← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11308

عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم - حسن عبد الفتاح أحمد

حسن عبد الفتاح أحمد

Полный текст (103 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة الحمد لله القائل ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ والصلاة والسلام على من قيل له ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ صلى الله وسلم وبارك على نبي الهدى ومصباح الدجى محمد الذي أنار الله به السبل وألف بين مناهجها حتى صارت سبيلا واحدا يدعو إلى الله على بصيرة هو ومن اتبعه. ورضي الله عن السائرين في سبيل الحق هداة مهتدين بنور القرآن، مستمسكين بعروته الوثقى التي لا تفصمها هجمة هوى، ولا تغادر عنها بثبوت الحق زعزعة النفس ضلالا وغواية رضي الله عن أولئك الذين استعملهم في سبيل القرآن حَفَظَة لرايته، واستنطق بهم ما طواه العداء للقرآن من أعدائه، فراح الكرام العالمون يسلون سيوف البيان والإفصاح عن براهين تَبايُنِ كلام الله عن كلام الخلق. أسكنهم الله فسيح جناته لقاء ما أفسحوا من مجالات الدراسة، وجزاء ما أسهموا به من ضروب الكياسة، وكل هذا يمثل مظهرا من مظاهر معنى قوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أما بعد: فكل كتاب يَرِثُّ كلامُه بكثرة البحث فيه، وتنضو الأفكار منه وينضب عطاؤه إلا القرآن الكريم، فإنه كلما قرأته ألفيت نفسك غير التي كانت بالأمس تقرأ، فالقرآن هو هو، وما تَلَقَّاه قارئه اليوم غير ما فتح عليه منه بالأمس، فإنك لا تجد واحدا من الكتب غير القرآن يعطيك هذا، يؤتيك كل

стр. 2

يوم نفسا تقرأ في كل مرة أول مرة، إذ حين تقرؤه ألف مرة تكون كمن قرأ ألف كتاب، ومن يستزده يزده. "ومن إعجاز القرآن أن يظل مشغلة الدارسين والعلماء جيلا بعد جيل، ثم يبقى أبدا رحب المدى سخيَّ المورد، كلما حسب جيل أنه بلغ منه الغاية امتد الأفق بعيداً وراء كل مطمح، عاليا يفوق طاقة الدارسين (١) ". وتجلت عظمة الإسلام في كون معجزتِه الخالدةِ هو القرآن، والقرآن كلام، وكل ما عدا الكلام في تغير وتطور مستمر، والكلام البشرى وحده الذي إن لم يقل في عطائه لم يزد، وكل كلام له حد يبلغه معناه، والقرآن لا حد لمعناه وإن حصر كلامُه بين دفتي المصحف. إنه لبرهان خالد ساطع الدلالة على صحة الدعوة الإسلامية الخاتمة وصدقها. ولما كانت اللغة مطايا المعاني تبدى لدى الأوائل أن الكلام من حيثيات مختلفة مقصود التحدي فأبدى المختصون منهم وجوه إعجاز فيما يتعلق بلغة القرآن ونظمه، وأساليب الكلام وسائر ما عَنَّ لهم وعَرض في دراستهم. فتشعبت في ذلك فنون وعلوم، ونشأت معارف. وحين تحَّوَل العرب من جودةٍ إلى اختلالٍ في أركان القريحة العربية في قواعدها وألفاظها نجد تحولا عجيبا يؤكد بقاء هذا الكتاب على نفس صورة عظمته لدى الأوائل، فكانت وجوه الإعجاز مضيئة عمر الأمة الخاتمة منذ عهدها الأول وحتى عصرنا هذا، وإلى ما شاء الله.

стр. 3

وتمثلت عناية المسلمين بهذا المجال أولَ الأمر في صورة الدفاع عن القرآن حتى أصبح هذا علما أفضى إلى علم كالبلاغة، واستقر بقاء الثاني أمارة على الأول، فالبلاغة مفتاح كشف وجه الإعجاز، ووجوه الإعجاز أساس علم البلاغة. والقرآن كنز يستفتحه كل عصر بأدواته ليأخذ منه ما تسنى له من جواهره ودرره، وهو كريم كلما استثير أعطى، قال عبد الله بن مسعود ﵁: "من أراد العلم فليثور القرآن فإنه فيه علم الأولين والآخرين" (١) ، لذلك كان علينا أن نستزيد من العلم بالقرآن بكثرة مدارسته، فإنه لا يخلق على كثرة الرد، بل تَرْكُه دون إثارة فيه أفدح خسارة، فعن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال: "سَيَبْلَى القرآنُ في صدور أقوام كما يبلى الثوب، فيتهافت يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصروا قالوا سنبلغ، وإن أساءوا قالوا سيُغفر لنا إنا لا نشرك بالله شيئا" (٢) . وهو غير مُتَبَذَّل، وخفاؤه فى يسره، تمر به مرَّ الغافل فلا يزجي إليك منه شيئا، إذ هو لنزاهته أغفل منك عنك إن غفلت عنه، وإن أعطيته نفسك أعطاك رفده، وهو حَمَّال أوجه، وإلى هذه النكتة أشار أبو الدرداء رضي الله

стр. 4

عنه حين قال "لا يكون الرجل فقيها حتى يحمل الآية الواحدة على محامل متعددة (١) ويدور القرآن مع الزمن فيفيض عليه من سَيْبه حسب طلعة السائرين على مدرجات هذا الزمن، وكلما امتدت إليه يد لم يُصْفِرْها، أو لهفة ظمأى ما صد عنها، بل كان الرُّواء، يعطى لكلٍ شِرْبَه، وعلى حسب الدِّلاء يكون العطاء. اثنان لا يخجل أحدهما من الآخر ولا يستحِي منه ولا يعارضه، القرآن كتاب الله المقروء، والكون كتابه المنظور، لذلك لا تصادفُ نَفْرةً من أحدهما في مواجهة الآخر. ولقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس: ١٠١) وحين كفّ الإنسان نظره عن رؤية القدرة الإلهية في الكون، أنزل الله كلمته المسموعةَ في هذا القرآن فألح القرآن في دعوته إلى أن يُفْترى شئ من مثله، وإذ قالوا: افتراه وليس من عند الله دعاهم إلى افتراءِ مثله، وعجزوا جميعا متظاهرين متعاونين أو فرادى ناكصين ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (الإسراء: ٨٨) . واستحكمت الغيرة في نفوس العلماء وراعهم أن ينال أحد من كتاب الله فأخذوا في بيان إعجازه وجوها عدة. حتى أفضت الدراسة إلى اعتبارِ رُؤيةِ التطابق بين القرآن وآفاق الكون في علوم العصر الحديثة وُجوهاً للإعجاز، أو بينه وما في النفس من دقائق الأسرار.

стр. 5

وتدخل ضمن هذين الإطارين منظوماتُُ أخرى فرعيهٌ تدل على مدى سَعة وجوه الإعجاز القرآني، وكثرة القائمين على العناية بها. ولم يَحْبُ الله أمة بمثل ما أوتيت أمة الإسلام، فقد خَصَّها بالفضل كله، بنبيها الخاتم ﷺ وبكتابه الخالد المعجز، وكونِها خيرَ أمة أخرجت للناس. وجعل عصمتَها بكتابِه سرَّ قوتها، وتمسكَها به سبيلَ هدايتها فهو الكتاب الذي وصفه النبي ﷺ حين قال: " مأدبة الله والنور المبين، والشفاء النافع، عصمةٌ لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد (١) ". المعجزة القولية الكبرى، يحوى في آمادِ آبادِ سَعته أعاظم العجائب الكونية، ردَّ على طالبي الآيات الحسية ليردهم إليه، فأخرس في نفوسهم الكلامَ بإقامة التوجيه نحو القرآن وحده. وقد حكى عنهم قولهم ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (العنكبوت ٥٠، ٥١) ولم يكن التحدي من القرآن إلا لمن لم يقبل كونه كلام الله، فحين يكون كلاما لأحد من البشر يتصور عدم انفراد قائله بمثله، ولم يكن لأحد أبدا أن يحوز ميزة في كلام لم يبلغه في درجته سابق أو لاحق. وهاهو القرآن عبر القرون جميعا يمد تحديه شامخا ما نال منه أحد أبدا إلا كما قيل:

стр. 6

كناطحٍ صخرةً يوما ليوهنها فلم يضِرْها وأوهى قرنَه الوعل وتنوعت أساليب العناية وأشكالها حين تناول المهتمون بإبراز وجوه الإعجاز على أنحاء عدة، تعرف ذلك من خلال هذه الأوراق البالغة في الدلالة قصورَ مَن خط ما فيها. وأسأل الله تعالى القبول والتوفيق إنه سميع قريب. كاتبه حسن عبد الفتاح أحمد

стр. 7

سبب اختيار الموضوع لم يقترح لي موضوع من جملة ما طرح، مما أربك سرعة الشروع فى تقصى جوانب البحث بصفة شمولية، لذلك رحت أفاضل بين الموضوع والآخر على أسس شخصية فردية بحتة، وكلما استقرت النفس على موضوع بكرةً حادت عنه عشية، إلى أن هداني الله تعالى إلى موضوع عناية المسلمين ببيان وجوه إعجاز القرآن الكريم. وصَمدَت في نفسي فكرة البحث في هذا الموضوع حيث يدعمها واقع المسلمين اليوم. وكأنهم بحاجة ماسة فعلا إلى آية، لا أقول ليؤمنوا بالقرآن، ولكن ليعلنوا هم لأنفسهم أنهم جادون في الأخذ بما في هذا الكتاب. وحفظ الله الكتابَ تتنوع فيه المعارض، فصروح الطباعة صورة من صور الحفظ، والمنتديات المتعلقة بها وجوه التباحث في القرآن الكريم صورة ثانية، والهيئات الدولية كالتي تتبع رابطة العالم الإسلامي والمنوط بها دراسات الكتاب والسنة عموما، وبيان وجوه الإعجاز فيهما خصوصاً مظهر آخر. ومن الواجب أننا بعد بيان مثل هذه الوجوه للإعجاز القرآني علينا أن نخرج من ضيق القول إلى سعة العمل ورحبه، فالكلام لا يجدي دون تجسيده في صورة عملية. نعم. حين نجوب أرجاء إثارة الكلمات القرآنية تمطرنا سموات عليائها بسامي المعاني، ولكن نجتزئ من الموضوعات ما يناسب إطار البحث دون تجوز أو تجاوز.

стр. 8

وابتناءُ أمرٍ على غير أساس ينزع إلى التعجيل به وإن أقيم، وكذلك مظهر الدين لا يبقيه عدم جوهره وهو الإيمان، لِذلك يلزم الدخول إلى القرآن بسابق إيمان بحت بأنه غالب قاهر لسلطان العقل ونظريات العلم، متعانق هو والحقائق بآصرة الصدق والثبات، وإلا فما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون؟. لهذا وغير هذا اخترت هذا الموضوع، موردا نفسي موارد التقحم بغير أهلية البحث، أشابه أهله وإن لم أشبه أدناهم. عسى الله أن يجعل في عجز القصور قبولا، وفى قصور العجز منالا، وأن يكون الذي حمل على نفسه تتبع خطو السابقين قد أجمل في سبيلهم المسير، والله الهادي إلى سبيل الرشد وسواء الصراط. والحمد لله رب العالمين

стр. 9

إيجاز البسط وإجمال التفصيل في هذه الصفحات عرضت إلى عناية علماء الإسلام بتعريف المعجزة وبيان الإعجاز، ثم بالأسس التي عليها تبنى وجوه الإعجاز، ثم شرعت في المقابلة بين وحدة الوجه الإعجازي وتعدده موضحا نوعين من وجوه الإعجاز، أولهما: ما يتعلق بالنص القرآني من حيث إنه كلام عربي فقط، وثانيهما: ما استقر في عرف العلوم الكونية من عجائب القدرة في الكون مما صادف وجود إشارات لمثلها في القرآن الكريم. متناولا إياهما في إطار مظهر عناية المسلمين بذلك. وفى معرض الحديث عن النوعين أشرت إلى ما يسر الله لي من كتب تناولت كل موضوع على حِدة، أو مزَجَتْ بينهما، أو تناولت من الوجوه كلها وجها أو بعض وجوه لبيان ما يتعلق بها مؤكدا في البحث ضرورة التحري والتمهل في احتساب نظريات العلم تفسيرا مطلقا لبعض آيات القرآن الكريم. وهذه عبارة مقتضبة عجلى استعرضت بها رءوس المسائل التي دار حولها ترقيع ما انتسجتهُ من الإقدام على مثل هذا الأمر مع تخلُّفِ العُدَّة والعَتاد عن مثلي، لسقوط الأهلية مني لبحوث علمية كهذه، ولكن الأمل يحدوني نحو المشابهة للعلماء وإن حط بي القصور عن التشبه، عسى أن يكون التشبه بهم وجه شبه. هذا والله تعالى ولي التوفيق

стр. 10

مظهر العناية بما هية الإعجاز مادة عجز في القاموس المحيط أوردها الفيروز آبادي على النحو التالي: العجز مثلثة وكَندُسٍ وكَتِفٍ مُؤَخَّر الشيء جمع أعجاز، وأعجزَه الشيءُ فاته، وأعجز فلانا وجده عاجزا وصيره عاجزا، والتعجيز التثبيط والنسبة إلى العَجزِ. ومعجزة النبي ﷺ ما أَعْجَزَ به الخصمَ عند التحدي، والهاءُ للمبالغة وعاجزٌ فلانٌُ ذهب فلم يُوْصَلْ إليه، وفلاناً سابَقَهَ فعَجزَه فسبقه، وإلى ثِقَةٍ مال إليه. وتَعَجَّزْتُ البعيرَ ركبتُ عَجُزَه. وقوله تعالى ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ "أي يعاجزون الأنبياءَ وأولياءهم، يقاتلونهم ويمانعونهم ليعيدوهم إلى العجز عن أمر الله تعالى، أو معاندين مسابقين أو ظانين أنهم يعجزوننا (١) . وعرَّف الرازي في محصله المعجز بأنه "أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي، مع عدم المعارضة. وعقَّب بمحترزات التعريفِ فقال: وإنما قلنا - والكلام للفخر الرازي - أمر: لأن المعجز قد يكون إتيانا بغير المعتاد، وقد يكون منعا من المعتاد، وإنما قلنا: إنه خارق للعادة: ليتميز به المدعى عن غيره، وإنما قلنا إنه مقرون بالتحدي لئلا يتخذ الكاذب مُعْجِزَ مَنْ

стр. 11

مضى حجة لنفسه، وليتميز عن الإرهاص والكرامات. وإنما قلنا: إنه مع عدم المعارضة، ليتميز عن السحر والشعبذة (١) . والمعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة وهى: إما حسية، وإما عقلية (٢) . والمعجز بهذا المعنى يدخل فيه من وجوه الإعجاز ما اتُّفِقَ عليها وما اخْتُلِفَ فيها ويخرج عنه ما قاله أبو الحسن الأشعري على النحو الذي سيأتي إن شاء الله بيانه عند تقسيم الوجوه. ولقد أجمع عامة الباحثين من علماء العربية والتشريع والفلسفة والفرق المختلفة، أن القرآن معجز، فما معنى أنه معجز؟ للجواب عن معنى الإعجاز ثَمَّةَ تعريفان للإعجاز (٣) :- أحدهما: هو المعتمد لدى جمهور العلماء والباحثين وهو: أن القرآن قد سما في علوه إلى شأو بعيد بحيث تعجز القدرة البشرية عن الإتيان بمثله، سواء كان هذا العلو في بلاغته أو تشريعه أو مغَيَّباته أو غير ذلك. ثانيهما: تفرد به (٤) أبو إسحاق إبراهيم بن سيار بن هاني النظام (ت ٢٣١هـ) اللغوي والمعتزلي المعروف ثم تبعه في ذلك بعض الناس من فرقته

стр. 12

وجماعته، فالإعجاز عنده هو: أن الله قد صرف قدرات عباده وسلب همتهم وحبس ألسنتهم عن الإتيان بمثله. وإتماما للفائدة فإنه إذا كان النظام أول من جاهر بالقول بالصرفة، إلا أن ابن الراوندي أحمد بن يحيى المتوفى سنة ٢٤٥ في كتابه "فضيحة المعتزلة" الذي رد به على كتاب الجاحظ "فضيلة المعتزلة" هو أول من أثار مذهب الصرفة المشهور ونَسَبَهُ إلى أبي إسحاق إبراهيم النظام، وذلك ما أورده أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخياط المعتزلي في كتابه "الانتصار" الذي ينقض فيه كتاب ابن الراوندي "فضيحة المعتزلة" (١) . والتعريف الأول يجعل مصدر الإعجاز علو منزلة القرآن عن مستوى الطوق البشري. والتعريف الثاني يجعل المصدر حبس القدرات وصرف الهمم عن معارضته وتقليده، فالمنع هو المعجز وليس القرآن. وابن حزم يروي في كتابه الفصل (٢) كلاما عزاه إلى الباقلاني إذ يقول عنه: "ورأيت للباقلاني في فصل من كلامه، أن الناس ليسوا بعاجزين عن مثل هذا القرآن ولا قادرين عليه، ولا هم عاجزون عن الصعود إلى السماء، ولا عن إحياء الموتى، ولا عن خلق الأجسام ولا اختراعها، ولا قادرين على ذلك. هذا نص كلامه دون تأويل منا عليه، ثم قال: إن القدرة لا تقع إلا حيث يقع العجز"

стр. 13

ومن أراد الرجوع إلى الرد على هذا الكلام الذى أسماه ابن حزم بالهوس فليطالعه عند كلام ابن حزم على المعجزات. وإيراد كلام الباقلاني هنا مقصود، لبيان جملة من الأقوال التي ضربت في معنى الإعجاز بسهم، لكن الباقلانِيَّ لم ينظر إلى المعجز بقدر نظره الناسَ منطلق بدوالعجز والقدرة، ويفهم من قوله، أن الناس على جبلتهم لا يوصفون بعجز ولا قدرة، فمن أودعت فيه قدرة كان قادرا، ومن أودع فيه العجزُ صار عاجزا. ولا تُعْلم القدرة إلا حيث يبرز العجْزُ فمن عجز عن أمر فإن هذا الأمر يكون مقدورا عليه من غيره حتما، لأنه لا يوصف العاجز إلا حيث لم يتحقق منه الأمر، والأمر حتما لا يُعْلم إلا حيث يقع مقدورا من الغير. ويسوق ابن حزم (١) قولا للأشعري بأن المعجز الذي تحدى الناسَ بالمجيء بمثله هو الذي لم يزل مع الله تعالى ولم يفارقه قط ولا نزل إلينا ولا سمعناه. ويقول ابن حزم في رده على ذلك: "وهذا كلام في غاية النقصان والبطلان، إذ من المحال أن يكلف أحد أن يجيء بمثل ما لم يعرفه قط ولا سمعه، وأيضا فيلزمه ولابد بل هو نفس قوله: إذا لم يكن المعجز إلا ذلك فالمسموع المتلو عندنا ليس معجزا، بل مقدور على مثله، وهذا كفر مجرد، لا خلاف فيه لأحد، فإنه خلاف للقرآن لأن الله تعالى ألزمهم بسورة أو عشر سور منه وذلك الكلام الذي هو عند الأشعري هو المعجز ليس له سور ولا كثير، بل هو واحد فقط، هذا القول والحمد لله رب العالمين".

стр. 14

ويذكر الأشعري في "مقالات الإسلاميين" قولا لهشام وعباد (١) هو أنهما قالا: لا نقول إن شيئا من الأعراض يدل على الله سبحانه، ولا نقول أيضا: إن عرضا يدل على نبوة النبي ﷺ . ولم يجعلا القرآن علما للنبي ﷺ ، وزعما أن القرآن أعراض (٢) . ومن جميع ما سبق نخلص إلى نتيجة مفادها: أن الناظر إلى القرآن ككلام يحوي أعاجيب لا تنقضي، قال بالإعجاز القرآني، وبّيَّن وجوها منه على نَحْوِ مَا سيرد إن شاء الله، ومن نظر إلى كلام الله النفسي جعله هو المعجز، وهذا حق متى علم، وهو لم يطلع عليه أحد بعد ولم يكن منه تحد إلى أحد من الخلق لأن التحدي كان حينما سمع المعرضون القرآن وقالوا إن الرسول ﷺ قد افتراه، حينئذ قال لهم: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وما تحداهم إلا بمثل ما سمعوا، ومن نظر إلى الناس فرأى فيهم ذا القدرة الفائقة على البيان وإجادة الكلام بنظم بليغ وقول مجيد ولم يجد منهم إقداما نحو الإتيان بمثله، بل من دفعه طيشه ونزقُه وأفنُ عقله إلى المعارضة، أتى بالسخيف مما لا يرقى إلى مستوى الإجادة المعتادة في كلام العرب، ومن رأى فيهم غلبة القرآن عليهم، قال بصرف الله لهم عن المماثلة والمحاكاة.

стр. 15

ومن رأى أن الأصل في الناس التفاوت قال إنهم ليسوا بعاجزين ولا قادرين، وهذا يصح فيما كان بينهم، ولكن فيما يكون من عند الله، فهم العاجزون والله تعالى على كل شيء قدير، ومن غالى استعظم أن يكون القرآن - وهو في زعمه عرض - دالاًّ على الله أو على نبوة النبي ﷺ ، وهب أنه ينزه اللهَ أو يجعلُ رسولَه ﷺ بهذا النحو، إلا أنه يخالف واقع التحدي الدائم، والعجز المطَّرِد من كل من خاطبهم القرآن بالتحدي (١) . ويقول الرافعي (٢) "إن القرآن معجز بالمعنى الذي يفهم من لفظ الإعجاز على إطلاقه حين يُنْفَى الإمكان بالعجز عن غير الممكن". وحين انتقى إمكان العرب بعجزهم عن الإتيان بمثله بل عجز كل الإنس ومعهم الجن عن ذلك، حينئذ تفهم معنى إعجاز القرآن الكريم على إطلاقه. ولا يقال: عجز فلان إلا بعد سبق، فالعرب كان لهم السبق، لم تعجزهم أمة في الإعراب والبيان، ولما نزل القرآن سبقهم. وهذا شأن الخلق دائما فإنه ليس لأحد منهم أن ينفرد بوصف ذاتي أبدا، والعرب أسبق الأمم وأبينهم فيما يعربون فلابد أن لا يكون لهم هذا التفرد، لأنه لا يتوحد بوصف إلا الواحد تعالى، فكان القرآن المقدم وصار اللسان الأقوم والأبين من العرب في الدرجة الثانية، وبعد أن كانوا في الصدارة صاروا في عربيتهم وبيانهم في تاليها. وحق للقرآن أن يكون عربيا ما دامت العربية في درجة اللغات هي الأولى، ومع هذا تبوأ القرآن المنزلة الأولى من هذه اللغة العظمى.

стр. 16

وفي النكت في إعجاز القرآن لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني (٢٩٦هـ - ٣٨٦هـ) اعتراض افترضه الشيخ ورد عليه " إذ يقول (١) : "فإن قال قائل: فلم اعتمدتم على الاحتجاج بعجز العرب دون المولدين وهو عندكم معجز للجميع، مع أنه يوجد للمولدين من الكلام البليغ شيء كثير؟. قيل: لأن العرب كانت تقيم الأوزان والإعراب بالطباع، وليس في المولدين من يقيم الإعراب بالطباع كما يقيم الأوزان، والعرب على البلاغة أقدر لما بَيَّنَّا (٢) من فطنتهم لما لا يَفْطن له المولدون من إقامة الإعراب بالطباع، فإذا عجزوا عن ذلك فالمولدون عنه أعجز". والجرجاني في رسالته الشافية (٣) يفضي بباب من التلبيس يدور في أنفس قوم من الأشقياء يستهوون به وعي الغِرِّ الغَبِي بذكره، وهو قولهم: قد جرت العادة بأن يبقى في الزمان من يفوت أهله حتى يسلموا له، وحتى لا يطمع أحد في مداناته، وحتى يقع الإجماع فيه أنه الفرد الذي لا ينازع، ثم يذكرون امرأ القيس وربما ذكروا الجاحظ. وهم يريدون بذلك أن القرآن معجز لا لأنه كلام الله، بل لمزية كانت للنبي ﷺ في كلامه دون غيره من أرباب الفصاحة فاق بها الفصحاء والبلغاء.

стр. 17

ولكن الجرجاني ذكر شرطاً للمزية والتفرد وهو أن المزية الناقضة للعادة يبلغ الأمر فيها إلى حيث يبهر ويقهر، حتى تنقطع الأطماع عن المعارضة، وتخرس الألسن عن دعوى المداناة، وحتى لا تحدِّثَ نفس ُُ صاحبها بأن يَتَحَدَّى، ولا يَجُول في خلَدٍ أن الإتيان بمثلها يمكن، وحتى يكون يَأْسُهُم منه وإحساسهم بالعجز عنه في بعضه مثل ذلك في كله. ثم يقول الجرجاني نافيا أن يكون لأحد كائنا من كان كلُّ هذا: "وليت شعري من هذا الذي سَلَّم لهم أنه كان في وقت من الأوقات من بلغ أمرُه في المزية وفى العلو على أهل زمانه هذا المبلغَ وانتهى إلى هذا الحد". ثم ساق القصة الشهيرة بين امرئ القيس وعلقمةَ الفحلِ والتي كان فيها الحكم بين الشاعرين أُمَّ جندب امْرأةَ امرئ القيس والتي فضلت علقمةَ في الشعر على زوجها. وأردف الرجل برهانا بعد آخر إبطالا لهذا القول، ومن براهينه أن للشعراء طبقات، وبَيّنَ أنهم في كل طبقة منها أكفاء نظراء. ولم ينفرد واحد بمزية تخصه، فسقطت بذلك مقولة المزية. هل العجز هو الإفحام؟ يقول الشيخ محمد عبده (١) "يقول واهم إن الإعجاز حجة على من عَجَزَ فإن العجز هي حجةُ الإفحام وإلزامُ الخصم، وقد يلتزم الخصم ببعض المسَلَّمَات عنده فَيُفْحَم ويعجز عن الجواب فتلزمه الحجة، ولكن ليس ذلك بملزم لغيره، فمن الممكن أن لا يُسَلِّم غيرُه بما سلمه، فلا يُفْحِمُه الدليلُ، بل يجد إلى إبطاله أقرب سبيل"

стр. 18

ويرد الشيخ بقوله: "وهو وهم بما قدمنا من البيان إذ لا يوجد من المشابهة بين إعجاز القرآن وإفحام الدليل، إلا أنه يوجد عن كل منهما وجه عجز، وشتَّان بين العجْزَين، وبُعْد ما بين وِجْهتَي الاستدلال فيهما، فإن إعجاز القرآن برهن على أمر واقعي، وهو تقاصر البشرية دون مكانته من البلاغة ". وأضيفُ: إنه إذا كان الإفحام يتصور إبطاله من أحد غير العاجز أو من نفسه هو في وقت لاحق، فهل أبطل الإعجاز على مَدِّ زمن التحدي من القرآن للثقلين أي أحد. وبعد إيراد كل هذا في مضمار بيان المعجزة والإعجاز نخلص إلى أن المعجز هو: أمر خارق للعادة مقرونا بالتحدي يظهره الله على يد مدعي النبوة تصديقا لدعواه. وإذا كان باب الدخول إلى صلب الموضوع قد أخذ من علمائنا هذه العناية بإحكام الشروع والبيان عند إرادة التفاصيل، فإن هذا ينم عن غاية تغياها هؤلاء، وهى سد أبواب التنطع في وجه كل لئيم دائر النظر، بحثا عن مطعن يقدح من خلاله في أجَلِّ كلام عرفَتْه البشرية وهو كلام الله تعالى. لقد أدام علماؤنا افتراضاتِ الرافضين لكون القرآن كلامَ الله، فأداروا في رءوسهم كل رد لتخرس الألسنة عن تقليب ما جال في الخواطر الفاسدة الناشئة من رداءة أصل التوجه، وما أفاد العلماء من مثل هذا إلا شرفَ عنايتهم وغايتِهم من هذا، فالقرآن قد استبقى لنفسه دفُوُعاً شتى، يواجِهُ بها في كل جيل ما جلَّ من خطبه وخطره في سبيل النيل من القرآن ودرجته العليا.

стр. 19

الفصل الأول العناية بوجوه الإعجاز مدخل ... الفصل الأول: العناية بوجوه الإعجاز يستلزم بيان وجوه الإعجاز جلاءَ الأساس الذي بني عليه وجودُ الكلام في الإعجاز، فإن القرآن في جملته معجزة على وجه الحقيقة، ولا يمكن لأحد أبدا مهما أوتى من علم أن يذكر السبب الذي أعجز أفذاذ العرب عن أن يأتوا بمثله، فإنه قد امتد إلى نفوسهم، فانطبع في نفس أحدهم منه حلاوة، وفى نفس الآخر خوف، مع عدم إيمانهم به، بل كانوا يسترقون سماعه خُفْيَةً، وما حمَلَهم عداؤهم على أن يجابهوا هذا الذي أخزاهم وأقعدهم دون منازلهم وسفه أحلامهم. لا يمكن لأحد أبدا أن يكون قد اطَّلَع على أحوال قلوبهم حين استمعوا القرآن، ثم تكشَّف له أن الوجه الذي أعجزهم كيت وكيت، أو أن الله صرفهم عن ذلك، بل تقوم الأدلة على أنهم ما تركوا المعارضة إلا عجزا من عند أنفسهم، وذلك لأن القرآن قد نقض عادتهم في الكلام والإعراب والبيان ووجدوا فيه عُلُوَّماَ لَمْ يعُهْدَ، ومن أنكر الإعجاز ما أضر بغير نفسه، وظل القرآن يرمى إلى كل جيل إعجازا بعد إعجاز. ولذلك ينقسم هذا الفصل إلى مبحثين:- الأول: الدوافع التي أدت إلى التصنيف في الإعجاز. الثاني: يبين ما يتوقف عليه القول بوجه من الإعجاز.

стр. 20

المبحث الأول: دواعي بيان الإعجاز اتخذ مظهر الولاء لهذا الدين والدفاع عن كتابه صورتين: دَفْع بالسنان ودفاع باللسان. فمن ادعى النبوة كمسيلمة لاقى في حروب الردة ما لاقى، ومن اعتلاه شيطانه واعترته وساوسه وطعن في القرآن، أصابه ما أصاب سلفه، أو أرغمت الحجة أنفه. وفى صدر الإسلام كان الطبع العربي لم يزل على سلامة سليقته في الإعراب، إذ لم يكن بحاجة إلى وسائل يُتَفَهَّمُ بها القرآن الكريم، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون معانيَ الألفاظ وما وراءها بفطرتهم العربية الأصيلة، فإذا أشكل عليهم شيء من وراء ذلك سألوا عنه رسول الله ﷺ . ثم كانت رقعة حياتهم ضيقة لا تزخر أو تتزاحم فيها التقاليد والأفكار والمشكلات الطارئة فكانت معارفهم في أذهانهم، وكان مرجعهم فيها رسول الله ﷺ ، ثم كبار الصحابة مِنْ بَعْدِه، فلم يكن عندهم شيء مما أطلق عليه فيما بعد اسمُ "علوم القرآن" (١) . ومع أن العرب بصحة عربيتهم قد أدركوا إعجاز القرآن في نفوسهم سواء منهم من آمن ومن لم يؤمن إلا أن مادة " ع، ج،ز" لم ترد بهذا المعنى، بل اشتهرت لدى المسلمين ألفاظ أخرى كالآية والبرهان والسلطان (٢) . مع هذا لم يَخْلُ القرن الأول من تعبيرات مفادها أن للقرآن من غلبة اللسان وسلطان البيان ما ليس لغيره من سائر الكلام.

стр. 21

وخرج المسلمون على غيرهم بنور الإيمان فاتحين فانفتحوا هم في المقابل على ما كانت لدى الأمم من علوم، فسيِطرت الفلسفة على عقول بعض الناس، وربما اتجه المتفلسفون إلى الفكرة لا لأصالتها أو صِلتِها بالحق ولكن لغرابتها، لا رغبة في تحقيق الحق وإبطال الباطل، ولكن للترف العقلي، لا يفرقون بين أمر يتصل بالإيمان وأمر لا صلة له بالإيمان. ومن جملة ما اطلع عليه بعض المتفلسفين من المسلمين أقوالُ البراهمة في كتابهم " الفَيْدَا" (١) وهو يشتمل على مجموعة أشعار ليس في كلام الناس ما يماثلها في زعمهم. ويقول جمهور علمائهم: إن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثلها، لأن "براهما" صرفهم عن أن يأتوا بمثلها. وحكى الإمام محمد أبو زهرة ما أورده أبو الريحان البيروني (٢) في كتابه "ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ما نصه". "إن خاصتهم يقولون إن في مقدورهم أن يأتوا بأمثالها، ولكنهم ممنوعون من ذلك احتراما لها" وعقب الشيخ أبو زهرة بقوله: ولم يبين البيروني وجه المنع أهو منع تكليفي يسبقه الإيمان بهذه الكتب، وتكون دلائل وجوب الإيمان من نواح أخرى، أم هو منع تكويني بمعنى أن براهما صرفهم بمقتضى التكوين من أن يأتوا بمثلها. أي أنه جعل خَلْقَهُمْ وتَكوينهم على نحوٍ لا يستطيعون معه الإتيان بمثلها. ورجح الشيخ الوجه الأخير بناء على أنه المتفِق مع قَوْلِ جمهور علمائهم، وما اشتهر من أن القول بالصرفة نبع في واديهم.

стр. 22

ودخلت الأفكار الهندية في عهد المنصور أبى جعفر (١) فتلقفها المحبون لكل وافد من الفكر ركونا إلى الاستغراب في أقوالهم فدفعتهم الفلسفة إلى اعتناق ذلك القول، وطبقوه على القرآن وإن كان لا ينطبق. فقال قائلهم: إن العرب إذ عجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن ما كان عجزهم لأمر ذاتي من ألفاظه ومعانيه ونسجه ونظمه، بل كان لأن الله صرفهم عن أن يأتوا بمثله (٢) . ولم يُسَمِّ الشيخُ أحدا ممن قال بهذه المقولَةِ قبلَ النظام ولكنه أبرز مَرْمَى رَوَاجِ هذه الفكرة وجعل مؤداها إلى أمرين (٣) : أولهما: أن القرآن ليس في درجة تمنع محاكاته، وليس الإعجاز من صفاته الذاتية. ثانيهما: الحكم على القرآن بأنه ككلام الناس. لكن الرافعيَّ في كتابه "تاريخ آداب العرب" (٤) يقول: "كان أول ما ظهر من الكلام في القرآن، مقالة تُعْزَى إلى رجل يهودي يُسَمى لبيد بن الأعصم فكان يقول: إن التوراة مخلوقةٌ فالقرآن كذلك، ثم أخذها عنه طالوتُ ابن أخته وأشاعها، فقال بها بنان بن سمعان الذي تنسب إليه البنانية، وتلقاها عنه الجَعْدُ بن درهم" مؤدب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية " وكان زنديقا فاحش الرأي واللسان. وهو أول من صرح بالإنكار على القرآن والرد عليه وجحد أشياءَ مما فيه، وأضاف إلى القول بخلقه أن فصاحتَه

стр. 23

غيرُ معجزة، وأن الناس يقدرون على مثلها وعلى أحسن منها. ولم يقل بذلك أحد قبله، ولا فشت المقالة بخلق القرآن إلا مِنْ بعده. وإذا كان الجعد بن درهم أولَ من صرح بالقول بخلق القرآن وبأنه غير معجز، فإن أول من جَهَرَ بالقول بالصرفة من المتكلمين المعتزلة، أبو إسحاق إبراهيم بن سيار بن هاني النظام (ت٤٢٤هـ) . خلط كلام الفلاسفة بكلام المعتزلة وانفرد أصحابه بمسائل: منها قوله في إعجاز القرآن أنه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية والآتية، ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومَنْع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما (١) . وهذان هما الدافعان اللذان أثارا حفائظ المؤمنين غيرة على الحق، أما أبان ابن سمعان والجعد بن درهم فقد قتلهما خالد بن عبد الله القسرى المتوفى سنة ١٢٦هـ ﵀ وجزاه خيرا. وأما النظَّام فإن تلميذه الجاحظ لم ينتظم في سلك طائفته بل خرج عليه راميا نحوه بسهام ما أصاب من علم وآداب عربية، فمع اعتزاله لم يقف من الحق موقف المتخاذل فآثر حرمة الحق على حرمة الشيخ، فكان أول من دفع القول بالصرفة بالإعجاز الذاتي للقرآن الكريم. لم يوافق التلميذُ أستاذَه، وإذا كان النظام قد اشتهر بالبيان وسرعة الجواب ولسن القول فقد اشتهر الجاحظ "ت ٢٥٥ هـ" بأنه ذواق الكلام وَصَيْرَ فِيُّ البيان. فإن خَالَفَ من يتسرع في الخبر ويبني عليه، فهي مخالفة الخبير العارف بتصريف القول وأفانين التعبير والتفكير.

стр. 24

ولم يكن رد الجاحظ على شيخه ردَّ المجادل، ولكنه كان بالعمل، فقد كان أول من كتب في إعجاز القرآن من الناحية البيانية ليكون الردُّ على الصرفة ببيان الإعجاز الذاتي (١) . وفى كتاب "المعتزلة" يقول مؤلفه زهدي حسن جاد الله "وقد رد الخياط على هذا القول الذي كان ابن الراوندي أول من نسبه إلى النظام وقال إن النظامَ كان يقر بإعجاز القرآن نظما وإخبارا (٢) . ومن كل ما سبق يمكن القول إن الصرفة لم تكن مذهبا يعتقده أحد من المسلمين مع شهرة وذيوع نسبتها إلى النظام الذي شهد له صاحب الانتصار بأنه كان يقر بإعجاز القرآن نظما وإخباراً، وما كان القول بالصرفة ونسبتها إلى أحد المسلمين ليكون لولا ضغائنُ الكائدين وأحقادهم للإسلام ولكتابه. وهَبْنَا نجد في بطون الكتب ردودا على مثل هذا القول إلا أن هذه الردود وحدها لا تُثْبِت صحةَ نسبةِ الصرفة إلى قائلها، لأن دافعا كالغيرة على القرآن لا يترك مستجمعا لأدلة الاستيثاق من صحة صدور هذا القول عن صاحبه قبل المواجهة دون أن تبعثه على الرد بأقصى ما يمكن من السرعة على ما يمس الإسلام في أصل تشريعه وهو القرآن. ولم يَخْلُ زمننا هذا مَعَ تباعُدِ ما بينه وبين عصر بزوغ فكرة الصرفة من أن ينبري مَنِ اطلع عليها بالرفض، والنقض لها، والرد عليها، ونقدها مما يسمح

стр. 25

بالقول: إنه قد يكون اتهام النظام مبنيا في أصله على ما أشيع عنه بالقول بها، وقد يكون منها براء. ولا خلاف في أن إثم القول بالصرفة - على اعتبارها طعنا في ذاتية الإعجاز القرآني - يقع على أول قائل بها سواء كان هو النظام أو من نسبها إلى النظام، بل على البادئ وزر من قال بها بعده، إذا كان قوله مؤسَّساً على مشايَعَةِ أول قائل بها، والارتضاءِ بها وجها للإعجاز. ولكن متى اتخذ الكلام في الإعجاز الصورة العلمية المنظمة؟ في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث بدأ الكلام في الإعجاز بصورة علمية منظمة ففي هذا العصر ظهرت أكثرُ النظريات الرئيسية في الإعجاز، صادرة عن المتفلسفين والمعتزلة والمتكلمين، وكثر الكلام في الدين والنبوة وبُحِثَ الإعجاز على أنه فرع لهما. وشاهَدَتْ هذه الحِقْبَةُ ظهورَ منكرِي الإعجاز كابن الراوندي أبي الحسين أحمد بن يحيي "ت ٢٩٣ وقيل: ٣٠١ وقيل: ٣٥٠" (١) الذي بسط لسانه في مناقضة الشريعة وإنكاره إعجاز القرآن في كتابه "الفريد" وقيل: إنه عارض القرآن في كتاب سماه "التاج" (٢) ومن كتبه "الزمردة" و "قضيب الذهب"، و"المرجان"، و"البصيرة".

стр. 26

وانبرى كثيرون للرد عليه (١) في لاحق الزمن، ومع أن المعرى أبا العلاء (٤٤٩هـ) قد تولى الرد عليه، إلا أنه لم يسلم هو من الاتهام بمعارضة القرآن في كتابه المسمى "الفصول والغايات في مجاراة السور والآيات" على أن المعريَّ قد أثبت الإعجاز للقرآن فيما أنكر من رسالته على ابن الراوندي (٢) بل الناظر في الفصول لا يجد فيه شيئا من هذا. وكما لم يسلم المعري لم يسلم من قَبْلِهِ الجاحظُ فهو وإن كان رأيهُ في الإعجاز كرأي أهل العربية (٣) فقد سرد في كتابه "الحيوان" طائفة من أنواع العجز إلا أنه لم يسلم من القول بالصرفة فرد أنواع العجز في العلة إلى أن الله صرف أوهام الناس عنها ورفع ذلك القصد من صدورهم، ثم عد منها: "ما رَفَعَ من أوهام العرب وصرف نفوسهم عن المعارضة لقرآنه بعد أن تحداهم الرسول ﷺ بنظمه (٤) . وظهر أول كتاب في الكلام لمؤلفه علي بن ربن الطبري في خلافة المتوكل (٢٣٢ - ٢٤٧ هـ) فظهرت مسألة الأسلوب مبكرة في إعجاز القرآن ظهوراً واضحا في كتابه " الدين والدولة " الذي يرى فيه أن الوجه المعجز في القرآن هو هدفه الإصلاحي، وتحقيقه هذا الهدف، وأوامره ونواهيه، وإخباره عن الجنة والنار، وأسلوبه الطلي الرائع برغم أمية النبي محمد ﷺ (٥) .

стр. 27

بيد أن أول كتاب وضع لشرح الإعجاز وبسط القول فيه على طريقتهم في التأليف إنما هو كتاب "إعجاز القرآن" لأبى عبد الله محمد بن يزيد الواسطي المتوفى سنة ٣٠٦ وهو كتاب شرحه عبد القادر الجرجاني شرحا كبيرا سماه المعتضد وشرحا آخر أصغر منه (١) . ويرجح الرافعي كون الواسطي بنى على ما ابتدأه الجاحظ كما بنى عبد القادر في (دلائل الإعجاز) على الواسطي. ثم وضع المعتزلي أبو الحسن على بن عيسى الرماني (٢) . المتوفى سنة ٣٨٦ كتابه " النكت في إعجاز القرآن " فرفع بذلك درجة ثالثة. وجاء القاضي أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ فوضع كتابه "إعجاز القرآن" الذي أجمع المتأخرون من بعده على أنه باب في الإعجاز على حدة (٣) والغريب أنه لم يذكر فيه كتاب الواسطي ولا كتاب الرماني، ولا كتاب الخطابي الذي كان يعاصره، وأو ما إلى كتاب الجاحظ بكلمتين لا خير فيهما (٤) . والخطابي الأديب اللغوي المحدث أبو سيلمان حمد بن محمد بن إبراهيم البستى، ولد في رجب ٣١٩ هـ وتوفي في ٣٨٨هـ ألف كتابه بيان "إعجاز القرآن" فأفاد فيه وأجاد. وكما لم يذكره الباقلاني لم يذكر هو كذلك من سبقه ولا من عاصره (٥) .

стр. 28

ومن هذا الذي سبق نجد أن العقول قد يخصبها التضاد، فلولا ما نجم من فكر أعور جرى على ألسنة أصحابه قول بعضهم بالصرفة، وقولُ البعض الآخر بنفي الإعجاز عن القرآن، لما هَمَتْ على أرض القلوب المؤمنةِ بواعثُ التوجه نحو الإعجاز وبيانِهِ، وحجاج النافين له. لذلك أسفرت هذه المعركة عن أمرين هما مظهران للعناية بوجوه إعجاز القرآن الكريم: أولهما - أن هذه الكتب التي ألفت لم تدع الإعجاز الذاتي ولا قسيمه دون أن تأخذ من كلٍ بطرف. فحين يعرض بعضها للصرفة كوجه يراه البعض، نرى وابلا من الحُجَج الدامغة ينصب فوق الفكرة والقائلين بها ممن لم يعتبرها وجه إعجاز. ثانيهما - أن هذه الكتب كانت فاتحةً لعلوم البلاغة، ليتسنى لمن لم يكن في عصر القرائح العربية الأصيلة أن ينظر من خلال معارفه البلاغية إلى وجه الإعجاز الذاتي للقرآن الكريم، وهو ما أظل الحِقَبَ المتعاقبةَ على الأمة.

стр. 29

المبحث الثاني: أسس استنباط وجوه الإعجاز وقواعده عَّرف علماء الكلام المعجزةَ بأنها "أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم من المعارضة" وناقشوا مدلولها كثيرا، وتعالجوا شروطها طويلا، لكن نكتفي بما ذكره القرطبي المفسر في كتابه "الجامع لأحكام القرآن" (١) من شروطِ لا يصح من دونها الحادث أن يسمى معجزةً وهى: - ١- هذا الحادث ينبغي أن يكون مما لا يستطيعه إلا الله. ٢- أن يخرج على قوانين الطبيعة. ٣- ينبغي أن ينبئ عنه الحكيم قبل أن يقع بأن كذا وكذا سيحصل. ٤- ويجب أن يكون الحادث الواقع موافقا لما قال مِنْ قبل. ٥- وألا يكون في استطاعة أحد أن يجري مثل هذا الأمر. هذه هي شروط المعجزة، ولننظر ماذا كان منها متحققا عندما تلقى العرب القرآن عند أول نزوله. ذلك أنهم دهشوا بما غالبهم عليه القرآن من البيان، وعجزوا مع تحديه لهم مع آياته أو سوره الأولى أن يأتوا بمثله. عجزوا، ولم يستطع أحد أبداً استبانة أسباب عجزهم مع براعتهم البيانية وقدرتهم الفائقة على الإعراب والبيان المتوارث في الطباع. لم يقدر أحد على معارضة القرآن، وكانت المجالدة بآلات الحرب أهونَ عليهم من مجادلة القرآن. فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء والبلغاء نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن لهم فقال ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ

стр. 30

بِمِثْلِهِ﴾ وعاندوا واستهزأوا فقالوا سحر، وقالوا: شعر، وقالوا: أساطير الأولين، وما كل هذا إلا من التحير، شأن كل عجيب خارق للعادة. حتى قال الوليد بن المغيرة: حين قال له أبو جهل: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه، فإنك أتيت محمداً لتعرض لما قِبَلَه - لما عنده من مال - قال الوليد: قد علمت قريش أنى أكثرهم مالا، قال: فقل قولا يبلغ قومك أنك كاره له، قال وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر منى، ولا برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، قال: (أي أبو جهل) لن يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: دعني حتى أفكر. فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره (أي ينقله عن غيره) (١) . وعجز العرب ولم يتبين أحد وجه عجزهم، ولكنهم عجزوا، وراح كل أحد يضرب في آفاق الفهوم عله يلتقط تعليلا لهذا الإعجاز المحيط بالقرآن، ولو كان معجزة حسية لاستراحت النفوس بما تدركه بإحدى الحواس، ولكنه معجزة لا تشاهد بغير البصيرة، فما كان للأبصار فصورته واحدة في وقت واحد، وما كان للبصائر فإن تصوراته تنتظم منه صورا عديدة تكثر بكثرة المهتمين بوجوه الإعجاز، فكل وجه عند صاحبه مقبولٌ، لأنه ما قال إلا ما رأى، ولكن هل يؤخذ بقوله أو لا؟ هذا ما سيشار إليه قريبا إن شاء الله. وكان لا بد من أساس أَوْجِهَةٍ ينظر من خلالها منفذاً تُرَى منه ملاحة وجوه الإعجاز، وخاض الناس في ذلك كثيرا. فبين مسيء ومحسن. على النحو التالي: -

стр. 31

١- عجز البعض عن إدراك الإعجاز في القرآن الدال على الكلام القديم لله تعالى، فزعموا أن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات (١) والصواب ما قاله الجمهور: أنه وقع بالدال على القديم وهو الألفاظ. ٢- ثم زعم النظام - كما قيل عنه - أن إعجازه بالصرفة، أي أن الله صرف العرب عن معارضته، وسلب عقولهم، وكان مقدوراً لهم، لكن عاقهم أمر خارجي، فصار كسائر المعجزات (٢) . قلت: أي كسائر المعجزات الحسية، بأن العرب منعوا مما اعتادوا وسنضرب صفحا عن مناقشة هذا القول إلى حينه. ولكن ما الأساس الذي بنى عليه هذا القول النظامي غير ما قيل من أنه اكتسبه من المقولة الهندية السابق ذكرها؟ يقول أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني (ت-٤٧١هـ) في "رسالته الشافية في إعجاز القرآن" اعلم أن الذي يقع في الظن من حديث القول بالصرفة أن يكون الذي ابتدأ القول بها ابتدأه على توهم (أن التحدي كان إلى أن يُعَبِّرَ عن أنفس معاني القرآن بمثل لفظه ونظمه، دون أن يكون قد أُطْلِق لهم وخُيروا في المعاني كلِّها) ، ذاك لأن في القول بها على غير هذا الوجه أمورا شنيعة، يبعد أن يرتكبها العاقل ويدخل فيها. ذاك أنه يلزم عليه - أي على القول بالصرفة على غير الوجه الذي ذكره الجرجاني - أن يكون العرب قد تراجعت حالها في البلاغة والبيان، وأنهم قد اعتراهم العجز وخذلتهم القُوى، فإنهم إن قيل بتحول شأنهم من القدرة إلى الضعف لم نُقِمْ عليهم حجة، بل استحال عليهم أن يعلموا أن لنظم القرآن

стр. 32

فَضْلاً على كلامهم الذي يسمع منهم، وعلى النظم الظاهر الباقي لهم - ذاك أن عذر القائل بالصرفة أن كلامهم قبل أن تحدوا قد كان مثل نظم القرآن، وموازيا له وفى مبلغه من الفصاحة وإذا كان الأمر كذلك وقد صرفوا فإنه لا يتصور أن يحاولوا، وإذ لم يحاولوا لم يحسوا بالعجز. بل يلزم أن ينسحب حكم القائلين بنقص العرب في بلاغتهم وبيانهم على بلاغة النبي ﷺ وبيانه، وأن تكون النبوة قد أوجبت أن يُمْنَع شطرا من بيانه وإلا كان ﷺ قد تلا عليهم آية الإسراء (١) في حال هو يستطيع فيها أن يجيء بمثل القرآن الكريم. اللهم إلا أن يقولوا: إنه كان ﷺ في الأصل دونهم في الفصاحة وأن الفضل والمزية للعرب كانتا لبلغائهم دونه ولم يَشُك أحد بل تواترت الأخبار أنه ﷺ كان أفصح العرب (٢) ". ثم قال الجرجاني بأنه على القول بالصرفة يكون مرجع إلا كبار والعجب إلى المنع الذي فيه الآية والبرهان لا إلى الممنوع منه وهو القرآن. وحسب الجرجاني فضلا أن لا يقبل الصرفة وجها للإعجاز، ولكن كونه بنى أساسَ وقوع القول بالصرفة على ظن أفضى به إلى فرض لم يكن، فإن العرب علموا أن لنظم القرآن فضلاً على كلامهم الذي يسمع منهم، ومعلوم أنه قد حاول بعضهم، ولكن باء بالخيبة والخذلان، وظلت المحاولات في القرون التالية كما قيل عن ابن الراوندي وعبد الله ابن المقفع والمعري وغيرهم.

стр. 33

وما مَنْعُهُمْ عن مماثلة القرآن بمانع لهم من كلامهم الخاصِّ البليغ، ولا من عِلْمِ فضل القرآن على كلامهم، فليس على هذا الأساس - يقينا بنى القول بالصرفة، فإن النفوس لا يعلم محتواها إلا الله. ٣- والذاهبون إلى أن إعجازه من جهة البلاغة في القول الذي اختص به القرآن وهم الأكثر من علماء النظر، يعلل منهم الخطابي هذا الوجه بقوله "وقد استقرينا أوصافه (١) الخارجة عنه، وأسبابه الثابتة منه، فلم نجد شيئا منها يثبت على النظر، أو يستقيم في القياس ويطرد في المعايير، فوجب أن يكون ذلك المعنى مطلوبا من ذاته، ومستقصى من جهة نفسه، فدل النظرُ وشاهدُ العبرِ على أن السببَ له والعلةَ فيه أن أجناسَ الكلام مختلفة، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية، فمنها: ١- البليغ الرصين الجزل. ٢- ومنها الفصيح الغريب السهل. ٣- ومنها الجائز الطلق الرسل. وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود دون النوع الهجين المذموم، الذي لا يوجد في القرآن شيء منه البتة.

стр. 34

فالقسم الأول أعلى الكلام وأرفَعُه، والقسم الثاني: أوسطه وأقصده، والقسم الثالث أدناه وأقربه. فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعه شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادين. لأن العذوبة، نتاج السهولة، والجزالةَ والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة. فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبو كل واحد منهما على الآخر فضيلة خص بها القرآن " (١) ثم يضيف الخطابي بعد ذلك بقليل مقوماتِ الكلام أو أركانَه بقوله: وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى قائم به ورباط لهما ناظم، فالقرآن ألفاظه أفصح وأجزل وأعذب الألفاظ، ومعانيه تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها، ولا ترى نظما أحسنَ تأليفا وأشدَّ تلاؤما وتشاكلا من نظمه. ولا تجتمع هذه الفضائلُ الثلاثةُ في كلام واحد، بل على التفرق في أنواع الكلام، وجَمَعَهَا كلام واحد هو كلام الله (٢) . والسيوطي في إتقانه (٣) يروي قولا للأصبهاني في تفسيره نصه "وبيان كون النظم معجزا يتوقف على بيان نظم الكلام ثم بيان أن هذا النظم مخالف لنظم ما عداه فنقول: مراتب تأليف الكلام خمس:

стр. 35

الأولى: ضم الحروف المبسوطة بعضها إلى بعض لتُحصل الكلمات الثلاث: الاسم، والفعل، والحرف. والثانية: تأليف هذه الكلمات بعضها إلى بعض لتحصيل الجمل المفيدة. وهو النوع الذي يتداوله الناس جميعا في مخاطباتهم وقضاء حوائجهم. ويقال له المنثور من الكلام. الثالثة: ضم بعض ذلك إلى بعض ضما له مَبَادٍ ومقاطعُ، ومداخلُ ومخارجُ ويقال له: المنظوم الرابعة: أن يعتبر في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع ويقال له المسجع. الخامسة: أن يجعل له مع ذلك وزن ويقال له الشعر. والمنظوم: إما محاورة ويقال له الخطابة وإما مكاتبة ويقال له الرسالة. فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام ولكلٍ مِنْ ذلك نظمٌ مخصوص والقرآن جامع لمحاسن الجميع على نظم غير نظم شيء منها. يدل على ذلك أنه لا يصح أن يقال له: رسالة، أو خطابة، أو شعر، أو سجع كما يصح أن يقال هو كلام". ولعل الخطابي قصد وصف الألفاظ وتعاطيها المعاني، والأصبهاني قسم الكلام وأنواعه، والاثنان لا يغنى أحدهما عن الآخر. والسكاكي في مفتاح العلوم يرى أن إعجاز القرآن يدرك، ولا يمكن وصفه، ولا يدرك تحصيله لغير ذوى الفطرة السليمة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرين فيهما (١) .

стр. 36

وعجائب القرآن في نظمه هي التي بعثت على التصنيف في علوم البلاغة بعد أن ذاق أصحاب الفطر السليمة جملا من حلاوة هذا الكتاب فقعدوا لعلوم نظم الكلام قوَاعِدَهُ، يضاف إليها كلَّ حين ما يُفَصِّلُ مجملها حتى صارت البلاغة بعلومها الثلاثة علما قائما بذاته على نحو ليس هذا مجال ذكره (١) . هذا من حيث ما يتعلق باللفظ ومعناه القريب الدائر مع كل قارئ متدبر للقرآن الكريم. وفيه جميع آياتِ القرآن على سواء. أما من حيث المعنى المستحدَث فهو الخاص بآياتَ معينة تمس وصفا لظاهرة علمية كدلائل على قدرة الله تعالى، أو تحتمل وصفا لظاهرة كونية. ومثال الأولى: ما جاء في القرآن من آيات التقاء البحرين دون أن يبغي أحدهما على الآخر، وخروج اللؤلؤ والمرجان منهما، فهذا المعنى يدور في فهم كل قارئ للقرآن منذ نزوله وحتى قيام الساعة، وحين يقول الله في شأن البحرين ومن كلٍ تأكلون لحما طريا فإنه يقع عليها فهمان، فهم قريب: وهو أن الله يُظْهر مِنَّته على عباده إذ جعل لهم لحما طريا من البحرين، والفهم الأعمق: هو أن اللحم من المالح ليس ما لحابل اللحمان مع اختلاف بيئتهما بينهما وصف جامع هو عدم الملوحة فيهما. ومثال الثانية: الآيات التي نقل معناها القريب بالتأويل إلى تفسيرات للظواهر الكونية مُوافِقة للنظريات العلمية التي درج الأخذ بها في تفسير هذه الظواهر.

стр. 37

والنوع الأخير يتوقف الأخذ به على تفهم النظريات خارج ألفاظ القرآن ثم يعمد أصحاب هذا الشأن إلى البحث في آيات القرآن عما يتفق وهذه النظريات من القرآن. ومن هذا النوع حَمْلُ بعضِ الآيات على نبوءات قرآنية دون أن تصرح هذه الآيات بإخبار بغيب ماض أو مستقبل، ومبنى هذين النوعين التأويل المحتمل لبعض الآيات. أما الإخبار عن الغيبيات مما انطوت عليه دون غيره الألفاظ فهذا يعد في حكم المعنى القريب للألفاظ. وراح آخرون يبحثون علاقات الآيات والسور، حتى وجدوا تناسبا يجعل القرآن ذا وحدة موضوعية، والبعض قصد إلى اللفظ من حيث كونه لفظا مكررا كالذي بنيت عليه وجوه الإعجاز العددي للقرآن الكريم. سواء كان اللفظ مقابِلاً لآخر أو كان عدد الألفاظ مضاعفات لرقم معين. أو كان العدد لألفاظ آية أو جزء آية مقابِلاً لألفاظ آية أخرى أو جزئها أو الجزء الثاني للآية ذاتها. هذا مجمل عناية المسلمين بوجوه الإعجاز من حيث ابتناء عنايتهم على الأسس التي سبقت الإشارة إليها مدفوعين إلى رعاية حق القرآن عليهم بالذود عن حماه من طغاة الفكر وغلاة المتعالمين الحمقى. وسيأتي بيان مظاهِرَ من هذه العناية على نحو آخر في الصفحات التالية، والله تعالى هو الملهم للصواب وهو ولي التوفيق.

стр. 38

الفصل الثاني مظاهر العناية بوجوه الإعجاز مدخل ... الفصل الثاني مظاهر العناية بوجوه الإعجاز قد سبقت الإشارة إلى السبب الذي اقتضى توجه العلماء نحو البحث في وجوه إعجاز القرآن الكريم، وما كان اهتمامهم إلا بمنزلة الرد على هذه الآراء السخيفة التي تطعن في القرآن، فالقول بالصرفة لولاه لكان لنا اليوم كتب ممتعة في بلاغة القرآن وإعجازه اللغوي وما إلى ذلك (١) فوق ما هي عليه الآن، ولكنها إن كانت قد أوهنت في هذا عَزْماً فإنها أشعلت عزائم، سواء في الرد عليها، أو في بيان وجوه الإعجاز القرآني، وكان المخرج منها مدخلا لعلوم كثيرة من القرآن الكريم أهمها البلاغة، وما اكتفى، المسلمون بذلك بل كلما امتد الزمن برزت على سنيه ناطقاتُُ بوجوه إعجازٍ ما قِيلَتْ من قبل. فكانت وجوه ذاتية، وأخرى علمية، بل من مظاهر عناية المسلمين من تعد مؤلفا تهم تأريخا لهذا الإعجاز. لذا كانت مباحث هذا الفصل متناولة الرد على الوجوه المختلف فيها، ثم بيان وجوه الإعجاز الذاتي للقرآن وذلك على نحو كالآتي:-

стр. 39

المبحث الأول: الصرفة والرد على القائلين بها وجوه الإعجاز تختلف في قبولها اختلافا يقتضي تقسيمها إلى وجوه مختلف فيها، ووجوه مجمع عليها: ووجوه مشروط قبولها. وبيان الثالث في الفصل الرابع إن شاء الله. والصرفة منذ قال بها أو جاهر بإعلانها النظام المعتزلي كما نسبت إليه، يصوبه في القول بها قوم ويعارضه آخرون، ويرى البعض لها وجها غير ما قاله النظام من أنها صرف الله للعرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها. وممن شايعه في القول بالصرفة لكن على معنى آخر الشريف المرتضى من الشيعة (١) (٤٣٦هـ) الذي قال عنه الرافعي: إنه قال في معنى الصرفة "إن الله سلبهم العلوم التي يحتاج إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن فكأنه يقول إنهم بلغاء يقدرون على مثل النظم والأساليب ولا يستطيعون ما وراء ذلك مما لبسته ألفاظ القرآن من معاني، إذ لم يكونوا أهل علم ولا كان العلم في زمنهم "ورد الرافعي بقوله: "وهذا رأي بَيِّنُ الخلط". نعم إنه خلط، إذ محاولة فهمه تصرفه عن معنى الصرفة التي سيق هو لبيانها. وممن ذكر الصرفة الأصبهانيُّ في تفسيره (٢) لكن ذكره على سبيل الحكاية ولذلك اشترَط الاعتبار بقوله: إذا اعتبر. وابن حزم الأندلسي (٤٥٦هـ) الظاهري أحد القائلين بالصرفة في كتابه الفصل (٣) مفسرا إياها بقوله: "لم يقل أحد من أهل الإسلام إن كلام غير الله

стр. 40

تعالى معجز لكن لما قاله الله تعالى وجعله كلاما له أصاره معجزا، ومَنَع مِنْ مماثلته، وهذا برهانُُ كافٍ لا يحتاج إلى غيره والحمد لله" وعقب الرافعي (١) بقوله: "بل هو فوق الكفاية وأكثر من أن يكون كافيا، لأنه لما قاله ابن حزم وجعله رَأيَاً لَهُ أصاره كافيا لا يحتاج إلى غيره.! وهل يراد من إثبات الإعجاز للقرآن إلا إثبات أنه كلام الله تعالى". والخطابي بعد أن عد الصرفة مذهبَ قومٍ قال (٢) : "وليس ينظر في المعجزة إلى عظم حجم ما يأتي به النبي ﷺ ولا إلى فخامة منظره، وإنما تعتبر صحتها بأن تكون أمراً خارجاً عن مجارى العادات ناقضا لها، فمهما كانت بهذا الوصف كانت آية دالة على صدق من جاء بها. وهذا أيضا وجه قريب. - أي القول بالصرفة - إلا أن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ (الإسراء: ٨٨) فأشار في ذلك إلى أمرٍ طريقُه التكلف والاجتهاد وسبيله التأهب والاحتشاد. والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة، فدل على أن المراد غيرها، والله أعلم" وترى الخطابي قد قرب وجه الصرفة بدءاً ثم أقصاه انتهاء، ثم انتهى إلى أن الوصف الذي حملوه على الصرفة لا يلائم الوصف الوارد في الآية من أنهم إن اجتمعوا واحتشدوا لا يأتون بمثله، لا إن افترقوا فدل على أن المراد من الآية غير ما ذهب إليه القائلون بالصرفة.
следующие страницы →