صورة من الورقة الأخيرة من النسخة التركية الناقصة (ك)
стр. 72
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم.
قال الشيخ جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي ﵀:
الحمد لله الذي سلم ميزان العدل إلى أكف ذوي الألباب، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين بالثواب والعقاب. وأنزل عليهم الكتب مبينة للخطأ والصواب، وجعل الشرائع كاملة لا نقص فيها ولا عاب.
أحمده حمد من يعلم أنه مسبب الأسباب، وأشهد بوحدانيته شهادة مخلص في نيته غير مرتاب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله، وقد سدل الكفر على وجه الإيمان الحجاب، فنسخ الظلام بنور الهدى وكشف النقاب، وبيّن للناس ما نُزّل إليهم، وأوضح مشكلات الكتاب، وتركهم على المحجة البيضاء، لا سرب (١) فيها ولا سراب.
فصلى الله عليه وعلى جميع الآل وكل الأصحاب، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الحشر والحساب، وبعد:
فإن أعظم النعم على الإنسان العقل (٢)؛ لأنه الآلة في معرفة الإله، والسبب
стр. 73
الذي به وصل إلى تصديق الرسل، إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد، بُعثت الرسلُ، وأُنزلت الكتبُ، فمثال الشرع: الشمس، ومثال العقل: العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس.
ولما ثبت عند العقل أقوال الأنبياء الصادقة بدلائل المعجزات الخارقة (١)، سلم إليهم، واعتمد فيما خفي عليهم.
ولما أنعم الله سبحانه على هذا العالم الإنسي بالعقل، افتتحه الله بنبوة آدم صلوات الله وسلامه عليه، فكان يعلمهم عن وحي الله ، فكانوا على الصواب إلى أن انفرد قابيل (٢) بهواه فقتل أخاه، ثم تشعبت الأهواء بالناس فشردتهم في بيداء الضلال حتى عبدوا الأصنام، واختلفوا في العقائد والأفعال اختلافا خالفوا فيه الرسل والعقول؛ اتباعًا لأهوائهم وميلًا إلى عاداتهم، وتقليدًا لكبرائهم، فصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، إلا فريقًا من المؤمنين.
فصل
واعلم أن الأنبياء جاؤوا بالبيان الكافي، وقابلوا الأمراض بالدواء الشافي، وتوافقوا على منهاج لم يختلف، فأقبل الشيطان إبليس يخلط بالبيان شبهًا، وبالدواء
стр. 74
سمًّا وبالسبيل الواضح جردًا (١) مضلة.
وما زال يلعب بالعقول إلى أن فرق الجاهلية في مذاهب سخيفة، وبدع قبيحة، فأصبحوا يعبدون الأصنام في البيت الحرام، ويحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ويرون وأْد البنات ويمنعونهن الميراث، إلى غير ذلك من الضلال الذي سوَّله لهم إبليس، فبعث الله -سبحان الله وتعالى- محمدًا ﷺ ، فرفع المقابح، وشرع المصالح، فسار أصحابه معه وبعده في ضوء نوره سالمين من العدو وغروره.
فلما انسلخ نهار وجودهم أقبلت أغباش الظلمات، فعادت الأهواء تنشئ بدعًا، وتضيِّق سبيلًا ما زال متسعًا، ففرَّق الأكثرون دينهم وكانوا شيعًا، ونهض إبليس يلبس ويزخرف ويفرق ويؤلف، وإنما يصح له التلصص في ليل الجهل، فلو قد طلع عليه صبح العلم افتضح.
فرأيت أن أحذِّر من مكايده، وأدل على مصايده، فإن في تعريف الشر تحذيرًا من الوقوع فيه، ففي الصحيحين من حديث حذيفة قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني" (٢).
وقد أخبرنا أبو البركات سعد الله بن عليّ البزاز، قال: أنا أحمد بن عليّ الطُرَيْثيثي، قال: أخبرنا هبة الله بن الحسن الطبري، قال أخبرنا محمد بن أحمد بن سهل قال: نا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: نا بشر بن موسى، قال: حدثنا عبيد بن يعيش، قال: نا يونس بن بكير، قال: نا محمد بن إسحاق، عن الحسن أو الحسين بن
стр. 75
عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدًا أحب إلى الشيطان هلاكًا مني". فقيل: وكيف؟ فقال: "والله إنه ليُحْدِث البدعة في مشرقٍ أو مغربٍ، فيحملها الرجل إليَّ، فإذا انتهت إليَّ قمعتها بالسنة، فترد عليه كما أخرجها (١) ".
فصل
وسميته بـ "تلبيس إبليس"، وقد وضعت هذا الكتاب محذرًا من فتنه، ومخوفًا من محنه، وكاشفًا عن مستوره، وفاضحًا له في خفي غروره، والله المعين بجوده كل صادق في مقصوده!
وقد قسمته ثلاثة عشر بابًا، ينكشف بمجموعها تلبيسه، ويتبين للفطن بفهمها تدليسه، فمن انتهض عزمه للعمل بها ضج منه إبليسه، والله موفقي فيما قصدتُ، وملهمي للصواب فيما أردتُ.
ذكر تراجم الأبواب
الباب الأول: في الأمر بلزوم السنة والجماعة.
الباب الثاني: في ذم البدع والمبتدعين.
الباب الثالث: في التحذير من فتن إبليس ومكايده.
الباب الرابع: في معنى التلبيس والغرور.
الباب الخامس: في ذكر تلبيسه في العقائد والديانات.
стр. 76
الباب السادس: في ذكر تلبيسه على العلماء في فنون العلم.
الباب السابع: في ذكر تلبيسه على الولاة والسلاطين.
الباب الثامن: في ذكر تلبيسه على العباد في فنون العبادات.
الباب التاسع: في ذكر تلبيسه على الزهاد.
الباب العاشر: في ذكر تلبيسه على الصوفية.
الباب الحادي عشر: في ذكر تلبيسه على المتديّنين بما يشبه الكرامات.
الباب الثاني عشر: في ذكر تلبيسه على العوام.
الباب الثالث عشر: في ذكر تلبيسه على جميع الناس بتطويل الأمل.
стр. 77
الباب الأول في الأمر بلزوم السنة والجماعة
• أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي التميمي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي قال: ثنا علي بن إسحاق، قال أخبرنا عبد الله -يعني ابن المبارك-، قال: أخبرنا محمد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب خطب بالجابية فقال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "من أراد منكم بُحْبُوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" (١).
• قال أحمد: وحدثنا جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سَمُرة، قال: خطب عمر الناس بالجابية، فقال: إن رسول الله ﷺ قام في مثل مقامي هذا فقال: "من أحب منكم أن ينال بُحْبُوحة الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" (٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٣).
• وأخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ، ويحيى بن علي المدير قالا: أخبرنا أبو محمد الصَّريفيني، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن عبدان، قال: حدثنا أبو محمد بن
стр. 78
صاعد، قال: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: نا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من أراد بُحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" (١).
• أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: أخبرنا الفُضَيل بن يحيى، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا أبو عبيد، قال: حدثنا النضر بن إسماعيل، عن محمد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن [عمر] (٢) عن النبي ﷺ قال: "من سرّه أن يسكن بُحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد" (٣).
• أخبرنا عبد الأول، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الفارسي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، قال: حدثنا ابن صاعد، قال: ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا أبو معاوية، عن يزيد بن مردانبه، عن زياد بن عِلاقَة، عن عَرْفَجَة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يد الله (٤) على الجماعة، والشيطان مع من يُخالف الجماعة" (٥).
стр. 79
• أخبرنا محمد بن عمر الأرموي، والحسين بن علي المقرئ، قالا: أخبرنا عبد الصمد بن المأمون، قال: أخبرنا علي بن عمر الدارقطني، قال: ثنا أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البُهلول، قال: حدثني أبي، قال: ثنا محمد بن يعلى، قال: ثنا سليمان العامري، عن الشيباني، عن زياد بن عِلاقَة، عن أسامة بن شريك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يد الله على الجماعة، فإذا شذ الشاذ (١) منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الذئب الشاذ من الغنم" (٢).
• أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: ثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: ثنا أسود بن عامر، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: خط رسول الله ﷺ خطًّا بيده، ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيمًا"، قال: ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال: "هذه السُّبُل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٣).
• وبالإسناد قال أحمد: وحدثنا روح، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: حدثنا العلاء بن زياد، عن معاذ بن جبل، أن نبي الله ﷺ قال: "إن الشيطان ذئب
стр. 80
الإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب! وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد" (١).
• وبه قال حدثنا [أحمد] (٢)، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا ابن عياش، عن البُختري بن عبيد بن سلمان عن أبيه، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ أنه قال: "اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة؛ فإن الله لن يجمع أمتي إلا على هدى" (٣).
• أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي، قال: أخبرنا أبو عامر الأزدي، وأبو بكر الغُورَجِي، قالا: أخبرنا الجراحي، قال: أبنا المحبوبي، قال: أبنا الترمذي، قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة". قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" (٤). قال
стр. 81
الترمذي: هذا حديث غريب مفسر، لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه (١).
• وروى أبو داود في سننه من حديث معاوية بن أبي سفيان، أنه قام فقال: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة" (٢).
• أخبرنا أبو البركات بن علي البزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الطُرَيْثيثي، قال: أخبرنا هبة الله بن الحسن الحافظ، قال: أبنا محمد بن الحسين الفارسي، قال: أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق، قال: أنا العلاء بن سالم، قال: أنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش عن مالك بن الحارث، عن عُمارة عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة" (٣).
• أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أنا حمد بن أحمد الحداد، قال: أنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: أنا بشر بن موسى، قال: أنا محمد بن سعيد، قال: أنا ابن المبارك، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أُبَيّ بن كعب، قال: "عليكم بالسبيل والسنة! فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار، وإن اقتصادًا في سبيل الله وسنة خيرٌ من اجتهاد في
стр. 82
خلاف سبيل وسنة" (١).
• أخبرنا سعد الله بن علي، قال: أخبرنا الطُرَيْثيثي، قال: أخبرنا هبة الله بن الحسن قال: أنا عبد الواحد بن عبد العزيز، قال: أنا محمد بن أحمد الشرقي، قال: أنا [عمر] (٢) بن أيوب بن إسماعيل، قال أنا إسحاق بن إبراهيم المروزي، قال: أنا أبو إسحاق الأقرع، قال: سمعت الحسن بن أبي جعفر يذكر عن أبي الصهباء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة عبادة" (٣).
• أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أنا حمد بن أحمد، قال: أنا أبو نعيم الأصبهاني، قال: أنا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: أنا بشر بن موسى، قال: أنا الحميدي، قال: أنا سفيان بن عيينة، قال: سمعت عاصمًا الأحول يحدث عن أبي العالية، قال: "عليكم بالأمر الأول (٤) الذي كانوا عليه قبل أن تفترقوا". قال
стр. 83
عاصم: فحدثت به الحسن، فقال: "قد نصحك -والله- وصدقك" (١).
• أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، قال: أنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: نا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: نا بشر بن موسى، قال: نا معاوية بن عمرو، قال: نا أبو إسحاق الفزاري، قال: قال الأوزاعي: "اصبر نفسك على السنة، وقِفْ حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم" (٢).
• أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: نا محمد بن عبد الله بن سلم، قال: نا محمد بن منصور الهروي، قال: نا عبد الله بن عروة، قال: سمعت يوسف بن موسى القطان، يحدث أن الأوزاعي قال: رأيت رب العزة في المنام (٣)، فقال لي: يا عبد الرحمن أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى
стр. 84
عن المنكر، قلت: بفضلك يارب، وقلت: يا رب أمتني على الإسلام، فقال: وعلى السنة (١).
• أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أنا حمد (٢)، قال: أنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: نا إبراهيم بن عبد الله، قال: نا محمد بن إسحاق، قال: سمعت أبا همام السَّكُوني يقول: حدثني أبي، قال: سمعت سفيان يقول: لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة (٣).
• أخبرنا محمد قال: أخبرنا حمد، قال: أنا أبو نعيم، قال: نا محمد بن علي، قال: نا عمرو بن عبدويه، قال: نا أحمد بن إسحاق، قال: نا عبد الرحمن بن عفان، قال: نا يوسف بن أسباط، قال: قال سفيان: يا يوسف، إذا بلغك عن رجل بالمشرق أنه صاحب سنة فابعث إليه بالسلام، وإذا بلغك عن آخر بالمغرب أنه صاحب سنة فابعث إليه بالسلام، فقد قلَّ أهل السنة والجماعة (٤)!
• أخبرنا سعد الله بن علي، قال: أخبرنا أحمد بن علي الطُرَيْثيثي، قال: أنا هبة الله بن الحسن الطبري، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس، قال: أنا البغوي، قال: نا محمد بن زياد البلدي، قال: نا أبو أسامة، عن حماد بن زيد، قال: قال أيوب: "إني لأُخْبَر بموت الرجل من أهل السنة، فكأني أفقد بعض أعضائي" (٥)!
стр. 85
• وبه قال الطبري: وأخبرنا الحسين بن أحمد بن إبراهيم، قال: نا عبيد الله بن سعيد البُرُوجِرْدي، قال: نا عبد الله بن محمد بن وهب، قال: نا إسماعيل بن أبي خالد، قال: نا أيوب بن سويد، عن عبد الله بن شوذب، عن أيوب، قال: "إن من سعادة الحدث والأعجمي، أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة" (١).
• قال الطبري: وأخبرنا أحمد بن محمد بن حسنون، قال: نا جعفر بن محمد بن نصير، قال: نا أحمد بن محمد بن مسروق، قال: نا محمد بن هارون أبو نشيط، قال: نا أبو عمير بن النحاس، قال: نا ضمرة، عن ابن شوذب، قال: "إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يُؤاخي صاحب سنة يحمله عليها" (٢).
• قال الطبري: وأخبرنا عيسى بن علي، قال: نا البغوي، قال: نا محمد بن هارون، قال: نا سعيد بن شبيب، قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: "كان أبي قدريا (٣)، وأخوالي روافض (٤)،
стр. 86
فأنقذني الله بسفيان" (١)!
• قال الطبري: وأخبرنا أحمد بن محمد بن حفص، قال: نا عبد الله بن عدي، قال: حدثني أحمد بن العباس الهاشمي، قال: نا محمد بن عبد الأعلى، قال: سمعت معتمر بن سليمان، يقول: "دخلت على أبي وأنا منكسر فقال لي: ما لك؟ قلت: مات صديق لي، قال: مات على السنة؟ قلت: نعم، قال: لا تحزن عليه" (٢)(٣).
• قال الطبري: وأخبرنا أحمد بن عبيد، قال: أخبرنا محمد بن الحسين، قال: نا أحمد بن زهير، قال: نا يعقوب بن كعب، قال: نا عبدة، قال: نا ابن المبارك، عن سفيان الثوري، قال: "استوصوا بأهل السنة خيرًا؛ فإنهم غرباء" (٤).
• أخبرنا أبو منصور بن خيرون، قال: أنا إسماعيل بن أبي الفضل الإسماعيلي، قال: أخبرنا حمزة بن يوسف السهمي، قال: أخبرنا عبد الله بن عدي الحافظ، قال: نا أبو عوانة، قال: نا جعفر بن عبد الواحد، قال: قال لنا ابن أبي بكر بن عياش: قال أبو بكر بن عياش (٥): "السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان" (٦).
стр. 87
• سمعت أبا عبد الله الحسين بن علي المقرئ، يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن عطاء يقول: سمعت أبا عبد الله (١) الإسكندراني، يقول: سمعت أبا منصور محمد بن محمد الأزدي يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن فراشة يقول: سمعت أحمد بن منصور الشيرازي، يقول: سمعت الحسين بن محمد الطبري، يقول: سمعت محمد بن المغيرة يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: سمعت الشافعي، يقول: "إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب النبي ﷺ " (٢).
• أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمْد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: أخبرني جعفر الخلدي في كتابه، قال: سمعت الجنيد يقول: الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر الرسل، واتبع سنته، ولزم طريقته، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه (٣).
• أخبرنا عمر بن ظفر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن جهضم، قال: نا محمد بن جابان، قال: سمعت حامد بن إبراهيم يقول: قال الجنيد بن محمد: الطريق إلى الله مسدودة على خلق الله ، إلا على المقتفين آثار رسول الله ﷺ والتابعين لسنته، كما قال الله ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (٤).
стр. 88
الباب الثاني في ذم البدع (١) والمبتدعين
• أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين الشيباني، قال: أنا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب، قال: أنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: أخبرني أبي، قال: نا يزيد عن إبراهيم بن سعد، قال: أخبرني أبي، ح وأخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن الماوردي، وأبو سعد أحمد بن محمد البغدادي، قالا: أخبرنا المطهر بن عبد الواحد، قال: أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن المرزبان، قال: أنا محمد بن إبراهيم الحزوري، قال: نا لُوَيْن، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (٢).
• أخبرنا موهوب بن أحمد قال: أخبرنا علي بن أحمد بن البسري، قال: نا محمد بن عبد الرحمن المخلص، قال: نا عبد الله بن محمد البغوي، قال: نا أحمد بن إبراهيم الموصلي، وإسحاق بن إبراهيم المروزي، قالا: نا إبراهيم بن سعد، عن أبيه عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "من أحدث في أمرنا هذا ما
стр. 89
ليس منه فهورد" (١).
• قال البغوي: ونا عبد الأعلى بن حماد، قال: نا عبد العزيز، عن عبد الواحد بن أبي عون، عن سعد بن إبراهيم، عن القاسم، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: "من فعل أمرًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢). أخرجاه في الصحيحين (٣).
• أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن ومغيرة الضبي، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "من رغب عن سنتي فليس مني". انفرد بإخراجه البخاري (٤).
• أنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي قال: نا الوليد بن مسلم، قال: نا ثور بن يزيد، قال: نا خالد بن معدان، قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي، وحجر بن حجر، قالا: أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، فسلمنا وقلنا: أتيناك زائرين، وعائدين، ومقتبسين، فقال عرباض: "صلَّى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال
стр. 90
قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (١). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٢).
• أخبرنا ابن الحصين، قال: أنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أبو بكر ابن مالك، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا عبد الله بن الوليد، قال: ناسفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا فرطكم (٣) على الحوض، وليختلجن (٤) رجال دوني، فأقول: يا ربي أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" (٥). أخرجاه في الصحيحين.
• أخبرنا محمد بن أبب القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: نا أحمد بن إسحاق قال: نا عبد الله بن سليمان، قال: نا محمد بن يحيى، قال: نا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن عبد الله بن محيريز، قال: "يذهب الدين سُنَّةً سُنَّةً كما يذهب الجبل قوة قوة" (٦).
стр. 91
• أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أنا عمر بن عبيد الله البقال: قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: نا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: نا حنبل، قال: حدثني أبو عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل-، قال: نا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: كان ابن طاووس جالسا وعنده ابنه (١)، فجاء رجل من المعتزلة (٢) فتكلم في شيء، فأدخل ابن طاووس أصبعيه في أذنيه، وقال: يا بني أدخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع من قوله شيئا، فإن هذا القلب ضعيف، ثم قال: أي بني اسدد! فما زال يقول اسدد حتى قام الآخر (٣)(٤).
стр. 92
• قال حنبل: ونا محمد بن داود، قال: حدثنا عيسى، عن محل الضبي، قال: كان رجل (١) معنا يختلف إلى إبراهيم، قال: فبلغ إبراهيم أنه قد دخل في الإرجاء (٢)، فقال له إبراهيم: إذا قصت من عندنا فلا تعد (٣).
• قال حنبل: ونا محمد بن داود الحداني، قال: قلت لسفيان بن عيينة: إن هذا يتكلم في القدر (٤) -يعني إبراهيم بن أبي يحيى-، فقال: سفيان: عَرِّفوا الناس أمره، وسلوا ربكم العافية (٥)!
стр. 93
• قال حنبل: ونا سعدويه، قال: ثنا صالح المري، قال: دخل رجل على ابن سيرين وأنا شاهد، ففتح بابا من أبواب القدر فتكلم فيه، فقال ابن سيرين: إما أن تقوم وإما أن نقوم (١).
• أخبرنا المحمدان: ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، قال: نا أبو بكر بن راشد، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: نا سعيد بن عامر، عن سلام ابن أبي مطيع، قال: قال رجل من أهل الأهواء لأيوب: أكلمك بكلمة؟ قال: لا، ولا نصف كلمة (٢)!
• قال ابن راشد: وحدثنا أبو سعيد الأشج، قال: نا يحيى بن يمان، عن مخلد بن حسين، عن هشام بن حسان، عن أيوب السختياني، قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا إلا ازداد من الله بعدًا (٣).
• أخبرنا أبو البركات بن علي البزاز، قال: أخبرنا الطُرَيْثيثي، قال: أخبرنا هبة الله بن الحسن، قال: أنا عيسى بن علي، قال: أخبرنا البغوي، قال: نا أبو سعيد الأشج، قال: نا يحيى بن اليمان، قال: سمعت سفيان الثوري، يقول: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها (٤)(٥).
стр. 94
• أخبرنا محمد بن أبي القاسم قال: أخبرنا حمد بن أحمد قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: نا سليمان بن أحمد، قال: نا الحسن بن علي المعمري، قال: نا محمود بن غيلان، قال: نا مؤمل بن إسماعيل، قال: مات عبد العزيز بن أبي رواد وكنت في جنازته حتى وضع عند باب الصفا فصف الناس، وجاء الثوري، فقال الناس: جاء الثوري، جاء الثوري! فجاء حتى خرق الصفوف والناس ينظرون إليه، فجاوز الجنازة ولم يصل عليه؛ لأنه كان يُرمى بالإرجاء (١).
• أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السمرقندي، قال: أنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أنا أحمد بن روح النهرواني، قال: أخبرنا طلحة بن أحمد الصوفي، قال: نا محمد بن أحمد بن أبي مهزول، قال: سمعت أحمد بن عبد الله، يقول: سمعت شعيب بن حرب يقول: سمعت الثوري يقول: من سمع من مبتدع لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروةً عروةً (٢).
• أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الأصبهاني، قال: أبنا سليمان بن أحمد، قال: نا عبد الله بن محمد، قال: أنا سعيد الكريزي، [ثنا سعيد بن عامر] (٣)، قال: مرض سليمان التيمي، فبكى في مرضه بكاء شديدًا، فقيل له: ما يبكيك؟ أتجزع من الموت؟ قال: لا، ولكن مررت على قدري
стр. 95
فسلمت عليه فأخاف أن يحاسبني ربي عليه (١).
• أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ويحيى بن علي قالا: أخبرنا أبو محمد الصَّريفِيني، قال: أخبرنا أبو بكر بن عبدان، قال: نا محمد بن حسين البيع قال: حدثني أبي، قال: نا محمد بن بكر، قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: من جلس إلى صاحب بدعة فاحذروه (٢).
• أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم، قال: نا سليمان بن الأحمد، قال: نا محمد بن النضر، قال: نا عبد الصمد بن يزيد، قال: سمعت الفُضَيل بن عياض يقول: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه (٣).
• أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ قال: نا محمد بن علي، قال: نا أبو يعلى، قال: نا عبد الصمد، قال: سمعت الفُضَيل يقول: إذا رأيت مبتدعًا في طريق فخذ في طريق آخر، ولا يرتفع لصاحب البدعة إلى الله عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام (٤).
• وسمعت رجلا قال للفضيل: "من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها، فقال: له الفُضَيل: من زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، ومن جلس مع
стр. 96
صاحب بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له" (١)(٢).
قال المصنف: قلت: وقد روي بعض هذا الكلام مرفوعًا:
° فأنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنبأنا أحمد بن الحسين البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحاكم، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن دينار، قال: نا محمد بن سهل القهستاني، قال: نا سعيد بن بلال الشامي، قال: نا الحسن بن يحيى الخشني، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من وقَّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام" (٣).
• أخبرنا محمد بن أبو منصور، قال: أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي الفوارس، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد المُزَكي، قال: أنا محمد بن المسيب، قال: حدثنا عبد الله بن خُبَيْق، قال: نا يوسف عن محمد بن نضر الحارثي، قال: "من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة، نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه" (٤).
стр. 97
• أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم الأصبهاني قال: سمعت أبا جعفر محمد بن عبد الله الفاتني (١) يقول: سمعت علي بن عيسى يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: قال صاحبنا يعني الليث بن سعد: لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء ما قَبِلْتُه، فقال الشافعي: "أما إنه قصر، لو رأيته يمشي على الهواء ما قَبِلْتُه (٢) " (٣).
• أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا طاهر بن أحمد قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: حدثنا الحسن بن عمرو، قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: "جاء موت هذا الذي يقال له المريسي (٤)، وأنا في السوق، فلولا أنه كان موضع شهرة لكان موضع شكر وسجود، الحمد لله الذي أماته هكذا قولوا" (٥).
• حدثت عن أبي بكر الخلال، عن المروذي، عن محمد بن سهل البخاري قال: كنا عند الفريابي فجعل يذكر أهل البدع، فقال له رجل: لو حدثتنا كان أعجب إلينا،
стр. 98
فغضب وقال: "كلامي في أهل البدع، أحب إلي من عبادة ستين سنة" (١).
فصل
فإن قال قائل: قد مدحت السنة وذممت البدعة، فما السنة وما البدعة؟ فإنا نرى كل مبتدع في زعمنا يزعم أنه من أهل السنة (٢)؟
فالجواب: أن السنة في اللغة الطريق، ولا ريب في أن أهل النقل والأثر المتبعين آثار رسول الله ﷺ وآثار أصحابه هم أهل السنة (٣)؛ لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث، وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله ﷺ وأصحابه.
والبدعة: عبارة عن فعل لم يكن فابتدع، والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة؛ إذ توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان (٤).
стр. 99
فإن ابتُدع شيءٌ لا يخالف الشريعة ولا يوجب التعاطي عليها فقد كان جمهور السلف يكرهونه، وكانوا ينفرون من كل مبتدع وإن كان جائزا؛ حفظًا للأصل وهو الاتباع (١):
° وقد قال زيد بن ثابت لأبي بكر وعمر حين قالا له: اجمع القرآن: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله (٢)؟!
° فأخبرنا محمد بن علي بن أبي عمر، قال: أخبرنا علي بن الحسين بن أيوب، قال: أنا أبو علي بن شاذان، قال: أخبرنا أبو سهل بن زياد القطان، قال: أخبرنا أحمد بن محمد البِرْتي، قال: نا أبو حذيفة، قال: نا سفيان عن ابن عجلان عن عبد الله بن أبي سلمة، أن سعد بن مالك سمع رجلا يقول: لبيك ذا المعارج. فقال: ما كنا نقول هذا على عهد رسول الله (٣)!
стр. 100
° أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبو بكر بن مالك، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: نا أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن محمد بن فضيل قال: نا عطاء بن السائب، عن أبي البُختري، قال: أخبر رجل (١) عبد الله بن مسعود أن قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول: كبروا الله كذا، سبحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا.
قال عبد الله: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم. فأتاهم فجلس، فلما سمع ما يقولون قام وكان رجلًا حديدًا (٢) فقال: أنا عبد الله بن مسعود والذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلمًا، ولقد فَضَلتم أصحاب محمد ﷺ علما. فقال: عمرو بن عتبة: أستغفر الله! فقال: عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لتضلن ضلالًا بعيدًا (٣).
° أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر، عن أبي محمد الجوهري، عن أبي عمر ابن حَيُّوَيْه، قال: حدثنا ابن معروف، قال: نا الحسين بن الفهم، قال: نا محمد بن سعد، قال: نا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: نا ابن عون، قال: كنا عند إبراهيم النخعي فجاء رجل فقال: يا أبا عمران ادع الله أن يشفيني! فرأيت أنه كرهه كراهية شديدة حتى
стр. 101
عرفنا كراهية ذلك في وجهه (١)، وذكر إبراهيم السنة فرغب فيها، وذكر ما أحدث الناس فكرهه، وقال فيه (٢).
° أخبرنا المحمدان: ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت محمد بن زبان يقول: سمعت ذا النون يقول وجاءه أصحاب الحديث فسألوه عن الخطرات والوساوس، فقال: أنا لا أتكلم في شيء من هذا؛ فإن هذا محدث، سلوني عن شيء من الصلاة أو الحديث. قال: ورأى ذو النون عليَّ خفًّا أحمر، فقال: انزع هذا يا بني فإنه شهرة، ما لبسه رسول الله، إنما لبس النبي ﷺ خفين أسودين ساذجين (٣)(٤).
فصل
قد بيَّنا أن القوم كانوا يحترزون من كل بدعة، وإن لم يكن بها بأس؛ لئلا يحدثوا ما لم يكن، وقد جرت محدثات لا تصادم الشريعة، ولا يتعاطى عليها فلم يروا بفعلها
стр. 102
بأسا، كما روي أن الناس كانوا يصلون في رمضان وُحدانًا، وكان الرجل يصلي فيصلي بصلاته الجماعة، فجمعهم عمر على أُبَيّ بن كعب، فلما خرج فرآهم قال: نعمت البدعة هذه (١)!
وكذلك قال الحسن: "القصص بدعة ونعمت البدعة! كم من أخ يستفاد ودعوة مستجابة" (٢).
قال المصنف: قلت: إنما جمعهم عمر على أبي؛ لأن صلاة الجماعة مشروعة، وإنما قال الحسن في القصص: نعمت البدعة؛ لأن الوعظ مشروع، ومتى أسند المحدث إلى أصل مشروع لم يذم (٣). فأما إذا كانت البدعة كالمتمم فقد اعتقد نقص الشريعة، وإن كانت مضادة فهي أعظم!
فقد بان بما ذكرنا أن أهل السنة هم المتبعون، وأن أهل البدعة هم المظهرون شيئًا لم يكن قبلُ، لا مستند له، ولهذا استتروا ببدعتهم ولم يكتم أهل السنة مذهبهم، فكلمتهم ظاهرة، ومذهبهم مشهور والعاقبة لهم:
стр. 103
° أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي التميمي، قال: أنا أحمد بن جعفر، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي قال: نا يعلى بن عبيد، قال: نا إسماعيل عن قيس عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال من أمتي قوم ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون". أخرجاه في الصحيحين (١).
° أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا ابن مالك، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا يونس، قال: نا حماد -يعني ابن زيد-، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله". انفرد بإخراجه مسلم (٢).
° وقد رَوَى هذا المعنى عن النبي ﷺ معاوية (٣) وجابر بن عبد الله (٤) وقرة (٥).
أخبرنا الكروخي، قال: أخبرنا الغُورَجِي والأزدي قالا: أخبرنا الجراحي، قال: حدثنا المحبوبي، قال: نا الترمذي، قال: قال محمد بن إسماعيل، قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث (٦).
стр. 104
فصل في بيان انقسام أهل البدع
أخبرنا عبد الملك الكروخي، قال: أنا أبو عامر الأزدي، وأبو بكر الغُورَجِي، قالا: أخبرنا الجراحي، قال: نا المحبوبي، قال: نا الترمذي، قال: حدثنا الحسين بن حريث، قال: نا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" قال الترمذي: هذا حديث صحيح (١)(٢).
وقد ذكرنا هذا الحديث في الباب الذي قبله (٣) وفيه: "كلهم في النار إلا ملة واحدة". قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" (٤).
أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أنا أحمد بن جعفر، قال: نا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي قال: نا حسن قال: نا ابن لهيعة، قال: نا خالد بن [يزيد] (٥)، عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة، فهلكت سبعون فرقة، وخلصت فرقة واحدة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، تهلك إحدى وسبعون ويخلص
стр. 105
فرقة. قالوا: يا رسول الله، من تلك الفرقة؟ قال: الجماعة" (١).
فإن قيل: هل هذه الفرق معروفة؟
فالجواب: أنَّا نعرف الافتراق وأصول الفرق، وأن كل طائفة من الفرق انقسمت إلى فرق وإن لم نُحِط بأسماء تلك الفرق ومذاهبها، وقد ظهر لنا من أصول الفرق: الحرورية (٢)، والقدرية (٣)، والجهمية (٤)، والمرجئة (٥)،
стр. 106
والرافضة (١)، والجبرية (٢).
وقد قال بعض أهل العلم (٣): أصل الفرق الضالة هذه الفرق الست، وقد انقسمت كل فرقة منها اثنتي عشرة فرقة فصارت اثنتين وسبعين فرقة (٤):
стр. 107
• انقسمت الحرورية اثنتي عشرة فرقة:
١ - فأولهم الأزرقية (١): قالوا: لا نعلم أحدًا مؤمنًا. وكَفَّروا أهلَ القبلة إلا من دان بقولهم.
٢ - والإباضية (٢): قالوا: من أخذ بقولنا فهو مؤمن، ومن أعرض عنه فهو منافق.
стр. 108
٣ - والثعلبية (١): قالوا: إن الله لم يقض ولم يقدِّر.
٤ - والحازمية (٢): قالوا: لا ندري ما الإيمان! والخلق كلهم معذورون.
٥ - والخلفية (٣): زعموا أن من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى كَفَر.
стр. 109
٦ - والكوزية (١): قالوا: ليس لأحد أن يمس أحدا؛ لأنه لا يعرف الطاهر من النجس، ولا أن يؤاكله حتى يغتسل ويتوب.
٧ - والكنزية (٢) قالوا: لا يسع أحدا أن يعطي ماله أحدًا؛ لأنه لا يعرف ربما لم يكن مستحقًّا، بل يكنزه في الأرض حتى يظهر أهل الحق.
٨ - والشمراخية (٣): قالوا: لا بأس بمس النساء الأجانب؛ لأنهن رياحين.
٩ - والأخنسية (٤): قالوا: لا يلحق الميت بعد موته خير ولا شر.
стр. 110
١٠ - والحكمية (١): قالوا: من حَاكَمَ إلى مخلوق فهو كافر.
١١ - والمعتزلة من الحرورية (٢): قالوا: اشتبه علينا أمر علي ومعاوية، فنحن نتبرأ من الفريقين.
١٢ - والميمونية (٣): قالوا: لا إمام إلا برضا أهل محبتنا.
• وانقسمت القدرية اثنتي عشرة فرقة:
١ - الأحمدية (٤): وهي التي زعمت أن في شرط العدل من الله أن يملك عباده