← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11309

عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم - محمد السيد جبريل

محمد السيد راضي جبريل

Полный текст (83 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة البحث الحمد لله حمداً كثيراً طيبا مباركاً فيه، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، ورحمة الله للعالمين محمد بن عبد الله النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.. ? وبعد فلقد بعث الله تعالى رسله صلوات الله عليهم جميعاً - إلى خلقه بدعوة واحدة، أصول الاعتقاد فيها: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وإليوم الآخر، وشرع لهم شرائع أساسها: الطهارة والعفاف في الأخلاق، والاستقامة والقصد في السلوك، والعدل والنصفة في المعاملات، والنصح للأمة في الولايات: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ...﴾ (الشورى: ١٣) . وبقيام رسل الله بدعوتهم على أكمل وجه وأتمه، وبثباتهم عليها كما أمرهم الله تعالى استجلبوا عداوة الطواغيت، وأثاروا أنصار الشر ممن أضلهم الشيطان، وزين لهم سبيل الغيّ فاتخذوه سبيلا، وهؤلاء هم المجرمون الذين أخبر الله خبرهم في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ (الفرقان:٣١) ولقد دفعت العداوة هؤلاء المجرمين إلى محاولة الإتيان على بنيان دعوة الرسل من القواعد، فانطلق كفار كل أمة في جحود ظاهر- للحق -يكذبون رسولهم، ويتهمونه بشتى التهم. ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُور﴾ (فاطر:٤) فكان من نصر الله تعالى لهؤلاء الرسل الكرام أن أيدهم -في مواجهة تكذيب الكفار- بالمعجزات، وهي الآيات الخوارق التي تفحم المعاندين،

стр. 2

وتثبت المؤمنين، ولقد شاءت حكمة الله تعالى أن تكون معجزات الأنبياء السابقين في أممهم حسية يراها المشاهدون، ويعاينها الحاضرون: كناقة صالح، وبرد النار وسلامها على إبراهيم، وعصا موسى، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله لعيسى صلوات الله عليهم جميعا، وأكثر ما كانت المعجزات الحسية في بني إسرائيل، وما كان ذلك إلا لفرط بلادتهم، وغلظ حسهم ثم ختم الله تعالى رسله إلى خلقه بمحمد ﷺ ، وكما أيد من قبله بتلك المعجزات الحسية أيده كذلك بكثير منها، كتلك التي كان يطلبها المشركون تعنتاً، فيجابون إلى بعضها ولا يؤمنون (١) . ولا يجابون إلى أكثرها، رحمة من الله تعالى أن ينزل بهم العذاب عند تكذيبهم بها،كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً﴾ (الإسراء:٥٩) كما كان الكثير من هذه المعجزات الحسية (٢) يحدث ابتداء على مرأى من المؤمنين،فيكون ذلك مواساة لهم، وتثبيتا لقلوبهم، وتعميقا ليقينهم. لكن المعجزة الكبرى لهذا النبي الخاتم ﷺ كانت من نوع آخر، إنها المعجزة العقلية الباقية، التي تخاطب الأجيال في كل عصر، يراها ويقرؤها الناس

стр. 3

في كل حين، إنها القرآن الكريم، الذي أعجز الفصحاء، وانقطع أمامة البلغاء في الأمة العربية، التي سما بيانها، ولمع ذكاؤها،فكان المعجزة الباقية للرسالة الخاتمة. إن اختصاص النبي الخاتم ﷺ بمعجزة القرآن الباقية خلافا للرسالات السابقة يأتي إيضاحه وتعليله كذلك في حديثه صلوات الله وسلامه عليه: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلى،فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" (١) . وفي معنى الحديث أقوال تصح في مجملها، ولعل أوضحها أن المراد: أن معجزات الأنبياء السابقين انتهت بانتهاء عصورهم،فلم يعاينها إلا من حضرها، أما معجزة القرآن فهي باقية إلى يوم الدين فهو في كل عصر خارق للعادة في أسلوبه وبلاغته وسائر وجوه إعجازه ومنها إخباره بالمغيبات،فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه، وكذلك فالمعجزات الماضية كانت حية تشاهد بالأبصار، وأما القرآن فمعجزة عقلية تشاهد بالبصيرة،فيكون من يتبعه لأجلها أكثر، لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول (٢) . ولهذا رد الله تعالى على المشركين طلبهم لخوارق الآيات، وسؤالهم المعجزات بكفاية القرآن وعدم الحاجة إلى غيره من الآيات، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا

стр. 4

أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (العنكبوت:٥٠،٥١) ولقد عرف المسلمون منذ عصر نزول القرآن شأن معجزته، فأكبروه، وبذل علماؤهم جهودهم، ووقفوا الكثير من أعمارهم على إبراز وجوه إعجاز هذا الكتاب الكريم، واستمرت هذه الجهود المباركة موفورة إلى يوم الناس هذا،فسجلت القرون المباركة وما بعدها من تاريخ المسلمين كتابات في هذا المجال لم ينقطع مددها، ولم يتوقف تتابعها. ولقد أولت المملكة العربية السعودية-فيما نهضت به من أعباء خدمة الإسلام في شتى مجالاته-كتاب الله تعالى مزيد حياطة ورعاية، تمثلت في هذا الصرح الإسلامى الشامخ، وهو مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الذي قام ويقوم بفضل من الله تعالى بخدمة كتابه الكريم طباعة المصحف، وتفسيراً للقرآن، وترجمة لمعانيه، وإثراء للدراسات القرآنية في شتى مجالاتها، وأخيراً وليس بآخر كان من معالم هذه الجهود المباركة دعوة المجمع إلى ندوة علمية عن (عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه) شملت عدة محاور تضمنت موضوعات شتى تصب كلها في هذا الهدف النبيل، هدف خدمة القرآن الكريم. وتلبية لدعوة كريمة من أمانة المجمع يأتي هذا البحث في (عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم) مشاركة متواضعة في هذا العمل الكبير. وصلب الموضوع في هذا البحث يتناول قضيتين الأولى: قضية التأصيل التاريخي لموضوع الإعجاز، وذلك من خلال المصنفات التي تناولته عبر قرون

стр. 5

الإسلام، وأقوال أصحابها في أوجه الإعجاز المعتبرة، والثانية: بيان أوجه الإعجاز التى دارت حولها أقوال العلماء. ولكن يسبق ذلك لتمام الفائدة، ولحاجة البحث مسائل تتعلق ببيان المراد بمصطلح إعجاز القرآن، وأهمية علم الإعجاز، وحاجة المفسرين إليه، ومناط الإعجاز المتفق عليه عند علماء الأمة، ورد ما يخالف ذلك. أسأل الله العلي القدير أن يوفق لإتمامه على النحو الذي يرضيه سبحانه، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به، ويثيبني بما هو أهله وأن يتجاوز عما يكون فيه من تقصير هو من لوازم البشر، والله من وراء القصد وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمدصلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.

стр. 6

بيان المراد بـ (إعجاز القرآن) مصطلح "إعجاز القرآن" –كما يبدو من صياغته-مركب إضافي، طرفاه كلمتا: (إعجاز) و (القرآن) ولمعرفة المراد بهذا المركب يلزم تحديد معنى طرفه الأول وهو كلمة "الإعجاز" ثم معرفة المراد بالمصطلح كله عند إضافة هذه الكلمة إلى (القرآن) فما معنى الإعجاز؟؟ الإعجاز: مصدر أعجز، ومادة الكلمة هي العجز، وكلام أهل اللغة في معناها يدور حول الضعف، وعدم القدرة على النهوض بالأمر، وكذلك القعود عما يجب فعله. قال ابن منظور: (العجز: نقيض الحزم والعجز: الضعف، والمعجزة بفتح الجيم وكسرها: مفعلة من العجز: عدم القدرة، وفي الحديث- كل

стр. 7

شيء بقدر حتى العجز والكيس (١) .- وقيل أراد بالعجز: ترك ما يجب فعله بالتسويف) (٢) . ومقتضى آخر الكلام فيما ساقه صاحب اللسان أن العجز أعم من أن يكون ضعفا وانعدام قدرة،وإنما يمكن أن يعني ترك الأمر تسويفا، مما يفهم منه أن ما ترك في حيز القدرة عليه، لكن الباعث على تركه هو الكسل الحامل على التأجيل والتسويف. لكن لنا في أصالة معنى العجز في الدلالة على عدم القدرة، وأن ترك الفعل عجزاً إنما يكون لعدم القدرة عليه في الأصل. أقول: لنا في ذلك حديث رسول الله ﷺ : "اللهم إني أعوذبك من الهم والحزن، والعجز والكسل.." (٣) . قال ابن حجر رحمه الله تعالى: (إن الهم:لما يتصوره العقل من المكروه في الحال، والحزن لما وقع في الماضي، والعجز ضد الاقتدار، والكسل ضد النشاط) (٤) . فالجمع في الحديث بين الاستعاذة من كل من العجز والكسل فيه دلالة على تغاير المعنى فيهما، فالأول عدم القدرة والثاني عدم النشاط والنهوض للأمر.

стр. 8

وعليه فالإعجاز: هو جعل من يقع عليه أمر التحدي بالشيء عاجزاً عن الإتيان به، ونسبته إلى العجز، وإثباته له، فالإعجاز بالنسبة للمعجز هو الفوت والسبق، يقال أعجزني فلان أي: فاتني،وبالنسبة للعاجز عدم القدرة على الطلب والإدراك (وقال الليث: أعجزني فلان إذا عجزت عن طلبه وإدراكه) (١) . إذا كان هذا معنى الإعجاز، فبإضافته إلى القرآن، ومنهما يكون مصطلح: (إعجاز القرآن) كما سبق بيانه يكون المراد: إثبات القرآن عجز الخلق عن الإتيان بما تحداهم به، وهو أن يأتوا بمثله أو بشيء من مثله، فهو من إضافة المصدر إلى فاعله، والمفعول محذوف للدلالة على عموم من تحداهم القرآن، وهم الإنس والجن، وكذلك ما تعلق به الفعل محذوف للعلم به، وهو القرآن أو بعضه كما ثبت في كثير من آيات التحدي. ويكتمل بيان المراد بهذا المصطلح إذا عرفنا أن إعجاز القرآن مَن تحداهم عن الإتيان بمثله أو بشيء من مثله ليس أمراً مقصوداً لذاته، وليس هو الغاية في نفسه، ولكن المقصود هو اللازم الناتج عن هذا الإعجاز، وهو إظهار وإثبات أن هذا الكتاب حق، ووحي من عند الله تعالى، ومقتضى ذلك كله إثبات صدق الرسول ﷺ فيما جاء به قومه من الرسالة، ودعاهم إليه من الإسلام، وعليه فإن حقيقة الإعجاز وهى إثبات العجز لمن وقع عليه التحدى استلزمت إظهار هذا العجز، وهذا الإظهار بدوره استلزم إظهار صدق رسول الله ﷺ وهو المقصود الأول من الإعجاز.

стр. 9

أهمية علم الإعجاز والضرورة الداعية إليه من بداهة القول أن الله تعالى أنزل القرآن الكريم على رسوله ﷺ هداية للناس في شتى مناحي حياتهم إلى أقوم طريق وأهدى سبيل، وذلك مما ينبئ عنه حذف متعلق الهداية في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء:٩) بل إن هذا الهدف الأعظم هو أول ما يطالع القارئ لكتاب الله تعالى مفتتح المصحف في أول سورة منه بعد الفاتحة ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:١،٢) ومن المعلوم أن الاهتداء بالقرآن فرع عن معرفة وفهم معانيه، وطريق ذلك علم التفسير، ذلك العلم الذي نبتت نابتته الأولى في عهد رسول الله ﷺ عندما كان يسأله أصحابه رضوان الله عليهم عما يشكل عليهم فهمه من القرآن، فيجيبهم، وكذلك عندما كان ﷺ يعلمهم ابتداء ما يعلم أنهم في حاجة إلى تعلمه، ولا سبيل لهم إليه إلا ببيانه ﷺ ، كانت تلك البذور الأولى، ثم نما علم التفسير، وتطور عبر قرون الإسلام، من الرواية إلى التدوين والتصنيف مما لا مجال لتفصيله هنا. أقول: إن هدى القرآن، وهو مقصود نزوله إنما يكون بتفسيره، ومعرفه ما فيه من الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمحكم والمتشابه، والحلال والحرام وغير ذلك، ولذلك كان من تعريف العلماء لعلم التفسير ما قاله بدر الدين الزركشي: (هو علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها، والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها

стр. 10

ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها.. وزاد فيها قوم فقالوا: علم حلالها وحرامها ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها) (١) . وحول هذا المعني جاء تعريف الزرقاني رحمه الله تعالى لعلم التفسير في عبارة أجمل فيها تفصيل الزركشي،مبينا الغرض النهائي لهذا العلم فقال: (والتفسير في الاصطلاح:علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية) (٢) . ولما كان الهدف النهائي من ذلك كله هو الاهتداء بالقرآن المترتب على فهم معانيه التى يتوصل إليها بتفسيره فإنا نستبيح لأنفسنا أن نقول في تعريف التفسير: (إنه علم يتوصل به إلى معرفة كيفية الانقياد لأمر الله تعالى فيما أنزله على رسوله ﷺ ،وذلك أن ما سبق من التعريفات إنما يؤدى إلى نفس الغاية. ولما كان القرآن قد أنزله الله تعالى بلسان عربى مبين فإن القيام على تفسيره لابد أن ينبني على معرفة باللغة العربية وخصائصها، ودلالات ألفاظها، وأوجه بلاغتها. ولذلك يذهب الشيخ الطاهر بن عاشور إلى: (أن مفسر القرآن لا يعد تفسيره لمعانى القرآن بالغاً حدّ الكمال في غرضه ما لم يكن مشتملا على بيان دقائق من وجوه البلاغة في آيه المفسَّرة، بمقدار ما تسمو إليه الهمة من تطويل واختصار، فالمفسر بحاجة إلى بيان ما في آي القرآن من طرق الاستعمال العربى، وخصائص بلاغته)

стр. 11

ثم نراه ينحي باللائمة على من لم يجعل ذلك في التفسير له غرضا، فيقول (فمن أعجب ما نراه خلو معظم التفاسير عن الاهتمام بالوصول إلى هذا الغرض الأسمى إلا عيون التفاسير، فمن مقل مثل معانى القرآن لأبى إسحاق الزجاج، والمحرر الوجيز للشيخ عبد الحق بن عطية الأندلسي، ومن مكثر مثل الكشاف، ولا يعذر في الخلو عن ذلك إلا التفاسير التى نحت ناحية خاصة من معاني القرآن مثل أحكام القرآن، على أن بعض أهل الهمم العالية من أصحاب هذه التفاسير لم يهمل هذا العلق النفيس كما يصف بعض العلماء كتاب أحكام القرآن لإسماعيل بن إسحاق بن حماد المالكي البغدادي، وكما نراه في مواضع من أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي. (ثم إن العناية بما نحن بصدده من بيان وجوه إعجاز القرآن إنما نبعت من مختزن أصل كبير من أصول الإسلام، وهو كونه المعجزة الكبرى للنبي ﷺ وكونه المعجزة الباقية) (١) . وإذا كان كلام صاحب التحرير مبنياً على رؤية التلازم بين معرفة علوم العربية وفهم معانى القرآن الذي يعيّن طريقاً للاهتداء به، فإن هذا الاهتداء فرع آخر بل ونتيجة لتلك الدراسة التي تؤكد على إعجاز القرآن، ذلك أنا نرى أن هناك ترابطاً لا ينفك بين النص المعجز والمعنى الشامل لسبل الهداية كلها، هذا الترابط يمكن وصفه إن صح التعبير-بأنه ترابط ما بين المقدمات والنتائج، فغرض الإعجاز مقدمة نتيجته الهداية، أو إن شئت فقل إن غرض الإعجاز أمر يسبق في التقرير غرض الهداية، لأن الناس إذا دعوا إلى العمل بمنهج ما فلا بد من قناعتهم بسلامة مصدر هذا المنهج حتى ينقادوا له عن طمأنينة، والإعجاز- في هذا المجال-قد أدى الغرض فأوفى، فبه عرف أن

стр. 12

القرآن كلام رب الناس وخالقهم، والأعلم بما يصلح لهم ويُصلحهم، ناهيك عن إعجاز ما تضمنه القرآن في مجال الهداية كذلك من سمو تشريعه، وعلو دعوته. وهذا وما سبق يؤكد على أن العناية بعلم (إعجاز القرآن) إجمالا وتفصيلا من أكثر الأمور ضرورة، وهو ما نبه إليه العلماء قديما وحديثا. قال القاضي أبو بكر الباقلانى رحمه الله تعالى. (ومن أهم ما يجب على أهل دين الله كشفه، وأولى ما يلزم بحثه، ما كان لأصل دينهم قواما، ولقاعدة توحيدهم عماداً ونظاماً، وعلى صدق نبيهم ﷺ برهانا، ولمعجزته ثبتا وحجة، لا سيما والجهل ممدود الرواق، شديد النفاق، مستول على الآفاق، والعلم إلى عفاء ودروس) . ثم يقول: (وقد كان يجوز ممن عمل الكتب النافعة في معاني القرآن، وتكلم في فوائده من أهل صنعة العربية وغيرهم من أهل صناعة الكلام أن يبسطوا القول في الإبانة عن وجه معجزته والدلالة على مكانه، فهو أحق بكثير مما صنفوا فيه: من القول في الجزء، ودقيق الكلام في الأغراض، وكثير من بديع الإعراب، وغامض النحو، فالحاجة إلى هذا أمس والاشتغال به أوجب) (١) . لقد منَّ الله تعالى على علماء الأمة بحفظ هذا العلم، فأولت إعجاز القرآن وبيانه للناس جل اهتمامها، وتتابعت في ذلك المصنفات –كما سيأتى بيانه- وظلت ترى- مع ذلك- أن الكلام في إعجاز القرآن واجب لا يسع الأمة في مجملها تركه.

стр. 13

قال السيد محمد رشيد رضا في تقديمه لكتاب (إعجاز القرآن) لمصطفى صادق الرافعي: (فالكلام في وجوه إعجاز القرآن واجب شرعاً، وهو من فروض الكفاية، وقد تكلم فيه المفسرون، وبلغاء الأدباء والمتأنقون) (١) . وما زال العلماء والأدباء من بعد رشيد رضا والرافعى يعنون بالقرآن الكريم من جهة إعجازه، وسيظلون على ذلك بعون الله تعالى خدمة لهذا الكتاب الكريم، الذى شرفنا الله تعالى بالانتساب إليه، ومنّ علينا بالاهتداء به: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ (الزخرف:٤٤)

стр. 14

مناط الإعجاز في القرآن الكريم إجماع أهل العلم المعتد بإجماعهم، والذى ارتضته الأمة منهم منعقد على أن القرآن الكريم معجز بذاته، أى بلفظه الذى نزل به جبريل على رسول الله ﷺ وهو ما يتعلق- من بين أوجه الإعجاز-بالناحية البلاغية ابتداءً، مع ما تضمنه القرآن من أوجه أخرى ترجع إلى ذاته لفظاً ومعنى، وهو ما سيأتى تفصيل له في ثنايا البحث إن شاء الله تعالى عند الكلام على تأصيل قضية الإعجاز تاريخيا في كتابات العلماء قديما وحديثا، وكذلك عند الكلام على هذه الأوجه تفصيلا فيما تمخضت عنه هذه المصنفات. ولكن يحسن قبل- ذلك- حتى يصفو ذهن القارئ وعقله لتدبر ما يمكنه من أوجه الإعجاز في القرآن الكريم-أن ننبه إلى دفع قول في مضمار الكلام على الإعجاز شاع في ساحة التناول لهذا الموضوع على الرغم من فقدانه لأى دليل معتبر يسنده من عقل صحيح، أو واقع تاريخى، بل تتظاهر الأدلة كلها ضده، مما يحكم ببطلانه. وقد كان بالإمكان- بل وكنانميل- أن نضرب عن ذكره صفحاً إلا أن تردد صداه في مصنفات الإعجاز قديما وحديثا وإن كان مقرونا ببيان بطلانه –جعلنا نرى أن الإشارة إليه مع رده ولو بإجمال أمر لازم، حتى لا يجيء البحث خلوا من ذلك فيقع في وهم القارئ ولو احتمالا أن هذا القول له حظ من القبول، وأعنى بهذا القول ما شاع بين البعض من أن أساس الإعجاز في القرآن هو الصرفه، فما شأن القول بالصرفة هذا؟؟ القول بالصرفة يقوم أساساً على اعتبار أن القرآن في ذاته، أى بلفظة وأسلوبه غير معجز، وأن عدم إتيان العرب بمثله ليس علته عدم قدرتهم على

стр. 15

ذلك، فهم البلغاء الفصحاء، ولكن العلة في ذلك راجعة إلى أن الله تعالى قد صرفهم عن المحاولة، وسلب علمهم الذى كان يمكن به- في نظر القائل بذلك-أن يأتوا بمثل القرآن، فهم كانوا قادرين، لكنهم لم ينشطوا لهذا الأمر، أو لم تتوفر الدواعى لديهم للمعارضة ابتداءً. وقد ورد هذا التفسير للقول بالصرفة في عبارات العلماء من قديم: قال الخطابى: (وذهب قوم إلى أن العلة في إعجازه الصرفة، أى صرف الهمم عن المعارضة، وإن كانت مقدوراً عليها، إلا أن العائق من حيث كان أمراً خارجاً عن مجاري العادات صار كسائر المعجزات) (١) . أي أن الصرف أو المنع الذى سماه الخطابي عائقا لما كان أمراً خارجاً عن العادة صار هو المعجز لا القرآن. وقال الرماني: (وأما الصرفة، فهى صرف الهمم عن المعارضة، وعلى ذلك كان يعتمد بعض أهل العلم في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة، وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التى دلت على النبوة. وما قاله الرمانى قريب مما قاله الخطابى إلا أنه زاد فقال (وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التى يظهر منها للعقول) (٢) . مما بشى بنوع قبول لهذا القول. وقال الباقلانى ﵀: (فإن قيل: فلِمَ زعمتم أن البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله مع قدرتهم على صنوف البلاغات، وتصرفهم في أجناس الفصاحات؟ وهلا قلتم: إنَّ مَن قدر على هذه الوجوه البديعة، وتوجه من هذه الطرق الغريبة كان على مثل نظم القرآن قادراً، وإنما يصرفه الله عنه ضرباً

стр. 16

من الصرف، أو يمنعه من الإتيان بمثله ضرباً من المنع، أو يقصر دواعيه دونه مع قدرته عليه ليتكامل ما أراده الله من الدلالة ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة، لأن من قدر على نظم كلمتين بديعتين لم يعجز عن نظم مثلهما، وإذا قدر على ذلك قدر على ضم الثانية إلى الأولى وكذلك الثالثة حتى يتكامل قدر السورة، فالجواب:..) (١) . وظاهر مما قاله العلماء-على هذا الرأى –أن إعجاز القرآن لم ينشأ من أنه قد بلغ في بلاغته حد الإعجاز الذى لا تطيقه قدرة البشر، بل لصرف من وقع عليهم التحدي عن التوجه للمعارضة، وأن أسباب هذا الصرف ترجع إلى: أ-انعدام الدواعى الباعثة على هذه المعارضة ب- عدم النشاط والانبعاث إلى المعارضة، وبالتالي عدم تعلق الإرادة بها مع وجود الدواعي إليها. جـ- تعطيل المواهب البيانية، وتعويق القدرة البلاغية، وسلب الأسباب العادية إلى المعارضة، وذلك على نحو مفاجئ عند المحاولة، رغم تعلق الإرادة بها، وتوجه الهمة إليها. وظاهر كذلك مما سبق أن هذا القول بما بني عليه يسلب القرآن الكريم خاصة إعجازه الذاتية، وهو من الخطورة بالقدر الذى يترتب عليه فقد أهم دلائل صدق رسالة النبي ﷺ ، ولذلك فإنه قول ساقط بذاته عند أدنى فكر وتأمل، ولا يحتاج في إبطاله إلى عناء، وسوف نشير بإيجاز إلى أوجه بطلانه تحقيقا لما أشرنا إليه من عدم الإطالة، وتوفيراً للجهد وادخاراً له لبيان الأوجه المعتبرة عند العلماء في إعجاز القرآن.

стр. 17

وسنشير أولاً إلى ما يبطل تلك الأسباب التى ظهر من كلام العلماء أن الصرفة كانت من أجلها، ثم نعقب بذكر شواهد أخرى تدل على بطلان القول بالصرفة وسقوطه. أما أول الأسباب التى ساقوها: وهو انعدام دواعي العرب إلى معارضة القرآن، وأنهم لو توفرت تلك الدواعى عندهم فلربما عارضوه، فيرده ما سجله تاريخ هؤلاء العرب مع القرآن، وما أثبته تواتر النقل من توفر تلك الدواعي التى من بينها أن القرآن تحداهم في أكثر من موضع منه بأن يأتوا بمثله، أو بعشر سور أو بسورة من مثله، وقطع بأنهم لن يفعلوا ذلك ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ? (البقرة:٢٣،٢٤) ولو تظاهر على ذلك الإنس والجن ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (الإسراء:٨٨) كما أن القرآن قد أثار حميتهم- وهم مضرب المثل في الأنفة وإباء الضيم-بما شنه عليهم من حرب شعواء على معتقداتهم التى توارثوها، وسفه عقولهم، وعقول آبائهم، ونعى عليهم الشرك والجهل، وهم مع ذلك قوم صناعتهم البيان، وفخرهم في التنافس في ميدان الكلام، فكيف مع سكوتهم على هذا الضيم الذي لو وجدوا سبيلا إلى دفعه لسلكوه مسرعين،كيف يقال بعدم توفر الدواعى لديهم. أما ثاني هذه الأسباب: وهو عدم انبعاثهم ونشاطهم، وعدم تعلق إرادتهم بالمعارضة مع وجود الدواعى فينقضه كذلك التاريخ والواقع، فقد سجل هذا التاريخ محاولاتهم الدؤوبة في الكيد للإسلام، حتى وصل الأمر إلى

стр. 18

تآمرهم على قتل رسول الله ﷺ ، وتبع ذلك ما كان بعد الهجرة وإقامة دولة الإسلام في المدينة من خوضهم الحروب ضد الإسلام، وإقدامهم على بذل أموالهم وإراقة دمائهم، وسبي ذراريهم في هذه السبيل، فكيف يقال بعد ذلك إنهم لم ينشطوا إلى المعارضة، وقد بذلوا في بديلها أضعاف أضعاف ما كانوا يبذلونه فيها من جهد لو كانت في مقدورهم. وأما ثالث هذه الأسباب: وهو تعطيل مواهبهم وسلب قدراتهم فجأة مع توفر الدواعي، وانبعاث النشاط فيرده أنه: لو كان الأمر كذلك لأثر عنهم الاعتذار بهذا التفاوت العلمي بين ما في القرآن وبين ما عندهم، وذلك ليقللوا من شأن القرآن في ذاته، وأنه ما كان إعجازه إلا لصرفهم عنه، ولكن ذلك لم يذكر عنهم أبداً. فإذا أضفنا إلى ذلك: ١- أن القرآن الكريم بلفظه وعبارته قد راع العرب بتفوق بيانه، وأثار أسلوبه وعبارته إعجابهم، وأعلنوا أنهم ما رأوا مثله شعراً ولا نثراً، ومقتضى ذلك أن إعجاز القرآن لذاته لا لشيء خارج عنه، وإلا لو كان كلاماً كسائر الكلام ما لفت أنظارهم، ولا أخذ بألبابهم. قال عبد القاهر الجرجانى: (إنه لو لم يكن عجزهم عن معارضة القرآن وعن أن يأتوا بمثله لأنه معجز في نفسه، لكن لأن أدخل عليهم العجز عنه، وصرفت هممهم وخواطرهم عن تأليف كلام مثله، وكان حالهم على الجملة حال من أعدم العلم بشيء قد كان يعلمه، وحيل بينه وبين أمر قد كان يتسع له لكان ينبغي أن لا يتعاظمهم، ولا يكون منهم ما يدل على إكبارهم

стр. 19

أمره، وتعجبهم منه، وعلى أنه قد بهرهم، وعظم كل العظم عندهم، بل كان ينبغي أن يكون الإكبار منهم والتعجب للذى دخل عليهم من العجز) (١) . ١- لو كان القول بالصرفة صحيحا لما كان القرآن معجزاً، قال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى: (لو قلنا إن الذى منع العرب عن الإتيان بمثله هو الصرفة ما كان القرآن هو المعجز، وإنما يكون العجز منهم، ولم يكونوا عاجزين، وإنما يكون قد أعجزهم الله، ولم يعجزهم القرآن ذاته، وقد كان القرآن هو معجزة النبي ﷺ والقول بالصرفة ينفي عنه خواص الإعجاز) (٢) . ٢- ثم إن القول بالصرفة يرده قول الله تعالى ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (الإسراء:٨٨) . قال السيوطي رحمه الله تعالى بعد ذكره الآية الكريمة (فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة لم يبق لهم فائدة لاجتماعهم، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره، هذا مع أن الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزا وليس فيه صفة إعجاز! بل المعجز هو الله تعالى حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله) (٣) . هذا هو القول بالصرفة قد بيناه، وبينا ما يترتب عليه، كما بينا بطلانه! أما عن نشأته فبإيجاز نقول:

стр. 20

قد شاعت في كتابات المؤلفين نسبة هذا القول بعامة إلى المعتزلة، وأن أول من جاهر به منهم هو أبو إسحاق إبراهيم بن يسار الشهير بالنظام (ت سنة ٢٢٤هـ) فقد ذهب إلى أن القرآن حق، ولكن تأليفه ونظمه ليس بحجة، لكن من الإنصاف أن نبين أن هذا الكلام عنه يعبر عن شطر رأيه في قضية الإعجاز، وأما الشطر الآخر فعنده أن إعجاز القرآن راجع إلى مافيه من الإخبار بالمغيبات. قال الشهرستانى يعدد المسائل التى انفرد بها النظام عن أصحابه (التاسعة: قوله في إعجاز القرآن إنه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية والآتية، ومن جهة صرف الدواعى عن المعارضة، ومنع العرب من الاهتمام به جبراً وتعجيزا، حتى لوخلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما) (١) . هذه المقولة للنظام وإن لم يكتب لها حظ من القبول عند جماهير العلماء، بل كانوا على خلافها، وعملوا جهدهم في ردها، إلا أنها أثرت عن البعض في فترات لاحقة مختلفة، فقد نسبت كذلك إلى الشريف المرتضى الذى عاش في القرن الرابع الهجرى، والذى فسر الصرفة بأن الله سلب العرب العلوم التى يحتاج إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن، يذكر ذلك الرافعي عنه ثم يقول (فكأنه يقول:إنهم بلغاء يقدرون على مثل النظم والأسلوب، ولا يستطيعون ما وراء ذلك مما لبسته ألفاظ القرآن من المعانى، إذ لم يكونوا أهل علم، ولا كان العلم في زمنهم، وهذا رأى بين الخلط) (٢) .

стр. 21

وممن حكى عنه القول بالصرفة كذلك ابن حزم الظاهري (ت سنة ٤٥٦هـ) الذى قال في سبب الإعجاز (لم يقل أحد إن كلام غير الله تعالى معجز، لكن لما قاله الله تعالى وجعله كلاّما له أصاره معجزاً ومنع من مماثلته) (١) . وقد رأينا فيما سبق كيف حمل العلماء على هذا القول وفَنَّدوه كالباقلانى وعبد القاهر وغيرهم، ومع هذا فقد تردد صدى هذا القول فيما بعد، وترك آثاره في فكر بعض المفسرين- من المتكلمين- عن الإعجاز كأبى عبد الله فخر الدين الرازى (ت سنة٦٠٤هـ) الذى قال في معرض تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (الإسراء:٨٨) ما نصه: (اعلم أنا في سورة البقرة في تفسيره قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ بالغنا في بيان إعجاز القرآن، وللناس فيه قولان: منهم من قال: القرآن معجز في نفسه، ومنهم من قال: إنه ليس في نفسه معجزاً إلا أنه تعالى لما صرف دواعيهم عن الإتيان بمعارضته مع أن تلك الدواعى كانت قوية كانت هذه الصرفة معجزة، والمختار عندنا في هذا الباب أن نقول: القرآن في نفسه إما أن يكون معجزاً أو لا يكون، فإن كان معجزاً فقد حصل المطلوب، وإن لم يكن معجزا بل كانوا قادرين على الإتيان بمعارضته، وكانت الدواعى متوفرة على الإتيان بهذه المعارضة، وما كان لهم عنها صارف ومانع، وعلى هذا التقدير كان الإتيان بمعارضته واجباً

стр. 22

لازما، فعدم الإتيان بهذه المعارضة مع التقديرات المذكورة يكون نقضاً للعادة فيكون معجزاً، فهذا هو الطريق الذى نختاره في هذا الباب) (١) . وهو كلام من الرازي فيه من التردد في الحكم ما يفتح الباب ولا يغلقه أمام جواز القول بالصرفة، بل لعله إليه أقرب وهو أسلوب غير مرضيّ في مثل هذه القضايا الحاسمة. ومهما يكن من أمر فإن القول بالصرفة وإن أنكرناه ورفضناه بشدة إلا أنه أمر واقع في مصنفات من كتبوا في الإعجاز مثل الخطابي والرماني كما أسلفنا، وكذلك من جاء بعدهم سواء كان ذلك منهم تأييداً أو رفضا، لكننا لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من الأسى على استدعائه كل هذا الجهد حوله مما كان يمكن أن يتوفر لغيره من الدراسات القرآنية النافعة، ونحن بهذا مع الرافعى ﵀ فيما لفت النظر إليه عندما قال: (على أن القول بالصرفة هو المذهب الفاشي من لدن قال به النظام-يصوبه فيه قوم ويشايعه عليه آخرون، ولولا احتجاج هذا البليغ لصحته، وقيامه عليه، وتقلده أمره، لكان لنا اليوم كتب ممتعة في بلاغة القرآن وأسلوبه، وإعجازه اللغوى، وما إلى ذلك، ولكن القوم-عفا الله عنهم- أخرجوا أنفسهم من ذلك كله، وكفوها مؤنته بكلمة واحدة تعلقوا عليها، فكانوا فيها جميعا كقول الشاعر الظريف الذى يقول: كأننا والماء من حولنا ... قوم جلوس حولهم ماء (٢ وهذا الذى ذكره الرافعى إنما يعبر عن حرص شديد على نفي الشوائب عن موضوع أوجه إعجاز القرآن الكريم وتوفير كل الجهد لدراستها

стр. 23

بما يبرزها للأجيال المتعاقبة واضحة جلية، وإلا فإن القول بالصرفة في ذاته بما يحمله من دلائل بطلانه قد كان سببا في استنهاض همم العلماء للكتابة في إعجاز القرآن، وهذا ما سنعرض لبيانه في القضية التالية.

стр. 24

قضية الإعجاز: تأصيل تاريخي وأقوال في أوجه هذا الإعجاز شهد القرن الثانى وأوائل القرن الثالث الهجريين مقولة النظام (ت سنة ٢٢٤هـ) بالقول بالصرفة في إعجاز القرآن-كما سبق بيانه- وما إن شاعت تلك المقولة حتى استنفرت أمة القرآن بعقول العلماء لردها، وبيان بطلانها كما أوضحنا من قبل، وكذلك لإبراز أوجه إعجاز القرآن الكريم المتعددة. فنهض أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت سنة٢٥٥هـ) في القرن الثالث الهجرى لهذا الأمر، فصنف كتابا سماه: (نظم القرآن) وهو كتاب غير موجود، وإنما تشير إليه المراجع الأخرى من كتب الجاحظ نفسه، أو من كتب غيره. تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن: (في القرن الثالث ظهرت كتب في الإعجاز تحمل في الغالب عنوان- نظم القرآن- وللجاحظ كتاب بهذا الاسم لم يصل إلينا وإن كان الجاحظ أشار إليه في كتابه "الحجج") (١) . وقديما قبل ذلك أشار الباقلانى رحمه الله تعالى إلى هذا الكتاب وإن لم يورده في موضع الثناء، إذ رأى أنه لم يأت فيه بجديد يعول عليه، قال: (وقد صنف الجاحظ في "نظم القرآن" كتابا لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى) (٢) .

стр. 25

وقد اختلفت الأنظار في حقيقة رأى الجاحظ في إعجاز القرآن، فالبعض يرى أن تلمذته للنظام أثرت في مذهبه في الإعجاز، وأنه تابع شيخه في القول بالصرفة وإن لم يصرح بذلك. قال د. أحمد جمال العمرى: (وجاء الجاحظ وعملا بمبدأ الالتزام الأدبي النقلي تابع أستاذه النظام، وإن كان لم يذكر ذلك صراحة في بادئ الأمر، ولكنه تحفظ نوعا?ولعل تحفظه أن يصرح علانية بموافقته على رأى النظام كان نتيجة لردود الفعل التى أحدثها رأى النظام في المجتمع الإسلامى خاصة عند جماعة السلف، فلم يرد الجاحظ أن يكون هو الآخر هدفاً لهذا التيار الجارف الذى تعرض له أستاذه.. لذلك نراه يدور حوله أول الأمر، لكنه لا يعلنه صراحة) (١) . بينما يرى الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ غير ذلك فيقول: (وإن أول ما كتب في إعجاز القرآن من ناحية البيان كان في الوقت الذى جاء فيه القول بالصرفة بين نفي وإثبات كما أشرنا، وأول من عرف أنه تصدى للكلام في الإعجاز في نظم القرآن هو الجاحظ تلميذ النظام، الذى أنكر عليه قوله، وعابه في منهاجه الفكرى من أنه يظن الظن، ثم يجعله أصلا يجرى عليه القياس مصححا لقياسه بالمنطق، والعيب في أصل القول الذى بنى عليه، لا في الأقيسة التى أجرى بها مشابهاته) (٢) . وعلى كلٍ، فإنه حتى لوصح كلام القائلين بإضمار الجاحظ للقول بالصرفة وميله إليه فإن ذلك لا يغض من كونه أول من نهض لإبراز الإعجاز

стр. 26

القرآنى في نظمه (١) وعرض بلاغة القرآن في آياته، في الإيجاز والحذف والزوائد والفصول والاستعارات، وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة إلى آخره، وقوله عن القرآن بصفة عامة: وفي كتابنا المنزل الذى يدل على أنه صدق: نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد مع ما سوى ذلك من الدلائل التى جاء بها من جاء به) (٢) . وفي أواخر القرن الثالث الهجرى وضع أبو عبد الله محمد بن يزيد الواسطى (ت سنة ٣٠٦هـ) كتابا سماه (إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه) وهو يعد بناء على ما ابتدأه الجاحظ، وإلى كتاب الواسطى هذا ينسب الرافعى السبق في بسط القول في الإعجاز، فيقول، (بيد أن أول كتاب وضع لشرح الإعجاز وبسط القول فيه على طريقتهم في التأليف إنما هو فيما نعلم كتاب "إعجاز القرآن" لأبى عبد الله محمد بن يزيد الواسطي) (٣) . ثم جاء القرن الرابع الهجرى، وفيه ألف أبو الحسن على بن عيسى الرمانى (ت سنة ٣٨٦هـ) كتابا صغيراً سماه: (النكت في إعجاز القرآن) وقد جاء في شكل جواب عن سؤال وُجِّه للرمانى عن ذكر نكت إعجاز القرآن دون التطويل والحجاج، فلخص جوانب الإعجاز في وجوه سبعة: ترك المعارضة مع توفر الدواعى وشدة الحاجة، والتحدى للكافة، والصرفة، والبلاغة، والأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة، ونقص العادة، وقياسة بكل معجزة، لكنه يوجه الاهتمام من بينها إلى البلاغة، فيبين أنها على ثلاث طبقات، منها ما هو في أعلى طبقة، وما هو في أدنى طبقة، وما هو في

стр. 27

الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة، وبعد أن يشرح كل واحدة يجعل البلاغة في عشرة أقسام: الإيجاز، والتشبية، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان، ثم يفسرها باباً باباً، مستشهداً لها بالقرآن، ثم يتكلم بإيجاز في آخر الرسالة على بقية أوجه الإعجاز الستة التى سبق له ذكرها (١) . وفي القرن نفسه كتب أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابى (ت سنة ٣٨٨هـ) الذي عاصر الرمانى (بيان إعجاز القرآن) وفيه أشار إلى أن الناس قد أكثروا الكلام في باب إعجاز القرآن قديما وحديثا، وذهبوا فيه كل مذهب، ولم يصدروا عن رأي، وناقش القول بالصرفة، وتعرض لما تضمنه القرآن من الإخبار عن غيوب المستقبل، وعَدَّه نوعاً من أنواع إعجازه، ولكنه لم يرتضه سراً للإعجاز وأساساً يعول عليه حيث إنه ليس بالأمر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن، ثم انتقل إلى موضوع البلاغة وأن إعجاز القرآن من جهتها، وأن أكثر العلماء على ذلك، ولكنه عاب عليهم في تسليمهم هذه الصفة للقرآن نوعاً من التقليد، وضرباً من غلبة الظن دون التحقيق، وبدأ معالجة ذلك على طريقته هو، فذكر أقسام الكلام المحمود وهى: البليغ الرصين الجزل، والفصيح القريب السهل، والجائز الطلق الرَّسل، وأن القسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه، والثاني أوسطه وأقصده، الثالث أدناه وأقربه، وأن القرآن قد حازت بلاغته من كل قسم من هذه الأقسام حصة، كما بين أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعاني من: توحيد، وتحليل وتحريم، وأن

стр. 28

الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر، وفي النهاية لفت النظر إلى وجه في الإعجاز ذهب عنه الناس –على حسب قوله- وهو صنيع القرآن بالقلوب وتأثيره القوى في النفوس (١) . وهو ما يمكن أن نسميه بالإعجاز النفسى. وجاء بعد ذلك واحد من أشهر من كتبوا في إعجاز القرآن وانتشرت كتبهم، وهو الإمام أبو بكر محمد بن الطيب الباقلانى (ت سنة٤٠٣هـ) فألف كتابه (إعجاز القرآن) الذى قال في سبب تأليفه (وسألنا سائل أن نذكر جملة من القول جامعة: تسقط الشبهات، وتزيل الشكوك التى تعرض للجهال، وتنتهى إلى ما يخطرلهم، ويعرض لأفهامهم، فأجبناه إلى ذلك متقربين إلى الله ، ومتوكلين عليه، وعلى حسن توفيقه ومعونته) . وقد ذكر في الفصل الثالث (٢) . من هذا الكتاب جملة من وجوه الإعجاز متمثلة في:الإخبار عن الغيوب المستقبلة، وقصص الأولين، وبديع نظم القرآن، وعجيب تأليفه، وما فيه من الشريعة والأحكام التى يتعذر على البشر مثلها. وفي الفصل الرابع (٣) . يشرح عددا من هذه الوجوه، وهو في كل ذلك يذكر شواهد القرآن التى تؤيد كلامه وفي أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الهجرى أفرد القاضي عبد الجبار أحمد بن خليل بن عبد الله (ت

стр. 29

سنة٤١٥هـ) من كتابه "المغنى في أبواب التوحيد والعدل" البالغ عشرين جزءاً واحداً من هذه الأجزاء لإعجاز القرآن وهو الجزء السادس عشر. يقول الدكتور/ عبد الفتاح لاشين: (وهو في هذا الجزء لايلقى الإعجاز لقاءً مباشرا، بل يقدم له بمباحث كثيرة تستنفد الجزء الأكبر من هذا الكتاب، فهو يقرر أولا صحة القرآن وتواتر نقله، والدواعى التى تقوم لهذا التواتر وتتضافر على الاحتفاظ به كاملا بعيداً من أي تحريف أو تبديل.. ثم يتعرض للإعجاز، وينصب موازين البلاغة ليقيم بها الكلام البليغ) (١) . كما أفرد أبو محمد على بن أحمد بن حزم الظاهرى (ت سنة ٤٥٦هـ) لإعجاز القرآن فصلا من الجزء الثالث من كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) تحدث فيه عن عدد من وجوه الإعجاز باختصار، وهو ممن نسب إليهم القول بالصرفة كما مر. وفي القرن الخامس كذلك ألف الإمام أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانى (ت سنة ٤٧١هـ) كتابه (دلائل الإعجاز) الذى كشف فيه عن وجوه إعجاز القرآن كما رآها، وأنها في بلاغته وفصاحته، وردَّ فيه على المعتزلة قولهم بالصرفة، وقد صرح بما يراه في إعجاز القرآن من أول الأمر، فقال (أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادقوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آيه ومقاطعها، ومجارى ألفاظها ومواقعها) (٢) .

стр. 30

كما كتب رسالة عنوانها (الرسالة الشافية في إعجاز القرآن) (١) . وفيها تناول بعض نواح من فكرة الإعجاز ركز فيها على موقف العرب المعاصرين لنزول القرآن من أمثال الوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة وغيرهما ممن أقروا راغمين أن القرآن ليس من كلام البشر. وفي القرن السادس خصص القاضي عياض بن موسى إلىحصبي (ت سنة ٥٤٤هـ) فصلا في الجزء الأول من كتابه: (الشفا بتعريف حقوق المصطفي) لإعجاز القرآن بدأه بقوله: (اعلم وفقنا الله وإياك أن كتاب الله العزيز منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة، وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة وجوه: أولها حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب) (٢) . ثم عرض لبقية وجوه الإعجاز فعّد منها: صورة نظمة العجيب وأسلوبه الغريب، وما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما أنبأ به من أخبار القرون السابقة، والأمم البائدة، والشرائع الدائرة إلى أن قال هذه الوجوه الأربعة بينة لانزاع فيها ولامرية) (٣) . ثم عرض بعد ذلك لوجوه أخرى إجمالا فقال (وقد عدّ جماعة من الأئمة ومقلدي الأمة في إعجازه وجوها كثيرة منها: أن قارئه لايمله، وسامعه لا يمجه، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبه، ولا يزال غضا طريا، وغيره من الكلام ولو بلغ في

стр. 31

الحسن والبلاغة مبلغه يمل مع الترديد، ويُعادى إذا أعيد، وكتابنا يستلذ به في الخلوات، ويؤنس بتلاوته في الأزمات) (١) . ثم توالت المؤلفات في الإعجاز عبر القرون التالية، فكتب الإمام فخر الدين الرازي (ت سنة ٦٠٤هـ) كتابه (نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز) وكتب أبو يعقوب يوسف بن أبى بكر محمد بن على السكاكى (ت سنة٦٢٦هـ) كتابه (مفتاح العلوم) وقد بحث فيه قضية الإعجاز، فبدأ عرض هذه القضية بالتسليم بأن إعجاز القرآن من جهة نظمه وبلاغته أمر لا نقاش فيه ولا جدال عليه، إلا أنه يلزم لإدراك ذلك- وهو لا يدرك إلا بالتذوق-ما يلزم من تربية حاسة الذوق التى تكشف عن أسرار القرآن وإدراك بلاغته وأساليبه، وذلك بتدريب المبتدئين، والأخذ بأيديهم ووضعها على مفاتيح العلوم التى تربى فيهم ذلك الذوق (٢) . وفي القرن السابع كذلك كتب أبوعبد الله محمد بن أحمد الأنصارى القرطبى (ت سنة٦٧١هـ) فصلا في مقدمة تفسيره: (الجامع لأحكام القرآن) ذكر فيه نكتا في إعجاز القرآن ووجوه ذلك الإعجاز عدّد فيها تلك الوجوه، وجعلها في عشرة: النظم البديع، والأسلوب المخالف لجميع أسإليب العرب، والجزالة التى لا تصح من مخلوق بحال، والتصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربى، والإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله، من أمى ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، والإخبار عن المغيبات في المستقبل إلى آخر ما عده من ذلك (٣) .

стр. 32

وفي القرن الثامن ألف بدر الدين الزركشى (سنة ٧٩٤هـ) كتابه (البرهان في علوم القرآن) وضمّن مباحثه نوعاً في معرفه إعجاز القرآن الكريم، قال فيه بعد استعراض بعض المصنفات في الإعجاز، وبعد استعراضه آيات التحدى بالقرآن: (وإعجاز القرآن ذكر من وجهين: أحدهما إعجاز متعلق بنفسه، والثانى بصرف الناس عن معارضته) ثم رد القول بالصرفة من وجوه، وبعدها ذكر أوجها للإعجاز من بينها: تأليف القرآن ونظمه الخاص به، وكذلك ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة، وما تضمنه من إخباره عن قصص الأولين، وإخباره عن الضمائر- أى السرائر- من غير أن يبدو من أصحابها ما أكنته ضمائرهم من قول أو فعل، مثل قول الله تعالى: وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ..﴾ (المجادلة: ٨) ?إلى آخر تلك الأوجه (١) . وفي القرن التاسع سلك برهان الدين بن عمر البقاعى (ت سنة ٨٨٥هـ) طريقة التطبيق في إظهاره لإعجاز القرآن، فألف كتابه (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) جمع فيه من أسرار القرآن، وأتقن الكلام في فن المناسبات بين الآيات والسور كما ينبئ عنه اسم الكتاب، وهو من باب إعجاز القرآن في حسن تأليفه وتفرده في ذلك. ثم كان القرن العاشر الذى شهد فارساً من فرسان هذا الباب، وعلما من أعلام الإسلام، وهو الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى (ت سنة ٩١١هـ) الذى ألف سفره القيم (الإتقان في علوم القرآن) وضمنه ثمانين نوعا من مباحث علوم القرآن، خصص النوع الرابع والستين منها للكلام في إعجاز القرآن، فقدم بين يدى الكلام في ذلك بذكر بعض من

стр. 33

أفرد الموضوع بالتصنيف من أعلام العلماء الذين مضى ذكر كثير منهم، مثل: الخطابي والرماني والباقلاني والرازي وغيرهم، ثم تكلم على أنواع المعجزات، والفرق بين معجزات السابقين من الأنبياء ومعجزة النبي ﷺ وهى القرآن، ثم عرض آيات التحدى، وردّ القول بالصرفة، ثم ذكر أقوال العلماء في وجه إعجازه، فلخص ما قاله السابقون في ذلك، ثم ختم بنقل ما أورده القاضي عياض في أوجه الإعجاز الأربعة، وما تلاها من أوجه ذكرناها عند الكلام عما تضمنه كتاب (الشفا) في موضعه. وفي القرن الثالث عشر ألف العلامة شهاب الدين الآلوسى (ت سنة ١٢٧٠هـ) تفسيره الموسوعي (روح المعانى في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) وعلى عادة كثير من المفسرين قدم بمقدمات قيمة ضمنها فوائد جليلة، جعل الفائدة السابعة منها في بيان وجه إعجاز القرآن، تكلم فيها على أوجه الإعجاز عند كثير من العلماء، ولم يرتض الكثير من أقوالهم خاصة ما قاله المعتزلة، وما قاله الجاحظ، وكذلك المرتضى من الشيعة، وردّ أكثر هذه الأقوال، وناقش أقوالاً أخرى، حتى انتهى إلى أن قال: (وقد أطال العلماء الكلام على وجه إعجاز القرآن، وأتوا بوجوه شتى الكثير منها خواصه وفضائله، مثل الروعة التى تلحق قلوب سامعيه، وأنه لا يمله تاليه، بل يزداد حباً له بالترديد، مع أن الكلام يعادى إذا أعيد (١) . وكونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله تعالى بحفظه، والذى يخطر بقلب هذا الفقير: أن القرآن بجملته وأبعاضه حتى أقصر سورة منه معجز بالنظر إلى نظمه وبلاغته، وإخباره عن الغيب، وموافقته لقضية العقل، ودقيق المعنى، وقد تظهر كلها في

стр. 34

آية، وقد يستتر البعض كالإخبار عن الغيب، ولا ضير ولا عيب، فما يبقى كافٍ، وفي الغرض وافٍ) (١) . وفي القرن الرابع عشر تصدى مصطفي صادق الرافعى (ت سنة ١٣٥٦ هـ) لقضية الإعجاز بكتاب قيم هو: (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية) تكلم فيه على معنى الإعجاز ومذاهب القدماء فيه، ومؤلفاتهم في فنة، ثم تكلم على حقيقة الإعجاز، واشتدت وطأته على القائلين بالصرفة، كما نقد كثيراً من العلماء الذين ألفوا في الإعجاز مثل المرتضى من الشيعة وغيره. ففي أول كلامه يحدد مفهومه للإعجاز فيقول: (وإنما الإعجاز شيئان: ضعف القدرة الإنسانية في محاولة المعجزة ومزاولته على شدة الإنسان واتصال عنايته، ثم استمرار هذا الضعف على تراخي الزمن وتقدمه، فكأن العالم كله في العجز إنسان واحد ليس له غير مدته المحدودة بالغة ما بلغت) (٢) . أما وجه الإعجاز الذي يرتضيه فيبينه بقوله (أما الذي عندنا في وجه إعجاز القرآن وما حققناه بعد البحث، وانتهينا إليه بالتأمل وتصفح الآراء وإطالة الفكر، وإنضاج الروية، وما استخرجناه من القرآن نفسه في نظمه ووجه تركيبه، واطراد أسلوبه، ثم ما تعاطيناه لذلك من التنظير والمقابلة، واكتناه الروح التاريخية في أوضاع الإنسان، وآثاره وما نتج لنا من تتبع كلام البلغاء في الأغراض التى يقصد إليها، والجهات التى يعمل عليها، وفي رد وجوه البلاغة إلى أسرار الوضع اللغوي، التي مرجعها إلى الإبانة عن حياة المعنى بتركيب حي من الألفاظ يطابق سنن الحياة في دقة التأليف، وإحكام الوضع، وجمال التصوير، وشدة الملاءمة) .

стр. 35

ثم يقول: (فالقرآن معجز في تاريخه دون سائر الكتب ومعجز في أثره الإنسانى، ومعجز كذلك في حقائقه) (١) . ومن بعد الرافعى كتب الكثيرون في إعجاز القرآن، مثل:الشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى في مبحث من مؤلفه (مناهل العرفان في علوم القرآن) والشيخ محمد عبد الله دراز في (النبأ العظيم) والشيخ بديع الزمان النورسى: (إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز) من (كليات رسائل النور) والشيخ محمد أبو زهرة في (المعجزة الكبرى) والدكتورة عائشة عبد الرحمن في (الإعجاز البيانى للقرآن) إلى جانب العشرات من الرسائل العلمية الجامعية التى تتناول إعجاز القرآن في جوانبه المختلفة. وهكذا نجد أنه لم يخل عصر من العصور عبر القرون الإسلامية المباركة سواء في فترات النشاط أو الفتور العلمي من تناول إعجاز القرآن بالتأليف تقعيداً أو تطبيقاً، مما ينطق بأن هذا المدد العلمي المتتابع إنما هو في ذاته أثر من آثار إعجاز القرآن الكريم. أما أوجه الإعجاز التي تمخضت عنها هذه المؤلفات، والتى تعمقت في دراسات العلماء، ودرست باستفاضة، وسيقت لها الأمثلة والشواهد، فذلك ما سنلقى عليه الضوء فيما يلي.

стр. 36

وجوه الإعجاز في القرآن الكريم أولا: إعجازه في بلاغته وفصاحته ... وجوه الإعجاز في القرآن الكريم نستطيع مما سبق عرضه من كتابات العلماء قديما وحديثا في إعجاز القرآن ان نستخلص ما عدوه وجوهاً لهذا الإعجاز، ذكروها صراحة واستقلالاً وبينوها، أو أشاروا إليها ضمنا وأوجزوها، وهذه الوجوه نذكرها فيما يلي: أولا: إعجازه في بلاغته وفصاحته لعل إعجاز القرآن الكريم بلفظه من أهم وجوه إعجازه إذا لم يكن أهمها على الإطلاق، لأنه يتعلق بالقرآن ذاته في بنيته اللغوية لا ينفك عنها، ولا يرتبط –كما سيأتي بيانه في وجوه أخرى- بحال المنزل عليه، أو حال المخاطبين، أو الفترات الزمانية، ومن ثم كان هذا الوجه أول ما تناوله العلماء بالبحث، وكان قدرا مشتركاً بينهم في الحديث عن الإعجاز، كما أفردوه بالتنصيف مثل الباقلاني في (إعجاز القرآن) والجرجانى في دلائل الإعجاز، والرافعى في (إعجاز القرآن) والشيخ محمد عبد الله دراز في (النبأ العظيم) أوجعلوه أكثر الأوجه بياناً إذا تكلموا فيه مع غيره، ولهذا أيضا كان حقيقا بالبدء به وجعله في صدارة وجوه الإعجاز. وبداية نقول:إنه لم يبلغ نمط من أنماط كلام العرب فيما قالوه شعراً أو نثرا، أياً كانت قوته بلاغة وفصاحة أن يكون قريبا من بلاغة القرآن وفصاحته، فقد بلغ القرآن في مضمار البلاغة والفصاحة الطرف الأعلى، وهو ما يمكن أن نسميه حدَّ الإعجاز، لأن هذا كان الميدان الذى تحدَّى القرآن فيه العرب، وهم فرسانه، ولقد اطرد هذا التفوق اللغوى في القرآن سورة سورة،

стр. 37

وآية آية، ومن ثم كان التحدى فيه أن يأتوا بسورة من مثله مما ينطبق على طويل السور وقصيرها. وأصدق دليل على هذا الإعجاز موقف مَن تحَّداهم القرآن من فصحاء العرب من هذا التحدى عجزاً واستسلاماً مع حرصهم على تكذيب القرآن، وللقاضى عياض في ذلك عبارات جامعة تذكر جانبا من هذا الموقف في العجز، والاعتراف بإلهية المصدر القرآني- رغم الجحود والكفر-وأمثلة يسيرة تشهد لذلك نذكرها بنصها لتمام الفائدة. قال رحمه الله تعالى: (فلم يزل ﷺ يقرعهم أشد التقريع، ويوبخهم غاية التوبيخ، ويسفه أحلامهم، ويحط أعلامهم، ويشتت نظامهم، ويذم آلهتهم وإياهم، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب، والإغراء بالافتراء، وقولهم: إن هذا إلا سحر يؤثر، وسحر مستمر، وإفك افتراه، وأساطير الأولين، والمباهتة والرضى بالدنيئة كقولهم: قلوبنا غلف، وفي أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، ولا تسمعوا لهذا القرآن والغَوا فيه لعلكم تغلبون، والادعاء مع العجز بقولهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا، وقد قال لهم الله "ولن تفعلوا" فما فعلوا ولا قدروا، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة كشف عواره لجميعهم، وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلامهم، وإلا فلم يخف على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم، ولا جنس بلاغتهم، بل ولّوا عنه مدبرين، وأتوا مذعنين من بين مهتد وبين مفتون، ولهذا لما سمع الوليد بن المغيرة من النبي ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ (النحل: ٩٠) . الآية قال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر، وذكر أبو عبيد

стр. 38

أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (الحجر: ٩٤) . فسجد وقال: سجدت لفصاحته، وسمع رجلاً آخر يقرأ ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً﴾ (يوسف:٨٠) . فقال:أشهد أن مخلوقاً لا يقدر على مثل هذا الكلام) (١) . وإذا كان العرب -وهم بهذه المنزلة بلاغة وفصاحة-قد عجزوا هذا العجز التام المطبق، فغيرهم أشد عجزاً، وأبعد هزيمة. لقد عنى العلماء بإبراز بلاغة القرآن في هذا المضمار تطبيقا، ولو تتبعنا ذلك من خلال أبواب البلاغة المتعارف عليها لاستغرق ذلك تفسير القرآن كله، ولكن حسبنا أمثلة في أبرز مجالاتها، وهى الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، نذكرها موجزة غير مطولة: فمن أشهر ما ضربوه مثلا في باب الإيجاز قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (البقرة:١٧٩) . فإنهم قارنوه بما استحسنوه من كلام العرب: (القتل أنفى للقتل) فظهر البون شاسعا، والتفاوت بعيداً في البلاغة والإيجاز كليهما، وذلك من وجوه أربعة: أولها: أن عبارة القرآن أكثر فائدة مما قاله العرب لاشتمالها على ما قالوه مع زيادة معان حسنة، منها إبانة العدل لذكره القصاص، وإبانة الغرض المرغوب فيه لذكره الحياة، ومنها الاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم الله به، الثانى: أنها أوجز، فإن عبارة القرآن (القصاص حياة) عشرة أحرف، وأما (القتل أنفي للقتل) فأربعة عشر حرفاً، الثالث: بعد عبارة القرآن عن الكلفة بالتكرير الشاق على النفس، والرابع: حسنها بتأليف الحروف المتلائمة، وهو مدرك بالحس، وموجود في اللفظ، فإن الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبعد الهمزة من اللام، وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف إلى اللام،

стр. 39

فباجتماع هذه الأمور كان القرآن أبلغ وأحسن، وإن كانت عبارة العرب بليغة. وأما التشبيه: فمن أشهر ما ذكروه فيه قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (النور:٣٩) . ففيه إخراج مالا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، وقد اجتمعا في بطلان المتوهم مع شده الحاجة إليه، ولو قيل في معناه: يحسبه الرائى ماءً ثم يظهر أنه على خلاف ما قدّر لكان بليغا، وأبلغ منه لفظ القرآن،لأن الظمآن أشد حرصا على تحقيق حسبانه، وتعلق قلبه به، ثم بعد هذه الخيبة حصل على الحساب الذى يصيره إلى عذاب الأبد في النار، وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من حسن التشبيه، فكيف إذا ضمن مع ذلك حسن النظم، وعذوبة اللفظ، وكثرة الفائدة، وصحة الدلالة؟ وأما الاستعارة: فقد أوردوا فيها قول الله تعالى ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ (مريم:٤) .فأصل الاشتعال للنار، لكنه في هذا الموضع أبلغ، وحقيقته كثرة الشيب في الرأس، إلا أن الكثرة لما كانت تتزايد تزايداً سريعا صارت في الانتشار والإسراع كاشتعال النار، وله موضع في البلاغة عجيب، وذلك أن انتشار الشيب في الرأس لا يتلافى كاشتعال النار (١) . ويعد الباقلانى كذلك من أبرز من سلكوا هذا الباب في الموازنة بين ما ورد في القرآن من ضروب البلاغة وبين أبلغ ما حفظ عن العرب من ذلك

стр. 40

مما عُدّ في أقصى درجاتها، وذلك في الفصلين السابع والثامن من كتابه (إعجاز القرآن) . لقد ظل القرآن أسلم وأبعد ما يكون في فصاحته وبلاغته عن أي طعن من فصحاء العرب رغم تشوف كفارهم إلى ذلك، ورغم أن انتقاد الكلام، كان دأبهم شعراً ونثراً، واستدراك بعضهم على بعض كان ديدينهم رغم قلة الدواعي. ومما ورد في ذلك ما ذكره الرافعي من استدراك الخنساء على حسان ابن ثابت في شعر أنشده بعكاظ، قال فيه: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ولدنا بنى العنقاء وابن محرق ... فأكرم بناخالاً وأكرم بنا ابنما فقالت الخنساء: ضعف افتخارك، وأبرزته في ثمانية مواضع،قال: وكيف؟ قالت: قلت"لنا الجفنات" والجفنات ما دون العشر، فقللت العدد، ولو قلت " الجفان" لكان أكثر، وقلت: "الغر" والغرة البياض في الجبهة، ولو قلت:"البيض" لكان أكثر اتساعاً، وقلت:"يلمعن" واللمع شيء يأتى بعد الشيء، ولو قلت "يشرقن" لكان أكثر، لأن الإشراق أدوم من اللمعان، وقلت: "بالضحى" ولو قلت: "بالعشية" لكان أبلغ في المديح، لأن الضيف بالليل أكثر طروقاً،وقلت: "أسيافنا"، والأسياف دون العشر، ولوقلت: "سيوفنا" كان أكثر، وقلت:"يقطرن" فدللت على قلة القتل، ولوقلت:"يجرين" لكان أكثر، لانصباب الدم، وقلت "دما" والدماء أكثر من الدم، وفخرت بمن ولدت، ولم تفتخر بمن ولدوك) (١) .
следующие страницы →