Полный текст (915 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فإن من أكبر أسباب هلاك ابن آدم ومحادته لربه وخالقه تسلط عدو الله إبليس عليه، ومكره الذي توعد به هذا المخلوق، كما قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
وقد كان من دأب العلماء والوعاظ التحذير من مكائد إبليس وصنوف غروره، وكان أول ما ألف بهذا الشمول كتاب "تلبيس إبليس" للإمام ابن الجوزي ﵀ المتوفى ٥٩٧ هـ، ولما اعترى طبعاته المختلفة من نقص وتحريف حرصنا على تحقيقه ودراسته في أطروحتنا للدكتوراه.
وهذه الطبعة في أصلها أطروحتان لنيل درجة الدكتوراه في العقيدة والمذاهب المعاصرة:
الأطروحة الأولى: أ. د. أحمد بن عثمان المزيد، وتبدأ من أول الكتاب إلى "فصل في ذكر أحاديث تبين خطأهم في أفعالهم" من الباب العاشر (ص ٥٢٧).
والأطروحة الثانية: أ. د. علي بن عمر السحيباني، تبدأ من "ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الرقص والسماع والوجد" من الباب العاشر، إلى الباب الثالث عشر نهاية الكتاب.
стр. 2
وأما قسم الدراسة فقد اختير من أطروحة أ. د. أحمد المزيد، ويشتمل على ثلاثة فصول مختصرة: ترجمة المؤلف، عقيدته، التعريف بالكتاب. ويجدر التنبيه إلى أن الفصل الثاني (عقيدة المؤلف) أوردناه كما هو في الأصل دون اختصار؛ نظرًا لأهميته.
كما اختصرَتْ هذه الطبعةُ كثيرًا من حواشي الأطروحتين، إلا التعليقات العقدية فأبقيناها كما هي في أصلها، فأوجزنا في التخريج والتوثيق والاستشهاد غاية الإيجاز، وحذفنا جلّ التراجم وفروق النسخ والتعليقات غير العقدية.
وقد طُبعت أطروحة أ. د. أحمد بن عثمان المزيد من قبل كاملة في ثلاثة مجلدات، والأطروحتان متوافرتان على الشبكة العنكبوتية لمن أراد الوقوف على الحواشي وقسم الدراسة كاملا.
стр. 3
المقدمة
وفيها ثلاثة فصول:
الفصل الأول: ترجمة المؤلف
الفصل الثاني: عقيدته
المبحث الأوّل: منهجه العام في العقيدة
المبحث الثاني: عقيدته في التوحيد
المبحث الثالث: عقيدته في الإيمان
المبحث الرابع: موقفه من الفِرق
الفصل الثالث: التعريف بالكتاب
المبحث الأول: اسم الكتاب ونسبته للمؤلف
المبحث الثاني: مصادر المؤلف ومنهجه في الكتاب
المبحث الثالث: قيمة الكتاب العلمية
المبحث الرابع: وصف النسخ الخطية
стр. 4
الفصل الأول: ترجمة المؤلف
هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حُمَّادي -بضم الحاء المهملة وتشديد الميم وفتحها- بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي. ولد ابن الجوزي بدرب حبيب في بغداد (١)، واختلف في تاريخ ولادته. فقيل: سنة ثمان وخمسمائة، وقيل: سنة تسع وخمسمائة، وقيل: سنة عشر وخمسمائة، أو قبلها.
نشأ ابن الجوزي ﵀ يتيمًا في بيت عريق، وأسرة كريمة، وتوفي والده وله من العمر ثلاث سنوات (٢)، وكان والده موسرًا فخلَّف له مالًا يستعين به في حياته.
وكفلته بعد ذلك أمه، ثم قامت عمته بتربيته، وحملته إلى خاله أبي الفضل محمد بن ناصر الذي حمله إلى الشيوخ فأسمعه المسند وغيره من الكتب الكبار.
وكان حريصًا على انتقاء الشيوخ الكبار والإفادة منهم، ولم يرحل ابن الجوزي ﵀ في طلب العلم، بل اكتفى بما حصل عليه من علماء ومشايخ بغداد ومن وفد عليها، ولا يخفى أن بغداد آنذاك كانت عاصمة العلم والعلماء، ونقطة التقائهم وتنقلهم بين البلدان، بالإضافة إلى ما وقع له من كتب كثيرة سمعها من مشايخه الكبار بالأسانيد المتصلة.
تعرّض ابن الجوزي ﵀ في آخر حياته لمحنة عظيمة أوردها معظم من ترجم له، وذلك أنه وُشي به إلى الخليفة الناصر بأمر اختلف في حقيقته، فشفعت له أم الخليفة الناصر لدين الله لدى الخليفة، فأطلق سراحه، وعاد إلى بغداد.
_________
(١) مرآة الزمان (٨/ ٤٨١)، الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤٠٠).
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤٠٠).
стр. 5
ولم تطل حياة ابن الجوزي بعد خروجه من سجنه بواسط ورجوعه إلى بغداد، فقد توفي ليلة الجمعة بعد المغرب، في الثاني عشر من شهر رمضان المبارك، سنة سبع وتسعين وخمسمائة (٥٩٧ هـ)، بالجانب الغربي من مدينة السلام، بدار له قريبة من قبر معروف الكرخي، وله من العمر سبع وثمانون سنة تقريبًا.
قال ابن خلكان: "كان علّامة عصره، وإمام وقته في الحديث، وصناعة الوعظ، وصنّف في فنون عديدة" (١).
وقال الذهبي: "الواعظ المتفنن، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في أنواع العلم، من التفسير والحديث والفقه والوعظ والأخبار والتاريخ وغير ذلك … وعظ من صغره، وفاق فيه الأقران، ونظم الشعر المليح، وكتب بخطه ما لا يوصف، ورأى من القبول والاحترام ما لا مزيد عليه" (٢).
وقال ابن رجب الحنبلي: "الحافظ المفسر، الفقيه الواعظ، الأديب جمال الدين أبو الفرج، المعروف بابن الجوزي، شيخ وقته، وإمام عصره" (٣).
من مؤلفاته: أحكام النساء، أخبار الظراف والمتماجنين، الأذكياء، البر والصلة، بستان الواعظين ورياض السامعين، تبصرة المبتدئ وتذكرة المنتهي، تلقيح فهوم أهل الأثر، ذم الهوى، زاد المسير في علم التفسير، صيد الخاطر، العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، غريب الحديث، فنون الأفنان في عيون علوم القرآن، كتاب الحمقى والمغفلين، كتاب الضعفاء والمتروكين، كتاب القصاص والمذكرين، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، الموضوعات من الأحاديث المرفوعات، نزهة الأديب.
_________
(١) وفيات الأعيان (٣/ ١٤٠).
(٢) العبر للذهبي (٣/ ١٨٠ - ١١٩).
(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٣٩٩).
стр. 6
الفصل الثاني: عقيدته
المبحث الأول: منهجه العام في العقيدة
لما كان موضوع عقيدة الحافظ ابن الجوزي ﵀ من الموضوعات الشائكة؛ نظرًا لمكانته العلمية من جهة، ونظرًا لما صدر عنه من مخالفة لمنهج السلف في تقرير بعض المسائل العقدية -فإنه يتحتم عليَّ الرجوع إلى أقوال الرجل المثبتة في كتبه التي تعتبر هي المصادر الأصلية لهذه الدراسة؛ ليكون الكلام على عقيدته بالعدل والإنصاف.
خلاصة في عقيدة ابن الجوزي عمومًا:
وبعد اطّلاعي على عدد كبير من مؤلفات الشيخ ﵀ المطبوعة والمتيسر من مخطوطاته في العقيدة، فإني خلصتُ إلى نتيجة وقناعة أن الشيخ ﵀ موافق لأهل السنة عمومًا، عدا في مسألتين هما: مسألة الصفات الإلهية، ومسألة التبرك بالقبور؛ فإنه جانب الصواب فيهما، بل هو في المسألة الأولى مضطرب لم يثبت على رأي واحد، فهو تارة يقول بالإثبات، وتارة يقول بالتفويض، وأخرى بالتأويل، وقد بينتُ هذا بصورة تفصيلية في موضعه.
انتساب ابن الجوزي:
إن ما وقع فيه ابن الجوزي ﵀ من أخطاء عقدية هي -في نظري- زلة عالم، لا يتّبع عليها، ولا يُقتدى به فيها، غير أن هذه الأخطاء لم تصدر عنه من واقع انتساب إلى مذهب بدعي أو فرقة ضالة، بل ابتلي بذلك بسبب تقليده لبعض العلماء كابن عقيل وغيره، زيادة على أن الخطأ من سمات البشر، والعصمة للأنبياء؛ لذلك لا ندّعي العصمة لابن الجوزيء ﵀، وما وقع منه من خطأكان سببه الغلوّ الذي كان من بعضهم في الإثبات، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقع الاعتداء في
стр. 7
النفي والإثبات في الحنابلة مما دبَّ إليهم من غيرهم الذين اعتدوا حدود الله بزيادة في النفي والإثبات" (١).
وهذه بعض الملامح العامة لمنهج الإمام ابن الجوزي في التلقي والاستدلال على العقيدة، وبعد ذلك يكون الحكم للأغلب، ويُحمل الخطأ على القصور البشري وتأثير الشيوِخ على التلاميذ سلبًا وإيجابًا، والله يعفو عن الجمع بمنّه وكرمه.
١ - حثَّه على لزوم السنة واجتناب البدعة.
٢ - ذمُّه للكلام وأهله (٢).
٣ - تعظيمه للنقل.
٤ - الإيمان بكل ما نُخبر به عن الصادق المصدوق.
٥ - التسليم وترك التأويل (٣).
والخلاصة هي ما فصَّل فيه الحكم بالحق والعدل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إذ قال: "إن أبا الفرج -يعني ابن الجوزي- نفسه متناقض في هذا الباب، لم يثبت على قدم النفي ولا على قدم الإثبات؛ بل له كلام في الإثبات نظمًا ونثرًا ما أثبت به كثيرًا من الصفات التي أنكرها في هذا المصنَّف (٤). فهو في هذا الباب مثل كثير من الخائضين في هذا الباب من أنواع الناس، يثبتون تارة وينفون أخرى في مواضع كثيرة من الصفات، كما هو حال أبي الوفاء ابن عقيل وأبي حامد الغزالي" (٥).
_________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ١٧٠).
(٢) قد يقول قائل: إن ابن الجوزي ﵀ قد خاض في بعض الكلام. والجواب عن هذا أنه كان يرى استعمال ذلك الأسلوب من العالم العارف بمزالق الكلام يسوغ ويجوز للحاجة، من باب الردّ على أهل الاصطلاح باصطلاحهم، ولم يجعله منهجًا مطّردًا، وطريقة متبعة. انظر: أبو الفرج ابن الجوزي آراؤه الكلامية والأخلاقية للدكتورة آمنة نصير (ص ٥٥، ٥٦).
(٣) غير أن الشيخ ابن الجوزي ﵀ خرم هذه القاعدة، واستعمل التأويل في توجيه جملة من نصوص الصفات. وهذا المسلك خطأ من الشيخ ﵀؛ ولهذا ردّ عليه كثير من العلماء في عصره وبعده.
(٤) يعني كتاب "دفع شبه التشبيه".
(٥) مجموع الفتاوى (٤/ ١٦٩).
стр. 8
المبحث الثاني: عقيدته في التوحيد
المطلب الأول: توحيد الربوبية
اهتم ابن الجوزي ﵀ بهذا القسم من التوحيد، وساق لإثباته أنواعًا عديدة من الأدلة، إما تقريرًا له أو ردًّا على شبه الملحدين، من دهرية وطبائعيين.
وكان سلاحه في ذلك الجهاد العظيم آيات القرآن العظيم التي عوّل عليها متأمِّلًا فمفسِّرًا، كما كان يحث دائمًا على استعمال نعمة العقل للتدبّر والتفكر والاستدلال على وجود الباري تعالى، وأنّه تعالى المتفرّد بالخلق والتدبير، وفي مقابل ذلك ينفي أن يكون الحسُّ أداةً صالحة للتعرّف على وجود الله تعالى، حتى قال في ذلك: "وإنما تخبّط الجاحد لأنه طلبه من حيث الحسّ" (١).
وقد تضمّن تقريره لتوحيد الربوبية وردّه لشبهة الدهرية والطبائعيين جملة من الأدلة، أطلق عليها المتكلّمون مصطلحات معيَّنة، لكنّ ابن الجوزي خالفهم في ذلك منهجًا وتطبيقًا:
فمن حيث المنهج نجد أن الإمام ابن الجوزي ﵀ جعل المجادلة والردّ
وسيلة لتقرير العقيدة الصحيحة التي تليق بمقام الربّ جل وعلا، واستعمل لذلك الآيات الباهرة من الكتاب المتلو، ومن الكون المنظور، أما المتكلمون فقد كان أكثر همّهم الجدل والمراء، وإبطال أدلة الخصم وإن كانت صحيحة!
أما من حيث التطبيق فلم يُطلق عليها تلك الأسماء؛ وقد تضمن منهجه الأدلة التالية:
_________
(١) انظر (ص ١٦٦).
стр. 9
أولًا: إثباته لحقيقة دور العقل السليم:
وهو الاستدلال على وجود الحق ﵎، لا أن يكون وسيلة للضلال والانحراف؛ فقال عن فضيلة العقل من جهة الاستنباط: "إنما تتبين فضيلة الشيء بثمرته وفائدته، وقد عرفت ثمرة العقل وفائدته، فإنه هو الذي دلّ على الإله، وأمر بطاعته وامتثال أمره، وثبت معجزات الرسل وأمر بطاعتهم، وتأمّل العواقب فاعتبرها فراقبها وعمل بمقتضى مصالحها، وقاوم الهوى .. وحثّ على الفضائل ونهى عن الرذائل" (١).
وقال عن الدهرية ناعيًا: "وهؤلاء لا لم يدركوا الصانع بالحس ولم يستعملوا في معرفته العقل جحدوه، وهل يشك ذو عقل في وجود صانع؟! " (٢).
ثانيًا: الخَلْق دليل على الخالق: "أو دليل الخلق والاختراع":
وقد ملأ تفسيره بالرّدود على الطبائعيين ومن على شاكلتهم ممن يشكّ في الخالق جلّ وعلا أو يجحده: فعند تفسيره لقول الله ﵎: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] قال: "قل للمشركين الذين يسألونك الآيات على توحيد الله: انظروا بالتفكر والاعتبار ماذا في السماوات والأرض من الآيات والعبر التي تدل على وحدانيته، ونفاذ قدرته، كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، وكل هذا يقتضي خالقًا مدبِّرًا" (٣).
_________
(١) ذم الهوى (ص ١٧).
(٢) انظر (ص ١٦٥).
(٣) زاد المسير (٤/ ٦٨). وانظر كذلك في هذا الموضوع: زاد المسير (١/ ١٦٨)، (٤/ ٦٨)، (٨/ ٣٣)، اللطائف (ص ١٤٢ - ١٤٣)؛ تنبيه النائم الغمر (ص ٨٣)؛ أحكام النساء (ص ١٣٠)؛ المنتظم (١/ ١١٨ - ١١٩)، صيد الخاطر (ص ٤٦٧).
стр. 10
ومما ذكره في كتابه التلبيس قوله: "فإن الإنسان لو مرّ بقاع ليس فيه بنيان، ثم عاد فرأى حائطًا مبنيًّا علم أن لابدّ له من بانٍ بناه، فهذا المهاد الموضوع، وهذا السقف المرفوع، وهذه الأبنية العجيبة والقوانين الجارية على وجه الحكمة، أما تدلّ على صانع؟! " (١).
ثالثًا: تدبير الأمر دليل على ربوبية الخالق: "أو دليل العناية":
فالباري جلّ وعلا لم يترك خلقه سُدًى، بل ربّاهم ورعاهم من أضعف مخلوق إلى أعظم، إمّا بالتنشئة والخلق، وإمَّا بالرزق والهداية.
وللتنبيه على هذا الدليل قال ابن الجوزي: "من تأمّل تحديد الأسنان لتقطع، وتعريض الأضراس لتطحن، واللسان يقلّب الممضوغ، وتسليط الكبد على الطعام ينضجه ثم يُنفذ إلى كل جارحة قدر ما تحتاج إليه من الغذاء … والعقل الذي يرشد إلى المصالح، وكل شيء من هذه الأشياء ينادي: أفي الله شك؟! " (٢).
وقال أيضًا: "لما تلمّحت تدبير الصانع في سَوْق رزقي بتسخير السحاب وإنزال المطر برفق، والبذر دفين تحت الأرض كالموتى قد عفن ينتظر نفخة من صور الحياة، فإذا أصابته اهتز خضرًا، وإذا انقطع عنه الماء مديد الطلب يستعطي، وأمال رأسه خاضعًا ولبس حلل التغير، فهو محتاج إلى ما أنا محتاج إليه، من حرارة الشمس، وبرودة الماء، ولطف النسيم" (٣).
رابعًا: دليل النفس:
وقد استدلّ ابن الجوزي ﵀ بهذا الدليل ليثبت به أمريْن:
_________
(١) انظر (ص ١٦٥).
(٢) انظر (ص ١٦٦).
(٣) صيد الخاطر (ص ١٢٧).
стр. 11
الأول: وقد مرَّ معنا في دليل الخلق والعناية، وقد ذكر هذا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [الذاريات: ٢١]، فقال: "آياتٌ إذ كنتم نُطفًا، ثم عظامًا، ثم علقًا، ثم مُضغًا … " (١)، ولا داعي للتفصيل في هذا دفعًا للتكرار.
الثاني: ومضمون هذا الدليل أن النفس مقطوع بوجودها، رغم أن الحس لم يثبت ذلك فضلًا عن أن يحيط بها علمًا؛ فإذا صحّ هذا في النفس وهي مخلوقة أفلا يكون الخالق أولى ألّا تدركه الحواس! وهذا من أعظم الأدلة التي حاجّ بها ابن الجوزي عقول الملحدين المعاندين.
وهذه بعض أقواله الجامعة في ذلك: "لنا أشياء لا تدرك إلا جملة كالنفس والعقل، ولم يمتنع أحدٌ من إثبات وجودهما" (٢).
وقال أيضًا: "من أكبر الدليل على وجود الخالق سبحانه هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها، فقد دبّرت مصالحها، وترقت إلى معرفة الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم .. فلم يحجبها سترٌ وإن تكاثف، ولا يُعرف مع هذا ماهيتها، ولا كيفيتها، ولا جوهرها، ولا محلها .. وهذا كله يوجب عليها أن لها مدبِّرًا وخالقًا، وكفى بذلك دليلًا عليه! إذ لو كانت وُجدت بها لما خفيت أحوالها عليها، فسبحانه سبحانه! " (٣).
خامسًا: دليل حلول الحوادث:
استدل ابن الجوزي ﵀ للمرة الوحيدة -فيما وقفتُ عليه- بهذا الدليل الكلامي على وجود الخالق تعالى، وقد علَّقتُ على هذا في موطنه، وبيّنتُ حقيقة
_________
(١) زاد المسير (٨/ ٣٣).
(٢) انظر (ص ١٦٦).
(٣) صيد الخاطر (ص ٣٤٠ - ٣٤١).
стр. 12
هذا الدليل وما يترتّب عليه عند أهل الكلام (١)، غير أن ابن الجوزي قد خالف المتكلمين -كما قدّمتُ سابقًا- في الاستدلال به، فلم يتماد في ذكر لوازمه الباطلة: من نفي الصفات عن المولى تعالى ذكره، ومن نفي قدرته تعالى على الفعل .. في تفاصيل خطيرة، بل اختصره فقال: "ومن الأدلة القطيعة على وجوده: أن العالم حادث، بدليل أنه لا يخلو من الحوادث، وكل ما لا ينفك عن الحوادث حادث، ولابدّ لحدوث هذا الحادث من سبب وهو الخالق سبحانه" (٢).
وهذه طريقة ابن عقيل فيما ذكره عنه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣).
المطلب الثاني: توحيد الألوهية:
لا شكَّ أن اعتناء الإمام ابن الجوزي بعلوم الكتاب والسُّنة والتصنيف فيها قد ترك أثرًا قويًّا لديه من حيث الاعتقاد والتمسك بمقتضى تلك العلوم، فوجدته موافقًا للكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح فيما وقفتُ عليه من موضوعات هذا التوحيد، عدا كلامه في موضوع التبرك كما سيأتي.
وسأورد بعض ما وقفتُ عليه من كلامه وتحريراته في ذلك الخصوص:
أولًا: استحقاق الربّ جلّ وعلا للعبادة وحده، دون سواه؛ لكونه خالقًا:
فالذي يَخلق هو الذي يُعبد، قال ابن الجوزي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦]: "أي: لم نخلق ذلك عبثًا، إنما خلقناهما دلالة على قدرتنا ووحدانيتنا؛ ليعتبر الناس بخلقه، فيعلموا أن العبادة لا تصلح إلا لخالقه … " (٤).
_________
(١) انظر (ص ١٦٧).
(٢) انظر (ص ١٦٧).
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٩/ ١٦٠).
(٤) زاد المسير (٥/ ٣٤٣).
стр. 13
ثانيًا: استحقاق الربّ جل وعلا للعبادة وحده، دون سواه؛ لكونه رازقًا:
قال ﵀ في تفسير قول الله جلّ وعلا: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سبأ: ٢٤]: "إنما أُمر أن يسأل الكفار عن هذا احتجاجًا عليهم بأن الذي يرزق هو المستحق للعبادة، وهم لا يثبتون رازقًا سواه؛ ولهذا قيل له: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ لأنهم لا يجيبون بغير هذا" (١).
ثالثًا: عدم جواز اتخاذ معبود غير الله:
قال في معنى قوله تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤]: "المعنى: هذا القرآن وهذه الكتب التي أُنزلت قبله، فانظروا هل في واحدٍ منها أن الله أمر باتخاذ إله سواه؟! فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود غيره من حيث الأمرُ به" (٢).
كما تكلم الإمام ابن الجوزي ﵀ في بعض التفاصيل المتعلقة بتوحيد العبادة، ومن ذلك:
١ - النهي عن تعظيم القبور، والصلاة عندها:
ففتنة القبور من أعظم ما كاد به إبليسُ بني آدم؛ إذ سوّل لهم الغلوّ في القبور بدعاء الموتى، والطواف حول قبورهم، فهوَوْا في دركات الشرك؛ ولهذا لَعن رسول الله ﷺ وهو في نزعات الموت -بأبي هو وأمِّي! - اليهود والنصارى (٣)؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، والغاية من ذلك هي: التحذير من صنيعهم.
_________
(١) زاد المسير (٦/ ٤٥٤).
(٢) زاد المسير (٥/ ٣٤٦).
(٣) أخرجه البخاري في الصلاة (١/ ٥٣٢) برقم (٤٣٥ - ٤٣٦)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٧٧) برقم (٥٣١) من حديث عائشة وابن عباس.
стр. 14
قال ابن الجوزي ﵀: "وأمّا نهيُه عن اتخاذ القبور مساجد فلئلا تُعظَّم؛ لأن الصلاة عند الشيء تعظيم له، وقد أغرب أهل زماننا بالصلوات عند قبر معروف (١) وغيره؛ وذلك لغلبة الجهل وملكة العادات" (٢).
وقال ﵀: "أصل عبادة الأوثان والأصنام من تعظيم قبور الأولياء والصالحين؛ ولهذا نهى الشارع ﷺ عن تعظيم القبور والصلاة عندها والعكوف عليها؛ فإن ذلك هو الذي أوقع الأمم الماضية في الشرك الأكبر.
ولهذا نجد أيضًا في هذا الزمان أقوامًا من الضُّلال الذين استحوذ عليهم الشيطان يتضرعون عند القبور، وعند سماع ذكر مشايخهم ويخشعون عندها، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد ولا في السَّحَر، ومنهم من يسجد للقبر، فهذا هو الشرك بالله نعوذ بالله! " (٣).
٢ - منع الحلف بغير الله:
علّل ابن الجوزي ﵀ النهي عن الحلف بغير الله لما فيه من تعظيم لذلك الشيء المحلوف به، فقال في معرض تعليقه على قول النبي ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" (٤): "كان من عادة العرب أن يحلفوا بآبائهم. والحلف بالشيء تعظيم له، فنهى رسول الله عن تعظيم غير الله بالقسم به" (٥).
٣ - النهي عن سبّ الدهر:
بيَّن ابن الجوزي ﵀ أن العرب كانوا إذا أصابتهم مصيبة يسبّون الدهر، وينسبون ذلك إليه، ويرونه الفاعلَ لتلك الأشياء، ولا يرونها من قضاء الله .
_________
(١) أي: الكرخي.
(٢) كشف المشكل (٢٠/ ٥٠). انظر المصدر نفسه (٣/ ٣٣٤).
(٣) تذكرة أولي البصائر في معرفة الكبائر لابن الجوزي (مخطوط) (ق ٤).
(٤) البخاري (١١/ ٥٣٠ رقم ٦٦٤٧)، ومسلم (٣/ ١٢٦٦ رقم ١٦٤٦).
(٥) كشف المشكل (١/ ٥١).
стр. 15
وقال في معنى حديث: "لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر" (١)، أي: هو الذي يصيبكم بهذه المصائب، فإذا سببتم فاعلها فكأنكم قصدتم الخالق" (٢).
٤ - النهي عن قول: مُطرنا بنوء كذا:
نقل أقوال العلماء في الأنواء وهي النجوم، وأن العرب كانت تنسب كل غبث يكون بعد طلوع نجم وسقوط آخر إلى ذلك النجم الساقط، فيقولون: مُطرنا بنوء كذا. ولا شك أن هذا شرك عظيم بربّ العالمين.
ثم بيَّن الضابط الصحيح في ذلك فقال: "ومن لم يكن اعتقاده أن الكوكب يفعل لم يضرّه هذا القول. وقد أجاز العلماء أن يُقال: مُطرنا في نوء كذا، ولا يقال: بنوء كذا" (٣).
٥ - النهي عن التطيّر:
عرّف التطيّر بقوله: "الطيرة: من التطيّر، وهو التشاؤم بالشيء تراه أو تسمعه وتتوهّم وقوع المكروه به" (٤).
وعلّل نفي النبي ﷺ للعَدْوى بقوله: "لا عدوى" بأنه إنمّا أراد إضافة الأشياء إلى القدر؛ لئلا يقف الإنسان مع السبب وينسى المسبِّب، والله تعالى قد يعمل الأسباب وقد يبطلها؛ فأراد النبي ﷺ إضافة الواقعات من الضرر والنفع إلى الله (٥).
_________
(١) رواه مسلم (٤/ ١٧٦٢ رقم ٢٢٤٦).
(٢) كشف المشكل (٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧). وانظر في هذا الموضوع: صيد الخاطر (ص ٥٠٣ - ٥٠٤).
(٣) كشف المشكل (٢/ ٢٦٢).
(٤) كشف المشكل (٢/ ٤٧٢). وانظر: (١/ ٤٨٢).
(٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤٧١ - ٤٧٢)؛ (٢/ ٢٦٨)؛ (٤/ ٣٧٦ - ٣٧٧).
стр. 16
أخطاء الشيخ في هذا النوع من التوحيد:
مرَّ فيما سبق نهي ابن الجوزي ﵀ عن تعظيم القبور والصلاة عندها، وتحذيره من ذلك، إلا أنه أخطأ في بعض كتبه عندما ذكر شيئًا من التبرك غير المشروع، كالتبرك بقبور الصالحين، من ذلك:
١ - ما نقله عن جعفر الخلدي دون أن يعلّق على ذلك النقل ويبيّن بطلانه، أنه قال: "كان بي جرب عظيم فتمسحت بتراب قبر الحسين، فغفوت فانتبهت وليس عليّ منه شيء. وزرت قبر الحسين فغفوت عند القبر غفوة، فرأيت كأن القبر قد شُقّ وخرج منه إنسان، فقلت: إلى أين يا ابن رسول الله؟ فقال: من يد هؤلاء" (١).
ومثل هذا الفعل إن كان عن اعتقاد البركة في تراب القبر فهو حرام ووسيلة إلى الشرك الأكبر، وإن كان عن اعتقاد أن الميت هو الذي يشفي فذلك شرك في الربوبية، ودعاؤه والاستغاثة به شرك في العبادة.
٢ - قال في ترجمة أحمد القزويني: "كان من الأولياء المحدثين … وقبره ظاهر يتبرك به في الطريق إلى معروف الكرخي" (٢).
٣ - ما أورده من قصص ومنامات في فضل قبور بعض الصالحين (٣).
وما أورده ابن الجوزي ﵀ في التبرك بقبور الصالحين كله داخل في التبرك الممنوع الذي لا يجوز؛ لعدم وجود ما يدلّ على مشروعيته من الكتاب والسنة،
_________
(١) المنتظم (٥/ ٣٤٦ - ٣٤٧).
(٢) المنتظم (١٧/ ١٥٦).
(٣) انظر: مناقب بغداد لابن الجوزي (ص ٢٩)؛ مناقب الإمام أحمد (ص ١٩٤)؛ بحر الدموع (ص ٣٩)، المنتظم (٥/ ٣٤٦)، (١١/ ٢١١).
стр. 17
ولا فعَلَه أو أرشد إلى فعله أحد من الصحابة وتابعيهم بإحسان، أو أئمة الدين المتبوعين.
بل الوارد هو النهي الشديد عن ذلك، ومن ذلك قول النبي: " … إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" (١).
قال الإمام ابن القيم ﵀: "لو كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحًا لفعل ذلك المهاجرون والأنصار، وسنّوا ذلك لمن بعدهم، ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به، ولا دعا عنده، ولا استشفى به، ولا استسقى به، ولا استنصر به. ومن المعلوم أن هذا مما تتوفر الهمم على نقله بل على نقل ما دونه" (٢).
المطلب الثالث: عقيدته في صفات الله تعالى:
تردد موقف الإمام ابن الجوزي ﵀ في مسألة صفات الربّ تعالى بين النفي والإثبات، فتارة يثبت الصفات على طريقة السَّلف، وتارة أخرى يجنح إلى التفويض، وتارة يميل إلى التأويل كما هو بارز في كتابه "دفع شبه التشبيه" الذي أوَّل فيه كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة الواردة في صفات الله .
وكان اضطرابه واختلاف أقواله في هذا الموضوع ناتجًا عن بعض القواعد المجانبة للصواب، والتي بنى عليها اعتقاده في الصفات الإلهية.
_________
(١) أخرجه مسلم في المساجد (١/ ٣٧٧ رقم ٥٣٢).
(٢) إغاثة اللهفان (١/ ٣١٩). وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٨١).
стр. 18
ومن هذه القواعد ما يلي (١):
١ - تسميته لأخبار الصفات إضافات، وقرَّر أن "ليس كل مضاف صفة" (٢)، ثم حكم بأنه "قد ابتدع من سمى المضاف صفة" (٣).
ولا شكَّ في كون ابن الجوزي تأثر في هذا المصطلح بشيخه ابن عقيل؛ إذ هو الذي أُثر عنه استعمال هذا المصطلح اتّباعًا منه للمعتزلة؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولابن عقيل أنواع من الكلام، فإنه كان من أذكياء العالم، كثير الفكر والنظر في كلام الناس، فتارة يسلك مسلك نفاة الصفات الخبرية، وينكر على من يسمّيها صفات، ويقول: إنما هي إضافات موافقة للمعتزلة، كما فعله في كتابه "ذم التشبيه وإثبات التنزيه" وغيره من كتبه، واتبعه على ذلك أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه "كف التشبيه بكف التنزيه"، وفي كتابه "منهاج الوصول" (٤).
٢ - أن آيات الصفات من المتشابه، فلا ظاهر لها يجب أن تحمل عليه، وقد استقر في ذهنه أن الظاهر هو المألوف عند الخلق فقال: "فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال" (٥).
وهذا الرأي باطل؛ إذ مؤاده إلى القول بعدم الاستفادة من الكتاب والسنة شيئًا من العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من قال عن جبريل ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، وعن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين والجماعة:
_________
(١) انظر: دفع شبهة التشبيه (ص ١٠٤ - ١٠٧).
(٢) المصدر نفسه (ص ١٠٤).
(٣) المصدر نفسه (ص ١٠٤).
(٤) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٦٠).
(٥) دفع شبهة التشبيه (ص ١٠٤).
стр. 19
إنهم كانوا لا يعرفون شيئًا من معاني هذه الآيات، بل استأثر الله بعلم معناها، كما استأثر بعلم وقت الساعة، وإنما كانوا يقرؤون ألفاظًا لا يفهمون لها معنى، كما يقرأ الإنسان كلامًا لا يفهم منه شيئًا؛ فقد كذب على القوم، والنقول المتواترة عنهم تدلّ على نقيض هذا، وأنهم كانوا يفهمون هذا كما يفهمون غيره من القرآن" (١).
وقال الشيخ الشنقيطي -صاحب أضواء البيان-: "آيات الصفات لا يطلق عليها اسم المتشابه … ؛ لأن معناها معلوم في اللغة العربية وليس متشابهًا، ولكن كيفية اتصافه جلّ وعلا بها ليست معلومة للخلق، وإذا فسرنا المتشابه بأنه هو ما استأثر الله بعلمه دون خلقه، كانت كيفية الاتصاف داخلة فيه، لا نفس الصفة" (٢).
٣ - استعمال التأويل؛ ظنًّا منه أنه أُثر عن الإمام أحمد.
٤ - شبهة أن إثبات الصفات يؤدي إلى التجسيم، وقد تأثر في هذا الجانب بما حدث من بعض مثبتة الصفات من غلوّ.
وهذه أيضًا شبهة باطلة ناتجة عن عدم تنزيه الله تعالى واعتقاد صفاته تجسيمًا وتشبيهًا بصفات المخلوقين.
لأن الله تعالى يُوصف بما وَصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ وصفًا حقيقيًّا تفصيليًّا، يليق بجلاله وعظمته، مع الاعتقاد الجازم بأن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وهذا الاعتقاد لا يجاوز ما جاء في القرآن والسنة (٣).
_________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٢٥).
(٢) مذكرة في أصول الفقه (ص ٦٥).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦)، ومنهج القرطبي في أصول الدين (وهي رسالتي للماجستير مطبوعة على الآلة) (١/ ١٢٧ - ٢٣٢).
стр. 20
هذه أهم القواعد التي -في رأيي- بنى عليها الإمام ابن الجوزي ﵀ أقواله وآراءه في باب "صفات الله تعالى".
لكنه -كما أسلفت- لم يثبت على رأي واحدٍ، فقد كان أحيانًا يخفّف من التأويل إلى القول بالتفويض (١)؛ اعتقادًا منه أن ذلك الموقف هو الذي يقتضيه النصّ؛ أو هروبًا من التعطيل الذي كان لا يرتضيه، ويهاجم أصحاب ذلك المذهب الرديّ وعلى رأسهم الجهمية.
والخلاصة: أن ابن الجوزي ﵀ لم يتمحّص ولم يثبت على قولٍ واحد، كما أن له كلامًا في تقرير عقيدة التوحيد في الأسماء والصفات موافقًا لما أثر عن السَّلف، وهذا لا يمكن أن نتجاهله، أو نطّرحه بسبب ما ورد عنه من الأقوال المخالفة لذلك.
وأشدّد على أن سلوك الإمام ابن الجوزي ﵀ هذا الاتجاه -أي: مسلك التأويل- ليس من مبدأ انتساب إلى فرقة مبتدعة، ولا استنادًا إلى حججهم العقلية والكلامية المستمدة من غير مناهج المسلمين، بل إنه أُتي من عدم كونه - في هذا الباب- على درجة كبيرة من التحقيق والنظر في كلام الطوائف المناوئة للسنة في باب "توحيد الأسماء والصفات" على وجه الخصوص.
ولهذا نجد له كلامًا في إثبات بعض الصفات يكون غاية في الصحة والصواب، بل قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن لابن الجوزي "من الكلام في الإثبات نظْمًا ونثرًا ما أثبت به كثيرًا من الصفات" (٢).
ولأهمية هذه المسألة ودحضًا لشبهات من يصف الشيخ ﵀ بالتجهم، أو بمعاداة مذهب السَّلف والأئمة الأعلام، أرى لزامًا عليَّ أن أذكر جُمَلًا من كلام الشيخ ﵀ في الإثبات والتنزيه وافق فيها منهجَ السَّلف:
_________
(١) انظر: (ص ٢٦٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٦٩).
стр. 21
أولًا: بعض عباراته الجامعة:
- في تفسيره لمعنى "العرش" وعرضه لمختلف الآراء في معناه قال: "وإجماع السَّلف منعقد على ألّا يزيدوا على قراءة الآية، وقد شذّ قوم فقالوا: العرش بمعنى المُلك، وهو عدول عن الحقيقة إلى التجوّز مع مخالفة الأثر، ألم يسمعوا قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ أفتراه كان المُلك على الماء؟! " (١).
"إذا أثبتنا ذاتًا قديمة خارجة عما يُعرف فليُعلم أن الصفات تابعة لتلك الذات، فلا يجوز لنا أن نقيس شيئًا منها على ما نفعله ونفهمه، بل نؤمن به ونسلّمه" (٢).
وكلام الشيخ ﵀ هنا منسجم تمامًا مع قاعدة: "القول في الصفات كالقول في الذات" (٣).
- وقال عند حديثه عن صفة "الإصبع" لله تعالى: "ومذهب علماء السّلف السكوت عن مثل هذا الحديث، وأن يُمرّ على ما جاء من غير تشبيه ولا تأويل" (٤).
- وقال: "وأخبار الصفات تمُرّ كما جاءت" (٥).
- وقال: "فإن قيل: عبت طريق المقلدين في الأصول وطريقة المتكلمين، فما الطريق السليم من تلبيس إبليس؟ فالجواب: أنه ما كان عليه رسول الله ﷺ
_________
(١) زاد المسير (٣/ ٢١٣).
(٢) صيد الخاطر (ص ٤٢٤).
(٣) التدمرية لابن تيمية (ص ٤٣).
(٤) كشف المشكل (١/ ٢٧٠).
(٥) كتاب القصّاص (ص ٣٦٧).
стр. 22
وأصحابه وتابعوهم بإحسان، من إثبات الخالق سبحانه وإثبات صفاته على ما وردت به الآيات والأخبار، من غير تنقير ولا بحث عما ليس في قوى البشر إدراكه" (١).
- وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]: "تأكيد (كلّم) بالمصدر يدلّ على أنه سمع كلام الله حقيقة". ثم ذكر من طريق ثعلب قوله: "لولا أن الله تعالى أكّد الفعل بالمصدر لجاز أن يكون كما يقول أحدنا للآخر: قد كلمتُ لك فلانًا، بمعنى: كتبت إليه رقعة، أو بعثت إليه رسولا، فلما قال: ﴿تَكْلِيمًا﴾ لم يكن إلا كلامًا مسموعًا من الله" (٢).
- ومما نظمه في صفات الله تعالى على طريقة السلف، قصديته الدالية في السنة. ومما جاء فيها:
قوله:
صفاتُه كذاتِه قديمةٌ … في سبحانه من ملك جواد
وقوله:
وهو على العرش كذا أخبر … نا وكرر القول على العباد
نزوله إلى السماء ثابت في … الليل فاهجر لذة الرقاد
وقوله:
كلامه صوت وحرف وبه … نادى الكليم جلّ من منادي
وقوله:
_________
(١) انظر: (ص ٢٧١).
(٢) زاد المسير (٢/ ٢٥٦).
стр. 23
واتبع مقال السلف الذين ما … زادوا ولا قالوا برأي بادي (١)
وقال عن صفة "الحياء": "صفات الحق لا يُطَّلع لها على ماهية، وإنَّما تمر كما جاءت" (٢).
ثانيًا: بعض تحريراته ومناقشاته:
١ - ناقش ابن الجوزي ﵀ وردّ على من فسَّر الاستواء بأنه الاستيلاء، فقال: "وبعضهم يقول: استوى بمعنى استولى، ويحتج بقول الشاعر:
حتى استوى بشرٌ على العراق … من غير سيف ودمٍ مُهراق (٣)
وبقول الشاعر:
هما استويا بفضلهما جميعا … في على عرش الملوك بغير زور
وهذا مُنكر عند اللغويين، قال ابن الأعرابي: العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى، ومن قال ذلك فقد أعظم. قالوا: وإنما يقال: استولى فلان على كذا، إذا كان بعيدًا منه غير متمكّن منه ثمَّ تمكَّن منه؛ والله لم يزل مُستوليًا على الأشياء، والبيتان لا يُعرف قائلهما، كذا قال ابن فارس اللغوي. ولو صحَّا فلا حجة فيهما لما بيّنا من استيلاء من لم يكن مستوليًا، نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة! " (٤).
_________
(١) الدالية في السنة لابن الجوزي (مخطوط) (ق ١/ أ، ب، ق ٢/ أ).
(٢) زاد المسير (١/ ٥٤).
(٣) انظر: لسان العرب (سوى) (١٤/ ٤١٤)، والصحاح للجوهري (٦/ ٢٣٨٥)، وهذا البيت لم ينسب لقائل معين، بل قال فيه شيخ الإسلام: "لم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة". مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٦). وانظر: مختصر الصواعق المرسلة (ص ٣٨٨).
(٤) زاد المسير (٣/ ٢١٣). وانظر: مختصر الصواعق (ص ٣٨٨).
стр. 24
٢ - كما أجاد ﵀ في تحرير مسألة رؤية الله يوم القيامة بالأبصار، ومما قاله بهذا الخصوص:
- "رؤية الله حقٌّ لا شكَّ فيه. والأحاديث فيها صحاح" (١).
- وفي تفسير قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال: "تعلّق بها نفاة الرؤية وقالوا: ﴿لَنْ﴾ لنفي الأبد، وذلك غلط؛ لأنها قد وردت وليس المراد بها الأبد في قوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥] ثم أخبر عنهم بتمنّيه في النار بقوله: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. وفي هذه الآية دلالة على جواز الرؤية؛ لأن موسى مع علمه بالله تعالى سألها، ولو كانت مما يستحيل لما جاز لموسى أن يسألها، ولا يجوز أن يجهل موسى مثل ذلك؛ لأن معرفة الأنبياء بالله ليس فيها نقص، ولأن الله تعالى لم ينكر عليه المسألة، وإنما منعه من الرؤية، ولو استحالت عليه لقال: (لا أُرى)، ألا ترى أن نوحًا لما قال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] أنكر عليه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]. ومما يدلّ على جواز الرؤية أنه علّقها باستقرار الجبل، وذلك جائز غير مستحيل، فدلّ على أنها جائزة، ألا ترى أن دخول الكفار الجنة لما استحال علّقه بمستحيل، فقال: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] " (٢).
٣ - وفي مناقشته للمعتزلة في تفسيرهم لصفة "اليد" في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] بأنها القدرة، قال: "وقول المعتزلة: إن المرد باليد القدرة، باطل؛ لأنّه يؤدي إلى أن تكون للحق سبحانه قدرتان، فإنه قال بيديه.
_________
(١) المصدر السابق (٨/ ٤٢٢ - ٤٢٣). وانظر: (٣/ ٩٨ - ٩٩) من المصدر نفسه.
(٢) زاد المسير (٣/ ٢٥٦).
стр. 25
وأجمع المسلمون قاطبة أنه لا يجوز أن تكون لله قدرتان … وكذلك لا يجوز أن يُقال: إن الحق تعالى خلقه بنعمتين؛ لأن النعمة مخلوقة … " (١).
ولعلّ في هذا القدر كفاية للدلالة على المقصود من هذا المبحث.
المبحث الثالث: عقيدته في الإيمإن
للإمام ابن الجوزي ﵀ إشارات إلى مسائل تتعلق بمباحث الإيمان، سأذكر ما وقفتُ عليه من ذلك:
المطلب الأول: مسائل في الإيمان:
١ - تعريف الإيمان لغة واصطلاحًا، ودخول الأعمال في مسمّى الإيمان:
قال في معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]: "الإيمان في اللغة: التصديق. والشرع أقرّه على ذلك، وزاد فيه القول والعمل" (٢).
وبعد نقله لقول ابن قتيبة وابن خزيمة في معنى "الإيمان" في قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] وأن المراد به: "شرائع الإيمان ومعالمه، وهي كلها إيمان؛ وقد سمّى الصلاة إيمانًا بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] (٣) قال: "والقول ما اختاره ابن قتيبة وابن خزيمة" (٤).
٢ - زيادة الإيمان ونقصانه:
قال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]: "لأنهم إذا صدقوا بها وعملوا بما فيها زادتهم إيمانًا" (٥).
_________
(١) مجالس ابن الجوزي (مخطوط) ق ١/ ب).
(٢) زاد المسير (١/ ٢٤).
(٣) المصدر السابق (٧/ ٢٩٨).
(٤) انظر: (١/ ١٥٥ - ١٥٦) من المصدر نفسه.
(٥) زاد المسير (٣/ ٥١٨ - ٥١٩).
стр. 26
٣ - من أهل الكبائر من يدخل النار لكن لا يخلد فيها:
فقد عاب على المرجئة قولهم بأن من أقرّ بالشهادتين وأتى بجميع المعاصي لم يدخل النار أصلًا، وعقّب على قولهم بقوله: "وخالفوا الأحاديث الصحاح في إخراج الموحّدين من النار" (١). وفي هذا ردّ على المرجئة والوعيدية من الخوارج والمعتزلة.
المطلب الثاني: مسائل في الإيمان بالرسل:
١ - دلائل النبوة:
قال ابن الجوزي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]: "أي في خبر يوسف وإخوته … ﴿عِبْرَةٌ﴾ أي: عظة، ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: لذوي العقول السليمة، وذلك من وجهين: أحدهما: ما جرى ليوسف من إعزازه وتمليكه بعد استعباده، فإن من فعل ذلك به قادرٌ على إعزاز محمد ﷺ وتعلية كلمته. والثاني: أنّ من تفكّر علم أن محمدًا ﷺ مع كونه أميًّا، لم يأت بهذه القصة على موافقة ما في التوراة من قِبل نفسه، فاستدلّ بذلك على صحة نبوته" (٢).
وقال أيضًا: "لما خصّهم -أي: الإنس والجنّ- بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فلم يكن في وسعهم، عجّزهم، فكأنه يقول: قد أوضحت لكم بما سبق من الآيات ما يدلّ على نبوتي، ومن ذلك: التحدّي بمثل هذا القرآن … " (٣).
وتكلّم ابن الجوزي عن بعض أوجه الإعجاز في القرآن العظيم، وأنه من أعظم الأدلة على صدق النبي ﷺ ، وصحة نبوته، فقال: "ما تضمن من أخبار الأمم السَّالفة
_________
(١) انظر (ص ٢٥٥). وانظر: كشف المشكل (٣/ ٤٥٣).
(٢) زاد المسير (٤/ ٢٩٧).
(٣) زاد المسير (٥/ ٨٨).
стр. 27
وسير الأنبياء التي عرفها أهل الكتاب، مع كون الآتي بها أميًّا لا يكتب ولا يقرأ ولا عُلم بمجالسة الأحبار ولا الكهّان، ومَن كان مِن العرب يكتب ويقرأ ويجالس علماء الأحبار لم يدرك ما أخبر به القرآن .. إخباره عن الغيوب المستقبلة الدالة على صدقه قطعًا لوقوعها على ما أخبر .. أنه محفوظ من الاختلاف والتناقض" (١).
٢ - التفضيل بين الأنبياء:
قد فضَّل الله تعالى بعض الأنبياء والرسل على بعض، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، ولهذا التفاضل أوجهٌ، قال ابن الجوزي: "وكذلك فضل بعض النبيين على بعض، وذلك عن حكمة منه وعلم، فخلق آدم بيده، ورفع إدريس، وجعل الذرية لنوح، واتخذ إبراهيم خليلًا، وموسى كليمًا، وجعل عيسى روحًا، وأعطى سليمان ملكًا جسيمًا، ورفع محمدًا ﷺ فوق السماوات، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر" (٢).
وبيَّن في توجيه النبي الوارد في تفضيل بعض الأنبياء على بعض، كما جاء في قول الرسول ﷺ : "لا يقولنّ أحدكم إني خيرٌ من يونس بن متّى" (٣)؛ أنَّه خوف الانتقاص من قدر المفضول، ثم قال: "والمعنى: قولوا ما قيل لكم ولا تخيّروا برأيكم، وليس المراد ألا تعتقدوا تفضيل قوم على قوم، فقد قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] " (٤).
_________
(١) الوفا بأحوال المصطفى (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠). وانظر: كلامًا رائعًا للمصنِّف في صيد الخاطر (ص ٥١٧ - ٥١٨).
(٢) زاد المسير (٥/ ٤٨)، وانظر: مباحث المفاضلة في العقيدة، د. الشظيفي (ص ١٢٠ - ١٣١).
(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٤٥٠ رقم ٣٤١٢).
(٤) كشف المشكل (٣/ ٤٦٦ - ٤٦٧).
стр. 28
٣ - موت الخضر:
يرى ابن الجوزي ﵀ أن الخضر العبد الصالح ميّت، وأنه "قد زعم قوم أن الخضر حيٌّ إلى الآن، واحتجوا بأحاديث لا تثبت، وحكايات عن أقوام -سليمي الصدور- ويقول أحدهم: لقيت الخضر" (١).
ثم سرد جملة من تلك الأحاديث وقال: "وكل هذه الأحاديث لا تثبت" (٢)، وعن تلك الحكايات قال معلقًا: "وربما ظهر الشيطان لشخص فكلمه، وربما قال بعض المتّهمين لبعض: أنا الخضر. وأعجب الأشياء أن يصدّق القائل أنا الخضر، وليس لنا فيه علامة نعرفه بها" (٣).
ومما نقله من كلام الحسين بن المنادي في مسألة حياة الخضر، قوله: "أين كان الخضر عند تبشير أبي بكر وعمر ﵄ بالخلافة! وهذه الأخبار واهية الصدور والإعجاز لا تخلوا في حالها من أحد أمرين: أن تكون أُدخلت من حديث بعض الرواة المتأخرين استغفالًا، وإما أن يكون القوم عرفوا حالها فرووها على وجه التعجّب، فنسبت إليهم على وجه التحقيق.
وقال: والتخليد لا يكون لبشر لقول الله لنبيّه ﷺ : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤].
ونقل قول إبراهيم الحربي وقد سُئل عن تعمير الخضر، فأنكر ذلك، وقال: هو متقادم الموت.
_________
(١) المنتظم (١/ ٣٦١).
(٢) المنتظم (١/ ٣٦٣).
(٣) المنتظم (١/ ٣٦٣).
стр. 29
قال: وروجع غيره في تعميره، وأن طائفة من أهل زماننا يرونه ويروون عنه، فقال: من أحال على غائب حيّ أو مفقود ميت لم يُنْتَصف منه، وما ألقى ذكر هذا بين الناس إلا الشيطان … " (١).
ولابن الجوزي ﵀ كتاب حول الخضر، سمّاه: "عجالة المنتظم بشرح حال الخضر"، قال عنه: "ذكرتُ فيه هذه الأحاديث والحكايات ونظائرها وبيّنتُ خطأها" (٢).
المطلب الثالث: مسائل في الإيمان باليوم الآخر:
١ - عذاب القبر: دليله وحكم الإيمان به:
عند تعليق ابن الجوزي ﵀ على حديث أبي أيوب الأنصاري أنه: "خرج رسول الله ﷺ بعدما غربت الشمس، فسمع صوتًا فقال: يهود تعذّب في قبورها" (٣) قال: "قد دلّ هذا الحديث على عذاب القبر، واعلم أن الإيمان بعذاب القبر واجب؛ للأحاديث الواردة فيه" (٤).
وقال أيضًا: "قد أشكل على الناس أمر النفس وماهيتها، مع إجماعهم على وجودها … ثم أشكل عليهم مصيرها بعد الموت، ومذهب أهل الحق أن لها وجودًا بعد موتها، وأنها تنعم وتعذب" (٥).
_________
(١) المنتظم (١/ ٣٦٣ - ٣٦٤).
(٢) المنتظم (١/ ٣٦٣).
(٣) رواه البخاري (٣/ ٢٤١ رقم ١٣٧٥)، ومسلم (٤/ ٢١٩٩ رقم ٢٨٦٩).
(٤) كشف المشكل (٢/ ٨٤).
(٥) صيد الخاطر (ص ٧٤). وانظر: من المصدر نفسه (ص ٧٥).
стр. 30
٢ - أشراط الساعة:
خروج الدابّة: قال عنها: "هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢]، وهي دابّةٌ تخرج في آخر الزمان، تكلم الإنس، وتنكت في وجه الكافر نكتة سوداء فيسودّ وجهه، وتنكت في وجه المؤمن نكتة بيضاء فيبيض وجهه، فيعرف المؤمن من الكافر (١)، وإنما تخرج هذه الدابّة لعقوبة الكفَّار وفضيحتهم؛ فإنهم رأوا من الآيات ما يشفي ويكفي فلم ينتفعوا بما رأوا، فخرجوا بالإعراض عن فهم الدليل عن حيّز الآدمية إلى حيّز الحيوان البهيم، فأُخرجت لعقوبتهم دابّة" (٢).
٣ - طلوع الشمس من مغربها:
وقال عن هذه الآية العظيمة: "طلوع الشمس من مغربها آية تعم الكلّ، وتدلّ على الصانع المقلّب للأشياء، وقد سبق الوعد بذلك في القرآن، فإذا اضطرّهم ذلك إلى التصديق لم يُقبلْ إيمانُ من يؤمن حينئذ. ولقد زعم الملحدون وأهل النجوم أن ذلك لا يكون، فَيُبيّن كذبهم، ويظهر القدرة على ما طلبه الخليل من نمرود بقوله: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] " (٣).
المطلب الرابع: مسائل في الإيمان بالقدر:
١ - الإيمان بالقدر:
بوَّب ابن الجوزي في كتابه "الحدائق في علم الحديث والزهديات" (٤) بابًا ترجمه بقوله: "باب الإيمان بالقدر"، وسرد تحته الأحاديث الدالة على ذلك.
٢ - الفرق بين الإرادة والمحبة:
_________
(١) ذكر المصنّف هذا بناءً على ما رواه الطبري في تفسيره من حديث ابن عمر موقوفًا (٢٠/ ١٥).
(٢) كشف المشكل (٣/ ٤٧٦). وقد فصّل القول فيها في تفسيره (٦/ ١٩٠ - ١٩٣).
(٣) كشف المشكل (٣/ ٤٧٦).
(٤) (٣/ ٥٤٩).
стр. 31
قال في التفسير: "الإرادة معنى غير المحبة، فإن الإنسان قد يتناول المرّ ويريد ربط الجرح ولا يحب شيئًا من ذلك، وإذا بان في المعقول الفرق بين الإرادة والمحبة بطل ادعاؤهم التساوي بينهما، وهذا جواب معتمد" (١).
٣ - خلق أفعال العباد:
قال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦] بعد أن نقل كلام الطبري في معنى ﴿مَا﴾: "وفي هذه الآية دليلٌ على أن أفعال العباد مخلوقة لله" (٢).
٤ - الاحتجاج بالقدر على المعاصي:
قال في التفسير: "قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أي: إذا لزمتهم الحجة، وتيقنوا باطل ما هم عليه من الشرك وتحريم ما لم يحرمه الله، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ فجعلوا هذا حجة لهم في إقامتهم على الباطل، فكأنهم قالوا: لو لم يرض ما نحن عليه لحال بيننا وبينه … فقال لهم: لِمَ تقولون عن مخالفيكم إنهم ضالّون؟! وإنما هم على المشيئة أيضًا، فلا حجة لهم، لأنهم تعلّقوا بالمشيئة، وتركوا الأمر، ومشيئة الله تعم جميع الكائنات، وأمره لا يعم مراداته، فعلى العبد اتباع الأمر، وليس له أن يتعلّل بالمشيئة بعد ورود الأمر" (٣).
_________
(١) زاد المسير (١/ ٢٢٢). وانظر: (٧/ ١٦٤).
(٢) زاد المسير (٧/ ٧٠).
(٣) زاد المسير (٣/ ١٤٥). وانظر: (ص ٢١١).
стр. 32
المبحث الرابع: موقفه من الفرق
اهتم الإمام ابن الجوزي ﵀ بآراء الفرق المخالفة للإسلام، سواء المنتسبة إليه أو الخارجة عنه بالكلية. فاطلع على آرائها وناقشها، وردّ عليها وفندها. وقد ظهر هذا جليًّا هنا في كتاب "تلبيس إبليس"، وسأركز في عرضها على ما تناوله ابن الجوزي بالردّ والمناقشة؛ لنطلع على جانب من جهود الشيخ ﵀ في الدفاع عن العقيدة الإسلامية، ودحض الشبهات التي أثيرت حولها، سواء من قِبل النحل الكافرة، أو الفِرق المبتدعة.
المطلب الأول: الملل والنحل الخارجة عن الإسلام:
١ - السوفسطائية (١):
عرض لآرائهم وردّ عليها بأقوال العلماء، وكان في مناقشته متهكمًا بهم؛ لمخالفتهم أدنى قضايا العقول السليمة.
٢ - الدهرية (٢):
عرّف مقالتهم المادية الصرفة، وعابهم في تركهم استعمال العقل في معرفة الخالق، ثم عرض لأدلة الخلق المنصوبة الدالة على وجود الخالق المدبّر ردًّا عليهم ودحضًا لآرائهم.
٣ - الطبائعيون (٣):
وهم القائلون بأن الطبيعة هي التي أوجدت هذا الكون بما فيه، وذلك باجتماع الطبائع الأربع … وبهذا الدليل الذي زعموه أبطل ابن الجوزي نظريتهم
_________
(١) انظر: (ص ١٥٩).
(٢) انظر: (ص ١٦٥).
(٣) انظر: (ص ١٦٨)، وزاد المسير (٤/ ٣٠٣).
стр. 33
المتهافتة بكون امتزاج الطبائع واجتماعها دليلًا على أنها مقهورة، كما استدل على عجز الطبيعة عن الخلق، بكون هذا الأخير في منتهى الدقة التي لا تصدر إلا عن حكيم خبير، وهم قد سلّموا بأن الطبيعة ليست حية ولا عالمة ولا قادرة.
٤ - الثنوية (١):
ذكر مختلف آرائهم الناتجة عن شبهة أن الشيئين المتضادين لا يمكن أن يصدرا من أصل واحد، فقالوا بالأصلَيْنِ! وقد ردّ عليهم بدليل التمانع الذي يستحيل معه وجود إلهين.
٥ - الفلاسفة وتابعوهم (٢):
فبيَّن آفتهم وهي: الاعتماد على العقول، ودعوى الاستغناء عن الأنبياء، ثم فَصَّل القول في مختلف آرائهم، ودخل معهم في مناقشات، وردّ على أكثر ما أورده من مقالاتهم، وأعرض عن بعضها لتهافتها في نفسها.
وممن ردّ عليهم ابن الجوزي في هذا الباب: أتباع الفلاسفة ممن انتسب إلى الإسلام لكن رفض شرعه، وأهمل الصلاة، ولابس المحظورات، حتى صار اليهود والنصارى أعذر منهم؛ لأنهم متمسكون بشرائع دلت عليها معجزات، وصار المبتدعة في الدين أعذر منهم؛ لأنهم يدّعون النظر في الأدلّة، أما أولئك المتفلسفة فلا مستند لكفرهم إلا اغترارهم بحكمة الفلاسفة، وختم كلامه بذكر ما آل إليه حال أولئك المتفلسفة من تحيّر وتخبط وشكّ.
_________
(١) انظر: (ص ١٧٠).
(٢) انظر: (ص ١٧٤).
стр. 34
٦ - البراهمة (١):
ركَّز على ذكر شبهاتهم في إنكار النبوات، فعرضها شبهة شبهة، وردّ عليها جميعًا بالمنقول والمعقول.
٧ - اليهود والنصارى (٢):
عدد بعض فرقهم مع ذكر آراء كلٍّ مَنها، وكان -على عادته- يناقشهم ويردّ عليهم، وتكلّم في خصائص الأنبياء ودلائل نبوتهم بما يهدم مزاعم اليهود والنصارى وافتراءهم على الأنبياء.
المطلب الثاني: الفرق المنتسبة للإسلام وليست منه:
١ - الباطنية (٣):
تكلَّم ابن الجوزي ﵀ عن هذه الطائفة الخبيثة بإسهاب كبير، وبيَّن بعض أسرارها، وكشف حقيقة مذهبهم، وأنهم قومٌ تستّروا بالإسلام ومالوا إلى الرّفض، كما بيَّن إلحادهم، وأن محصول قولهم هو: تعطيل الباري تعالى، وإبطال النبوات والعبادات، وإنكار البعث.
وقد ذكر مختلف أسمائهم وألقابهم التي تلقبوا بها حتى يكشف أمرهم ويهتك أستارهم، كما فضح أساليبهم في الدعوة إلى مذهبهم.
٢ - الملحدون والزنادقة (٤):
وقد ركَّز في هذا على ابن الراوندي وتطوله على كتاب الله تعالى، وردّ عليه وسفّه رأيه بكلامه وكلام شيخه ابن عقيل.
_________
(١) انظر: (ص ٢١١).
(٢) انظر: (ص ٢٢٣، ٢٢٨).
(٣) انظر: (ص ٣٠١)؛ والمنتظم (١٢/ وما بعدها)؛ والوفا بأحوال المصطفى (١/ ٣٥٠).
(٤) انظر: (ص ٢٧٣ - ٢٨٧)، والمتتظم (٨/ ٢٩)، (١٣/ ١٠٨ وما بعدها)، (١٦/ ٢٣ وما بعدها).
стр. 35
كما تصدّى لزندقة أبي العلاء المعرّي وفضحه، وبيَّن زندقته وكفره بالبعث وتنقّصه من الأنبياء.
المطلب الثالث: الفِرق الإسلامية:
١ - الخوارج (١):
فقد كانوا من أكثر الفرق التي اهتم ابن الجوزي ﵀ ببيان فساد منهجهم في الاستدلال والاعتقاد، كما أكثر من ذكر أخبارهم، وبيَّن أصل ضلالهم وهو: ردّهم للسنة وارتضاؤهم برأيهم. كما فعل ذو الخويصرة، ثم أشار ﵀ إلى المنهج الصحيح بقوله: "لو أن هذا الرجل -أي: ذا الخويصرة- وُفّق لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله ﷺ " (٢).
٢ - الرافضة (٣):
يرى ابن الجوزي ﵀ أن مذهب الرافضة يقوم على الطعن في أصل الدين والنبوة، وأثبت ذلك من كلام شيخه ابن عقيل (٤)، وقال عنهم: "والغالية من الروافض لمخالفة لكتاب الله والسنة يتجاهرون بسب الصحابة، ويسرّون اعتقاد الكفر ومذهب الإباحة" (٥).
وكان ﵀ في ترجمته لبعضهم يقول عنه: "كان رافضيًّا رديء المذهب" (٦).
_________
(١) انظر: (ص ٢٧٣)، والمنتظم (٥/ ١٢٣)، (٦/ ١٦٦، ١٩٣).
(٢) كشف المشكل (٣/ ١١٩).
(٣) انظر: (ص ٢٨٧).
(٤) انظر: (ص ٢٩٤).
(٥) المنتظم (١٥/ ١٩٥).
(٦) المنتظم (١٥/ ٨٦).
стр. 36
ومن كلامه الدال على بغضهم ما عبّر به في مواضع من كتابه "المنتظم"، ومنها:
- يذكر أن في سنة (٥٦٧ هـ) تُرك الدعاء للعبيديين، فقال: "وانكمد الروافض" (١).
- كما يذكر ما حدث معه سنة (٥٧١ هـ) فقال: "وكان الرفض في هذه الأيام قد كثر، فكتب صاحب المخزن إلى أمير المؤمنين: إن لم تقوِّ يدي ابن الجوزي لم تطق على دفع البدع. فكتب أمير المؤمنين بتقوية يدي، فأخبرت الناس بذلك على المنبر وقلت: إن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) قد بلغه كثرة الرفض، وقد خرج توقيعه بتقوية يدي في إزالة البدع، فمن سمعتموه من العوام ينتقص الصحابة فأخبروني حتى أنقض داره وأخلّده في الحبس، وإن كان من الوعاظ حدرته المشان (٢)؛ فانكفّ الناس" (٣).
- وذكر من حوادث سنة (٥٧٤ هـ) ما جرى لرجل رافضي من قطع لسانه بعدما عُرف بسبّ الصحابة، ثم قتله، فقال ابن الجوزي معقبًا: "ثم روّع جماعة من الروافض، فجعلوا يحرقون كتبًا عندهم من غير أن يطلع عليها مخافة؛ أن يُنمّ عليهم، وخمدت جمرتهم بمرّة، وصاروا أذل من اليهود" (٤).
٣ - المعتزلة:
- ذكر من فضائل الخليفة القادر بالله أنه عمل كتابًا طويلًا يتضمّن الوعظ وتفضيل مذهب السنة، والطعن على المعتزلة، وإيراد الأخبار الكثيرة في ذلك عن النبي ﷺ والصحابة … والطعن على من يقول بخلق القرآن وتفسيقه (٥).
_________
(١) المنتظم (١٠/ ٢٣٧).
(٢) يقال مشنه بالسوط مشنًا أي ضربه به. وحدر الجلد ورم وغلظ من الضرب. فيكون المعنى: أضربه بالسوط حتى يتورّم جلده. انظر: القاموس المحيط (حدر)، والمعجم الوسيط (ص ٨٧٢).
(٣) المنتظم (١٠/ ٢٥٩).
(٤) المنتظم (١٨/ ٢٥١).
(٥) انظر: المنتظم (١٥/ ١٩٦ - ١٩٩).
стр. 37
- وذكر في حوادث سنة (٤٠٨ هـ) أن القادر بالله استتاب المعتزلة فقال: "في سنة ثمان وأربعمائة استتاب القادر بالله أمير المؤمنين فقهاء المعتزلة الحنفية، فأظهروا الرجوع، وتبرأوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام" (١).
- وقال عن أبي الهذيل العلّاف شيخ المعتزلة: "كان فاسقًا في باب الدين" (٢).
٤ - الأشاعرة:
بعد تتبعي لتراجم بعض الأشاعرة في كتاب "المنتظم" تبيّن لي أن ابن الجوزي لا يرتضي هذا المذهب بل يعيبه، ويراه مما يشين مُعتقِدَه.
- ففي ترجمة أبي الحسن الأشعري قال: "تشاغل بالكلام، وكان على مذهب المعتزلة زمانًا طويلًا، ثم عنَّ له مخالفتهم وأظهر مقالة خبطت عقائد الناس، وأوجبت الفتن المتصلة … ثم تبع قومٌ من السلاطين مذهبه فتعصبوا له، وكثر أتباعه حتى تركت الشافعية معتقد الشافعي ﵁، ودانوا بقول الأشعري" (٣).
- وفي ترجمة الباقلاني ذكر سماعه للحديث وبعض شيوخه، ثم قال: "إلا أنه كان متكلمًا على مذهب الأشعري" (٤).
- وقال عن أبي نعيم الأصبهاني والخطيب البغدادي: "كان يتعصبان للمتكلمين والأشاعرة، وما يليق هذا بأصحاب الحديث، لأن الحديث جاء في ذم الكلام" (٥).
_________
(١) المنتظم (١٥/ ١٢٥).
(٢) المنتظم (١١/ ٢٣٤).
(٣) درء اللوم والضيم في صوم يوم الغيم (ص ٤٥ - ٤٦). وانظر: صيد الخاطر (ص ٣٠٢).
(٤) المنتظم (١٥/ ٩٦).
(٥) المنتظم (١٦/ ١٣٤).
стр. 38
- وقال: "غير أن الخطيب يبهرج بعصبية باردة في ذم أصحابنا، وإذا ذكر المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم فخمّ أمرهم، وذكر من فضائلهم ما يقارب الاستحالة" (١).
- وقال عن القشيري: "اختلف إلى أبي بكر بن فورك فأخذ عنه الكلام، وصار رأسًا في الأشاعرة" (٢).
- وفي ترجمة محمد بن أحمد السمناني قال: " … وكان عالمًا فاضلًا سخيًّا، لكنه كان يعتقد في الأصول مذهب الأشعري" (٣).
٥ - الصوفية:
لا شكَّ أن ابن الجوزي ﵀ يُعدّ من أقدم وأشهر نُقّاد مذهب التصوف، وكتابه "تلبيس إبليس" خير شاهد على ذلك؛ إذ خصّص أكثر من نصف الكتاب لنقد هذا المذهب المبتدع، كما لم تخل بعض كتبه الأخرى من ذكر لذلك المذهب.
وقد سار فإنقد هذه الطائفة على النحو التالي:
- ذكر نسبة الصوفية.
- التركيز على الفرق بين الزهد الشرعي وبين التصوف وغلوه.
- ذكر ما آل إليه التصوف من العقائد المنحرفة الإلحادية، كالقول بالحلول والاتحاد.
- نقد مسالك الصوفية في ترك كثير من الواجبات والمباحات تزهّدًا، فتركوا العلم ونفّروا عنه، وتركوا الجماعات في المساجد، إذ استبدلوا المساجد بالأربطة التي كانت مرتعًا للبطالة والكسل، كما تركوا النكاح، ولبسوا المرقعات …
- نقد انحرافهم في عقيدة التوكل؛ إذ فهموها على أنها ترك الأسباب بالكلية.
_________
(١) درء اللوم والضيم في صوم يوم الغيم (ص ٤٥ - ٤٦). وانظر: صيد الخاطر (ص ٣٠٢).
(٢) المنتظم (١٦/ ١٤٨).
(٣) المنتظم (١٥/ ٣٣٨).
стр. 39
وغير هذا كثير، ويكفي في معرفة موقف ابن الجوزي ﵀ من التصوف: أنه تصدى لهذا المذهب وهو في أوج قوّته وانتشاره في بغداد خاصة.
كما انتقد أشهر المؤلفين المتصوفة وأهم مؤلفاتهم (١)؛ ومنها: اللمع للطوسي، والرسالة للقشيري، وقوت القلوب للمكي، وإحياء علوم الدين للغزالي، والحلية لأبي نُعيم، والصفوة للمقدسي.
وختامًا لعلّي أكون بهذا العرض قد قدّمت سورة واضحة لمعتقد الإمام ابن الجوزي ﵀ الذي حرص فيه على الالتزام بنصوص الكتاب والسنة، وما وقع فيه من خطأكما في باب صفات الله تعالى ومسألة التبرك بالقبور، فقد بينتُ خطأه والأسباب التي أوقعته في ذلك، كما نقلت بعض أقوال أهل العلم في الردّ عليه.
وفي أمثال ابن الجوزي ﵀ يقول الإمام ابن القيم ﵀: "من يعلم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلّة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتّبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته في قلوب المسلمين" (٢).
ويقول الإمام الذهبي ﵀: "إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعُلم تحرّيه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه؛ يغفر زلله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه. نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك" (٣).
_________
(١) انظر: (ص ٤١٦).
(٢) إعلام الموقعين (٣/ ٢٨٣).
(٣) سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٧٩).
стр. 40
الفصل الثالث: التعريف بالكتاب
المبحث الأول: اسم الكتاب ونسبته للمؤلف
المطلب الأول: اسم الكتاب
والذي يظهر من خلال تتبع من ذكر في كتابنا هذا، ومن خلال النسخ المعتمدة في التحقيق أن اسمه هو "تلبيس إبليس" (١)؛ لأمور، منها:
١ - أن المؤلف نفسه صرّح بما ذكرناه من اسمه في مقدمته للكتاب.
٢ - أن هذا الاسم -وهو "تلبيس إبليس"- جاء مثبتًا على طرة النسخ التي اعتمدتها في التحقيق (٢).
٣ - أن غالب من ترجم لابن الجوزي ﵀ اتفقوا على هذه التسمية، وفيهم من هو أعرف الناس بالمصنف ومؤلفاته، كسبطه أبي الظفر في مرآة الزمان (٣)، وتلميذه ابن الدبيثي (٤)، وغيرهما.
المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب للمؤلف
لا يتطرق أدنى شك أن هذا الكتاب "تلبيس إبليس" من تأليف الحافظ أبي الفرج بن الجوزي، ويدل على ذلك عدة أمور، منها:
١ - ذكر ابن الجوزي عددًا من مؤلفاته في كتابه "تلبيس إبليس"، مثل: "المنتظم"، و"كتاب القصاص والمذكرين"، و"منهاج الوصول إلى علم الأصول"، و"ذم
_________
(١) جاء بعض نسخ الكتاب المختصرة تسميته بـ "كشف تلبيس إبليس"، أو "الناموس في تلبيس إبليس"، أو "كشف الناموس"، ولم أجد لهذه التسميات ذكرًا في كتب ابن الجوزي، ولا من ترجم له من المتقدمين.
(٢) سيأتي الكلام عليها عند وصف النسخ المعتمدة في التحقيق.
(٣) (٨/ ٤٨٤).
(٤) كما في المختصر المحتاج إليه للذهبي (٢/ ٢٠٧).
следующие страницы →