← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 11306

عناية العلماء بالإسناد وعلم الجرح والتعديل - عبد العزيز فارح

عبد العزيز محمد فارح

Полный текст (61 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة لم يختلف المسلمون منذ فجر الإسلام في أن السنة النبوية هي التطبيق العملي للإسلام والتفصيل الواقعي للقرآن، ومرجع كل مسلم في تعرُّف الأحكام، لذلك كان كل مسلم مكلفاً باحترام هذا التطبيق تكليفَه باحترام القانون نفسه، ولذلك أيضاً كانت طاعة الرسول ﷺ طاعة لله ، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ [النساء: ٨٠] . ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧] .وليس من المستغرب أن يكون إهمال السنة والذهول عنها إضاعة لصرح عظيم من الدين، فقد كان النبي ﷺ مُبَلِّغاً عن الله ، وموضحا مراده ببيان المجمل وتفصيله وذكر الجزئيات والتفاصيل، وتوضيح المشكل وتقييد المطلق وتخصيص العام وإضافة أحكام جديدة، ثم إن السنة أصل دلّ عليه كتاب الله؛ ولهذا فإن أئمة المسلمين متفقون على وجوب العمل بالحديث إذا صحَّ، فقد قال النبي ﷺ : "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي" (١) ، وصحّ عن الإمام الشافعي قوله: "إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي عرض الحائط" (٢) ، وهو ما تبناه في الحقيقة غيره من علماء الأمة قبله وبعده. فلا

стр. 2

حجة إذاً إلا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما استند إليهما من إجماع وقياس مبني على علّة صحيحة، أو قواعدكلية مأخوذة منها. لذلك تمسك العلماء المسلمون بالسنة والعمل بها؛ لأنها دليل - إلى جانب الكتاب العزيز - من أدلة الأحكام ومصدر أساس للشريعة الإسلامية، وغيرهما من ينابيع الاستدلال محمول عليهما، ومقتبس من روحهما، ودائر في فلكهما. وقد قيض الله تعالى من سلف الأمة الإسلامية وخلفها من يذود عنها، ويجاهد ويصابر في صيانتها وينفي عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فنهض علماء الأمة وقادتها في عهد الخلافة الراشدة لجمع القرآن الكريم ثم كتابته في مصحف إمام، وجاء بعدهم من يخدمه كتابة ورسماً وتفسيراً وإقراءً.. ولم يأل هؤلاء وأولئك جهداً في خدمة السنة النبوية المشرفة، فقام من يكتبها في صحف خاصة، وهبّ الجميع لحفظها والعمل بها ثم روايتها وتبليغها، واستمر الأمر على هذا النحو، ثم اتّسعت آفاقه خصوصاً بعد أحداث ما يسمى بـ"فتنة الخلافة"؛ حيث لجأ بعض ضعاف الإيمان من أهل الأهواء والبدع والفرق الكلامية والسياسية إلى تزوير بعض الأحاديث النبوية وتحريفها أو وضع أحاديث على لسان رسول الله ﷺ ، فهبّ علماء المسلمين وعامتهم إلى الذود عن السنة النبوية ومقاومة الوضع والوضاعين، فكثر الكلام في الرواة تعديلاً وتجريحاً، وقبلت أحاديث وردّت أحاديث أخرى، وكان ذلك أساساً لعلم الجرح والتعديل، علم التمحيص

стр. 3

وتمييز الخبيث من الطيب، وقد شهد الجميع النتائج الطيبة المباركة لهذا العلم، وعلى رأسها رواية الأحاديث النبوية الشريفة غضّة نقية صافية كما صدرت عن رسول الله ﷺ ، إلى أن استقرت في مصادرها بعد ازدهار حركة التصنيف المنهجي للحديث، وظهور الكتب المتعددة من موطآت ومصنفات ومسانيد وجوامع ومستدركات ومستخرجات ومعاجم وأجزاء... اختار فيها أصحابها مناهج معينة في ترتيب الأحاديث، وشروطاً في التصحيح والتضعيف والقبول والرد. ونظرا لأهمية علم الجرح والتعديل وتوقف التصحيح والتضعيف والقبول والرد عليه فقد أحببت المشاركة في ندوة «عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية» بموضوع «عناية العلماء بالإسناد وعلم الجرح والتعديل وأثر ذلك في حفظ السنة» ؛ رجاء أن أميط اللثام عن تاريخ هذا العلم منذ بوادره الأولى، ومروراً بعناية العلماء بالإسناد ومطالبتهم به وبياناً لأهميته، ووصولاً عند مرحلة نشأة علم الجرح والتعديل علماً مستقلاً بذاته، وتطوره وظهور أعلامه الكبار ونقاده المشاهير، وما ألفوه من كتب وما وضعوه من ضوابط وقواعد. وقد اقتضى مني ذلك وضع خطة لهذا الموضوع بدأتها بمقدمة في فضل السنة وفضل الاشتغال بها ومظاهر عناية المسلمين بها، انتقلت بعدها إلى الكلام على عناية المحدثين بالإسناد وبيان قيمته في حفظ السنة، ثم تعريف علم الجرح والتعديل لغة واصطلاحاً، ثم نشأته وتطوره، وخلصت بعد ذلك لذكر عدد من قواعده، ثم آثاره في ميادين وعلوم أخرى، ولما كان لعلماء الجرح والتعديل مؤلفات كثيرة في هذا الشأن فقد عُنيت ببيان ذلك فذكرت

стр. 4

الاتجاهات الكبرى التي صار فيها التأليف عند هؤلاء مع ذكر نماذج قليلة تبين ذلك. وأنهيت هذا الموضوع بخاتمة في فضل علم الجرح والتعديل، وضرورة توظيف قواعد ومناهج نقاده في مجالات أخرى غير مجال الحديث النبوي. وذيلت في الأخير هذا الموضوع بلائحة للمصادر والمراجع التي استعنت بها في إنجازه، ثم بفهرس للمواضيع راجياً أن يكون ذلك وافياً بالغرض، وألا يكون الاختصار في بعض المباحث مخلاّ، وألاَّ يكون التطويل في بعضها مملاّ، ومن الله التوفيق والسداد، وللجنة المنظمة والسادة الأفاضل القائمين عليها تحية وإكبار خالصان صادقان. ****************

стр. 5

عناية المحدثين بالإسناد وبيان قيمته في حفظ السنة مدخل ... عناية المحدثين بالإسناد وبيان قيمته في حفظ السنة الإسناد نعمة من الله أكرم بها أمة محمد ﷺ لحفظ سننه ونقلها محفوظة مصونة، وخصيصة فاضلة فضلت بها من دون سائر الأمم، ولم يشأ المحدثون أن يكونوا سالبين تلك النعمة الربانية، مفرطين فيها، وعدّوا الإسناد من السنن المؤكدة، بل من فروض الكفاية وعمدة الكلام وطريق النقل والقبول، قال العلامة علي القارئ في شرح النخبة: «أصل الإسناد خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنّة بالغة من السنن المؤكدة بل من فروض الكفاية» (١) . وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «ولكون الإسناد يُعلم به الحديث الموضوع من غيره، كانت معرفته من فروض الكفاية» (٢) . ولذلك اتفق أهل الحديث على أن الإسناد مطلوب في رواية السنن النبوية وشرط من شروط الالتفات إلى تلك الرواية والاعتداد بها، وأن ما خلا عن السند فهو غير معتمد، قال الإمام محمد عبد الحي اللكنوي: «وقبول الحديث الذي لا أصل له أي لا سند له ليس من شأن العاقلين، فإن بين النبي ﷺ وبين هؤلاء الناقلين مفاوز تنقطع فيها مطايا السائرين.» (٣) ،وقال أيضا: «لا يقبل حديث من غير إسناد ولو نقله معتمد ... » (٤) .

стр. 6

ولم يكتفوا بذلك، بل رفعوا من شأن الإسناد وجعلوه من الدين، فقال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء: ما شاء» (١) . وأتمّ بعض من روى هذه الكلمة المشهورة فذكرها بلفظ: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء: ما شاء، فإن قيل له: من حدّثك؟ بقي» أي بقي ساكتا مفحَما، أو بقي ساكتا منقطعا عن الكلام (٢) . وحكى ابن خير الإشبيلي في فهرسته اتفاق العلماء على أنه لا يحل لمسلم أن يقول: قال رسول الله ﷺ : كذا، حتى يكون هذا القول مرويا ولو على أقل وجوه الروايات.» (٣) فلا غرو إذاً أن يصبح الإسناد بالشأن والقدر اللذين أعطيا له، وأن يعدّ خصيصة فاضلة من خصائص الأمة الإسلامية أكرمها الله وخصّها بها، دون سائر الأمم كلها قديمها وحديثها.

стр. 7

الجرح والتعديل لغة واصطلاحاً: الجرح لغة له معنيان: أحدهما الكسب ومنه قوله تعالى ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [سورة الجاثية:٢١] ، وسمي ذلك اجتراحا لأنه عمل بالجوارح (١) . والثاني: شق الجلد. ثم استعمل مجازا في مثل قولهم: جرحه بلسانه إذا سبّه وشتمه وعابه. - أما في الاصطلاح فالجرح والتجريح هو وصف الراوي بما يسقط عدالته أو يخل بحفظه وضبطه مما يترتب عليه سقوط روايته والحكم عليها بالرد فتكون ضعيفة أو موضوعة. ويستعمل بعضهم أحيانا ألفاظا أخرى تفيد ذلك المعنى فيقال: لَيَّنَه، أو غمزه، أو رماه بكذا أو كذا. المجرَّح أو المجروح هو الراوي الذي وُصف بما يسقط عدالته أو ضبطه. المتكلم فيه: هو الراوي الذي تكلّم فيه بعض النقاد بجرح قد لا يكون نافذا أو مؤثرا. المجرِّح: هو الناقد المشتغل بتجريح الرواة وتعديلهم أي بنقد أحوال الرواة. التعديل: أصل التعديل في اللغة هو: عدَل يعدِل إذا حكم بالاستواء وهو المعروف عند الناس بالعدْل الذي هو

стр. 8

نقيض الجور. ومنه يوم معتدل إذا تساوى حالا حره وبرده. وعدَلته وعدّلته حتى اعتدل أي أقمته حتى استقام واستوى. وعَدَلتُ الدابة إلى طريقها: عطفتها. فالتعريف اللغوي يقوم على معنى الاستقامة والاستواء، وهو الذي سيكون حاضراً في التعريف الاصطلاحي. أما في الاصطلاح، فالتعديل هو وصف الراوي بصفة أو صفات تزكيه وتظهر أو تثبت عدالته، ويسمى أيضاً التوثيق، والتزكية. والعدالة هي ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى واجتناب الكبائر والابتعاد عن الصغائر أو هي حالة أو هيئة نفسانية تحمل صاحبها وتدفعه إلى ملازمة التقوى ... والعدْل هو الراوي الذي وُصف بما يزكيه ويثبت عدالته. وهو أيضا كل من لم يَظْهر في أمر دينه ومروءته ما يُخل بهما. المعدِّل: هو الناقد الذي يشتغل بنقد الرواة وتتبع أحوالهم، فيعدل رواة ويجرح آخرين. وبناء على ذلك فعلم الجرح والتعديل هو علم يبحث فيه عن أحوال الرواة من حيث قبول روايتهم أو ردها بألفاظ أو عبارات مخصوصة. ينصب هذا العلم بالأساس على رواة الأحاديث النبوية وآثار الصحابة، ويقوم على ذكر أحوالهم مما له مدخل في قبول أخبارهم أو ردها، فيقتصر في بعض الأحيان على لفظة أو لفظتين تفيدان التعديل أو التجريح، أو إنه تلخيص الكلام على الراوي أي بيان حاله بخصوص الرواية بعبارة قصيرة جامعة محررة بعد تمحيص ودراسة وتتبع. وذلك أمر جَلَل، فهو نصف علم الحديث لأن الحديث سند ومتن، والسند عبارة عن الرواة ومعرفة أحوالهم

стр. 9

نصف هذا العلم بلا ريب، ولذلك قال الإمام علي بن المديني: "التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم" (١) . وبين علم الجرح والتعديل وعلم الرجال عموم وخصوص، إذ إن علم الرجال هو العلم الذي يعنى بمعرفة الرواة من حيث أحوالهم عدالة وجرحاً، ويعنى أيضاً بما يخدم ذلك ويحققه كمعرفة أسمائهم وأنسابهم وكناهم وألقابهم ومواليدهم ووفياتهم وطبقاتهم، مما يعين على التمييز بينهم ولا سيما مع كثرتهم وتشابه أسمائهم أو أسمائهم وأنسابهم وكناهم إلى غير ذلك مما يوقع في الخلط الشنيع كتضعيف الثقة وتوثيق الضعيف، وردِّ الحديث المقبول وقبول الحديث المردود ...

стр. 10

مشروعيته: في القرآن الكريم آيات كثيرة فيها تزكية أو تجريح كانت نبراسا للمحدثين اقتبسوا منها بعض الألفاظ المفيدة لذاك كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] ففي هذه الآية تجريح للمنافقين ورميهم بالكذب. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] وفي هذه الآية تنبيه للمؤمنين بضرورة التثبت والتريث في قبول الخبر خاصة إذا كان راويه متهما بالفسق وفيها أيضاً تنبيه على ضرورة التمييز بين نقلة الأخبار، فليسوا سواء.

стр. 11

وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] وفيها تعديل عام للصحابة الكرام، فهم بشهادة هذه الآية مرضيون. ولم تخل السنة من أحاديث كثيرة فيها تجريح أو تعديل، فقد قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس عندما شاورته فيمن خطبها: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد ... " (١) . وفي حديث مشهور قال النبي ﷺ لرجل استأذن للدخول عليه: "ائذنوا له بئس أخو العشيرة". ولم يجد كثير من المحدثين الحرج الكبير في اتهام من يغير الحديث قصدا بالكذب بعد سماعهم الحديث المشهور عن النبي ﷺ في التحذير من الكذب عليه وهو حديث: "من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".

стр. 12

نشأة الجرح والتعديل وتطوره ... نشأة علم الجرح والتعديل وتطوره: حظيت السنة النبوية باهتمام منذ عهد الصحابة الكرام باعتبارها مصدرا تشريعيا للأحكام في العبادات والمعاملات وغيرهما، فكان حرص هؤلاء على أن لا يفوتهم حديث رسول الله ﷺ ، وسمعوا من بعضهم بعضا حينما كان يفوتهم حضور المجالس النبوية. ولم يكن الأتباع أقل حرصاً من الصحابة على سماع الحديث النبوي فرحلوا إليهم ولازموهم وسمعوا منهم. ونظرا لما جُبل عليه الإنسان من الوهم والنسيان والخطأ، وما يعتريه من حالات التغيير من النشاط والقوة إلى الضعف وكبر السن وما ينجم عن ذلك أحيانا من الذهول والنسيان، قام الصحابة وكذا كبار التابعين بنقد بعض المرويات وباستدراكات على بعض الصحابة الرواة أو التابعين عن طريق المعارضة بين الروايات المختلفة أو عرضها على القرآن الكريم أو المطالبة بالشهود ... وقد بدأ ذلك في عهد مبكر جدا، ولعل أول نقل يثبت هذا الأمر هو الذي وصلنا من عهد الخليفة أبي بكر الصديق ﵁، فقد ذكر غير واحد (١) أن الجَدَّةَ جاءت إلى أبي بكر تلتمس ميراثها، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا، وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئا. ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله يعطيها السدس.

стр. 13

فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة مثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر الصديق ﵁. وقد أشار الحاكم إلى هذه القصة وقال: ((وأول من وقى الكذب عن رسول الله ﷺ الصديق ﵁) (١) وقال الذهبي: "كان أبو بكر أول من احتاط في قبول الأخبار" (٢) ،وقال أيضاً: "وإليه المنتهى في التحري في القول والقبول" (٣) . وقد مضى على هذا النهج الخليفتان عمر بن الخطاب (٤) ، وعلي بن أبي طالب (٥) ، والسيدة عائشة (٦) وغيرهم ﵃ أجمعين. وقد ذكر الحاكم أن أبا بكر وعمر وعليا وزيد بن ثابت جرحوا وعدلوا، وبحثوا عن صحة الروايات وسقيمها ... (٧)

стр. 14

بداية الكلام في الرواة: يحدث هذا وكثير من الصحابة على قيد الحياة يروون الأحاديث الصحيحة ويقومون حراسا للسنن النبوية، يذودون عنها كل خطر ناشئ، فيقوم واحد منهم وهو حبر الأمة عبد الله بن عباس بالتنبيه على وسيلة أخرى للاحتياط والتثبت في الرواية، فقد جاء بشير العدوي وأخذ يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه سلم، قال رسول الله ﷺ ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه. فقال: يا ابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: "إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" (١) . هذا بداية التمييز بين من يقبل حديثه ومن يردّ حديثه، وسيكون ذلك بداية للمطالبة بالإسناد ليعرف مقبول الحديث من مردوده، قال ابن سيرين: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (٢) . وروى الخطيب في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" عن خيثمة بن عبد الرحم?ن قال: "لم يكن الناس يسألون عن الإسناد حتى كان زمن المختار فاتهموا الناس"، والمختار هو ابن أبي عبيد الثقفي ضال مضل كان

стр. 15

يزعم أن جبريل ينزل عليه، أحدث فتنا بين المسلمين في العراق وغيره، قتله مصعب بن الزبير سنة ٦٧?، ومن صنيع هؤلاء المطالبين بالإسناد وغيرهم في هذه المرحلة المبكرة سيستلهم نقاد التابعين وأتباعهم أهمية الإسناد في الرواية، وسيبينون للناس شأنه وضرورته، كما وجدنا ذلك عند الأئمة الزهري وابن المبارك ومالك وشعبة وغيرهم. هكذا استمرت العناية بالحديث النبوي تقيه من التحريف، فظهر نقاد بدؤوا في نقد بعض الرواة وتنبيه الناس لعدم أهليتهم للرواية، من هؤلاء النقاد الحسن البصري الذي تكلم في عطاء الخراساني وعكرمة مولى ابن عباس، ومنهم سعيد بن جبير الذي تكلم في نافع مولى ابن عمر، ومنهم عطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، وعبد الرحم?ن الأعرج وأبو صالح ذكوان بن صالح السمان وابن سيرين. قال الإمام الذهبي: "وأول من زكّى وجرّح، عند انقراض عصر الصحابة: الشعبي وابن سيرين ونحوهما، حفظ عنهم توثيق أناس وتضعيف آخرين" (١) . لكن الأمر لم يكن كثيرا غالبا لقلة الكذب وقلة تعمد التغيير والتبديل، فلم تكن ساحة الكذب كبيرة فما زال الإيمان غالبا على النفوس متمكنا منها ومانعا الناس من الكذب على رسول الله ﷺ وتزوير شريعته. قال الإمام الذهبي: "وأما التابعون فيكاد يُعدم فيهم من يكذب عمدا ولكن لهم غلط وأوهام، فمن ندر غلطه في جنب ما قد جَلّ احتُمل، ومن تعدّد غلطه من أوعية العلم، اغتُفِر له أيضا، ونُقل حديثه وعُمل به على تردد

стр. 16

بين الأئمة الأثبات في الاحتجاج عمن هذا نعته، كالحارث الأعور وعاصم ابن ضمرة وصالح مولى التوأمة، وعطاء بن السائب، ونحوهم، ومَنْ فحُش خطؤُه وكثر تفرده لم يُحتج بحديثه، ولا يكاد يقع ذلك في التابعين الأولين ويوجد ذلك في صغار التابعين فمن بعدهم" (١) . مع بداية المائة الثانية، ومع ازدياد عدد طلبة الحديث النبوي واتساع روايته كثر من يتتبع رواته بالنقد ورواياتهم بالتمحيص وكان ذلك غالبا في مجالس رواية الحديث عبارة عن ملاحظات وتصويبات مزجت بالرواية ضمن خليط من المعلومات والمعارف، كتوثيق الرواة أو تضعيفهم، أو بيان وفاة، أو ضبط غريب، أو بيان مشكل، أو توضيح كنية أو نسب أو غير ذلك. لكن سرعان ما اتسع أفق علم الرجال وكثر النقاد المتتبعون لأحوال الرواة لكثرة الطلبة الذين أقبلوا على العلم، وكثرة الشيوخ الذين تصدروا مجالس التحديث، فظهر مَنْ يواجه الأحوال الجديدة، ويفضح الكذبة من الرواة، فهذا أيوب السختياني (١٣١?) يذكر يوما أحد الرواة فيقول: "لم يكن بمستقيم اللسان". وقال يوما: "إن لي جارا، ثم ذكر من فضله، ولو شهد عندي على تمرتين ما رأيت شهادته جائزة". وقال في عبد الكريم -يعني أبا أمية-: "كان غير ثقة ... "، وقال لسلام بن أبي مطيع ينصحه ليحجم عن الرواية عن أحد الضعفاء: "أرأيت رجلا لا تأمنه على دينه، كيف تأمنه على الحديث؟ " (٢) .

стр. 17

ومن أبرز النقاد في هذه الفترة الأعمش سليمان بن مهران (١٤٨?) الذي كان يجلس في طريق الطلبة. حتى إذا مروا عليه سألهم عن الشيوخ الذين سمعوا منهم، فيوثق مَنْ كان ثقة، ويحذرهم من غير الثقات (١) . اتسع علم الرجال في هذا العصر أكثر فأكثر حتى ليعد المرحلة التأسيسية الناضجة له، حيث بدأت تعقد المجالس الخاصة به، واشتهر علماء ونقاد كبار متضلعون في الحديث متناً وسنداً يُسألون عن الحديث ورجاله كهشام الدستوائي (١٥٤?) وعبد الرحم?ن الأوزاعي (١٥٦?) وسفيان الثوري (١٦١?) ومالك بن أنس (١٧٩?) ، الذي كان إلى جانب الإمام شعبة بن الحجاج (١٦٠?) من أكثر النقاد بحثا عن المحدثين وأغزرهم تتبعا لأحوال الرواة، حيث عُدّ الإمام شعبة: "أول من تكلم في الرجال" (٢) . وأول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين وجانب الضعفاء والمتروكين وصار عَلماً يقتدى (٣) . وحتى وُصف بأنه "كان أمة وحده في هذا الشأن، يعني في نقد الرجال وبصره بالحديث وتثبته وتنقيته للرجال" (٤) .

стр. 18

نماذج من عناية العلماء بالإسناد والجرح والتعديل ومناهجهم في النقد ٤ شعبة ونقد الرواة: اشتغل شعبة بن الحجاج بالحديث النبوي، وجدّ في طلبه، ولم يزل طول عمره يطلبه حتى مات على غاية الحرص في جمعه لا يشتغل بشيء سواه، ويكتب حتى عمّن دونه في السن والإسناد، فكان مِنْ أشدِّ أصحاب الحديث عنايةً بما سمع، وأحسنهم إتقاناً لما حفظ، وقد سمحت له كثرة الاشتغال بالحديث باكتساب معرفة كبيرة بأحوال الرواة، ودراية فائقة بأحاديث الشيوخ، حتى عُدَّ مِنْ أعلم الناس بالرجال، (١) بل ولُقِّبَ بأمير المؤمنين في الحديث (٢) . لم تعد مجالس شعبة بن الحجاج تعقد قصد رواية الأحاديث فقط، بل أصبحت تعقد للبحث في أحوال الرواة تعديلا وتجريحا، حكى أبو زيد الأنصاري النحوي فقال: أتينا شعبة يوم مطر، فقال: ليس هذا يوم حديث، اليوم يوم غيبة تعالوا نغتاب الكذابين (٣) . وقصر المجالس على نقد الرجال أمر ظهر بعد ذلك على يد الطبقة التي تلت شعبة، وعلى رأسها يحيى بن معين والإمام أحمد وابن المديني، يوجه خلالها الطلبة أسئلة تتعلق بالرواة، وردود الشيوخ هي التي يدونها تلامذتهم أو يروونها عنهم بعناوين مختلفة مثل سؤالات أحمد وسؤالات علي بن المديني وغير ذلك.

стр. 19

من الذي يُترك حديثه في رأي شعبة؟ يرى شعبة أن أصنافاً أربعة من الرواة يترك حديثهم ولا يعتد به: أولاً: مَنْ يُتَّهَمُ بالكذب: إن الراوي المتهم بالكذب هو الذي يعرف بكذبه في حديثه العادي بين الناس، فلا يؤتمن حينئذ على حديث رسول الله ﷺ ، إذ إن جرأته على الناس دليل على جرأته على الله ورسوله. ولأن العدالة لا تتجزأ، فلا يكون الراوي ثقة عدلاً في جهة، وكذاباً فاسقاً في جهة أخرى، وهذا ما تشترك فيه الرواية والشهادة. وطرح حديث المتهم بالكذب في كلامه العادي مع الناس ضرب من الاحتياط والحذر اللذين مَيَّزا منهج المحدثين في تلقي الأخبار وروايتها، وأضفيا عليه صفة الدقة والسلامة. ثانياً: من يكثر الغلط: إن الراوي الذي يتهم بفحش الغلط وتزايده يفقد صفة الضبط فلا يؤخذ بحديثه في معرض الاحتجاج، ولا يعتمد في أحاديث الأحكام، بل يستأنس به استئناسا. (١) ثالثاً: من يخطئ في حديث يجمع عليه فلا يتهم نفسه، ويقيم على غلطه ويصر على روايته لذلك الحديث، وإن الراوي الذي يعرف عنه هذا الأمر تسقط روايته ولا يكتب عنه بشرط أن يكون ذلك منه على جهة العناد أو نحو ذلك. رابعاً: من روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون. (٢)

стр. 20

موقف شعبة من الرواة المدلسين: ذكر غير واحد أن شعبة بن الحجاج كان من أصدق الناس وأثبتهم في الحديث حتى قال عبد الله بن إدريس: شعبة قبان المحدثين، (١) أي أمينهم. وقال أحمد في معرض المفاضلة بينه وبين سفيان الثوري: « ... وكان شعبة أثبت منه وأتقى رجلا.» (٢) ولذلك فقد كان له موقف صارم من التدليس والمدلسين، فكان يجعل التدليس في مرتبة أكبر من الزنى، فهو القائل -إن صحت الرواية عنه-: «لأن أزني أحب إلي من أن أدلس، وفي رواية أخرى: التدليس في الحديث أشد من الزنى» (٣) . وقال أيضا مستعظما أمر التدليس مستبعدا إياه: «لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقول: زعم فلان ولم أسمع ذلك الحديث منه» (٤) . منهج شعبة في نقد الرواة ١) الرجوع إلى مصدر الخبر: يعد رجوع المحدث الناقد إلى مصدر الخبر الذي استقى منه الراوي حديثه وسيلة من وسائل التثبت من صدق المخبر وعدالته وضبطه. ولقد كان هذا النهج من ديدن شعبة بن الحجاج وهو القائل في معرض التنويه بمكانة سفيان الثوري: ما حَدَّثني سفيان عن السدي بحديث فسألته عنه إلا كان كما حدثني. (٥)

стр. 21

وفي رواية: "ما حدثني أحد عن شيخ إلا وإذا سألته -يعني ذلك الشيخ- يأتي بخلاف ما حدث عنه ما خلا سفيان الثوري، فإنه لم يحدثني عن شيخ إلا وإذا سألته وجدته على ما قال سفيان" (١) ٢) الرحلة: وذلك من أجل تتبع الحديث الواحد، والرجوع إلى مصدر الخبر للأمن من كذب الراوي أو تدليسه أو غلطه. ولعل رحلة شعبة إلى مكة ثم إلى المدينة ثم البصرة لتتبُّع حديث واحد، والتأكد من اتصال سنده (٢) وصحته، دليل واضح على عنايته الكبيرة بالحديث النبوي عن طريق التتبع الدقيق لرواته وفحص أحوالهم ومعرفة عدالتهم وضبطهم. ٣) اختبار الراوي: وذلك بمعاودة السماع منه مرات متعددة قصد التأكد من حفظه وضبطه وثبوته على رواية نفس الحديث، وقد كان هذا النهج أيضا من المسائل التي اعتاد عليها شعبة، فسمع مرة حديثا واحدا من طلحة بن مصرف فكان كلما مر عليه يسأله عنه، فقال له: لِمَ يا أبا بسطام؟ قال: "أردت أن أنظر إلى حفظه فإن غيّر شيئا تركته". (٣) وقال أيضا: "ما رويت عن رجل حديثاً إلا أتيته أكثر من مرة، والذي رويت عنه عشرة، أتيته أكثر من عشر مرار". (٤) ولذلك لم يكن يقبل الراوي الذي يلقن، قال: كانوا يقولون لسماك:

стр. 22

عكرمة عن ابن عباس؟ فيقول: نعم، فأما أنا فلم أكن ألقنه. (١) وقد روى قتادة عن أبي الأسود الدؤلي قال: "إن سَرّك أن يكذب صاحبك فلقِّنه". (٢) وبالإضافة إلى هذه السبل لمعرفة أحوال الرواة، كان شعبة يرد حديث من يروي ما لا يقبله العقل، قيل له: من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: إذا روى عن النبي ﷺ لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها، علمت أنه يكذب (٣) ، بل إن شعبة -مبالغةً في الاحتياط- اشترط في الراوي أن يرى وجه محدثه وقت التلقي، فها هو يوصي أحد تلامذته بذلك قائلا: "إذا سمعت من المحدث ولم تر وجهه، فلا ترو عنه" (٤) .

стр. 23

مكانة شعبة في علم الرجال: لقد بلغ شعبة بن الحجاج شأوا كبيرا في علم الرجال بفضل هذا التفاني الكبير في تتبع أحوال الرواة، وشدة تمحيصه وتفتيشه وسلوكه مناهج متعددة لكشف صدق الرواة أو كذبهم. لقد أعطت هذه الجهود الكبيرة ثمارها الطيبة ونتائجها المرجوة حيث بلغ من علمه بالرَّاوي أن كان يعرف ما سمع -يعني الراوي- من شيخه وما لم يسمع، فقد روى علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان قال: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء. وكان من نتائج هذه المعرفة والخبرة الدقيقتين: أن قتادة نفسه كان يسأله

стр. 24

عن حديثه يعني حديث نفسه. (١) وقال شعبة أيضا بنفس الروح التي تنم عن هذه المعرفة الكبيرة بالرواة وأحوالهم:" أحاديث محمد بن سيرين عن ابن عباس إنما سمعها محمد عن عكرمة، لقيه أيام المختار وفي رواية أخرى: أحاديث محمد بن سيرين إنما سمعها من عكرمة لقيه أيام المختار ولم يسمع ابن سيرين من ابن عباس شيئا". (٢) وقال أيضا في حق شيخه عطاء بن السائب:"إذا حَدَّثَكَ عن رجل واحد فهو ثقة، وإذا جمع فقال: زادان وميسرة وأبو البحتري فاتَّقِهْ، كأن الشيخ قد تغير" (٣) . وهذا كلام مَنْ خَبِرَ أحاديث عطاء بن السائب ومحصها حتى غدا عارفا بمواطن الخلل والعلة القادحة فيها. ولا غرو بعد هذا كله أن يكثر تلاميذه وتكبر حلقات الدروس حوله لأن أصحاب الحديث كانوا يريدون -كما بين ذلك خلف المخرمي- حسن المعرفة بالرجال وبمعرفة الحديث، وهكذا كان هذا المعنى بينا في شعبة، (٤) وأن تُسَجِّل له كتب الرجال والجرح والتعديل أقواله في الرواة وتصبح عمدة من يعدل ويجرّح، فهذا ابن عون يأبى الأخذ من أحد الرواة، ولما قيل له مالك لا تحدث عن فلان قال: لأن أبا بسطام تركه. (٥) ولا غرو أيضا أن يصفه سفيان بأنه أمير المؤمنين في الحديث، (٦) وأن

стр. 25

يصفه القطان بأنه كان أعلم الناس بالرجال (١) . ورغم هذه المكانة العليا التي سما إليها فإنه كان متواضعا أشد ما يكون التواضع ومحباً للحديث وطلاب الحديث، فمن تواضعه ما يحكيه وكيع أنه ذكر حديثا عن أبي إسحاق فقال رجل: إن سفيان خالفك فيه، فقال: دعوه، سفيان أحفظُ مني، وفي رواية:"إذا خالفني سفيان في حديث فالحديث حديثه". (٢) ومن حبه للحديث والمحدثين قوله: "كل مَنْ كتبت عنه حديثا فأنا له عبد" (٣) ، وقوله: "إذا رأيت المحبرة في بيت إنسان فارحمه، وإن كان في كمك شيء فأطعمه" (٤) . لقد جادت طبقة شعبة بن الحجاج والطبقة التي تلتها بعدد كبير من الجهابذة النقاد الذين كرسوا حياتهم لخدمة الحديث النبوي الشريف من التحريف والتزييف. وإن مجرد عرض أسماء بعض هؤلاء الجهابذة يثبت صحة هذا الحكم ويؤكده، إذ لا يماري أحد في مكانة مالك بن أنس (١٧٩هـ) ، وسفيان بن عيينة (١٩٨هـ) ، وحماد بن زيد (١٧٩هـ) ، ووكيع بن الجراح (١٩٩هـ) ، وعبد الله بن المبارك (١٨١هـ) وأبي الوليد الطيالسي (٢٢٧هـ) ، وأبي داود الطيالسي (٢٠٣هـ) ، ويحيى بن سعيد القطان (١٩٨هـ) وعبد الرحمن بن مهدي (١٩٨هـ) ...

стр. 26

ثم إن أغلب هؤلاء النقاد الكبار من تلاميذ وخرّيجي مدرسة شعبة بن الحجاج، وقد ورثوا عنه أسس علم الرجال ونهلوا من معينه الفياض ليتابعوا تشييد أركان هذا العلم باجتهاداتهم ودراساتهم الخاصة التي كانت معالم وشواهد على ما بذلوه من جهود متواصلة، وقد تم بالفعل إرساء أسس هذا العلم وأركانه على يد هذه الطبقة، لينصرف اهتمام من جاء بعدهم إلى جمع آرائهم وأقوالهم وعلى التصنيف في متفرقات ما وضعوه من أسس ودعائم. وحتى تظهر لنا بعض جهود هذه الفئة في نقد الرواة وتتبع أحوالهم، يجدر بي استعراض بعض مساهماتهم في هذا المجال. أ - مالك بن أنس (١٧٩هـ) (١) لقد عاصر الإمام مالك شعبة بن الحجاج، بل لقد كان من شيوخه، وإنما ذكرته مع الطبقة التي تلت شعبة لتأخر وفاته بعده بتسع عشرة سنة، ولا شك أنها مليئة بالعطاء، غنية بالمساهمة في علم الرجال. من الذي يرد حديثه عند مالك؟ يرى الإمام مالك أن الحديث النبوي «لا يؤخذ من أربعة ويؤخذ من سوى ذلك: - لا يؤخذ من رجل صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه. - ولا من سفيه معلن بالسفه، وإن كان من أروى الناس. - ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا أتهمه أن يكذب

стр. 27

على رسول الله ﷺ . -ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة، لا يعرف ما يحدث» (١) ومن هذا الكلام وغيره مما ورد عن مالك وأضرابه استلهم المحدثون الذين جاؤوا من بعد القواعد ووضعوا الحدود والتعاريف بما تقتضيه صناعة الحدود والتعاريف من عبارات جامعة مانعة وباستعمال مصطلحات اتفق عليها القوم، وهي من صميم لغتهم. - معرفة مالك بأحوال الرواة: لقد تكلم الإمام مالك في العديد من الرواة مبينا أحوالهم، حاضا على الأخذ والرواية عن بعضهم لعدالتهم وضبطهم، ومحذرا من بعضهم الآخر لضعفهم أو كذبهم. فعن عبد الرحمن بن القاسم أنه سأل مالكا عن ابن سمعان فقال: كذاب. (٢) وقال بشر بن عمر: نهاني مالك بن أنس عن إبراهيم بن أبي يحيى، قلت: من أجل القدر تنهاني عنه؟ قال: ليس دينه بذاك. وعن هذا الراوي نفسه يسأله يحيى بن سعيد القطان قائلا: أكان ثقة؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه (٣) . ولقد انعكست معرفة الإمام مالك بالرواة على روايته للحديث النبوي، فكان لا يشق له غبار في ضبط ما يصح من الأخبار والآثار والأقضية ووقائع الصحابة، ومعرفة الطرق التي منها يتطرق الخلل وإمكان الزلل إلى النقلة رواة الأحاديث، وفي هذا قال سفيان بن عيينة: ما كان أشد انتقاءه للرجال

стр. 28

وأعلمه بشأنهم (١) . وقال ابن عبد البر: ومن اقتصر على حديث مالك ﵀ فقد كُفِي تعب التفتيش والبحث ووضع يده من ذلك على عروة وثقى لا تنفصم، لأن مالكا قد انتقد وانتقى، وخلّص ولم يرو إلا عن ثقة حجة ... (٢) . وكان الإمام أحمد قد أكد هذه المسألة فقال: "كان مالك من أثبت الناس في الحديث، ولا تبالي ألاَّ تسأل عن رجل روى عنه مالك بن أنس ولا سيما مديني. (٣) ولهذا فقد استغرب يحيى بن معين حينما سئل عن أحد رجال مالك فقال: أتريد أن تسأل عن رجال مالك، كل من حدث عنه ثقة إلا رجلا أو رجلين (٤) . بهذا الجواب نفسه وبهذه الثقة نفسها كان الإمام مالك ذاته قد أجاب بشر بن عمر حينما سأله عن رجل، قال مالك: هل رأيته في كتبي، قال: لا، قال: لو كان ثقة رأيته في كتبي (٥) . ولا غرابة في أن يكون مالك بهذه الدراية الكبيرة برواة الحديث النبوي، وبهذا التمحيص والمعرفة لأحوال من يبلّغون عن رسول الله ﷺ ، وهو الذي أُثر عنه أنه كان يشدد في الحديث النبوي في الياء والتاء ونحو هذا.

стр. 29

ب- وكيع بن الجراح (١٩٩هـ) (١) ساهم وكيع بن الجرّاح في مسيرة علم الرجال مبيّنا أحوال من ينقلون حديث النبي ﷺ بالدقة المعهودة في غيره من النقاد، من ذلك تتبعه لأحاديث الأعمش عن مجاهد فكان يقول: لم يسمع الأعمش من مجاهد إلا أربعة أحاديث، وفي رواية أخرى عن عمرو بن علي قال: سمعت وكيعا يقول: كنا نتتبع ما سمع الأعمش من مجاهد فإذا هي سبعة أو ثمانية، ثم حدَّث بها. (٢) وبنفس هذه الخبرة والتدقيق قال: يحيى بن الضريس من حفاظ الناس لولا أنه غلط في حديثين، فذكر حديثا لمنصور. (٣) وقد كان وكيع يُنَفِّر من الكذب على رسول الله ﷺ ، ويبين خطورة هذا الجرم ونتائجه الوخيمة. وقد تعرض عليه أحاديث المعلّى ابن هلال فيقول: "قال أبو بكر الصديق: الكذب مجانب للإيمان". (٤) وقوله هذا بمنزلة الحكم على المعلى بن هلال، وهو أيضا جواب توخى منه تذكير الناس بخطورة الكذب في الرواية، وتنفيرهم من الرواية عن الكذَّابين، وقد كان يقول: "هذه بضاعة لا يرتفع فيها إلا صادق". وكان وكيع أيضا إذا أتى على حديث حنظلة بن أبي سفيان يقول: حدثنا حنظلة وكان ثقة ثقة (٥) .

стр. 30

ج- عبد الله بن المبارك (١٨١?) (١) كان عبد الله بن المبارك من مشاهير الأئمة النقاد في هذه الفترة، فقد عني بنقد الرجال وتتبع أحوالهم من أجل سلامة السنة النبوية وهو الذي -حين قيل له: هذه الأحاديث المصنوعة؟ - قال كلمته المشهورة: "يعيش لها الجهابذة" (٢) . وقال أيضا: ليست جودة الحديث قرب الإسناد، جودة الحديث صحة الرجال (٣) . وتبعا لذلك فقد بيَّن ابن المبارك مَنْ يؤخذ حديثه ومن يُرَدُّ، بناء على أوصاف حددها فقال: (٤) "يكتب الحديث، إلا عن أربعة: - غلاط لا يرجع، وكذاب، وصاحب بدعة وهو يدعو إلى بدعته، ورجل لا يحفظ فيحدِّث مِنْ حِفْظه. وقال مرة مجيبا وقد سئل عمن نأخذ؟: "من طلب العلم لله، وكان في إسناده أشد، قد تلقى الرجل ثقة وهو يحدث عن غير ثقة، وتلقى الرجل غير ثقة وهو يحدث عن ثقة، ولكن ينبغي أن يكون ثقة عن ثقة" (٥) . وقد تصدَّى ابن المبارك كغيره من النقاد للتفتيش عن أحوال الرواة وكشف حقيقتهم للمسلمين عموما ولطلاب الحديث على وجه الخصوص، وهذا الإمام مسلم يذكر في مقدمة صحيحه عدة أمثلة عن نقده للرجال،

стр. 31

وكلها تبرز مدى مساهمته في علم الرجال وباعه الكبير فيه، من ذلك أن أبا إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني سأله قائلا: يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء أن من البر بعد البر أن تُصَلِّي لأبويك وتصوم لهما مع صومك؟ فقال عبد الله: يا أبا إسحاق عَمَّن هذا؟ قال: هذا من حديث شهاب بن خراش، فقال ثقة عمن؟، قال أبو إسحاق: عن الحجاج بن دينار، قال: ثقة عمن؟، قال: قال رسول الله ﷺ . قال ابن المبارك: يا أبا إسحاق، إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي ﷺ مفاوزَ تنقطع فيها أعناق المطي، ولكن ليس في الصَّدَقَة اختلاف (١) . وأخرج مسلم أيضا بسنده إلى علي بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول على رؤوس الناس: دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يَسُبُّ السلف (٢) . وأخرج ابن أبي حاتم عن نعيم بن حماد قال: قلت لابن المبارك: لأي شيء تركوا عمرو بن عبيد؟ قال: إن عمرا كان يدعو، يعني إلى القدر (٣) . ولقد أشاد العلماء بمكانة ابن المبارك وصولته على الضعفاء والوضاعين، فهذا شعبة يقول فيه -وهو شيخه-: ((ما قدم علينا من ناحيته مثله)) (٤) ، وهذا أبو إسحاق الفزاري يقول: ((ابن المبارك إمام المسلمين)) ، ويجلس بين يديه

стр. 32

يسأله، وهو يكبره بعشر سنين (١) . وتأتي شهادة أخرى على لسان أمير المؤمنين هارون الرشيد حينما قال له أحد الزنادقة وقد أخذه ليقتله: أين أنت من ألف حديث وضعتها. فرد عليه الرشيد: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك، ينخلانها ويخرجانها حرفا بحرف؟ (٢) . وروى الخطيب في «تاريخ بغداد» قصة اجتماع الناس على ابن المبارك على نحو لا يتم لهارون الرشيد رغم الجند والأعوان (٣) . ولا يستقيم حديث عن علم الرجال في هذه الفترة، وعن مدى مساهمة نقادها الجهابذة دون التعرض بالذكر لعالمين اثنين هما يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن ابن مهدي إذ إنهما من أكثر طبقتهما بحثا عن المحدثين وأتركهم للضعفاء والمجروحين، حتى كان هذا الشأن تخصصا لهم، لم يتعدوه إلى غيره، وكان للناس بهما وثوق فصار مَنْ وثقاه مقبولاً، ومن جَرَّحاه مجروحاً، لا يندمل جرحه. د - يحيى بن سعيد القطان (١٩٨هـ) (٤) : كان يحيى القطان خير خلف لشعبة بن الحجاج بمدينة البصرة، وهي حقيقة أكدها غير واحد (٥) حتى قال فيه الإمام أحمد: ما رأينا مثل يحيى بن سعيد في هذا الشأن ـ يعني في معرفة الحديث ورواته ـ هو كان صاحب

стр. 33

هذا الشأن، فقيل له: ولا هشيم؟ فقال: "هشيم شيخ، وما رأينا مثل يحيى"، وجَعَلَ يرفع أمره (١) . بل لقد بلغ من مكانته ومعرفته بأحوال الرواة أن كان شعبة بن الحجاج يرتضيه حكما بينه وبين طلبة الحديث إذا اختلف معهم في مسألة من المسائل، فقد روى ابن أبي حاتم أن طلبة الحديث اختلفوا يوما عند شعبة فقالوا: اجعل بيننا وبينك حكما، فقال: قد رضيت بالأحول -يعني يحيى بن سعيد القطان- فلما حضر تحاكموا إليه، فقضى على شعبة، فقال شعبة: ومن يطيق نقدك (٢) . وهذه غاية المنزلة كما قال ابن أبي حاتم إذ اختاره شعبة من بين أهل العلم، ثم بلغ من ثقته بنفسه وصلابته في دينه أن قضى على شعبة. وما كان لهذا الجهبذ أن يصل إلى هذا الشأو الكبير في معرفة أحوال الرواة ومروياتهم، وكشف علل الأحاديث وخللها، دون أن يصرف الأيام والشهور، بل السنين الطوال في ملازمة العلماء والشيوخ ينهل منهم العلم والمعارف المختلفة، فقد صرح بأنه اختلف إلى شعبة سنة (٣) . وحرصاً على طلب العلم والصبر عليه، فقد كان يخرج من البيت لطلب الحديث فلا يرجع إلا بعد العتمة (٤) . ولم تكن هذه الجهود المتواصلة لتذهب سدى، بل لقد أثمرت ثمارها

стр. 34

الطيبة، فها هو يبيّن للمسلمين مَنْ يؤخذ حديثه ومن يرد، ويؤكد عدالة بعض الرواة وضبطهم، ويفضح آخرين ويكشف ضعفهم أو كذبهم، فيقال له: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله ، فيرد قائلا بكل ثقة واطمئنان: "لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ ، يقول لي: لِمَ لَمْ تذب الكذب عن حديثي" (١) . يبيّن يحيى بن سعيد القطان مَنْ يؤخذ حديثه من الرواة ومَنْ يُرَدُّ، فيقول: (٢) ينبغي في هذا الحديث غير خصلة، ينبغي لصاحب الحديث: أن يكون ثَبْتَ الأخذ، ويكون يفهم ما يقال له، ويبصر الرجال، ثم يتعاهد ذلك. ولذلك فإنه كان ينصح طلبة الحديث بتجنب الرواية عن المعتمر بن سليمان لأنه كان سيئ الحفظ، (٣) ، وبتجنب الرواية عن حنظلة السدوسي لاختلاطه. (٤) وحذرهم من الراوي الذي يقبل التلقين فقال: "إذا كان الشيخ إذا قبل فذاك بلاء، وإذا ثبت على شيء واحد فذاك ليس به بأس". (٥) كما كان ينصح بتجنب أخذ الحديث عمن ينسب إلى الخير والزهد (٦) ،إذلا مجال هنا إلى حسن الظن، وهو الذي كان يقول: "آتَمِنُ

стр. 35

الرجل على مائة ألف ولا آتَمِنُه على حديث" (١) . هـ - عبد الرحمن بن مهدي (١٩٨هـ) (٢) :

стр. 36

نشأ عبد الرحمن بن مهدي في البصرة أيضا، مشتركا مع يحيى بن سعيد القطان في العديد من الشيوخ وحلقات العلم وطلب الحديث، وتبوأ هو الآخر مرتبة عالية في علم الرجال إلى جانب القطان حتى قال علي بن المديني: ((كان عبد الرحمن بن مهدي أعلم الناس)) -قالها مراراً- (١) بل لقد ذهب إلى أبعد من ذلك فقال: "لو أخذت فأحلفت بين الركن والمقام لحلفت بالله أني لم أر أحداً أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي" (٢) . قسم عبد الرحمن بن مهدي الرواة من حيث ضبطهم أو عدمه إلى ثلاثة أصناف (٣) ، وبيَّن إمكان الرواية عن كل صنف أو ردها فقال: رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يُترك حديثه، وآخر يَهِمُ، والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه. ولذلك فقد كان عبد الرحمن بن مهدي -كما يقول الخطيب البغدادي- لا يترك حديث رجل إلا رجلا متهما بالكذب أو رجلا الغالب عليه الغلط (٤) . وسأله نعيم بن حماد: كيف تعرف الكَذَّاب؟ قال: "كما يعرف الطبيبُ المجنونَ" (٥) ولا يفهمنّ من هذا الجواب أن معرفة حال الراوي تكون دائما سهلة متيسرة، فغالبا ما يعسر الوصول إليها ولا يتسنى لغير الجهبذ الخبير

стр. 37

بلوغها، فدونها خرط القتاد؛ إذ يستحيل ذلك على من لم يدمن الطلب والفحص، وكتب الأحاديث وحفظها، والمذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى العلماء والإتقان ... كما قال الإمام الذهبي (١) . و يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل: تلت طبقة القطان وابن مهدي طبقة أخرى بلغ علم الرجال عندها الذروة، وبدأ التصنيف في هذا العلم في عصرها، ودونت العلل، من هذه الطبقة الإمام يحيى بن معين (٢٣٣ هـ) والإمام أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ) وعلي المديني (٢٣٤ هـ) ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وصاحب الطبقات المتوفى سنة (٢٣٠هـ) ومحمد بن عبد الله بن نمير (١٩٩ هـ) وإسحاق بن راهويه (٢٣٨ هـ) وأبو خيثمة زهير بن حرب (٢٣٤ هـ) . إلا أنَّ ألزمهم لهذا الشأن وأكثرهم اختصاصا به الإمام أبو زفر يحيى بن معين الذي كان يروي الحديث وينتقد الرواة، فإذا روى كان حجة، وإذا تكلم في أسانيد الرجال كان كالبحر الذي لا تُعَكِّره الدلاء، وكم من عالم شهد له بأنه خلق لهذا الفن (٢) . سمع من مجموعة كبيرة من الشيوخ، أغلبهم صرفوا همتهم إلى نقد الرواة وتمحيص الروايات، ولاشك أن لهذا الأثر الكبير في نبوغه وبلوغه مرتبة

стр. 38

الإمامة في الجرح والتعديل وتقويم الرجال ومروياتهم؛ ولهذا فإن ما استفاده من شيوخه وما قام به من دراسات وأبحاث حول الروايات ونَقَلَتها كانت حصيلة أساسية استطاع بها خوض لجج هذا الميدان ومتابعة دراسات وجهود من قبله من النقاد.

стр. 39

منهجه في هذا الميدان: - الرحلة: لقد ولع ابن معين بالرحلة في طلب الحديث والسماع من الشيوخ، فرحل إلى الكوفة ثم البصرة، وزار اليمن والشام ومصر، وتردد كثيرا على بلاد الحجاز حيث وافته المنية بالمدينة المنورة. ونظرا لأهمية الرحلة عند ابن معين فإنه كان يقول: أربعة لا يؤنس منهم رشد، فذكرهم، ومنهم: رجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث. - الإكثار من كتب الحديث: أدرك ابن معين الأهمية القصوى للإكثار من تدوين الحديث وجمعه والوقوف على أكبر عدد من طرقه، إذ من شأن ذلك التأكدُ مِنْ ثبوتِ الرواية وصحتها وصدق الراوي وضبطه عن طريق كشف ما بالحديث من علة أو خلل أو زيادة أو غير ذلك مما قد يطرأ على المتن أو الإسناد. وفي المثال التالي ما يؤكد هذه الحقيقة، قيل لابن معين: الاختلاف الذي جاء عن يحيى بن أبي كثير، هو منه أو من أصحابه؟ فقال: من أصحابه. قيل له: مَنْ أَحَبُّ إليك في يحيى بن أبي كثير؟ قال: الأوزاعي وهشام الدستوائي، قيل له: فأبان بن يزيد؟ قال: وأبان بن يزيد ليس به بأس (١) . أدرك أهمية هذا فكان يقول: سيندم المنتخب في الحديث حين لا ينفعه الندم، وكان يقول أيضا: لو لم نكتب الحديث خمسين مرة ما عرفناه (٢) .

стр. 40

وقد بلغ مِنْ كثرة ما كتب من الأحاديث وطرقها المتعددة: أنه كان يرى كل حديث ليس عنده فهو كذب، أكد هذا حينما دخل عليه محمد بن نصر الطبري ووجد عنده أسفاطا (١) كثيرة فقال له: ((كل حديث لا يوجد هاهنا - وأشار بيده إلى الأسفاط- فهو كذب)) (٢) وأيد كثير من العلماء قوله ذلك فقال أحمد: ((كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث)) . وفي رواية: ((فليس هو ثابتا)) (٣) . وقال ابن المديني مؤكداً كثرةَ كَتْبِه للحديث: "لا نعلم أحدا من لدن آدم ﵇ كتب من الحديث ما كتب يحيى بن معين" (٤) . وصرح ابن معين نفسه بذلك فقال: "كتبت ألف ألف حديث" (٥) . - الإكثار من كتب الحديث عن الكذّابين: إذ كان يكتب أيضا عن الكذّابين والوضّاعين، ورآه أمرا ضروريا للمحدث الناقد حيث قال: "وأي صاحب حديث لا يكتب عن كذَّاب ألف حديث! " (٦) . وقد بيّن ابن معين فضل ذلك فقال: "أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان بعده فيجعل أبان ثابتا ويرويها عن معمر عن ثابت لا عن أبان» (٧) .
следующие страницы →