وعجائب القرآن في نظمه هي التي بعثت على التصنيف في علوم البلاغة بعد أن ذاق أصحاب الفطر السليمة جملا من حلاوة هذا الكتاب فقعدوا لعلوم نظم الكلام قوَاعِدَهُ، يضاف إليها كلَّ حين ما يُفَصِّلُ مجملها حتى صارت البلاغة بعلومها الثلاثة علما قائما بذاته على نحو ليس هذا مجال ذكره (١) .
هذا من حيث ما يتعلق باللفظ ومعناه القريب الدائر مع كل قارئ متدبر للقرآن الكريم. وفيه جميع آياتِ القرآن على سواء.
أما من حيث المعنى المستحدَث فهو الخاص بآياتَ معينة تمس وصفا لظاهرة علمية كدلائل على قدرة الله تعالى، أو تحتمل وصفا لظاهرة كونية.
ومثال الأولى: ما جاء في القرآن من آيات التقاء البحرين دون أن يبغي أحدهما على الآخر، وخروج اللؤلؤ والمرجان منهما، فهذا المعنى يدور في فهم كل قارئ للقرآن منذ نزوله وحتى قيام الساعة، وحين يقول الله في شأن البحرين ومن كلٍ تأكلون لحما طريا فإنه يقع عليها فهمان، فهم قريب: وهو أن الله يُظْهر مِنَّته على عباده إذ جعل لهم لحما طريا من البحرين، والفهم الأعمق: هو أن اللحم من المالح ليس ما لحابل اللحمان مع اختلاف بيئتهما بينهما وصف جامع هو عدم الملوحة فيهما.
ومثال الثانية: الآيات التي نقل معناها القريب بالتأويل إلى تفسيرات للظواهر الكونية مُوافِقة للنظريات العلمية التي درج الأخذ بها في تفسير هذه الظواهر.
стр. 37
والنوع الأخير يتوقف الأخذ به على تفهم النظريات خارج ألفاظ القرآن ثم يعمد أصحاب هذا الشأن إلى البحث في آيات القرآن عما يتفق وهذه النظريات من القرآن.
ومن هذا النوع حَمْلُ بعضِ الآيات على نبوءات قرآنية دون أن تصرح هذه الآيات بإخبار بغيب ماض أو مستقبل، ومبنى هذين النوعين التأويل المحتمل لبعض الآيات.
أما الإخبار عن الغيبيات مما انطوت عليه دون غيره الألفاظ فهذا يعد في حكم المعنى القريب للألفاظ.
وراح آخرون يبحثون علاقات الآيات والسور، حتى وجدوا تناسبا يجعل القرآن ذا وحدة موضوعية، والبعض قصد إلى اللفظ من حيث كونه لفظا مكررا كالذي بنيت عليه وجوه الإعجاز العددي للقرآن الكريم. سواء كان اللفظ مقابِلاً لآخر أو كان عدد الألفاظ مضاعفات لرقم معين. أو كان العدد لألفاظ آية أو جزء آية مقابِلاً لألفاظ آية أخرى أو جزئها أو الجزء الثاني للآية ذاتها.
هذا مجمل عناية المسلمين بوجوه الإعجاز من حيث ابتناء عنايتهم على الأسس التي سبقت الإشارة إليها مدفوعين إلى رعاية حق القرآن عليهم بالذود عن حماه من طغاة الفكر وغلاة المتعالمين الحمقى.
وسيأتي بيان مظاهِرَ من هذه العناية على نحو آخر في الصفحات التالية، والله تعالى هو الملهم للصواب وهو ولي التوفيق.
стр. 38
الفصل الثاني مظاهر العناية بوجوه الإعجاز
مدخل
...
الفصل الثاني مظاهر العناية بوجوه الإعجاز
قد سبقت الإشارة إلى السبب الذي اقتضى توجه العلماء نحو البحث في وجوه إعجاز القرآن الكريم، وما كان اهتمامهم إلا بمنزلة الرد على هذه الآراء السخيفة التي تطعن في القرآن، فالقول بالصرفة لولاه لكان لنا اليوم كتب ممتعة في بلاغة القرآن وإعجازه اللغوي وما إلى ذلك (١) فوق ما هي عليه الآن، ولكنها إن كانت قد أوهنت في هذا عَزْماً فإنها أشعلت عزائم، سواء في الرد عليها، أو في بيان وجوه الإعجاز القرآني، وكان المخرج منها مدخلا لعلوم كثيرة من القرآن الكريم أهمها البلاغة، وما اكتفى، المسلمون بذلك بل كلما امتد الزمن برزت على سنيه ناطقاتُُ بوجوه إعجازٍ ما قِيلَتْ من قبل. فكانت وجوه ذاتية، وأخرى علمية، بل من مظاهر عناية المسلمين من تعد مؤلفا تهم تأريخا لهذا الإعجاز.
لذا كانت مباحث هذا الفصل متناولة الرد على الوجوه المختلف فيها، ثم بيان وجوه الإعجاز الذاتي للقرآن وذلك على نحو كالآتي:-
стр. 39
المبحث الأول: الصرفة والرد على القائلين بها
وجوه الإعجاز تختلف في قبولها اختلافا يقتضي تقسيمها إلى وجوه مختلف فيها، ووجوه مجمع عليها: ووجوه مشروط قبولها. وبيان الثالث في الفصل الرابع إن شاء الله.
والصرفة منذ قال بها أو جاهر بإعلانها النظام المعتزلي كما نسبت إليه، يصوبه في القول بها قوم ويعارضه آخرون، ويرى البعض لها وجها غير ما قاله النظام من أنها صرف الله للعرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها.
وممن شايعه في القول بالصرفة لكن على معنى آخر الشريف المرتضى من الشيعة (١) (٤٣٦هـ) الذي قال عنه الرافعي: إنه قال في معنى الصرفة "إن الله سلبهم العلوم التي يحتاج إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن فكأنه يقول إنهم بلغاء يقدرون على مثل النظم والأساليب ولا يستطيعون ما وراء ذلك مما لبسته ألفاظ القرآن من معاني، إذ لم يكونوا أهل علم ولا كان العلم في زمنهم "ورد الرافعي بقوله: "وهذا رأي بَيِّنُ الخلط".
نعم إنه خلط، إذ محاولة فهمه تصرفه عن معنى الصرفة التي سيق هو لبيانها.
وممن ذكر الصرفة الأصبهانيُّ في تفسيره (٢) لكن ذكره على سبيل الحكاية ولذلك اشترَط الاعتبار بقوله: إذا اعتبر.
وابن حزم الأندلسي (٤٥٦هـ) الظاهري أحد القائلين بالصرفة في كتابه الفصل (٣) مفسرا إياها بقوله: "لم يقل أحد من أهل الإسلام إن كلام غير الله
стр. 40
تعالى معجز لكن لما قاله الله تعالى وجعله كلاما له أصاره معجزا، ومَنَع مِنْ مماثلته، وهذا برهانُُ كافٍ لا يحتاج إلى غيره والحمد لله"
وعقب الرافعي (١) بقوله: "بل هو فوق الكفاية وأكثر من أن يكون كافيا، لأنه لما قاله ابن حزم وجعله رَأيَاً لَهُ أصاره كافيا لا يحتاج إلى غيره.! وهل يراد من إثبات الإعجاز للقرآن إلا إثبات أنه كلام الله تعالى".
والخطابي بعد أن عد الصرفة مذهبَ قومٍ قال (٢) : "وليس ينظر في المعجزة إلى عظم حجم ما يأتي به النبي ﷺ ولا إلى فخامة منظره، وإنما تعتبر صحتها بأن تكون أمراً خارجاً عن مجارى العادات ناقضا لها، فمهما كانت بهذا الوصف كانت آية دالة على صدق من جاء بها. وهذا أيضا وجه قريب. - أي القول بالصرفة - إلا أن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ (الإسراء: ٨٨) فأشار في ذلك إلى أمرٍ طريقُه التكلف والاجتهاد وسبيله التأهب والاحتشاد. والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة، فدل على أن المراد غيرها، والله أعلم"
وترى الخطابي قد قرب وجه الصرفة بدءاً ثم أقصاه انتهاء، ثم انتهى إلى أن الوصف الذي حملوه على الصرفة لا يلائم الوصف الوارد في الآية من أنهم إن اجتمعوا واحتشدوا لا يأتون بمثله، لا إن افترقوا فدل على أن المراد من الآية غير ما ذهب إليه القائلون بالصرفة.
стр. 41
وعد العز بن عبد السلام الصرفة وجهين من وجوه الإعجاز (١) فأوردها على معنيين، أولهما: صرفهم عن القدرة على معارضته، وثانيهما: صرفهم عن معارضته مع قدرتهم عليها وحرصهم على إبطاله.
وأبو الحسن على بن عيسى الرماني (٢٩٦- ٣٨٦هـ) قال في كتابه النكت: بعد سوق الصرفة كأحد وجوه الإعجاز: وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التي يظهر منها للعقول "وهو أن الصرف عن المعارضة خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التي دلت على النبوة".
والقول بالصرفة يفسده ويدحضه قول الله تعالى " ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ " (الإسراء: ٨٨) . ولا يجْهِزُ على وجهيه معا قوله تعالى حكاية عن أهل الفصاحة العربية أنهم قالوا: " ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ " (الأنفال: ٣١) . فإنه دل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة لم يبق لهم فائدة لاجتماعهم، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى (٢) والإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزا بلا اتصاف بإعجاز؟.
وإذا كانوا قد صرفوا أول زمان التحدي فهل يدوم هذا مع القرآن لدوام التحدي أو كان عند نزوله؟، إن كان الأول، فقد أقدم البعض على قبول التحدي ولم تقم لكلامه قائمة إلا من حيث يذكر في الخاسرين المغلوبين، وإن كان زمان النزول فهو الآن خلو من الإعجاز، ومن الذي أتى بشيء من مثله فيما بعد العصر الأول؟ لا أحد، والإجماع على عجز المعارضة له يشهد بأنه معجزة باقية.
стр. 42
ويقول القاضي أبو بكر الباقلاني (١) : "لو كان الإعجاز بالصرفة لكان المعجز المنع لا القرآن فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه"
والرافعي يقول (٢) "وعلى الجملة فإن القول بالصرفة لا يختلف عن قول العرب فيه " ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (المدثر: ٢٤) وهذا زَعْم ُُ ردَّه الله على أهله وأكذبهم فيه وجعل القولَ به ضَرْباً من العمى ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ (الطور: ١٥) فاعتبر ذلك بعضه ببعضه فهو كالشيء الواحد".
ويقول الجرجاني (٣) : "إن من حق المنع إذا جُعِلَ آية وبرهانا ولا سيما للنبوة أن يكون في أظهر الأمور وأكثرها وجوداً وأسهلها على الناس وأخلقها بأن تَبِيَن لكل رَاءٍ وسامع أن قد كان مُنِع، لا أن يكون المنع من خفي لا يُعْرَف إلا بالنظر وإلا ببعد الفكر ومن هذا شيء لم يوجد قط، ولم يعهد، وإنما نظن ظنا أنه يجوز أن يكون وأنَّ له مدخلا في الإمكان إذا اجتهد المجتهد.
ولو كانوا قد تغيرت حالهم وتبدل عِيُّهُم بالبلاغة والبيان لعلموا ذلك من أنفسهم، ولقابلوا التحدي بقولهم للنبي ﷺ كيف نُمْنَع ثم يكون التحدي على حالنا".
ولم يملك أحد معرفة كيف عجزوا، لكنهم عجزوا، وما عجزهم إلا عن ضعفهم عن بلوغ رتبة القرآن، وأين في كلامهم ما يؤيد ويؤكد أنهم كانوا في بلاغتهم على درجة تمنكهم من معارضة القرآن والإتيان بمثله قبل أن يصرفوا؟
стр. 43
المبحث الثاني: بيان جملة وجوه الإعجاز الذاتي للقرآن
من الممكن وضع وجوه الإعجاز تحت تقسيم يرجع في أصله إلى معطيات المعاني من الألفاظ. فإن الألفاظ - من حيث كونها حاملة للمعاني على الوصف الذي سبق ذكره آنفا - يطرد فيها الإعجازُ في جميع آيات القرآن الكريم بما تحمله من خصائصَ بيانيةٍ، وهذه النظرة اللغوية تنتظم القرآن في قطعة قطعة منه وفي سورة سورة، وفيما بين السور وبعض، وفى القرآن كله جملة (١) .
والإعجاز اللغوي هو الذي وقع من جهته التحدي بالقرآن جملة وتفصيلاً أما من حيث الإعجاز العلمي - أي ما يعطيه من علوم - فهذا العطاء يتوقف على سلامة الفهوم، واستنارة الحلوم، وهذا ما يجعله مصلحا لكل زمان ومكان.
ومن حيث إعجازه الإصلاحي التهذيبي الاجتماعي فهو ينسق بين طبائع البشر بما لا يجعل لقويها طغيانا على ضعيفها، إذ يخاطب في كل حال بمقتضاه خطابا يستوثق به الوصول إلى المخاطبين في كل حين وحال.
والإعجاز الذاتي هو الذي يستبق الفهمُ الصريح إلى نظمه، أما ما عدا ذلك فلا يطرد في جميع القرآن.
فإخباره بالغيبيات ماضيها ومستقبلها، تنطق به آيات دون آيات، ووجوه الإعجاز العلمي سواء ما كان منها طبيا أو كونيا كظواهِرَ لها من النظريات تفسير تَبْرُز به معان مستجدة للقرآن الكريم يكون في آيات منه دون آيات، أما من حيث الإعجاز العددي فهو بلا شك يدخل في إطار
стр. 44
الإعجاز الذاتي لأن الألفاظ من أول نزول القرآن إلى آخر يوم يُقرأ فيه هذا القرآن لم ولن يمسها نقص أو زيادة، مع أنه إعجاز غير مطرد في كل الآيات ولذلك تنقسم أوجه الإعجاز إلى ثوابت ومتغيرات، وهذه الثوابت تنقسم إلى: ثوابتَ مطردةٍ عامةٍ في كل الآيات والسور، وثوابتَ ينقدح وجودها في آيات دون آيات.
أما المتغيرات فهي كل ما يمس أصلا من أصول النظريات العلمية التي تقحمت على الإنسان مداخل فكره، فراح يصوب منها بعضَها بما يُلْهَم به من فكر فيستوضح بها معنى لآية أو آيات.
فالنص القرآني في نفسه من حيث هو كلام عربي، له وجه يتعلق به وهو اللغوي البياني، أو ما يسمى بالنظم، ووجه يتعلق بمفهوم النص القرآني ولو تأويلا من كل ما يستنبط منه أصول أو مفاتيح للعلوم ويقصد بالمؤول ما يؤول إليه فهم النص بعد استدراكه من خارج القرآن الكريم وثبت أنه من الحقائق العلمية التي لا تنقض.
وهناك وجه يتعلق بالنص من حيث المبالغة في معناه لإيجاد التوافُقِ أو التوفيق بينه وبين سائر النظريات التفسيرية لبعض الظواهر في هذا الكون الفسيح، واختط الثلاثة سبيلا واحدا هو إقامة البرهان على أن هذا الكلام لم يقله بشر وإنما هو من عند الله.
والنوعان الأخيران برز أولهما أولَ ما بَرَزَ أولُ الثلاثة وامتد معه على سبيل واحدة، حتى رافقهما في الآونة الأخيرة النوع الثالث، ليعلن الثلاثة بقاء قيام التحدي مع البرهان لكل الخلق على صدق كلام الخالق حتى تقوم الساعة، وأنه ما ينبغي لبشر أن يقوله، ولعل هذا مفاد قوله تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: ٥٣)
стр. 45
وتتلخص الخصائص التي تبرهن على أن القرآن من عند الله في أمور ثلاثة. (١)
أولاً: إعجاز القرآن.
ثانياً: نبوءات القرآن.
ثالثاً: القرآن والكشوف الحديثة.
وهذا التقسيم يوافق قول ابن القيم " وقد عدد العلماء وجوها من الإعجاز غير ما ذكرناه الأَوْلَى أن تعد من خصائصه. (٢)
وعلى هذا يترجح أن تكون الثوابت التي هي من لوازم النص القرآني في كل آياته وفى كل عصر، هي المعتبرة في وجه الإعجاز، وما عدا ذلك يعد من خصائص القرآن الكريم.
فمن حيث نبوءات القرآن لا نجد غير القرآن الكريم ما تحققت نبوءاته حرفا حرفا، والنبوءات لا شك تبدأ من القرآن أولا، لا من الواقع ثم يصدق الواقع النبوءات فيما بعد، فمثلا في قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ " (القمر ٤٥) هذه نبوءة قبل وجود الجمع حتى قال بعضهم متعجبا: أي جمع هذا، ثم تحقق الوعد للمسلمين والوعيد للكافرين - واستبان للمتعجب أي جمع قصد إليه القرآن يوم وعدهم بالنصر، وكل الآيات التي أطلق عليها أنها آيات علمية والتي أبانت عن مضمونها اكتشافات علمية أو ظواهر كونية، إنما برز المعنى في خارج القرآن ثم استفيد من الخارج المعنى الذي أضفى منه على هذه الآيات، ولذلك يقول الله تعالى" ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ " ولذا لا تدخل هذه الآيات في إطار الإعجاز وإن دخلت في جملة البراهين على أن القرآن من عند الله.
стр. 46
الفصل الثالث العناية ببيان وتمييز وجوه الإعجاز
المبحث الأول: ما يعتبر من وجوه للإعجاز ويعول عليه
يؤلف تناول وجوه الإعجاز عبر القرون الإسلامية تكاملا مباشرا وغير مباشر في منظومة الدراسات القرآنية. ولذلك يكثر التشابه بين محتويات المؤلفات في هذا الخصوص خلا بعض ما يفارق منها المعهود بامتداد جديد إلى آفاق أرحب. والمحصلة الأخيرة هي القصد المشترك بين الجميع إلى إخراج جملة من سرائر القرآن تقيم برهان صدق دعوى النبي الأمي ﷺ أنه أوحى إليه هذا القرآن
والخطابي يؤكد تعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن، وأن ذلك الأمر - الإعجاز - أبين من احتياجه إلى دليل أكثر من الوجود القائم المستمر على وجه الدهر. من لدن نزوله على النبي ﷺ وإلى ما شاء الله.
يقول سليمان الخطابي (١) : "قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما وحديثا، وذهبوا فيه كل مذاهب من القول، وما وجدناهم بَعْدُ صدرُوا عن رِي، وذلك لتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيته.
стр. 47
فأما أن يكون قد بقيت في النفوس بقية بكونه معجزا للخلق ممتنعا عليهم الإتيان بمثله على حال (١) فلا موضع لها.
"والذي عليه الجمهور والحذاق وهو الصحيح في نفسه أن التحدي إنما وقع بنظمه وصحة معانيه وتوالى فصاحة ألفاظه. ﴿فإن فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (هود: ١٤) فوجه إعجازه أن الله أحاط بالكلام كله علما، فأي لفظة تصلح أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى كانت كما وردت في القرآن الكريم.
فلو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسنُ منها لم يوجد ونحن تَبَيَّنَ لنا البراعةُ في أكثره، ويخفى علينا وجهُها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وميز الكلام (٢) ".
ولقد كثر الأخذ والرد في الوقوف على وجه إعجازي محدد للقرآن في ذاته ككلام، وما استقر لأحد مَقَاماً حتى أقام فيه آخرُ اعتراضا أحاله دون مُقَامِه، وما استرد هذا لنفسه قولا حتى محاه ذاك الآخر، فصار البحث عن وجه الإعجاز هو بذاته وَجْهَ الإعجاز، إذ الحيرة في الثبات على حقيقة أمر، برهان العجز عن الوصول إلى هذه الحقيقة، فانكشف لذي العلوم الكونية بيان القدرة في إحكام النواميس الكونية والقوانين التي تسير وفقها الأغراض الخَلْقِيَّة، فأخذ المسلمون، العلماءُ منهم بهذه المجالات - وجها لشبه الرؤية بمعنى آيات قرآنية استراحت له نفوسهم، واستهدت له قلوبهم، وراق رواؤه لظمأ اشتباه المعاني عليهم، فعرضوا ما اقتبسوه من نظرة العلماء في الكون على
стр. 48
محتملات الألفاظ في آيات قرآنية، فنازعهم منه توافق بين المعنى القرآني والعلمِ الحديث، سواء كان على نحوٍ مطيع ذلول، أو نحوه مُكْرَهٍ مسوق بالافتعال.
والناظر في كتب الإعجاز العلمي للقرآن لن يجد غير التكرار، اللهم إلا ما اشتمل عليه بعضها مما وقف عليه مؤلفوها من فائدة جديدة علموا بها فاستأثر ببدء إبدائها صاحبها فأفاد منها خَلَفه.
والآيات القرآنية التي تحوى جُمَلاً من الاحتمالات المعنوية لألفاظها هي التي تُوسِعُ المضمار للسائرين القادرين على اقتناص التوافق العلمي مع المعنى القرآني لبعض الآيات، أما ما كان محدَّد الفهم، محكم المعنى، فهي الآيات التي لا يخرج تفسيرها عن الحقائق العلمية، لذا كانت تلك الآيات منطلقا لفهم الحقائق الكونية على نحو ما وصف الحكيم الخبير في كلامه، ومن جملة ذلك قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ (النور: ٤٥) .وقوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: ٤٩،٥٠) فالله أنزل القرآن بعلمه الذي علم عن خلقه، قدير لا يأتي أحد بغير ما وصف، ولن يزيد أحد على ما خلق الله قسما خامسا فوق هذه القسمة لصور الهبة الإلهية، والآية الأولى كالثانية فيها تحد بالقدرة الإلهية، فالله خلق الدواب من ماء ولكن الإنسان يصنع الدواب - كوسائل المواصلات وغيرها الآن - من غير الماء، فهل من البشر من يقدر على الخلق من الماء؟ أو أن يخص كل دابة بماء؟.
стр. 49
المبحث الثاني: وجه أو وجوه الإعجاز ؟
لكي نتمكن من تمام المطابقة بين مفهوم الإعجاز ووجوه تحسب من الإعجاز، لابد من استصحاب شرائط المعجزة مع تعريفها المُتَصَوَّر في الذهن، إذ قد مرت بنا كثرة من توزيعات الرؤية حول أمر قد يكون واحدا، والحال أن كل شيء في الدنيا تكثر صوره بكثرة الرائين، فلكل واحد زاوية خاصة ينظر من خلالها، حتى يبدو للجميع توحد وتوافق فيما لم يقم برهان واحد على التماثل التام بين وجهين من الوجوه.
واختلاف وجهات الرؤية أوحت باستقصاء الآراء في وجوه الإعجاز حتى قيل: إن بعضهم أنهى وجوه إعجاز القرآن الكريم إلى ثمانين وجها (١) ولا مناص من تبين حقيقتين للمتكلم في إعجاز القرآن، وأن يفصل بينهما فصلا ظاهرا لا يلتبس، وأن يميز أوضح التمييز بين الوجوه المشتركة التي تكون بينهما، وهاتان الحقيقتان العظيمتان هما:
أولهما: أن "إعجاز القرآن" كما يدل عليه لفظه وتاريخه، وهو دليل النبي ﷺ على صدق نبوته، وعلى أنه رسول من الله يوحى إليه هذا القرآن، وأن النبي ﷺ كان يعرف "إعجاز القرآن" من الوجه الذي عرفه منه سائر من آمن به من قومه العرب، وأن التحدي الذي تضمنته آيات التحدي إنما هو تحد بلفظ القرآن ونظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك.
ثانيهما: أن إثبات دليل النبوة، وتصديق دليل الوحي، وأن القرآن تنزيل من عند الله كما نزلت التوراة والإنجيل والزبور وغيرهما من كتب الله سبحانه لا يكون منها شيء يدل على أن القرآن معجز.
стр. 50
والخلط بين هاتين الحقيقتين، وإهمال الفصل بينهما في التطبيق والنظر، وفي دراسة "إعجاز القرآن" قد أفضى إلى تخليط شديد في الدراسة قديما وحديثا (١) .
والقرآن كان ينزل على النبي ﷺ منجما، وكان الذي نزل عليه أول أمر الوحي قليلا، فكان هذا القليل من التنزيل هو برهانه على نبوته، وهذا القليل دليلا على أن تاليه عليهم، وهو بشر مثلهم، نبي من عند الله مرسل.
فإذا صح هذا، وهو صحيح لا ريب فيه، ثبت أن الآيات القليلة من القرآن ثم الآيات الكثيرة، ثم القرآن كله، أي ذلك كان في تلاوته على سامعه من العرب، الدليل الذي يطالبه بأن يقطع بأن هذا الكلام مفارق لجنس كلام البشر وذلك من وجه واحد، هو وجه البيان والنظم (٢) وإذا كان الأمر على هذا النحو فإن سائر ما يورده المتقدمون والمتأخرون من وجوه الإعجاز لا ينسحب عليه في الحقيقة اعتباره وجها من وجوه الإعجاز، إذ التمحيص والبحث والإنعام في التوافق بين الإعجاز في معناه المجرد وبين الوجه المسوق لهذا الإعجاز يستجلى انفصام العلاقة بينهما على نحو ما.
وبعض هذه الوجوه تكمن في حيازته وتضمنه الكثيرُ من الآيات التي تحمل أسرارا يعجز عن سبر أغوارها عصر أو عصور متتالية، وفرق بين العجز عن إدارك محتواه وبين الإتيان بمثله ولو كان المأتى به مفترى.
стр. 51
والمعجزة خرق العادة، ولم يخرق القرآن عادة عربية في غير نظمه وبيانه ولم يقل أحد إن كشفَ خفاءِ دقائقِ العادة خرقُُ لها، إذ بُدُو الموجود وبروزه إلى العيان لا يعنى خرقا لعادة.
والأنبياء لهم من خرق العادات ما يؤيد صدق دعواهم للنبوة والرسالة، وليس ما يبدو من آثار لقدرة الله في الكون معجزةً قرآنية، إذ لو كانت لامتد منها برهان عند اللحظات الأولى لنزول الوحي لتقوم في وجه الكافرين برهانا على أن القرآن من عند الله. أما وأنه قد تأخرت رؤية التطابق بين آي الكون وآي القرآن فلا يمكن القول بأن مثل هذا كان وجها باديا للعرب عند تحديهم.
والآيات البارزة في الكون دليل على أن للكون إلهاً، وذلك هو المقصود الأوحد والأول من الدعوة إلى النظر في السموات والأرض.
ويقول الزملكاني برجوع وجه الإعجاز إلى التأليف الخاص بالقرآن لا مطلق التأليف، بأن اعتدلت مفرداته تركيبا وزنة، وعلت مركباته معنى، بأن يوقع كل فن في مرتبته العليا في اللفظ والمعنى (١) .
ويؤكد الخطابي (٢) تعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن، ولكنه يقول (٣) : "قلت في إعجاز القرآن وجها آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم، وذلك صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس".
وبهذا يتبين أنه قد يلوح للبعض ما أثر في نفسه واستقر من جملة عطاء القرآن ما يحسبه وجها للإعجاز، ولابد من التمييز بين الوجه والتوجيه في دراسة الإعجاز لدرك الصواب.
стр. 52
والدكتور البوطي يقول في كتابه من روائع القرآن (١) : "إذا رأيت من إذا تلا القرآن تأثر به قائلا: إن هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن بشر فاعلم أنه متفاعل مع هذا الوجه الأخير - يريد به مظهر جلال الربوبية - ولا يتجلى الإعجاز إلا لقلب لم تخنقه أغشية الكبر والعناد".
ولا يمكن حمل العادة التي يتخلف معهودها على كونها من الناظر، بل هي في المنظور، فمن استظهر أمرا لا يكون هو محل المعجزة، نعم قد يكون منه غير ما اعتيد، لكن الشيء الذي استبان فيه الوجه الجديد لم يتحول عما كان عليه قبل ظهور ما خفي منه من قبل، اللهم إلا إذا انفرد هذا الناظر بهذا البيان وحده دون غيره، فإنه يكون قد أتى بما يعجز عنه غيره، وحينئذ تتعلق المعجزة بشخصه مباشرة.
والخصائص التي يهتدي من خلالها إلى أن القرآن كلام الله تعالى كما أوردها وحيد الدين خان في كتابه "الإسلام يتحدى" تمكننا من الزحزحة ولو قليلا نحو اعتبارات تؤكد عدم قصر وجوه الإعجاز في النظم والبيان، شريطة أن يكون المنطلق في كل وجه يحتسب للإعجاز منطلقا قرآنيا بحتا، بحيث لا نضفي من خارج النص ما يسمح بالربط بين ما هو خارج النص من ظواهر كونية وكشوف علمية حديثة وبين إشارات وتلميحات قرآنية، فمثل هذا لا يعدو أن يكون توجيها لا وجها للإعجاز.
وهذه الخصائص - وقد سبق ذكرها - وهي: إعجاز القرآن، ونبوءاته، والقرآن والكشوف الحديثة - أي العلاقة بين القرآن والكشوف الحديثة - براهين ثابتة الدلالة على أن محمداً رسول من عند الله، ولكن بعضها لا يمكن اعتباره وجها للإعجاز.
стр. 53
فالنبوءات لا يلزم صدورها عن نبي أو كتاب منزل عليه من ربه، والشواهد على ذلك كثيرة، والكشوف الحديثة أولَ ما تبرزُ معالِمُها لا تكون في القرآن بل يكون بدء العلم بها من خارج القرآن، ثم يعالَجُ التوافق بتغيير المفهوم القرآني ليتفق مع ما تجلى من كشفيات علمية حديثة.
والنبي محمد ﷺ خالف في قدره السامي عند ربه جماعة الأنبياء، فكانت له المعجزة الحسية بخرق العوائد ثم عودتها إلى ما عهد منها من قبل وكانت منه نبوءات تحقق منها ما وعد به أو توعد. وكل هذا كان بعيدا عن القرآن ليسجل على الناس جميعا أن هذا النبي يحمل دلائل نبوته على نحو ما كان عليه الأنبياء من قبل وله فضل زيادة بقاء المعجزة الخالدة في القرآن الكريم.
وحين يوقفنا القرآن الكريم على مشاهد آثار القدرة الإلهية في الكون يؤكد ضرورة ابتعاث رسل خاصة من نفوسنا تشاهد إعجاز القدرة الإلهية في كون الله ليتجدد الإقرار بأن "لا إله إلا الله" قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون " وهو تعجيز لقدرة البشر لا لكلامهم. ولا يتصور أن يخلو كتاب سماوي من إخبار بغيوب سواء منها ما كان ماضيا، أو مستقبلا، أو حاضراً مكانيا، ومع هذا لم ينل حظَّ الإعجاز كتابُُ غير القرآن الكريم.
ولابد من الإبقاء على الوجه الأول الذي وُوجِه بِه العربُ عند تحديهم، فما كان لهم في أول الأمر من علم بما صارت عليه بوارق المعاني المستوحاة من خارج النص القرآني كنص عربي.
لكل هذا كان الكلام بما يحمل من خصائص اللغة العربية هو مبعث رؤية الإعجاز عند العرب جميعا.
стр. 54
ومن العجيب أن لكل عصر لغة تَسِمُهُ بخَواصِّ التعبير عن مكنونات النفوس، ولذلك يبدو جَلِياًّ كثير من وجوه افتراق الكلام على امتداد الزمن، وإن كان هذا الاختلاف في لغة واحدة.
وإذا نَظَرْتَ في كتب مختلفةٍ أزمانُ تصنيفها تَفَتَّقَ لك وضوحُ فوارِق عدة، تميز عصرا عن عصر، وكَلاَمَاً عن كلام، والقرآن وحده لم تغيره السنون، واختلاف الفنون، لكن الإدراك أو الذوق هو الذي يختلف في كل حين عن سابقه.
ولابد من معرفة أمور تُحَدَّدُ على أساسها صحة كون الوجه إعجازاً قرآنيا وهذه الأمور. (١)
الأول: أن قليل القرآن وكثيرة في شأن الإعجاز سواء.
الثاني: أن الإعجاز، كائن في وصف القرآن وبيانه ونظمه، ومباينة خصائصه للمعهود من خصائص كل نظم وبيان في لغة العرب. ثم في سائر لغات البشر، ثم في بيان الثَّقَلَيْنِ جميعا، إنسهم وجنهم متظاهرين، والله لم يقصر التعجيز عن الإتيان بمثل القرآن على الإنس والجن لأن الملائكة تقدر على الإتيان بمثله، ولكن لأن الرسالة كانت إلى الإنس والجن، فوقع التحدي للفريقين، حتى إذا عجزُوا كان عجزُهم دلالةً على أن النبي ﷺ عاجز مثلهم فيظهر بذلك أنه لم يأت بالقرآن من عند نفسه، وإنما أتى به من عند الله
"فأما الملائكة فلم يتحدوا عن ذلك لأن الرسالة إذا لم تكن إليهم لم يكن القرآن حجة عليهم، فنبئوا أكانوا قادرين على مثله أو عاجزين؟ وهم
стр. 55
عندنا عاجزون (١) وليس الإتيان بمثل القرآن من قلب المدائن، والإتيان بالتابوت في شىء، لأن قلب المدينة وحمل التابوت العظيم كالذي يوصف من تابوت بنى إسرائيل لقصور قواهم عنه - قوى بنى إسرائيل - فإذا زادت قوة الملك على قوة الآدمي أضعافاً مضاعفة زاد علمه أيضا لذلك.
وأما نظم القرآن فإنه ليس من جنس نظم كلام الناس، ولكنه مباين لهذا فلا يُهْتَدى إليه فَيُحْتَذَى ويُمَثَّل، فهو كتركيبِ الجواهرِ غيرِ الأجسامِ لتصيرَ أجساما، ولا على قلب الأعيان ولا يقدرون عليه من ذلك، والملائكة لا يقدرون عليه كذلك. وفي ذلك ما أبان أن نظم القرآن ليس من عند جبريل لكنه من عند اللطيف الخبير".
وأضيفُ أنه ما كان التحدي إلا مواجهة لإنكار كون القرآن من عند الله ولا يتصور أن يكون من الملائكة مثل ذلك الإنكار، وبالتالي لا يتصور مجابهتهم بالتحدي ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: ٣٢) .
الثالث: أن الذين تحداهم بهذا القرآن قد أوتوا القدْرةَ على الفصل بين الذي هو مِنْ كلام البشر، والذي هو ليس من كلامهم.
الرابع: أن الذين تحداهم به كانوا يدركون أن ما طولبوا به من الإتيان بمثله، أو بعشر سور مثله مفتريات، هو هذا الضرب من البيان الذي يجدون في أنفسهم أنه خارج من جنس بيان البشر.
стр. 56
الخامس: أن هذا التحدي لم يُقْصَدْ به الإتيان بمثله مطابقا لمعانيه، بل أن يأتوا بما يستطيعون افتراءه واختلاقه، من كل معنى أو غرضٍ مما يعتلج في نفوس البشر.
السادس: أن هذا التحدي للثقلين جميعا إنسهم وجنهم متظاهرين تحد مستمر قائم إلى يوم الدين.
السابع: أن ما في القرآن من مكنون الغيب ومن دقائق التشريع ومن عجائب آيات الله في خلقه، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضي إلى الإعجاز، وإن كان ما فيه من ذلك كله ما يعد دليلا على أنه من عند الله، ولكنه لا يدل على أن نظمه وبيانه مباين لنظم كلام البشر وبيانهم، وأنه بهذه المباينة كلامُ رب العالمين لا كلام بشر مثلهم.
أرأيت كلاما يحمل مكنون الغيب ودقائق التشريع وعجائب الآيات في الخلق يكون لأجل ما يحمل معجزا؟
نعم. إن القرآن حين يقرر الحقائق لا ينزع إلى تحويرها أحدٌ أبدا، وما كان ذلك ليكون لولا أن قائله هو العزيز الحكيم، فكل ما يصدر عن الله تعالى يلازمه دوام التصديق من الكون شاهدا على قدرة الخالق جل وعلا.
لذا كان لزاما أن تطْرَحَ كل الوجوه ما عدا ما تعلق منها بذاتية القرآن كلاماً عربياً، والوجه الذاتي بلا شكٍ لا يفارق الذات أصلا، فالكلام من حيث هو كلام منبعٌ لإعجاز القرآن.
стр. 57
المبحث الثالث: مظهر العناية بجمع وجوه الإعجاز
لما كان البحث متعلقا بعناية المسلمين بوجوه الإعجاز كان إيراد ما عدَّ منها ضَرُورِيَّ الذكر وإن لم يلزم قبولها كلها، ومهما يكن من شيء فإن كثيرا من العلماء أثروا الدراسات القرآنية برؤاهم الفاحصة في وجوه الإعجاز، يتفرسون في كل وجه ما تستنطق منه أمارات الفوارق الواضحة بين كلام الله وكلام البشر، أو يوجهون نحو النصوص ما يلائم احتمالها وجها يقال إنه وجهُ إعجاز.
وجدير بالذكر أن ما يتعلق بالإعجاز من هذه الوجوه لا يباينُ بَيْنَ قدرةِ الله وقدرةِ الخَلْق وبين علمه تعالى وعلمهم، وبين إرادته وإرادتهم، ولكن تساق هذه الوجوه لتسجيل التباين التام بين كلام الله تعالى وبين كلام البشر، بغض النظر عما يحمله الكلام من موضوع. فالقرآن معجز من حيث إنه كلام.
ومع هذا. فهؤلاء بعض الذين أماطوا اللثام عن رؤية وجوه الإعجاز حسب ما عنَّ لهم منها، وإن كان البعض قد قَصَرَهَا على النظم اعتقاداً فقد زاد عليه سردا وإيرادا.
ومن جملة من عُنُوا بجمع وجوه الإعجاز وبيانها الشيخ السيوطي في "معتركه" حيث حوى مؤَلَّفه خمسةً وثلاثين وجها، هي بحق أكثر ما أحصى كتاب مما شاء الله اطِّلاَعِي عليه من مؤلفات في هذا الشأن، ولهذا آثرت الابتداء به، لاستغراقه جُلَّ ما ورد في غيره من الوجوه.
ومعترك الأقران يَضُم هذه الوجوه متناولا إياها بالتحليل والتمثيل والبيان، وما يتعلق بكل منها من سائر ما عرض له المتقدمون، وهذه الوجوه هي:
стр. 58
١- احتواء القرآن على علوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب، ولا أحاط بعلمها أحد في كلمات قليلة وأحرف معدودة ﴿... مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ......﴾ (الأنعام ٣٨) ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: ٨٩) .
٢- كونه محفوظا عن الزيادة، والنقصان، ومحروسا عن التبديل والتغيير على تطاول الأزمان بخلاف سائر الكتب " قال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) فلم يقدر أحد بحمد الله على التجاسر عليه.
٣- حسن تأليفه، والتئام كلمه وفصاحتها، ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب، وأسلوبه الغريب مخالفا لأساليب العرب، ولم يوجد قبله ولا بعده نظيره.
٤- مناسبة آياته وسوره، وارتباط بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقَةَ المعاني منتظمة المباني.
وقد ألف العلامة أبو جعفر بن الزبير شيخُ أبي حيان في أسرار التناسب كتابا سماه "البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن" وألف برهان الدين البقاعي "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور".
وأول من سبق إلى هذا العلم الشيخ أبو بكر النيسابوري.
٥- افتتاح السور وخواتمها، وهو من أحسن الوجوه وأكملها كالتحميدات وحروف النداء والهجاء وغير ذلك. وخواتم السور مثل الفواتح في هذا الحسن، فلهذا جاءت متضمنة للمعاني البديعة مع إيذان السامع بانتهاء الكلام.
٦- مشتبهات آياته، بأن ترد القصة في سور شتى وفواصِلَ مختلفة.
٧- ورود مشكله حتى يوهم التعارض بين الآيات.
٨- وقوع ناسخه ومنسوخه.
٩- انقسامه إلى محكم ومتشابه.
стр. 59
١٠- اختلاف ألفاظه في الحروف وكيفيتها.
١١- تقديم بعض ألفاظه وتأخرها في الموضع.
١٢- إفادة حصره واختصاصه.
١٣- احتواؤه على جميع لغات العرب وبلغة غيرهم من الفرس.
١٤- ورود بعض آياته مجملة وبعضها مبينة.
١٥- عموم بعض آياته وخصوص بعضها
١٦- الاستدلال بمنطوقه ومفهومه.
١٧- وجوه مخاطبته.
١٨- ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات.
١٩- إخباره بأحوال القرون السالفة.
٢٠- روعته وهيبته.
٢١- أن سامعه لا يمجه.
٢٢- تيسير الله حفظَه وتقريبَه على متحفظيه.
٢٣- وقوع الحقائق والمجاز فيه.
٢٤- تشبيهه واستعاراته.
٢٥- وقوع الكناية والتعريض.
٢٦- إيجازه وإطنابه.
٢٧- وقوع البدائع البليغة فيه.
٢٨- احتواؤه على الخبر والإنشاء.
٢٩- إقسام الله تعالى في مواضع لإقامة الحجة وتأكيدها.
٣٠- اشتماله على أنواع البراهين والأدلة.
٣١- ضرب الأمثال فيه.
٣٢- ما فيه من الآيات الجامعة للخوف والرجاء.
٣٣- ورود آيات مبهمة يحِيرُ العقل فيها.
стр. 60
٣٤- احتواؤه على أسماءِ الأشياء والملائكة والكُنَى والألقاب وأسماء القبائل والبلاد والجبال والكواكب.
٣٥- ألفاظه المشتركة.
ومعلوم أن بعض هذه الوجوه قد يشترك فيها كل كلام ولكن القرآن قد نال منها الدرجة العليا التي تعزب عن طاقة البشر، وما عد السيوطي الصرفة وجها في كتابه الموسوم بمعترك الأقران في إعجاز القرآن وإن كان قد ساق من الحديث طرفا عنها في الإتقان.
وبناء على ما تقدم من بيان ما يعتبر وجه إعجاز وما لا يعتبر، فإن هذه الوجوه التي أوردها السيوطي لا تدخل جميعُهاَ في مفهوم الإعجاز وإن اعتبرت من خصائص القرآن.
ولتقف على ما قرره الإمام أبو يعقوب يوسف بن أبى بكر محمد على السكاكي في "مفتاح العلوم " من أن الإجماع منعقد على أن القرآن الكريم معجز، ولكن اختلف قارعو باب الاستدلال في وجه الإعجاز على النحو التالي: (١)
١- منهم من يقول: إن الله صرف بمشيئته المتَحَدَّيْنَ مع قدرتهم فيما بينهم في نفس الأمر. ويرد السكاكي هذا القول بأن التعجب على هذا القول - يلزم أن يكون من تعذر المعارضة لا من نظم القرآن.
٢- ومنهم من يقول: وجه الإعجاز ورود القرآن على أسلوب مبتدأ مباين لأساليب كلام العرب في خطبهم وأشعارهم، لا سيما في مطالع السور ومقاطع الآي.
стр. 61
ويرد السكاكي بأنه لو كان ابتداء أسلوب يستلزم تعذر الإتيان بالمثل لاستلزم ابتداء الخطبة والشعر كونه معجزا، إذا لا شبهة في أنها مُبْتَدَءَ اتٌُ تعذر الإتيان بمثلها، ولكن شيئا من ذلك لم يكن معجزا فاللازم مُنْتَفٍ.
٣- ومنهم من يقول: وجه إعجاز القرآن سلامته من التناقض.
ويرد بأن هذا يستلزم كون كل كلام إذا سلم من التناقض وبلغ مقدار سورة من السور أن يُعَدَّ معارضة. واللازم منتف بالإجماع.
٤- ومنهم من يقول: وجه الإعجاز الاشتمالُ على الغيوب.
ويرد بأن هذا القول يستلزم قصر التحدي على السور المشتملة على الغيوب دون ما سواها واللازم بالإجماع أيضا منتف.
فهذه أقوال أربعة: يخمسها ما يجده أصحاب الذوق من أن وجه الإعجاز وهو أمر من جنس البلاغة والفصاحة.
ولا طريق لك إلى هذا الخامس إلا طول خدمة عِلْمَي المعاني والبيان بعد فضل إلهي من هبة يهبها بحكمته من يشاء، وهى النفس المستعدة لذلك، فكل مُيَسَّر لما خلق.
ثم يشير السكاكي إلى أنه لا استبعاد في إنكار هذا الوجه ممن ليس معه ما يطلع عليه. ثم يقر بما كان هو عليه مِنْ مِثْلِ ذلك الإنكارِ بقوله "فَلَكَمْ سحبنا الذيل في إنكاره، ثم ضممنا الذيل ما إِنْ ننكِرُه، فله الشكر الجزيل على ما أولى وله الحمد في الآخرة والأولى" (١) .
ومن قبل يوُصِى السكاكي مخاطَبَه قائلا "وأن لا تتجاذَبْك أيدي الاحتمالات فِي وجه الإعجاز" (٢) .
стр. 62
وابن القيم إمام الجوزية في الفوائد المشوق إلى علم القرآن وعلم البيان (١) له سبيل يماثل به ما انتهجه السكاكي في ذكره وجوه الإعجاز والرد على ما لم يرتض منها إذ يقول: " قد تكلم العلماء في ذلك:
١- فقال قوم إعجازه من جهة إيجازه واحتواء لفظِهِ القلِيل على المعاني الكثيرة "ولكم في القصاص حياة" واعترض بأنه في السُّنَّة وكلام العرب، ما هو كذلك.
٢- وقال قوم إعجازه من جهة حسن تركيبه وبديع ترتيب ألفاظه وعذوبة مساقها وجزالتها وفخامتها وفصل خطابها.
٣- وقال قوم من غرابة أسلوبه العجيب، واتساقه الغريب، الذي خرج عن أعاريض النظم، وقوانين النثر، وأساجيع الخطب، وأنماط الأراجيز، وضروب السجع. وقد اعترض على هذا القول من وجوه:
أ- لو كان الابتداء بالأسلوب معجزا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزا.
ب- الابتداء بأسلوب لا يمنع الغير من الإتيان بمثله.
ت- أن ما تعاطاه مسيلمة من الحماقة في معارضة "إنا أعطيناك الكوثر - والطاحنات طحنا" هو أسلوب في غاية الفظاعة والركاكة وكان مبتدئا به ولم يُعَدَّ ذلك معجزاً بل عُدَّ سخفا وحمقا.
ث- لَمَّا فاضَلْناَ بين قوله تعالى: " ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ "وقولهم "القتل أنفى للقتل" لم تكن المفاضلة بسبب الوزن، وإنما تعلق الإعجاز بما ظهرت به الفضيلة.
ج- إن وصف القرآن بأن له لحلاوة وأن عليه لطلاوة لا يليق بالأسلوب.
стр. 63
٤- وقال قوم إعجازه بمجموع هذه الوجوه الثلاثة.
ويقول ابن القيم: إن هذا كلام يحتاج إلى نظر لأن مجموع هذه إنما تكون معجزة في حق العرب خاصة، لأن الفصاحة والبلاغة جِبِلَّةٌ فيهم ولا يُمَارِيهم في التفرد بها مُمَارٍ ذُو عِنَاد، وأذعنت الأمم إليهم فيها، فجاءهم القرآن بقاصمة الظهر ودُعُوا إلى المعارضة فلم يُقْدِمُوا، وأما الأعاجم فلا تقوم عليهم بذلك حجة، ولا تصح فيهم به معجزة لأنهم معترفون أن الفصاحة ليست من شأنهم، والله أرسل محمدا ﷺ إلى الخلق كافة، ولا يثبت إعجازه على الكافة إلا بما يعزب على الكافة الإتيان بمثله مع اعترافهم بأن في مقدورهم من جنسه".
أقول: وإذا كان العرب قد اختصوا بوجه الإعجاز من حيث كون القرآن كلاما فإن غير العرب يمكن أن يكون لهم وجه الإعجاز من حيث ما يحمله ذلك الكلام من جملة ما ذكر من وجوه الإعجاز العلمي حين تعتبر على النحو الذي سنتحدث عنه لاحقا إن شاء الله.
وأردف ابن القيم وجها يمكن كذلك اعتباره لغير العرب ولم يقدم غَيْرَهُ عليه وليس لأحد معرفة قَصْدِه من ترك الفصل بين الثلاثة وجوه السابقة، وبين ما أتى بعدها، وعلى كل حال فقد أورد خامس الأقوال على هذا النحو:
٥- وقال قوم: إنما وقع إعجازه بما فيه من المعاني الخفية والجلية وفنون العلوم النقلية والعقلية، وأصحاب هذا القول لهم في ذلك خمسة مذاهب:
أ- منهم من قال: إعجازه فيما جاء فيه من أخبار القرون السالفة في الأماكن القاصية والدانية وقد نزل على أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولم يكن بأرضه
стр. 64
من يعلم الأخبار سوى أهل الكتاب الذين صرح بسبهم وثلبهم، وضلل عقولهم، ولو علَّمه أحد منهم لصرح بالرد عليه وحيث لم ينقل ذلك، عُلِمَ أنه لم يعلمه بشر وإنما علمه الحكيم الخبير.
ولم يَدَع ابنُ القيم هذا الوجهَ حتى أورد ما اعتَرَض به عليه بأن بعض سور القرآن ليس فيها أخبارُ الماضين، وتلك السور معجزةُُ تحداهم الله بالإتيان بمثلها فعجزوا.
ب- ومنهم من قال إعجازه بما فيه من الإخبار بما يكون وما كان مما وقع على حكم ما أخبر به مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ .
واعترض عليه بما رد به سابقه.
ج- ومنهم من قال إعجازه بما احتوى عليه من العلوم التي لم يسبق إليها أحد من البشر قبل نزوله ولا اهتدت إليها فطن العرب ولا غيرهم من الأمم.
وقد اعترض بأنه وجد في السنة وكلام العرب مثل هذا ولم يعد معجزة.
د- ومنهم من قال إعجازه إنما حصل فيه من نشاطِ القلوبِ الواعية وغيرِ الواعيةِ إليه، وإقبالها بوجه المودة عليه، واستجلاءِ طعم عذوبةِ ألفاظه ومعانيه، وهشاشتها بما يتردد عليها من مبشراته المبهجة ومحذراته المزعجة وآياته المقلقة وأخباره المونقة مع كثرة قرعه للأسماع وصدعه بما يخالف الطباع، ومع ذلك فالقلوب مقبلة على أذكاره، راغبة في تكراره،. يجد ذلك منهم البر والفاجر والمؤمن والكافر ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً﴾ . (الزمر: ٢٣) وقد اعترض على هذا القول بأنه في السنة وكلام فصحاء العرب ما يحسن موقعه ولا تمله على تكراره.
стр. 65
هـ - ومنهم من قال إعجازه بما يقع في النفوس منه عند تلاوته من الروعة وما يملأ القلوب من الهيبة، وما يلحقها من الخشية، فاهمة أو غير فاهمة، عالمة أو غير عالمة، مؤمنة أو كافرة.
وقد اعترض بأن جماعة من أرباب القلوب وذوى الاستغراق في بديع أوصاف المحبوب حصل له من سماع بعض الأشعار ما أخرجه عن طوره وربما مات من فوره.
قلت: ولا وجه لمثل هذا الاعتراض إذ المحب به من الهوى ما يربط به بين ما في قلبه وما يسمع. فهناك توافق بين ما في القلب وما يسمع، ولكن القرآن يُوجِد في النفوس ما لم يكن فيها من قبل - وذلك فرق.
٦- وسادس الأقوال قول جماعة إن إعجازه حفظ آياته من التبديل وصون كلماته من النقل والتحويل، وذلك من آياته الكبرى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
٧- وقال قوم إعجازه في خروج الإتيان بمثله عن مقدور البشر.
٨- وقال قوم إعجازه صَرْفُ اللهِ خَلْقَه عن القدرة على الإتيان بمثله، ولولا ذلك لدخل تحت مقدورهم.
واعترض على الصرفة بأمور ثلاثة:
أولا: أن تعجب العرب كان من فصاحته لا من تعذر إتيانهم بمثله.
ثانياً: أنه لو كان كلامهُم قريباً من فصاحته قبل التحدي لعارضوه بذلك، ولاَحْتَجُّوا عليه بأنهم ممنوعون، وما كلامهم قبل التحدي مختلفا عنه بعد التحدي.
стр. 66
ثالثا: نسيانهم الصيغ المعلومة في مدة يسيرة يدل على زوال عقولهم، وهم مازالت عقولهم عند التحدي سليمة، فمازالت قرائحهم بعد التحدي على ما كانت عليه، فكيف صرفوا ولم تتغير لهم قريحة؟.
ويفضي ابن القيم بخالصة اعتقاده قائلا:
"والذي يتعين اعتقاده أن القرآن بجملة ألفاظه ومعانيه وبعضه وكله معجز - إما لسلب قدرتهم عن الإتيان بمثله وإما لصرفهم عنه"
ثم قال "هذا الذي وقع عليه تصريح الكتاب وصريح الخطاب ولا مرية في ذلك ولا خلاف".
ولعل ابنَ القيم ناقل عن غيره ما قال وإلا كان كمن نقض غزله بعد نَصَبٍ فيه، فإنه بعد معارضة القول بالصرفة جعلها من تصريح الكتاب وصريح الخطاب، بل نفى المرية والخلاف، فماذا أراد بالكتاب؟
إن كان القرآنَ فإنه من ابن القيم لقول شطط، وإن كان غيرَه فإنه لم يعرض لبيان ما جاء فيه من غلط، فاستقبال أمرٍ بِوْجهٍ، واستبدال هذا الوجْهِ بنقيضه في ذات الأمر في غاية تعقيد التصور. اللهم إلا ما كان الذى أورده ابن القيم محضَ نقل، وأحسبه كذلك لقوله (١) :
"والأقرب من هذه الأقاويل إلى الصواب قول من قال إن إعجازه بحراسته من التبديل والتغيير والتصحيف والتحريف والزيادة والنقصان فإنه ليس عليه إيراد ولا مطعن"
стр. 67
٩- وقال بعض العلماء إن إعجازه إنما وقع بكون المتكلم به عالِماً بمُرَاده من كل كلمة وما يليق بها، وما ينبغي أن يلائمها من الكلام، وما يناسبها في المعنى، لا يختفي عنه ما دق من ذلك وما جَلَّ، ولا مَصْرِف كل كلمة ولا مآلها، وغير الله تعالى لا يقدر على ذلك، لأنه أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا.
وهذا القول من الأقوال التي لا مطعن عليها.
وَيُنَوِّهُ ابن القيم إلى لزوم اعتبار عجائب القرآن نوعين، نوعا هو للإعجاز وآخر للخصائص إذ يقول:
"وقد عدد العلماء وجوها من إعجازه غير ما ذكرناه، الأولى أن تعد من خصائصه" ولا يفهم من كلامه أن كل ما ذكره إنما هي وجوه للإعجاز، فكيف اعترض عليها أو لم يرد على الاعتراضات إن كان ناقلا لها.
١٠ - وفي النهاية يُحَسِّنُ ابنُ القيم قولَ القائل بأن الإعجاز من جهة التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة قائمة بالذات وأن العرب إذا تحدوا بالتماس معارضتهم له والإتيان بمثله أو بمثل بعضه كُلِّفوُا ما لا يطاق ومن هذه الجهة وقع عجزهم.
وأَنَّى لابن القيم أن يَتَصَوَّرَ التحدي بما يجهله المتحَدَّى، وهل يقع التحدي إلا لمن حاز قصب السبق فيما يُتَحَدَّى فيه؟ فكيف بمن يجهل الكلام القديم الذي هو صفة الله تعالى القائمة بذاته؟
وهذه أمثلة سقتها ليقع عليها تطبيق الدراسة على نحو يؤكد ضرورة التريث في اعتبار الوجه للإعجاز أو من خصائص هذا الكتاب الكريم، فما
стр. 68
كان منتشرا في كل سور القرآن كان هو وجْهَ الإعجاز ولا أظنه غير النظم والبيان.
وممن أسهم في العناية ببيان وجه الإعجاز القاضي الباقلاني (١) "٣٣٨هـ – ٤٠٣هـ" وهو متكلم أشعري - أجمل وجوه الإعجاز في ثلاثة (٢) :-
١- أنه يتضمن الإخبار عن الغيوب وذلك يعجز عنه البشر.
٢- أنه كان معلوما أن النبي ﷺ أمي لا يكتب ولا يُحْسِن أن يقرأ، ثم أتى بجملة ما وقع وحدث من عظيمات الأمور ومهمات السِّيَرِ مِنْ خَلْق آدم إلى حينِ بعثه.
٣- أنه بديع النظم عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يُعْلَمُ عَجْزُ الخلق عنه.
وبديع نظمه المعجزِ يتضمن وجوها:
أ- ما يرجع إلى الجملة، فنظمه على تصرف وجوهه واختلاف مذاهبه خارج عن المعهود وليس بالسجع ولا بالشعر.
ب- أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع والمعاني اللطيفة وغير ذلك على هذا الطُّولِ والقدر.
ثم ذكر الرجل طرفا من وجوه اختلاف البشر عن كلام الله تعالى مُتَنَاوِلاً الكلمةَ القرآنية وموقعَها في تضاعيف الكلام البشرى كأنها درة في سلك من خرز أو ياقوتة في واسطة عقد، ثم تعرض للحديث عن أوائل السور من حروف الهجاء باسطا فيها قوله بما يناسب مَقَامَ العرض لها.
стр. 69
ثم ذكر أن بعض أصحابه يرون أن علل الأحكام مُوَافِقَةً لمقتضى العقل يُعَدُّ وجه إعجاز، وقرر أن مثل ذلك الاستحسان الذي يولع به أهلُ خراسانَ لا يستقيم عند الأصل الذي يبنون عليه مثل هذا.
وأخيرا يقول:"ولا نقول إن وجه الإعجاز في نظم القرآن أنه حكاية عن الكلام القديم".
ويقول الرماني (١) "وجوه الإعجاز تظهر من جهات ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة، والتحدي للكافة، والصرفة، والإخبار عن الأمور المستقبلة، ونقض العادة، وقياسه بكل معجزة".
وأراد بنقض العادة تفرد القرآن بطريقة خرجت عن عادة كلام العرب وتفوق كل طريقة.
وأراد بقياسه بكل معجزة أن سبيل فلق البحر وقلب العصا حية سبيل واحد في الإعجاز إذ خرج عن العادة فَصَدَّ الخلق عن المعارضة.
والقاضي عياض (٢) في كتابه الشفا حين تعرض لإعجاز القرآن في فصله يرى أن القرآن مُنْطَوٍ على وجوه من الإعجاز كثيرة، وتحصيلهُا من جهة ضبط أنواعها في أربعة وجوه:
الأول: حسن التأليف، والتئام كَلِمِهِ، وفصاحتُه، ووجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة عادة العرب.
الثاني: صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب العرب.
стр. 70
الثالث: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم يكن ولم يكن ولم يقع، فَوُجِدَ كما وَرَدَ على الوجه الذي أخبر.
الرابع: ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة، والشرائع الدائرة. ثم زاد عليها الروعة التي تلحق القلوب والهيبة التي تعتري سامعيه، وكونه آية باقية تَكَفَّلَ الله بحفظه.
ولابن سنان الخفاجي (١) نوع إسهام في بيانه سِرَّ الفصاحة حيث قصد إلى تأليف كتابه لسببين ذَكَرَهُمَا كثمرةٍ وفائدة تحصل لمن وَعَى هذا الكتاب، وواحد هذين السببين وإحدى الثمرتين من جهة العلوم الشرعية، حيث المعجز الدالُّ على نبوة نبينا محمد ﷺ هو القرآن.
والخلاف الظاهر فيما كان به معجزا على قولين:
أولهما: أنه خَرَقَ العادةَ بفصاحته، ومن ذهب إلى هذا لابد له من بيان ما الفصاحة التي وقع التزايد فيها موقعا خرج عن مقدور البشر.
ثانيهما: أن وجه الإعجاز صرف العرب عن معارضته مع أن فصاحة القرآن كانت في مقدورهم لولا الصرف والقائل بهذا يحتاج كذلك إلى معرفة الفصاحة ليقطع على أنها كانت في مقدورهم.
والشيخ رحمت الله الهندي في كتابه إظهار الحق (٢) أسهم في سبيل الدفاع عن القرآن بحظ لا ينكر، وذكر أن الأمور التي تدل على أن القرآن كلامُ الله كثيرةُُ اكتفي منها باثنى عشر أمراً، ثم بَيَّنَ الشيخ في الأمر الثالث
стр. 71
كَوْنَ القرآن منطويا على الإخبار على الحوادث الآتية فوجدت على الأيام اللاحقة على الوجه الذي أخبر، فساق اثنين وعشرين شاهدا قرآنيا على ذلك. من ذلك آية سورة الروم التي هي مطلع السورة، فأورد ما قاله أحد القسيسين مَنْ سماه الشيخ بصاحب "ميزان الحق" في الفصل الرابع من الباب الأول من هذا الميزان من أنه " لو فرضنا صدق ادعاء المفسرين أن هذه الآية نزلت قبل غلبة الروم الفرس فنقول إن محمداً ﷺ قال بظنه أو بصائب فكره لتسكين قلوب أصحابه، وقد سُمِعَ مثلُ هذه الأقوال من أصحاب العقل والرأي في كل زمان " فرد الهندي قوله بوجهين:
الأول: أن تحديد الزمان ببضع سنين لا يتأتى من عاقل ادعاء قطعيا بوقوع أمر فيه.
الثاني: أن العادة جرت أنه ليس كل ما يقوله العقلاء يقع جميعه، بل يتخلف بعض ما ادَّعَوْا وقوعَه فيما يستقبل من الزمان، فمن كَذَبَ على الله تعالى وافترى حقيق على الله تعالى أن يباعد بَيْنَ ما يقول وصحة هذا القول.
وفي الإتقان للسيوطي (١) قال المراكشي في "شرح المصباح" الجهة المعجزة في القرآن تعرف بالتفكر في تأدية المعنى، وعن تعقيده، وتعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال.
لأن جهة إعجازه ليست مفردات ألفاظه، وإلا لكانت قبل نزوله معجزة ولا مجرد تأليفها، ولا مجرد أسلوبه، وإلا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزا - والأسلوب الطريق - ولكان هذيان مسيلمة معجزا، ولأن الإعجاز يوجد
стр. 72
دونه - أي الأسلوب - في نحو ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً﴾ (يوسف:٨٠) ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر﴾ (الحجر:٩٤) ، ولا بالصرف عن معارضتهم، لأن تعجبهم كان من فصاحته ولأن مسليمة وابن المقفع والمعرى وغيرهم قد تعاطوها (١) فلم يأتوا إلا بما تمجه الأسماع وتنفر منه الطباع ويضحك منه في أحوال تركيبه، وبها - أي بتلك الأحوال - أعجز البلغاء وأخرس الفصحاء.
فعلى إعجازه دليل إجمالي: وهو أن العرب عجزت عنه وهو بلسانها فغَيْرُهَا أحرى، ودليل تفصيلي: مقدمته التفكر في خواص تركيبه، ونتيجته العلم بأنه تنزيل المحيط بكل شيء علما".
والإمام عبد القاهر الجرجانى (٢) يرى أن النظم ليس شيئا غير توخى معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم وإلا كان من أعجب العجب أن يزعم زاعم أنه يطلب المزية في النظم ثم لا يطلبها في معاني النحو وأحكامه التي النظم عبارة عن توخيها فيما بين الكلم، وذلك يقتضي دخولَ الاستِعارة والكنايةِ والتمثيل وسائرِ ضروب المجاز وغير ذلك من مقتضيات النظم وعنها يحدث وبها يكون، إذ لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يُتَوَخَّ فيما بينها حكمٌ من أحكام النحو.
وطريق المزية المطلوبة في هذا الباب الفِكْرُ والنظر من غير شبهة، ومحال أن يكون لِلَّفْظِ صفة تستنبط بالفكر، ويستعان عليها بالروية، ولا يعد الإعراب من الوجوه التي تظهر بها المزية، لأن العلمَ به مشترك بين العرب كلهم، ولا يستنبط بالفكر ويعان عليه بالروية، فليس أحدهم بأعلم من الآخرين برفع الفاعل.
стр. 73
وإنما تقع الحاجة إلى العلم بما يوجب الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز كقوله تعالى ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ وأشباه ذلك مما يجعل الشيء فيه فاعلا على تأويل يدق، ومن طريق يلطف، وليس يكون هذا عِلْماً بالإعراب ولكن بالوصف الموجب للإعراب، والغرض من القول بأن الفصاحة في المعنى دون اللفظ: أن المزية التي من أجلها استَحَق اللفظُ الوصفَ بأنه فصيح، عائدة في الحقيقة إلى معناه، وهي تظهر في الكلم من بعد أن تدخل الكلمة النظم، وإذا أفردت لم تَرُمْ فيها نظما ولا مزية لها، فوجب العلم قطعا وضرورة أن تلك المزية في المعنى دون اللفظ
وفي الإشارة (١) إلى المجاز للعز بن عبد السلام وجوه ذكر منها: صرف العرب عن المعارضة مع قدرتهم عليها وحرصهم على إيطاله، أو صرفهم عن القدرة على معارضته.
وابن جزي الكلبي في كتاب التسهيل لعلوم التنزيل (٢) ساق وجوها عشرة من وجوه الإعجاز من بينها ما فيه من التعريف بالباري ﷻ ، وذِكْرِ صفاتِه وأسمائه وما يجوز عليه وما يستحيل والدعوة إلى عبادته وإقامة البراهين، والرد على الكافرين.
ومن كل ما سبق نتبين أنه لم يسلم من الرد غير النظم وجهاً لإعجاز القرآن الكريم، ولا يتصور خلو الآيات الأولى من النظم حال نزولها على النبي ﷺ أول بدء الوحي.
стр. 74
وهذه الآيات قد بدأ بها الوحي التحدي واطرد ذلك التحدي إلى آخر ما نزل من القرآن الكريم ولا يسلم لوجه واحد الدوران في جميع القرآن الكريم غير النظم.
ولو لم يكن التحدي بمحض النظم لم يكن للقرآن أن يتحدى بشيء مثلِهِ مفترًى والافتراء الكذب، والكذب لا يطابق الواقع نفيا أو إيجابا فليس المراد من معارضتهم حين التحدي أن تكون صادقة بل أن تكون كنظم القرآن وإن كان المعنى الذي تحمله كلماتُه مفترًى. فما بالهم قالوا افتراه وأعجزهم عن الإتيان بمثله مفترى؟
والمجال أعمق وأفسح من أن يسرد من خلال هذه الصفحات، ولكنها مجرد أمثلة من إسهامات المسلمين توضح مدى اهتمامهم على مد الزمن الإسلامي وإلى يومنا هذا، وهذا التناوب في تناول مثل هذه الأمور بالدراسة يؤكد كرم عطاء القرآن لكل عصر حسب ما يتفق له من فهوم سواء ما كان منها من خصائص القرآن أو من وجوه إعجازه حقا.
стр. 75
المبحث الرابع: مؤلفات في الإعجاز الذاتي للنص القرآني .
أوردت في هذا الفصل بعضا من المؤلفات مما يتعرض لوجوه الإعجاز أو اعتنى بها على نحو من الأنحاء وهذه المؤلفات هي:
١- من روائع القرآن الكريم - دكتور محمد سعيد رمضان البوطي.
٢- تاريخ آداب العرب جـ٢ - مصطفى صادق الرافعي.
٣- ثلاث رسائل في إعجاز القرآن - للرماني والخطابي وعبد القاهر الجرجاني.
٤- الشفا بتعريف حقوق المصطفى - القاضي عياض.
٥- بصائر ذوي التمييز - للفيروز آبادي.
٦- الجامع لأحكام القرآن - للقرطبي.
٧- فكرة إعجاز القرآن منذ البعثة حتى عصرنا الحاضر - نعيم الحمصي.
٨- قضية الإعجاز القرآني - د/ عبد العزيز عبد المعطى عرفة.
٩- كتاب التسهيل لعلوم التنزيل - محمد بن أحمد بن جزى الكلبي.
١٠- الكشاف - محمود بن عمرالزمخشري.
١١- منهاج البلغاء وسراج الأدباء وملحق به - أبو الحسن حازم القرطاجني.
١٢- كتاب الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق المجاز - يحيى بن حمزة بن على بن إبراهيم العلوي.
١٣- معترك الأقران في إعجاز القرآن لأبي الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبى بكر السيوطي.
١٤- الإتقان في علوم القرآن - للسيوطي.