← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قالَ: سمعتُ الشافعيَّ، يقولُ: لو أَنَّ رجُلًا تصوَّفَ لم يأتي الظُّهْرُ حتى يصيرَ أَحمَقَ (١). أَحمَقَ (١). أخبرنا أحمد بن منصور الهمذاني، قال: أنا أحمد بن سعد العجلي، قال: أخبرنا ينجير بن منصور إجازة، قال: أخبرنا جعفر بن محمد الأبهري، قال: أنا ابن روزبة، قال: أنا مرسل بن علي بن عبد الغفار، قال: أنا محمد بن الضحاك، قال: أنا يونس، قال: سمعت الشافعي رحمة الله عليه يقول: لو أن رجلًا عاقلًا تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق (٢). قال المصنف: وقد رواه أبو الحسين محمد بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن الجنيد الحافظ في كتاب فضائل الشافعي (٣) قال: أخبرني أبو الحسين بن محمد بن أبي حسان الزيادي، قال: أنا الحسين ابن محمد بن الضحاك، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى، يقول: سمعت الشافعي يقول: لو أن عاقلًا تصوف من بكرة ما أتى عليه الظهر حتى يصير أحمق (٤). قال أبو الحسين: وسمعت علي بن الحسين الضبعي يقول: سمعت موسى بن محمد الديلمي، يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى، يقول: سمعت الشافعي يقول: ما أَحدٌ لَزِمَ الصوفيةَ أَربعينَ يومًا فعادَ إليهِ عَقْلُهُ أبدًا (٥)!

стр. 842

• قال ابن الجنيد: وأخبرني أسامة بن علي الغازي، قال: أخبرنا محمد بن الربيع بن بلال، قال: سمعت حرملة بن يحيى، قال: كان الشافعي إذا رأى الصوفية يقول: ودَعُوا الذينَ إِذا أَتَوْكَ تَنَسَّكُوا … وإِذا خَلَوْا كَانوا ذِئَابَ حِقَافِ (١) • أخبرنا المحمدان: ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أنا حمد بن أحمد، قال: أنا أبو نعيم الحافظ، قال: أنا محمد بن جعفر، قال: أنا عبد الله بن محمد بن يعقوب، قال: أنا أبو حاتم، قال: أنا أحمد بن أبي الحواري، قال: قال أبو سليمان: ما رأيت صوفيًا فيه خير إلا واحدًا عبد الله بن مرزوق. قال: وأنا أرق لهم (٢). • قال أبو نعيم: حدثنا محمد بن علي، قال: أنا أحمد بن علي بن أبي الصغير، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: ما رأيت في الصوفية عاقلًا إلا إدريس الخولاني (٣). • أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، قال: أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أحمد بن محمد، يقول: سمعت أبا جعفر أحمد بن إسماعيل بن عاصم، يقول: سمعت سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول: سمعت أبي، يقول: سمعت ابن وهب، يقول: ما رأيت صوفيًا قط إلا أحمق، إلا إدريس بن يحيى الخولاني. قال السلمي: هو مصري من قدماء مشايخهم قبل ذي النون (٤). • قال السلمي: وسمعت أبا عبد الله الرازي، يقول: سمعت أبا سهل حفيد يونس بن عبد الأعلى، يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: صحبت الصوفية

стр. 843

ثلاثين سنة، ما رأيت فيهم عاقلًا إلا سَلْم الخواص (١). • أخبرنا حمد بن منصور الهمذاني، قال: أنا أبو علي أحمد بن سعد بن علي الصوفي إجازة، قال: أخبرنا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين بن إسماعيل الأبهري، قال: أنا ابن روزبة، قال: أنا أبو الحسن صالح بن وصيف العتكي، قال: أنا أبو نغيا عبد العزيز بن محمد، قال: قال: أنا أحمد بن أبي الحواري، قال: أنا وكيع، قالَ: سمعتُ سفيانَ، يقولُ: سمعتُ عاصمًا يقولُ: ما زِلْنا نعرفُ الصوفيَّةَ بالحُمْقِ، إِلا أَنَّهُم يتسترونَ بالحديثِ (٢). • قال ابن روزبة: وحدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الفتح البغدادي، قال: أنا أحمد بن زكريا، قال: سمعت علي بن خشرم، يقول: قال لي وكيع: لمَ تركتَ حديثَ هشيم؟ قلت: صحبت قومًا من الصوفية وكنت بهم معجبًا. فقالوا: إِنْ لم تَمْحُ حديثَ هشيم قاطعناك. فأطعتهم، قال: إن فيهم حمقًا. • قال ابن روزبة: وحدثنا أبو عبد الرحمن طالب بن واصل السمرقندي، قال: أنا محمد بن نصير، قال: أنا يحيى بن يحيى قال: مخالفة الصوفية عندي من طاعة الله. • قال ابن رزوبة: وحدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن نصر القنطري، قال: نا أبي، قال: نا عبد الخالق بن منصور، قال: حدثوني عن يحيى بن يحيى، قالَ: الخوارجُ أَحبُّ إِليَّ مِن الصوفيةِ. • أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أنا أبو عبد الله ابن باكويه، قال: أنا محمد بن داود السماني، قال: حدثني عبد الله بن سهل الرازي،

стр. 844

قال: سمعت يحيى بن معاذ، يقول: اجْتَنِبْ صحْبَةَ ثلاثةِ أَصنافٍ مِن الناسِ: العُلماءِ الغافِلينَ، والفقراءِ المُداهِنينَ، والمُتصَوِّفةِ الجاهِلينَ منهم (١). قال المصنف: وقد ذَكَرْنا في أَوَّلِ رَدِّنا على الصوفيَّةِ مِن هذا الكتابِ (٢) أَنَّ الفُقهاءَ أَنكروا بمصرَ على ذي النُّونِ ما كانَ يتكَلَّمُ بهِ، وبِبِسْطام على أَبي يزيدَ، وأَخرجوا أَبا سُلَيمانَ الدَّارانيَّ، وهَرَب مِن أَيديهِم أَحمدُ بنُ أَبي الحَوَاريّ وسَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ؛ وذلك لأنَّ السَّلَفَ كانوا يُنَفِّرونَ مِن أَدْنى بدعةٍ، ويَهْجُرونَ عليها؛ تمسُّكًا بالسنةِ. ولقد حدَّثَني أَبو الفتحِ بنُ السَّامَرِيِّ قال: جَلَسَ الفُقهاءُ في بعضِ الأربطةِ للعزاءِ بفقيهٍ ماتَ، فأَقْبَلَ الشيخُ أَبو الخطَّابِ الكلوذاني الفقيهُ متكئًا على يدي، حتى وقَفَ ببابِ الرِّباطِ، وقال: يَعِزُّ عليَّ لو رآني أَصحابنا القُدَماء وأَنا أَدخُلُ هذا الرباطَ. قال المصنف ﵀: قلتُ: على هذا كانَ أَشياخُنا، فأَمَّا في زمانِنا فقد اصْطَلَحَ الذئبُ والغنمُ! قالَ ابنُ عقيلٍ: ونقلت من خطبه (٣)، قال: أَنا أَذُمُّ الصوفيةَ لوجوِهٍ يُوجِبُ الشرعُ ذم من فعلها، منها: ° أَنَّهُم اتَّخَذوا مَناخَ البطالةِ وهي الأربطةُ، فانْقَطَعوا إِليها عن الجماعاتِ في المساجدِ، فلا هيَ مساجِدُ، ولا بيوتٌ، ولا خاناتٌ، وصمدوا فيها للبطالةِ عن أَعمالِ المعاشِ. ° وندبوا أَنفُسَهُم ندب البهائِم: للأكلِ، والشربِ، والرقصِ، والغناءِ، وعَوَّلوا

стр. 845

على الترقيع المعتمدِ بهِ التحسينُ؛ تلميعًا والمشاوذ (١) بأَلوانٍ مخصوصةٍ، أَوقعَ في نفوسِ العوامِّ والنًّسوَةِ من تلميح السقلاطون (٢) بألوان الحرير. ° واستمالوا النِّسوةَ والمُرْدانَ بتَصَنُّع الصُّوَرِ واللباسِ، فما دَخَلوا بيتًا فيهِ نِسوةٌ فخَرَجوا؛ إِلا عن إِفسادِ قلوبِ نسوةٍ على أَزواجِهِنَّ. ° ثم يقبَلونَ الطعامَ والنَّفقاتِ مِن الظَّلَمَةِ، والفُجَّارِ، وغاصبي الأموالِ؛ كالعمداء والأجناد وأَربابِ المُكوسِ. ° ويستصْحِبونَ المُردانَ بخلوتهم في الجُموعِ وضوءِ الشموعِ. ° ويُخالِطونَ النِّسوةَ الأجانِبَ، يَنْصِبونَ لذلك حُجَّةَ إِلباسِهِنَّ الخِرْقَةَ ويستحلون -بل يوجبون- اقْتِسامَ ثيابِ من طرب فسقط ثوبه، ويُسَمُّونَ الطَّرَبَ وجْدًا، والدعوةَ وقتًا، والغناء قولًا، واقْتِسامَ الثيابِ حُكمًا. ° ولا يَخْرُجونَ عن بيتٍ دُعوا إِليهِ إِلا عن إِلزامِ دعق أُخرى يقولونَ: أنَّها وَجَبَتَ. واعْتِقادُ ذلك كفرٌ، وفعْلُهُ فسوقٌ. ° ويعتَقِدونَ أَنَّ الغناءَ بالقُضْبانِ قُربةٌ. وقدْ سَمِعْنا منهُم أَنَّ الدُّعاءَ عندَ حَدْوِ الحادي وعندَ حُضورِ المخدَّةِ مجُابٌ؛ اعتقادًا منهم أنَّهُ قُربةٌ. وهذا كفرٌ أَيضًا؛ لأنَّ مَن اعتقدَ الحرامَ أو المكروهَ قُربةً؛ كانَ بهذا الاعتقادِ كافرًا، والناسُ بينَ تحريمِه وكراهتِهِ (٣).

стр. 846

° وإن علوا إلى مرتبة شيخوجة قيل: الشيخ لا يعترض عليه، فحد من حل رسن ذلك الشيخ وانخراطه في سلك الأقوال المتضمنة للكفر والضلال المسمى شطحًا وفي الأفعال المعلوم كونها في الشريعة فسقًا، فإِنْ قبَّلَ أَمرد؛ قيلَ: رحمةٌ! وإِنْ خلا بأَجنيَّبةٍ؛ قيلَ: بنية، وقد لَبِسَتِ الخرقةَ وإِنْ قسَّم ثوبًا على غيرِ أَربابِه مِن غيرِ رضا مالكِه؛ قيلَ: حُكْمُ الخِرْقَةِ (١). وليس لنا شيخٌ نُسَلِّمُ إِليهِ حالَه، إِذ ليس لنا شيخٌ غيرُ داخلٍ في التكليفِ، وأن المجانينَ والصبيانَ يُضْرَبُ على أيديهم، وكذلك البهائم، والضرب بدل من الخطاب، ولو كانَ لنا شيخٌ يسلَّمُ إِليهِ حالُه؛ لكانَ ذلك الشيخُ أَبا بكرٍ الصديقَ ﵁، وقَد قال: إِنْ اعْوَجَجْتُ فَقَوِّموني (٢)، ولم يَقُلْ: فسَلِّموا إِليَّ؟! ثم انْظُرْ إِلى الرسولِ ﷺ كيفَ اعْتَرَضوا عليهِ (٣)، وهذا عمر يقول: ما بالنا نَقْصُرُ وقد أَمِنَّا (٤)؟ وآخر يقولُ: تنهانا عن الوصالِ وتُواصِلُ (٥)؟! وآخر يقول: أَمَرْتَنَا

стр. 847

بالفسخ ولم تفسخ (١)! ثم إِنَّ الله تعالى تقولُ لهُ الملائكَةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، ويقول موسى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وإِنَّما هذه الكلمةُ جَعَلَها المتصوفةُ ترفيهًا لقلوبِ المتقدِّمينَ، وسلطنةً سَلَكُوها على الأتباعِ والمُريدينَ؛ كما قالَ تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤]. ولعلَّ هذه الكلمةَ من القائلينَ منهُم بأَنَّ العبدَ إِذا عَرَفَ لم يَضُرَّهُ ما فَعَلَ، وهذه نهايةُ الزندقةِ؛ لأنَّ الفُقَهاءَ أَجمعوا على أنَّهُ لا حالةَ ينتهي إِليها العارفُ إِلا ويَضيقُ عليهِ التكليفُ؛ كأَحوالِ الأنبياءِ يُضايَقونَ في الصغائِرِ (٢).

стр. 848

فاللهَ اللهَ في الإِصغاءِ إِلى هؤلاءِ الفُرَّغِ الخالينَ مِن الإِثباتِ! وإِنَّما هُم زنادقةٌ، جَمَعوا بينَ مدارعِ (١) العُمَّالِ: مُرَقَّعاتٍ وصوفٍ، وبينَ أَعمالِ الخُلَعاءِ الملحدةِ: أَكلٍ وركضٍ وسماعٍ وإهمالٍ لأحكامِ الشرعِ. ولم تتجاسَرِ الزنادقةُ أَنْ تَرْفُضَ الشريعةَ حتى جاءَتِ المتصَوِّفَةُ، فجاؤوا بوَضْعِ أَهلِ الخلاعَةِ. فأَوَّلُ ما وَضَعوا أَسماءً، فقالوا: حقيقةٌ وشريعةٌ! وهذا قبيحٌ؛ لأنَّ الشريعةَ ما ما وَضَعَهُ الحقُّ لمصالحِ الخَلْقِ، فما الحقيقةُ بعدَها سوى واقع في النفوسِ مِن إِلقاءِ الشياطينِ، وكُلُّ مَن رامَ الحقيقةَ في غيرِ الشريعةِ فمغرورٌ مخدوعٌ. وإِنْ سَمِعوا أَحدًا يروي حديثًا قالوا: مساكينُ، أَخذوا علمَهُمْ ميتًا عن ميتٍ، وأَخَذْنا علْمَنا عن الحيِّ الذي لا يموتُ، فمَن قالَ: حَدَّثَني أَبي عن جدِّي؛ قلتُ: حَدَّثَني قلبي عن ربِّي (٢)!

стр. 849

فمَلَكوا بهذه الخرافاتِ قلوبَ الأغمارِ (١)، وأُنفِقَتْ عليهِم لأجْلِها الأموالُ؛ لأنَّ الفقهاءَ كالأطِّباءِ، والنفقةُ في ثمَنِ الدَّواءِ صعبةٌ والنفقةُ على هؤلاءِ كالنفقةِ على المغنياتِ. وبغضهم للفقهاءِ أَكبرُ الزَّندقةِ؛ لأنَّ الفُقهاءِ يَحْصُرونَهُم بفتاويهم عن ضلالِهم وفِسْقِهم، والحَقُّ ثقيلٌ كما تثقُلُ الزَّكاةُ، وتخف أجور المُغَنِّياتِ، وإِعطاء الشُّعراءِ على المدائحِ! وكذلك بغضهم لأصحاب الحديث، وقد أبدلوا إزالةَ العقل بالخمر بشيء سموه السماع والوجد، والتعرض بالوجد المزيل للعقل حرام. كفى اللهُ الشريعةَ شرَّ هذه الطائفةِ الجامعَةِ بينَ دَهْمَثَةٍ (٢) في اللبسِ، وطيبةٍ في العيشِ، وخِداعٍ بأَلفاظٍ معسولَةٍ، ليس تحتَها سوى إِهمالِ التكليفِ، وهُجْرانِ الشرعِ؛ ولذلك خَفُّوا على القُلوبِ، ولا دِلالةَ على أَنَّهُم أَربابُ باطلٍ أَوضحُ مِن محبَّةِ طِباعِ أَربَابِ الدُّنيا لهُم؛ كمحبَّتِهِم أَربَابَ اللهْوِ والمُغنِّياتِ. قال ابن عقيل: فإن قال قائل: هم أَربَابُ نظافة ومحاريب وحُسْنِ أَخلاقٍ. قال: فقلت: لو لم يضعوا طريقة يجتذبون بها قلوبَ أمثالكم لم يَدُمْ لهم عَيْشٌ، والذي وصفتهم به رهبانية النصرانية، ولو رأيت نظافة أهل التطفيل على الموائد ومخانيث بغداد ودماثة المغنيات لعلمت أن طريقتهم طريقة الفُكَاهَةِ والخداع، وهل يُخْدَعُ الناسُ إلا بطريقةٍ أو لسان؟! فإذا لم يكن للقوم قدم في العلم ولا طريقة فَبِمَاذا يجتذبون قلوبَ أرباب الأموال.

стр. 850

واعلمْ أنَّ حمل التكليف صعب، ولا أسهلَ على أهل الخلاعة من مفارقة الجماعة، ولا أصعب عليهم من حَجْرٍ ومَنع صدر عن أوامر الشرع ونواهيه. وما على الشريعةِ أَضَرُّ مِن المتكلِّمينَ والمتصَوِّفينَ، فهؤلاءِ يُفْسِدونَ العقائِدَ بتوهيماتِ شُبُهاتِ العقولِ، وهؤلاءِ يُفسِدونَ الأعمالَ، ويهدِمونَ قوانينَ الأديانِ، يُحِبُّونَ البطالاتِ وسماعَ الأصواتِ. وما كانَ السَّلَفُ كذلك، بل كانوا في بابِ العقائِدِ عَبيدَ تسليمٍ، وفي البابِ الآخرِ أَربابَ جَدٍّ. فنصيحَتي إِلى إِخواني أَنْ لا يقْرَعَ أَفكارَ قلوبِهِم كلامُ المتكلِّمينَ، ولا تَصْغَي مسامعهم إِلى خُرافاتِ المتصوِّفينَ، بل الشُغْلُ بالمعاشِ أَولى مِن بطالةِ الصوفيَّةِ، والوقوفُ على الظَّواهِرِ أَحْسَنُ مِن تَوَغُّلِ المُنْتَحِلَةِ (١). وقد خَبَرْتُ طريقةَ الفريقينِ، فغايةُ هؤلاءِ الشكُّ، وغايةُ هؤلاءِ الشَّطْحُ! قالَ ابنُ عقيلٍ: والمتكَلِّمونَ عندي خيرٌ مِن الصوفيَّةِ؛ لأنَّ المتكلِّمينَ قد يُزيلونَ الشَّكَّ (٢)، والمتصوفة يوهِمونَ التشبيهَ، وأَكثرُ كلامِهِم يُشيرُ إِلى إِسقاطِ السِّفارة والنبوَّاتِ.

стр. 851

وإِذا قالوا عن أَصحابِ الحديثِ: أَخَذوا علْمَهُم ميتًا عن ميتٍ؛ فقد طَعَنوا طعنًا في النبوَّاتِ، وعوَّلوا على القواطعِ، ومتى أُزْرِيَ على طريقٍ؛ سَقَطَ الأخْذُ بهِ. ومَن قالَ: حدَّثَني قلبي عن ربِّي؛ فقد صرَّحَ بالغنى عن الرسولِ، ومَن صرَّحَ بذلك فقد كَفَرَ. فهذه كلمةٌ مدسوسةٌ في الشريعةِ، تحتَها هذه الزندقةُ، ومَن رَأَيْناهُ يُزْري على النقلِ عَلِمْنا أَنَّهُ قد عَطَّلَ أَمْرَ الشريعة، وما يُؤْمِنُ هذا القائلُ: "حَدَّثني قلبي عن ربِّي" أَنْ يكونَ ذلك مِن إِلقاءِ الشيطانِ؛ فقدْ قالَ اللهُ : ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وهذا الظاهرُ؛ لأنَّهُ تركَ الدليلَ المعصومَ، وعَوَّلَ على ما يُلْقى في قلبِهِ الذي لم تَثْبُتْ حراستُهُ مِن الوساوِسِ وهؤلاء يسمون ما يعتريهم خاطرًا. قالَ: والخوارِجُ على الشريعةِ كثيرٌ، إِلا أَنَّ الله يؤيِّدُها بالنَّقَلَةِ حِفْظًا لأصلِها، وبالفُقَهاءِ حفظًا لمعناها، وهُم سلاطينُ العُلماءِ، لا يَتْرُكونَ لكَذَّابٍ رأْسًا يرتَفعُ. قالَ ابنُ عقيلٍ: والناسُ يقولونَ: إِذا أَحَبَّ الله خرابَ بيتِ تاجرٍ عاشَرَ الصوفيَّةَ. قال: وأَنا أَقولُ: وخَرابَ دينِهِ؛ لأنَّ الصوفيةَ قد أَجازوا لُبْسَ النساءِ الخرق مِن الرجالِ الأجانبِ، فإِذا حَضَروا السماعَ والطَّرَبَ؛ فربَّما جرى في خلال ذلك مغازلاتٌ واستحلى بعض الأشخاصِ بعضًا، فصارَتِ الدعوةُ عُرسًا للشخصينِ، فلا يخرجُ القوم إِلا وقدْ تَعَلَّقَ قلب بشخصٍ، ومالَ طبعٌ إِلى طبعٍ، وتتغيَّرُ المرأَةُ على زوجِها، فإِنْ طابَتْ نفسُ الزوجِ سُمِّيَ بالدَّيُّوثِ، وإِنْ حَبَسَها طلبَتِ الفُرقةَ إِلى مَن تلبسُ منهُ المرَقَّعةَ، والاختلاطَ بمَن لا يُضَيِّقُ الخِناقَ، ولا يَحْجُرُ على الطِّباعِ.

стр. 852

ويُقالُ: تابَتْ فلانةٌ، وأَلبسَها الشيخُ الخِرْقَةَ، وصارتْ مِن بناتِه، ولم يَقْنَعوا بأَنْ يقولوا: هذا لَعِبٌ وخَطَأ. حتى قالوا: هذا مِن مقاماتِ الرجالِ. ومرت على هذه السِّنونُ، وبَرَدَ حُكْمُ الكتابِ والسُنَّةِ في القُلوبِ. قال المصنف: هذا كُلُّهُ كلام ابن عقيلٍ رحمه الله تعالى فلقد كانَ ناقِدًا مجُيدًا مُتَلمِّحًا فقيها (١). أنشدنا علي بن عبيد الله الزاغوني، قال: أنشدنا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي وأبو منصور محمد بن محمد بن عبد العزيز العكبري، قالا: أَنْشَدَنا أَبو بكرٍ العَنبَرِيُّ لنفسهِ في الصوفيَّةِ: تَأَمَّلْتُ أَخْتَبِر المُدَّعين … بينَ المَوالي وبَيْنَ العَبيد فأَلفَيْتُ أَكثَرَهُمْ كَالسَّرابِ … يَرُوقُكَ مَنْظَرُهُ مِنْ بَعِيد فنَادَيْتُ يا قَوْمِ مَن تَعْبُدونَ … فكُلٌّ أشارَ بقَدْرِ الوُجود فبَعضٌ أَشارَ إِلى نَفْسِه … وأَقْسَمَ ما فَوْقَها مِن مَزيد وبعضٌ إِلى خِرْقَةٍ رُقِّعَتْ … وبعْضٌ إِلى رَكْوَةٍ مِن جُلود

стр. 853

وآخَرُ يَعْبُدُ أَهْواءَهُ … وما عَابِدٌ لِلْهَوَى بالرَّشِيْد ومُجتَهِدٌ وقته ريه … فإن فات بات (١) بليل عنيد وذُو كَلَفٍ باسْتِماعِ السَّماعِ … بينَ البَسيطِ وبينَ النَّشيد يَئِنُّ إِذا مَا مضت رَنَّةٌ … ويَزْأَرُ مِنها زَئيرَ الأُسود يُخَرِّقُ خُلْقانَهُ عامِدًا … لِيَعْتَاضَ مِنْهَا بِثَوْبٍ جَدِيد ويَرْمِيْ بهَيْكَلِهِ في السَّعِيْرِ … لِقَلْعِ الثَّريْدِ وبَلْعِ العَصِيْد فَيَا لَلرِّجَالِ أَلا تَعْجَبونَ … لِشَيطانِ إِخْوانِنا ذا المَريد يُخَبِّطُهُم بِفُنونِ الجُنونِ … وما لَلْمَجانينِ غيرُ القُيود وأُقْسِمُ ما عَرَفوا ذا الجَلالِ … ولا أثبتوه بِغَيْرِ الجُحُود ولَوْلا الوَفَاءُ لأهْلِ الوَفاءِ … سَلَقْتُهُمُ بِلسانٍ حَدِيْد فمَا لي يُطالِبُنِي بالوِصَالِ … مَنْ ليْسَ يعْلَمُ ما في الصُّدُود أَضنُّ بِوُدِّي وَيسْخُو بهِ … وقدْ كنْتُ أسْخُو بهِ للوَدُود ولكنْ إِذا لمْ أَجِدْ صاحِبًا … يَسُرُّ صَدِيقِي ويَشْجي حَسُودي عَطَفْتُ بوُدِّيَ مِنِّي إِليه … فغابَت نحوسِي وآتت (٢) سعود فَمَا بالُ قَوْمِي عَلى جَهْلِهِمْ … بِعِزِّ الفَرِيدِ وأُنْسِ الوَحِيْد إِذا أَبْصَرُوني بَكَوْا رَحْمْةً … ونِيرانُ أَحْقادِهِمْ في وَقُود (٣) لأَنِّي بَعُدْتُ عَنِ المُدَّعينَ … ولو صَدَقُوا كنْتُ غَيرَ البَعيد (٤)

стр. 854

أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار الصيرفي، قال: أنا أبو عبد الله محمد بن علي الصُّوري، قال: أنشدنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر التُّجِيبي، قال: أنشدنا الحسين (١) بن علي بن سيَّار: رأيتُ قومًا عليهِمُ سِمَة … الخير بحمل الركاء مبتهلهْ اعتزلوا الناس في جوامعهمْ … سألتُ عنهم فقيل مُتَّكلَهْ صوفية للقضاء صابرة … ساكنة تحت حكمه نَزَلهْ فقلتُ إِذْ ذاكَ هؤلاء هم النَّـ … ـاسُ ومن دون هؤلاء رَذَلَهْ فلم أزل خادمًا لهم زمنًا … حتى تبينتُ أنهم سَفِلَهْ إِنْ أكلوا كان أَكلُهُمْ سَرَفًا … أو لَبِسوا كان شُهْرةً مُثُلَه سل شيخهم والكبير مختبرًا … عن فَرْضِهِ لا تخَالُهُ عَقِلَهْ واسأله عن وصف شادن كَنِجِ … مُدَلِّلٍ لا تراهُ قد جَهِلَه عِلْمُهُمُ بينَهُمْ إذا جلسوا … علم رَعاع الرَّعاع والرّذَلَهْ الوقت والحال والحقيقة … والبرهان والعكس عندهم مسلهْ قد لبسوا الصوفَ كي يروا … صلحا وهم شِرارُ الذياب والحثلهْ وجانبوا الكسبَ والمعاش لكي … يستأصلوا الناسَ شُرَّهًا أكَلَهْ وليس من عِفَّةٍ ولا دَعَةٍ … لكن لتعجيلِ راحة العطلهْ فقل لمن مال باختداعِهِمُ … إليهمُ تبْ فإِنَّهُمْ بَطَلَه واستغفر الله من كلامِهِمُ … ولا تعاوِدْ لعِشْرَةِ الجَهَلَةْ

стр. 855

قال الصَّوريُّ: وأَنْشَدَني بعضُ شيوخِنا (١): أهلُ التَّصَوُّفِ قَدْ مَضَوْا … صارَ التصوفُ مَخْرَقَهْ (٢) صارَ التَّصَوُّفُ صَيْحَةً … وتَوَاجُدًا ومُطْبَقَهْ (٣) كَذَبَتْكَ (٤) نَفْسُكَ ليس ذا … سَنَنَ الطَّريقِ المُلْحِقَه حتى تكون بعينِ مَنْ … مِنْهُ العيون المُحْدِقَهْ تجري عليك صُرُوفُهُ … وهُمُومُ سِرِّكَ مُطْرِقَهْ (٥) أَنشدَنا محمد بن ناصر، قال: أنشدنا أبو زكريا التِّبريزي، لأبي العلاء المعري: زعموا بأنَّهُمُ صفَوْا لمليكهم … كذبوكَ ما صافوا ولكن صافوا (٦) شجر الخلاف (٧) قلوبهم ويح لهم … غرضي خلاف الحق لا الصَّفصاف (٨)

стр. 856

أنشدنا ابن ناصر، قال أنشدنا أبو زكريا، قال: أنشدَنا أَبو إِسحاقَ الشِّيرازيُّ الفقيهُ لبعضِهم: أرى جيلَ التَّصَوُّفِ شَرَّ جِيلِ … فقلْ لهُمُ وأهْوِنْ بالحُلولِ أقالَ اللهُ حين عَشِقْتُمُوهُ … كُلُوا أَكْلَ البهائمِ وارْقُصُوا لي (١)

стр. 857

الباب الحادي عشر في ذكْرِ تلْبيس إبليلس على المبتدئين بما يشبِه الكَرامات (١)

стр. 858

قالَ المصنف ﵀: قد بيَّنَّا فيما تقدَّمَ أَنَّ إِبليسَ إَنما يتمكَّنُ مِن الإِنسانِ على قَدْرِ قلّةِ العلمِ، فكُلَّما قَلَّ عِلْمُ الإِنسانِ كَثُرَ تمكُّنُ إِبليسَ منهُ، وكُلَّما كَثُرَ العِلْمُ قلَّ تَمَكُّنُهُ منهُ. ومِن العُبَّادِ مَن يرى ضَوءًا أَو نورًا في السَّماءِ، فإِنْ كانَ في رمضانَ قالَ: رأَيْتُ ليلةَ القَدْرِ، وإِنْ كانَ في غيرِه قالَ: قدْ فُتِحَتْ لي أَبوابُ السَّماء. وقد يتَّفِقُ الشيءُ الذي يطلُبُهُ، فيظُنُّ ذلك كرامةً، وربَّما كانَ كرامةً وربَّما كانَ اتِّفاقًا، وربَّما كانَ اختِبارًا، ورُبَّما كانَ مِن خِدَعِ إِبليسَ، والعاقِلُ لا يُساكِنُ شيئًا مِن هذا، ولو كانَ كرامةً. وقد ذكرنا في باب الزهاد عنْ مالكِ بنْ دينارٍ وحَبيبٍ العَجَميِّ أَنَّهُما قالا: إنَّ الشيطانَ لَيَلْعَبُ بالقُرَّاءِ كما يلعَبُ الصبيانُ بالجَوْزِ (١). وقالَ المصنف ﵀ قلتُ: ولقدْ اسْتَغْوى بعضَ ضُعَفاءِ الزُّهَّادِ بأَنْ أَراهُ ما يُشبِهُ الكرامةَ، حتى ادَّعى النبوةَ: فرَوىَ عبد الوهاب بن نجدة الحَوْطي قال: حدثنا محمد بن مبارك، قال: نا الوليد بن مسلم، عن عبدِ الرحمنِ بنِ حَسَّانَ قالَ: كانَ الحارِثُ الكَذَّابُ مِن أَهلِ

стр. 859

دمشقَ، وكانَ مَوْلى لأبي الجُلَّاسِ، وكانَ لهُ أَبٌ بالغُوطَةِ تَعَرَّضَ لهُ إِبليسُ، وكانَ مُتَعَبِّدًا زاهِدًا، لو لبسَ جُبَّةً مِن ذهبٍ لرأَيْتَ عليهِ زهادةً، وكانَ إِذا أَخَذَ في التحميدِ لم يسمع السامِعونَ إِلى كلامٍ أَحسنَ مِن كلامِهِ. قالَ: فكَتَبَ إِلى أَبيهِ: يا أَبتاهُ! أَعْجِلْ عليَّ فإِنِّي قد رأَيْتُ أَشياءَ أَتَخَوَّفُ أَنْ تكونَ الشَّيطان. قالَ: فزَادَهُ أَبوهُ غَيًّا، فكتبَ إِليهِ: يا بُنَيَّ أَقبِلْ على ما أُمِرْتَ بهِ، إِنَّ الله يقولُ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢] ولستَ بأَفَاكٍ ولا أَثيمٍ، فامْضِ لما أُمِرْتَ بهِ. وكانَ يَجيءُ إِلى أَهلِ المسجِدِ رجلًا رجلًا، فيذاكُرُهُم أَمْرَهُ، ويأْخُذُ عليهِم العهدَ والميثاقَ إِنْ هو رأَى ما يَرْضَى قَبِلَ، وإِلا كَتَمَ عليهِ. وكانَ يُريهمُ الأعاجيبَ: كانَ يأْتي إِلى رُخامَةٍ في المسجِدِ، فيَنْقُرُها بيدِه، فتُسَبِّحُ، وكانَ يُطْعِمُهُم فاكهةَ الصيفِ في الشتاءِ، ويقولُ: اخْرُجوا حتى أُريكُمُ الملائكَةَ، فيُخْرِجُهُم إِلى دَيرِ المُرَّانِ، فيُريهم رجالًا على خَيْلٍ. فتَبِعَهُ بَشَرٌ كثيرٌ، وفشا الأمْرُ، وكَثُرَ أَصحابُهُ، حتى وصَلَ الأمر إلى القاسمِ بن مُخَيْمِرَةَ، فقالَ لهُ: إِنِّي نبيٌّ. فقالَ القاسِمُ: كَذَبْتَ يا عَدُوَّ اللهِ! فقالَ لهُ أَبو إِدريسَ: بئسَ ما صَنَعْتَ إِذْ لم تَلِينَ لهُ حتى تأْخُذَهُ، الآنَ يَفِرُّ. وقامَ مِن مَجْلِسِهِ حتى دَخَلَ على عبدِ الملكِ، فأَعْلَمَهُ بأَمْرِهِ، فبَعَثَ عبدُ الملكِ في طَلَبِهِ، فلم يقْدرْ عليهِ، وخَرَجَ عبدُ الملكِ حتى نزَلَ الصِنَّبْرة، فاتَّهَمَ عامَّةَ عسكرِهِ بالحارثِ أَنْ يكونوا يَرَوْنَ رأْيَهُ. وخَرَجَ الحارثُ حتى أَتى بيتَ المقدِسِ، فاخْتَفى، وكانَ أَصحابُهُ يَخْرُجونَ يلتَمِسونَ الرجالَ، يُدْخلونَهُم عليهِ.

стр. 860

وكانَ رجُلٌ مِن أَهلِ البصرةِ قد أَتى بيتَ المقدِسِ، فدخلَ على الحارثِ، فأَخذَ في التحميدِ، ثم أَخْبَرَهُ بأَمرهِ، وأنَّهُ نبيٌّ مبعوثٌ مُرْسَلٌ! فقالَ لهُ: إِنَّ كلامَكَ لَحَسَنٌ، ولكنْ في هذا نَظَرٌ. قال: فانظر. فخَرَجَ البَصْرِيُّ، ثم عادَ إِليهِ فردَّ عليهِ كلامَهُ، فقال: إِنَّ كلامَكَ لَحَسَنٌ، وقد وقَعَ في قَلبي، وقد آمنْتُ بكَ، وهذا الدينُ المستقيمُ. فأَمَرَ أَنْ لا يُحْجَبَ فأَقبلَ البصريُّ يتردَّدُ إِليهِ، ويعرِفُ مَداخِلَهُ ومَخارِجَهُ، وأَينَ يهْرُبُ! حتى صارَ مِن أَخَصِّ الناسِ بهِ ثم قالَ لهُ: ائْذَنْ لي أمشي. فقالَ: إِلى أَينَ؟ قالَ: إِلى البصرةِ، أَكونُ أَوَّلَ داعٍ لكَ بها. قال: فأَذِنَ لهُ، فخَرَجَ مُسرعًا إِلى عبدِ الملكِ وهو بالصنبرة، فلمَّا دَنا من سُرادِقِهِ صاحَ: النَّصيحَةَ النصيحةَ. فقالَ أَهلُ العَسْكَرِ: وما نصيحَتُك؟ قالَ: نصيحةٌ لأميرِ المؤمنينَ. قال: حتى دنا من أمير المؤمنين، فأَمرَ عبدُ الملكِ أَنْ يَأْذَنوا لهُ فدَخَل وعندَهُ أَصحابُه. قال: فصاحَ: النصيحَةَ. قالَ: وما نصيحَتُكَ؟ قالَ: أَخْلِني، لا يَكُنْ عندَك أَحَدٌ. فأُخْرِجَ مَن في البيتِ، ثم قالَ: أدنني. قالَ: ادْنُ. فدَنا وعبدُ الملكِ على السَّريرِ. قال: ما عندَكَ؟ قالَ: الحارِثُ. فلمَّا ذَكَرَ الحارِثَ طَرَحَ عبدُ الملكِ نفسَهُ مِن السريرِ ثم قالَ: أَينَ هُو؟ قالَ: يا أَميرَ المؤمِنينَ! هُو بِبَيْتِ المقدسِ، قد عرفتُ مداخِلَهُ ومخارِجَهُ. فقصَّ عليهِ قصَّتَهُ، وكيفَ صنَعَ بهِ. فقالَ: أنتَ صاحِبُهُ، وأَنتَ أَميرُ بيتِ المقدسِ، وأَميرُنا هاهُنا، فمُرْني بما شئتَ. قالَ: يا أميرَ المؤمنينَ! ابْعَثْ معيَ قومًا لا يَفْهَمونَ الكلامَ، فأَمَرَ أَربعينَ رجلًا مِن فَرْغَانَةَ، فقالَ: انْطَلِقوا معَ هذا، فما أَمَرَكُم بهِ مِن شيءٍ؛ فأَطيعوهُ.

стр. 861

قالَ: وكَتَبَ إِلى صاحِبِ بيتِ المقدسِ إنَّ فلانًا الأميرُ عليكَ حتى يَخْرُجَ، فأَطِعْهُ فيما أَمَرَكَ بهِ. فلمَّا قَدِمَ بيتَ المقدِسِ أَعطاهُ الكتابَ، فقالَ: مُرْني بما شِئْتَ. فقالَ: اجْمَعْ لي كُلَّ شمعةٍ تَقْدِرُ عليها ببيتِ المقدسِ، وادْفَعْ كُلَّ شمعةٍ إِلى رجلٍ، وَرَتِّبْهُمْ على أَزِقَّةِ بيتِ المقدسِ وزواياها، فإِذا قُلتُ: أَسْرِجوا. فأَسْرِجوا جميعًا. فرَتَّبَهُمْ في أَزِقَّةِ بيتِ المقدسِ وزواياها بالشَّمعِ، وتقدَّمَ البصريُّ وحده إِلى منزلِ الحارثِ، فأَتى البابَ، فقالَ للحاجِبِ: اسْتَأْذِنْ لي على نبيِّ الله! قالَ: في هذه الساعةِ ما يؤذَنُ عليهِ حتى يُصْبِحَ. قالَ: أَعْلِمْهُ أَنِّي رجعْتُ شوقًا إِليهَ قبلَ أَنْ أَصِلَ! فدَخَلَ عليهِ، فأَعْلَمَهُ كلامه، فأَمَرَهُ بفتحِ البابِ. قالَ: ثم صاحَ البصرِيُّ: أَسْرجوا الشَّمعَ فأُسْرِجَتْ حتى كانَتْ كأَنَّها النهارُ. ثم قالَ: مَن مَرَّ بكُم فاضْبِطوهُ. ودَخَلَ هُو إِلى الموضِعِ الذي يعرِفُهُ، فطَلَبَهُ، فلم يَجِدْهُ، فقالَ: أَصحاُبه: هيهاتَ، تُريدونَ أن تقتلوا نبيَّ اللهِ، قد رُفِعَ إِلى السَّماءِ. قالَ: فَطَلَبَهُ في شقٍّ قد هَيَّأَهُ سَرَبًا، فأَدْخَلَ البصريُّ يدَهُ في ذلك السَّرَبِ، فإِذا هو بثوبِهِ؛ فاجْتَرَّهُ، فأَخْرَجَهُ إِلى خارج، ثم قالَ للفَرْغانِيِّينَ: اظْبُطوهُ. فرْبطُوهُ، فبينما هُم يَسيرونَ بهِ على البريدِ؛ إِذ قالَ: أَتقتلونَ رجلًا أَنْ يقولَ ربِّيَ الله؟! فقالَ: أهل فرغَانَة أُولئكَ العَجَم: هذا كرامَتُنا، فهاتِ كرامَتَكَ أَنتَ! فسار بهِ حتى أَتَى بهِ عبدَ الملكِ، فلما سَمِعَ بهِ أَمَرَ بخشبةٍ، فنُصِبَتْ، فصَلَبَهُ، وأَمَرَ بحَرْبَةٍ، وأَمَرَ رجلًا فطَعَنَهُ، فأصَابَ ضِلْعًا مِن أَضْلاعِهِ فانكَفَأَتِ الحربةُ فجَعَلَ الناسُ يصيحونَ: الأنبياءُ لا يجوزُ فيهِم السلاحُ.

стр. 862

فلمَّا رأَى ذلك رجلٌ مِن المسلمينَ تناوَلَ الحَرْبَةَ، ثم أَقبل يتجسس، حتى وافى بينَ ضِلْعَيْنِ، فطَعَنَهُ بها، فأَنْفَذَه، فقَتَلَهُ (١). قالَ الوليدُ: بَلَغني أَنَّ خالدَ بنَ يزيدَ بنِ معاويةَ دَخَلَ على عبدِ الملكِ فقالَ: لو حَضَرْتُكَ ما أَمرتُكَ بقتلِهِ. قالَ: ولمَ؟ قالَ: إِنَّما كانَ بهِ المذهبُ (٢)، فلو جَوَّعْتَهُ؛ ذَهَبَ عنهُ! وروى أبو الربيع (٣) عن شيخ أدرك القدماء قال: لما حُمِلَ الحارثُ على البريد وجُعِلَتْ في عنقه جامعة من حديد فجمعت يداه إلى عنقه فأشرف على عقبة بيت المقدس تلا هذه الآيات: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّ﴾ [سبأ: ٥٠]. فتقلقلت الجامعة ثم سقطت من يده ورقبته إلى الأرض، فوثب الحرسُ الذين كانوا معه فأعادوها عليه. ثم ساروا به، فلما أشرفوا على عقبة أخرى قرأ آية فسقطت من رقبته ويده إلى الأرض فأعادوها عليه، فلما قدموا على عبد الملك حبسه وأمر رجالًا من أهل الفقه والعلم أن يَعِظُوه ويُخَوِّفُوه اللهَ ويعلموه أَنَّ هذا من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم فصلب، وجاء رجل بحربة فطعنه فانثنت، فتكلم الناس وقالوا: ما ينبغي لمثل هذا أن يُقْتَلَ، ثم أتاه حَرَسِيٌّ برمحٍ دقيق فطعنه بين ضلعين من أضلاعه ثم هزه وأنفذه. وسمعت مَنْ قال: قال عبد الملك للذي ضربه بالحربة فانثنت: أذكرتَ الله حين

стр. 863

طَعَنْتَهُ؟ قال: نسيت. قال: فاذكرِ الله ثم اطعنه. فذكر الله ثم طعنه فأنفذها. فصل: وكمِ قد اغْتَرَّ أقوامٌ بما يُشْبِهُ الكراماتِ: • أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي التميمي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم، قال: أنا أحمد بن يونس، قال: أنا أبو شهاب، عن حسن بن عمرو قال: قال فَرْقَدٌ: يا أَبا عِمْرانَ! أَصبحْتُ اليومَ وأَنا مُهْتَمٌّ بضريبَتي، وهي ستَّةُ دراهِمَ، وقد أَهلَّ الهلالُ، وليست عندي، فدعوتُ، فبينا أَنا أَمشي على شطِّ الفُراتِ إِذا أَنا بستَّةِ دراهِمَ، فأَخذتُها فوزنْتُها، فإِذا هي ستَّةٌ لا تزيدُ ولا تنقُصُ. فقال: تَصَدَّقْ بها، فإنَّها ليستْ لكَ (١). قال المصنف ﵀: قلتُ: أَبو عِمْران هو إِبراهيمُ النَّخَعِيُّ فقيهُ أَهلِ الكوفةِ. فانْظُروا إِلى كلامِ الفُقَهاءِ، وبُعْدِ الاغتِرارِ عنهُم، وكيفَ أَخبَرَهُ أَنَّها لُقَطَةٌ، ولم يلْتَفِتْ إلى ما يُشْبِهُ الكرامةَ، وإِنَّما لم يأْمُرْهُ بتعريفِها لأنَّ مذهبَ الكوفيِّينَ أنَّهُ لا يجبُ التعريفُ لمِا دونَ الدينارِ (٢)، وكأَنَّهُ إِنَّما أَمَرَهُ بالتصدُّقِ بها؛ لئلا يُظَنَّ أنَّهُ قد أُكْرِمَ بأَخْذِها وإِنفاقِها.

стр. 864

أنبأنا محمد بن عبد الملك بن خيرون، قال: أنبأنا أبو محمد الجوهري، قال: أنا أبو جعفر أحمد بن علي بن الجهم، قال: أنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: أنا هشيم، قال مغيرة: أخبرنا عن إبراهيم في الرجل يجتهد في العبادة فيرى الضوء ونحو ذلك قال: ما أراه إلا من الشيطان لو كان خيرًا لأوثر أهل بدرٍ (١). • أخبرنا عمر بن ظفر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أنا عبد العزيز ابن علي الأزجي، قال: أنا علي بن عبد الله بن جهضم، قال: أنا الخلدي، قال: سمعت ابن مسروق يقول: سمعت عبد الله الخياط، يقول: قال إبراهيم الخُرسانيَّ: احْتَجْتُ يومًا إلى الوُضوءِ، فإِذا أَنا بكوزٍ مِن جوهَرٍ، وسِواكٍ مِن فضَّةٍ، رأْسُهُ أَلينُ مِن الخَزِّ، فاسْتكْتُ بالسواكِ، وتوضَّأْتُ بالماءِ، وتركتُهما، وانصرفتُ (٢). قال المصنف ﵀: وفي هذه الحكايةِ مَن لا يُوثَقُ بروايتِه، فإِنْ صحَّتْ دلَّتْ على قلَّةِ علمِ هذا الرجلِ، إِذ لو كانَ يفْهَمُ الفقهَ عَلِمَ أَنَّ استعمالَ السواكِ الفضَّةِ لا يجوزُ (٣)، ولكنْ قلَّ عِلْمُهُ فاسْتَعْمَلَهُ، وظن أَنَّهُ كرامةٌ، والله تعالى لا يُكْرِمُ بما يَمْنَعُ مِن استعمالِهِ شرعه؛ إِلا أن يكون أَظْهَرَ لهُ ذلك على سبيلِ الامتحانِ.

стр. 865

• وذكر محمد بن الفضل الهَمْذَاني المؤرخ قال: حدثني أبي، قال: كان الشَّرْمقاني المقرئ يقرأ على ابن العلاف، وكان يأوي إلى مسجد بدرب الزعفراني، فاتفق أَنَّ ابنَ العلاف رآه ذاتَ يومٍ في وقت مجاعة وقد نزل إلى دجلة وأخذ من أوراق الخس ما يرمي به أصحابه، وجعل يأكله فَشَقَّ ذلك عليه، وأتى إلى رئيس الرؤساء فأخبره بحاله. فتقدم إلى غلام بالمضي إلى المسجد الذي يأوى إليه الشَّرْمقاني وأَنْ يعملَ لبابهِ مفتاحًا من غير أن يعلمه ففعل، وتقدم إليه أَنْ يحملَ في كل يوم ثلاثة أرطال خبزًا سميدًا (١) ومعها دجاجة وحلوى سكرًا، ففعل الغلام ذلك وكان يحمله على الدوام. فأتى الشَّرْمقاني في أول يوم فرأى ذلك في القبلة مطروحًا ورأى البابَ مغلقًا فتعجب، وقال في نفسه: هذا من الجنة ويجب كتمانه وأَنْ لا أحدث به، فإنَّ مِن شرطِ الكرامة كتمانها، وأنشدني: مَنْ أطلعوه على سِرٍّ فباحَ به … لم يَأْمَنُوه على الأسرارِ ما عاشا فلما اسْتَوَتْ حاله وأخْصَبَ جسمه، سأله ابن العلاف عن سبب ذلك وهو عارف به، وقَصَدَ المزح معه، فأخذ يُوَرِّي ولا يُصَرِّحُ، ويكَنِّي ولا يُفْصِحْ، ولم يزل ابن العلَّاف يستخبره حتى أخبره أَنَّ الذي يجده في المسجد كرامة نزلت من الجنة؛ إِذْ لا طريقَ لمخلوقٍ عليه. فقال له ابن العلاف: يجب أن تدعو لابن المسلمة؛ فإنه هو الذي فعل ذلك. فَنَغَّصَ عليه عَيْشَهُ بإخبارهِ وبانت عليه شواهدُ الانكسار (٢).

стр. 866

فصل: قال المصنف ﵀: ولمَّا عَلِمِ العُقلاءُ شدَّةِ تلبيسِ إبليسَ؛ حَذَّروا مِن أَشياءَ ظاهِرُها الكرامةُ، وخافوا أَنْ يكون مِن تلبيسِهِ: • أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت منصور بن خلف المغربي، يقول: سمعت أبا الطَّيِّبِ الزيني، يقول: سمعتُ زَهْرونَ يقولُ: كَلَّمَني الطيرُ، وذاكَ أَنِّي كنتُ في الباديةِ، فتهتُ، فرأَيْتُ طائرًا أَبيضَ، فقالَ لي: يا زهرون! أَنتَ تائِهٌ؟ فقلتُ: غُرَّ غيري أَنتَ شيطان. فقال لي: أَنتِ تائِهٌ؟ فقلتُ: يا شيطانُ! غُرَّ غَيْري. فوَثَبَ في الثالثةِ، وصارَ على كَتِفي، وقال: ما أَنا بشيطانٍ، أَنتَ تائِهٌ، أُرْسِلْتُ إِليكَ. ثم غابَ (١). • أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أنبأنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي التوزي، قال: أنا محمد بن عبد الله الدقاق، قال: أنا أبو علي ابن صفوان، قال: أنا عبد الله بن محمد القرشي، قال: حدثني محمد بن يحيى بن أبي حاتم، قال: حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثتني زُلْفى قالتْ: قلتُ لرابِعَةَ: يا عمَّةُ لم لا تأْذَنينَ للناس يدخُلونَ عليكِ؟ قالَتْ: وما أَرْجو مِن الناسِ: إِنْ أَتَوْني حَكَوْا عنِّي ما لم أَفعَلْ (٢). قال القرشي: وزادني غَيرُ ابن أبي حاتم، أنها قالت: بلغني أَنَّهُم يقولونَ: إِنِّي أَجِدُ الدراهِمَ تحتَ مُصَلَّايَ، ويُطبَخُ لي القدرُ بغيرِ نارٍ، ولو رأَيْتُ مثلَ هذه فَزِعْتُ منهُ.

стр. 867

قالَتْ: فقلتُ لها: إِنَّ الناسَ يُكْثِرونَ فيكِ القولَ، يقولونَ: إِنَّ رابعةَ تصيبُ في منزِلهِا الطعامَ والشرابَ، وهل تجِدينَ شيئًا؟ قالتْ: يا ابنةَ أَخي! لو وجدتُ في منزلي شيئًا ما مَسَسْتُهُ، ولا وَضَعْتُ يدي عليهِ. قال القرشي وحدثني محمد بن إدريس، قال: قال محمد بن عمرو: وحدثتني زُلْفى عن رابِعَةَ أنَّها أَصْبَحَتْ يومًا صائمةً في يومٍ باردٍ؛ قالتْ: فنازَعَتْني نفسي إلى شيءٍ مِن السُّخْنِ أُفْطِرُ عليهِ، وكانَ عندي شحْمٌ، فقلتُ: لو كانَ معه بصلٌ أَو كُرَّاثٌ عالجتُهُ، فإِذا عُصفورٌ قد جاءَ، فَسَقَطَ على المِثْعَب في مِنقاره بَصَلَةٌ، فلمَّا رأَيْتُه أَضربْتُ عمَّا أَردْتُ، وخِفْتُ أَنْ يكونَ هذا مِن الشيطانِ (١). • أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أنا أبو بكر ومحمد بن علي الخياط، قالا: أنا أحمد بن محمد بن يوسف، قال: أنا ابن صفوان، قال: أنا أبو بكر القرشي، قال: أنا محمد بن الحسين، قال: حدثني محمد بن يزيد، قال: كانوا يَرَوْنَ لِوُهَيبٍ أنَّهُ مِن أَهلِ الجنَّةِ، فإِذا أُخْبِرَ بها اشتدَّ بكاؤهُ، وقالَ: قد خَشيتُ أَنْ يكونَ هذا مِن الشيطانِ (٢). • أخبرنا أبو بكر بن حبيب الصوفي، قال: أنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أنا ابن باكويه، قال: سمعت الحسين بن أحمد الفارسي، يقول: سمعت محمد بن داود الدينوري، قال: سمعت أبا بكر الرافعي، يقول: سمعت أبا عثمان النَّيْسَابوري يقول: خرجنا جماعة مع أستاذنا أبي حفص النيسابوري إلى خارج نيسابور، فجلسنا فتكلم الشيخُ علينا فطابت أنفسنا ثم بصرنا بأيِّل قد نزل من الجبل حتى برك بين يدي الشيخ فأبكاه ذلك بكاءً شديدًا، فلما سكن سألناه، فقلنا: يا أستاذ تكلمت علينا

стр. 868

وطابتْ قلوبنا، فلما جاء هذا الوحشُ وبرك بين يديك أزعجكَ وأبكاكَ؟ فقال: نعم. رأيتُ اجتماعكم حولي وقد طابت قلوبكم فوقع في قلبي لو أنَّ شاةً ذبحتها فدَعَوْتُكُم عليها، فما تحَكَّمَ هذا الخاطرُ حتى جاء هذا الوحش فبركَ بين يدي فَخُيِّلَ لي أني مثل فرعون الذي سأل رَبَّهُ أَنْ يُجْرِي له النيلَ فأجراه قلت: فما يُؤَمِّنُنِي أنْ يكون اللهُ تعالى يُعطيني كُلَّ حَظٍّ لي في الدنيا وأبقى في الآخرةِ فقيرًا لا شيءَ لي! فهذا الذي أزعجني (١). فصل: وقد لَبَّسَ إِبليسُ على قومٍ من المتأَخِّرينَ، فوَضعوا حكاياتٍ في كَراماتِ الأولياءِ؛ لِيُشيدوا بزعْمِهِمْ أَمْرَ القومِ، والحقُّ لا يحتاجُ إلى تشييدٍ بباطلٍ، فكَشَفَ الله سبحانه أَمْرَهُم بُعلماءِ النَّقْلِ: • أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الحافظ، قال: أنا عبيد الله بن محمد الفقيه، قال: أنا أحمد بن عبد الله بن الحسن الآدمي، قال: حدثني أبي، قال: قال سَهْل بن عبدِ الله: قال عمر بن واصل: -كذا في الرواية والصواب قال: عمر بن واصل- قال سَهْل بن عبدِ الله: صَحِبْتُ رجلًا مِن الأولياءِ في طريقِ مكَّةَ، فنالَتْهُ فاقةٌ ثلاثةَ أَيامٍ، فعَدَلَ إِلى مسجدٍ في أَصلِ جبلٍ، وإِذا فيهِ بئرٌ عليها بكرٌ وحبلٌ ودَلْوٌ ومطهرةٌ عندَ البئرِ وشجرةُ رُمَّانٍ، ليس فيها حِمْلٌ، فأَقام في المسجدِ إِلى المغرِبِ، فلمَّا دَخَلَ الوقتُ؛ إِذا هو بأَربَعينَ رجلًا عليهِمُ المُسوحُ، وفي أَرْجُلِهِم نِعالُ الخُوصِ، فدَخَلوا المسجِدَ، وسلَّموا، فأَذَّنَ أَحَدُهُم، وأَقامَ الصلاةَ، وتقدَّمَ، فصلَّى جهِم، فلمَّا فَرَغَ مِن صلاتِه تقدَّمَ إِلى الشجرةِ، فإِذا فيها أَربعونَ رُمَّانةً غَضَّةً طريَّةً، فأَخَذَ كلُّ واحدٍ منهُم رُمَّانةً، وانصرَفَ.

стр. 869

قال: وبِتُّ على فاقَتي، فلما كانَ في الوقتِ الذي أَخذوا فيهِ الرُّمَّانُ؛ أَقْبَلوا أَجمعين، فلما صَلَّوا وأَخَذوا الرُّمانَ؛ قلتُ: يا قومِ! أَنا أَخوكُم في الإسلامِ، وبي فاقةٌ شديدةٌ، فلا كَلَّمتُموني، ولا واسَيْتُموني! فقالَ رئيسُهُم: إِنَّا لا نُكَلِّمُ محجوبًا بما مَعَهُ، فامْضِ، واطرحه وراءَ هذا الجبلِ في الوادي، وارْجِع إِلينا، حتى تنالَ ما ننالُ. قالَ: فرَقَيْتُ الجبلَ، ولم تَسْمَحْ نفسي برمْيِ ما معي، فدَفنْتُهُ، ورجعتُ فقالَ لي: رَمَيْتَ؟ قلتُ: نعم. قالَ: فرأَيْتَ شيئًا؟ قلتُ: لا. قال: فما رَمَيْتَ به إِذنْ! فارْجِعْ فارمِ بهِ في الوادي. ففعلتُ: فإِذا قد غشيني مثلَ الدَّرْعِ نورُ الولايةِ، فرجعتُ، فإِذا في الشجرةِ رمَّانة، فأَكلْتُها، واسْتَقْلَلْتُ بها مِن الجوعِ والعَطَشِ، ولم ألبَثْ دونَ المضيِّ إِلى مكَّةَ، فإِذا أَنا بهم بينَ زمزَمَ والمقامِ، فأَقْبَلوا عليَّ بأَجْمَعِهِم يسأَلوني عن حالي، فقلتُ: قد غُنيتُ عنكُم، وعن كلامِكُم آخِرًا؛ كما أَغْناكُم الله به عن كلامي أَولًا، فما فيَّ لغيرِ اللهِ موضعٌ (١). قال المصنف ﵀: قلت: عمر بن واصِل: ضعَّفه ابنُ أَبي حاتمٍ (٢)، والآدميُّ وأَبوهُ مجهولان. ويدلُّ على أَنَّها حكايةٌ مصنوعةٌ قولهم: "اطْرَحْ ما معكَ"؛ لأنَّ الأولياءَ لا يَأمرون بمخالفةِ الشَّرعَ، والشرعُ قد نهى عن إضاعةِ المالِ. وقولُهُ: "غَشِيَنى نورُ الولايةِ" حديث فارغ، ومثلُ هذه الحكايةِ لا يَغْتَرُّ بها مَن شمَّ ريحَ العلمِ، وإِنما يغترُّ بها الجُهَّالُ! • أنبأنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أبو الفضل السهكي، قال: سمعت محمد بن علي الواعظ، قال: وفيما أفادني بعض الصُّوفِيَّة حاكيًا عن الجنيد قال: قال أبو موسى الديبلي: دخلت على أبي يزيد فإذا بين يديه ماء واقف يضطرب فقال لي: تعالَ. ثم

стр. 870

قال: إن رجلًا سألني عن الحياء فتكلمت عليه بشيء من علم الحياء فدار دورانًا حتى صار كذا كما ترى وذابَ. قال الجنيد: وقال أحمد بن خضرويه: وبقي منه قطعة كقطعة جوهر فاتخذتُ منه فَصًّا فكلما تكلمتُ بكلام القوم أو سمعتُ من كلام القوم يذوب ذلك الفص حتى لم يبق منه شيء (١). قال المصنف ﵀: قلت: وهذه من المخالفة القبيحة التي وضعوها، ولولا أن الجهالة يروونها مسندة فيظنونها شيئًا؛ كان الإضراب عن ذكرها أولى. • أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه، قال: أنا أبو حنيفة البغدادي، قال: أنا عبد العزيز البغدادي، قالَ: كنتُ أَنظُرُ في حكاياتِ الصوفيَّةِ، فصَعِدْتُ يومًا إلى السَّطْحِ، فسمعتُ قائلًا يقولُ: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]. فالتَفَتُّ، فلمْ أَرَ أحدًا، فطرَحْتُ نفسي مِن السطحِ، فوقفْتُ في الهواءِ (٢)! قال المصنف ﵀: قلتُ: هذا محالٌ، لا يشكُّ فيهِ عاقلٌ، ولو قدَّرْنا صحَّتَهُ فإِنَّ طَرْحَ نفسهِ مِن السطحِ حرامٌ، وظنَّهُ أَنَّ التولي يكون لمن فَعَلَ المنهيَّ عنهُ سوء فهم. فصل: وقد اندَسَّ في الصوفيةِ وتشبه بهم أَقوامٌ، شَطَحوا في ادعاءِ الكراماتِ، وأَظْهَروا للعوامِّ مخاريقَ صادوا بها قُلوبَهُم:

стр. 871

• وقد رُوِّينا عن الحلَّاج أنَّهُ كانَ يدفِنُ شيئًا مِن الخُبْزِ والحَلوى في موضعٍ مِن البريَّةِ، ويُطْلِعُ بعضَ أَصحابِهِ على ذلك، فإِذا أَصْبَحَ؛ قالَ صاحبه: إِنْ رأَيْت أَنْ نَخْرُجَ على وجهِ السياحَةِ. فيقومُ ويمشي معَهُ، فإِذا جاؤوا إِلى ذلك الموضع؛ قالَ لهُ صاحِبُهُ اشتهيت الآن كذا وكذا، فيتْرُكُهُم الحلَّاجُ، ويَنْزَوي عنهُم إلى ذلك المكانِ، فيُصَلِّي ركعتينِ، ويأْتيهِم بذلك (١)! وكانَ يَمُدُّ يدهُ إِلى الهواءِ، فيأخذ دراهم فقالَ لهُ بعضُ الحاضِرينَ يومًا: هذه دراهِمُ معروفةٌ، ولكنْ أُؤمنُ بكَ إِذا أَعطيْتَني درهمًا عليهِ اسمُكَ واسمُ أَبيكَ (٢)! وما زالَ يُمَخْرِقُ إِلى وقتِ صَلْبِهِ. وأخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت، قال: أخبرنا عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، قال: قال لنا أبو عمر بن حَيْويه: لمَّا أُخْرِجَ حُسينٌ الحلَّاجُ ليقتل؛ مضيتُ في جُملةِ الناسِ، فلم أَزلْ أُزاحِمُ حتى رأَيْتُهُ، فقالَ لأصحابِهِ: لا يَهُولَنَّكُمْ هذا، فإِنِّي عائدٌ إِليكُم بعدَ ثلاثينَ يومًا! ثم قتل (٣). قال المصنف: وقد ذكرنا في أول هذا الكتاب (٤) شيئًا من اعتقاد الحلَّاجِ وتخليطهِ،

стр. 872

وتخليطهِ، وبيَّنَّا أَنَّهُ قُتِلَ بقول فُقهاءِ العصر (١). وقد كانَ في المتأَخِّرينَ مَن يطَّلي بدُهْنِ الطَّلْقِ (٢)، ويقعُدُ في التنُّور، ويُظْهِرُ أَنَّ هذا كرامةٌ! • قال ابن عقيل: وكان ابن الشباش وأبوه قبله له طيورٌ سوابقٌ وأصدقاء في جميع البلاد، فينزلُ به قومٌ فيرفع طائرًا في الحال إلى قريتهم يخبر من له هناك بنزولهم ويستعلمه عن أحوالهم وما تجَدَّدَ هناك قبل مجيئهم إليه فيكتب ذلك إليه الحوادث فيحدث القوم بأحوالهم حديثَ مَنْ هو عندهم ثم يقول قد تجدد الساعة كذا وكذا فيدهشون ويرجعون إلى رُسْتَاقهم (٣) فيجدون الأمر على ما قال ويتكرر هذا فيصير عندهم كالقطعي على أنه يعلم الغيب. قال: ومما فعل أنه أخذ عصفورًا وجعل في رجله بلفكًا وشد في البلفك كتابًا لطيفًا وشد في رجل حمامة بلفكًا وشد في طرف البلفك كتابًا أكبر من ذلك وجعلهما

стр. 873

بين يديه وجعل العصفور بيد غلام له في سطح داره والحمامة بيد آخر، وبعث طائرين برقعتين إلى قريتين معروفتين له بهما الأصحاب المنتدبين لهذه الأسباب فلمَّا تكامل مجلسه بمن يدخل عليه قال: يا بارش -يوهم أنه يخاطب شيطانًا اسمه بارش - خذ هذا الكتاب إلى قرية فلان فقد جرت بينهم خصومة فاجتهد في إصلاح ذات بينهم ويرفع صوته بذلك فَيُسَرِّحُ غلامه المترصد لكلامه العصفور الذي في يده فيرتفع الكتاب بحضرة الجماعة نحو السماء يرونه عيانًا من غير أن تدرك عيونهم البلفك فإذا ارتفع الكتاب نحو السطح جبذه غلامه فقيد العصفور وقطع البلفك؛ حتى لا يرى ويرسل طائرًا إلى تلك القرية ليصلح الأمر وكذلك يفعل بالحمامة ويتحقق هذا في القلوب ولا يبقى شك. قال ابن عقيل: وإِنَّما ذكرت هذا لِيُعْلَمَ أنَّه قد ارْتَفَعَ القومُ إِلى التلاعُبِ بالأديانِ، فأَيُّ بقاءٍ للشريعةِ معَ هذه الحال (١)؟! قال المصنف: قلت: وابن الشَّبَّاش كان يكنى أبا عبد الله، الشَّبَّاش هو أبوه وكان يكنى أبا الحسن، واسم الشَّبَّاش: علي بن الحسين بن محمد البغدادي توفي بالبصرة سنة أربع وأربعين وأربع مائة وكان الشَّبَّاش وأبوه وعمه مستقرين بالبصرة (٢). وكانت مذاهبهم تَخْفَى على الناس، إلا أن الأغلب أنهم كانوا من الشيعة الإمامية والغلاة الباطنيَّة. وقد ذكرتُ في "التاريخِ" عن ابن الشَّبَّاش أنَّ بعض أصحابه انكشفت له

стр. 874

نارجياته (١)، ففارقه وبيَّن للناس أمره فكان مما حدث به عنه أنه قال: حضرنا يوما عنده وأخرج جَدْيًا مشويًا فلمَّا أكلناه أمر برد عظامه إلى التنور، فردت وترك على التنور طبقًا، ثم رفعه بعد ساعة فوجدنا جديًا حيًا يرعى حشيشًا ولم نر للنار أثرًا ولا للرماد خبرًا. قال: فتلطفتُ حتى عرفت وذلك أني وجدت ذلك التَّنور يفضي إلى سِرْدَاب وبينهما طَبَق حديد بلَوْلَب، فإذا أراد إزالة النَّار عنه فَرَكَهُ فينزل إليه ويترك مكانه طبقًا آخر مثله (٢). وقال المصنف ﵀: وقد رأينا في زماننا مَنْ يشير إلى الملائكة ويقول: هؤلاء ضيف مكرمون. يُوهِمُ أنَّ الملائكةَ قد حضرت ويقول لهم: تقدموا إليَّ. وأخذ رجلٌ في زماننا إبريقًا جديدًا فترك فيه عسلًا فتشَبَّثَ الخزف بطعم العسل، واستصحبَ الإبريقَ في سفره، فكان إذا غرف به الماء من النهر وسقى أصحابه وجدوا طَعْمَ العسل. وما في هؤلاء مَنْ يَعرفُ اللهَ ولا يخافُه، نعوذ بالله من الخذلان!

стр. 875

الباب الثاني عشر في ذكر تلبيس إبليس على العوام قال المصنف ﵀: قد بيَّنَّا أنَّ تلبيس إِبليسَ يَقْوى على مقدار قُوَّةِ الجهلِ، وقد افْتَنَّ فيما فَتَن به العوامَّ، وحَصْرُ ما فتَنَهُم به ولبَّسَ عليهِم فيهِ لا يمكِنُ ذِكْرُهُ؛ لكَثْرَتِه، وإِنَّما نذكُرُ مِن الأمَّهاتِ ما نستدل بهِ على جنسِهِ، واللهُ الموفِّقُ: • فمِنْ ذلك أنَّهُ يأْتي إِلى العامِّيِّ، فيحمِلُهُ على التفكُّرِ في ذاتِ اللهِ وصفاتِه، فيتشكَّكُ، وقد أَخبرَ رسولُ اللهِ ﷺ عن ذلكَ: أخبرنا ابن الحصين، قال: أنبأنا ابن المذهب، قال: أنبأنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة ﷺ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "تَسْأَلُون حتى يقال: هذا الله خَلَقَنَا، فمن خلق الله؟ ". قال: فقال أبو هريرة: فوالله إني لجالسٌ يومًا إذْ قالَ لي رجل من أهل العراق: هذا الله خلقنا فمن خلق الله؟ قال أبو هريرة: فجعلتُ أصبعي في أذني ثم صحتُ: صدق اللهُ ورسولُه، اللهُ الواحدُ الصمدُ لم يلدْ ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحدًا (١). أخبرنا عبد الله بن علي المقري، قال: أنبأنا جدي أبو منصور محمد بن أحمد الخياط، قال: أنبأنا الحسين بن عمر العلاف، قال: أنبأنا أبو حفص ابن شاهين، قال:

стр. 876

حدثني يحيى بن صاعد، قال: حدثنا الحسن بن عرفه، قال: حدثني عمار بن محمد، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الشَّيطانَ يأْتي أَحَدَكُم، فيقولُ: مَن خَلَقَكَ؟ فيقولُ: الله فيقولُ: مَن خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ؟ فيقولُ: الله فيقولُ: مَن خَلَقَ اللهَ؟! فإِذا وجَدَ أَحدُكم شيئًا مِن ذلك، فلْيَقُلْ: آمنتُ باللهِ ورسلِهِ" (١). قال المصنف ﵀: قُلْتُ: وإِنَّما وقَعَتْ هذه المحنةُ؛ لغَلَبَةِ الحسِّ، وهو أَنَّهُ ما رأى شيئًا إِلا مفعولًا، فلْيَقُلْ لهذا العامِّيِّ: أَلستَ تعلمُ أَنَّهُ خَلَقَ الزمانَ لا في زمانِ، والمكانَ لا في مكانِ، فإِذا كانت هذه الأرضُ وما فيها لا في مكانٍ، ولا تحتَها شيءٌ، وحِسُّكَ ينْفُرُ مِن هذا؛ لأَنَّهُ ما أَلِفَ شيئًا إِلا في مكانٍ، فلا يُطْلَبُ بالحسِّ من لا يُعْرَفُ بالحسِّ، وشاورْ عقلَكَ، فإِنَّهُ سليمُ المشاور (٢). • وتارةً يُلَبِّسُ إِبْلِيسُ على العوامِّ عندَ سماع صفاتِ الله ، فيَحْمِلونها على مقتضى الحِسِّ، فيعتقدونَ التشبيهَ. • وتارةً يُلَبِّسُ عليهِم مِن جهةِ العصبيَّةِ للمذاهِبِ، فترى العامِّيَّ يُلاعنُ ويُقاتِلُ في أَمرٍ ما يعرِفُ حقيقتَهُ. فمنهُم من يَخُصُّ بعصبِيَّتِهِ أَبا بكرٍ، ومنهُم من يَخُصُّ عليًا ﵄، وكم قد جرى في هذا مِن الحروبِ!

стр. 877

وقد جرى في هذا بينَ أَهلِ الكَرْخِ وأَهلِ بابِ البصرةِ على ممر (١) السنينَ مِن القتلِ وإِحراقِ المحالِّ ما يطولُ ذِكْرُهُ. وترى كثيرًا ممَّنَ يُخاصِمُ في هذا يَلْبَسُ الحريرَ، ويشربُ الخمرَ، ويقتلُ النفسَ، وأَبو بكرٍ وعليٌّ بريئانِ منهُم. • وقد يُحِسُّ العاميُّ من نفسهِ نوعَ فهمٍ، فيُسَوِّلُ لهُ إِبليسُ مخاصمةَ ربِّهِ، فمنهُم مَن يقولُ: كيفَ قضى وعاقَبَ؟ ومنهُمْ مَن يقولُ: لِمَ ضيَّقَ رِزْقَ المُتَّقي وأَوْسَعَ على العاصي؟ • ومنهُم من يشكُرُ على النِّعَمِ، فإِذا جاءَ البلاءُ اعْتَرَضَ وكَفَرَ. • ومنهُم من يقول: أي حكمة في هدم الأجسام بعد بنائها؟ • ومنهم من يستبعدُ البعثَ. • ومنهُم مَن يَخْتَلُّ عليه مقصود، أَو يُبْتَلى ببلاءٍ فيكْفُرُ، ويقولُ: أَنا ما أُريدُ أُصَلِّي. وربما غَلَبَ فاجرٌ مؤمنًا، فقَتَلَهُ، أَو ضَرَبَهُ، فيقولُ العوامُّ: قد غَلَبَ الصليبُ، ولماذا نُصَلِّي إِذا كانَ الأمرُ كذا؟! وكلُّ هذه الآفاتِ تمكَّنَ بها إِبليسُ؛ لِبُعْدِهِم عن العلمِ والعُلماءِ، فلو أَنَّهُم اسْتَفْهَموا أَهلَ العلمِ لأخبروهُم أَنَّ الله حكيمٌ ومالكٌ، فلا يَبْقَى مع هذا اعتراضٌ. فصل: • قال المصنف ﵀: ومن العوامِّ مَن يرضى عن عَقْلِ نفسِهِ، فلا يُبالي بمُخالَفَةِ العُلماءِ، فمتى خالَفَتْ فتواهُم غَرَضَهُ أَخذَ يردُّ عليهِم، ويقدَحُ فيهِم. وقد كانَ ابنُ عقيلٍ يقولُ: قد عِشْتُ هذه السنينَ، فلو أَدْخَلْتُ يدي في صنعةِ صانعٍ لقالَ: أَفْسَدْتَها عليَّ. فلو قلتُ: أَنا رجلٌ عالمٌ لقالَ: باركَ الله لك في عِلْمِكَ،

стр. 878

ليس هذا مِنْ شُغْلِكَ! هذا وشُغْلَهُ أَمرٌ حِسِّيٌّ، لو تعاطَيْتُه فهمْتُه، وما أنا فيهِ مِن الأمورِ أمرٌ عقلِىٌّ، فإِذا أَفتَيْتُهُ لم يَقْبَلْ! فصل: • قال المصنف ﵀: قلت: ومن تلبيسِهِ عليهِم تقديمُهُم المتزهِّدينَ على العُلماءِ، فلو رَأَوْا جُبَّةَ صوفٍ على أجهلِ الناسِ عَظَّموهُ، خُصوصًا إِذا طأْطَأَ رأْسَهُ، وتخشَّعَ، ويقولون: أَينَ هذا مِن فلانٍ العالِمِ؟ ذاكَ طالبُ الدُنيا! وهذا زاهدٌ لا يأْكُلُ عِنبَةً ولا رطبةً، ولا يتزوَّجُ قَطُّ؛ جَهْلًا منهُم بفَضْلِ العلمِ على الزهدِ، وإِيثارًا للمُتَزهِّدينَ على شريعةِ محمد ﷺ . ومن نعمَةِ اللهِ على هؤلاءِ أَنَّهُم لم يُدْركوا رسولَ اللهِ ﷺ ، إذ لو رأَوْهُ يُكْثِرُ التزويجَ، ويصطفي السَّبَايا، ويأْكُلُ لحمَ الدَّجاجِ (١)، ويُحِبُّ الحَلوى والعَسَلَ (٢)؛ لم يَعْظُم في صُدورِهِم! وقدحُهُم في العُلماءِ بتناوُلِ المباحاتِ، مِن أقبح الجهلِ. فصل: قال المصنف ﵀: وأكثرُ ميلِهِم إِلى الغُرباءِ، فهُم يُؤثِرونَهم على أَهلِ بلدِهِمْ مِمَّنْ قد خَبَروا أَمْرهُ، وعَرَفوا عقيدَتَهُ، فيَميلونَ إِلى الغريبِ، ولعلَّهُ مِن الباطنيَّةِ، وإِنَّما يَنْبَغي تسليمُ النفوسِ إِلى مَن قد خُبِرَت معرفتُهُ، قالَ الله : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا

стр. 879

فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، ومَنَّ الله سبحانَه في إرسال محمدٍ ﷺ إِلى الخلقِ بأَنَّهُم يعرِفون حالَهُ، فقالَ : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقالَ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] [الأنعام: ٢٠]. فصل: وقد يخرُجُ بالعوامِّ تعظيم المُتزَهِّدينَ إِلى قَبولِ دعاويهِم وإِنْ حَرَّفوا الشريعَةَ، وخَرَجوا عن حُدودِها، فترى المُتَنَمِّسَ (١) يقولُ للعامِّيِّ: أَنتَ فعلتَ بالأمسِ كذا، وسَيَجْري عليكَ غدًا كذا، فيُصَدِّقُهُ، ويقولُ: هذا يتكلَّمُ على الخاطِرِ. ولا يعلَمُ أَنَّ ادِّعاءَ علم الغيبِ كُفْرٌ. ثم يَرَوْنَ مِن هؤلاءِ المُتَنَمِّسينَ أُمورًا لا تَحِلُّ: كمؤاخاةِ النساءِ، والخَلْوَةِ بهِنَّ، ولا يُنْكِرونَ ذلك تسليمًا لهُم أَحوالهَمُ. فصل: • قالَ المصنف ﵀: ومنْ تَلبيسِ إبليس على العَوامِّ: إِطلاقُهُم أَنْفُسَهُم في المعاصي، فإِذا وُبِّخوا تَكَلَّموا كلامَ الزنادقةِ: ° فمنهُم مَن يقولُ: لا أَتركُ نَقْدًا لنسيئةٍ! ولو فَهِموا عَلِموا أَنَّ هذا ليسَ بنَقْدٍ، لأنَّهُ محُرمٌ واجب الترك وإِنَّما يُخَيَّرُ بينَ النقدِ والنسيئةِ المُباحَين، فمثَلُهم كمَثَلِ محمومٍ جاهلٍ يأْكُلُ العسلَ، وإِذا عُوتِبَ قالَ: الشهوةُ نقدٌ، والعافيةُ نسيئةٌ. ثم لو آمنوا لعَلِموا أَنَّ تلكَ النسيئةَ وعدٌ صادقٌ لا يُخْلَفُ، ولو عَمِلوا عَمَلَ التُّجَّارِ الذينَ يُخاطِرونَ بكثيرٍ مِن المالِ لمِا يرجُونَهُ مِن الربحِ القليلِ لعَلِموا أَنَّ ما

стр. 880

تركوهُ قليلٌ، وما يَرْجونَهُ كثيرٌ ولو أَنَّهُم ميَّزوا بينَ ما آثَروا وما أَفاتوا أَنفُسَهُم لَرَأَوْا تعجيلَ ما تَعَجَّلُوا إذ فاتهمُ الربحُ الدائِمُ وأَوقَعَهُم في العذابِ الذي هُو الخسرانُ المبينُ الذي لا يُتَلافى. ° ومنهُم مَن يقولُ: الربُّ كريمٌ، والعفوُ واسعٌ، والرجاءُ مِن الدِّينِ. فيُسَمُّونَ تَمَنِّيَهم واغتِرارَهُم رجاءً، وهذا الذي أَهْلَكَ عامَّةَ المُذْنِبينَ. قالَ أَبو عَمْرو بن العلاءِ: بَلَغَني أَنَّ الفرَزْدَقَ جلسَ إلِى قومٍ يتذاكرون رحمَةَ اللهِ، فكانَ أَوْسَعَهُم في الرجاءِ صَدْرًا. فقالوا لهُ: فلِمَ تقْذِفُ المُحْصَناتِ؟ فقالَ: أَخْبِروني لو أَذنَبْتُ إِلى والديَّ ما أَذنَبْتُهُ إِلى ربِّي أَتُراهُما كان يَطيبانِ نفسًا يَقْذِفاني في تَنُّورٍ مملوءٍ جَمْرًا؟ قالوا: لا، بل كانا يرحَمانِك. قالَ: فإِنِّي أَوْثَقُ برحْمَةِ ربِّي منهُما (١)! قالَ المصنف قلتُ: وهذا هو الجهْلُ المحْضُ؛ لأنَّ رحمةَ الله تعالى ليستْ برقَّةِ طبعٍ، ولو كانتْ كذلك لما ذُبِحَ عُصفورٌ، ولا أُميتَ طِفلٌ، ولا دخل أَحدٌ إِلى جهَنَّمَ. أخبرتنا شهدة بنت أحمد، قالت: أخبرنا جعفر بن أحمد السراج، قال: وجدت بخط محمد بن نصر بن أحمد بن مالك، يقول: حدثني أبو بكر محمد بن الفضل البزاز، قال: أنا بكر بن أحمد بن فرج بن عبد الرحيم، قال: أنا عَبَّاد، قالَ: قال الأصمَعِيُّ: كنتُ مع أَبي نُوَاسٍ بمكَّةَ، فإِذا أَنا بغُلامٍ أَمرد يستَلِمُ الحَجَرَ، فقالَ لي أَبو نُواسٍ: واللهِ لا أَبْرَحُ حتى أُقَبِّلَهُ عندَ الحَجَرِ، فقلتُ: ويْلَكَ! اتَّقِ اللهَ ، فإِنَّكَ في بلدٍ حرامٍ، وعندَ بيتِه. فقالَ: ما منهُ بدٌّ. ثم دَنَا من الحَجَرِ وجاء الغلام يستَلِمُهُ فبَادَرَ أبو نُواسٍ فوضَعَ خَدَّهُ على خَدِّ الغُلامِ، وقبَّلَهُ والله وأَنا أَرى، فقلتُ: ويلكَ! في حَرَمِ الله . فقالَ: دع ذا عنكَ، فإِنَّ ربِّي رحيمٌ. ثم أَنشأ يقولُ:
следующие страницы →