وكما يكون الوقف والابتداء قبيحين في بعض المواضع، يكون الوصل أحيانًا قبيحًا، فيلزم الوقف حينئذ، وذلك إذا كان الوصل يؤدي إلى خلل في المعنى أو إيهام.
مثاله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ..﴾ فالوقف على ﴿عَنْهُمْ﴾ لازم، لأنك لو وصلت احتمل تعلق الظرف وهو ﴿يَوْمَ﴾ بفعل الأمر ﴿فَتَوَلَّ﴾ فيفسد المعنى.
ومثله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ. وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ﴾ فالوقف على ﴿يَسْمَعُونَ﴾ لازم، لأنك لو وصلت اشترك الموتى مع الذين يسمعون في صفة الاستجابة، أواحتمل هذا المعنى الفاسد في أذن السامع، فلأجل إيضاح المعاني والفصل بين المتغاير منها، ينبغي بل يلزم الوقف في مثل هذه المواضع.
تنبيه: قد يختلف نوع الوقف وحكمه باختلاف أوجه التفسير والقراءة، والإعراب.
مثاله: في اختلاف أوجه التفسير: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ..﴾ .
فالوقف على قوله: ﴿إِلاَّ اللَّهُ﴾ كاف، على تفسير من قال: إن علم المتشابه لله وحده وأن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله بل يؤمنون به وبكل ما جاء من عند الله، وهذا الوجه من التفسير مروي عن ابن عباس وابن مسعود وعائشة، وهو قول أبي حنيفة وأكثر أهل الحديث وبه
стр. 107
أخذ من القراء نافع والكسائي ويعقوب، قال عروة بن مسعود: الراسخون في العلم لا يعلمون التأويل ولكن يقولون آمنا به.
وهو وقف غير كاف على تفسير من قال: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، فالراسخون على هذا معطوف على لفظ الجلالة، وهذا القول مروي عن ابن عباس أيضًا، وممن قال به مجاهد والقاسم بن محمد وغيرهما.
ومثاله: في اختلاف أوجه القراءات ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا، وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ .
فالوقف على قوله: ﴿وَأَمْنًا﴾ كاف على قراءة الكسر ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ لأن العبارة الثانية حينئذ تصير كلامًا مستأنفًا؛ ويكون الوقف غير كاف على قراءة الفتح ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ إذ تصير العبارة الثانية حينئذ معطوفة على ما قبلها.
ومثاله: في اختلاف أوجه الإعراب: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فالوقف على ﴿الم﴾ تام على تقدير المبتدأ أو الخبر، أي: هذا الم، أو الم هذا. فيكون ما بعده كلامًا مستأنفًا، ويكون الوقف غير تام إذا أعربنا الجملة بعد ﴿الم﴾ في محل رفع خبر له.
وهناك أوجه أخرى كثيرة في الإعراب ليس هذا محل ذكرها، وإنما المراد التمثيل لتنوع الوقف بتنوع وجه الإعراب واختلافه باختلافه.
стр. 108
رموز الوقف: سبق أن العلماء اختلفوا في تقسيمهم للوقف، إلا أن جميع ما ذكروه من أقسام لا يخرج عن الأقسام الأربعة التي
стр. 109
ذكرناها، ولكنهم في المصاحف لجئوا إلى التفصيل ولم يكتفوا بما سبق، بل الغالب أنهم اعتمدوا على تقسيم السجاوندي، فقد قسم الوقوف إلى خمسة أقسام: اللازم، المطلق، والجائز، والمجوز لوجه، والمرخص لضرورة.
ولكل قسم من هذه الأقسام رمز يشير إليه، وإليك بيان هذه الرموز:
م: رمز للوقف اللازم: وهو ما كان في وصله إفساد للمعنى أو إيهام لمعنى آخر غير مراد وقد سبق مثاله.
ط: رمز للوقف المطلق: والمراد به ما يحسن فيه الابتداء بما بعده، وذلك لا يكون إلا في الوقف التام أو الكافي.
ج: رمز للوقف الجائز: وهو ما يجوز فيه الوقف والوصل بدرجة متساوية، لوجود وجهين فيها من الإعراب من غير ترجيح لأحدهما، مثال: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ..﴾ فقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ يجوز فيها أن تعرب في محل نصب حال من فاعل ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ ويجوز أن تكون استئنافية.
ز: رمز للوقف المجوز لوجه: وذلك إذا كان هناك وجهان متغايران في الإعراب وأحدهما أرجح من الآخر، والوقف على الوجه المرجوح، مثاله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ .
فالفاء في قوله: ﴿فَلاَ﴾ سببية وعلى هذا الوجه فالوصل أَوْلَى.
стр. 110
وهو الراجح، ويجوز إعراب الفاء استئنافية وهو وجه مرجوح، وعليه يكون الوقف مجوزًا.
ص: رمز للوقف المرخص لضرورة النفس، وذلك إذا طال الكلام وانقطع النفس فيقف عليه مع وجود الارتباط بما بعده، ولكن إذا كان ما بعده جملة مفهومة مفيدة جاز أن يبتدئ به وإلا لزمه العود، مثاله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ﴾ .
لا: رمز للموضع الذي لا يصلح للوقف أو الابتداء، ويقع هذا في الوقف القبيح، والوقف الحسن، ففي الحسن يجوز الوقف ولا يحسن الابتداء.
وفي القبيح لا يحسن الوقف ولا الابتداءُ.
:. هذه النقاط الثلاث يشيرون بها إلى ما يسمى بوقف المراقبة، أو وقف المعانقة، والمراد به اجتماع موضعين صالحين للوقف وتجاورهما، فلك حينئذ أن تقف على أحدهما وليس لك أنتقف عليهما معًا. مثاله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
فيها وقفان متجاوران أحدهما على ﴿رَيْبَ﴾ والآخر على ﴿فِيِه﴾ فإذا وقفت على الأول لزمك وصل الثاني لأن الجار والمجرور ﴿فِيِه﴾ يكون حينئذ متعلقًا بما بعده، وإذا وقفت على الآخر لزمك وصل الأول لأن الجار والمجرور حينئذ متعلق بـ ﴿رَيْبَ﴾ .
стр. 111
الابتداء بألفاظ الوصل والقطع
ألفات الأفعال: وهي على خمسة أقسام
...
الابتداء بألفاظ الوصل والقطع:
هذا الباب يتعرض له النحاة بالتفصيل في كتب النحو وإنما يهمنا منه هنا ما يتعلق بالقراءة، ويقال: ألف الوصل أو القطع، وهمزة الوصل أو القطع كل ذلك صحيح، وقد سبق ذكره في أول باب المخارج، واخترنا التعبير بألف اقتداء بابن الجزري ﵀ والكلام عليها في الأفعال والأسماء:
أ- ألفات الأفعال: وهي على خمسة أقسام:
١ ألف القطع في الثلاثي: وعلامتها أن تقع فاء للفعل وتثبت في المضارع منه مثل: أتى، يأتي فيبتدأ بها بالفتح في الماضي.
٢ ألف القطع في الرباعي: وعلامتها ضم أول المضارع منه مثل: أَخْرَجَ، يُخْرِجُ. فيبتدأ بها بالفتح في الماضي، وإن كانت في المصدر ابتدئ بها مكسوة مثل: إِخْرَاجا.
٣ ألف الوصل: وعلامتها سقوطها في درج الكلام وحذفها في أول المضارع، فهي مبنية على ثالث المضارع، فإن كان مكسورًا أو مفتوحًا كسرتها، مثل: اهْدِنَا مضارعه: يَهْدِي، ومثل: ارْكَب مضارعه: يركب.
وإن كان الثالث مضمومًا ضممت ألف الوصل مثل: اقْتُلُوا مضارعه: يَقْتُل، والذي جعلهم يتبعون ألف الوصل هنا للحرف الثالث دون الأول، أو الثاني، أو الرابع أن الحرف الأول زائد فلا يبنى عليه لزيادته، والثاني ساكن فلا يبنى عليه لسكونه، والرابع لا يثبت على إعراب واحد بل تتغير حركته حسب موقع
стр. 112
الفعل والعوامل الداخلة عليه فلا يبنى عليه لتغيره، ويدخل في هذا القسم مثل: ﴿اسْتَطَاعُوا﴾ ﴿اسْطَاعُوا﴾ ﴿انْشَقَّت﴾ ﴿اثَّاقَلْتُم﴾ و ﴿ادَّارَكُوا﴾ ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ فإنك بالتأمل تجد ثالث المضارع منها مكسورًا أو مفتوحًا.
٤ ألف المتكلم عن نفسه: إذا كان الفعل للمستقبل مثل: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّه﴾ ﴿أَرِنِي أَنظُر﴾ ﴿أَفْرِغ﴾ فتفتح في الثلاثي، وتضم في الرباعي كما هو واضح في الأمثلة.
أما إذا كان الفعل مبنيًا للمجهول فتضم ألفه مطلقًا ثلاثيًا كان أم رباعيًا.
٥ ألف الاستفهام: إذا دخلت على ألف الوصل حذفت هذه وفتحت تلك، ووقع ذلك في سبعة مواضع بالقرآن:
﴿قُلْ أتَّخَذْتُم﴾ بالبقرة، ﴿أطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ بمريم ﴿أفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بسبأ ﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾ بص ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُم﴾ بالمنافقين ﴿أصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ بالصافات ﴿أتَّخَذْنَاهُم سِخْرِيًّا﴾ بص.
أما إذا وقعت ألف الوصل بين ألف الاستفهام وبين لام التعريف، فإنها تبدل ألفا ممدودة وتمد إشباعًا أو تسهل بين بين وذلك في ست كلمات في القرآن:
﴿ءَالذَّكَرَيْن﴾ بموضعي الأنعام ﴿ءَالآنَ﴾ بموضعي يونس ﴿ءَاللهُ أَذِنَ لَكُم﴾ بيونس أيضًا ﴿ءَاللهُ خَيْر﴾ بالنمل.
стр. 113
ب- ألفات الأسماء: على ثلاثة أقسام:
١ ما وقع منها في أول المصادر مثل: إِخْرَاج، استغفار. فيبدأ بها مكسورة.
٢- ما وقع منها قبل لام التعريف، فيبتدأ بها مفتوحة مطلقًا مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ﴿الْعَالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ﴿الرَّحِيمِ﴾ .
٣ ما وقع منها في سبعة ألفاظ سماعية فيبتدأ بالألف فيها مكسورة وهي:
ابن، مثاله: ﴿..ابْنَ مَرْيَم﴾ .
ابنة، مثاله: ﴿ابْنَتَ عِمْرَان﴾ ﴿ابْنَتَيَّ هَاتَيْن﴾ .
امرؤ، مثاله: ﴿امْرِئٍ مِنْهُم﴾ ﴿امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ .
اثنان، مثاله: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَين﴾ .
امرأة، مثاله: ﴿اِمْرَأَتَ نُوْحٍ﴾ ﴿اِمْرَأَتَيَنِ تَذُودَانِ﴾ .
اسم، مثاله: ﴿اِسْمُ رَبِّكَ﴾ ﴿اِسْمُهُ اْلَمسِيْحُ ... ﴾ .
اثنتان، مثاله: ﴿كَانَتَا اِثنَتَيْنِ..﴾ ﴿اِثْنَتَا عَشْرَةَ..﴾ .
قال ابن الجزري ملخصًا أحوال همزة الوصل:
وابدأ بهمز الوصل من فعل بضم ... إن كان ثالث من الفعل يضم
واكسره حال الكسر والفتح، وفي ... لاسماء غير اللام كسرها، وفي
ابن مع ابنة امرئ واثنين ... وامرأة واسم مع اثنتين
стр. 114
تمرين رقم ٦
١ بين الفرق بين: الوقف، القطع، السكت.
٢ ما هو السنة في الوقف؟
٣ بين معاني الوقوف الآتية مع التمثيل:
التام، الكافي، الحسن، القبيح.
٤ مثل للابتداء القبيح، وكيف يكون الوصل قبيحًا؟ مع التمثيل.
٥ بين نوع الوقف فيما تحته خط:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾
٦ بين حكم الوقف على ما يأتي ولماذا؟
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّين﴾ ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِل﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي﴾ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون﴾ ﴿فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة﴾ .
стр. 115
باب الاستعاذة والبسملة:
الاستعاذة: تنبغي عند الشروع في القراءة بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ .
وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ﴾ أي: إذا أردت قراءة القرآن، وهو من أساليب العرب تقول: إذا ذهبت إلى فلان فاحمل معك كذا ... أي: إذا أردت الذهاب.
وصيغة الاستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
هذا هو المختار عند القراء لأنه المنصوص عليه في الآية، قال ابن الجزري في نشره: وقد ورد النص بذلك عن النبي ﷺ ففي الصحيحين من حديث سليمان بن صرد ﵁ قال: استب رجلان عند رسول الله ﷺ ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه فقال النبي ﷺ : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجده لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ١.
وهناك صيغة أخرى يفيدها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في السنن وهي: "أعوذ بالله من السميع العليم من الشيطان الرجيم.." وفي رواية زيادة: "من همزه ونفثه ونفخه".
стр. 116
ولا خلاف في أن الاستعاذة ليست من القرآن ولك فيها مع البسملة والسورة أربعة أوجه:
١ وصل الجميع.
٢ قطع الجميع.
٣ وصل الاستعاذة بالبسملة مع الوقف عليها.
٤ قطع الاستعاذة عن البسملة ووصل البسملة بالسورة.
ولا خلاف عن حفص في الجهر بالاستعاذة إن كان يجهر بالقراءة، قال أبو شامة ﵀:
وإنما أبى الإخفاء الوعاة؛ لأن الجهر به إظهار لشعار القراءة كالجهر بالتلبية وتكبيرات العيد، ومن فوائده أن السامع له ينصت للقراءة من أولها لا يفوته منها شيء، وهذا المعنى هو الفارق بين القراءة خارج الصلاة وفي الصلاة، فإن المختار في الصلاة الإخفاء؛ لأن المأموم منصت من أول الإحرام بالصلاة١
ومعنى هذا أن المختار أن يسر التعوذ في الصلاة، قال النووي:
وكان ابن عمر ﵁ يسر وهو الأصح عند جمهور أصحابنا وهو المختار٢.
وقال ابن الجزري في النشر: ومن المواضع التي يستحب فيها الإخفاء إذا قرأ خاليًا سواء قرأ جهرًا أو سرًا ومنها إذا قرأ سرًا فإنه يسر
стр. 117
أيضًا ومنها إذا قرأ في الدور ولم يكن في قراءته مبتدئًا يسر بالتعوذ لتتصل القراءة ولا يتخللها أجنبي، فإن المعنى الذي من أجله استحب الجهر وهو الإنصات فقد في هذه المواضع١.
البسملة: لا خلاف في كونها بعض آية من سورة النمل وأنها مشروعة عند البدء بكل أمر كما قال الرسول ﷺ : "كل أمر لا يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع" ٢.
لكن الخلاف في كونها آية من كل سورة، أو آية من الفاتحة على وجه الخصوص، وليس هذا محلًا لتفصيل هذه المسألة وقد استوفيت الكلام عليها في موضع آخر٣.
ولكن نقتصر منها على بيان سبب الخلاف: وهو أن الروايات صحت بقراءتها وبتركها فكل احتج بجانب قوي، واختلاف الفقهاء في قراءتها في الصلاة أو عدم قراءتها فرع من هذه المسألة، والمهم هنا أن نبين أن مذهب عاصم فيها أنها آية من الفاتحة٤، ومن كل سورة إلا براءة، ويفصل بها بين السور، ولا تقرأ بين براءة والأنفال، وعلى هذا يجب قراءتها في الصلاة سواء أسر بها أم جهر، وبه قال من الفقهاء: أحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي إلا أنه قال: يجهر بها في الصلاة مع الفاتحة والسورة. وبهذا القول كان يقول من الصحابة أبو هريرة،
стр. 118
وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وروي عن الخلفاء الأربعة١
وذكر ابن الجزري في النشر: عن أبي القاسم الهذلي أن مالكا سأل نافعًا عن البسملة فقال:
السنة الجهر بها. فسلم إليه وقال: كل علم يسأل عنه أهله.
واتفق القراء جميعًا على قراءتها عند الابتداء بالسور، وعلى تركها في أول براءة.
أما قراءتها في أول الأجزاء والأحزاب عند الابتداء بها فهو قول بعضهم، واختار كثير من القراء تركها٢.
وعند الفصل بها بين السورتين لك ثلاثة أوجه:
١ وصل الجميع.
٢ قطع الجميع.
٣ قطع البسملة عن آخر السورة، ووصلها بأول السورة الأخرى.
أما وصلها بآخر السورة الأولى وقطعها عن الأخرى فممنوع عند الجميع.
стр. 119
أنواع القراءة
التحقيق
...
أنواع القراءة:
أنواع القراءة ثلاثة: التحقيق، والحدر، والتوسط.
أما التحقيق: فأصله المبالغة في الإتيان بالشيء حتى تبلغ اليقين في معناه وتؤديه على حقه من غير زيادة ولا نقصان، والمراد به في التجويد: التأني في القراءة بإشباع المدات، وتوفية الغنات، وتحقيق الهمزات، وإتمام الحركات، وتبيين الحروف، وتحقيق مخارجها، كل ذلك بتأن وتمهل، والتحقيق وغيره من أنواع القراءة يتعلق بمقدار السرعة فيها ليس غير.
وإلا فتحقيق كل ما ذكر مطلوب في كل نوع إلا أن معيارها في التحقيق أكثر بطئًا وأقل سرعة، ولذلك لا يكون معه في الغالب قصر ولا اختلاس ولا إسكان لمتحرك ولا إدغام له، وهو مناسب لرياضة اللسان عند المبتدئين ويساعد على التدبر والتفكر في الآيات، وبه وردت الرواية عن حفص، وأكثر من يبالغ فيه من القراء حمزة.
والتحقيق هو قراءة النبي ﷺ فعن أم سلمة ﵂ أنها سئلت عن قراءة النبي ﷺ فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفًا حرفًا١، ومثله ما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقرأ السورة حتى تكون أطول من أطول منها. وكانت هذه القراءة مفضلة عند الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين قال ابن مسعود: لا تهذوه
стр. 120
هذ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكون هم أحدكم آخر السورة.
стр. 121
وأما الحدر: فأصله الإسراع والهبوط، والمراد به إدراج القراءة والإسراع بها وذلك بتخفيف مقادير الأحكام، بالقصر والاختلاس والتسكين وتخفيف الهمز، ونحو ذلك مما يصح في التجويد القراءة به.
стр. 122
وأما التوسط: ويسمى التدوير، فهو مرتبة بين التحقيق والحدر، أي: بين الإسراع والبطء في القراءة، وهو المختار عند أكثر أهل الأداء.
وقد اختلفوا في الحدر والتحقيق أيهما أفضل فقال بعضهم:
التحقيق أفضل لأنه يساعد على فهم المعاني وتدبر القرآن، وذلك هو المقصود من القراءة قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ .
وقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ .
وقال آخرون: الحدر أفضل لأنه به يتمكن القارئ من الإكثار من كمية المقروء من الآيات، وقد صح الخبر بأن كل حرف منه بحسنة والحسنة بعشر أمثالها١.
стр. 123
ومن أحسن ما قيل في بيان الفرق بين القراءتين كلام الحافظ ابن القيم ﵀ ونصه: الصواب في المسألة أن يقال: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجل وأرفع قدرًا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددًا، فالأول كمن تصدق بجوهرة عظيمة أو أعتق عبدًا قيمته نفيسة جدًا، والثاني كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم أو أعتق عددًا كمن العبيد قيمتهم رخيصة١.
стр. 124
باب فرش الحروف:
﴿لا يَسْتَحْيِي﴾ بالبقرة والأحزاب: قرأها حفص بإسكان الحاء وبياءين الأولى منهما مكسورة، والثانية ساكنة ممدودة.
﴿أَنَا أُحْيِي﴾ ومثله ﴿أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾ و ﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِير﴾ و ﴿إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْك﴾ : لفظ ﴿أَنَا﴾ إذا وقع بعده همزة سواء كانت مضمومة أو مفتوحة أو مكسورة تقرأ بحذف الألف وصلًا وإثباتها وقفًا.
﴿مَجْريهَا﴾ بهود: بإمالة الألف بعد الراء ولم يقع لحفص إمالة غيرها.
﴿وَلَيَكُونًا﴾ بيوسف، ومثله ﴿لنَسْفَعًا﴾ بالعلق، و ﴿إذًا﴾ : كلها تقرأ بالنون وصلًا وبالألف وقفًا.
﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ﴾ بالكهف: بنون واحدة مشددة من غير همز مع حذف الألف التي بعد النون وصلًا وإثباتها وقفا.
стр. 125
﴿ضُعْفٍ﴾ في الموضعين بالروم، ومثله ﴿ضُعْفًا﴾ في الروم أيضًا: قُرِئَ بفتح الضاد وبضمها، ذكر الوجهين عن حفص أبو عمرو الداني في التيسير والشاطبي في الحرز وغيرهما.
﴿الظُّنُونَا﴾ ﴿الرَّسُولا﴾ ﴿السَّبِيْلاَ﴾ بالأحزاب: كلها بحذف الألف وصلًا وإثباتها وقفًا.
﴿بِئْس الاِسْمُ﴾ بالحجرات: بإسقاط الهمزة ونقل حركتها إلى الصحيح الساكن قبلها وإذا وقفت على ﴿بِئْسَ﴾ وبدأت بقوله: ﴿الاسم﴾ فلك البدء بهمزة الوصل مفتوحة، ولك البدء بحذفها وكلاهما مع كسر اللام.
﴿الُمصَيْطِرُونَ﴾ بالطور: اختلف فيه بين الصاد والسين وكذلك في ﴿بِمُصيطِر﴾ بالغاشية.
﴿سَلاَسِلَ﴾ بالدهر: بدون تنوين في الوصل، وذكر الوجهان في الوقف: إثبات الألف أو حذفها مع تسكين اللام، ذكرهما الداني في تيسيره والشاطبي في حرزه.
﴿قَوَارِيرَ﴾ في الموضعين بالدهر: بالنصب من غير تنوين وَصْلًا، ويوقف على الأول منهما بالألف وعلى الآخر بالتسكين.
التكبير:
روي التكبير عن حفص، ويبدأ من آخر الضحى إلى سورة الناس، ولك حينئذ بين كل سورتين منها سبعة أوجه:
стр. 126
١ الوقف على آخر السورة، وعلى التكبير، وعلى البسملة.
٢ الوجه السابق مع وصل البسملة بأول السورة.
٣ الوقف على آخر السورة، ووصل التكبير بالبسملة، مع الوقف عليها.
٤ الوجه السابق، مع وصل البسملة بأول السورة.
٥ وصل آخر السورة بالتكبير، مع الوقف عليه وعلى البسملة.
٦ الوجه السابق، مع وصل البسملة بأول السورة.
٧ وصل الجميع.
стр. 127
تقريظ
من فضيلة شيخنا الجليل أستاذ المقرئين بمصر، ورئيس قسم القراءات بكلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الشيخ عبد الفتاح بن عبد الغني القاضي.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله نبيه وعبده وعلى آله وصحبه وجنده، وبعد:
فقد تصفحت كتاب التجويد الذي ألفه فضيلة الأستاذ المجد النابه الصالح الشيخ عبد العزيز بن عبد الفتاح بن عبد الرحيم القارئ المدرس بكلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فوجدته متضمنًا أهم مسائل هذا الفن مشتملًا على حبل دقائقه وفروعه، ولقد عني الأستاذ المؤلف -حفظ الله شبابه- عناية فائقة ببيان الأحكام العملية التي يكون لها أحسن الأثر في إحكام القراءة وضبط التلاوة وجودة الأداء، في عبارات طلية ممتعة وتراكيب رصينة مبدعة، فالكتاب -يشهد الله- من أنفس الكتب التي ألفت في هذا الشأن مع وجازته واختصاره.
وأسأل الله -سبحانه- أن يعمم بهذا الكتاب النفع، ويعظم لمؤلفه الأجر إنه سبحانه سميع الدعاء مجيب النداء.
في ٢٠/ ٦/ ٩٥ هـ
٢٩/ ٦/ ٧٥م
عبد الفتاح القاضي
شيخ القراءات بكلية القرآن الكريم
بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
стр. 128
قائمة ببعض المصادر والمراجع:
-مقدمة فيما على قارئه أن يعلمه: منظومة أبي الخير محمد بن محمد الجزري "مخطوط بإملاء الناظم وعليها خطه كتبت سنة ٨٠٠ هـ".
- شرح ابن الناظم على المقدمة "مخطوطة بالمكتبة الظاهرية بدمشق".
- الدقائق المحكمة في شرح المقدمة للشيخ زكريا الأنصاري "ط بمصر سنة ١٢٨٣هـ".
- المنح الفكرية على متن الجزرية للملا علي بن سلطان القاري "ط التجارية بمصر سنة ١٣٥٤هـ".
- الحواشي الأزهرية في حل ألفاظ متن الجزرية للشيخ خالد الأزهري "ط المحمودية بمصر سنة ١٣٧٠هـ".
- نونية السخاوي المسماة عمدة المفيد لعلم الدين السخاوي "مخطوطة عليها سماع على الحافظ الذهبي بخط محمد بن عبد الله بن المحب سنة ٧٣٦، وأخرى على الحافظ يوسف بن عبد الهادي بخطه سنة ٨٧٧هـ.
- الرعاية لتجويد الحروف وتحقيق لفظ التلاوة لمكي بن أبي طالب القيسي "ط بدمشق سنة ١٣٩٣ هـ بتحقيق الدكتور أحمد حسن فرحات".
- كتاب التمهيد في علم التجويد لابن الجزري "ط بمصر سنة ١٣٢٦هـ".
- نهاية القول المفيد في علم التجويد للشيخ مكي نصر "ط الأميرية ببولاق بمصر سنة ١٣٠٨هـ".
- تذكرة الإخوان بأحكام رواية حفص لعلي بن محمد الضباع "ط الاتحاد العام لجماعة القراء بمصر".
- القطع والائتناف لأبي جعفر النحاس "مخطوط بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة".
- منار الهدى في الوقف والابتداء لعبد الكريم الأشموني "ط الحلبي بمصر سنة ١٣٥٣هـ".
- التيسير في القراءات السبع لأبي عمرو الداني "ط استنبول سنة ١٩٣٠م بتحقيق أوتوبرتزل".
- إبراز المعاني شرح الشاطبية لأبي شامة "ط الحلبي بمصر سنة ١٣٤٩ هـ".
- النشر في القراءات العشر لابن الجزري "ط التجارية بمصر بتصحيح الضياع".
- صحيح البخاري "ط الحلبي بمصر سنة ١٣٧٧هـ".
- صحيح مسلم "ط عبد اللطيف مصورة سنة ١٣٩٢هـ".
- سنن الترمذي "ط الحلبي سنة ١٣٨٥هـ".
- سنن أبي داود "ط الحلبي بمصر".
- المستدرك للحاكم "ط حيدر أباد بالهند".
- تفسير ابن كثير "ط الحلبي بمصر".
- فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية "ط بالرياض بتصحيح الشيخ عبد الرحمن بن قاسم سنة ١٣٨٢هـ".
- زاد المعاد للحافظ ابن قيم الجوزية "ط السنة المحمدية سنة ١٣٧٠هـ".
- معرفة القراء للكبار للحافظ الذهبي "ط دار الكتب الحديثة بتصحيح محمد سيد جاد الحق".
- غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري "ط الخانجي بمصر سنة ١٣٥١هـ بتحقيق براجستر اسر".
стр. 129
المحتويات
الصفحة
مقدمة................................................. ٥
لمحة موجزة من تاريخ التجويد والقراءات...................١٣
القراءات المتواترة.......................................١٩
ترجمة عاصم........................................... ٢٦
ترجمة حفص وإسناد المؤلف إليه..........................٢٩
التجويد: معناه، والغاية منه، وحكمه......................٣٧
الباب الأول: مخارج الحروف.............................٤٧
الباب الثاني: صفات الحروف.............................٥٩
ألقاب الحروف..........................................٧١
الباب الثالث: أحكام بعض الحروف........................٧٥
أحكام الراء.............................................٧٧
أحكام اللام..............................................٨٢
أحكام النون الساكنة والتنوين..............................٨٤
الإظهار..................................................٨٤
الإدغام.................................................. ٨٥
الإقلاب.................................................. ٨٩
الإخفاء.................................................. ٨٩
أحكام الميم الساكنة........................................٩٢
حكم النون والميم المشددتين..................................٩٢
المد والقصر................................................٩٦
هاء الكناية................................................١٠٠
стр. 130
الصفحة
الباب الرابع: الوقف والابتداء..........................١٠٣
معنى الوقف والفرق بينه وبين القطع والسكت...........١٠٥
أقسام الوقف........................................١٠٧
اختلاف الوقف باختلاف أوجه التفسير والقراءة والإعراب ١١٢
رموز الوقف.........................................١١٣
الابتداء بألفات الوصل والقطع.........................١١٦
باب الاستعاذة والبسملة...............................١٢٠
أنواع القراءة.........................................١٢٤
باب فرش الحروف....................................١٢٧
قائمة بالمصادر والمراجع................................١٣٠
стр. 131
للمؤلف
- "التجويد الميسر" قواعد قراءة القرآن في أسلوب ميسر يتيح لكل مسلم فهم هذا الفن وتطبيقه وقراءة القرآن بالطريقة النبوية.
سجل الكتاب مع التمارين على أشرطة بصوت المؤلف.
- قصيدتان في تجويد القرآن: الرائية للخاقاني، والنونية للسخاوي التي سماها عمدة المفيد، مع شرح للمؤلف عليهما.
- المقدمة فيما على قارئه أن يعلمه: للجزري مع شرح موجز عليها. "تحت الطبع".
- أخلاق حملة القرآن: لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري المتوفى سنة "٣٦٠" هـ. بتحقيق المؤلف وتخريجه لأحاديث الكتاب.