ومن كلامه الدال على بغضهم ما عبّر به في مواضع من كتابه "المنتظم"، ومنها:
- يذكر أن في سنة (٥٦٧ هـ) تُرك الدعاء للعبيديين، فقال: "وانكمد الروافض" (١).
- كما يذكر ما حدث معه سنة (٥٧١ هـ) فقال: "وكان الرفض في هذه الأيام قد كثر، فكتب صاحب المخزن إلى أمير المؤمنين: إن لم تقوِّ يدي ابن الجوزي لم تطق على دفع البدع. فكتب أمير المؤمنين بتقوية يدي، فأخبرت الناس بذلك على المنبر وقلت: إن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) قد بلغه كثرة الرفض، وقد خرج توقيعه بتقوية يدي في إزالة البدع، فمن سمعتموه من العوام ينتقص الصحابة فأخبروني حتى أنقض داره وأخلّده في الحبس، وإن كان من الوعاظ حدرته المشان (٢)؛ فانكفّ الناس" (٣).
- وذكر من حوادث سنة (٥٧٤ هـ) ما جرى لرجل رافضي من قطع لسانه بعدما عُرف بسبّ الصحابة، ثم قتله، فقال ابن الجوزي معقبًا: "ثم روّع جماعة من الروافض، فجعلوا يحرقون كتبًا عندهم من غير أن يطلع عليها مخافة؛ أن يُنمّ عليهم، وخمدت جمرتهم بمرّة، وصاروا أذل من اليهود" (٤).
٣ - المعتزلة:
- ذكر من فضائل الخليفة القادر بالله أنه عمل كتابًا طويلًا يتضمّن الوعظ وتفضيل مذهب السنة، والطعن على المعتزلة، وإيراد الأخبار الكثيرة في ذلك عن النبي ﷺ والصحابة … والطعن على من يقول بخلق القرآن وتفسيقه (٥).
_________
(١) المنتظم (١٠/ ٢٣٧).
(٢) يقال مشنه بالسوط مشنًا أي ضربه به. وحدر الجلد ورم وغلظ من الضرب. فيكون المعنى: أضربه بالسوط حتى يتورّم جلده. انظر: القاموس المحيط (حدر)، والمعجم الوسيط (ص ٨٧٢).
(٣) المنتظم (١٠/ ٢٥٩).
(٤) المنتظم (١٨/ ٢٥١).
(٥) انظر: المنتظم (١٥/ ١٩٦ - ١٩٩).
стр. 37
- وذكر في حوادث سنة (٤٠٨ هـ) أن القادر بالله استتاب المعتزلة فقال: "في سنة ثمان وأربعمائة استتاب القادر بالله أمير المؤمنين فقهاء المعتزلة الحنفية، فأظهروا الرجوع، وتبرأوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام" (١).
- وقال عن أبي الهذيل العلّاف شيخ المعتزلة: "كان فاسقًا في باب الدين" (٢).
٤ - الأشاعرة:
بعد تتبعي لتراجم بعض الأشاعرة في كتاب "المنتظم" تبيّن لي أن ابن الجوزي لا يرتضي هذا المذهب بل يعيبه، ويراه مما يشين مُعتقِدَه.
- ففي ترجمة أبي الحسن الأشعري قال: "تشاغل بالكلام، وكان على مذهب المعتزلة زمانًا طويلًا، ثم عنَّ له مخالفتهم وأظهر مقالة خبطت عقائد الناس، وأوجبت الفتن المتصلة … ثم تبع قومٌ من السلاطين مذهبه فتعصبوا له، وكثر أتباعه حتى تركت الشافعية معتقد الشافعي ﵁، ودانوا بقول الأشعري" (٣).
- وفي ترجمة الباقلاني ذكر سماعه للحديث وبعض شيوخه، ثم قال: "إلا أنه كان متكلمًا على مذهب الأشعري" (٤).
- وقال عن أبي نعيم الأصبهاني والخطيب البغدادي: "كان يتعصبان للمتكلمين والأشاعرة، وما يليق هذا بأصحاب الحديث، لأن الحديث جاء في ذم الكلام" (٥).
_________
(١) المنتظم (١٥/ ١٢٥).
(٢) المنتظم (١١/ ٢٣٤).
(٣) درء اللوم والضيم في صوم يوم الغيم (ص ٤٥ - ٤٦). وانظر: صيد الخاطر (ص ٣٠٢).
(٤) المنتظم (١٥/ ٩٦).
(٥) المنتظم (١٦/ ١٣٤).
стр. 38
- وقال: "غير أن الخطيب يبهرج بعصبية باردة في ذم أصحابنا، وإذا ذكر المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم فخمّ أمرهم، وذكر من فضائلهم ما يقارب الاستحالة" (١).
- وقال عن القشيري: "اختلف إلى أبي بكر بن فورك فأخذ عنه الكلام، وصار رأسًا في الأشاعرة" (٢).
- وفي ترجمة محمد بن أحمد السمناني قال: " … وكان عالمًا فاضلًا سخيًّا، لكنه كان يعتقد في الأصول مذهب الأشعري" (٣).
٥ - الصوفية:
لا شكَّ أن ابن الجوزي ﵀ يُعدّ من أقدم وأشهر نُقّاد مذهب التصوف، وكتابه "تلبيس إبليس" خير شاهد على ذلك؛ إذ خصّص أكثر من نصف الكتاب لنقد هذا المذهب المبتدع، كما لم تخل بعض كتبه الأخرى من ذكر لذلك المذهب.
وقد سار فإنقد هذه الطائفة على النحو التالي:
- ذكر نسبة الصوفية.
- التركيز على الفرق بين الزهد الشرعي وبين التصوف وغلوه.
- ذكر ما آل إليه التصوف من العقائد المنحرفة الإلحادية، كالقول بالحلول والاتحاد.
- نقد مسالك الصوفية في ترك كثير من الواجبات والمباحات تزهّدًا، فتركوا العلم ونفّروا عنه، وتركوا الجماعات في المساجد، إذ استبدلوا المساجد بالأربطة التي كانت مرتعًا للبطالة والكسل، كما تركوا النكاح، ولبسوا المرقعات …
- نقد انحرافهم في عقيدة التوكل؛ إذ فهموها على أنها ترك الأسباب بالكلية.
_________
(١) درء اللوم والضيم في صوم يوم الغيم (ص ٤٥ - ٤٦). وانظر: صيد الخاطر (ص ٣٠٢).
(٢) المنتظم (١٦/ ١٤٨).
(٣) المنتظم (١٥/ ٣٣٨).
стр. 39
وغير هذا كثير، ويكفي في معرفة موقف ابن الجوزي ﵀ من التصوف: أنه تصدى لهذا المذهب وهو في أوج قوّته وانتشاره في بغداد خاصة.
كما انتقد أشهر المؤلفين المتصوفة وأهم مؤلفاتهم (١)؛ ومنها: اللمع للطوسي، والرسالة للقشيري، وقوت القلوب للمكي، وإحياء علوم الدين للغزالي، والحلية لأبي نُعيم، والصفوة للمقدسي.
وختامًا لعلّي أكون بهذا العرض قد قدّمت سورة واضحة لمعتقد الإمام ابن الجوزي ﵀ الذي حرص فيه على الالتزام بنصوص الكتاب والسنة، وما وقع فيه من خطأكما في باب صفات الله تعالى ومسألة التبرك بالقبور، فقد بينتُ خطأه والأسباب التي أوقعته في ذلك، كما نقلت بعض أقوال أهل العلم في الردّ عليه.
وفي أمثال ابن الجوزي ﵀ يقول الإمام ابن القيم ﵀: "من يعلم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلّة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتّبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته في قلوب المسلمين" (٢).
ويقول الإمام الذهبي ﵀: "إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعُلم تحرّيه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه؛ يغفر زلله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه. نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك" (٣).
_________
(١) انظر: (ص ٤١٦).
(٢) إعلام الموقعين (٣/ ٢٨٣).
(٣) سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٧٩).
стр. 40
الفصل الثالث: التعريف بالكتاب
المبحث الأول: اسم الكتاب ونسبته للمؤلف
المطلب الأول: اسم الكتاب
والذي يظهر من خلال تتبع من ذكر في كتابنا هذا، ومن خلال النسخ المعتمدة في التحقيق أن اسمه هو "تلبيس إبليس" (١)؛ لأمور، منها:
١ - أن المؤلف نفسه صرّح بما ذكرناه من اسمه في مقدمته للكتاب.
٢ - أن هذا الاسم -وهو "تلبيس إبليس"- جاء مثبتًا على طرة النسخ التي اعتمدتها في التحقيق (٢).
٣ - أن غالب من ترجم لابن الجوزي ﵀ اتفقوا على هذه التسمية، وفيهم من هو أعرف الناس بالمصنف ومؤلفاته، كسبطه أبي الظفر في مرآة الزمان (٣)، وتلميذه ابن الدبيثي (٤)، وغيرهما.
المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب للمؤلف
لا يتطرق أدنى شك أن هذا الكتاب "تلبيس إبليس" من تأليف الحافظ أبي الفرج بن الجوزي، ويدل على ذلك عدة أمور، منها:
١ - ذكر ابن الجوزي عددًا من مؤلفاته في كتابه "تلبيس إبليس"، مثل: "المنتظم"، و"كتاب القصاص والمذكرين"، و"منهاج الوصول إلى علم الأصول"، و"ذم
_________
(١) جاء بعض نسخ الكتاب المختصرة تسميته بـ "كشف تلبيس إبليس"، أو "الناموس في تلبيس إبليس"، أو "كشف الناموس"، ولم أجد لهذه التسميات ذكرًا في كتب ابن الجوزي، ولا من ترجم له من المتقدمين.
(٢) سيأتي الكلام عليها عند وصف النسخ المعتمدة في التحقيق.
(٣) (٨/ ٤٨٤).
(٤) كما في المختصر المحتاج إليه للذهبي (٢/ ٢٠٧).
стр. 41
الهوى"، و"لقط المنافع"، و"أخبار النساء".
٢ - النقول منه والعزو إليه مع تسميته ونسبته له، وسيأتي تفصيلها في مبحث "قيمة الكتاب العلمية" من هذه الدراسة.
٣ - أن أسانيده التي روى بها جملة من الكتب في التلبيس، كمسند أحمد والزهد له، والصحيحين، والسنن، والحلية، وغيرها، هي نفسها أسانيده التي ذكرها في مقدمة كتابه الحدائق، وكذا في مشيخته، وهذا ابتداء من شيوخه إلى أصحاب تلك الكتب.
٤ - منهجه في الكتب، وأسلوبه فيه يدل على أنه من تأليفه.
المطلب الثالث: موضوع الكتاب
يدور موضوع هذا الكتاب حول تلبيس إبليس -لعنه الله! - على الخلق وغرورهم به، على مختلف أنواع طبقاتهم.
والتلبيس كما فسره المؤلف في كتابه هذا هو: إظهار الباطل في سورة الحق.
وأما الغرور فهو نوع جهل يوجب اعتقاد الفاسد صحيحًا، والرديء جيدًا، وسببه وجود شبهة أوجبت ذلك.
فرأى ابن الجوزي ﵀ كما بيّن في مقدمة كتابه حث قال: "فرأيت أن أحذر من مكايده، وأدل على مصايده؛ فإن في تعريف الشر تحذيرًا من الوقوع فيه".
стр. 42
المبحث الثاني مصادر المؤلف ومنهجه في الكتاب
اهتم الإمام ابن الجوزي ﵀ في هذا الكتاب اهتمامًا بالغًا بالرجوع إلى المصادر الأصلية التي يرويها بسنده في الغالب، والتي يكون بعضها من مصادر الطائفة التي تناولها بالمناقشة والرد في التلبيس، مما يضفي عليه صفة الأصالة والأمانة العلمية.
المطلب الأول: مصادر المؤلف في الكتاب:
لما كان ابن الجوزي ﵀ من الحفاظ المشاهير فقد جاء كتابه التلبيس في الغالب بنصوص مسندة بسلسلة من الرواة، وعلى الرغم من صعوبة الوقوف على أسماء الكتب التي روى من طريقها، وما يكتنف بعضها من غموض؛ إذ قليلًا ما كان يذكر المصدر الذي روى عنه؛ فإنني -ولله الحمد- استطعت من خلال المقارنة بين النصوص التي أوردها وبين مواطن ورودها، ومن خلال المبحث في تراجم رجال الإسناد، أن أعرف أغلب مصادر الكتاب الرئيسة التي اعتمدها ابن الجوزي.
وأما بالنسبة للمصادر غير المسندة فمنها ما صرّح المؤلف بأسمائها، ومنها ما صرّح بأسماء مؤلفيها، ومنها مصادر تبيّنَتْ بعد التحقيق.
وقد قسمت مصادر المؤلف إلى قسمين: مسندة وغير مسندة.
أ- المصادر التي رواها بإسناده إلى مؤلفيها:
وإليك الآن أكثر هذه المصادر ورودًا:
١ - مسند الإمام أحمد بن حنبل، (ت ٢٤١ هـ).
٢ - حلية الأولياء، لأبي نعيم الأصبهاني، (ت ٤٣٠ هـ).
стр. 43
٣ - تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، (ت ٤٦٣ هـ).
٤ - مكائد الشيطان، لابن أبي الدنيا القرشي، (ت ٢٨١).
٥ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لهبة الله بن الحسن اللالكائي، (ت ٤١٧ هـ).
٦ - الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد، (ت ٢٣٠ هـ).
٧ - كتاب الزهد، للإمام أحمد، (ت ٢٤١ هـ).
٨ - كتاب الأصنام، لهشام بن محمد بن السائب الكلبي، (ت ٢٠٤ هـ).
٩ - مصارع العشاق، لجعفر بن أحمد السراج، (ت ٥٠٠ هـ).
١٠ - طبقات الصوفية، لأبي عبد الرحمن السُّلمي، (ت ٤١٢ هـ).
١١ - الرسالة القشيرية، لعبد الكريم بن هوازن القشيري، (ت ٤٦٥ هـ).
١٢ - النور من كلمات أبي طيفور، لأبي الفضل محمد بن علي السهلكي، (ت ٤٧٦ هـ).
١٣ - سنن الصوفية، لأبي عبد الرحمن السلمي.
١٤ - المعرفة والتاريخ، ليعقوب بن سفيان الفسوي، (ت ٢٧٧ هـ).
١٥ - أنساب قريش، للزبير بن بكار (ت ٢٥٦ هـ).
على أن هناك عددًا ليس بالقليل من النصوص المسندة لم أهتد إلى أسماء الكتب التي وردت فيها، فلعلها مما سمعه من شيوخه بإسناده ولا يلزم أن تكون في كتاب، وقد وقفت عليها من طرق أخرى، وبعضها لم أقف عليه أصلًا، وعددها قليل.
ب- المصادر التي نقل منها المؤلف بغير إسناد، وصرع بأسمائها:
وإليك أكثرها ورودًا:
١ - كتاب المقالات، لأبي القاسم البلخي، (ت ٣١٩ هـ).
стр. 44
٢ - كتاب الآراء والديانات، لأبي محمد النوبختي، (ت بعد ٣٠٠ هـ).
٣ - إحياء علوم الدين، للغزالي.
٤ - المفصح بالأحوال، له أيضًا.
٥ - صفوة التصوف، للمقدسي.
٦ - اللمع، لأبي نصر الطوسي السراج.
٧ - الصحيحان.
٨ - الرسالة القشيرية، للقشيري.
ج- مصادر صرح بأسماء مؤلفيها ققط:
وهناك كتب أخرى نقل منها ابن الجوزي كثيرًا، لكنه لم يصرح بأسمائها، وإنما ذكر أسماء أصحابها فقط، وإليك بعضها:
١ - فضائح الباطنية للغزالي.
٢ - المعتمد لأبي يعلى.
٣ - إصلاح غلط المحدثين للخطابي.
٤ - تهذيب الآثار للطبري.
وأخرى لم أستطع الجزم بأسمائها لعدم وقوفي على تلك النصوص.
د- مصادر أغفل أسمائها وأسماء مؤلفيها:
إن ابن الجوزي ﵀ لم يلتزم في بعض الحالات بذكر اسم المصدر الذي استقى منه مادته العلمية ولا اسم مؤلفه؛ فنجده يُغفل اسم المؤلف وعنوان الكتاب الذي اعتمده في النقل، ومن ذلك:
стр. 45
١ - بيان وآثار وعلامات الاثنتين وسبعين فرقة، للبلخي.
٢ - الفرق المفترقة بين أهل الزيغ والزندقة، للعراقي، عاش في القرن السادس.
٣ - الملل والنحل، للشهرستاني.
٤ - تهافت الفلاسفة، للغزالي.
٥ - مروج الذهب، للمسعودي.
المطلب الثاني: منهجه في الكتاب
سار ابن الجوزي ﵀ في هذا الكتاب على نسقٍ واحد، ومنهج مطرد، وهو عرض المخالفة التي سوّلها إبليس لكل مخالف للحق، سواء كانت تلك المخالفة كفرًا وإلحادًا أم بدعةً وانحرافًا؛ ثم الكرّ عليها بالرد والنقض.
وكان سلاحه في هذا المضمار ما امتاز به من قوة الحافظة واستحضار نصوص الكتاب والسنة، وأقوال السلف، وغزارة المصادر التي اطلع عليها وكثرتها، إضافة إلى ما أوتي من قوة في الحِجاج العقلي.
فنجده طويل النَّفس قي الاستشهاد بالنصوص، حريصًا على سوقها بأسانيده الخاصة، مستقصيًا في عرض الآراء التي خالفت بها كلُّ طائفة الكتابَ والسنةَ، وذكر الشبهات التي عرضت لها، ثم نراه مستجمعًا كل قوته العلمية والعقلية في رد تلك المخالفات ودحض الشبهات.
فمن أهم السمات التي ميزت ذلك المنهج إجمالًا:
١ - بيانه الغرض من كتابه في مقدمته.
٢ - تقسيم الكتاب إلى أبواب وفصول.
стр. 46
٣ - توضيح معاني المصطلحات.
٤ - إرشاد القارئ إلى مواضع بسط بعض المباحث.
٥ - الأمانة العلمية في توثيق النقول وعزوها إلى مصادرها.
٦ - الوقوف عند المسائل المهمة مع الاختيار والترجيح.
٧ - الاستشهاد بالنصوص.
٨ - الشمول والاستيعاب.
٩ - طول النفس والصبر.
١٠ - الرد على الفرق المنحرفة.
١١ - الاختصار.
١٢ - طريقته في إيراد النصوص.
١٣ - الصناعة الحديثية في الكتاب.
стр. 47
المبحث الثالث قيمة الكتاب العلمية
من الكتب التي صنّفها ابن الجوزي ﵀ وانتفع بها خلق لا يحصون من الناس كتاب "تلبيس إبليس"؛ وهذا راجع لما للكتاب من قيمة علمية، الأمر الذي سأحاول في هذا المبحث أن أجلي بعض عناصره، ثم أختمه بالحديث عن بعض السلبيات في الكتاب لا تنقص من قيمته العلمية، بل تؤكد حقيقة أن الكمال لله وحده، وأن النقص من سمات البشر التي لا تفتأ تنفك عنهم.
فمما يبرز قيمة هذا الكتاب العلمية العناصر التالية:
١ - مؤلف الكتاب عَلَم مشهور من علماء المسلمين، ذو اطلاع واسع على كثير من العلوم.
٢ - اهتمام المصنف ﵀ برواية أغلب أحاديث الكتاب وآثاره بأسانيده الخاصة.
موضوع الكتاب من الموضوعات التي لم تتناول بالتفصيل الذي تناوله به المصنف ﵀ حيث إنه أتى على أغلب صور التلبيس التي يكيد بها إبليس بني آدم، حتى أضلهم عن سواء السبيل، وصدق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
٤ - في كتاب التلبيس هتك للنحل الخارجة عن الإسلام، والفرق المنتسبة إليه وليست منه، والفرق المبتدعة ورد عليها، وقد أطال المؤلف النفس في الرد على الصوفية؛ لذلك فإن أهمية كتاب "تلبيس إبليس" تكمن في كونه من أقدم وأقوى المصادر التي أُفردت للتصدي للتيار الصوفي، ونقد رجالاته وكتبه ومناهجه، وهو في قوته وحظوة رجاله في عصر ابن الجوزي ﵀.
стр. 48
٥ - كثرة المصادر التي رجع إليها المصنف ﵀ وأصالتها، خاصة إذا عرفنا أن بعضها مفقود، ككتاب "أخبار الحلاج" لابن باكويه، وكتاب "سنن الصوفية" لأبي عبد الرحمن السلمي؛ ولا يخفى ما للتنصيص على هذه المصادر من فوائد علمية خاصة وقد فُقدت الآن، منها: حفظ بعض نصوص تلك الكتب، ومنها: توثيق نسبة تلك الكتب إلى مؤلفيها.
٦ - كون كتاب "التلبيس" من موارد بعض الأئمة والعلماء، وكونه موضوعًا من أعمال بعض العلماء.
المآخذ على الكتاب:
رغم ما لكتاب "تلبيس إبليس" من مزايا، فإنه لم يخلُ -مع ذلك- من مآخذ ونقائص، من ذلك:
١ - وقوع مؤلفه في أخطاء عقدية، حيث خالف في تقريرها منهج السلف، وقد علّقت على ذلك في مواضعه من التحقيق، وهذا مأخذ كبير على المؤلف والكتاب.
٢ - شدة المصنف على أهل العلم من مختلف الفنون، وبخاصة أهل الحديث منهم، وأهل الفقه.
٣ - عدم تحقيقه لبعض ما ينقل عن المصادر، ويبرز ذلك في سرده للفرق الثنتين والسبعين، حيث لم يدقق في الآراء التي نسبها لكل فرقة، وهو في ذلك مقلد للمصدر الذي نقل منه.
وعلى كل حال فهذه المآخذ لا تنقص من قيمة الكتاب العلمية، فالكتاب -كما قال ابن بدران- نافع، ولا يستغني عنه طالب الحق.
стр. 49
المبحث الرابع وصف النسخ الخطية
المطلب الأول: وصف النسخ الخطية:
بعد البحث والتنقيب حصلت على أكثر من ست وعشرين نسخة لكتاب "تلبيس إبليس"، اخترت منها أربع نسخ لتكون هي المعتمدة في التحقيق، وهي:
١ - نسخة الخزانة العامة بالرباط التابعة لوزارة الأوقاف، وإليها الإشارة بـ (الأصل أو "م").
وهي مصورة عن نسخة خطية موجودة بالخزانة العامة بالرباط التابعة لوزارة الأوقاف بالمملكة المغربية، وهي نسخة كاملة ختمت بخاتم الخزانة، وفي وسط الخاتم كتب رقم النسخة وهو (٢٣٢)، وفي أول النسخة وآخرها ختم آخر باسم (مكتبة الزاوية الناصرية - تمكروت) بجنب الختم الأول وبداخله رقم (٨٧٠)، ولعل مخطوطات هذه الأخيرة نقلت إلى مكتبة جامع القرويين (١)، كما نقلت مخطوطات كثيرة من جامع القرويين بفاس إلى الخزانة العامة بالرباط.
وفي أول سطر من ظهر الغلاف اسم مالك النسخة وهو "أحمد بن محمد بن ناصر" (٢).
كما أن هذه النسخة عليها تملكات أخرى على ظهر الغلاف، الأول باسم "أحمد نجل ناصر الودعي" والثاني باسم "الشيخ أبو العباس أحمد نجل ناصر النبراسي"، ولعل ملك هذه النسخة انتقل من المالك الأصلي وهو "أحمد بن محمد بن ثاصر" إلى هؤلاء.
_________
(١) انظر: قائمة لنوادر المخطوطات العربية المعروضة في مكتبة جامع القرويين بفاس (رقم ١٢٣).
(٢) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن ناصر، المتوفى سنة ١١٢٩ هـ، صاحب الزاوية الناصرية ومكتبتها، التي تول رئاستها بعد أبيه (أبي عبد الله محمد بن ناصر)، وكان من علماء عصره البارزين. انظر: دليل مخطوطات دار الكتب الناصرية بتمكروت، للأستاذ محمد المنوني (ص ٢٣، ٢٩).
стр. 50
وعلى ظهر الغلاف أيضًا كُتبت ترجمة مختصرة لابن الجوزي منقولة من البداية والنهاية لابن كثير كما نص كاتبها، واسمه "محمد بن موسى بن محمد بن ناصر".
تاريخ نسخها واسم الناسخ:
جاء في آخر النسخة ما نصه: "وكان الفراغ من نسخه في أول يوم من شهر ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وستمائة، على يد العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن سعيد بن أحمد الناسخ". أي بعد وفاة المؤلف بست عشرة سنة.
عدد أوراقها ومسطرتها:
وعدد أوراقها (٢٢٨ ورقة) كما جاء مكتوبًا على ظهر الورقة الأولى من صورة الميكروفيلم، في كل ورقة صفحتان، ومقياس الصفحة كما يبدو من القياس (السانتيمتري) الموضوع على وجه الغلاف (٢١ × ١٣).
عدد الأسطر في كل صفحة (٢٣) سطرًا، وقد تنقص أو تزيد قليلًا إذا تخللتها عناوين الفصول والأبواب.
وعدد الكلمات في كل سطر لا تزيد عن (١٥) كلمة غالبًا.
نوع الخط:
كتبت هذه النسخة بخط مغربي جميل ومقروء بوضوح، تكتب فيه الفاء مثلًا بنقطة واحدة من الأسفل، والقاف بنقطة واحدة من الأعلى، ولم تضبط الأحرف فيها بالشكل، كما يظهر من خلال تصفح النسخة أن ناسخها متقن متحرز عن تشويه الكتاب، كما مُيّزت عناوين الأبواب والفصول بخط كبير واضح.
وقد اعتنى الناسخ بكتابة الكلمة الأولى من وجه الصفحة الثانية بآخر الصفحة الأولى تنبيهًا على التصفيح، وهذا واضح في كل ورقة.
стр. 51
ملحوظات عامة على نسخة الأصل:
١ - يوجد في نسخة الأصل سقط مقداره صفحة، ويقع في وسط الورقة (٢ أ)، علمًا بأن هذا السقط وقع في الورقة التي كتبت بخط آخر مغاير للخط المغربي.
٢ - جاءت بعض الورقات في نسخة الأصل بخط مغاير للخط المغربي الذي كتبت به النسخة، وهي (ق ١، ق ٢، ق ٣ أ، ق ٨٧ ب، ق ٨٨ أ، ق ١٢١ ب، ق ١٢٢ أ).
ويظهر أن هذه النسخة قد أثرت الرطوبة على بعض أوراقها من الأسفل، فقام بعض النساخ بكتابة تلك المواطن بخط مغاير (١).
٣ - هذه النسخة مقابلة على نسخة أخرى، يدل على ذلك وجود دوائر في آخر السطر أو الفقرات ووسطها وبداخلها نقطة، وهي علامة على المقابلة.
٤ - تكرار انتقال بصر ناسخ الأصل (٢).
٥ - عدم التنبيه على الضرب أحيانًا (٣)، مع الإشارة إلى أن طريقة كاتب النسخة في الضرب نظيفة، لم تتشوه النسخة بها.
٦ - يوجد بهذه النسخة إشارات لحق، غير أن بعضها لا يظهر لوجود بعض التآكل في النسخة، كما يوجد بها إلحاقات أخرى بخط مغاير.
٧ - ابتداءً من (ق ١٠٢) كتبت عناوين صغيرة في الهوامش.
٨ - وقعت في هذه النسخة بعض التحريفات والتصحيفات في الألفاظ وأسماء الرواة، وقد بذلت جهدي لتصحيحها إما من النسخ الأخرى حيث تأتي سليمة من ذلك، أو من كتب التراجم والرواة، وغيرها.
_________
(١) انظر مثلًا: (ق ٤، ق ٥، ق ٦، ق ٧٧، ق ٧٩، ق ٨٠).
(٢) انظر مثلاً: (ق ٨٠، ق ١١٩ أ، ق ١٢٢ ب).
(٣) انظر مثلًا: (ق ٤٦ أ، ق ٥١، ق ٦٠ أ).
стр. 52
٩ - جاءت الأوراق الأولى (من ق ١ - ق ٧) من المخطوط غير مرتبة، فقمت بترتيبها وترقيمها وفق الترتيب الجديد الذي هي عليه الآن.
أسباب اختيار هذه النسخة أصلًا:
اتخذت هذه النسخة أصلًا مقدمًا على غيرها من النسخ الأخرى للأسباب التالية:
١ - أنها أقدم النسخ من حيث التاريخ، فهي نسخة عتيقة جدًا، كتبت سنة (٦١٣ هـ) كما ذكر ذلك ناسخها في آخر المخطوط، أي بعد وفاة ابن الجوزي ﵀ بـ (١٦) سنة.
٢ - أنها أكمل النسخ، خاصة وأنها قد انفردت بجملة من الأسانيد ليست في بقية النسخ، فالنسخة الأحمدية مثلًا (أ) جاءت أوراقها الأولى مأكولة الجوانب، واضطربت كثيرًا في باب الأصنام تقديمًا وتأخيرًا كما سيأتي في وصفها، أما النسخة التركية (ت) فقد اختُصرت منها جملة من الأسانيد، والنسخة التركية الثانية (ك) لايوجد منها إلا الجزء الثاني.
هذان هما السببان القويان لاتخاذها أصلًا ومقابلة النسخ الأخرى عليها.
٢ - نسخة المكتبة الأحمدية بحلب، وإليها الإشارة بـ (أ):
وهي مصورة عن نسخة خطية موجودة بالمكتبة الأحمدية بمدينة حلب، وقد صورتها من مكتبة الأسد بدمشق، حيث نقلت أغلب مخطوطات المكتبات العامة بسورية إليها، كالمكتبة الأحمدية والظاهرية وغيرهما.
وهي نسخة كاملة تقع في (٢٤٦ ورقة) تحت رقم (١٤١١٧)، وتتكون من جزئين:
стр. 53
الجزء الأول: من أول الكتاب إلى نهاية فصل "الصوفية والجوع"، وينتهي عند الورقة (ق ١١٩).
الجزء الثاني: يبدأ من قول المؤلف: "ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في السماع والرقص والوجد" عند الورقة (ق ١٢٠) إلى نهاية الكتاب.
وقد كُتب على ورقة الغلاف اسم الكتاب، وهو "تلبيس إبليس"، وعلى الورقة نفسها ختم دائري كُتب في وسطه: "من الكتب التي أوقفها السيد أحمد أفندي ظهر زاده على مدرسة الأحمدية … سنة ١١٣٥"، كما كُتب على الورقة الأولى من المخطوط (وقف المدرسة الأحمدية بمدينة حلب المحمية).
كما يوجد في آخر ورقة من المخطوط أسماء مَن نظر في هذا الكتاب وطالعه، مما يدل على أن هذه النسخة تعاقب على قراءتها والنظر فيها أكثر من واحد، ودونك أسماء هؤلاء متسلسلة:
الأول: حسن بن علي بن موسى بن شريك.
الثاني: أحمد بن الحاج عمر بن المرحوم الحاج موسى النجار.
الثالث: الحاج عبد الله.
تاريخ نسخها واسم ناسخها:
جاء في آخر النسخة ما نصه: "وكان الفراغ من هذه النسخة المباركة -نفع الله تعالى بها مالكها ومن كتبها وقابلها ونظر فيها وغفر لهم ولسائر المسلمين، آمين يارب العالمين! - في بكرة نهار الأحد ثاني عشرين شهر ربيع الأول المشرف من شهور سنة تسع وتسعين وسبعمائة … ".
فتاريخ نسخها إذًا هو سنة (٧٩٩ هـ).
стр. 54
مسطرتها:
مقاس الصفحة فيها (٢٣ × ١٤ سم)، وعدد الأسطر في كل صفحة (٢٥ سطرًا)، وعدد الكلمات في السطر لا تزيد على (١٢ كلمة) غالبًا.
نوع الخط:
كتبت بخط نسخي واضح ومقروء، وجاءت هذه النسخة غفلًا من التشكيل كسابقتها، كما أهمل ناسخها التنقيط في بعض الكلمات غير أن أغلب الحروف في النسخة منقوط، ويضع الناسخ أحيانًا فوق الكلمات غير المقروءة حرف "ط".
اللحق:
وهو قليل في هذه النسخة، ويكتب بعد الانتهاء منه رمز "صح" في الغالب.
البياض:
وقع في هذه النسخة بياض في أسفلها من جانبي المخطوط في الأوراق الأولى منه، وعددها (١١ ورقة)، والظاهر أنه من عمل الأرضة أو الرطوبة التي أتت على جوانبه.
التصفيح والتعقيب:
لا تختلف النسخة الأحمدية عن الأصل في هذا الجانب، حيث يكتب فيها الكلمة الأولى من الوجه الثاني في آخر الوجه الأول دلالة على تعقيب الصفحات.
المقابلات:
يوجد بهذه النسخة دوائر منقوطة في وسطها نقطة، مما يدل على أنها مقابلة مع نسخة أخرى.
стр. 55
بعض الملحوظات على هذه النسخة:
١ - الاضطراب الشديد في باب الأصنام من هذه النسخة، حيث وقع فيه تقديم وتأخير (١).
٢ - وقع اضطراب أيضًا في اسم شيخ ابن الجوزي، وهو حمد بن أحمد الحداد راوي الحلية عن أبي نعيم، فمرة يكتبه حمد بن أحمد، ومرة أحمد بن أحمد.
٣ - نسخة مكتبة متحف طوبقبي التامة، وإليها الإشارة بـ (ت).
وهي مصورة عن نسخة خطية موجودة بمكتبة متحف طوبقبي بإستانبول (تركيا) تحت رقم (٥٠٦٧)، وتقع في مجلد واحد عدد أوراقه (١٨٢ ورقة)، وهي نسخة كاملة.
وأصل هذه النسخة فيما يظهر من المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة، بدليل وجود ختم المكتبة على غلاف المخطوط وبداخله، وقد كتب في وسطه: "وقف كتبخانة مدرسة المحمودية في المدينة المنورة"، كما يوجد على غلاف المخطوط أيضًا ختم آخر كتب في وسطه "وقف محمد أمين أفندي ابن شيخ الإسلام ولي الدين أفندي ابن الحاج مصطفى أغا الحاج حسين أغا"، وهو اسم المكتبة التي انتقلت إليها هذه النسخة، ثم ألحقت هذه المكتبة -كغيرها- بمتحف طوبقبي.
وفي أعلى غلاف المخطوط يوجد بعض التملكات:
الأول: على يمين الورقة ونصه: "من كتب أبي بكر رستم الشرواني".
والثاني: في وسط الورقة ونصه: "في كتب المدين ولي الدين عفي عنه".
والثالث: على يسار الورقة ونصه: "ابن محمد الحنبلي".
_________
(١) انظر: (ق ٣٠، ٣١، ٣٢).
стр. 56
تاريخ نسخها واسم ناسخها ومكان النسخ:
جاء في آخر النسخة ما نصه: "وافق الفراغ من تعليقه يوم الأربعاء ثامن عشر ربيع الآخر سنة ثماني وعشرين وسبعمائة هجرية، على يد العبد الفقير إلى الله تعالى المستغفر من ذنبه الراجي رحمة ربه يوسف بن حسين بن أبي القاسم الفراهاني غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، بمدينة السلام بغداد حماها الله تعالى … ".
فتاريخ نسخها إذًا هو سنة (٧٢٨ هـ)، وهي أقدم من الأحمدية السابقة الذكر، غير أني أخرتها عنها لاختصار ناسخها لجملة من أسانيد الأحاديث والآثار.
ومسطرة هذه النسخة (١٨ × ١٢)، وعدد الأسطر في كل صفحة (٢٣ سطرًا)، وعدد الكلمات لا تزيد على (١٢ كلمة) غالبًا.
وكتبت هذه النسخة بخط واضح ومقروء، واعتنى ناسخها بالشكل في كثير من الكلمات بخلاف النسخ الأخرى، ويكتب أحيانًا (بلغ مقابلة) كما في (ق ١٢ أ).
بعض الملحوظات على هذه النسخة:
١ - اختصار ناسخها لجملة من أسانيد الكتاب.
٢ - فيها سقط قدره (٦) ورقات، وهي: (١٠ ب، ١١، ١٢، ١٣، ١٤، ١٥، ١٦)، وقد يكون هذا السقط أيضًا بقدر سطر كما في الورقة (٢٨ ب) مثلًا، وقد يشير الناسخ إلى السقط أحيانًا كما في (ق ١٢ أ).
٣ - انفردت هذه النسخة بزيادات كالدعاء في آخر الكلام والتعوذ ونحوهما، كما يزيد صاحبها كلمات على الهامش من باب التوضيح، كالإشارة إلى باب جديد أو شرح غريب ونحوه، ويظهر أن صاحبها له علم وعناية بالكتب.
٤ - قدم فصل "التلبيس على الدهرية" على فصل "التلبيس على السوفسطائية" كما في الورقة (١٥ أ).
стр. 57
٤ - نسخة مكتبة متحف طوبقبي الناقصة، وإليها الإشارة بـ (ك):
وهي مصورة عن نسخة موجودة بمكتبة متحف طوبقبي، وهذه النسخة ناقصة، يوجد منها الجزء الثاني فقط، وعدد أوراقه (١٤٢ ورقة)، ويبدأ من قول المصنف: "ومن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث … " وينتهي عند فصل "الصوفية والجوع"، ورقمها بمكتبة طوبقبي (٥٠٦٨).
ولا يوجد على هذه النسخة سماعات أو تملكات، ولم يكتب فيها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، وسبب ذلك أنها جزء من المخطوط.
وكتبت هذه النسخة بخط جيد ومقروء، وهي نسخة نظيفة، خالية من الضرب والكشط والمحو، ولا يوجد بها بياض.
ومسطرتها هي (١٥ × ١٠)، وعدد الأسطر في كل صفحة (١٥ سطرًا)، وعدد الكلمات في كل سطر (٨ كلمات) غالبًا.
ويوجد بها دوائر منقوطة في وسطها، مما يدل على أنها مقابلة مع نسخة أخرى.
ولا يوجد بها تصفيح كما هو في بقية النسخ، كما لا يوجد بها لحق إلا في مواضع نادرة جدًا، لكن اعتنى صاحبها بالشكل أكثر من بقية النسخ الأخرى.
أما بالنسبة للسقط في هذه النسخة فهو قليل، ففي الورقة (١١٩ أ) سقط بقدر (٥) صفحات من المطبوع، وفي الورقة (١٤١ أ) سقط بقدر (٥) صفحات من المطبوع.
المطلب الثاني: طبعات الكتاب:
طُبع كتاب "تلبيس إبليس" عدة طبعات:
١ - وكانت أول طبعة له في الهند سنة ١٣٢٣ هـ، وقد طبع آنذاك على الحجر.
стр. 58
٢ - ثم طبع بالمطبعة المنيرية، لصاحبها محمد منير الدمشقي ﵀ سنة ١٣٤٠ هـ، وسنة ١٣٤٧ هـ، وقد ذكر في تلك الطبعة أنه اعتمد على نسختين خطيتين، الأولى منهماكان نسخها سنة ١١٣٥ هـ، والثانية سنة ١٠٩٤ هـ.
٣ - ثم طبعه طبعة ثالثة سنة ١٣٦٨ هـ وذكر فيها أنه حصل على نسخة خطية ثالثة، لم يذكر تاريخ نسخها، وهذه الطبعة هي التي اعتمدها جميع من طبع الكتاب بعد ذلك؛ عدا طبعة محمد علي أبي العباس (١)، فقد اعتمد في طبعته على نسختين خطيتين مختصرتين للكتاب من دار الكتب المصرية.
٤ - وأما الطبعة التي حققها د. السيد الجميلي (٢)، فقد ذكر أنه اعتمد على نسختين خطيتين للكتاب، الأولى برقم (٣٢٥١/ تصوف)، من دار الكتب المصرية، والثانية برقم (٤٠٦/ مباحث إسلامية طلعت).
وفي الواقع وبعد المقارنة، تبين لي أنه لم يرجع إلى هاتين النسختين، بل لعله لم يقف عليهما أصلًا، وذلك أن هاتين النسختين المشار إليهما محذوفتا الأسانيد في حين أن طبعته جاءت متضمنة للأسانيد! والخلاصة هي أن طبعته نسخة عن الطبعة المنيرية.
وهذا الكلام نفسه يقال عن صاحب طبعة دار الكتب العلمية، حيث وضع في بداية الكتاب صورة من نسخة آيا صوفيا (برقم ١٧٢٩)، وهي نسخة مختصرة الأسانيد أيضًا، وطبعته جاءت مسندة، مما يجعلنا نشك في رجوعه إلى تلك النسخة الخطية التي أشار إليها.
ويبقى الفضل -بعد الله تعالى- في السبق إلى نشر هذا الكتاب إلى الأستاذ محمد منير الدمشقي، غير أنه وقع في طبعته ما يقع في الكتب المنشورة عن نسخ متأخرة، أو غير متقنة، بسبب السقط والتحريف التي يصاحبها.
_________
(١) نشرتها مكتبة القرآن، القاهرة، مصر.
(٢) نشرتها دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط ٥، ١٤١٢ هـ.
стр. 59
وبمقارنة سريعة لهذه الطبعة مع النسخة المغربية التي اعتمدتها كأصل، والنسخة الأحمدية التي رمزت لها بحرف (أ)، وجدت أن الطبعة المنيرية قد سقط منها أسانيد كثيرة، كما وقع فيها سقط وتحريف في غير الأسانيد، أما الأخطاء المطبعية فهي كثيرة.
ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن أحد المحققين وهو يحيى بن خالد بن توفيق قام بتخريج أحاديث الكتاب المرفوعة، وسماه "النفيس في تخريج أحاديث تلبيس إبليس" (١)، إلا أنه لم يخرج الآثار الواردة في الكتاب، وهي أكثر من الأحاديث المرفوعة، وكذا فإنه لم يستوعب تخريج الأحاديث حيث فاته بعضها، أو أنه لم يقف على تخريجها، أو هي موجودة في بعض الكتب الستة أو مسند الإمام أحمد ولم يعزُ إليها … إلى غير ذلك من الملحوظات التي لا تخل بالجهد الذي قام به لخدمة هذا الكتاب النفيس.
_________
(١) نشرته مكتبة التربية الإسلامية للتحقيق والتراث، الجيزة، مصر، ط ١، ١٤١٤ هـ.
стр. 60
نماذج من المخطوطات
стр. 61
صورة الورقة الأولى من النسخة الأصل
стр. 62
صورة الورقة الأخيرة من النسخة الأصل
стр. 63
صورة غلاف النسخة الأحمدية (أ)
стр. 64
صورة الورقة الأولى من النسخة الأحمدية (أ)
стр. 65
صورة الورقة الأخيرة من النسخة الأحمدية (أ)
стр. 66
صورة غلاف النسخة التركية التامة (ت)
стр. 67
صورة الورقة الأولى من النسخة التركية التامة (ت)
стр. 68
صورة الورقة الأخيرة من النسخة التركية الناقصة (ك)
стр. 69
صورة من غلاف النسخة التركية الناقصة (ك)
стр. 70
صورة من الورقة الأولى من النسخة التركية الناقصة (ك)
стр. 71
صورة من الورقة الأخيرة من النسخة التركية الناقصة (ك)
стр. 72
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم.
قال الشيخ جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي ﵀:
الحمد لله الذي سلم ميزان العدل إلى أكف ذوي الألباب، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين بالثواب والعقاب. وأنزل عليهم الكتب مبينة للخطأ والصواب، وجعل الشرائع كاملة لا نقص فيها ولا عاب.
أحمده حمد من يعلم أنه مسبب الأسباب، وأشهد بوحدانيته شهادة مخلص في نيته غير مرتاب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله، وقد سدل الكفر على وجه الإيمان الحجاب، فنسخ الظلام بنور الهدى وكشف النقاب، وبيّن للناس ما نُزّل إليهم، وأوضح مشكلات الكتاب، وتركهم على المحجة البيضاء، لا سرب (١) فيها ولا سراب.
فصلى الله عليه وعلى جميع الآل وكل الأصحاب، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الحشر والحساب، وبعد:
فإن أعظم النعم على الإنسان العقل (٢)؛ لأنه الآلة في معرفة الإله، والسبب
стр. 73
الذي به وصل إلى تصديق الرسل، إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد، بُعثت الرسلُ، وأُنزلت الكتبُ، فمثال الشرع: الشمس، ومثال العقل: العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس.
ولما ثبت عند العقل أقوال الأنبياء الصادقة بدلائل المعجزات الخارقة (١)، سلم إليهم، واعتمد فيما خفي عليهم.
ولما أنعم الله سبحانه على هذا العالم الإنسي بالعقل، افتتحه الله بنبوة آدم صلوات الله وسلامه عليه، فكان يعلمهم عن وحي الله ، فكانوا على الصواب إلى أن انفرد قابيل (٢) بهواه فقتل أخاه، ثم تشعبت الأهواء بالناس فشردتهم في بيداء الضلال حتى عبدوا الأصنام، واختلفوا في العقائد والأفعال اختلافا خالفوا فيه الرسل والعقول؛ اتباعًا لأهوائهم وميلًا إلى عاداتهم، وتقليدًا لكبرائهم، فصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، إلا فريقًا من المؤمنين.
فصل
واعلم أن الأنبياء جاؤوا بالبيان الكافي، وقابلوا الأمراض بالدواء الشافي، وتوافقوا على منهاج لم يختلف، فأقبل الشيطان إبليس يخلط بالبيان شبهًا، وبالدواء
стр. 74
سمًّا وبالسبيل الواضح جردًا (١) مضلة.
وما زال يلعب بالعقول إلى أن فرق الجاهلية في مذاهب سخيفة، وبدع قبيحة، فأصبحوا يعبدون الأصنام في البيت الحرام، ويحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ويرون وأْد البنات ويمنعونهن الميراث، إلى غير ذلك من الضلال الذي سوَّله لهم إبليس، فبعث الله -سبحان الله وتعالى- محمدًا ﷺ ، فرفع المقابح، وشرع المصالح، فسار أصحابه معه وبعده في ضوء نوره سالمين من العدو وغروره.
فلما انسلخ نهار وجودهم أقبلت أغباش الظلمات، فعادت الأهواء تنشئ بدعًا، وتضيِّق سبيلًا ما زال متسعًا، ففرَّق الأكثرون دينهم وكانوا شيعًا، ونهض إبليس يلبس ويزخرف ويفرق ويؤلف، وإنما يصح له التلصص في ليل الجهل، فلو قد طلع عليه صبح العلم افتضح.
فرأيت أن أحذِّر من مكايده، وأدل على مصايده، فإن في تعريف الشر تحذيرًا من الوقوع فيه، ففي الصحيحين من حديث حذيفة قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني" (٢).
وقد أخبرنا أبو البركات سعد الله بن عليّ البزاز، قال: أنا أحمد بن عليّ الطُرَيْثيثي، قال: أخبرنا هبة الله بن الحسن الطبري، قال أخبرنا محمد بن أحمد بن سهل قال: نا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: نا بشر بن موسى، قال: حدثنا عبيد بن يعيش، قال: نا يونس بن بكير، قال: نا محمد بن إسحاق، عن الحسن أو الحسين بن
стр. 75
عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدًا أحب إلى الشيطان هلاكًا مني". فقيل: وكيف؟ فقال: "والله إنه ليُحْدِث البدعة في مشرقٍ أو مغربٍ، فيحملها الرجل إليَّ، فإذا انتهت إليَّ قمعتها بالسنة، فترد عليه كما أخرجها (١) ".
فصل
وسميته بـ "تلبيس إبليس"، وقد وضعت هذا الكتاب محذرًا من فتنه، ومخوفًا من محنه، وكاشفًا عن مستوره، وفاضحًا له في خفي غروره، والله المعين بجوده كل صادق في مقصوده!
وقد قسمته ثلاثة عشر بابًا، ينكشف بمجموعها تلبيسه، ويتبين للفطن بفهمها تدليسه، فمن انتهض عزمه للعمل بها ضج منه إبليسه، والله موفقي فيما قصدتُ، وملهمي للصواب فيما أردتُ.
ذكر تراجم الأبواب
الباب الأول: في الأمر بلزوم السنة والجماعة.
الباب الثاني: في ذم البدع والمبتدعين.
الباب الثالث: في التحذير من فتن إبليس ومكايده.
الباب الرابع: في معنى التلبيس والغرور.
الباب الخامس: في ذكر تلبيسه في العقائد والديانات.