← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

حدثني يحيى بن صاعد، قال: حدثنا الحسن بن عرفه، قال: حدثني عمار بن محمد، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الشَّيطانَ يأْتي أَحَدَكُم، فيقولُ: مَن خَلَقَكَ؟ فيقولُ: الله فيقولُ: مَن خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ؟ فيقولُ: الله فيقولُ: مَن خَلَقَ اللهَ؟! فإِذا وجَدَ أَحدُكم شيئًا مِن ذلك، فلْيَقُلْ: آمنتُ باللهِ ورسلِهِ" (١). قال المصنف ﵀: قُلْتُ: وإِنَّما وقَعَتْ هذه المحنةُ؛ لغَلَبَةِ الحسِّ، وهو أَنَّهُ ما رأى شيئًا إِلا مفعولًا، فلْيَقُلْ لهذا العامِّيِّ: أَلستَ تعلمُ أَنَّهُ خَلَقَ الزمانَ لا في زمانِ، والمكانَ لا في مكانِ، فإِذا كانت هذه الأرضُ وما فيها لا في مكانٍ، ولا تحتَها شيءٌ، وحِسُّكَ ينْفُرُ مِن هذا؛ لأَنَّهُ ما أَلِفَ شيئًا إِلا في مكانٍ، فلا يُطْلَبُ بالحسِّ من لا يُعْرَفُ بالحسِّ، وشاورْ عقلَكَ، فإِنَّهُ سليمُ المشاور (٢). • وتارةً يُلَبِّسُ إِبْلِيسُ على العوامِّ عندَ سماع صفاتِ الله ، فيَحْمِلونها على مقتضى الحِسِّ، فيعتقدونَ التشبيهَ. • وتارةً يُلَبِّسُ عليهِم مِن جهةِ العصبيَّةِ للمذاهِبِ، فترى العامِّيَّ يُلاعنُ ويُقاتِلُ في أَمرٍ ما يعرِفُ حقيقتَهُ. فمنهُم من يَخُصُّ بعصبِيَّتِهِ أَبا بكرٍ، ومنهُم من يَخُصُّ عليًا ﵄، وكم قد جرى في هذا مِن الحروبِ!

стр. 877

وقد جرى في هذا بينَ أَهلِ الكَرْخِ وأَهلِ بابِ البصرةِ على ممر (١) السنينَ مِن القتلِ وإِحراقِ المحالِّ ما يطولُ ذِكْرُهُ. وترى كثيرًا ممَّنَ يُخاصِمُ في هذا يَلْبَسُ الحريرَ، ويشربُ الخمرَ، ويقتلُ النفسَ، وأَبو بكرٍ وعليٌّ بريئانِ منهُم. • وقد يُحِسُّ العاميُّ من نفسهِ نوعَ فهمٍ، فيُسَوِّلُ لهُ إِبليسُ مخاصمةَ ربِّهِ، فمنهُم مَن يقولُ: كيفَ قضى وعاقَبَ؟ ومنهُمْ مَن يقولُ: لِمَ ضيَّقَ رِزْقَ المُتَّقي وأَوْسَعَ على العاصي؟ • ومنهُم من يشكُرُ على النِّعَمِ، فإِذا جاءَ البلاءُ اعْتَرَضَ وكَفَرَ. • ومنهُم من يقول: أي حكمة في هدم الأجسام بعد بنائها؟ • ومنهم من يستبعدُ البعثَ. • ومنهُم مَن يَخْتَلُّ عليه مقصود، أَو يُبْتَلى ببلاءٍ فيكْفُرُ، ويقولُ: أَنا ما أُريدُ أُصَلِّي. وربما غَلَبَ فاجرٌ مؤمنًا، فقَتَلَهُ، أَو ضَرَبَهُ، فيقولُ العوامُّ: قد غَلَبَ الصليبُ، ولماذا نُصَلِّي إِذا كانَ الأمرُ كذا؟! وكلُّ هذه الآفاتِ تمكَّنَ بها إِبليسُ؛ لِبُعْدِهِم عن العلمِ والعُلماءِ، فلو أَنَّهُم اسْتَفْهَموا أَهلَ العلمِ لأخبروهُم أَنَّ الله حكيمٌ ومالكٌ، فلا يَبْقَى مع هذا اعتراضٌ. فصل: • قال المصنف ﵀: ومن العوامِّ مَن يرضى عن عَقْلِ نفسِهِ، فلا يُبالي بمُخالَفَةِ العُلماءِ، فمتى خالَفَتْ فتواهُم غَرَضَهُ أَخذَ يردُّ عليهِم، ويقدَحُ فيهِم. وقد كانَ ابنُ عقيلٍ يقولُ: قد عِشْتُ هذه السنينَ، فلو أَدْخَلْتُ يدي في صنعةِ صانعٍ لقالَ: أَفْسَدْتَها عليَّ. فلو قلتُ: أَنا رجلٌ عالمٌ لقالَ: باركَ الله لك في عِلْمِكَ،

стр. 878

ليس هذا مِنْ شُغْلِكَ! هذا وشُغْلَهُ أَمرٌ حِسِّيٌّ، لو تعاطَيْتُه فهمْتُه، وما أنا فيهِ مِن الأمورِ أمرٌ عقلِىٌّ، فإِذا أَفتَيْتُهُ لم يَقْبَلْ! فصل: • قال المصنف ﵀: قلت: ومن تلبيسِهِ عليهِم تقديمُهُم المتزهِّدينَ على العُلماءِ، فلو رَأَوْا جُبَّةَ صوفٍ على أجهلِ الناسِ عَظَّموهُ، خُصوصًا إِذا طأْطَأَ رأْسَهُ، وتخشَّعَ، ويقولون: أَينَ هذا مِن فلانٍ العالِمِ؟ ذاكَ طالبُ الدُنيا! وهذا زاهدٌ لا يأْكُلُ عِنبَةً ولا رطبةً، ولا يتزوَّجُ قَطُّ؛ جَهْلًا منهُم بفَضْلِ العلمِ على الزهدِ، وإِيثارًا للمُتَزهِّدينَ على شريعةِ محمد ﷺ . ومن نعمَةِ اللهِ على هؤلاءِ أَنَّهُم لم يُدْركوا رسولَ اللهِ ﷺ ، إذ لو رأَوْهُ يُكْثِرُ التزويجَ، ويصطفي السَّبَايا، ويأْكُلُ لحمَ الدَّجاجِ (١)، ويُحِبُّ الحَلوى والعَسَلَ (٢)؛ لم يَعْظُم في صُدورِهِم! وقدحُهُم في العُلماءِ بتناوُلِ المباحاتِ، مِن أقبح الجهلِ. فصل: قال المصنف ﵀: وأكثرُ ميلِهِم إِلى الغُرباءِ، فهُم يُؤثِرونَهم على أَهلِ بلدِهِمْ مِمَّنْ قد خَبَروا أَمْرهُ، وعَرَفوا عقيدَتَهُ، فيَميلونَ إِلى الغريبِ، ولعلَّهُ مِن الباطنيَّةِ، وإِنَّما يَنْبَغي تسليمُ النفوسِ إِلى مَن قد خُبِرَت معرفتُهُ، قالَ الله : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا

стр. 879

فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، ومَنَّ الله سبحانَه في إرسال محمدٍ ﷺ إِلى الخلقِ بأَنَّهُم يعرِفون حالَهُ، فقالَ : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقالَ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] [الأنعام: ٢٠]. فصل: وقد يخرُجُ بالعوامِّ تعظيم المُتزَهِّدينَ إِلى قَبولِ دعاويهِم وإِنْ حَرَّفوا الشريعَةَ، وخَرَجوا عن حُدودِها، فترى المُتَنَمِّسَ (١) يقولُ للعامِّيِّ: أَنتَ فعلتَ بالأمسِ كذا، وسَيَجْري عليكَ غدًا كذا، فيُصَدِّقُهُ، ويقولُ: هذا يتكلَّمُ على الخاطِرِ. ولا يعلَمُ أَنَّ ادِّعاءَ علم الغيبِ كُفْرٌ. ثم يَرَوْنَ مِن هؤلاءِ المُتَنَمِّسينَ أُمورًا لا تَحِلُّ: كمؤاخاةِ النساءِ، والخَلْوَةِ بهِنَّ، ولا يُنْكِرونَ ذلك تسليمًا لهُم أَحوالهَمُ. فصل: • قالَ المصنف ﵀: ومنْ تَلبيسِ إبليس على العَوامِّ: إِطلاقُهُم أَنْفُسَهُم في المعاصي، فإِذا وُبِّخوا تَكَلَّموا كلامَ الزنادقةِ: ° فمنهُم مَن يقولُ: لا أَتركُ نَقْدًا لنسيئةٍ! ولو فَهِموا عَلِموا أَنَّ هذا ليسَ بنَقْدٍ، لأنَّهُ محُرمٌ واجب الترك وإِنَّما يُخَيَّرُ بينَ النقدِ والنسيئةِ المُباحَين، فمثَلُهم كمَثَلِ محمومٍ جاهلٍ يأْكُلُ العسلَ، وإِذا عُوتِبَ قالَ: الشهوةُ نقدٌ، والعافيةُ نسيئةٌ. ثم لو آمنوا لعَلِموا أَنَّ تلكَ النسيئةَ وعدٌ صادقٌ لا يُخْلَفُ، ولو عَمِلوا عَمَلَ التُّجَّارِ الذينَ يُخاطِرونَ بكثيرٍ مِن المالِ لمِا يرجُونَهُ مِن الربحِ القليلِ لعَلِموا أَنَّ ما

стр. 880

تركوهُ قليلٌ، وما يَرْجونَهُ كثيرٌ ولو أَنَّهُم ميَّزوا بينَ ما آثَروا وما أَفاتوا أَنفُسَهُم لَرَأَوْا تعجيلَ ما تَعَجَّلُوا إذ فاتهمُ الربحُ الدائِمُ وأَوقَعَهُم في العذابِ الذي هُو الخسرانُ المبينُ الذي لا يُتَلافى. ° ومنهُم مَن يقولُ: الربُّ كريمٌ، والعفوُ واسعٌ، والرجاءُ مِن الدِّينِ. فيُسَمُّونَ تَمَنِّيَهم واغتِرارَهُم رجاءً، وهذا الذي أَهْلَكَ عامَّةَ المُذْنِبينَ. قالَ أَبو عَمْرو بن العلاءِ: بَلَغَني أَنَّ الفرَزْدَقَ جلسَ إلِى قومٍ يتذاكرون رحمَةَ اللهِ، فكانَ أَوْسَعَهُم في الرجاءِ صَدْرًا. فقالوا لهُ: فلِمَ تقْذِفُ المُحْصَناتِ؟ فقالَ: أَخْبِروني لو أَذنَبْتُ إِلى والديَّ ما أَذنَبْتُهُ إِلى ربِّي أَتُراهُما كان يَطيبانِ نفسًا يَقْذِفاني في تَنُّورٍ مملوءٍ جَمْرًا؟ قالوا: لا، بل كانا يرحَمانِك. قالَ: فإِنِّي أَوْثَقُ برحْمَةِ ربِّي منهُما (١)! قالَ المصنف قلتُ: وهذا هو الجهْلُ المحْضُ؛ لأنَّ رحمةَ الله تعالى ليستْ برقَّةِ طبعٍ، ولو كانتْ كذلك لما ذُبِحَ عُصفورٌ، ولا أُميتَ طِفلٌ، ولا دخل أَحدٌ إِلى جهَنَّمَ. أخبرتنا شهدة بنت أحمد، قالت: أخبرنا جعفر بن أحمد السراج، قال: وجدت بخط محمد بن نصر بن أحمد بن مالك، يقول: حدثني أبو بكر محمد بن الفضل البزاز، قال: أنا بكر بن أحمد بن فرج بن عبد الرحيم، قال: أنا عَبَّاد، قالَ: قال الأصمَعِيُّ: كنتُ مع أَبي نُوَاسٍ بمكَّةَ، فإِذا أَنا بغُلامٍ أَمرد يستَلِمُ الحَجَرَ، فقالَ لي أَبو نُواسٍ: واللهِ لا أَبْرَحُ حتى أُقَبِّلَهُ عندَ الحَجَرِ، فقلتُ: ويْلَكَ! اتَّقِ اللهَ ، فإِنَّكَ في بلدٍ حرامٍ، وعندَ بيتِه. فقالَ: ما منهُ بدٌّ. ثم دَنَا من الحَجَرِ وجاء الغلام يستَلِمُهُ فبَادَرَ أبو نُواسٍ فوضَعَ خَدَّهُ على خَدِّ الغُلامِ، وقبَّلَهُ والله وأَنا أَرى، فقلتُ: ويلكَ! في حَرَمِ الله . فقالَ: دع ذا عنكَ، فإِنَّ ربِّي رحيمٌ. ثم أَنشأ يقولُ:

стр. 881

وعَاشِقانِ الْتَفَّ (١) خَدَّاهُمَا … عندَ اسْتِلامِ الحَجَرِ الأسْوَدِ فاشتفيا (٢) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْثَمَا … كأَنَّما كانَا على مَوْعِدِ (٣) قالَ المصنف ﵀ قلتُ: انْظُر إِلى هذه الجُرأَةِ التي نَظَرَ فيها إِلى الرحمةِ، ونَسي شدَّةَ العقابِ بانتهاكِ تلكَ الحُرمةِ. وقد ذكرنا في أول كتابنا هذا أن رجلًا زنى بامرأة في الكعبة فَمُسِخَا حجرين (٤). وقد دخلوا على أبي نُوَاسٍ في مرض موته فقالوا لهُ: تب إِلى اللهِ ، فقالَ: إياي تُخَوِّفون! حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل نبيٍّ شفاعة وإني اختبأتُ شفاعتي لأهلِ الكبائر من أمتي" (٥). أفترى لا أكونُ منهم (٦)؟!

стр. 882

قال المصنف ﵀: قلت: وخطأُ هذا الرجل من وجهين: أحدهما: أنه نظر إلى جانب الرحمة ولم ينظر إلى العقاب. والثاني: أنه نسي أن الرحمة إنما تكون لتائب كما قالَ : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢]، وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وهذا التَّلبيس هو الذي يهلك عامة العوام، وقد كشفناه في ذكر أهل الإِباحة (١). فصل: • ومِنَ العَوامِّ من يقولُ: هؤلاءِ العُلماءُ ما يُحافِظونَ على الحُدودِ، فُلانٌ يفعَلُ كذا، وفلانٌ يفعَلُ كذا، فأَمْري أَنا قريبٌ! وكَشف هذا التلبيس أَنَّ الجاهِلَ والعالِمَ في بابِ التكليفِ سواءٌ، فغَلَبَةُ الهوى للعالِمِ لا يكونُ عُذرًا للجاهِلِ. فصل: • ومنهم من يقولُ: ما قَدْرُ ذنبي حتى أُعاقَبَ! ومَنْ أَنا حتى أُؤاخَذَ، وذنبي لا يضرُّهُ، وطاعَتي لا تنفَعُهُ، وعفوُهُ أَعظمُ مِن جُرْمي؛ كما قالَ قائِلُهُم: مَنْ أَنا عِنْدَ اللهِ حَتَّى إِذا … أَذْنَبْتُ لا يَغْفِرُ لي ذَنْبِي (٢) وهذه حماقةٌ عظيمةٌ! كأنَّهُم اعْتَقَدوا أنَّهُ لا يؤاخِذُ إِلا ضِدًّا أَو نِدّا ثم أما عَلِموا أنَّه بالمخالَفَةِ قد صاروا في مقامِ مُعاندٍ. وسَمِعَ ابنُ عقيلٍ ﵀ رجلًا يقولُ: ومَن أنا حتى يعاقِبَني الله؟! فقالَ لهُ: أَنتَ الذي لو أَماتَ اللهُ جميعَ الخلائِقِ وبقيتَ أَنتَ لكانَ قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ خِطابًا لكَ.

стр. 883

فصل: • ومنهُم مَن يقولُ: سأَتوبُ وأَصْلُحُ. وكم ساكَنَ الأملَ مِن أَبلَهَ، فاخْتَطَفَهُ الموتُ قبلَهُ! وليس مِن الحزمِ تعجيلُ الخطأ وانتظارُ الصوابِ، وربَّما لم تتهيَّأ التوبةُ، وربما لم تَصِحَّ، وربما لم تُقْبَلَ، ثم لو قُبِلَتْ بَقِيَ الحياءُ مِن الجنايةِ أَبدًا، فمَرارةُ خاطِرِ المعصيةِ حتى تَذْهَبَ أَسهَلُ مِن مُعاناةِ التوبةِ حتى تُقْبَلَ. فصل: • ومنهُم مَن يتوبُ، ثم ينقُضُ، فيَلجُ عليهِ إِبليسُ بالمكائِدِ؛ لعلمِهِ بضَعْفِ عَزْمِهِ. أخبرنا عبد الوهاب الأنماطي، قال: أنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا الحسين بن علي الطناجيري، قال: أنا عبيد الله بن عثمان، قال: أنا علي بن محمد المصري، قال: أنا يوسف بن يزيد القراطيسي، قال: أنا نعيم بن حماد، قال: أنا المبارك بن فضالة (١) عنِ الحَسَنِ أَنَّهُ قالَ: إِذا نظرَ إِليكَ الشيطانُ، فرآكَ مداومًا على طاعةِ الله تعالى فبغاكَ وبغاكَ (٢)، فراَك مداومًا في طاعة الله؛ مَلَّكَ ورَفَضَكَ، إِذا كنت مرَّةً هكذا ومرَّةً هكذا طمِعَ فيكَ (٣). فصل: • ومن تلبيسِهِ عليهِمْ أَنْ يكونَ لأحدِهِمْ نسبٌ، فيغترّ بنسبِه، فهذا يقول: أَنا مِن أَولادِ أَبي بكرٍ، وهذا يقولُ: أَنا مِن أَولادِ عليٍّ، وهذا يقولُ: أَنا قريبُ النسبِ من فُلانٍ العالمِ أَو مِن فُلانٍ الزاهِد.

стр. 884

وهؤلاءِ يَبْنونَ على أَمْرينِ: أَحدُهُما: أَنَّ مَن أَحبَّ إِنسانًا أَحبَّ أَولادَهُ وأَهلَهُ. والثَّاني: أَنَّ هؤلاءِ لهُم شفاعةٌ، وأَحَقُّ مَن شفعوا فيهِ أَولادُهُم وأَهلُهُم! وكِلا الأمرينِ غَلَطٌ: أَمَّا المحبةُ: فليستْ محبَّةُ اللهِ تعالى كمحبَّةِ الآدميِّينَ، وإِنَّما محبُّ مَن أَطاعَهُ، فإِنَّ أَهلَ الكتابِ مِن أَولادِ يعقوبَ ﵇، ولم ينتَفِعوا بآبائِهِم ولو كانت محبةُ الأبِ تسري لسرى البغض أيضًا. وأَمَّا الشفاعة: فقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، ولمَّا أَرادَ نوحٌ ﵇ حَمْلَ ابنِه في السفينةِ قيلَ لهُ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، ولم يشْفَعْ إِبراهيمُ في أَبيهِ ولا نبيُّنا في أُمِّهِ (١)، وقد قال ﷺ لفاطمةَ ﵂: "لا أُغْني عنكِ مِن اللهِ شيئًا" (٢). ومَن ظنَّ أنَّهُ ينْجو بنجاةِ أَبيهِ؛ كانَ كمَنْ ظنَّ أَنَّهُ يشبعُ بأَكلِ أَبيهِ! فصل: • ومن تلبيسِهِ عليهِمْ أَنْ يَعْتَمِدَ أَحدُهُم على خَلَّةِ خيرٍ، ولا يُبالي ما فعَلَ بعدَها: فمنهم من يقولُ: أَنا مِن أَهل السنَّةِ، وأَهلُ السنَّةِ على خيرٍ، ثم لا يَتَحاشى عن المعاصي.

стр. 885

وكَشف هذا التلبيس أَنْ يُقالَ لهُ: الاعتقادُ فرضٌ، والكَفُّ عنِ المعاصي فَرْضٌ، ولا يَكْفي أَحدُهُما عن صاحِبِهِ. وكذلك تقول الروافِضُ: نحنُ يَدْفَعُ عنا موالاة أهلِ البيتِ (١). وكذَبوا فأنَّهُ إِنَّما يدفَعُ التَّقوى. ومنهم من يقول: أنا ألازمُ الجماعةَ وأفعلُ الخيرَ وهذا يدفعُ عني. وجوابه كجواب الأول. فصل: • قال المصنف ﵀: ومِن هذا الفنِّ تلبيسُهُ على العيَّارينَ (٢) في أَخذِ أَموالِ الناسِ، فإِنَّهُم تسمَّوا بالفِتْيانِ، وقالوا: الفتى لا يَزْني، ولا يكذِبُ، ويحفظُ الحُرم ولا يهتِكُ ستْرَ امرأَةٍ، ومع هذا لا يتحاشَوْنَ مِن أَخْذِ أَموالِ الناسِ، ويَنْسَوْنَ تَقَلِّي الأكبادِ على الأموالِ. ويُسَمُّونَ طريقَتَهْم الفُتُوَّةَ، وربما حَلَفَ أَحدُهُم بحقِّ الفُتُوَّة (٣)، فلم

стр. 886

يأْكُلْ ولم يشْرَبْ. ويجعلونَ إِلباسَ السراويلِ للداخِلِ في مذهبِهِم كإِلباسِ الصوفيَّةِ للمُريدِ المُرَقَّعَةَ (١). وربما سمع أَحدُ هؤلاءِ عن ابنتِهِ أَو أُخْتِهِ كلمةً لا تصلح، وربَّما كانتْ متخرَّصة، فقَتَلَها، ويدَّعونَ أَنَّ هذا فتوةٌ. وربما افتخر أحدهم بالصبر على الضرب: أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أنا أبو يعقوب، قال: سمعت إبراهيم بن إسماعيل الخلال، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان قال: سمعت أحمد بن الحسن بن عبد ربه يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: كنت كثيرًا أسمع والدي يقول: رحم الله أبا الهيثم! فقلت: من أبو الهيثم؟ فقال: أبو الهيثم الحداد، لما مدّت يداي للعقابين (٢)

стр. 887

وأُخْرِجَتِ السياط إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا أبو الهيثم العَيَّارُ اللصُّ الطَّرَّارُ (١) مكتوبٌ في ديوان أمير المؤمنين ضُرِبْتُ ثمانيةَ عشر ألف سوطٍ بالتفاريق، وصبرتُ في ذلك على طاعةِ الشيطان؛ لأجلِ الدُّنيا، فاصبرْ أنتَ في طاعة الرحمنِ؛ لأجلِ الدِّين (٢). قال المصنف ﵀ قلت: أبو الهيثم هذا يقال له: خالد الحدَّادُ، كان يُضْرَبُ المَثَلُ بصبره. وقال له المتوكلُ: ما بَلَغَ من جَلَدِكَ؟ قالَ: املأ لي جِرابًا عقارِبَ ثم أدخل يدي فيه، وإنه ليؤلمني ما يؤلمكَ، وأجدُ لآخرِ سوطٍ من الألم ما أجدُ لأولِ سوطٍ، ولو وُضِعتْ في فمي خرقةٌ وأنا أُضْرَبُ لاحترقت؛ من حرارة ما يخرج من جوفي، ولكنني وطَّنْتُ نفسي على الصبر. فقال له الفتح: ويحك مع هذا اللسان والعقل؛ ما يدعوكَ إلى ما أنت فيه من الباطل. فقالَ: أحب الرئاسة. فقال المتوكل: نحن خليدية (٣) وقال الفتح: أنا خليدي. وقال رجل لخالد: يا خالد ما أنتم لحوم ودماء فيؤلمكم الضرب؟ فقال: بلى يؤلمنا، ولكنْ معنا عزيمةُ صبرٍ ليست لكم. وقالَ داود بن علي: لما قدم خالد، اشتهيت أن أراه فمضيت إليه فوجدته جالسًا غير متمكن؛ لذهاب لحم أليتيه من الضرب، وإذا حوله فتيان فجعلوا يقولون:

стр. 888

ضرب فلان، وفعل بفلان، فقال لهم: لم تتحدثون عن غيركم؟ افعلوا أنتم حتى يتحدث عنكم (١). قال المصنف رحمهُ الله تعالى: قلتُ: فانظر إلى الشيطان كيف يتلاعبُ بهؤلاء فيصبرون على شدة الألم لَيَحْصُلَ لهم الذِكْرُ، ولو صبروا على يسير التقوى لحصل لهم الأجر، والعجب أنهم يظنون حالهم مرتبةً وفضيلةً مع ارتكاب العظائم! فصل: • ومِن العوامِّ مَن يعتمدُ على نافلةٍ ويضيِّعُ فرائِضَ مثل: أَنْ يَحْضُرَ المسجدَ قبلَ الأذانِ، ويتنفَّلَ، فإِذا صلَّى مأْمومًا يسابقُ الإِمامَ، ومنهُم من لا يَحْضُرُ في أَوقاتِ الفرائِضِ، ويُزاحِمُ ليلةَ الرغائِبِ (٢).

стр. 889

فصل: • ومنهُم مَن يتعبَّدُ ويبكي وهُو مصرٌّ على الفواحِشِ، لا يترُكُها، فإِنْ قيلَ لهُ! قالَ: سيئةٌ وحسنةٌ، والله غفورٌ رحيمٌ! وجُمْهورُهُم يتعبَّدُ برأْيِهِ، فيُفْسِدُ أَكثَرَ ممَّا يُصْلحُ. ورأَيتُ رجلًا منهُم حَفِظَ القرآنَ وتزهَّدَ، ثم جَبَّ نفسَهُ، وهذا مِن أفحَشِ الفواحِشِ! فصل: • وقد لبَّسَ إِبليسُ على خَلْقٍ كثيرٍ مِن العوامِّ، يحضُرونَ مجالِسَ الذِّكْرِ، ويبكونَ، ويكتفونَ بذلكَ؛ ظنًّا منهُم أَنَّ المقصودَ الحضورُ والبكاءُ؛ لأنَّهم يسمَعونَ فضلَ الحضورِ في مجلسِ الذِّكْرِ، ولو عَلِموا أَنَّ المقصودَ إِنَّما هُو العملُ، وإِذا لم يُعْمَلْ بما سمع كَان زيادةً في الحُجَّةِ. وإِنِّي لأعْرِفُ خَلْقًا يحضُرونَ المجلسَ منذُ سنينَ، ويبكونَ ويخْشَعونَ، ولا يتغيَّرُ أَحدُهُم عمَّا قد اعْتادَهُ مِن المُعامَلَةِ بالرِّبا، والغِشّ في البَيْعِ، والجهلِ بأَركانِ الصلاةِ، والغِيبةِ للمسلمينَ، والعُقوقِ للوالِدَيْنِ! وهؤلاءِ قدْ لبَّسَ عليهِمْ إِبليسُ، فأَراهُم أَنَّ حُضورَ المجلسِ والبكاءَ يدفعُ ما يُلابِسُ مِن الذُّنوبِ. وأرى بعضهُم أَنَّ مجالَسَة العُلماءِ والصالحِين تَدْفَعُ عنهم. وشَغَلَ آخَرينَ بالتسويفِ بالتوبةِ، فطالَ مَطالُهُم، وأَقامَ قومًا منهُم للتفرُّجِ فيما يَسْمعونَهُ، وأَهْمَلوا العمَلَ بهِ.

стр. 890

فصل: • وقد لبَّسَ إِبليسُ على أصحاب الأموالِ مِن أَربعةِ أَوجهٍ: أَحدُها: مِن جهةِ كَسْبها، فلا يُبالونَ كيفَ حُصِّلَتْ، وقد فشا الرِّبا في أَكثرِ معامَلاتِهِم، وأَنِسوا بهِ، حتى إنَّ جُمهورَ معاملاتِهِم خارجةٌ عن الإِجماعِ. وقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ليأتِيَنَّ على الناسِ زمان لا يبالي المرءُ بما أخذ المالَ بحلالٍ أو حرام" (١). والثاني: مِن جِهَةِ البُخْلِ بها: ° فمنهُم مَن لا يُخْرِجُ الزكاةَ أَصلًا؛ اتَّكالًا على العَفْوِ. ° ومنهُم مَن يُخْرِجُ بعضَها، ثم يغلِبُهُ البُخْلُ، فيظن أَنَّ المُخْرَجَ يَدْفَعُ عنهُ. ° ومنهُم مَن يحتالُ لإِسقاطِها؛ مثلَ أَنْ يَهَبَ المالَ قبلَ الحَوْلِ، ثم يستردَّهُ! ° ومنهُم مَن يحتالُ بإِعطاءِ الفقيرِ ثوبًا يُقَوِّمُهُ عليهِ عشرة دنانيرَ، وهو يُساوي دينارَيْنِ، ويظنُّ ذلك الجاهِلُ أَنَّهُ قد تَخَلَّصَ. ° ومنهُم مَن يُخْرِجُ الرديءَ مكانَ الجيِّدِ. ° ومنهُم مَن يُعطي الزَّكاةَ مَن يستَخْدِمُهُ طولَ السنةِ، فهي على الحقيقةِ أَجرُهُ. ° ومنهُم مَن يُخْرِجُ الزكاةَ كما ينبغي، فيقولُ لهُ إِبليسُ: ما بقيَ عليكَ حق! فيمنَعُهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بصدقةٍ حُبًّا للمالِ، فيفوتُهُ أَجْرُ المتصدِّقينَ، ويكونُ المالُ رِزْقَ غيرِه. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد المفيد، قال: أنا أبو القاسم

стр. 891

المروزي، قال: أنا العلا بن مسلمة، قال: أنا كثير بن هشام عن عيسى بن إبراهيم القرشي عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: أولُ ما ضُرِبَ الدرهمُ أخذه إبليسُ فقَبَّلَهُ ووضعه على عينيه وعلى سرته وقال: بك أطغي وبك أكفر، رضيتُ من ابنِ آدمَ بحُبِّهِ الدنيا من أن يَعْبُدَني (١). أنبأنا إسماعيل بن أحمد، قال: أنا عاصم بن الحسن، قال: أنا ابن بشران، قال: أنا ابن صفوان، قال: أنا أبو بكر القرشي، قال: أخبرني سعيد بن يحيى القرشي، قال: أنا أبي عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: إن الشَّيطان يريد الإِنسان بكل ريدة (٢)، ريدة (٢)، فإذا أعياه اضطجع في ماله فمنعه أن ينفق منه شيئًا (٣). والثالِثُ: مِن حيثُ التكبُّرُ بالأموالِ: فإِنَّ الغنيَّ يرى نفسَهُ خيرًا مِن الفقيرِ، وهذا جهلٌ؛ لأنَّ الفضلَ بفضائلِ النفسِ اللازمةِ لها لا بجمع حجارةٍ خارجةٍ عنها، كما قالَ الشاعِرُ: غِنَى النَّفْسِ لمِنْ يَعْقِـ … ـلُ خَيْرٌ مِن غِنَى المالِ وفَضْلُ النَّاسِ في الأنفـ … ـسِ لَيْسَ الفَضْلُ في الحالِ (٤) والرابعُ: في إِنفاقِها، فمنهُم مَن يُنْفِقُها على وجْهِ التبذيرِ والإِسرافِ: ° تارةً في البنيانِ الزائدِ على قدرِ الحاجةِ، وتزويقِ الحيطانِ، وزخرفةِ البيوتِ، وعَمَلِ الصُّوَرِ.

стр. 892

° وتارةً في اللِّباسِ الخارِجِ بصاحِبِهِ إِلى الكِبْرِ والخُيَلاءِ. ° وتارةً في المطاعِمِ الخارجةِ إلى السَّرَفِ. وهذه الأفعالُ لا يَسْلَمُ صاحِبُها من فعلٍ محَرَّمٍ، أَو مكروهٍ، وهو مسؤولٌ عن جميعِ ذلك. أخبرنا المحمدان ابن عبد الملك وابن ناصر، قالا: أخبرنا أحمد بن الحسن بن خيرون، قال: قرئ على أبي عبد الله أحمد بن عبد الله المحاملي وأنا أسمع، أخبركم محمد بن عبد الله بن عبدويه، قال: أنا الحسين بن داود البلخي، قال: أنا شقيق بن إبراهيم البلخي، قال: أنا أبو هاشم الأبلي عن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قالَ: قال رسولُ الله ﷺ : "يا ابنَ آدَمَ! لا تزولُ قدماكَ يومَ القيامَةِ بينَ يديِ الله حتى تُسأَلَ عن أَربَعٍ: عُمرِك فيما أَفنَيْتَهُ؟ وجَسَدِكَ فيما أَبْلَيْتَهُ؟ ومالِك مِنَ أَيْنَ اكتَسَبْته؟ وأَينَ أَنْفَقْتَهُ؟ " (١). ° ومنهُم مَن يُنفِقُ في بناءِ المساجِدِ والقناطرِ؛ إِلا أَنه يقصدُ الرياءَ، والسُّمعَةَ، وبقاءَ الذِّكرِ، فيكتُبُ اسمَهُ على ما بَنى، ولو كانَ عمَلُهُ لله لاكتفى بعلمِهِ سبحانَه، ولو كُلِّفَ أَنْ يَبْنِيَ حائطًا مِن غيرِ أَنْ يكتُبَ اسمَهُ عليهِ؛ لم يفْعَلْ!

стр. 893

° ومن هذا الجنسِ إِخراجُهم الشمعَ في رمضانَ في الأتوارِ (١) طلبًا للسُّمعَةِ، ومساجِدُهم طوالَ السنةِ مظلمةٌ؛ لأنَّ إِخراجَهُم قليلًا مِن دُهْنٍ كلَّ ليلةٍ لا يؤثِّرُ من المدحِ ما يؤثِّرُ إخراج شمعةٍ في رمضانَ، ولقد كانَ إِغناءُ الفقراءِ بثمَنِ ما يوقدون من الشمعِ أَولى وربما خرجت الأضواء الكثيرة إلى السَّرف الممنوع منه، غير أن الرياء يعمل عمله. وقد كان أحمد بن حنبل يخرج إلى المسجد وفي يده سراج فيضعها ويصلي (٢). ° ومنهُم مَن إِذا تصدَّقَ أَعطى الفقيرَ والناسُ يرَوْنَهُ، فيجمَعُ بينَ قصدِهِ مَدْحَهم، وبينَ إِذلالِ الفقيرِ. ° وفيهِم مَن يجعَلُ معهُ الدَّنانيرَ الخفافَ، فيكونُ في الدينارِ قيراطينِ ونحوُ ذلك، وربَّما كانت رديئةً، فيتصدقون بها بينَ الجمعِ مكشوفةً ليُقالَ: قد أَعطى فلانٌ دينارًا. وبالعكسِ مِن هذا، كانَ جماعة من الصالحين يجعلونَ في القِرطاسِ الصغيرِ دينارًا ثقيلًا، يزيدُ وزنُه على دينارٍ، فربما كان وزنُه دينارًا ونصفًا، ويُسَلِّمونَه إِلى الفقيرِ في سرٍّ، فإِذا رأَى القرطاس صغيرًا ظنَّهُ قطعةً، فإِذا لمسَهُ وجدَ تدويرَ دينارٍ، ففَرِحَ، فإِذا فتَحُه ظنَّهُ قليلَ الوزنِ، فاِذا رآه ثقيلًا ظنَّهُ يُقارِبُ الدينارَ، فإِذا وَزَنَهُ فرآهُ زائدًا على الدِّينارِ اشتدّ فرحُهُ، فالثوابُ للمُعطي يتضاعَفُ عندَ كُلِّ مرتبةٍ. ° ومنهُم مَن يتصدَّقُ على الأجانِبِ، ويترُكُ برَّ الأقارِبِ، وهو أَولى.

стр. 894

أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا القطيعي، قال: أنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: أنا يزيد، قال: أنا هشام، عن حفصة، عن سلمان بنِ عامرٍ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "الصدقةَ على المِسكينِ صدَقةٌ، والصدقةُ على ذي الرحم اثنتانِ: صدقةٌ، وصِلَةٌ" (١). ومنهُم من يعلَمُ فضيلةَ التصدُّقِ على القرابةِ؛ إِلا أَنه يكونَ بينَهُما عداوةٌ دنيويةٌ، فيمتَنعُ عن مواساتِه معَ علمِهِ بفَقْرِهِ، ولو واساهُ كانَ لهُ أَجرُ الصدقةِ، والقرابةِ، ومُجاهدةِ الهوى. أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: أنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: أنا أبو معاوية، قال: أنا الحجاج، عن الزهري، عن حكيم بن بشير، عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أفضلَ الصَّدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشحِ" (٢).

стр. 895

قال المصنف ﵀ قلتُ: وإنما فُضِّلَتْ هذه الصدقة لمخالفةِ الهوى، فإنَّ مَنْ تصدق على ذي قرابة يحبه فقد أنفق على هواه. ° ومنهم من يتصدق ويضيق على أهله في النفقة. أخبرنا ابن الحصين، قال: أنا ابن المذهب، قال: أنا أحمد بن جعفر، قال: أنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: أنا روح، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : "أفضلُ الصَّدقة عن ظهر غنى، وابدأ بِمَنْ تعوُل". قال: أنا أحمد وحدثنا يحيى عن ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تصدَّقوا". فقال رجلٌ: عندي دينارٌ. قال: "تَصَدَّقْ به على نَفْسِك". قال: عندي دينارٌ آخرُ. قال: "تَصَدَّقْ به على زَوْجَتك"، قال: عندي دينارٌ آخرُ. قال: "تَصَدَّقْ به على ولدِك"، قال: عندي دينارٌ آخرُ قال: "تَصَدَّقْ به على خادِمِك"، قال: عندي دينارٌ آخرُ. قال: "أنتَ أبْصَرُ" (١) (٢).

стр. 896

° ومنهُم مَن ينفِقُ في الحجِّ، ويُلَبِّسُ عليهِ إِبليسُ بأنَّ الحجَّ قربةٌ، وإِنَّما مرادُهُ الرياءُ أو الفُرْجَةُ أو مدحُ الناسِ. قالَ رجلٌ لِبِشْرٍ الحافي (١): أَعددتُ أَلفي درهمٍ للحَجِّ. فقالَ: أَحَجَجْتَ؟ قالَ: نعم. قالَ: اقضِ دينَ مَدينٍ. قالَ: ما تميلُ نفسي إِلا إِلى الحجِّ! قالَ: مُرادُكَ أَن تركَبَ وتجيءَ، ويُقالَ حاجِّيٌّ. ° ومنهُم مَن يُنْفِقُ على الأوقاتِ والرقصِ، ويرمي الثياب على المغني، ويُلَبِّسُ عليهِ إِبليسُ بأنَّكَ تجمَعُ الفقراءَ وتُطْعِمُهُم، وقد بيَّنَّا أَنَّ ذلك مما يوجِبُ فسادَ القُلوبِ والإِنفاق على ما يوجب الفساد فساد. ° ومنهُم مَن إِذا جَهَّزَ ابْنَتَهُ صاغَ لها دِسْتَ الفضةِ، ويرى الأمرَ في ذلك قريبًا، وربما كانت لهُ خَتْمَةٌ، فقدم مجامِر الفضةِ، ويحضُرُ هناكَ قومٌ من العلماءِ، فلا هو يستَعْظِمُ ما فعلَ، ولا هُم يُنْكِرونَ اتِّباعًا للعادةِ. ° ومنهُم مَن يجورُ في وصيَّتهِ، ويؤذي الوارثَ، ويرى أَنَّهُ مالُه؛ يتصرَّفُ فيهِ كما يشاءَ، وينسى أَنَّهُ بالمَرَضِ قد تعلَّقَتْ حقوقُ الوارِثينَ بهِ. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أنا أبو الحسين محمد بن أحمد الآنبوسي، قال: أنبأنا عمر بن أحمد بن شاهين، قال: أنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: أنا الحسن بن علي، قال: أنا إسماعيل بن عيسى، قال: أنا المسيب - يعني: ابن شريك- عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "من حاف عند الوصية قُذِفَ في الوباءِ والوباء وادٍ في جهنم" (٢).

стр. 897

أنبأنا إسماعيل بن أحمد، قال: أنا عاصم، قال: أخبرنا ابن بشران، قال: أنا ابن صفوان، قال: أنا أبو بكر القرشي، قال: أخبرني سعيد بن يحيى القرشي، قال: أنا أبي، عن الأعمش، عن خيثمة قال: إن الشَّيطان يقولُ ما غَلَبَني عليه ابن آدم فلن يغلبني على ثلاثٍ: آمُرُهُ بأخذِ المال من غير حقه، وبإنفاقه في غير حقه، ومنعه من حقه (١). فصل: • وقد لبَّسَ إِبليسُ على الفقراءِ: ° فمنهُم مَن يُظْهِرُ الفقرَ وهو غَنيٌّ، فإِنْ أَضافَ إِلى هذا السؤالَ والأخْذَ مِن الناسِ؛ فإِنما يستكْثِرُ مِن نارِ جهنَّمَ. أخبرنا ابن الحصين، قال: أنا ابن المذهب، قال: أنا أحمد بن جعفر، قال: أنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: أنا محمد بن فضيل، قال: أنا عمارة عن أبي زرعة عن أَبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن سأل الناسَ أَموالهُم تكثرًا؛ فإِنَّما يسأل جمرًا، فليَسْتَقِلَّ منهُ أَو ليستكثرْ" (٢).

стр. 898

قال المصنف ﵀: قلتُ: وإِنْ لم يقبلْ هذا الرجلُ مِن الناسِ شيئًا، وكانَ مقصودُهُ بإِظهارِ الفقرِ أَنْ يُقالَ: رجلٌ زاهدٌ؛ فقد راءى. وإِنْ كَتَمَ نعمَةَ اللهِ تعالى عندَه فظهر عليهِ الفقرُ؛ لئلَّا يُنْفِقَ، ففي ضمن بُخْلِهُ الشكوى مِن اللهِ. وقد ذكرنا فيما تقدم أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا بَاذَّ الهيئة فقال: "هَلْ لك من مال؟ " قال: نعم. قال: "فَلْتُرَ نعمةُ الله عليك" (١). وإِنْ كانَ فقيرًا محقًّا، فالمُسْتَحَبُّ لهُ كِتْمانُ الفقرِ، وإِظهارُ التجمُّلِ، فقد كانَ في السَّلَفِ مَن يحْمِلُ مفتاحًا يوهِمُ أَنَّ لهُ دارًا، وما يبيتُ إِلا في المساجِدِ (٢). ° ومن تلبيسِ إِبليس على الفقيرِ أنَه يرى نفسَهُ خيرًا من الغنيِّ إِذ قد زَهِدَ فيما رَغِبَ ذلك فيه! وهذا غَلَط، وإِنَّ الخَيْريَّةَ ليست بالوجودِ والعدمِ، وإِنَّما هي بأَمرٍ وراءَ ذلك. فصل: • وقد لبَّسَ إِبليسُ على جمهورِ العوامِّ بالجَرَيانِ مع العاداتِ، وذلك مِن أَكبرِ أَسبابِ هلاكِهِم، فمِن ذلك:

стр. 899

° أَنَّهُم يُقَلِّدونَ الأَباءَ والأسلافَ في اعتقادِهِم جريًا على ما نَشَؤُوا عليهِ مِن العادةِ، فترى الرجُلَ يعيشُ خمسينَ سنةً على ما كانَ عليهِ أَبوهُ، ولا ينظرُ: على صوابٍ كان أَم على خَطَأ. ° ومِن هذا تقليدُ اليهودِ والنَّصارى والجاهليةِ، وكذلك المسلمونَ يَجْرونَ في صلاتِهِم وعباداتِهم مع العادةِ، فترى الرجُلَ يعيشُ سنينَ يُصَلِّي على صورةِ ما يرى الناسَ يصلُّون، ولعلَّهُ لا يُقيمُ الفاتحةَ، ولا يَدْري ما الواجباتُ؟ ولا يَسْهُلُ عليهِ تعرف ذلك؛ إهوانًا بالدينِ، ولو أَنَّهُ أَرادَ تجارةً لَسَأَل قبلَ السفر عمَّا يُنْفِقُ في ذلك البلدِ. ثم ترى أَحدَهُم يركعُ قبلَ الإِمامِ، ويسجُدُ قبلَ الإِمامِ ولا يعلمُ أنه إذا ركع قبله فقد خالفه في ركنٍ، فإذا رفع قبله فقد خالفه في ركنين، فبطلت صلاته (١). وقال المصنف: وقد رأَيتُ جماعة يسلِّمونَ عندَ تسليمِ الإِمامِ، وقد بقيَ عليهِم من التشهُّدِ الواجبِ شيءٌ. وذاك أمر لا يحمله الإمامُ فتكون صلاتهم باطلة (٢).

стр. 900

وربَّما ترك فريضةً، وزادَ في نافلةٍ. وربَّما أَهمَلَ غَسْلَ بعضِ العُضْوِ كالعَقِبَ. وربما كانَ في يدِهِ خاتمٌ قد حَصَرَ الإِصبعَ فلا يُديرُه وقتَ الوضوءِ، ولا يصلُ الماءُ إلى ما تحتَهُ، فلا يصحُّ الوضوءُ. وأَمَّا بيعُهُم وشراؤهم فأَكثرُ عقودِهِم فاسدةٌ، وهم لا يتعرَّفونَ حُكْمَ الشرعِ فيها، ولا يخفُّ على أكثرهم أَنْ يُقَلِّدَ فقيهًا في رُخصة؛ استثقالًا مِنهُم للدُّخولِ تحتَ حُكْمِ الشريعةِ. وقلَّ أَن يبيعوا شيئًا إِلا وفيهِ غِشٌّ وتغطية عيبٍ. والجلَّاءُ يغطي بالجِلاءِ عيوبَ الذهبِ الرديء حتى أن المرأة تضعُ الغَزْل في الأنداء ليثقل وزنه. ° ومِن جَرَيانِهِم مع العادةِ أَنَّ أَحدَهُم يتوانى في صلاتِه المفترضةِ في رمضانَ، ويُفْطِرُ على الحرامِ، ويغتابُ الناسَ وربما قتل ولو ضُرِبَ بالخشبِ لم يفطر؛ لأنَّ في العادة استبشاعُ الفطر. ° ومنهم من يدخلُ في الرِّبا (١) بالاستئجار فيقول: معي عشرون دينارًا لا أملكُ غيرها فإن أنفقتها ذهبتْ، فأنا أستأجر بها دارًا وآكل أجرة الدَّار ظنًا منه أن هذا الأمرَ قريب.

стр. 901

° ومنهُم من يرهَنُ الدارَ على شيءٍ، ويؤدِّي الربَا، ويقولُ: هذا موضعُ ضرورةٍ، وكذب وربما كانت لهُ دارٌ أُخرى، وفي بيته آلاتٌ لو باعَها؛ لاستغنى عن الرهنِ والاستئجارِ، ولكنَّهُ يخافُ على جاهِهِ أَنْ يُقالَ: قد باعَ دارَهُ أو أنه يستعمل الخزف مكان الصُّفْر (١). ° وممَّا جَرَوا فيهِ على العاداتِ اعتمادُهُم على قولِ الكاهِنِ والمنجِّمِ والعرَّافِ، وقد شاعَ ذلك بينَ الناسِ، واستمرَّتْ بهِ عاداتُ الأكابرِ، فقلَّ أَن ترى أَحدًا منهُم يسافِرُ أَو يقطع قميصًا أو يحتَجِمُ؛ إِلا سأَل المنجِّمَ، وعَمِلَ بقولِه، وقلَّ أن تخلو دورُهُم مِن تقويمٍ (٢)، وكم مِن دارٍ لهُم ليس فيها مصحفٌ.

стр. 902

وفي الصحيح عن النبيِّ ﷺ أَنهُ سُئِلَ عن الكُهَّانِ؛ فقالَ: "ليسوا بشيءٍ". فقالوا: يا رسولَ اللهِ! إِنَّهُم يحدِّثونَ أَحيانًا بالشيءِ يكونُ حقًا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "تلكَ الكلمةُ مِن الحَقِّ يَخْطَفُها الجِنِّيُّ، فيَقَرَّها في أُذُنِ وليِّه قرَّ الدجاجةِ، فيَخْلِطونَ فيها أَكثرَ مِن مائةِ كذبةٍ" (١). وفي صحيح مسلم عن النبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: "مَن أَتى عَرَّافًا فسألهُ عن شيءٍ لم تُقْبَلْ لهُ صلاةٌ أَربعينَ ليلةً" (٢). وروى أَبو داودَ مِن حديثِ أَبي هُريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "مَن أَتى كاهنًا، فصدَّقَهُ بما يقول فقد بَرِئَ ممَّا أُنْزِلَ على محمدٍ ﷺ " (٣). ° ومن جَرَيانِهم مع العاداتِ كثرةُ الأيمانِ الحانثةِ التي أَكثرُها ظِهارٌ وهُم لا يعْلَمونَ، فأَكثرُ قولهِم في الأيمانِ: حرامٌ عليَّ إِنْ بعتُ!

стр. 903

° وعاداتِهم لبسُ الحريرِ، والتختُّمُ بالذهبِ، وربَّما تورَّعَ أَحدُهُم عن لبسِ الحريرِ، ثم لَبِسَهُ في وقتٍ، كالخطيبِ يومَ الجمعةِ. ° ومن عاداتِهم إِهمالُ إِنكارِ المنكَرِ، حتى إنَّ الرجلَ يرى أَخاهُ أَو قريبَهُ يشربُ الخمرَ، ويلْبَسُ الحريرَ، ولا يُنْكِرُ عليهِ، ولا يغير، بل يخالِطُهُ مخالطةَ حبيبٍ. ° ومن عاداتِهم أَنْ يبنِيَ الرجلُ على بابِ دارر دكةً يُضَيِّقُ بها طريقَ المارَّةِ، وقد يجتَمِعُ على بابهِ ماءُ مطرٍ، ويكثُرُ، فيجبُ عليهِ إِزالتُه، فلا يفعل وقد يرش باب داره رشًا كثيرًا فلو زلقَ زالقٌ فيه وجب عليه الضمان وأثم؛ لكونه سببًا لأذى المسلم. وكذلك إذا رمى على باب الدار كسارة الخزف والعظام فتأذى به مسلم أثم، وإن جرح به وجب عليه الضمان. ° ومن جريانهم على العاداتِ دخولُ الحمَّامِ بلا مِئْزَرٍ، وفيهِم مَن إِذا دخَلَ بمئْزَرٍ حل شدَّه ورمى به على فَخِذَيه، فيُرى جوانِبُ ألْيَتَيْهِ، ويسلِّمُ نفسَهُ إِلى المدَلِّكِ، فيرى بعضَ عورَته، ويمسُّها بيدِهِ؛ لأنَّ العورةَ من الرُّكبةِ إِلى السُّرَّةِ (١)، ثم ينظرُ هو إلى عوراتِ الناسِ، فلا يكادُ يغضُّ ولا يُنْكِرُ. ° ومن عادتِهم تركُ القيامِ بحقِّ الزوجةِ، وربما اضْطَرُّوها إِلى أَنْ تُسْقِطَ مهْرَها، ويظنُّ الزوجُ أنَّهُ قد تخلَّصَ مما قد أَسْقَطَتْهُ عنهُ. وقد يميلُ الرجلُ إِلى إِحدى زوجتَيْهِ عن الأخرى، فيجورُ في القِسْمِ، متهاونًا بذلك؛ ظانًّا أَنَّ الأمرَ فيه قريبٌ.

стр. 904

أنبأنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب قال: أنا أحمد بن جعفر، قال: أنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: أنا يزيد، قال: أنا همام بن يحيى عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أَبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: "مَن كانتْ لهُ امرأَتانِ يَميلُ لإِحْداهُما على الأخرى جاءَ يومَ القيامَةِ يجُرُّ أحد شِقَّيْهِ ساقطًا أَو مائلًا". شكَّ يزيد (١). ° ومن عاداتِهم إِثباتُ الفَلْسِ عند الحاكمِ، ويعتقدُ الذي قد حُكِمَ لهُ بالفَلْسِ أَنَّهُ قد سقطت عنهُ بذلك الحقوقُ، وقد يُوسِرُ فلا يُؤدِّي حقًا. وفيهم من لا يقوم من دكانه بحجة الفلس إلا وقد جمع مالًا من أموال المعاملين، فاختار أنه ينفقه في مدة استتاره، وعنده الأمر في ذلك قريب. ° وممَّا جَرَوا فيهِ على العاداتِ أَنَّ الرجلَ يُسْتَأْجَرُ ليعْمَلَ طولَ النهارِ، فيضيِّعُ كثيرًا مِن الزمانِ: إِمَّا بالتثبُّطِ في العملِ، أَو بالبطالةِ، أَو بإِصلاحِ آلاتِ العمَلِ، مثلَ أَنْ يَجِدَّ النجَّارُ الفأْسَ، والشقَّاقُ المنشارَ، ومثلُ هذا جنايةٌ؛ إِلا أَنْ يكونَ ذلك يسيرًا، قدْ جَرَتِ العادةُ بمثلِهِ (٢). وقد يترك أَكثرُهُم الصلاةَ ويقولُ: أَنا في إِجارةِ رجلٍ، ولا يَدْري أَنَّ أَوقاتَ الصلاةِ لا تدخُلُ في عَقْدِ الإِجارةِ.

стр. 905

وقلَّةُ نُصْحِهِمْ في أَعمالهِم كثيرةٌ. ° وممَّا جَرَوا فيهِ على العاداتِ دَفْنُ الميتِ في التابوتِ، وهذا فِعْلٌ مكروهٌ (١). والمغالاة في الكفن وإنما ينبغي أَن يكونَ وسطًا (٢). ويدفنونَ معهُ جُملةً مِن الثيابِ، وهذا حرامٌ؛ لأنَّهُ إِضاعةٌ للمالِ. ويُقيمونَ النَّوْحَ على الميتِ، وفي صحيح مسلم أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: "النائحة إِذا لم تَتُبْ قبلَ موتِها تقام يوم القيامةِ وعليها سِرْبالٌ مِن قَطِرانٍ، ودِرْعٌ مِن جَرَبٍ" (٣).

стр. 906

ومن عادتِهم اللَّطْمُ، وتخريقُ الثيابِ، خصوصًا النساءَ. وفي الصحيحين عن النبيِّ ﷺ قال: "ليسَ مِنَّا مَن شقَّ الجيوبَ، ولطمَ الخُدودَ، ودَعَا بدعوى الجاهِليَّةِ" (١). وربما رأَوُا المُصابَ قد شقَّ ثوبَهُ، فلا يُنْكِروا عليهِ، لا بل ربَّما أَنْكَروا عليه تَرْكَ شَقِّ الثوبِ، وقالوا: ما أَثَّرَتْ عندَهُ المصيبةُ! ° ومن عاداتِهم القبيحة أنهم يلبسون بعد الموت أدْوَنَ الثيابِ ويبقون على هذا شهرًا أو سنة، وربما لم يناموا هذه المدة في سطح، وربما صعد النساء السطح إذا نام الناس فتبين أنهم فعلوا ذلك للناس لا للحزن. ° ومِن عادتِهم زيارةُ المقابرِ في ليلةِ النِّصْفِ مِن شعبانَ (٢)، وإِيقادُ النيرانِ

стр. 907

عندَها (١)، وأَخذُ ترابِ القبرِ المعظَّمِ (٢). قالَ ابنُ عقيلٍ: لمَّا صَعُبَتِ التكاليفُ على الجُهَّالِ والطَّغامِ عَدَلوا عن أَوضاعِ الشَّرْعِ إِلى تعظيمِ أَوضاعٍ وضعوها لأنفُسِهِم، فسَهَّلَت عليهِم، إِذ لم يدْخُلوا بها تحتَ أمرِ غيرِهِم. قالَ: وهم كُفَّارٌ عندي بهذه الأوضاعِ، مثلَ تعظيمِ القُبورِ، وإكرامِها بما نهي الشرعُ عنهُ: مِن إِيقادِ النيرانِ، وتقبيلِها، وتخليقها (٣)، وخطابِ الموتى بالحوائجِ وكَتْب الرقاعِ فيها: يا مولاي، افعل بي كذا وكذا! وأَخذِ التربة تبرُّكًا، وإِفاضةِ الطيبِ على القُبورِ، وشدِّ الرحالِ إِليها، وإِلقاءِ الخِرَقِ على الشَّجَرِ اقتداءً بمَن عَبَدَ اللَّاتَ والعُزَّى. ولا تَجِدُ من هؤلاءِ مَن يحقِّقُ في زكاةٍ، فيسأَلُ عن حُكْمٍ يلزمُهُ، والويلُ عندَهُم لمَن لم يُقَبِّلْ مشهَدَ الكفّ (٤)، ولم يتمسَّحْ بآجُرَّةِ مسجدِ المأمونيَّةِ يومَ الأربعاءِ. ولم يَقُلِ الحمَّالون على جنازته: الصديق أبو بكر أو محمد وعلي، ولم يكن معها نياحةٌ، أو لم يعقد على ابنه أزَجًا بالجصِّ والآجُرِّ، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يُرِقْ ماءَ الورد

стр. 908

على القبر ويدفن معه ثيابه (١). فصل: فأمَّا تلبيسُ إِبليسَ على النساءِ فكثيرٌ جدًا، وقد أَفردتُ كتابًا للنِّساءِ (٢)، ذكرتُ فيهِ ما يتعلَّقُ بهنَّ مِن جميعِ العباداتِ وغيرِها، وأَنا أَذكُرُ هاهُنا كلماتٍ مِن تلبيسِ إِبليسَ عليهِنَّ: ° فمِن ذلك أَنَّ المرأَةَ تطهُرُ من الحيضِ بعد الزوالِ، فتغتَسِلُ بعد العصرِ، فتصَلِّي العصرَ وحدَها، وقد وَجَبَتْ عليها الظُّهْرُ، وهي لا تعلمُ (٣). ° وفيهِنَّ مَن تُؤخَّرُ الغُسْلَ يومينِ، وتحتجُ بغَسْلِ ثيابِها ودخول الحمامِ! ° وقد تؤخِّرُ غُسْلَ الجنابةِ في الليلِ إِلى أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ، فإِذا دَخَلَتِ الحمَّامَ لم تستترْ بمئزَرٍ، وتقولُ: ما يدخل إليَّ إِلا القَيِّمَةُ، وربما قالت: أَنا وأُخْتي وأُمِّي وجاريَتي، فممَّنْ أَستَتِرُ؟! وهذا كلُّهُ حرامٌ؛ فإن تأخير الغسل من غير عذر لا يجوز، ولا يحلُّ للمرأَةِ أَنْ تنظُرَ مِن المرأَةِ ما بينَ سُرَّتِها ورُكْبَتِها، وإن كانتِ ابنَتَها أَو أُمَّها، إِلا أَنْ تكونَ البنتُ

стр. 909

صغيرةً، فإِذا بَلَغت سبعَ سنينَ اسْتَتَرَتْ واسْتُتِرَ منها (١). ° وقد تُصَلِّي المرأَةُ قاعدةً، وهي تقدِرُ على القيامِ، فالصلاةُ حينئذٍ باطلةٌ (٢). ° وقد تحتجُّ بنجاسةٍ في ثوبِها من بَوْلِ طِفْلها، وهي تقدرُ على غَسْلِهِ، وعلى غيره، ولو أَرادتِ الخروجَ لتهيَّأَتْ واستعارَتْ، وإِنَّما هانَ عندَها أَمرُ الصلاةِ. ° وقد لا تعرِفُ مِن واجباتِ الصلاةِ شيئًا، ولا تسأَلُ. ° وقد ينكَشِفُ مِن الحُرَّةِ ما يُبْطِلُ صلاتَها، وتستهينُ به. ° وقد تستهينُ المرأَةُ بإِسقاطِ الحَبَلِ، ولا تَدْري أَنَّها إِذا أَسْقَطَتْ ما قد نُفِخَ فيهِ الروحُ؛ فقد قتَلَتْ مسلمًا (٣).

стр. 910

ثم تستهينُ بالكَفَّارةِ الواجبةِ عليها عند ذلك الفعل، فإنه يجب عليها أن تتوبَ وتؤدي ديَّته إلى ورثته وهي غُرَّةُ عبدٍ أو أَمَةٍ قيمتها فصفُ عُشْرِ دِيَةِ أبيهِ أو عُشْر دِيَةِ الأم، ولا ترث الأُمُّ من ذلك شيئًا، ثم تعتق رقبةً، فإن لم تجد صامت شهرين متتابعين (١). ° وقد تُسيءُ المرأةُ عِشْرَتها مع الزوجِ، وربَّما كلَّمَتْهُ بالمكروهِ، وتقولُ: هذا أَبو أوَلادي، وما بينَنا هذا، وتَخْرُجُ بغيرِ إِذنِهِ، وتقولُ: ما خَرجْتُ في معصيةٍ! ولا تعلمُ أَنَّ خُروجَها بغيرِ إِذْنِه معصيةٌ، ثم نفسُ خروجِها لا يُؤْمَنُ منهُ فتنَةٌ. ° وفيهِنَّ مَن تُلازِمُ المقابرَ، وتحدُّ لا على زوجِ، وقد صحَّ عن رسولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ: "لا يَحِلُّ لامرأَةٍ تُؤْمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أَنْ تَحِدَّ على ميتٍ إِلا على زوجٍ أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا" (٢). ° وقد يَدْعوها زوجُها إِلى فراشه فتأْبى، وتظنُّ هذا الخلافَ ليسَ بمعصية.

стр. 911

أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا أبو علي بن المذهب، قال: أنا أبو بكر بن مالك، قال: أنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: أنا وكيع، قال: أنا الأعمش عن أبي حازم عن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِذا دَعا الرجلُ امرأَتَهُ إِلى فراشه، فأَبَتْ، فباتَتْ وهو عليها ساخِطٌ؛ لَعَنَتْها الملائكةُ حتى تُصْبِحَ" (١). قال المصنف: أَخرجاهُ في الصحيحينِ. ° وقد تُفَرِّطُ المرأَةُ في ملكِ زوجِها، ولا يَحِلُّ لها أَنْ تُخْرِجَ مِن بيته شيئًا إِلا أَنْ يأْذَنَ، أَو تعْلَمَ برضاهُ. ° وقد تُعطي مَن يلعب لها بالحصى، ومن يَسْحَرُ، وتسمي ذلك العطف، وكلُّ هذا حرامٌ (٢).

стр. 912

° وقد تستجيزُ ثَقْبَ آذانِ الأطفالِ، وهو حرامٌ (١). ° فإِنْ أَفلَحَتْ، وحَضَرَتْ مجلسَ الواعظِ؛ فربَّما لبستْ خِرْقَةً مِن يدِ الشيخِ الصوفيِّ، وصافحته، وصارتْ مِن بناتِ المنبرِ، فخَرَجَتْ إِلى عجائِبَ.

стр. 913

وينبغي أَنْ نَكُفَّ عَنانَ العلم؛ اقتصارًا على هذه النُّبذةِ، فإِنَّ هذا الأمرَ يطولُ، ولو بَسَطْنا النُّبَذَ المذكورة في هذا الكتابِ، أَو شَيَّدْنا ردَّنا على مَن رَدَدْنا عليهِ بالأحاديثِ والحكايات لاجتمعت مجُلَّداتٌ وإِنَّما ذكَرْنا اليسيرَ لِيَدُلَّ على الكثيرِ. وقد اقْتَنَعْنا في ذِكْرِ فاحِشِ القبيحِ مِن أَفعالِ الغالِطينَ بنفسِ حكايته دونَ تعاطي ردِّهِ؛ لأنَّ الأمرَ فيهِ ظاهِرٌ. والله يعصِمُنا مِن الزَّلَلِ، ويُوَفِّقُنا لصالحِ القولِ والعَمَلِ بمنِّهِ وكرمِه.

стр. 914

الباب الثالثَ عشر في ذكْرِ تلْبيس إبليس على جميع الناسِ بطولِ الأملِ قال المصنِّف رحمه الله تعالى: كم قد خَطَرَ على قلبِ يهوديٍّ ونصرانيٍّ حُبُّ الإِسلامِ، فلا يزالُ إِبليسُ يثبِّطُهُ ويقولُ: لا تَعْجَلْ، وتمهَّلْ في النَّظَرِ، فيسوِّفُهُ، حتى يموتَ على كُفْرِهِ. وكذلك يُسَوِّفُ العاصى بالتوبةِ، فيعجِّلُ لهُ غَرَضَهُ مِن الشهواتِ، ويُمَنِّيهِ الإِنابَةَ، كما قالَ الشاعرُ: تُعَجِّلُ الذَّنْبَ لمِا يَشْتَهِي … ويأَمَلِ التَّوْبَةَ مِن قَابلِ (١) وكمْ عازمٍ على الجدِّ سوَّفَهُ، وكم ساعٍ إِلى مقام فضيلةٍ ثبَّطَهُ. فلربَّما عَزَمَ الفقيهُ على إِعادةِ دَرْسِهِ، فقالَ: اسْتَرخِ ساعةً. أَو انْتبَهَ العابدُ في الليلِ ليُصلِّي فقالَ لهُ: عليكَ وَقْتٌ. ولا يزالُ يُحَبِّبُ الكَسَلَ، ويسَوَّفُ بالعَمَلَ، ويُسْنِدُ الأمرَ إِلى طولِ الأملِ. فينبغي للحازِمِ أَنْ يَعْمَلَ على الحزمِ، والحَزْمُ بدار الوقتِ، وترْكُ التسويفِ والإعراضُ عن الأمَلِ، فإِنَّ المُخَوّف لا يؤمَنُ، والفواتَ قد يُبْعَثُ (٢). وسبب كلِّ تقصيرٍ في خيرٍ، أَو مَيْلٍ إِلى شرِّ طُولُ الأمَلِ، فالإنسانُ لا يزالُ يحدِّثُ نفسَهُ بالنُّزوعِ عن الشرِّ، والإِقبالِ على الخيرِ؛ إِلا أَنَّه يَعِدُ نفسَهُ بذلك.

стр. 915

ولا ريبَ أَنَّه مَن أَمَّلَ أَنْ يمسي سار بالنهارِ سيرًا فاترًا، ومَن أَمَّلَ أَنْ يُصْبِحَ عَمِلَ بالليل عملًا ضعيفًا، ومَن صوَّرَ الموتَ عاجِلًا جدَّ. وقد قالَ ﷺ : "صَلِّ صلاةَ مُوَدعٍّ" (١). وقالَ بعضُ السَّلَفِ: أُنذِرُكُمْ سوفَ؛ فإِنَّها أَكبرُ جنودِ إِبليسَ (٢). ومَثَلُ العامِلِ على الحزْمِ والمساكِنِ لطولِ الأَملِ كَمَثَلِ قومٍ كانوا في سَفَرٍ، فدَخَلوا قريةً، فمضى الحازِمُ، فاشترى ما يصلُحُ لتمامِ سفرِهِ، وجلسَ متأَهِّبًا للرحيلِ. وقالَ المُفَرِّطُ: سأَتأَهَّبُ، فرُبَّما أَقَمْنا شَهْرًا، فضُرِبَ بوقُ الرحيلِ في الحالِ، فاغْتبَطَ المُحْتَرِزُ، واغتبَن الآسفُ المُفَرِّطُ! فهذا مَثَلُ الناسِ في الدُّنيا، فمنهُم المستعدُّ المتيقِظُ، فإِذا جاءَ مَلَكُ الموت لم يندَمْ، ومنهُم المغرورُ المُسَوِّفُ يتجرَّعُ مريرَ الندمِ وقتَ الرحلةِ. وإِذا كانَ في الطَّبْعِ حب التواني وطول الأمل، ثم جاء إبليس يحث على العمل بمقتضى ما في الطَّبْعِ؛ صَعُبَتِ المجاهَدَةُ، إِلا أَنَّهُ من انْتبَه لنفسهِ علم أَنَّهُ في صفِّ حربٍ، وأَنَّ عدوَّهُ لا يفتُرُ عنهُ، فإِنْ فتر في الظاهِر أبطن لهُ مكيدةً، وأَقامَ لهُ كَمِينًا. ونحنُ نسأَلُ الله السلامةَ مِن كيدِ العَدُوِّ، وفِتَنِ الدنيا، وشَرِّ النفوسِ، إنَّهُ قريبٌ مجيبٌ! تم آخر الكتاب المعروف بتلبيس إبليس.