كَوْنَ القرآن منطويا على الإخبار على الحوادث الآتية فوجدت على الأيام اللاحقة على الوجه الذي أخبر، فساق اثنين وعشرين شاهدا قرآنيا على ذلك. من ذلك آية سورة الروم التي هي مطلع السورة، فأورد ما قاله أحد القسيسين مَنْ سماه الشيخ بصاحب "ميزان الحق" في الفصل الرابع من الباب الأول من هذا الميزان من أنه " لو فرضنا صدق ادعاء المفسرين أن هذه الآية نزلت قبل غلبة الروم الفرس فنقول إن محمداً ﷺ قال بظنه أو بصائب فكره لتسكين قلوب أصحابه، وقد سُمِعَ مثلُ هذه الأقوال من أصحاب العقل والرأي في كل زمان " فرد الهندي قوله بوجهين:
الأول: أن تحديد الزمان ببضع سنين لا يتأتى من عاقل ادعاء قطعيا بوقوع أمر فيه.
الثاني: أن العادة جرت أنه ليس كل ما يقوله العقلاء يقع جميعه، بل يتخلف بعض ما ادَّعَوْا وقوعَه فيما يستقبل من الزمان، فمن كَذَبَ على الله تعالى وافترى حقيق على الله تعالى أن يباعد بَيْنَ ما يقول وصحة هذا القول.
وفي الإتقان للسيوطي (١) قال المراكشي في "شرح المصباح" الجهة المعجزة في القرآن تعرف بالتفكر في تأدية المعنى، وعن تعقيده، وتعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال.
لأن جهة إعجازه ليست مفردات ألفاظه، وإلا لكانت قبل نزوله معجزة ولا مجرد تأليفها، ولا مجرد أسلوبه، وإلا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزا - والأسلوب الطريق - ولكان هذيان مسيلمة معجزا، ولأن الإعجاز يوجد
стр. 72
دونه - أي الأسلوب - في نحو ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً﴾ (يوسف:٨٠) ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر﴾ (الحجر:٩٤) ، ولا بالصرف عن معارضتهم، لأن تعجبهم كان من فصاحته ولأن مسليمة وابن المقفع والمعرى وغيرهم قد تعاطوها (١) فلم يأتوا إلا بما تمجه الأسماع وتنفر منه الطباع ويضحك منه في أحوال تركيبه، وبها - أي بتلك الأحوال - أعجز البلغاء وأخرس الفصحاء.
فعلى إعجازه دليل إجمالي: وهو أن العرب عجزت عنه وهو بلسانها فغَيْرُهَا أحرى، ودليل تفصيلي: مقدمته التفكر في خواص تركيبه، ونتيجته العلم بأنه تنزيل المحيط بكل شيء علما".
والإمام عبد القاهر الجرجانى (٢) يرى أن النظم ليس شيئا غير توخى معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم وإلا كان من أعجب العجب أن يزعم زاعم أنه يطلب المزية في النظم ثم لا يطلبها في معاني النحو وأحكامه التي النظم عبارة عن توخيها فيما بين الكلم، وذلك يقتضي دخولَ الاستِعارة والكنايةِ والتمثيل وسائرِ ضروب المجاز وغير ذلك من مقتضيات النظم وعنها يحدث وبها يكون، إذ لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يُتَوَخَّ فيما بينها حكمٌ من أحكام النحو.
وطريق المزية المطلوبة في هذا الباب الفِكْرُ والنظر من غير شبهة، ومحال أن يكون لِلَّفْظِ صفة تستنبط بالفكر، ويستعان عليها بالروية، ولا يعد الإعراب من الوجوه التي تظهر بها المزية، لأن العلمَ به مشترك بين العرب كلهم، ولا يستنبط بالفكر ويعان عليه بالروية، فليس أحدهم بأعلم من الآخرين برفع الفاعل.
стр. 73
وإنما تقع الحاجة إلى العلم بما يوجب الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز كقوله تعالى ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ وأشباه ذلك مما يجعل الشيء فيه فاعلا على تأويل يدق، ومن طريق يلطف، وليس يكون هذا عِلْماً بالإعراب ولكن بالوصف الموجب للإعراب، والغرض من القول بأن الفصاحة في المعنى دون اللفظ: أن المزية التي من أجلها استَحَق اللفظُ الوصفَ بأنه فصيح، عائدة في الحقيقة إلى معناه، وهي تظهر في الكلم من بعد أن تدخل الكلمة النظم، وإذا أفردت لم تَرُمْ فيها نظما ولا مزية لها، فوجب العلم قطعا وضرورة أن تلك المزية في المعنى دون اللفظ
وفي الإشارة (١) إلى المجاز للعز بن عبد السلام وجوه ذكر منها: صرف العرب عن المعارضة مع قدرتهم عليها وحرصهم على إيطاله، أو صرفهم عن القدرة على معارضته.
وابن جزي الكلبي في كتاب التسهيل لعلوم التنزيل (٢) ساق وجوها عشرة من وجوه الإعجاز من بينها ما فيه من التعريف بالباري ﷻ ، وذِكْرِ صفاتِه وأسمائه وما يجوز عليه وما يستحيل والدعوة إلى عبادته وإقامة البراهين، والرد على الكافرين.
ومن كل ما سبق نتبين أنه لم يسلم من الرد غير النظم وجهاً لإعجاز القرآن الكريم، ولا يتصور خلو الآيات الأولى من النظم حال نزولها على النبي ﷺ أول بدء الوحي.
стр. 74
وهذه الآيات قد بدأ بها الوحي التحدي واطرد ذلك التحدي إلى آخر ما نزل من القرآن الكريم ولا يسلم لوجه واحد الدوران في جميع القرآن الكريم غير النظم.
ولو لم يكن التحدي بمحض النظم لم يكن للقرآن أن يتحدى بشيء مثلِهِ مفترًى والافتراء الكذب، والكذب لا يطابق الواقع نفيا أو إيجابا فليس المراد من معارضتهم حين التحدي أن تكون صادقة بل أن تكون كنظم القرآن وإن كان المعنى الذي تحمله كلماتُه مفترًى. فما بالهم قالوا افتراه وأعجزهم عن الإتيان بمثله مفترى؟
والمجال أعمق وأفسح من أن يسرد من خلال هذه الصفحات، ولكنها مجرد أمثلة من إسهامات المسلمين توضح مدى اهتمامهم على مد الزمن الإسلامي وإلى يومنا هذا، وهذا التناوب في تناول مثل هذه الأمور بالدراسة يؤكد كرم عطاء القرآن لكل عصر حسب ما يتفق له من فهوم سواء ما كان منها من خصائص القرآن أو من وجوه إعجازه حقا.
стр. 75
المبحث الرابع: مؤلفات في الإعجاز الذاتي للنص القرآني .
أوردت في هذا الفصل بعضا من المؤلفات مما يتعرض لوجوه الإعجاز أو اعتنى بها على نحو من الأنحاء وهذه المؤلفات هي:
١- من روائع القرآن الكريم - دكتور محمد سعيد رمضان البوطي.
٢- تاريخ آداب العرب جـ٢ - مصطفى صادق الرافعي.
٣- ثلاث رسائل في إعجاز القرآن - للرماني والخطابي وعبد القاهر الجرجاني.
٤- الشفا بتعريف حقوق المصطفى - القاضي عياض.
٥- بصائر ذوي التمييز - للفيروز آبادي.
٦- الجامع لأحكام القرآن - للقرطبي.
٧- فكرة إعجاز القرآن منذ البعثة حتى عصرنا الحاضر - نعيم الحمصي.
٨- قضية الإعجاز القرآني - د/ عبد العزيز عبد المعطى عرفة.
٩- كتاب التسهيل لعلوم التنزيل - محمد بن أحمد بن جزى الكلبي.
١٠- الكشاف - محمود بن عمرالزمخشري.
١١- منهاج البلغاء وسراج الأدباء وملحق به - أبو الحسن حازم القرطاجني.
١٢- كتاب الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق المجاز - يحيى بن حمزة بن على بن إبراهيم العلوي.
١٣- معترك الأقران في إعجاز القرآن لأبي الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبى بكر السيوطي.
١٤- الإتقان في علوم القرآن - للسيوطي.
стр. 76
١٥- نِعْمَ الوجيز في إعجاز القرآن العزيز للشيخ الشاب العلامة عبد العزيز أحمد. البرهاروى وهذا الكتاب نشر جُمْلَةً ضِمن مجلة المجمع العربى الباكستانى رئيس التحرير د. ظهور أحمد أظهر.
١٦- الإعجاز البياني للقرآن د. عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطئ".
١٧- النبأ العظيم - د. محمد عبد الله دراز.
١٨- مفتاح العلوم - للإمام أبي يعقوب يوسف بن أبى بكر محمد بن على السكاكي.
١٩- إعجاز القرآن للقاضي أبى بكر محمد بن الطيب محمد جعفر بن القاسم الباقلاني البصري.
٢٠- كتاب المنهاج في شعب الإيمان لأبي عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي.
٢١- المعجزة الكبرى - الإمام محمد أبو زهرة.
٢٢- معجزة القرآن الكريم - الشيخ محمد متولي الشعراوي.
٢٣- القرآن معجزة ومنهج - الشيخ محمد متولي الشعراوي.
٢٤- الملل والنحل - للشهرستاني.
٢٥- الفصل في الملل والنحل - لابن حزم الأندلسي.
٢٦- الفوائد المشوق - لابن قيم الجوزية.
٢٧- إظهار الحق - لرحمت الله الهندي.
٢٨- التفسير الكبير مفاتيح الغيب - لفخر الدين الرازي.
٢٩- البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن - كمال الدين عبد الواحد عبد الكريم الزملكاني.
стр. 77
٣٠- نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للإمام برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي.
٣١- البرهان في علوم القرآن - بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي.
٣٢- الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم د/ محمد محمود حجازي.
٣٣- سر الفصاحة - عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان - أبو أحمد - الخفاجي الحلبي.
٣٤- دلائل الإعجاز - الإمام مجد الإسلام أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن محمد الجرجاني.
٣٥- فتح البيان في مقاصد القرآن - أبو الطيب صديق القنوجي.
٣٦- القصور العوالي "مجموعة رسائل" - أبي حامد الغزالي.
٣٧- مقالات الإسلاميين - أبو الحسن الأشعري.
٣٨- تفسير المراغي - أحمد مصطفى المراغي.
٣٩- الفوز الكبير في أصول التفسير - للإمام ولي الله الدهلوي نقله عن الفارسية سليمان الحسيني الندوي.
٤٠- رسائل تحت عنوان أحدث تفسير لآيات القرآن الكريم، عبد الغنى محمد.
٤١- التفسير البياني للقرآن الكريم - دكتورة عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطئ"
هذه بعض دراسات الإعجاز القرآني على أنحاء متعددة، منها ما انفرد بالحديث عن الإعجاز واختص به، ومنها ما تناوله في أحد فصوله، ومنها ما كان تأريخا له، ومنها ما تناول الوجوه بالبيان أو بالنقد، ومنها ما كان عاما في دراسته الإعجاز، أو ما كان مختصا بوجه منها.
стр. 78
الفصل الرابع من مظاهر العناية بوجوه الإعجاز
المبحث الأول: الإعجاز العلمي للقرآن الكريم
كثرت في الآونة الأخيرة وبالتحديد عبر القرنين الماضيين أو دونهما دراسات خرجت من ذاتية الإعجاز النفسي للقرآن إلى صور أخرى من الإعجاز لا تتأتى بغير التأويل البعيد لبعض آيات القرآن الكريم.
"ومعجزة القرآن تختلف عن معجزات الرسل السابقين في كثير من زوايا الإعجاز، وللقرآن إعجاز لا يتنبه إليه العقل إلا بعد أن ينشط ويكتشف المستور عنه من حقائق الكون وأسراره، حينئذ يتبين أن للقرآن وجوهَ إعجازٍ أخرى أو جديدة تزيد في معنى الإعجاز أو تعطي أبعادا جديدة لما يقال " (١) .
هذا ما قرره الشيخ الشعراوي من أن ابتداء تنبه المسلم إلى وجه إعجازي قد لا يتأتى من القرآن مباشرة، بل ينبع رفده من الكون ويبزغ بريقه من أسرار هذا الكون سواء ما كان بالفكر العقلي المجرد أو بواسطة ما يتوصل به إلى غموض هذه الأسرار من وسائل.
ويقول الشيخ: "فإذا انتقلنا إلى الاختراعات الحديثة نجد أنها اكتشاف لقوانين الكون" (٢) وفي صفحة أخرى يقول الشيخ (٣) " إن القرآن لم يأت ليعلمنا أسرار الوجود ولكنه أشار إليها وسجلها ليظهر الإعجاز الإلهي للناس
стр. 79
في كل عصر ومع تقدم العلم البشرى. على أن ربط القرآن الكريم بالنظريات العلمية شيء لا يجب أن يحدث، فالقرآن لا تُرْبَطُ صحتُه باتفاقه مع نظرية علمية أيا كانت ولكن العلم هو الذي يستمد صحته وبيانه إذا اتفق مع آيات القرآن الكريم، فكل علم مخالِف لحقائق القرآن هو علم زائف، لأن قائل القرآن هو الله وخالق الكون هو الله ".
والأستاذ فوزي شعبان مترجم كتاب أصل الإنسان بين العلم والكتب السماوية لمؤلفه دكتور موريس بوكاي في مقدمة الترجمة يقول (١) : "وقد احتوى القرآن الكريم على آيات بينات في العلوم الطبيعية أخرجها الأستاذ يوسف مروة في كتاب "العلوم الطبيعية في القرآن الكريم" وبلغت. ٧٧٤ آية بالتحديد ومفصلة كما يلي: الرياضيات ٦١، الفيزياء ٢٦٤، الذرة ٥، الكيمياء ٢٩، النسبية ٦٢، الفلك ١٠٠، المناخيات ٢٠، المائيات ١٤، علم الفضاء ١١، علم الحيوان ١٢، علم الزراعة ٢١، علم الأحياء ٣٦، الجغرافيا العامة ٧٣، علم السلالات البشرية١٠، علم طبقات الأرض ٢٠، علم الكون وتاريخ الأحداث الكونية٣٦"
وقد سبق الأوائلُ إلى تعداد ما يحتويه القرآن من مثل ذلك، فقال ابن أبي الفضل المرسي في تفسيره: جمع القرآن علومَ الأولين والآخرين بحيث لم يُحِطْ بها علما حقيقة إلا المتكلم بها ثم رسولُ الله ﷺ خلاف ما استأثر به ، ثم روت عنه– أراد عن النبي ﷺ معظمَ ذلك سائرُ سادات الصحابة وأعلامهم. إلى أن قال: ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات على الحكم الباهرة فذكر علم المواقيت والمعاني والبيان والبديع
стр. 80
والطب والهيئة والهندسة والجدل والمقابلة والنجامة وأصول الصنائع وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها:
كالخياطة والحدادة والبناء والنجارة والغزل والنسيج والفلاحة والصيد والغوص والصياغة والزجاجة والفخارة والمِلاحة والكتابة والخبز والطبخ والغسل والقصارة والجزارة والبيع والشراء والصبغ والحجارة والكيالة والمنكوحات وجميع ما وقع ويقع في الكائنات ما يحقق معنى قوله تعالى "ما فرطنا في الكتاب من شيء" انتهى ملخصا من الإتقان (١) .
وقال ابن سراقة من بعض وجوه إعجاز القرآن ما ذكر الله فيه من أعداد الحساب والجمع والقسمة والضرب والموافقة والتأليف والمناسبة والتصنيف والمضاعفة ليَعْلَمَ بذلك أهلُ العلم والحساب أنه ﷺ صادق في قوله، وأن القرآن ليس من عنده إذ لم يكن ممن خالط الفلاسفة ولا تلقى الحُسَّابَ وأهل الهندسة (٢) .
وتحت عنوان شهادات منصفة ساق الأستاذ محمد سامي محمد علي في كتابه " الإعجاز العلمي في القرآن الكريم (٣) شهادة أحد مشاهير العلماء، وهو عالم غربي من أكبر الجراحين والأطباء المشهورين وهو الدكتور موريس بوكاي الذي شرح الله صدره للإسلام فأسلم بعد علم ودراية.
وقد ألقى الدكتور محاضرة في أكاديمية العلوم الفرنسية بباريس سنة ١٩٦٧ حضرها حشد كبير من العلماء في شتى فروع العلوم الحديثة، وبعد
стр. 81
أن عرض حقائق القرآن الكريم في شتى ميادين العلم سأل أخيرا هؤلاءِ العلماءَ قائلا:
"هل لكم أن تخبروني من أين جاء محمد بهذا العلم الحديث، وقد أكدتم أنفسُكُم يا علماء الغرب والشرق وبعد محاولات طويلة عبر الزمن أن ما جاء منسوبا للتوراة والإنجيل جاء مناقضا للعلم الحديث ومفاهيمه كافة فطرحتموه جانبا، تاركين أمره لخيال المؤمنين وأهل الأديان. فمن أين لمحمد هذا العلم؟ "
فسكت الجميع. ولا من مجيب. فقال بوكاي:
بالطبع لا جواب عندكم! والجواب عندي: أنه من عند الله وأن محمدا رسول الله، وقد أحدثت هذه المحاضرة ضجة إعلامية في أنحاء أوربا.
ميزان تفسير الآية تفسيرا يتعلق بالعلوم الحديثة:
واستقبل الأستاذ محمد سامي الحديث عن علوم الإعجاز العلمي في القرآن الكريم بميزان لتفسير الآيات تفسيرا يتعلق بالعلوم الكونية قائلا (١) "النظرية - التي بين الأخذ والرد - لا يصلح لنا تطبيقها على الآية القرآنية أما الحقيقة العلمية فمن المستحيل أن تتناقض أو تتصادم مع الآية القرآنية، ونتحدى الآن أو في المستقبل ظهور حقيقة علمية تخالف القرآن الكريم.
إذاً لا مانع إطلاقا أن نطبق الحقيقة العلمية على الآية القرآنية التي تلفت الأنظار إلى إشارات علمية كونية.
стр. 82
لكن علينا ونحن نبحث في أسرار القرآن الكريم لاستخراج الدرر واللآلئ العلمية أن نخضع تفسيرنا هذا لشروط نَصَّ عليها علماء التفسير الذين عُنُوا بمناهج البحث، وهذا الميزان لا يتمثل في أكثر من الميزان الذي نعتمد عليه لتفسير أي كلام عربي، ويتكون هذا الميزان من المقومات والأركان التالية:
١- خضوع التفسير لدلالات اللغة العربية وقواعدها التي لا خلاف عليها.
٢- خضوعه لقواعد تفسير النصوص المتفق عليها كأحكام العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والمنطوق والمفهوم وما إلى ذلك من قواعد.
٣- ألا يتعارض التفسير معارضة حادة مع مضمون أي آية أخرى في القرآن بحيث لا يمكن الجمع بينهما بحال تحت ظل أي قاعدة من قواعد تفسير النصوص.
٤- ألا يتعارض التفسير معارضة حادة مع الدلالة الثابتة لنص حديث نبوي صحيح بحيث لا تترك هذه المعرضة سبيلا سائغا للتوفيق بينهما".
ومن خلال التطبيق لضوابط هذا الميزان تلزم ضرورةُ الانطلاق من القرآن الكريم، وفي قوله تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ تحديد لكيفية الرؤية العلمية، بازغة أولاً من القرآن الكريم وهى في أوج ظهورها في الكون شاهدة بصدق القرآن، ولكن حين نأخذ من المشاهد النظرية تفسيرا للقرآن نكون قد أوقفنا أنفسنا في منزلق خَطِر، إذا ما جنحت النظرية إلى تعارض مع نظرية أخرى، وبالتالي يتوجب علينا التحسب إلى مثل هذه الأمور، فإنه حين يخفق المرء في استخراج المعاني المزيحة لحجب الجهل البشرى بنور العلم القرآني ينصرف العلماءُ - بحسن نية هي السذاجة
стр. 83
في أصلها - وأشباهُ العلماء - إلى درك مطالب الإلحاح الساذج أن العلمَ يوافقُه القرآنُ.
وتفاسير القرآن على ضوء العلوم الحديثة – كتفسير المراغي والجوهري لم يثبت مضمون ما احتوته من مثل هذا بعد. ونخشى أن يستدعى هذا ضعضعةَ الإيمان في بعض النفوس التي لا تفرق بين خطأ المفسر أو الباحث وصحةِ النص القرآني (١) .
وهناك من يرى صحة الانطلاق من خارج القرآن فيقول (٢) . (ففي أيامنا هذه استطاع العلم أن يرى ما سبق إليه القرآن بالبيان والتعريف) مع أنه يبين معنى قولٍ منسوب إلى المسيح هو "ويخبركم بأمور آتية" ومعلوم أن الخبر لا يتوقف فهمه على أمر لاحق.
وكل هذا الكلام يصح في أبعاض كل هذه الفروع العلمية، فحين تجد فرعا منها لا يلزم أن تستغرق الآيات تفاصيلَ هذا الفرع، ولكن تمتد من القرآن آيات توضح وتفسر بعض الحقائق الكونية في ظواهرها الطبيعية.
فكل ما يقع تحت رؤية البشر مع استدامة توحُّدِ هذه الرؤية مَدَّ الزمن هو الذي يُفترض فيه أن يكون حقيقة تواكب إشارات القرآن على نحو لا يُحْدِثُ اختلافا في المفهوم في زمن ما.
стр. 84
وما يأخذ في حين تفسيرا يختل في حين آخر لا شك شيء لم يُعَايَنْ بغير افتراضاتٍ ونظريات بُحِثَ لها عن تفسير فيه مجمل تفصيل الرؤية لظاهرة غامضة التفسير، غائرة المدى.
وأقرب مثال طروء تناقضات عدة في تفسير اختلاف حركة الشمس أو الأرض أو هما معا، والصورة التي تتخذها الأرض في الذهن لإقامة تفسيرٍ لا برهانَ، على النظام الشمسي الدقيق، حتى بدت في أفق علم الفلك نظريات ثلاث تشرح كل منها تعليل الليل والنهار والفصول الأربعة وغير ذلك مما يتعلق بهذا.
وإحدى هذه النظريات – نظرية كوبرنيقوس – يمكن القول أنها استحمكت في التصور الفكري البشري واستولت عليه، بغض النظر عن دلالات نصوصٍ دينية.
ولم يكن للقرآن أن يقبض إسهاماته في سبر البشر أغوار ظواهر الكون فأمد بما يقيم به نظرية وينفي به أخرى، ولا كمال للقبولِ لنظرية واحدة من الثلاث، بل تحتمل الآياتُ والأحاديثُ مباركةَ كلِّ نظريةٍ في طرف منها أو في بعضها الأكبر.
فحين تفترض بعض النظريات أن الأرض في شكلها كرة مفلطحة "غير كاملة الاستدارة" وتدور حول نفسها وحول الشمس ليحدث بالدورتين الليل والنهار والفصول الأربعة، ترى نظرية أخرى أن الأرض لا تدور بل ليست لها جاذبية، وتنفي بعضا مما ألفه الناس وآنسوه من نظرية كوبر نيقوس التفسيرية لحركة المجموعة الشمسية، ونجد النظرية المعارضة للمألوفة من
стр. 85
النظريات ترى أن الأرض لا تدور وإنما تدور حولها الشمس (١) وأن سجودها تحت العرش يكون فوق المحيط في الجهة المقابلة لمركز اليابسة "مكة المكرمة" وأن هذا الموضع لا يختلف باختلاف الأيام على مدار العام.
وتبرز نظرية ثالثة تعضد النظرية الوردانية السابقة في بعضها وتختلف عنها في أن الكون أرضى بمعنى أن الأرض ليست كروية، بل مجوفة مسقوفة بالسماء ونحن في الداخل والشمس تدور في فلكها داخل الأرض التي يحيا فيها جميع الأحياء. (٢)
ولسنا بحاجة إلى ضرورة مد الأيدي لتؤيد نظرية وتلغى أخرى إلا على أساس من انبثاق وجه مرجح لإحدى النظريات الثلاث.
وما سقت هذا إلا استدلالاً على أهمية التريث في سحب المعاني من النظريات الفرضية التفسيرية للظواهر الكونية إلى معاني القرآن الكريم.
بل يجب أن لا نكترث بعدم التوافق بين النظريات العلمية والمعاني القرآنية، وحَرِيٌ بنا أن نقف على مثال يؤيد أهمية الأخذ من القرآن أَوَّلا وابتداءً لأنه لا يعطى في بسط المعنى إلا حقائق العلم حين يتكافأ الفهم عن القرآن مع صحة النظر في الكون.
ولقد استجاب الدكتور سعد محمد محمد الشيخ المرصفي لتقرير القرآن لحقيقة كونية في كتابه "الكعبة مركز العالم" (٣) متخذا من قوله تعالى في
стр. 86
سورة البقرة ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ منطلقا لبحث الوسطية المذكورة في القرآن، فخرج بنتيجة علمية مركوزة على دراسات بالحاسب الآلي، مفاد هذه النتيجة أن الوسطية لا تعنى الوسطية المعنوية فحَسْب، بل يُرَادُ بها كذلك الوسطية الحسية، حيث برهن على أن واقع الأرض - بمقاييس العلم الحديث - لا يتوسط يابسها وقراها إلا أم القرى، ومركزها هو الكعبة المشرفة، فتحقق بيان معنى ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (الشورى: ٦) .
ومن هذا يتضح أن ما كان البدء به من القرآن هو المعول عليه في احتسابه وجه إعجاز، أما ما استجلب من تفسير النظريات - دون الحقائق - العلمية، قد يروق في أول الأمر ثم يفارق التوافق الفهم عند بروز نظرية أخرى تناهض الأولى أو تنقضها.
стр. 87
المبحث الثاني: الإعجاز العددي للقرآن الكريم
لم يغفل العَادُّون عن تناول القرآن الكريم بالعد والإحصاء، على اختلاف وجهات النظر في عد القرآن عدا يتضح منه الدقة البالغة في صياغة الآيات بألفاظ توافقية العدد بين لفظةٌ ولفظةٌ أخرى.
ومن ذلك الإعجاز العددي للقرآن الكريم للدكتور عبد الرزاق نوفل حيث وجد توافقا عجبيا بين لفظة وأخرى بينهما تناسب.
ومن طريف ما ذكره الدكتور عبد الرزاق (١) نوفل أنه قد ورد ذكر آدم في القرآن الكريم خمسا وعشرين مرة، ومثل ذلك العدد ورد ذكر عيسى بن مريم.
وأقول: إذا كان التماثل في قول الله تعالى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ تماثلا في الخلق فما يمنع أن يكون كذلك في الذكر لهما في القرآن تأكيدا على هذه المثلية؟
وأفرد صاحبُ كتاب فكرةِ الإعجاز (٢) الدكتورَ محمد رشاد خليفة بالعناية بالبرهان على الإعجاز العددي، وليس كذلك، اللهم إلا إذا أراد انفراده بهذا على الأساس الذي ابتناه قاعدة للعد، وهو الرقم ١٩ الذي استخرجه من عدد حروف البسملة. (٣)
ومع ما يعتري هذه الفكرة من نقد إلا أنها إسهام منه استجلى به بعض الفوائد في كتابه، حيث عدَّ دقة العدد سرا يحتوي الدليل القاطع على أن القرآن لا يمكن أن يكون مفترى، وأن هذا السر المختفي كما أسماه يوجد في
стр. 88
سورة المدثر، بل إن كلمة المدثر تعنى " السر المختفي " (١) ويعرف كل ذلك بواسطة الرقم ١٩ المذكور في قول الله تعالى في هذه السورة ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ٣٠ المدثر.
وحين يستقيم هذا السر في عد الكثير من كلمات القرآن في سور يكون برهانا على أنه ما افتراه بشر، بل هو كلام الله تعالى، وإلا لما كان يحوى مثل هذه الأسرار.
وتأتي نظريتان أسماهما مؤلفهما المعجزة: أبان في الأولى منهما علاقة عددية بين أجزاء وأجزاء الآية الواحدة (٢) ، ووضح في النظرية الثانية معالجة القرآن لبعض المفاهيم عن مثل القدر والروح والنفس والزمن وغير ذلك.
ونكتفي بهذه النواحي التي وُجِّهَ نحوها الحديث إلقاءً للضوء على مدى العناية من الوجهة العلمية البحتة في بيان وجوه إعجاز القرآن الكريم ولا يغني ما ذكر عن سرد مؤلفات في هذه الفروع العلمية أو بعضها على النحو التالي فإلى ذلك بعون الله.
стр. 89
المبحث الثالث: مؤلفات في الإعجاز العلمي للقرآن الكريم
ألمح الحديث فيما سبق إلى بعض ما عرض له الباحثون في الوجوه العلمية لإعجاز القرآن وهاهي مؤلفات أولت هذه الوجوه عنايةً كبيرةً منها ما تناول وجها ومنها ما بحث وجوها: -
١- معجزة القرآن الكريم ٤ أجزاء الشيخ محمد متولي الشعراوي.
٢- أصل الإنسان بين العلم والكتب السماوية دكتور موريس بوكاي.
٣- خلق الإنسان بين الطب والقرآن دكتور محمد على البار.
٤- الصيام معجزة علمية دكتور عبد الجواد الصاوي.
٥- الظاهرة القرآنية مالك بن نبي.
٦- المعجزة "النظرية الأولى"، القدر "النظرية الثانية" جزءان مهندس عدنان الرفاعي.
٧- معجزة القرآن الكريم دكتور رشاد خليفة
٨- الإعجاز العلمي في القرآن الكريم مع آيات الله في السماء والأرض جزءان أد/حسن أبو العينين.
١٠- معجزة القرآن نعمت صدقي.
١١- الإعجاز العلمي في القرآن الكريم محمد سامي محمد على.
١٢- الإعجاز العلمي في القرآن الكريم د/ السيد الجميلي.
١٣- الإعجاز الطبي في القرآن الكريم د/ السيد الجميلي.
١٤- إعجاز القرآن في خلق الإنسان د/ محمد كمال عبد العزيز.
стр. 90
١٥- قصة الخلق من العرش إلى الفرش عيد ورداني.
١٦- الكعبة مركز العالم د/ سعد محمد محمد الشيخ المرصفي.
١٧- هندسة النظام البيئي في القرآن الكريم د/ عبد العليم عبد الرحمن خضر.
١٨- معالم القرآن في عوالم الأكوان الشيخ أحمد محيي الدين العجوز.
١٩- تناقض علم الفلك مع القرآن الكريم وتوافق نظرية الكون الأرضي معه. مصطفى أحمد عبد القادر.
٢٠- الإعجاز العددي للقرآن الكريم د/ عبد الرزاق نوفل.
٢١- تفسير الجواهر للجوهري للشيخ الطنطاوي الجوهري.
٢٢- تفسير المراغي للشيخ أحمد مصطفي المراغي.
٢٣- موسوعة الأعداد في القرآن الكريم مهدى سعيد رزق كريزم.
٢٤- ظواهر كونية في القرآن الكريم محمد فيض الله الحامدي.
٢٥- رسائل في "أحدث تفسير لآيات القرآن الكريم" عبد الغنى محمد.
٢٦- الكعبة المشرفة سرة الأرض ووسط الدنيا. دكتور أحمد السيد دراج.
٢٧- إعجاز القرآن في علم طبقات الأرض. محمد محمود إبراهيم.
هذا ما يسر الله تعالى لي الاطلاع عليه من مؤلفات تناول أصحابها من العلوم الحديثة ما قبل التوافق مع إشارات القرآن الكريم ولو بالتأويل البعيد.
стр. 91
وقد سبق القول بأن هناك اختلافا بين خصائص القرآن الكريم وإعجازه وإن كان الأمران برهانين على أن القرآن كلامُ الله تعالى أنزله على نبيه محمد ﷺ .
ومن عجيب أمر هذا الكتاب نزوله منجما حسب أحداث سني نزوله، ويأتي ترتيبه على غير ترتيب النزول، ومع هذا لم يكن أولُه نزولا بأقل في البلاغة والبيان من آخره، لذا تجد نظمه من فاتحته إلى خاتمته غاية في الجمال، وهذا لا يتأتى مثله لأحد، ولا يبلغ مداه مهما فصح لسانه وبلغ بيانه متكلمٌ.
وهو كتاب هداية، يعالج في عَرْضِه كل ما يعرض للنفس وما يعتريها، ومع هذا فغايته واحدة نلقى عليها بعضا من الضوء في المبحث التالي.
стр. 92
المبحث الرابع: موضوع المنهج القرآني ووحدته
لا تعنى الوحدة الموضوعية احتواء القرآن الكريم على موضوع واحد، وإنما إذا كان القرآنُ الكتابَ المقروء، والكون هو الكتابَ المنظور، فإن محتواهما واحد، بمعنى أن الكون تمتد منه شواهدُ كثيرةُُ لكن دلالاتها واحدة، هي أن للكون إلهاً، والقرآن هو القصة الصادقة الوحيدة للإنسان وما يحيط به، بكل ما ترامت أطراف اتصافه، وبكل أبعاد آثار وجوده وفكره وحركته في الحياة، فالقرآن قضيته واحدة هي التوحيد، يُصَرِّفُ الدافعَ إليه نحو كل نمط من أنماط السلوك البشري لئلا يكون للناس على الله تعالى حجة.
والقرآن يُصَرِّفُ الآيات الكونية في اعتبار القارئ ليستجمع دلائل التوحد بين كلام الله المقروء وكلامه المنظور، ثم لا يجد المرء نفسه إلا بين خيارين، إقرارِهِ بالعبودية لله لأنه لا يمكن أن يخرج من إطار ما سيق من صفات بشرية في القرآن بحجة أنه لم يكن فيه ما لا يريده القرآن ولا تحدث عنه، وكذلك لا يخرج بحال عن قوة حاجته إلى ما يحيط به من مكونات مخلوقة لله تقوم بها حياةُ ذلك الإنسان، فأنَّى يُصْرف.
والأمر الثاني أو الخيار الآخر جحوده لكل ما حوله من أعلام القول الأفقي في الكون بأن للكون خالقا هو الإله الحق الله , وأعني بالقول الأفقي أن الإنسان يدرك في عمره بسطة أفقية مكانية على قدر سيره في الأرض يتبين من خلالها جلائل الآيات في الأرض على عظمة الخالق الناطق بها عظمةُ المخلوق.
стр. 93
ويأتيه القرآن بأعلام الكون المستطيل مضروبا على الزمن بكل ما يحتويه من آيات الأحداث تاريخاً للآثار البشرية على طول الزمن في عَرْضِ الكون.
فالقرآن بأسلوبه الفريد يستحيي في قارئه الشعورَ بجلال المتكلم في جمال الكلام فيدرك في الأشياء أسرارها على نحو ما أقامها الله في آفاق الخلائق إقرارا منها بلسان تعيه القلوب فتجيبها بأنه لا إله إلا الله، وجمال الكلام وبروز العجائب فيه تستنطق من العجز قدرة الشهادة بأن محمدا رسول الله.
صرفت آيات القرآن، فالقصص آيات، والأحكام آيات، والأمر آيات، والنهى آيات، والوعد آيات، والوعيد آيات، ويمكنك أن تقول: القرآن آيات، ولا يمكنك قول القرآن قصص أو أحكام أو أوامر أو نواه أو وعد أو وعيد. لأنك حين تقول هذا تكون مخطئا من وجهين: أحدهما أنك صنفت المخاطَبَ على نحو واحد، والناس على أَنحاء عدة، ثانيهما: أن القرآن استجمع صفاتِ المكلفين مخاطِباً كلا بما يليق به، فمن يرى في حياته عبرة تُنَبِّهُ فيه اليقينَ بأن الإنسان خُلِقَ ضعيفاً أو خَلْقُُ ضعيف أَوْ كَلَتْ آياتُ القصص شعورَه إلى الاعتبار إلى الماضي، ليعيد نفسه على أساس أنه بذاته سيكون ماضيا كمن سبقه.
وليس للمطيع خطاب الوعيد كالعاصي، والناس صور تَنَاوَلَهَا القرآن ممزوجة كي ينقب كل إنسان فيه عن دخائلِ نفسِه، فإنه حين يتوزع القرآن على مجموع الصفات البشرية، كل بحسب ما يوافقه، فإن الشخصيات النفسية يضفي الحديث عنها توافقا أو إحساسا بالتوافق بين الكلام وبين نفس القارئ، وليس فيه من ذلك شيء، وحين يُبْسَط الحديثُ بسطًا مصروفا من كذا إلى كذا وتصادف النفسُ حقائقَ تحرِّك في القارئ شعوراً بحقيقة العلاقة
стр. 94
بين الخالق والمخلوق، لا يكون من الإنسان إلا صدق الالتجاء إلى حمى ربه وخالقه سبحانه.
فالوحدة الموضوعية للقرآن يراد بها أن إلى ربك المنتهى، إذ تنتهي الآيات كلها إلى الرجوع من الإنسان عن الخلق إلى الخالق .
стр. 95
المبحث الخامس: عناية دولية بالإعجاز
تجدر الإشارة إلى أن إعجاز القرآن لم تتوقف العناية به على الجهود الفردية المكتوبة كما انطوت عليه الصفحات السابقة ولكن بعض الجهات تُولِي هذه الموضوعاتِ جهوداً تبذل على المستوى الجماعي الدولي.
ولن نخرق علما لأحد بتجهيله أمر وسائل الإعلام على اختلاف أنماط إعلامها بما تقوم به من نشر ما عَنَّ للقائمين على البرامج العلمية الدينية من إعجاز القرآن أو السنة أو هما معا.
وهناك جهة ذات قدر عظيم وخطر جليل وهى رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة شرفها الله تعالى. هذه الجهة تضم ضمن هيئاتها هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.
وإسهامات هذه الهيئة كما جاء في غلاف كتاب "الصيام معجزة علمية" للدكتور عبد الجواد الصاوي ترمي إلى:
١- وضع القواعد والمناهج وطرق البحث العلمي التي تضبط الاجتهادات في بيان الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.
٢- إعداد جيل من العلماء والباحثين لدراسة المسائل العلمية والحقائق الكونية في ضوء ما جاء في القرآن والسنة.
٣- صبغ العلوم الكونية بالصِّبَغِ الإيمانية وإدخال مضامين الأبحاثِ المعتمدة في مناهج تعليمية في شتى مؤسساته ومراحله.
стр. 96
٤- الكشف عن دقائق معاني الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بالعلوم الكونية في ضوء الكشوف العلمية الحديثة ووجوه الدلالة اللغوية ومقاصد الشريعة الإسلامية دون تكلف.
٥- إمداد الدعاة والإعلاميين في العالم أفرادا ومؤسسات للأبحاث المعتمدة للانتفاع بها. كُلٌ في مجاله.
٦- نشر هذه الأبحاث بين الناس بصورة متناسبة مع مستوياتهم العلمية والثقافية وترجمة ذلك إلى لغات المسلمين المشهورة واللغات الحية في العالم.
ومع هذا فإن هذه الهيئة لم يرد ضمن أهدافها أنها ذات سلطة رقابية على ما يؤلف بعيدا عنها مما يورد من وجوه الإعجاز مما لم يقبله عقل أو يقل به أحد.
والأمل أن تُمْلي هذه الهيئة شروطها على دور النشر حتى لا يكون الإعجاز منطلقا لهدم الكيان التقديسي للقرآن الكريم والسنة في نفوس المسلمين، كما يحدث بإثارة الشبهات في مثل هذه المؤلفات دون الرد عليها.
وإذ يكون خضوع ما يؤلف في الإعجاز العلمي لمثل هذه الهيئة، سبيلا إلى خدمة الجوانب العلمية في الكتاب والسنة على نحو صحيح، فإنه يلزم فرض رقابة يمكن أن تتمثل في عرض الكتاب على هيئة الإعجاز أولاً قبل الموافقة منها على طباعته في أي مكان من العالم.
أما ما طرح من مؤلفات في أسواق الكتب فيمكن عقد دوريات تقوم بدور المجيز أو المانع لنشر الكتاب في هدوء واستقرار لا يطمح من ورائه مؤلفُُ شهرةً ذائعةً لكتابه، حتى لا يكون السبيل مخالفا للغرض.
стр. 97
كلمة أخيرة
هكذا تمالأت الدراسات عاكفة على مدى بلوغ سرائر الكتاب المجيد، فسلكت أثمن نظام من أطهر وأقدس كتاب، وما أخذت غير قطر من بحر، وما طاولت غير أفكارها في فهومه، وظل يطوي عنها ما به يستحث البحث جيلا بعد جيل، حتى آنست أنها لم تكن غير دقائق من فيضٍ جليل، فأثمرت في ربوع العلم تفرد الكتاب عن جملة ما في تاريخ الأرض من كتب، فإنه لم تنل علومُُ شرف امتياز الكثرة والتكثر في نظر كتاب غيره، وما تداول الباحثون موضوعا حتى استَجَدَّ لهم الكثيرُ من أمره. فأعجز الناس طرا حَصْرُ متناوله، وكأنهم يرون في كل لمحة بصيرةٍ جدَّة تنزُّله، ولم يوص سالف خليفته في أخذ وجهة تحدد من مساره، بل تبرق لإبداعات الرؤى فيه أنماط تفك المقلد من إساره، فإذا لكل باحث بهجة يظن بها بلوغ النهاية، وما هو إلا في عداد وجوه الإعجاز برهانُ عَجْزٍ وآية، وأنَّى يبلغ مبتدئ بخُطْوَةِ دَرْسِهِ آفاقَ غاية؟ وهذا تمام ما يسر الله من الحديث عن عناية المسلمين بوجوه إعجاز القرآن في هذا البحث على أن الكلام لا يؤذن بالانتهاء منه وما هي إلا خشية الإطالة والخروج بها عن القدر المطلوب. وقد خرج والله المستعان
والله أسأل التوفيق والقبول. إنه سميع قريب.
стр. 98
مصادر ومراجع
...
أهم مراجع البحث
١- الإتقان في علوم القرآن لأبي الفضل جلال الدين السيوطي. تقديم وتحقيق د/ مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير - دمشق، بيروت، الطبعة الأولى.
٢- الإسلام يتحدى لوحيد الدين خان، تعريب ظفر الإسلام خان، مراجعة وتحقيق عبد الصبور شاهين. ط٢ دار البحوث العلمية ١٣٩٣هـ، ١٩٧٣م.
٣- الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز. العز بن عبد السلام. الناشر المكتبة العلمية لصاحبها محمد سلطان النمنكاني بالمدينة المنورة.
٤- أصل الإنسان بين العلم والكتب السماوية دكتور موريس بوكاي ترجمة فوزي شعبان. دار الكتب العلمية ط١.
٥- إظهار الحق لرحمت الله الهندي ط دار التراث العربي ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م.
٦- الإعجاز البياني للقرآن دكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) الطبعة الثانية دار المعارف بمصر، ١٤٠٤هـ / ١٩٨٤م.
٧- الإعجاز العددي للقرآن الكريم د عبد الرازق نوفل. دار الكتاب العربي - بيروت - الطبعة الخامسة ١٤٠٧هـ ١٩٨٧م.
٨- الإعجاز العلمي في القرآن الكريم محمد سامي محمد علي دار المحبة دمشق.
стр. 99
٩- إعجاز القرآن للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر ابن القاسم البقلاني، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.
١٠- البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - مكتبة دار التراث - القاهرة.
١١- البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن كمال الدين عبد الواحد عبد الكريم الزملكاني ت سنة ٦٥١هـ ط مطبعة العاني ببغداد الطبعة الأولى ١٣٩٤هـ، ١٩٨٤م، تحقيق د: خديجة الحديثي، دكتور أحمد مطلوب.
١٢- تاريخ آداب العرب جـ٢، مصطفى صادق الرافعي، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان. الطبعة الرابعة، ١٣٩٤هـ - ١٩٧٤م.
١٣- تناقض علم الفلك مع القرآن الكريم - وتوافق نظرية الكون الأرضي معه - مصطفى أحمد عبد القادر، دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع - ١شارع منشاة محرم بك - اسكندرية.
١٤- ثلاث رسائل في الإعجاز للرماني والخطابي والجرجاني، حققها وعلق عليها محمد خلف الله أحمد، ودكتور محمد زغلول سلام - دار المعارف الطبعة الرابعة.
١٥- الجامع لأحكام القرآن الكريم - لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصار القرطبي - دار إحياء التراث العربي، بيروت.
стр. 100
١٦- دلائل الإعجاز في علم المعاني للإمام عبد القاهر الجرجاني، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان ١٣٩٨هـ - ١٩٧٨م.
١٧- رسالة التوحيد للإمام محمد عبده، دار إحياء العلوم - بيروت ط١٣٩٦هـ - ١٩٧٦م.
١٨- سر الفصاحة لعبد الله محمد بن سعيد بن سلمان - أبو أحمد الخفاجي الحلبي، دار الكتب العلمية الطبعة الأولى: ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م.
١٩- الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض طبعة محمد علي صبيح بمصر.
٢٠- الصيام معجزة علمية، دكتور عبد الجواد الصاوي، الناشر دار القبلة للثقافة الإسلامية المملكة العربية السعودية ١٤١٣هـ، ١٩٩٣م.
٢١- الظاهرة القرآنية، مالك بن نبي. طبعة دار النفائس.
٢٢- الفصل في الملل والنحل لابن حزم ط دار الفكر.
٢٣- فكرة إعجاز القرآن، نعيم الحمصي. مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية.
٢٤- الفوز الكبير في أصول التفسير لولي الله الدهلوي نقله عن الفارسية سليمان الحسيني الندوي - دار الصحوة ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م.
٢٥- الفوائد المشوق إلى علم القرآن وعلم البيان لابن القيم الجوزية - مكتبة المتنبي.
٢٦- القاموس المحيط للفيروز آبادي طبعة مصطفى البابي الحلبي.
٢٧- قصة الخلق من العرش إلى الفرش عيد ورداني، الناشر الشركة العصرية للنشر - المركز الدولي للنشر. الطبعة الثانية ١/٢/٢٠٠٠م.
стр. 101
٢٨- قضية الإعجاز القرآني وأثرها في تدوين البلاغة العربية. د / عبد العزيز عبد المعطي عرفة. طبعة دار الكتب ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.
٢٩- كتاب التسهيل في علوم التنزيل لمحمد بن أحمد بن جزي الكلبي، دار الكتاب العربي الطبعة الرابعة ١٤٠٣هـ ١٩٨٣م.
٣٠- كتاب المحصل وهو محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من الحكماء والمتكلمين لأبي عبد الله محمد بن عمر بن حسين فخر الدين الرازي (٥٤٤هـ - ٦٠٦هـ، ١١٤٨م – ١٢٠٩م) تقديم وتحقيق د/حسين أتاي، مكتبة التراث ٢٢ شارع الجمهورية - القاهرة - الطبعة الأولى.
٣١- كتاب المنهاج في شعب الإيمان للشيخ الإمام الحافظ أبي عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي ت ٤٠٣هـ - ١٠١٢م تحقيق حلمي محمد فوده. دار الفكر الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م.
٣٢- الكعبة مركز العالم د/ سعد محمد محمد الشيخ المرصفي. مكتبة المنار الإسلامية. الكويت، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت.
٣٣- الكعبة المشرفة سرة الأرض ووسط الدنيا د/ أحمد السيد دراج، دار العلم والثقافة – القاهرة.
٣٤- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للقاضي أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي. ت ٥٤٦هـ تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد – دار الكتب العلمية الطبعة الأولى ١٤١٣هـ، ١٩٩٣م. توزيع دار الباز بمكة المكرمة.
стр. 102
٣٥- معترك الأقران في إعجاز القرآن لأبي الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي. ضبطه وصححه وكتب فهارسه: أحمد شمس الدين دار الكتب العلمية – بيروت – الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ، ١٩٨٨م.
٣٦-المعتزلة - لزهدي حسن جاد الله - منشورات النادي العربي في يافا، طبعة ١٣٦٦هـ – ١٩٤٧م. مطبعة مصر - شركة مساهمة مصرية.
٣٧- المعجزة الكبرى – القرآن – للإمام محمد أبي زهرة ط دار الفكر العربي ١٩٧٧م القاهرة.
٣٨- معرفة شأن القرآن. إعداد محمد أبي البشر رفيع الدين الطبعة الأولى ١٤١٨هـ مطبعة التوحيد.
٣٩- معجزة القرآن محمد متولي الشعرواي كتاب اليوم ١٩٧٧م– أخبار اليوم المصرية.
٤٠- المعجزة (النظرية الأولى) القدر (النظرية الثانية) جزآن مهندس عدنان الرفاعي - عنوان المؤلف: سوريا - درعة - تلشهاب. وهو الناشر.
٤١- معجزة القرآن دكتور رشاد محمد خليفة. كان خبيراً فنياً بمنظمة التنمية الصناعية – هيئة الأمم المتحدة – إمام مسجد مدينة توسان، دار العلم للملايين – لبنان.
٤٢- مفتاح العلوم للإمام أبي يعقوب يوسف بن أبي بكر محمد بن علي السكاكي ت٦٢٦ هـ. ضبطه وكتب هوامشه وعلق عليه نعيم زرزور - دار الكتب العلمية. الطبعة الثانية.
стр. 103
٤٣- مقالات الإسلاميين لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ت ٣٣٠هـ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد - المكتبة العصرية. صيدا، بيروت.
٤٤- من روائع القرآن تأملات علمية وأدبية في كتاب الله د/ محمد سعيد رمضان البوطي - مكتبة الفارابي دمشق. سوريا.
٤٥- منهاج البلغاء وسراج الأدباء - لأبي الحسن حازم القرطاجني. دار الغرب الإسلامي ط٣ بيروت ١٩٨٦م.
٤٦- موسوعة الملل والنحل للشهرستاني الطبعة الأولى ١٩٨١م مؤسسة ناصر للثقافة.
٤٧- النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن. دكتور محمد عبد الله دراز دار القلم - الكويت، الطبعة السادسة ١٤٠٥هـ – ١٩٨٤م.