخرج يشمل ذلك كله.
وقد سبق أن الفراء يرى أن مخرج اللام والنون والراء واحد وهو طرف اللسان مع التصاقه بأصول الثنيتين، وبالتأمل نلحظ أن هذه الأحرف قريبة قربًا شديدًا من المخارج. انظر الشكل رقم ١٣.
стр. 46
الشفتان: فيهما مخرجان:
١ بطن الشفة السفلى: مع التصاقه برأس الثنيتين: ومنه تخرج الفاء، ولكن الالتصاق يجب ألا يكون محكمًا، حتى يسمح بمرور الهواء منه
٢ ما بين الشفتين: وتخرج منه الواو بغير انطباق، والميم والياء بانطباقهما فيهما.
الخيشوم: وهو أعلى الأنف، وهو مخرج الغنة، والغنة صفة، ولكن لما استقلت بمخرجها ذكرت في هذا الباب، فإن مخرجها هذا مستقل عن مخرج موصوفها، وهي صفة لحرفين: النون والميم، وتكون مظهرة في حالة: الإدغام والإخفاء والتشديد.
الأسنان:
لما كانت الأسنان وثيقة العلاقة بالمخارج ناسب أن نذكر فصلًا موجزًا عنها، فالأسنان عددها في فم الإنسان عند اكتمال النمو اثنتان وثلاثون
стр. 47
سنًا مقسمة كما يلي:
أ- الثنايا: أربع في كل فك اثنتان.
ب- الرباعيات: أربع في كل فك اثنتان.
ج- الأنياب: أربع في كل فك اثنتان.
د- الضواحك: تلي الأنياب، وهي أول الأضراس، وهي أربع في كل فك ضاحكان.
هـ- الطواحين: تلي الضواحك وهي اثنا عشر طاحنًا، في كل فك ست.
والنواجذ: آخر الأضراس، وهي أربع في كل فك ناجذان.
стр. 48
الباب الثاني صفات الحروف
صفات الحروف
...
الباب الثاني
صفات الحروف
стр. 49
صفات الحروف
الصفة: يراد بها كيفية تولد الحرف وخروجه من مخرجه.
وذلك أنهم يسمون الهواء الخارج من الرئة إن خرج بطبعه دون أن يحتك بأوتار الصوت نفسًا فإن وجه الإنسان بإرادته هذا الهواء إلى أوتار الصوت الموجودة في الحنجرة فاحتك بها وحدث له تموج وتذبذب مسموع فإنهم يسمونه حينئذ صوتًا، ثم هذا الهواء المصحوب بهذه التموجات الصوتية يتوجه إلى مقطع من مقاطع الفم أو الحلق، أي: إلى حيز محدد منها فإذا مر به وانحصر فيه تولد الحرف، ثم الكيفية التي يكون عليها مرور هذه التموجات الصوتية الممزوجة في النفس بذلك المقطع هي ما نسميه بصفة الحرف. فبالمخرج إذن تعرف ماهية الحرف، ويتولد شكله ويتحدد.
وبالصفات يحصل التمييز بين الحروف، وخاصة تلك التي تتحد مخارجها أو تتقارب كالطاء والتاء مثلًا فإنهما حرفان متحدان في المخرج ولولا الإطباق والاستعلاء في الطاء دون التاء لما استطعت التمييز بينهما.
وصفات الحروف كثيرة، ذكر مكي بن أبي طالب في الرعاية، أربعًا وأربعين صفة وذكر ابن الجزري في التمهيد أربعًا وثلاثين صفة، لكنه اقتصر في المقدمة على أشهرها وأهمها وهي سبع عشرة صفة، تنقسم إلى قسمين:
стр. 50
أ- صفات لها أضداد وهي:
١ الجهر وضده الهمس.
٢ الشدة وضدها الرخاوة.
٣ الاستعلاء وضده الاستفال.
٤ الانطباق وضده الانفتاح.
٥ الإصمات وضده الإذلاق.
ب- صفات ليس لها أضداد وهي:
١ الصفير. ٢ القلقلة. ٣ اللين ٤ الانحراف.
٥ التكرير ٦ التفشي. ٧ الاستطالة.
وإليك بيان هذه الصفات بالتفصيل:
١ الهمس: هو في اللغة الصوت الخفي، ويراد به في اصطلاح التجويد: جريان النفس في مخرج الحرف عند النطق به فيكون الصوت حينئذ خفيًا ضعيفًا لضعف انحصاره في المخرج.
وحروفه عشرة جمعها ابن الجزري في قوله: فحثه شخص سكت.
٢ الجهر: هو ضد الهمس أي: انحباس النفس في المخرج عند النطق بالحرف فيكون انحصاره فيه قويًا ولذلك يصدر الصوت من المخرج مجهورًا واضحًا قويًا، وحروفه هي ما سوى حروف الهمس.
стр. 51
٣ الشدة: في اللغة القوة، ويراد بهذه الصفة في الاصطلاح:
انحباس الصوت في المخرج. وذلك أنه لكمال قوة الانحصار وطبيعة الحرف الذي يراد تولده ينحبس الصوت في المخرج انحباسًا شديدًا ثم ينطلق مع انطلاق الهواء، ولذلك كانت معظم الحروف مجهورة ما عدا التاء والكاف فإنهم عدوهما مهموستين مع أن الهواء في بداية النطق بهما ينحبس في مخرجهما مع انحباس الصوت ولكن لضعف هذا الانحباس لم يعتبر جهرًا، ولذلك فإن الصوت ينطلق بالتاء والكاف خفيفًا لطيفًا بعد انحباسه.
حروف الشدة جمعها ابن الجزري في قوله: أجد قط بكت.
٤ الرخاوة: هي ضد الشدة، فيراد بها: جريان الصوت في مخرج الحرف، وذلك لضعف انحصار الصوت فيه، وحروفها ما سوى حروف الشدة والتوسط، ولا يلزم من جريان الصوت في الحروف الرخوة أن يجري النفس فيها أيضًا، فالضاد مثلًا حرف رخو مجهور، وكذلك الظاء والغين.
٥ التوسط: أي بين الرخاوة والشدة، ويسميها بعضهم: البينية، وحروف هذه الصفة خمسة مجموعة في قولهم: لِن عمر.
وذلك أن هذه الحروف توسطت في طبيعتها بين أن تكون شديدة محضة أو رخوة محضة، بل كانت درجة رخاوتها ضعيفة بحيث قربت من الشدة.
стр. 52
٦ الاستعلاء: في اللغة الارتفاع، ويراد به في اصطلاح التجويد: ارتفاع جزء كبير من اللسان أو معظمه عند النطق بالحرف.
وحروفه سبعة مجموعة في قولهم: خص ضغط قظ.
وأعلى درجاتهه في الصاد، والطاء، والضاد، والظاء، فيرتفع معظم اللسان عند النطق بها.
راجع الشكل رقم ٨، ٤، ٦، ١٢.
ثم يكون أقل في القاف، والخاء، حيث يرتفع أقصى اللسان، أي: الجزء الذي يلي الحلق، ثم يكون أضعف في الغين.
٧ الاستفال: في اللغة الانخفاض، وهو في التجويد بعكس الاستعلاء: أي: انخفاض جزء كبير من اللسان أو معظمه عند النطق بالحرف.
وحروفه ما عدا حروف الاستعلاء.
وإذا نطقت بالحرف المستعلي فإن الصوت يتضخم نتيجة لارتفاع اللسان وهو ما يسمونه بالتفخيم، أما إذا نطقت بالحرف المستفل فإنك ترقق الصوت نتيجة لانخفاض اللسان وهذا ما يسمونه بالترقيق.
٨ الانطباق: وذلك أنه تزيد درجة الاستعلاء في أربعة أحرف هي: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء. حتى يكاد اللسان ينطبق على الحنك الأعلى، وينحصر الهواء بين اللسان والحنك انحصارًا يجعل الصوت في هذه الأحرف قويًا، وأقوى درجاته في
стр. 53
الطاء لارتفاع درجة الإطباق فيها ثم الضاد، ثم في الصاد، ثم أضعفه في الظاء.
٩ الانفتاح: في سائر الحروف الباقية، إما لضعف درجة الاستعلاء فيها، وذلك في الغين والخاء فإنهما لا إطباق فيهما وهما حرفان مستعليان، وإما لكونها حروفًا مستفلة فيبتعد اللسان عند النطق بها عن الحنك الأعلى تاركًا فتحة يمر منها الهواء والصوت.
١٠ الإصمات: هو في اللغة المنع: يقال: أصمته فصمت، أي: منعته فامتنع، ومنه الصمت أي: الامتناع عن الكلام، أما المراد بالإصمات في الاصطلاح فقد نقل ابن الجزري عن ابن دريد قال: الحروف المصمتة حروف منعت أن تختص ببناء كلمة في لغة العرب إذا كثرت حروفها وذلك لاعتياصها -أي: صعوبتها - على اللسان فهي حروف لا تنفرد بنفسها في كل كلمة أكثر من ثلاثة أحرف. ويمكن بناء على ذلك أن يقال: إن الإصمات هو:
امتناع انفراد الحروف المصمتة أصلية في الكلمات الرباعية والخماسية.
وشرح ذلك: أن كل كلمة مكونة من أربعة أو خمسة أحرف أصلية يمتنع أن تكون فيها هذه الأحرف كلها مصمتة بل لابد أن يوجد معها شيء من الحروف المذلقة.
فإذا وجدت كلمة رباعية أو خماسية غير مزيدة، وليس فيها
стр. 54
حرف مذلق، فذلك من الأدلة على عجمتها في الغالب مثل: عسجد، إسحاق.
وإنما امتنع بناء الكلمات الرباعية والخماسية دون أن يدخل في تركيبها حرف مذلق لأن العرب كانوا يلجئون إلى كل يسير سهل في النطق، والحروف المذلقة كذلك، ومن أجل ذلك سميت مذلقة من الذلاقة بمعنى: السهولة والطلاقة، فالحروف المذلقة سهلة المخارج لطيفة الصفات، بخلاف الحروف المصمتة فإنها أصعب منها مخرجًا وصفات.
١١ والحروف المذلقة هي: الفاء، والراء، والميم، والنون، واللام، والباء جمعها ابن الجزري في قوله: فِرَّ مِنْ لُب، وقالوا في تعريف الإذلاق إنه: خروج الحرف بسهولة ويسر.
هذه هي الصفات المتضادة، ومجموعها عشر صفات - إذا لم نحسب التوسط- يضاف إليها الصفات السبع الآتية فيصير مجموع الصفات سبع عشرة صفة:
١ الصفير: يراد به الصوت الزائد الذي يشبه الصفير يخرج عندما تنطق بالصاد أو الزاي أو السين.
ودرجة الصفير أقوى في الصاد، ثم في الزاي، وأضعف في السين.
٢ القلقلة: في اللغة الحركة والاضطراب، ويراد بها هنا: تحريك المخرج والصوت بعد انضغاطهما وانحباسهما. وذلك أنك أولًا تحبس الصوت في المخرج حتى ينضغط فيه انضغاطًا شديدًا
стр. 55
ثم تفك المخرج فكة سريعة فينطلق الصوت محدثًا نبرة قوية وهزة في المخرج، هذه النبرة هي القلقلة.
وحروفها خمسة مجموعة في قولهم: قطب جد.
فإذا تأملت هذه الحروف المقلقلة وجدتها كلها شديدة مجهورة، لما علمت من أنه لا بد قبل القلقلة من انحباس الصوت والهواء فيها.
وأقوى درجات هذه الصفة في الساكن إذا وقفت عليه، وهي مختفية في المتحرك ضمن الحركة وهي أقوى في القاف، ثم في الطاء، ثم في الجيم، ثم في الباء والدال.
ويجب ألا تزيد القلقلة حتى تصل إلى حد تنقلب فيه إلى حركة.
٣ اللين: المراد به خروج الصوت بسهولة وامتداد. وهو صفة لثلاثة أحرف: الألف مطلقًا، والواو والياء إذا سكنتا بعد حركة مجانسة اتصفتا باللين والمد في الصوت، فإذا انفتح ما قبلهما نقص المد وبقي اللين فقط. فهما حرفا لين: إذا كانا ساكنين بعد فتح.
٤ الانحراف: في اللام، والراء.
قال المجودون: فيهما انحراف في المخرج والصفة، والمراد أن في هذين الحرفين قابلية شديدة للانحراف، فاللام فيها ميل فإذا لم يحترس القارئ عند النطق بها مال مخرجها إلى مخرج غيرها من المخارج المجاورة، ثم هي حرف متردد بين الشدة والرخاوة ولذلك
стр. 56
عدوها من الحروف المتوسطة، والراء كذلك فيها انحراف إلى مخرج اللام أو الياء، أي: أنها قابلة لأن تنحرف عن مخرجها إلى أحد المخرجين؛ لأن طرف اللسان لا يستقر بها في حيز محدد من الحنك الأعلى بل يتحرك ليسمح للصوت بالمرور في سهولة ويسر، ولذلك فإن الراء مع رخاوتها هي الحرف الوحيد الذي يتصف بالتكرير، إلا أنه لما لم تكن رخاوتها كاملة بل كان الصوت ينحبس انحباسًا يسيرًا في مخرجها عدوها متوسطة وسموا قابليتها لكلا الصفتين مع قابليتها للميل إلى كلا المخرجين: انحرافًا.
٥ التكرير في حرف واحد هو الراء، والمراد بتكريره: أن طرف اللسان لا يستقر عند النطق به بل يرتعد، وبارتعاده يتذبذب الصوت ويمر في المخرج دون ضغط ولا شدة، وهو حرف قابل لزيادة التكرير فلو ترك له العنان لازداد ارتعاد طرف اللسان به حتى تتولد عدة راءات، وهذا ما حمل بعض المجودين على القول بأنه يجب الاحتراس من التكرير ومرادهم الزيادة، يقول ابن الجزري في التمهيد:
ولا بد في القراءة من إخفاء تكريرها١.
أقول: وطريقة ذلك أن يترك الإنسان طرف لسانه يرتعد ارتعادة واحدة لطيفة خفيفة بعد أن يحاذى به أصول الثنايا ثم يلصقه بها حتى يمنع استمرار التكرير. وأوضح ما تكون هذه
стр. 57
الصفة في الراء إذا كانت مشددة ولذلك ينبغي الحرص على عدم الزيادة في التكرير عند النطق بالراء المشددة.
وذلك مثل ﴿وَخَرَّ مُوسَى﴾ ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
٦ التفشي: في اللغة الانتشار، وهو صفة للشين والمراد به:
أن الهواء ينتشر في الفم وفي اللسان عند النطق بالشين، وذلك أن الحروف المهموسة يجري الهواء في مجرى مخارجها المحددة ولا يتجاوزها إلا في الشين فإنه يزيد جريانه فيفيض حتى يتفشى وينبسط وينتشر على اللسان.
٧ الاستطالة: صفة للضاد المعجمة، والمراد:
امتداد الصوت في مخرجها من أول الحافة إلى آخرها. وذلك أن الضاد مخرجها طويل وهو ما يحاذي الأضراس من حافة اللسان اليمنى أو اليسرى. والضاد حرف قوى مجهور مطبق مستعل، فإذا استعلى اللسان عند النطق بها وانطبقت حافته على الأضراس وانحبس والهواء امتد الصوت نتيجة لضيق المخرج حينئذ، وانحباس الهواء حتى يشمل الحافة من أولها إلى آخرها، وامتداد الصوت فيها ناتج من كون الضاد حرفًا رخوًا.
هذا آخر ما ذكره ابن الجزري من الصفات في مقدمته.
وقد قسم المجودون هذه الصفات إلى قسمين آخرين:
صفات قوية وهي: الجهر، والشدة، والاستعلاء، والانطباق، والإصمات، والصفير، والقلقلة، والتكرير، والانحراف، والتفشي، والاستطالة، والغنة في الميم والنون.
стр. 58
صفات ضعيفة وهي: الهمس، والرخاوة، والتوسط، والاستفال، والانفتاح، والإذلاق، واللين.
ولابد لكل حرف من حروف العربية أن يتصف بخمس صفات من الصفات المتضادة، وواضح أنه لا تجتمع في الحرف صفتان متضادتان، ثم يحكم للحرف بأنه قوي أو ضعيف حسب أغلبية الصفات الموجودة فيه فإن تساوت صار حرفًا متوسطًا بين القوة والضعف، وبناء على ذلك فإن الحروف تنقسم حسب القوة والضعف إلى خمسة أقسام:
١ أقوى: وحروفه: الطاء، والضاد، والقاف، والظاء.
٢ قوي: وحروفه: الجيم، والدال والصاد، والغين، والهمزة.
٣ أضعف: وحروفه: الحاء، والتاء، والهاء، والفاء.
٤ ضعيف: الألف اللينة، والتاء، والخاء، والذال، والراء، والسين، والشين، والعين، والكاف، واللام، والميم، والنون، والواو، والياء.
٥ متوسط: وله حرفان: الزاي، والباء.
وأقوى الحروف على الإطلاق الطاء المهملة، وذلك لأنه اجتمع فيها ست صفات قوية وليس فيها من الصفات الضعيفة شيء.
وأضعف الحروف على الإطلاق الفاء، وذلك لأنه اجتمع فيها خمس صفات ضعيفة وليس فيها من الصفات القوية شيء.
стр. 59
ألقاب الحروف:
ذكر الخليل بن أحمد في أول كتاب العين، ومكي بن أبي طالب في الرعاية، وابن الجزري في التمهيد والنشر: عشرة ألقاب للحروف بحسب المواضع التي تخرج منها:
١ الحروف الحلقية: وهي ستة: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء، سميت بذلك لأنها تخرج من الحلق.
٢ الحروف اللهوية: وههما حرفان: القاف، والكاف، سميا بذلك لقرب مخرجهما من اللهاة.
٣ الحروف الشجرية: وهي ثلاثة: الجيم، والشين، والياء، ويزيد بعضهم الضاد، سميت بذلك لأن مخرجها يحاذي ما بين اللحيين كما أنه منطبق الفم ومنفرجه، فالشجر كما قال صاحب القاموس: من الفم مخرجه أو مؤخره أو ما انفتح من منطبق الفم أو ملتقى اللهزمتين أو ما بين اللحيين.
٤ الحروف الأسلية: وهي ثلاثة: الصاد، والسين، والزاي، سميت بذلك نسبة إلى مخرجها وهو أسلة اللسان، أي: رأسه، قال صاحب القاموس: الأسلة كل عود لا عوج فيه ومن اللسان طرفه ومن النصل والذراع مستدقه.
٥ الحروف النِطَعية: وهي ثلاثة: الطاء، والدال، والتاء، سميت بذلك نسبة إلى مخرجها فإنه ينطبق على نطع الغار الأعلى، أي: الجزء الأمامي من الحنك الأعلى وفيه خطوط كالتحريز.
стр. 60
٦ الحروف اللثوية وهي ثلاثة: الظاء، والذال، والثاء، سميت بذلك لأن مخرجها قريب من اللثة وهي اللحم الذي تنغرز فيه الأسنان.
٧ الحروف الذلقية: ويقال الذولقية وهي ثلاثة: اللام، والراء، والنون، سميت بذلك نسبة إلى مخرجها وهو طرف اللسان. وذلق اللسان طرفه.
٨ الحروف الشفهية: وهي ثلاثة: الباء، والواو، والميم، سميت بذلك نسبة إلى مخرجها.
٩ الحروف الجوفية: وهي الألف، والواو، والياء الجوفيتان، سميت بذلك نسبة إلى مخرجها الذي هو الجوف.
١٠ الحروف الهوائية: هي الحروف الجوفية السابق ذكرها، تسمى الهوائية؛ لأن الصوت يمتد بها مع الهواء في الفم حتى ينتهي إلى خارجه.
стр. 61
تمرين رقم ٢
١ تنقسم المخارج إلى خمسة أنواع فبينها. وبين ما تحت كل نوع من مخارج؟
٢ بين مخارج الحروف الآتية مع ذكر أهم الصفات التي تتصف بها:
الضاد، الزاي، السين، الصاد، الشين، القاف، الكاف، الهاء، الباء، الفاء، اللام، الطاء.
٣ بين معاني الصفات الآتية مع ذكر حروفها:
الاستعلاء، الاستفال، الإطباق، الانفتاح، اللين، الرخاوة، الشدة، الهمس، الجهر، التكرير، القلقلة.
٤ الحروف الآتية تتحد مخارجها وتفترق في الصفات فتميز كلًا منها صفة لازمة فيه بين ذلك:
الصاد والسين، الدال والتاء والطاء، الباء والميم والواو.
٥ بين الصفة التي يتميز بها الحرف الذي تحته خط:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ، إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ، وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ، فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ، وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
стр. 62
الباب الثالث أحكام بعض الحروف
أحكام الراء
...
الباب الثالث
أحكام بعض الحروف
الراء، اللام، النون، الميم، حروف المد
стр. 63
أحكام الراء:
قبل الشروع في بيان أحوال الراء أذكر قاعدتين مطردتين في هذا الباب وهما:
١ حروف الاستعلاء كلها مفخمة أينما وقعت وخاصة حروف الإطباق، فإنها أكثرها تفخيما.
٢ حروف الاستفال: كلها مرققة أينما وقعت، ما عدا الألف فإنها تابعة للحرف الذي قبلها، وما عدا الراء، واللام، فإن لهما أحوالا مختلفة وأحكاما بحسبها تتبين فيما يأتي:
أما (الراء) : فلها عدة أحوال: حالة في الوقف، وحالة في الوصل، وتكون متحركة إما بضم، أو بفتح، أو بكسر، وتكون ساكنة بعد ضم، أو بعد فتح، أو بعد كسر، وتكون أولا، ومتوسطة، ومتطرفقة. ولها في كل ذلك أربعة أحكام: التفخيم، والترقيق، والروم، والإشمام.
أما (التفخيم) ففي سبعة مواضع:
١ إذا تحركت الراء بضم: مثل ﴿رُزِقْنا﴾ ﴿رُبَمَا﴾ ﴿رُحَماء﴾ ﴿صَابِرُوْن﴾ ﴿عِشْرُن﴾ ﴿يُبَشِّرُهُم﴾
﴿غَفوْر﴾ .
٢ إذا تحركت بفتح: مثل ﴿بِرَبِّكُم﴾ ﴿رَحمَةُ رَبِّكَ﴾ ﴿رَأَى كَوْكَباً﴾ ﴿سِرَاجاً﴾ ﴿بِشَرَر﴾ ﴿الطَّيْر﴾ ﴿يَسِيراً﴾ .
٣ إذا وقعت ساكنةً بعد ضم: مثل ﴿ارْكُضْ﴾ ﴿الْقُرْآن﴾ ﴿الْغُرْفَةَ﴾ ﴿الْفُرْقَان﴾ ﴿فَاهْجُرْ﴾ ﴿لا تَكْفُر﴾ ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ .
стр. 64
٤ إذا وقعت ساكنة بعد فتح: مثل ﴿وَارْزُقْنَا﴾ ﴿وَارْحَمْنَا﴾ ﴿خَرْدَل﴾ ﴿قَرْيَةٍ﴾ ﴿الأَرْض﴾ ﴿الْعَرْش﴾
﴿الْمَرْجَان﴾ ﴿بِشَرَر﴾ ﴿عَلَى قَدَرْ﴾ .
٥ إذا وقعت بعد حرف ساكن سوى الياء وقبل ذلك الحرف الساكن فتح أو ضم ﴿الأُمُور﴾ ﴿الْقَدْر﴾ ﴿الأَمْر﴾ ﴿بِالصَّبْر﴾ ﴿لَفِي خُسْر﴾ .
٦ إذا وقعت ساكنة بعد كسر عارض مثل: ﴿أَمْ ارْتَابُوا﴾ ﴿لِمَنْ ارْتَضَى﴾ ﴿رَبِّ ارْجِعُون﴾ ﴿اِرْجعْ﴾ ﴿ارْجِعِي﴾ .
٧ إذا كانت ساكنة بعد كسر أصلي ولكن وقع بعدها حرف من حروف الاستعلاء واتصل معها في كلمة واحدة، والذي ورد من ذلك في القرآن خمس كلمات:
﴿قِرْطَاس﴾ بالأنعام، ﴿فِرْقَةٍ﴾ و ﴿إِرْصَادًا﴾ بالتوبة، ﴿مِرْصَادًا﴾ بالنبأ، ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ بالفجر.
أما (الترقيق) ففي خمسة مواضع:
١ إذا تحركت الراء بكسر: فإنها ترقق مطلقا - أي سواء وقعت أولا أو وسطا أو آخرًا- مثل ﴿رِزْقاً﴾ ﴿رِئْيا﴾ ﴿رِجَالٌ﴾ ﴿الْغَارِمِين﴾ ﴿أَرِنَا﴾ ﴿مَرِيجٍ﴾ ﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ﴾ ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ .
٢ إذا وقعت ساكنة بعد كسر أصلي متصل بها في كلمة واحدة ولم يقع بعدها حرف استعلاء متصل بها، مثل ﴿فِرْعَوْنَ﴾ ﴿شِرْذِمَةٌ﴾ ﴿شِرْعَةً﴾ ﴿مِرْيَة﴾ ﴿الْفِرْدَوْسِ﴾ ﴿قُدِرْ﴾ ﴿أَبْصَرْ﴾ ﴿نَاصِرْ﴾ .
٣ إذا وقعت ساكنة متطرفة بعد حرف ساكن سوى الياء وقبل هذا الحرف كسر: مثل ﴿الِّذكْرْ﴾
﴿السِّحْرْ﴾ ﴿الشِّعْرْ﴾ وهذا لا يكون إلا
стр. 65
في حالة الوقف على الراء فإذا وصلت تحركت وكان حكمها حينئذ بحسب حركتها.
٤ إذا وقعت ساكنة متطرفة بعد ياء ساكنة مثل: ﴿قَدِيْرْ﴾ ﴿نذِيْرْ﴾ ﴿نَكِيْرْ﴾ ﴿خَيْرْ﴾ ﴿الطِّيْرْ﴾ ، وهذا أيضا لا يكون إلا في الوقف.
٥ إذا كانت ساكنة بعد كسر أصلي ووقع بعدها حرف استعلاء ولكنه منفصل عنها مثل ﴿أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ﴾ ﴿فَاصْبِرْ صَبْرا﴾ ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ .
واختلفوا في كلمة ﴿فِرْقٍ﴾ في قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ .
فمن فخم فالسبب عنده وجود حرف الاستعلاء بعد الراء متصلا بها في كلمة واحدة، ومن رقق فالسبب عنده أن حرف الاستعلاء هذا مكسور فضعفت بذلك حدته وقوته وانعدم تأثيره، وذلك أنه لا يمكن أن يؤثر في غيره بالتفخيم وهو نفسه معلول بعلة الترقيق التي هي الكسرة، وقد أشار ابن الجزري إلى الوجهين في قوله في المقدمة:
وَالْخُلْفُ فِي ﴿فِرْقٍ﴾ لِكَسْرٍ يُوجَد
أما الرَّوم فمعناه: النطق ببعض الحركة ضمة كانت أوكسرة وذلك في حالة الوقف ويكون في سائر الحروف، فإذا وقفت على الراء في مثل ﴿إِذَا يَسْرِ﴾ أو في مثل ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ جاز أن تشير إلى الحركة بالرَّوم.
وكذلك إذا وقفت على النون في مثل ﴿نَسْتَعِينُ﴾ ﴿بِمَجْنُونٍ﴾
стр. 66
أما الإشمام فمعناه: أن تضم شفتيك عند الوقف بالسكون على الحرف المضموم فقط، ولم يرد منه شيء في وسط الكلمة عند حفص إلا في قوله بسورة يوسف: ﴿لا تَأْمَنَّا﴾ فإن لك أن تقرأ بإشمام النون إشارة إلى حركة المدغمة.
واستثنوا تاء التأنيث التي تبدل هاء عند الوقف فلا يقع فيها روم ولا إشمام مثل ﴿رَحْمَةُ﴾ ﴿نِعْمة﴾ .
تنبيهات:
بتأمل أحوال الراء وما ذكرناه من مواضع تفخيمها ومواضع ترقيقها تجد ما يأتي:
١ أن سبب التفخيم والترقيق يكون حركة.
٢ أن التفخيم مرتبط بالضمة والفتحة، والترقيق مرتبط بالكسرة.
فالكسرة إذا تحرك الحرف بها أو وجدت قبله إن كان ساكنا سببت الترقيق، وكذلك الفتحة والضمة في التفخيم.
ولذلك فإنك تجد الراء قد رققت مطلقًا في حال تحركها بالكسر، ورققت في أغلب الأحوال عند وقوعها ساكنة بعد كسر.
وكذلك القول في التفخيم.
لكن إذا وقعت الراء ساكنة ونظرت فيما قبلها فوجدته ساكنًا أيضًا فإن السكون لا يصلح سببًا لترقيق لا لتفخيم، ولذلك فإنك تبحث عن نوع الحركة في الحرف الثالث، أي الحرف الذي قبل الحرف الساكن
стр. 67
الذي قبل الراء، فإن كانت حركته كسرة رققت الراء: ﴿السِّحْر﴾ ، وإن كانت حركته ضمة أو فتحة فخمت الراء: ﴿خُسْر﴾ ﴿القَدْر﴾ .
ويستثنى مما قررناه من أن السبب يكون دائمًا حركة: الياء الساكنة إذا وقعت قبل راء ساكنة فإنها تؤثر فيها بالترقيق وتكون هي السبب بصرف النظر عما قبلها، وهي حينئذ نائبة مناب الكسرة، وهذا خاص بالياء ولا توجد في الواو.
كما يستثنى مما قررناه من أن الترقيق مرتبط بالكسرة: الكسرة العارضة فإنها لا تؤثر بالترقيق بسبب كونها عارضة، والعارض يزول فزوالها في بعض الأحوال أفقدها قوتها وتأثيرها.
وأحيانًا يتنازع الحرف عاملان: أحدهما: يقتضي التفخيم والآخر: يقتضي الترقيق، فينظر إلى المرجحات التي ترجح أحدهما، ومنها كون عامل التفخيم أقوى فيقدم على الضعيف مثل: ﴿قِرْطاس﴾ ومنها الاتصال فإن الكسرة إذا كانت متصلة بالحرف فإنها ترجح على الحرف المستعلي إذا كان منفصلًا مثل ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا﴾ .
стр. 68
أحكام اللام:
لها أربعة أحكام: التفخيم ويقال: التغليظ، والترقيق والإظهار، والإدغام.
أما بالنسبة للتفخيم والترقيق: فإن الأصل في اللام الترقيق؛ لأنها حرف مستفل ولا تفخم إلا في اسم الجلالة وذلك في حالتين:
١ إذا وقعت بعد فتح مثل: ﴿قَالَ اللَّهُ﴾ ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ .
٢ إذا وقعت بعد ضم: ﴿يَقُوْلُ اللهُ﴾ ﴿قَالُوا اللَّهُم﴾ .
فإذا وقع قبل هذه اللام كسر فلا خلاف في ترقيقها مطلقًا، أي: سواء كانت الكسرة متصلة بها أم كانت، منفصلة عنها، وعارضة أم أصلية مثل:
﴿لِّلهِ﴾ ﴿بِسْمِ الِّلهِ﴾ ﴿قُلِ الَّهم﴾ ﴿ما يَفْتَحِ الَّلهُ﴾ ﴿أَحَدٌ اللهُ﴾ .
أما بالنسبة للإظهار والإدغام فهو في -أل- التي تدخل على بقية الأسماء كما يأتي:
الإظهار: تظهر اللام في -أل- إذا وقع بعدها حرف من حروف: ابْغِ حَجَّكَ وَخَفْ عَقِيْمَهُ، ومجموعها أربعة عشر حرفًا، إذا وقع أحدها بعد اللام أظهرت، وتسمى حينئذ: اللام القمرية، وعلامتها خلوها من التشديد، مثل:
﴿الْقَمَر﴾ ﴿الْعَلِيم﴾ ﴿الْخَبِير﴾ ﴿الْعَرش﴾ ﴿الْقَوْل﴾ ﴿الإِيمَان﴾ .
стр. 69
الإدغام: يجب إدغام اللام عند بقية الأحرف وتسمى حينئذ: اللام الشمسية، وعلامتها وجود التشديد بعدها مثل:
﴿الشَّمْس﴾ ﴿النَّار﴾ ﴿النَّاس﴾ ﴿الضَّالين﴾ ﴿السُّوء﴾ ﴿الرِّجز﴾ .
أما اللام في الأفعال فتُظهَر دائمًا إلا عند المماثل أو المجانس كما سيأتي عند الكلام عن الإدغام.
стр. 70
أحكام النون الساكنة والتنوين
مدخل
...
أحكام النون الساكنة والتنوين:
النون الساكنة: نون تثبت لفظًا وخطًا، وصلًا ووقفا، وترد في الأسماء والأفعال والحروف، وتقع متوسطة ومتطرفة.
ومثلها التنوين: فإنه نون ساكنة زائدة، لكنها لا تلحق إلا آخر الأسماء، وتثبت لفظًا لا خطًا، ووصلًا لا وقفًا.
فإذا أطلقنا النون الساكنة أردنا كلتا النونين.
لهذه النون الساكنة عند أحرف المعجم أربعة أحكام هي:
الإظهار، الإدغام، القلب، الإخفاء.
فتظهر عند حروف الحلق، وتدغم في حروف يرملون، وتقلب ميمًا عند الباء وتخفى في باقي الأحرف، ونظم ذلك بعضهم في ثلاثة أبيات فقال:
عند حروف الحلق يظهران ... وعند يرملون يدغمان
بغنة في غير را ولام ... وليس في الكلمة من إدغام
وعند حرف الباء يقلبان ... ميمًا وعند الباقي يخفيان
وبيان ذلك بالتفصيل كما يأتي:
стр. 71
الإظهار: في اللغة الإيضاح والبيان. وفي الاصطلاح: إخراج كل حرف من مخرجه من غير غنة.
أي: النطق بالنون وتحقيقها من مخرجها وبحرف الإظهار من مخرجه مع الفصل بينهما وإيضاح كل منهما مع الاحتراس من الغنة في النون.
стр. 72
وحروف الإظهار ستة: هي أحرف الحلق، وقد ذكرها الناظم في قوله:
همز فهاء ثم عين حاء مهملتان ثم غين خاء
ولا فرق في الإظهار بين أن تجتمع النون مع حرف الحلق في كلمة واحدة أو تنفصل في كلمة والحرف في كلمة أخرى، والعلة في إظهار النون عند هذه الحروف تباعد مخرج النون عن مخارج حروف الحلق.
الأمثلة: ﴿يَنْأَوْن﴾ ﴿مَنْ آمَن﴾ ﴿كُلٌّ آمَن﴾ .
﴿منْهُم﴾ ﴿إِنْ هُوَ﴾ ﴿فَرِيْقًا هَدَى﴾ .
﴿أَنْعَمْت﴾ ﴿الأَنْعَام﴾ ﴿مِنْ عَمَل﴾ ﴿سَمِيعٌ عَلِيم﴾ .
﴿وَانْحَر﴾ ﴿تَنْحِتُون﴾ ﴿مَنْ حَادَّ اللَّه﴾ ﴿عَزِيزٌ حَكِيم﴾ .
﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ ﴿مِنْ غِلٍّ﴾ ﴿قَوْلًا غَيْر﴾ .
﴿فَإِنْ خِفْتُم﴾ ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَة﴾ .
стр. 73
الإدغام: في اللغة الإدخال، يقال: أدغم الفرس اللجام في فيه أي أدخله فيه. وفي الاصطلاح: إدخال الحرف الأول في الحرف الثاي بحيث يصيران حرفًا واحدًا مشددًا.
وفائدته: التسهيل، وذلك لأن النطق بالأحرف المتماثلة أو المتقاربة وفصلها عن بعضها وإظهار كل منها ثقيل على اللسان فخفف بالإدغام بينهما فيصير المدغم ناطقًا بحرفين في آن واحد أولهما ساكن والآخر متحرك، والإدغام ممكن في سائر الحروف سوى حروف الحلق.
стр. 74
أما النون الساكنة فلا تدغم إلا في حروف يرملون، في أربعة منها بغنةٍ وهي: الياء، والنون، والميم، والواو، وفي اثنين بغير غنة وهما: اللام، والراء.
الأمثلة:
﴿إِنْ يَشَأ﴾ ﴿وَإِنْ يَرَوْا﴾ ﴿آيَةً يُعْرِضُوا﴾
﴿مِنْ مَال﴾ ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِين﴾ ﴿عَذَابٌ مُقِيم﴾ .
﴿مِنْ وَاق﴾ ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ وَاهِيَة﴾ .
﴿إِنْ نَعْفُ﴾ ﴿مِنْ نَذِير﴾ ﴿شَيْءٍ نُكُر﴾ .
﴿مِنْ رَبِّك﴾ ﴿مِنْ رَبِّهِم﴾ ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيم﴾ .
﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لَخَبِير﴾ .
قاعدة الإدغام:
التي هي الأصل في الأدغام، وما سبق ذكره خارج عنه وخاص بالنون الساكنة:
وهذه القاعدة تطبق على جميع الحروف، وذلك أن كل حرفين التقيا في اللغة العربية إما أن يكونا متماثلين، أو متجانسين، أو متقاربين، أو متباعدين.
أما المتباعدان وهما: ما تباعدت مخارجهما، فسبق حكمهما وهو الإظهار.
وأما المتماثلان: وهما ما اتفقا في المخرج والصفات، مثل:
﴿قُلْ لا﴾ ﴿رَبِحَتْ تِجَارَتُهُم﴾ ﴿يُدْرِكُّم﴾ ﴿كُمْ مِن﴾ .
стр. 75
والمتجانسان هما: ما اتفقا في المخرج واختلفا في الصفات مثل:
﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾ ﴿قَدْ تَبَيَّن﴾ ﴿عَبَدتُّم﴾ ﴿فَآَمَنَتْ طَائِفَة﴾ ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾ .
حكم المتماثلين والمتجانسين: الإدغام.
والمتقاربان: ما تقاربت مخارجهما، مثل:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُود﴾ ﴿قَدْ سَمِع﴾ فالأصل فيه عند حفص الإظهار.
شروط الإدغام:
يشترط للإدغام عند حفص شرطان:
١ أن يكون الحرفان متماثلين أو متجانسين.
٢ أن يكون الأول منهما ساكنًا والثاني متحركًا.
فإذا كانا متقاربين، أو كان الحرف الأول متحركًا فلا إدغام عنده، وإن كان غيره يدغمه، ويسمى عندهم الإدغام الكبير، مثل ﴿سَلَكَكُم﴾ ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِم﴾ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء﴾ .
الإدغام التام والإدغام الناقص:
يعتبر الإدغام تامًا إذا أعدم الحرف الأول ولم يبق له أثر في النطق، أما إذا بقيت صفة من صفاته ظاهرة في النطق اعتبر ناقصًا؛ لأنك حينئذ كأنك نطقت ببعض الحرف الأول، والمفروض في الإدغام أن يمزج الحرف الأول في الثاني، حتى تذهب ذات الحرف الأول بالكلية.