← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 11305

عناية العلماء بالإسناد وعلم الجرح والتعديل - صالح الرفاعي

صالح حامد الرفاعي

Полный текст (72 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

عناية العلماء بالإسناد وعلم الجرح والتعديل وأثر ذلك في حفظ السنة النبوية تأليف: صالح بن حامد الرفاعي ال مقدمة: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فإن الله أرسل رسوله محمداً ﷺ إلى الناس كافة، وجعله خاتم النبيين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] . واختار له الإسلام دينا، وجعله ناسخا لما سبقه من الأديان، ولا يَقبل من أحد ديناً سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] . فمحمد ﷺ خاتم الأنبياء، والإسلام آخر الأديان، فلا تنتظر البشرية نبياً جديداً، ولا ديناً جديداً. من أجل ذلك تكفل الله بحفظ مصدرَي التشريع في هذا الدين: القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، حتى يبقى هذا الدين غضاً طرياً للأجيال المتعاقبة، سليماً من التحريف والتبديل الذي حصل في الأديان السابقة. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] . وهذا الحفظ يشمل القرآن والسنة. فأما القرآن فقد هيأ الله أسباب حفظه على يدي رسول الله ﷺ ، إذ كان ﵊ يقرأ

стр. 2

ما أُنزل إليه من القرآن على أصحابه فيحفظونه، وكان يأمر أيضاً بكتابة ما يُنَزَّل عليه منه في حينه، فَحُفِظَ القرآن في الصدور وفي السطور في عهده ﷺ وتواتر نقله عنه ﷺ (١) . وأما السنة فقد نهى النبي ﷺ في أول الأمر أن يكتب عنه شيء غير القرآن، ثم أذن في الكتابة بعد ذلك (٢) ، فكتب بعض الصحابة أحاديث في صحف، ولكن هذه الكتابة لم تكن شاملة، وإنما اقتصرت على بعض الأحاديث (٣) ، وكان جل اعتمادهم في رواية الحديث على الحفظ، ولله الحكمة البالغة في ذلك، فقد شاء الله أن تحفظ السنة النبوية بجهود علماء الحديث ورواته، إذ قَيَّضهم الله لذلك، فقامت في القرون الثلاثة الأولى نهضة علمية فريدة، شملت أقطار العالم الإسلامي في ذلك الوقت، ونشأت علوم تفتخر الأمة الإسلامية بها، بل انفردت بها عن غيرها من الأمم، كان لها أثر عظيم في حفظ السنة النبوية، فمن تلك العلوم: علم الإسناد، وعلم الجرح والتعديل (علم الرجال) . وفي هذا البحث أُلمح إلى شيء من عناية العلماء بهذين العلمين، وأثر ذلك في حفظ السنة النبوية.

стр. 3

وقد جعلته - بعد المقدمة - في فصلين: الفصل الأول: عناية العلماء بالإسناد وأثر ذلك في حفظ السنة النبوية وفيه أربعة مباحث ١. تعريف الإسناد. ٢. الإسناد من خصائص الأمة الإسلامية. ٣. أهمية الإسناد وعناية العلماء به. ٤. أثر عناية العلماء بالإسناد في حفظ السنة النبوية. الفصل الثاني: عناية العلماء بعلم الجرح والتعديل وأثره في حفظ السنة النبوية وفيه أربعة مباحث: ١. تعريف علم الجرح والتعديل. ٢. ظهور علم الجرح والتعديل والأسباب التي أدت إلى ظهوره. ٣. عناية العلماء بعلم الجرح والتعديل. ٤. أثر هذه العناية في حفظ السنة النبوية. وأختم البحث بخاتمة تتضمن نتائج البحث والتوصيات التي ظهرت لي. ولا يفوتني في هذا المقام أن أشكر القائمين على مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف على مبادرتهم لعقد هذه الندوة بعنوان: (عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية) . وهذا البحث ثمرة من ثمراتها. أسأل الله أن ينفع به كاتبه وكل من قرأه. إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 4

الفصل الأول: عناية العلماء بالإسناد وأثر ذلك في حفظ السنة النبوية المبحث الأول: تعريف الإسناد ... المبحث الأول: تعريف الإسناد الإسناد في اللغة: مصدر أَسْنَدَ. تقول: أَسْنَدَ في الجِبل: صَعِد فيه (١) . والسَّنَدُ لغةً: ما قابلك من الجبل، وعلا عن السفح (٢) . فالإسناد في اللغة: هو عملية الصعود في ذلك السند. وفي الاصطلاح: حكاية طريق المتن (٣) . وقال بعض العلماء: "هو رفع الحديث إلى قائله" (٤) ومعناهما واحد. وطريق المتن يسمى: السَّنَد (٥) ، وهم الرواة الذين نقلوا ذلك المتن. وسُمِّي سنداً، لاعتماد الحفاظ عليه في الحكم على المتن بالصحة أو الضعف (٦) ، مثال ذلك: قول الإمام البخاري في صحيحه: "حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يُؤْمِنُ أَحدكُم حتى يُحبَّ لأَخيهِ ما يحبُّ لِنفْسِهِ" (٧) .

стр. 5

فالمتن قوله ﷺ : "لايؤمن أحدكم ... " الحديث. والسند هم رواة المتن: مسدد، يحيى، شعبة، قتادة، أنس. والإسناد هو قول البخاري: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ (١) . والعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة، حيث إن عملية الصعود من أسفل الجبل إلى أعلاه يتطلب التدرج في الصعود شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى أعلاه، وكذلك إسناد الحديث إلى قائله يبدأ الراوي به من شيخه ثم شيخ شيخه ... وهكذا يرتقي من شيخ إلى آخر حتى يصل إلى منتهاه. والإسناد بهذا المعنى هو المراد بقول بعض العلماء: "الإسناد من الدين" وقولهم: "الإسناد من خصائص هذه الأمة" كما سيأتي في المباحث الآتية. ويأتي الإسناد -أيضاً- بمعنى السند يقال: هذا حديث له إسنادان. يعني: له طريقان (٢) ، والسياق يبين المراد.

стр. 6

المبحث الثاني: الإسناد من خصائص الأُمة الإسلامية أكرم الله الأُمَّة الإسلامية بخصائص كثيرة (١) ، فضلها بها على غيرها من الأمم، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] . وقال رسول الله ﷺ : "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله". رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وإسناده حسن (٢) . ومما خص الله به هذه الأمة: الإسناد، نقل الثقة، عن الثقة حتى يبلغ به النبي ﷺ . هذه الخَصيْصة انفردت بها هذه الأمة، وامتازت بها عن غيرها من الأمم. روى الخطيب البغدادي، عن محمد بن حاتم بن المظفر أنه قال: "إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد، وإنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات ... " (٣) .

стр. 7

وقد صرح بذلك أيضاً: أبو محمد أحمد بن علي بن حزم، وأبو بكر بن العربي وغيرهما (١) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "علم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد ﷺ ، وجعله سُلَّماً إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأُمَّة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لِمَنْ أعظم الله عليه المِنَّة، أهل الإسلام والسُّنَّة، يُفرقون به بين الصحيح والسقيم، والمُعْوَجِّ والقويم ... " (٢) . ومما يوضح ذلك ما قام به العلاَّمة رحمت الله الهندي في كتابه الماتع: "إظهار الحق" حيث عقد فصلاً في بيان أن أهل الكتاب لا يوجد عندهم سند متصل لكتاب من كتب العهد العتيق والجديد. وقد استعرض جملة من كتبهم بدءاً بالتوراة ومروراً بالأناجيل المشهورة عندهم، في دراسة نقدية دقيقة تقع في (٥٩) صفحة، ختمها بقوله: "فظهر مما ذكرت للناظر اللبيب أنه لا يوجد سند متصل عندهم لا لكتب العهد العتيق، ولا لكتب العهد الجديد ... " (٣) . وقد أدرك المسلمون ولله الحمد – منذ الصدر الأول أهمية الإسناد، وقَدَّروا هذه النعمة حق قدرها فعملوا على العناية بالأسانيد، والتزام الرواية بها، وذم من يتساهل بها أو يفرِّط فيها، فعظم النفع بها، وأثمرت تلك العناية ثماراً يانعة، كما سيأتي في المباحث اللاحقة إن شاء الله.

стр. 8

المبحث الثالث: أهمية الإسناد وعناية العلماء به تقدم في المبحث السابق أن الإسناد خَصِيْصَة من خصائص هذه الأمة، وأن الأُمم السابقة لم يعتنوا بالأسانيد، ولم يعتمدوا في أخذ دينهم على نقل الثقة، عن الثقة، لذلك وقع التحريف في كتبهم، وأُدخل عليهم في دينهم ما ليس منه (١) . وقد أرشدنا الله في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله الأمين ﷺ إلى تحري الصدق والحذر من الكذب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] . وقال رسول الله ﷺ : "من كذب عليَّ متعمداً فَلْيتبوَّأْ مقعده من النار". رواه البخاري ومسلم (٢) . وقال رسول الله ﷺ : "من حدث عنِّي بحديث يُرَى أنه كذبٌ فهو أحد الكاذِبِين" رواه مسلم في مقدمة صحيحه (٣) .

стр. 9

ولا سبيل إلى تحري الصدق في نقل الأخبار والابتعاد عن الكذب إلا بالاعتماد على رواية الثقات، وطرح رواية غيرهم. وقد حرص سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم على التحري في نقل الأخبار، ومواقفهم وكلامهم في هذا المعنى كثير. فمن ذلك: أن بُشَير بن كعب العدوي جاء إلى عبد الله بن عباس ﵄ فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ . قال رسول الله ﷺ . فجعل ابن عباس ﵁ لا يأذَنُ لحديثه (١) ، ولا ينظر إليه، فقال: يا بن عباس، مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أُحدِّثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع؟! فقال ابن عباس ﵁: إنَّا كُنَّا مَرَّةً إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدَرَتْه أبصارُنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما رَكِبَ الناس الصعبَ والذلول (٢) ، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف. رواه مسلم في مقدمة صحيحه (٣) . ويوضح قول ابن عباس هذا ما قاله محمد بن سيرين ﵀: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم، فَيُنْظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (٤) . وهذا يبين أن الحديث لما كان يدور بين الصحابة ﵃، ويُحدِّث بعضهم بعضاً لم يكونوا يحتاجون أن يسألوا عن الإسناد؛ لأن الصحابة ﵃ كلهم عدول (٥) .

стр. 10

فلما فتحت الفتوحات وانتشر الإسلام بعد وفاة الرسول ﷺ ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، منهم من دخل فيه رغبة، ومنهم من دخل فيه رهبة، ومنهم من أظهر الإسلام لكيد المسلمين وبث الفرقة والشقاق بينهم كعبد الله ابن سبأ اليهودي، الذي أظهر الإسلام في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، وكان له دور كبير في إشعال الفتن في آخر خلافته، مما أدى إلى استشهاده ﵁، وما أعقب ذلك من فتن (١) . لذلك احتاط الصحابة والتابعون في قبول الأخبار فلم يقبلوها إلاّ ممن عرفوا صدقه وعدالته، كما تقدم في قول ابن عباس ﵄، وقول ابن سيرين ﵀. وقد سلك مسلكهم في الاحتياط في قبول الأخبار من جاء بعدهم من علماء أهل السنة من أتباع التابعين ومن بعدهم، واعتنوا بالأسانيد أيَّما عناية: فرحلوا في طلبها، وحفظوها، وحدثوا بها كما سمعوها، وحثوا تلاميذهم على العناية بها، وحذروهم من التساهل فيها، وتكلموا فيمن أخلَّ بها، وأقوالهم وتصرفاتهم ناطقة بذلك. قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري ﵀: "فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له - يعني أهل الحديث - وكثرة مواظبتهم على حفظه؛ لدَرَسَ منارُ الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع منه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تَعرَّت عن وجود الأسانيد فيها كانت بُتْراً" (٢) .

стр. 11

ثم روى بإسناده: "عن عتبة بن أبي حكيم أنه كان عند إسحاق بن أبي فروة، وعنده الزهري (١) ، قال: فجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله ﷺ . قال رسول الله ﷺ . فقال له الزهري: قاتلك الله يا بن أبي فروة، ما أجرأك على الله! لا تُسْندُ حديثك؟! تحدثنا بأحاديث ليس لها خُطُم ولا أَزِمَّة" (٢) . شبَّه الأسانيد بالخُطُم والأزمة للدواب، فالدابة التي ليس لها خطام تُمْسَك به تتفلت من صاحبها، ولا تنقاد له. وقال عبد الله بن المبارك ﵀: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". رواه مسلم في مقدمة صحيحه (٣) ، وروى عنه أيضاً أنه قال: "بيننا وبين القوم القوائم" يعني الإسناد (٤) . قال النووي ﵀: "ومعنى هذا الكلام: إن جاء بإسناد صحيح قبلنا حديثه، وإلا تركناه، فجعل الحديث كالحيوان، لا يقوم بغير إسناد، كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم" (٥) يعني: بغير أرجل. وكلامهم في هذا المعنى كثير (٦) ، وهو يدل على أهمية الإسناد، ويدل أيضاً

стр. 12

على عنايتهم به، لأن عليه مدار معرفة صحة الحديث وضعفه، قال أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني (ت ٥٦٢هـ) : "وألفاظ رسول الله ﷺ لا بد لها من النقل، ولا تعرف صحتها إلا بالإسناد الصحيح، والصحة في الإسناد لا تعرف إلا برواية الثقة، عن الثقة، والعدل، عن العدل" (١) .

стр. 13

المبحث الرابع: أثر عناية العلماء بالإسناد في حفظ السنة النبوية ألمحت في المباحث السابقة إلى أهمية الإسناد وعناية العلماء به، ولا شك أن هذه العناية أثمرت ثماراً طيبة، وكان لها أكبر الأثر في حفظ السنة النبوية، ولا يمكن تعداد هذه الثمار واستيعابها في هذه العجالة، ولكن أذكر نماذج لتلك العناية وأثرها في حفظ السنة النبوية. فمن ذلك: أولاً: الرحلة في طلب الحديث، وهي ثمرة من ثمار العناية بالإسناد حيث نشط المحدثون في الأسفار، وقطعوا الفيافي والقفار في طلب الحديث وجمعه من أفواه الرجال، فربما رحل الرجل الأيام والليالي في طلب حديث واحد (١) ، ولهم قصص مشهورة في ذلك تدل على حرصهم واجتهادهم في طلب الحديث وتدوينه (٢) ، وكم من رجل لو لم يقيض الله المحدثين للرحلة إليه والأخذ عنه، لمات حديثه معه، ولم يستفد منه أحد. ومن فوائد الرحلة في طلب الحديث أيضاً: تحصيل الأسانيد العالية بمشافهة كبار الشيوخ، وتقليل الوسائط في نقل الحديث، فيكون أقرب إلى السلامة من الخلل، وفي ذلك حفظ للسنة (٣) .

стр. 14

ومنها: تكثير طرق الحديث الواحد بسماعه من عدد من الشيوخ في أماكن مختلفة، فقد يوجد في بعض الطرق ما لا يوجد في الطرق الأخرى، والحديث يتقوى بكثرة الطرق. قال الإمام أحمد بن حنبل: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضُه بعضاً" (١) . ثانياً: عُني المحدثون بسلاسل الأسانيد وأصبحت معروفة لديهم، فميزوا بين مراتبها، وحفظوا أحاديثها، فمن رام إدخال حديث فيها ليس منها كشفوا أمره، ووجهوا سهام النقد إليه، ولم تقتصر عنايتهم على سلاسل الأحاديث الصحيحة، بل عُنوا أيضاً بسلاسل الأحاديث الضعيفة والموضوعة فحفظوها؛ خشية أن تختلط بالأحاديث الصحيحة، فاستطاعوا بذلك التمييز بين الصحيح والسقيم، وحفظ الله السنة النبوية بتلك الجهود المباركة، فمن ذلك على سبيل التمثيل: ١ ـ أصح الأسانيد (٢) مثل: مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄. ومحمد بن سيرين، عن عَبيدة السلماني، عن علي بن أبي طالب ﵁. ٢ ـ الأسانيد التي لا يثبت منها إلا شيء يسير، مع أنه قد روي بها أكثر من ذلك (٣) مثل:

стр. 15

الزبير بن عدي، عن أنس، عن النبي ﷺ . له عنه أربعة أحاديث أو خمسة، وروى محمد بن زياد بن زَبَّار، عن بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي، عن أنس نحو عشرين حديثاً مسندة. قال أبو حاتم الرازي: "هي أحاديث موضوعة، ليس يُعرف للزبير، عن أنس، عن النبي ﷺ إلا أربعة أحاديث أو خمسة أحاديث ... " (١) . وقال ابن حبان في ترجمة بشر بن الحسين: "يروي عن الزبير بن عدي نسخة موضوعة، ما لكثير حديث منها أصل يرويها عن الزبير، عن أنس، شبيها بمائة وخمسين حديثاً مسانيد كلها ... روى عنه حجاج بن يوسف بن قتيبة تلك النسخة" (٢) . ٣ ـ الأسانيد التي لا يثبت منها شيء - مع ثقة رجالها – مثل: قتادة، عن الحسن البصري، عن أنس بن مالك ﵁. هذه السلسلة قال البرديجي: "لا يثبت منها حديث أصلاً من رواية الثقات" (٣) . ٤ ـ أوهى الأسانيد، مثل: أوهى أسانيد أهل البيت: عمرو بن شَمِر، عن جابر الجعفي، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب ﵁ (٤) .

стр. 16

وهذه الأقوال المتقدمة وغيرها كثير، يدل على عناية المحدثين بالأسانيد، وحفظهم لها، ويدل أيضاً على استقراء تام، وتتبع دقيق، حصل لهم بعد طول ممارسة وعناء شديد في الجمع والتحصيل. "وكيف لا يكونون كذلك؟! وقد نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة، وسَمَرهم المعارضة، واسترواحَهم المذاكرة، وخَلوقَهم المِدَاد، ونومَهم السُّهَاد (١) ، واصطلاءهم الضياء، وتوسدَهم الحصى، فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء، ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بُؤس، فعقولهم بلذاذة السنة غامرة، وقلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة، تَعلُّم السنن سرورهم، ومجالس العلم حبورهم، وأهل السُّنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم" (٢) . ومن آثار العناية بالأسانيد: ثالثاً:- القدر الهائل من الكتب الحديثية المسندة، من صحاح، وسنن، ومسانيد، وموطآت، ومصنفات، وجوامع، ومستخرجات ومستدركات، ومعاجم، وفوائد، وأمالٍ، وأجزاء ... وغيرها كثير (٣) ، عُني مؤلفوها برواية الأحاديث والآثار الواردة فيها بالأسانيد، وتشغل تلك الأسانيد حيزاً كبيرا من الكتب المذكورة، بحيث لو جردت من أسانيدها لصارت في ربع حجمها

стр. 17

الأصلي، وثلاثة أرباعها أسانيد (١) ، وهذا فيه دلالة واضحة على أهمية الأسانيد ودورها في حفظ السنة النبوية. رابعاً:- لما طالت الأسانيد على المتأخرين تعذر عليهم رواية كل حديث بإسناده إلى النبي ﷺ ، لذلك لجؤوا إلى رواية الكتب بأسانيدهم إلى مؤلفيها، فإذا اتصل إسناد أحدهم إلى مؤلف الكتاب حُقَّ له أن يروي أي حديث في ذلك الكتاب بإسناده إلى منتهاه. لذلك طرق العلماء أبواباً أخرى في التأليف، وصنفوا كتباً عُنيت بسلاسل أسانيد الكتب إلى مؤلفيها - وهي ثمرة أخرى من ثمار الاهتمام بالأسانيد - وهذه الكتب هي كتب معاجم الشيوخ، والمشيخات، والفهارس، والبرامج، والأثبات، وهي كثيرة جداً تزيد على ألفي كتاب (٢) ، وهي من مفاخر الأمة الإسلامية وخَصِيصة من خصائصها تبعاً لاختصاص هذه الأمة بالإسناد، كما تقدم في المبحث الثاني. قال الحافظ ابن حجر: "سمعت بعض الفضلاء يقول: الأسانيد أنساب الكتب" (٣) . وبعد ... فقد تقدم في المباحث السابقة نبذة عن أهمية الإسناد وعناية العلماء به، وأثر هذه العناية في حفظ السنة النبوية، وهنا أسئلة تطرح نفسها لها تعلق وثيق بما تقدم، منها:

стр. 18

إن هؤلاء الرواة الذين يرد ذكرهم في الأسانيد منهم الصادق ومنهم الكاذب، فكيف نميز بين الصادق والكاذب؟ وأيضاً فإن الصادقين منهم يتفاوتون في ضبطهم وإتقانهم لما يروونه، فكيف نعرف الضابط من غيره؟ وكذلك فإن الضابط منهم قد يطرأ عليه ما يغير ضبطه في فترة من حياته، فكيف يتميز حديثه في حال ضبطه وحال تغيره؟، ومن الرواة من يروي عمن فوقه ولم يسمع منهم، فكيف نميز بين من سمع منهم ومن لم يسمع منهم؟. ثم إن رواة الحديث كثيرون جداً، ويحصل الاتفاق بين بعض الأسماء وتتشابه أسماء آخرين، ولم يكن في كتابة كثير من المتقدمين ضبط بالنقط والشكل، فربما يحصل اشتباه بين هذه الأسماء فكيف نميز بينها؟ وكيف نتأكد من سلامتها من التصحيف والتحريف؟ إلى غير ذلك من الأسئلة، التي تدور حول هؤلاء الرواة، وحُق للسائل أن يسأل هذه الأسئلة ويعرف الجواب عليها. وقد تنبَّه المحدثون ﵏ لهذا، وأنشؤوا علما آخر هو ثمرة من ثمار اهتمامهم بالإسناد، ألا وهو علم الجرح والتعديل. وهو موضوع الفصل الآتي.

стр. 19

الفصل الثاني: علم الجرح والتعديل وأثره في حفظ السنة النبوية المبحث الأول: تعريف علم الجرح والتعديل ... المبحث الأول: تعريف علم الجرح والتعديل أولاً: تعريف الجرح: الجرح في اللغة: يدل على شيئين: الكسب، وشق الجلد. فالأول قولهم: اجترح إذا عمل وكَسَبَ. والثاني قولهم: جرحه بحديدة جَرْحاً (١) . وفي الاصطلاح: وصف الراوي بما يقتضي رد روايته. والرد إما أن يكون مطلقا كرواية الكذاب ومن ضُعف تضعيفاً شديداً، وإما أن يكون مقيداً بتفرد الراوي وعدم وجود المتابع أو الشاهد. كرواية "صدوق سيئ الحفظ" أو المختلط بعد الاختلاط ونحوهما (٢) . والعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: أن اكتساب الراوي ما ينافي العدالة مدعاة لأن يجرحه الناس ويهتكوا حرمته (٣) . ثانياً: تعريف التعديل: التعديل: لغة من العَدْل، وهو ما قام في النفوس أنه مستقيم. وتعديل الشيء: تقويمه، بحيث يكون مستقيماً (٤) . وفي الاصطلاح: وصف الراوي بما يقتضي قبول روايته (٥) .

стр. 20

ثالثاً: تعريف علم الجرح والتعديل ومراتب ألفاظه: هو علم يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ مخصوصة، وعن مراتب تلك الألفاظ (١) . والألفاظ المخصوصة هي: ألفاظ التعديل وألفاظ التجريح، وهي كثيرة، فمثال ألفاظ التعديل: ثقة، ثَبْتٌ، صدوق. ومثال ألفاظ التجريح: ضعيف، متروك، كذاب. وألفاظ التعديل منها ما يدل على المرتبة العليا في التثبت والضبط، ومنها ما يدلُّ على المرتبة الدنيا، وبينهما مراتب متفاوتة. وكذلك ألفاظ التجريح، منها ما يدل على أسوأ التجريح، ومنها ما يدل على أدناه، وبينهما مراتب متفاوتة أيضاً (٢) . وأول من ذكر هَذه المراتب أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت٣٢٧هـ) حيث قال في مقدمة كتابه "الجرح والتعديل": "وجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى، فإذا قيل للواحد: إنه ثقة، أو متقن، ثبت، فهو ممن يُحتج بحديثه. وإذا قيل له: إنه صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به، فهو ممن يُكتب حديثه ويُنظر فيه، وهي المنزلة الثانية. وإذا قيل: شيخ، فهو بالمنزلة الثالثة، يُكتب حديثه ويُنظر فيه، إلا أنه دون الثانية.

стр. 21

وإذا قيل: صالح الحديث، فإنه يكتب حديثه للاعتبار" (١) . فهذه مراتب التعديل عند أبي حاتم ﵀، جعلها أربع مراتب، ثم ذكر مراتب التجريح، فجعلها أربع مراتب أيضاً، فقال ﵀: "وإذا أجابوا في الرجل بليِّن الحديث، فهو ممن يُكتب حديثه ويُنظر فيه اعتباراً. وإذا قالوا: ليس بقوي، فهو بمتزلة الأول في كتبة حديثه، إلا أنه دونه. وإذا قالوا: ضعيف الحديث، فهو دون الثاني، لا يطرح حديثه، بل يُعتبر به. وإذا قالوا: متروك الحديث، أو ذاهب الحديث، أو كذاب، فهو ساقط الحديث، لا يُكتب حديثه، وهي المنزلة الرابعة" (٢) . وأضاف أبو عمرو بن الصلاح (ت ٦٤٣هـ) ، وشمس الدين الذهبي (ت٧٤٨هـ) ، وزين الدين العراقي (ت٨٠٦هـ) ألفاظاً أخرى. وزاد الذهبي والعراقي مرتبة خامسة في مراتب التجريح (٣) ، وتلاهم الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ) فأضاف إضافات مهمة في الألفاظ والمراتب (٤) . ثم جاء شمس الدين السخاوي (ت٩٠٢هـ) فاستفاد من هذه الجهود المتقدمة فقسم كلاً من ألفاظ التعديل وألفاظ التجريح إلى ست مراتب،

стр. 22

وعليها استقر العمل، وهذه المراتب هي: أولاً: مراتب ألفاظ التعديل: المرتبة الأولى: ما أتى بصيغة أفعل، كأن يقال: أوثق الناس أو أثبت الناس، أو إليه المنتهى في التثبت، ويحتمل أن يلحق بها: لا أعرف له نظيراً في الدنيا. المرتبة الثانية: فلان لا يسأل عن مثله، ونحو ذلك. المرتبة الثالثة: ثقة ثبت، أو ثبت حجة، أو ثقة ثقة. المرتبة الرابعة: ثقة، أو ثبت، كأنه مصحف، أو فلان متقن أو حجة، وكذا إذا قيل للعدل: حافظ، أو ضابط. المرتبة الخامسة: ليس به بأس، أو لا بأس به، أو صدوق، أو مأمون، أو خيار. المرتبة السادسة: محله الصدق، ورووا عنه، أو روى الناس عنه، أو يروى عنه، أو إلى الصدق ما هو (١) ، وكذا شيخ وسط، أو وسط، أو شيخ، ومقارب الحديث – بكسر الراء – ومقارب الحديث – بفتحها (٢) -، وصالح الحديث، أو جيد الحديث، أو حسن الحديث، أو ما أقرب حديثه، أو صويلح، أو صدوق إن شاء الله، أو أرجو أن لا بأس به، أو يكتب حديثه، فَطِن كَيّس، ما علمت فيه جرحاً، ما أعلم به بأساً.

стр. 23

ثانياً: مراتب ألفاظ التجريح: المرتبة الأولى: أكذب الناس، أو إليه المنتهى في الوضع، أو هو ركن الكذب، ونحو ذلك. المرتبة الثانية: كذاب، أو يضع الحديث على رسول الله ﷺ ، أو يكذب، أو وضاع، أو دجال، أو وضع حديثاً. المرتبة الثالثة: فلان يسرق الحديث، أو متهم بالكذب، أو بالوضع، أو ساقط، أو هالك، أو ذاهب الحديث، أو متروك، أو تركوه، أو مجمع على تركه، أو هو على يدي عدل (١) ، أو مودٍ - بالتخفيف -، أو فيه نظر أو سكتوا عنه عند البخاري، أو فلان لا يعتبر به، أو لا يعتبر بحديثه، أو ليس بالثقة، أو ليس بثقة، أو غير ثقة ولا مأمون. المرتبة الرابعة: فلان رُدّ حديثه، أو ردوا حديثه، أو مردود الحديث، أو ضعيف جداً، أو واهٍ بمرة، أو تالف، أو طرحوا حديثه، أو ارمِ به، أو مطَّرح، أو مطّرح الحديث، أو لا يُكتب حديثه، أو لا تحل كتبة حديثه، أو لا تحل الرواية عنه، أو ليس بشيء، أو لا شيء، أو لا يساوي فلساً، أو لا يساوي شيئاً. المرتبة الخامسة: فلان ضعيف، أو منكر الحديث، أو حديثه منكر، أو له ما يُنكَر، أو له مناكير، أو مضطرب الحديث، أو واهٍ، أو ضعَّفوه، أو لا يحتج به.

стр. 24

المرتبة السادسة: فلان فيه مقال، أو أدنى مقال، أو ضُعِّف، أو فيه ضعف، أو في حديثه ضعف، أو تُنْكِر وتَعْرِف، أو ليس بذاك، أو ليس بذاك القوي، أو ليس بالمتين، أو ليس بالقوي، أو ليس بحجة، أو ليس بعمدة، أو ليس بمأمون، أو ليس من إبل القباب (١) ، ونحوه ليس من جمال المحامل، أو ليس بالمرضي، أو ليس يحمدونه، أو ليس بالحافظ، أو غيره أوثق منه، أو في حديثه شيء، أو مجهول، أو فيه جهالة، أو لا أدري ما هو، أو للضعف ما هو، أو فيه خُلْف، أو طعنوا فيه، أو مطعون فيه، أو نزكوه (٢) ، أو فلان سيئ الحفظ، أو ليّن، أو ليّن الحديث، أو فيه لين، أو تكلموا فيه، وكذا سكتوا عنه أو فيه نظر من غير البخاري. والحكم في المراتب الأربع الأول من ألفاظ التجريح أنه لا يحتج بواحد من أهلها، ولا يستشهد به ولا يُعتبر به ... وما عدا الأربع ... يخرج حديثه للاعتبار، لإشعار هذه الصيغ بصلاحية المتصف بها لذلك وعدم منافاتها لها" (٣) .

стр. 25

المبحث الثاني: ظهور علم الجرح والتعديل والأسباب التي أدت إلى ظهوره تقدم القول في تحري الصحابة ﵃ والتابعين واحتياطهم في نقل الأخبار، ولاسيما بعد وقوع الفتن في آخر خلافة الخليفة الراشد عثمان ابن عفان ﵁، وما أعقب ذلك من الفتن السياسية (١) . وواكب تلك الفتن السياسية ظهور بعض البدع والأهواء، فـ "نبغ في آخر خلافة النبوة بدعتان متقابلتان تقابل المغضوب عليهم والضالين: الخوارج يُكفِّرون الخليفتين ومن تولاهما، ويحلُّون دماء أهل القبلة، ويفعلون بأهل الايمان فعل اليهود بالنبيين. والروافض يَغْلُون فيمن يستحق الولاية والمحبة، فيطرونه إطراء النصارى، حتى وصفوا البشر بالإلهية، وألحقوا الأئمة بالمرسلين ... " (٢) . وحدثت أيضاً بدعتان أخريان متقابلتان: القدرية الذين "عظَّموا أمر المعاصي حتى أوجبوا نفوذ الوعيد بجميع أهل الكبائر، أو جميع المذنبين، ومنعوا شفاعة الشفعاء ورحمة أرحم الراحمين، وأَعْظموا أن يكون الله قدَّرها أو شاءها أو يسرها، وسلبوا الإيمان بالكلية لمن اتصف بها من المسلمين" (٣) . والمرجئة الذين "استخفوا بأمر الواجبات والمحرمات، حتى استبعد بعضهم نفوذ الوعيد على الكبائر الموبقات ... " (٤) .

стр. 26

وقد تضافرت جهود الصحابة ﵃ والتابعين للتصدي لهؤلاء والتحذير منهم ومن بدعهم. روى مسلم في صحيحه عن يحيى بن يَعْمَر قال: "كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجُهَني، فانطلقت أنا وحُمَيد بن عبد الرحمن الحِمْيري حاجَّين أو مُعْتَمِرَين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عمَّا يقول هؤلاء في القدر، فَوُفِّقَ لنا عبد الله بن عمر ابن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبَلَنا ناس يقرؤون القرآن، ويتقفرون العلم (١) - وذكر من شأنهم - وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُف (٢) . قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريءٌ منهم، وأنهم بُرآء مني. والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أُحُد ذهباً فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر" (٣) . فهذا الخبر يبين حسن تصرف هذين التابعيين رحمهما الله في الرجوع إلى أهل العلم وسؤالهم عن هؤلاء المبتدعة، ويبين أيضاً موقف عبد الله بن عمر ﵄ في البراءة من هؤلاء حتى لا يُغْتَرَّ بهم، وهذا قدح فيهم، وتحذير منهم.

стр. 27

وتقدم قول ابن عباس ﵄: " ... فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" (١) . وقوله هذا ﵁ كناية عمّا وقع فيه بعض الناس من الفتن والبدع والأهواء السابقة. والإعراض عنهم، وعدم السماع منهم قدح فيهم، لأنهم ليسوا أهلاً للأخذ عنهم. ومثل هذا القولُ المتقدم عن ابن سيرين ﵀: " ... فلما وقعت الفتنة قالوا سَمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (٢) . وهذا الفعل منهم نظر في أحوال الرواة وتمييز لمن يستحق القبول، فيقبل حديثه، ومن يستحق الرد فيرد حديثه. وقال التابعي الجليل عروة بن الزبير بن العوام ﵀ ورضي عن أبيه: "إني لأسمع الحديث أستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به، وذاك أني أسمعه من الرجل لا أثق به، قد حدث عمن أثق به، أو أسمعه من رجل أثق به، عمن لا أثق به، فأدعه لا أحدث به" (٣) . وهكذا تكلم في الرواة من التابعين أيضاً عامر بن شراحيل الشعبي، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وطاوس بن كيسان وغيرهم (٤) .

стр. 28

إلا أن كلامهم في الرواة قليل، لقلة الحاجة إليه في ذلك الزمان، لأن الرواية تدور على الصحابة وكبار التابعين، والطبقة الوسطى منهم (١) . ثم نشط المحدثون في المائة الثانية وما بعدها في التنقيب عن أحوال الرواة، وفارقوا الأهل والأوطان، وآثروا الترحال لمشافهة الرواة، والتعرف على أحوالهم عن كثب، ولم يقتصروا على ذلك، بل كانوا يسألون عن أحوال الرواة ويتناقلون الكلام فيهم، ويروونه عن مشايخهم، كما يروون الأحاديث النبوية. وهكذا نشأ علم الجرح والتعديل بتلك الجهود العظيمة التي بذلها علماء الحديث، وأصبح علماً قائماً بذاته، تفتخر به الأمة الإسلامية على غيرها من الأمم. وفي الفصل الآتي عرض موجز لأهم تلك الجهود.

стр. 29

المبحث الثالث: عناية العلماء بعلم الجرح والتعديل العناية برجال الأسانيد لا تقل أهمية عن العناية بالأسانيد وبالمتون التي انتهت إليها تلك الأسانيد، لذلك قال علي بن المديني ﵀: "التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم" (١) . فكما بذل المحدثون جهوداً عظيمة في جمع الأحاديث وحفظها، وتدوينها، وتأليف الكتب المسندة بأنواعها المتعددة، فقد بذلوا أيضاً جهوداً عظيمة في البحث عن أحوال الرجال الذين رووا تلك الأحاديث، والتفتيش عنهم، وسؤال أهل العلم عنهم، والسفر إلى البلدان لمشافهتهم والتعرف عليهم. قال عبد الرحمن المعلمي ﵀: "ليس نقد الرواة بالأمر الهَيّن، فإن الناقد لابد أن يكون واسع الاطلاع على الأخبار المروية، عارفاً بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية، خبيراً بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، والموقعة في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلى أن يعرف أحوال الراوي: متى ولد؟ وبأي بلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والحفظ؟ ومتى شرع في الطلب؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابه؟ ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم، وبلدانهم، ووفياتهم، وأوقات تحديثهم، وعادتهم في التحديث. ثم يعرف مرويات الناس عنهم،

стр. 30

ويعرض عليها مرويات هذا الراوي، ويعتبرها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. ويكون مع ذلك متيقظاً، مرهف الفهم، دقيق الفطنة، مالكاً لنفسه، لا يستميله الهوى، ولا يستفزه الغضب، ولا يستخفه بادر ظن حتى يستوفي النظر، ويبلغ المقر، ثم يحسن التطبيق في حكمه فلا يجاوز ولا يقصر ... " (١) . وهذا وصف بديع من عالم خبير بهذا الشأن ﵀ رحمة واسعة. ومن اهتمام المحدثين بالكلام في الرواة أنهم كانوا يروونه كما يروون الأحاديث، ولم تظهر مصنفات مستقلة في الجرح والتعديل إلا في النصف الثاني من القرن الثاني، ثم تتابعت المصنفات بعد ذلك (٢) . وقد سلك المؤلفون فيها أساليب متعددة، فمنهم من أفرد الضعفاء، ومنهم من أفرد الثقات، ومنهم من جمع بين الثقات والضعفاء. ولست - في هذه العجالة - بصدد استيعاب تلك الكتب (٣) ، ولكن أقتصر على المطبوع منها. أولاً:- كتب الضعفاء: ١. الضعفاء الصغير لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ) . ٢. أحوال الرجال لأبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (ت٢٥٩هـ) .

стр. 31

٣. أسامي الضعفاء ومن تُكلِّم فيهم من المحدثين لأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (ت٢٦٤هـ) . ٤. الضعفاء والمتروكون لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ) . ٥. الضعفاء لأبي جعفر محمد بن عمرو العُقيلي (ت٣٢٢هـ) . ٦.كتاب المجروحين من المحدثين لأبي حاتم محمد بن حبان البُستي (ت٣٥٤هـ) . ٧. الكامل في ضعفاء الرجال لأبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (ت٣٦٥هـ) . ٨. الضعفاء والمتروكون لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني (ت٣٨٥هـ) . ٩. تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين لأبي حفص عمر بن أحمد بن شاهين (ت٣٨٥هـ) . ١٠. الضعفاء لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت٤٣٠هـ) . ١١. الضعفاء والمتروكون لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت٥٩٧هـ) . ١٢. ميزان الاعتدال في نقد الرجال. ١٣. المغني في الضعفاء. ١٤. ديوان الضعفاء والمتروكين. ١٥. ذيل ديوان الضعفاء والمتروكين كلها لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (ت٧٤٨هـ) .

стр. 32

١٦. ذيل ميزان الاعتدال لأبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت٨٠٦هـ) . ١٧. مختصر الكامل لابن عدي لأبي العباس أحمد بن علي المقريزي (ت٨٤٥هـ) . ١٨. لسان الميزان لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ) . ١٩. ذيل لسان الميزان للشريف حاتم بن عارف العوني (معاصر) . وقد أكثر المحدِّثون من التأليف في هذا الباب لأهميَّة بيان الضعفاء وكشفهم؛ ليتضح أمرهم للناس فيبتعدوا عن مرويَّاتهم. وهذه الكتب منها المطول الذي يشتمل على اسم الراوي ونسبته وكنيته وبلده، وذكر بعض أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه، ثم ذكر بعض ما أُنكر عليه من الحديث، ومن أبرز الكتب التي سُلك فيها هذا المسلك: الضعفاء للعقيلي، والكامل لابن عدي. ومنها المختصر الذي يذكر اسم الراوي والحكم عليه بلفظ من ألفاظ التجريح، مثل: كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي، ومنها ما هو أكثر اختصاراً بحيث يذكر اسم الراوي دون أن يذكر فيه لفظاً من ألفاظ التجريح؛ اكتفاءً بذكره في ذلك الكتاب المؤلف في الضعفاء، مثل: كتاب الضعفاء لأبي زرعة الرازي. والكلام على هذه الكتب تفصيلاً لا يتسنَّى في هذه العجالة، ولكن اخترت كتاباً واحداً للتعريف به، وهو كتاب "الكامل في ضعفاء الرجال" لأبي أحمد بن عدي (ت ٣٦٥هـ) .

стр. 33

أولاً: الوصف الخارجي للكتاب: يقع الكتاب في سبع مجلدات من القطع الكبير، تشتمل على (٢٧٦٥) صفحة (١) ، وعدد تراجمه: (٢٢٠٩) ترجمة (٢) . ثانياً: محتوى الكتاب ومنهج المؤلف فيه: بدأ المؤلف الكتاب بمقدمة نفيسة زادت على (١٥٠) صفحة، اشتملت على أكثر من ثلاثين باباً في التحذير من الكذب على رسول الله ﷺ ، وتشديد العقوبة فيه، وحَذَرِ الصحابة ﵃ وتحذيرهم من ذلك، ثم ذكر ﵀ أسماء العلماء الأعلام الذين استجازوا تكذيب من تبيَّن كذبه، مع ذكر فضل أولئك العلماء من الصحابة ومن بعدهم إلى عصر المؤلف والوجه الذي استحقوا به قبول قولهم في الرواة. ثم ذكر أبواباً في صفة من يؤخذ عنه العلم ومن لا يؤخذ عنه. وقد أُفردت هذه المقدمة، وطُبعت مستقلَّة (٣) . ثم بعد المقدمة بدأ المؤلف بموضوع الكتاب وهو كما وصفه بقوله: "أذكر في كتابي هذا كلَّ من ذُكر بضرب من الضعف، ومَن اختُلف فيهم فجرَّحه البعض وعدَّله البعض الآخر، ومرجِّح قول أحدهما مبلغ علمي من غير محاباة، فلعلَّ من قبَّح أمره أو حسَّنه تحامل عليه أو مال إليه، وذاكر لكلِّ رجل منهم ممَّا رواه ما يضعف من أجله ... ".

стр. 34

ومنهجه في الكتاب أنَّه رتَّبه على حروف المعجم بالنسبة للحرف الأول فقط، فيذكر اسم الراوي ونسبه وكنيته وبلده، ثم يذكر ما يبين ضعفه من كلام أهل العلم راوياً ذلك بإسناده إليهم مثل يحيى بن معين والبخاري وغيرهما. ثم يذكر بعض الأحاديث التي أُنكرت على الراوي، فإن لم يجد ما يُنكر عليه صرَّح بذلك، وإن اختُلف في الراوي ذكر ما يراه راجحاً، ثم يذكر في آخر الترجمة خلاصة تبين رأيه في الراوي. وقد يذكر بعض الرواة لا لكونهم ضعفاء عنده، وإنَّما ذكرهم للدفاع عنهم؛ لأنَّ بعض العلماء تكلَّم فيهم مثل: ترجمة إبراهيم بن سعد الزهري، وأحمد بن صالح المصري (١) ، وغيرهما، وقال المؤلف في آخر ترجمة أحمد بن صالح المصري: "ولولا أنِّي اشترطت في كتابي هذا أن أذكر فيه كلَّ مَن تكلّم فيه متكلِّم لكنتُ أُجلُّ أحمد بن صالح أن أذكره". والمتأمِّل في كتاب الكامل لابن عدي ﵀ تظهر له سمات واضحة فيه، منها: ١- أنَّه أوسع كتاب وصل إلينا في موضوعه من الكتب المتقدمة، ولذلك سمَّاه مؤلفه بـ ((الكامل)) ، وقد أفصح عن ذلك في مقدمته فقال: ((ولا يبقى من الرواة الذين لم أذكرهم إلاَّ من هو ثقة أو صدوق، وإن كان ينسب إلى هوًى وهو فيه متأول، وأرجو أنِّي أشبع كتابي هذا وأشفي الناظر فيه، ومُضمن ما لم يذكره أحد مِمَّن صنَّف في هذا المعنى شيئاً، وسمَّيته: كتاب الكامل في ضعفاء الرجال ... )) .

стр. 35

وهو كما قال ﵀ إلاَّ في دعوى استيعاب جميع الضعفاء فإنَّه متعقَّب فيه (١) . ٢- جمع مؤلفه ﵀ في الكلام على الرجال - بين النقل عن المتقدمين وسبر (استقراء) مرويات الراوي، وهما طريقان مشهوران لمعرفة أحوال الرواة. ٣- ظهور شخصية المؤلف في النقد، فهو ينقل وينقد، ويرد الأقوال المرجوحة عنده، وإذا لم يجد في الراوي كلاماً لمن سبقه يحكم عليه بما يستحقه بعد النظر في مروياته، فأضاف مادة علمية مهمة في الجرح والتعديل. ٤- اشتمل الكتاب على عدد كبير من الأحاديث المسندة في الأحكام والآداب والزهد وغيرها، وقد تكلَّم ابن عدي على كثير منها، وبيَّن عللها، فهو مصدر مهم لبيان الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد جرد تلك الأحاديث محمد بن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧ هـ) وأفردها في كتاب سماه: ((ذخيرة الحفاظ المخرج على الحروف والألفاظ)) ، بلغ عدد أحاديثه: ٦٥٩٧ حديث، وهو مطبوع، وقد استدرك عليه محققه د. عبد الرحمن الفريوائي ٨٣٦ حديثاً، فبلغ مجموع الأحاديث في الكتاب والمستدرك عليه: ٧٤٣٣ حديث. ٥- ضم الكتاب العديد من النقول عن أئمة لم تصل إلينا مصنفاتهم،

стр. 36

مثل: زكريا الساجي (١) ، وعمرو بن علي الفلاس (٢) ، وغيرهما، فأصبح مصدراً بديلاً لتلك المصنفات. ٦- اعتنى العلماء بكتاب الكامل لابن عدي عناية بالغة: استدراكاً وتذييلاً عليه، واختصاراً، وتجريداً لأحاديثه، وقد استفاد منه كل من كتب في موضوعه مِمَّن جاء بعده (٣) ، وهذا يدل على أهمية الكتاب وأثره الواضح في علم الجرح والتعديل. ثانيا:- كتب الثقات ١. معرفة الثقات لأبي الحسن أحمد بن عبد الله العجلي (ت٢٦١هـ) . ٢. الثقات لأبي حاتم محمد بن حبان البُستي (ت٣٥٤هـ) . ٣. الثقات لأبي حفص عمر بن أحمد بن شاهين (ت٣٨٥هـ) . ويمكن أن يذكر معها: ٤. ذكر أسماء من تُكلِّم فيه وهو موثق. ٥. الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم: كلاهما لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (ت٧٤٨هـ) . يُلاحظ عند المقارنة بين قائمة الكتب المصنفة في الضعفاء وقائمة الكتب المصنفة في الثقات قلَّة الكتب المصنفة في الثقات، وسبب ذلك - والله أعلم -

стр. 37

أنَّ كثيراً مِمَّن صنَّفوا في الضعفاء صنَّفوا أيضاً في الجمع بين الثقات والضعفاء، كما فعل الإمام البخاري في التاريخ الكبير والأوسط، فلمَّا أفردوا الضعفاء وميَّزوهم لم يروا حاجة لإفراد الثقات في مصنف مستقل. وأقدم كتاب وصل إلينا من كتب الثقات كتاب أبي الحسن أحمد بن عبد الله العجلي (ت ٢٦١هـ) : ((معرفة الثقات)) ، وهو وإن كان معدوداً في الكتب المصنفة في الثقات إلاَّ أنَّه ليس خاصًّا بهم، يعرف ذلك من عنوان الكتاب الذي ذكره تقي الدين السبكي في مقدمة ترتيبه وهو: ((معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث، ومن الضعفاء، وذِكْر مذاهبهم وأخبارهم)) (١) . ويؤيِّد ذلك ما ورد في القطعة التي بقيت من أصل الكتاب (ص ٥٨) حيث كُتب عنوان: ((ومن المتروكين ... )) فذكر بعض المتروكين وبعض الضعفاء (٢) . فهو يصلح أن يُضمَّ إلى القسم الثالث في الكتب التي جمعت بين الثقات والضعفاء.

стр. 38

لكن شهرة الكتاب ضمن كتب الثقات، وعنوانه الذي شاع بين أهل العلم: ((معرفة الثقات للعجلي)) ، أو ((ثقات العجلي)) ، وكون أغلب التراجم فيه مِمَّن وثَّقهم العجلي المتوفى سنة (٢٦١هـ) ، كلُّ ذلك جعل الكتاب يتبوَّأ مكان الصدارة بين كتب الثقات. ثالثا:- كتب جمعت بين الثقات والضعفاء، وهي أنواع: أـ الكتب العامة غير المقيدة بكتاب معين، منها: ١- الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد كاتب الواقدي (ت٢٣٠هـ) . ٢- التاريخ الكبير. ٣- التاريخ الأوسط: كلاهما لمحمد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ) . ٤- المعرفة والتاريخ لأبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي (ت٢٧٧هـ) . ٥- التاريخ الكبير لأبي بكر أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب (ت٢٧٩هـ) . طبع منه: أخبار المكيين. ٦- التاريخ لأبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري (ت٢٨١هـ) . ٧- الجرح والتعديل لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت٣٢٧هـ) . ٨- الإرشاد في معرفة علماء الحديث لأبي يعلى الخليل بن عبد الله الخليلي (ت٤٤٦هـ) . ٩- بحر الدم فيمن تكلم فيه الإمام أحمد بمدح أو ذم ليوسف بن حسن ابن عبد الهادي (ت٩٠٩هـ) .

стр. 39

ب ـ كتب السؤالات: وهي أن يقوم أحد التلاميذ بسؤال شيخه عن مجموعة من رواة الحديث ثم يدون أجوبته في كتاب، ومن هذه الكتب: ١- التاريخ عن يحيى بن معين، رواية عباس بن محمد الدوري. ٢- تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين. ٣- معرفة الرجال عن يحيى بن معين رواية أحمد بن محمد بن محرز. ٤- سؤالات ابن الجنيد لأبي زكريا يحيى بن معين. ٥- من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال رواية أبي خالد الدقاق. ٦- تاريخ أبي سعيد الطبراني، عن أبي زكريا يحيى بن معين. ٧- سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة لعلي بن المديني في الجرح والتعديل. ٨- العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله. ٩- من كلام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل في علل الحديث ومعرفة الرجال، رواية أبي بكر المرّوذي، وأبي الحسن الميموني، وأبي الفضل صالح بن أحمد بن حنبل. ١٠- من سؤالات أبي بكر الأثرم أبا عبد الله أحمد بن حنبل. (جزء منه) . ١١- سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل في الجرح والتعديل. ١٢- أجوبة أبي زرعة الرازي على أسئلة أبي عثمان البرذعي. ١٣- سؤالات أبي عبيد الآجُرّي أبا داود السجستاني. ١٤- سؤالات البرقاني للدارقطني. ١٥- سؤالات أبي بكر البرقاني للدارقطني في الجرح والتعديل، (وهي غير الأولى) .

стр. 40

١٦- سؤالات حمزة السهمي للدارقطني وغيره من المشايخ في الجرح والتعديل. ١٧- سؤالات الحاكم النيسابوري للدارقطني في الجرح والتعديل. ١٨- سؤالات أبي عبد الرحمن السُّلَمي للدارقطني في الجرح والتعديل. ١٩- سؤالات أبي عبد الله بن بكير وغيره لأبي الحسن الدارقطني. ٢٠- سؤالات مسعود السجزي لأبي عبد الله الحاكم مع أسئلة البغداديين له عن أحوال الرواة. ٢١- سؤالات الحافظ السِّلَفي لخميس الحَوْزي عن جماعة من أهل واسط. جـ ـ كتب التواريخ المحلية: ظهر ترتيب تراجم الرجال في المصنفات على البلدان التي استقروا فيها في وقت مبكِّر، فقد رتَّب ابن سعد (ت ٢٣٠هـ) كتاب الطبقات على البلدان، وكذا فعل عدد من المصنفين مِمَّن جاء بعده، ثم ظهرت مصنفات مستقلة في تراجم رجال بلدان معينة، وأقدم كتاب وصل إلينا: تاريخ واسط لأسلم بن سهل الواسطي المعروف ببحشل (ت ٢٩٢هـ) ، ثم تتابعت المصنفات في ذلك، وهي كثيرة جدًّا (١) ، منها: ١- طبقات علماء إفريقية وتونس (٢) ، لأبي العرب محمد بن أحمد القيرواني (ت ٣٣٣هـ) .
следующие страницы →