← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11309

عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم - محمد السيد جبريل

محمد السيد راضي جبريل

Полный текст (83 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وجوه الإعجاز في القرآن الكريم أولا: إعجازه في بلاغته وفصاحته ... وجوه الإعجاز في القرآن الكريم نستطيع مما سبق عرضه من كتابات العلماء قديما وحديثا في إعجاز القرآن ان نستخلص ما عدوه وجوهاً لهذا الإعجاز، ذكروها صراحة واستقلالاً وبينوها، أو أشاروا إليها ضمنا وأوجزوها، وهذه الوجوه نذكرها فيما يلي: أولا: إعجازه في بلاغته وفصاحته لعل إعجاز القرآن الكريم بلفظه من أهم وجوه إعجازه إذا لم يكن أهمها على الإطلاق، لأنه يتعلق بالقرآن ذاته في بنيته اللغوية لا ينفك عنها، ولا يرتبط –كما سيأتي بيانه في وجوه أخرى- بحال المنزل عليه، أو حال المخاطبين، أو الفترات الزمانية، ومن ثم كان هذا الوجه أول ما تناوله العلماء بالبحث، وكان قدرا مشتركاً بينهم في الحديث عن الإعجاز، كما أفردوه بالتنصيف مثل الباقلاني في (إعجاز القرآن) والجرجانى في دلائل الإعجاز، والرافعى في (إعجاز القرآن) والشيخ محمد عبد الله دراز في (النبأ العظيم) أوجعلوه أكثر الأوجه بياناً إذا تكلموا فيه مع غيره، ولهذا أيضا كان حقيقا بالبدء به وجعله في صدارة وجوه الإعجاز. وبداية نقول:إنه لم يبلغ نمط من أنماط كلام العرب فيما قالوه شعراً أو نثرا، أياً كانت قوته بلاغة وفصاحة أن يكون قريبا من بلاغة القرآن وفصاحته، فقد بلغ القرآن في مضمار البلاغة والفصاحة الطرف الأعلى، وهو ما يمكن أن نسميه حدَّ الإعجاز، لأن هذا كان الميدان الذى تحدَّى القرآن فيه العرب، وهم فرسانه، ولقد اطرد هذا التفوق اللغوى في القرآن سورة سورة،

стр. 37

وآية آية، ومن ثم كان التحدى فيه أن يأتوا بسورة من مثله مما ينطبق على طويل السور وقصيرها. وأصدق دليل على هذا الإعجاز موقف مَن تحَّداهم القرآن من فصحاء العرب من هذا التحدى عجزاً واستسلاماً مع حرصهم على تكذيب القرآن، وللقاضى عياض في ذلك عبارات جامعة تذكر جانبا من هذا الموقف في العجز، والاعتراف بإلهية المصدر القرآني- رغم الجحود والكفر-وأمثلة يسيرة تشهد لذلك نذكرها بنصها لتمام الفائدة. قال رحمه الله تعالى: (فلم يزل ﷺ يقرعهم أشد التقريع، ويوبخهم غاية التوبيخ، ويسفه أحلامهم، ويحط أعلامهم، ويشتت نظامهم، ويذم آلهتهم وإياهم، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب، والإغراء بالافتراء، وقولهم: إن هذا إلا سحر يؤثر، وسحر مستمر، وإفك افتراه، وأساطير الأولين، والمباهتة والرضى بالدنيئة كقولهم: قلوبنا غلف، وفي أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، ولا تسمعوا لهذا القرآن والغَوا فيه لعلكم تغلبون، والادعاء مع العجز بقولهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا، وقد قال لهم الله "ولن تفعلوا" فما فعلوا ولا قدروا، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة كشف عواره لجميعهم، وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلامهم، وإلا فلم يخف على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم، ولا جنس بلاغتهم، بل ولّوا عنه مدبرين، وأتوا مذعنين من بين مهتد وبين مفتون، ولهذا لما سمع الوليد بن المغيرة من النبي ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ (النحل: ٩٠) . الآية قال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر، وذكر أبو عبيد

стр. 38

أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (الحجر: ٩٤) . فسجد وقال: سجدت لفصاحته، وسمع رجلاً آخر يقرأ ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً﴾ (يوسف:٨٠) . فقال:أشهد أن مخلوقاً لا يقدر على مثل هذا الكلام) (١) . وإذا كان العرب -وهم بهذه المنزلة بلاغة وفصاحة-قد عجزوا هذا العجز التام المطبق، فغيرهم أشد عجزاً، وأبعد هزيمة. لقد عنى العلماء بإبراز بلاغة القرآن في هذا المضمار تطبيقا، ولو تتبعنا ذلك من خلال أبواب البلاغة المتعارف عليها لاستغرق ذلك تفسير القرآن كله، ولكن حسبنا أمثلة في أبرز مجالاتها، وهى الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، نذكرها موجزة غير مطولة: فمن أشهر ما ضربوه مثلا في باب الإيجاز قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (البقرة:١٧٩) . فإنهم قارنوه بما استحسنوه من كلام العرب: (القتل أنفى للقتل) فظهر البون شاسعا، والتفاوت بعيداً في البلاغة والإيجاز كليهما، وذلك من وجوه أربعة: أولها: أن عبارة القرآن أكثر فائدة مما قاله العرب لاشتمالها على ما قالوه مع زيادة معان حسنة، منها إبانة العدل لذكره القصاص، وإبانة الغرض المرغوب فيه لذكره الحياة، ومنها الاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم الله به، الثانى: أنها أوجز، فإن عبارة القرآن (القصاص حياة) عشرة أحرف، وأما (القتل أنفي للقتل) فأربعة عشر حرفاً، الثالث: بعد عبارة القرآن عن الكلفة بالتكرير الشاق على النفس، والرابع: حسنها بتأليف الحروف المتلائمة، وهو مدرك بالحس، وموجود في اللفظ، فإن الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبعد الهمزة من اللام، وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف إلى اللام،

стр. 39

فباجتماع هذه الأمور كان القرآن أبلغ وأحسن، وإن كانت عبارة العرب بليغة. وأما التشبيه: فمن أشهر ما ذكروه فيه قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (النور:٣٩) . ففيه إخراج مالا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، وقد اجتمعا في بطلان المتوهم مع شده الحاجة إليه، ولو قيل في معناه: يحسبه الرائى ماءً ثم يظهر أنه على خلاف ما قدّر لكان بليغا، وأبلغ منه لفظ القرآن،لأن الظمآن أشد حرصا على تحقيق حسبانه، وتعلق قلبه به، ثم بعد هذه الخيبة حصل على الحساب الذى يصيره إلى عذاب الأبد في النار، وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من حسن التشبيه، فكيف إذا ضمن مع ذلك حسن النظم، وعذوبة اللفظ، وكثرة الفائدة، وصحة الدلالة؟ وأما الاستعارة: فقد أوردوا فيها قول الله تعالى ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ (مريم:٤) .فأصل الاشتعال للنار، لكنه في هذا الموضع أبلغ، وحقيقته كثرة الشيب في الرأس، إلا أن الكثرة لما كانت تتزايد تزايداً سريعا صارت في الانتشار والإسراع كاشتعال النار، وله موضع في البلاغة عجيب، وذلك أن انتشار الشيب في الرأس لا يتلافى كاشتعال النار (١) . ويعد الباقلانى كذلك من أبرز من سلكوا هذا الباب في الموازنة بين ما ورد في القرآن من ضروب البلاغة وبين أبلغ ما حفظ عن العرب من ذلك

стр. 40

مما عُدّ في أقصى درجاتها، وذلك في الفصلين السابع والثامن من كتابه (إعجاز القرآن) . لقد ظل القرآن أسلم وأبعد ما يكون في فصاحته وبلاغته عن أي طعن من فصحاء العرب رغم تشوف كفارهم إلى ذلك، ورغم أن انتقاد الكلام، كان دأبهم شعراً ونثراً، واستدراك بعضهم على بعض كان ديدينهم رغم قلة الدواعي. ومما ورد في ذلك ما ذكره الرافعي من استدراك الخنساء على حسان ابن ثابت في شعر أنشده بعكاظ، قال فيه: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ولدنا بنى العنقاء وابن محرق ... فأكرم بناخالاً وأكرم بنا ابنما فقالت الخنساء: ضعف افتخارك، وأبرزته في ثمانية مواضع،قال: وكيف؟ قالت: قلت"لنا الجفنات" والجفنات ما دون العشر، فقللت العدد، ولو قلت " الجفان" لكان أكثر، وقلت: "الغر" والغرة البياض في الجبهة، ولو قلت:"البيض" لكان أكثر اتساعاً، وقلت:"يلمعن" واللمع شيء يأتى بعد الشيء، ولو قلت "يشرقن" لكان أكثر، لأن الإشراق أدوم من اللمعان، وقلت: "بالضحى" ولو قلت: "بالعشية" لكان أبلغ في المديح، لأن الضيف بالليل أكثر طروقاً،وقلت: "أسيافنا"، والأسياف دون العشر، ولوقلت: "سيوفنا" كان أكثر، وقلت:"يقطرن" فدللت على قلة القتل، ولوقلت:"يجرين" لكان أكثر، لانصباب الدم، وقلت "دما" والدماء أكثر من الدم، وفخرت بمن ولدت، ولم تفتخر بمن ولدوك) (١) .

стр. 41

ومثل ذلك أو أقل منه لم يحدث في كلمة من القرآن فضلا عن آية رغم كثرة دواعى القوم للطعن والمعارضة.

стр. 42

ثانيا: إعجازه في نظمه وأسلوبه لقد تفرد أسلوب القرآن ونظمه، وتفوق على أساليب العرب ونظمهم رغم بلاغتهم، وبلوغهم الغاية في هذا المضمار، ومن أبرز شواهد هذا التميز ما يلي: أولا: جمع القرآن في أسلوبه ونظمه بين مقصدين: مقصد الموعظة، ومقصد التشريع، فنظمه يفيد بظاهره السامع ما يحتاج إلى علمه، وهو في ذلك يشبه خطب العرب، ومع ذلك فقد ضم معناه ما يستخرج منه العلماء الأحكام الكثيرة في التشريع، وفي الآداب وغيرها. ثانيا: تفننه، وبداعة تنقلاته من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتذييل والتنظير، والإتيان بالمترادفات عند التكرير تجنبا لثقل تكرار الكلمة، وإكثاره من أسلوب الالتفات، وهو من أعظم أساليب التفنن عند العرب. ثالثا: عدوله عن تكرار اللفظ والصيغة فيما لا يقتضي التكرار بقصد التهويل ونحوه، ومما عدل فيه عن التكرار قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم:٤) . فجاء في الآية لفظ قلوب جمعاً مع أن المخاطب امرأتان ولم يكرر الصيغة ويقل "قلبا كما" تجنبا لتعدد صيغة المثنى (١) .

стр. 43

رابعا: براعته في تصريف القول، وثروته في أفانين الكلام، إذ يبرز المعنى الواحد بألفاظ وطرق مختلفة بمقدرة عظيمة لا تباريها أو تقاربها مقدرة من فصحاء العرب، ولما كان المقام ليس مقام استقصاء، فإن الأمثلة تكفي في الدلالة على المراد:- (أ) ففي مجال طلب الفعل من المخاطبين أورد في ذلك صيغا كثيرة منها: ١-الإتيان بصريح مادة الأمر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء: ٥٨) . ٢-الإخبار بأن الفعل مكتوب على المكلفين: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (البقرة: ١٨٣) . ٣-الإخبار بكونه على الناس ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (آل عمران: ٩٧) . ٤-الإخبار عن الفعل بأنه خير: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (البقرة: ٢٢٠) . وغير ذلك كثير في هذا المجال (ب) وفي مجال النهى عن الفعل استعمل وسائل متعددة منها: ١- الإتيان في جانب الفعل بمادة النهى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُم﴾ الممتحنة: ٩) . ٢- نفي الحل عنه: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً﴾ (النساء: ١٩) . ٣- وصفه بأنه ليس براً: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (البقرة: ١٨٩) . وغير ذلك كثير في هذا المجال. (ج) وفي مجال تعبيره عن إباحة الفعل استخدم طرقا كثيرة منها:

стр. 44

١- التصريح في جانبه بمادة الحل: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ (المائدة: ١) . ٢- نفي الإثم عنه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة:١٧٣) . ٣- الأمر به مع قرينه صارفة عن الطلب: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ (البقرة: ١٨٧) .وغير ذلك كثير في هذا المجال (١) . خامسا: ومما تميز به أسلوب القرآن الكريم تصرفه في حكاية أقوال المحكي عنهم، بصياغتها على ما يقتضيه أسلوب إعجازه لا على الصيغة التي صدرت بها.. قال الطاهر بن عاشور: (فهو إذا حكى أقوالا غير عربية صاغ مدلولها في صيغة تبلغ حد الإعجاز بالعربية، وإذا حكى أقوالا عربية تصرف فيها تصرفا يناسب أسلوب المعبر، مثل ما يحكيه عن العرب، فإنه لا يلتزم حكاية ألفاظهم، بل يحكي حاصل كلامهم، وللعرب في حكاية الأقوال اتساع مداره على الإحاطة بالمعنى دون التزام الألفاظ، فالإعجاز الثابت للأقوال المحكية في القرآن هو إعجاز للقرآن لا للأقوال المحكية) (٢) . هذا طرف من بيان إعجاز القرآن في نظمه وأسلوبه، وبالجملة فهذا الوجه والذي قبله يقوم بهما لفظ القرآن، ويتفرد عن غيره من الكلام، وما أحسن قول أبى سليمان الخطايى (وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم، وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسن تأليفاً وأشد تلاؤماً

стр. 45

وتشاكلاً من نظمه، وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها.. وقد توجد هذه الفضائل على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه، فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شئ عددا) (١) . وكما قلنا من قبل.. فإن الإعجاز اللغوي وجه لا يتسرب إليه الطعن بأي حالة، فبلاغة القرآن وفصاحته لا تخلو منها سورة من سور القرآن الكريم، ولا آية من آياته، وهذا قد يخالف وجوه الإعجاز الأخرى التي ساقها العلماء مثل الحديث عن الأخبار الماضية وسير الأولين، أو الآيات التي تشير إلى حقائق علمية، أو نحو ذلك: (لذلك كان نظم القرآن أعدل الآراء في وجوه الإعجاز وبيان سببه، وهذا الرأي هو الذي مال إليه الحذاق من أهل الصنعة، وأخذ به الجمهور من العلماء) (٢) .

стр. 46

ثالثا: إعجاز في إخباره بالغيوب المستقبلة مما جاء به القرآن الكريم في مجال إعجاز البشر أنه أخبر بأمور تقع في المستقبل، فجاءت كما أخبر، لم تتخلف أو تتغير، وهذا ما لا سبيل للبشر إليه بحال، وذلك في القرآن كثير، لكنا سنضرب أمثلة منه تكون دليلا على ما

стр. 47

سواها. أولا: لعل أوضح ما يذكر في هذا المجال ما جاء في آيات التحدي بالقرآن ذاتها، فقد أخبر الله تعالى أن الكفار سيعجزون عجزاً كاملاً مطبقا عما ووجهوا به من التحدي أن يأتوا بمثل القرآن أو بسورة من مثله، وذلك في قوله سبحانه ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (الإسراء:٨٨) . قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:٢٣،٢٤) . فكان الأمر كما أخبر، يشهد بذلك الواقع، فلم يستطع عربي فضلا عن أعجمي أن يقوم بهذا التحدي ويأتي بسورة من مثله. ثانيا: إخبار القرآن بالتمكين للمسلمين، ونصرهم وتأمينهم، وذلك في قول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:٥٥) .وقد مكن الله لهم بالفعل، وظهر الإسلام، وقامت دولته، وملكت مشارق الأرض ومغاربها في وقت يسير كما هو معروف في تاريخ الإسلام، ونسأل الله تعالى أن يعيد هذا التمكين وأن يعز الإسلام وأهله. ثالثا: إخباره بنصر المؤمنين وإحقاق الحق، وهزيمة الكفار واندحارهم، أخبر ذلك قبل أول قتال في بدر، وذلك في قول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (آل عمران:١٢) . وقوله

стр. 48

سبحانه: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (القمر:٤٥) . وقد نزلت هذه الآية في مكة، وقد حدث ما أخبرت به في المدينة في بدر بدقة كانت مثار عجب عند الصحابة رضوان الله عليهم أنفسهم، حتى إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما نزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ قال: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ فلما كان يوم بدر رأى رسول الله ﷺ يثب في الزرع وهو يقول (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فعرف تأويلها يومئذ) (١) . رابعا: إخباره بدخول النبي ﷺ والمسلمين المسجد الحرام آمنين، وذلك في قول الله تعالى: ﴿َقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (الفتح:٢٧) . وقد تحقق ذلك ودخله النبي ﷺ وأصحابه في عمرة القضاء (٢) . خامسا: إخباره بانتصار الروم بعد هزيمتهم المنكرة أمام الفرس، وذلك في قول الله سبحانه: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم:٢-٥) .

стр. 49

وقد تحقق ذلك في أقل من عشر سنين كما ورد في حديث ابن عباس. (١) سادسا: إخباره بعدم تمنى اليهود الموت، وذلك في قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة:٦-٧) . وذلك متحقق دوما، فلم يحدث- ولن يحدث-أن تمنى يهودي الموت- ولو ادعاءً- مناقضة للقرآن. والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا المقام. وبعدما ذكرنا فإن لنا تعقيبا وبيانا نسوقه فيما يلي: (أ) المقصود من هذا الوجه من وجوه الإعجاز هو إثبات أن القرآن وحي من عند الله تعالى باعتبار ذلك دليلا لا يقبل الجدل، إذ ليس في مقدور أحد من البشر أن يتنبأ بشيء فيصدق كما قال تماما، ولو حدث ذلك مرة أو مرات على سبيل الافتراض فإن ذلك لا يمكن أن يكون أمراً دائما مطرداً. (ب) أن هذا الوجه دليل إعجاز للقرآن في مجمله، بمعنى أنه قد يوجد في بعض السور ولا يوجد في الكثير منها، فهو من علامات الإعجاز التي يوصف بها القرآن باعتباره وحياً، وليس من خصائص ألفاظه، وبهذا التفسير لا يمكن المماراة في هذا الوجه بأن يقال: إن العرب معذورون

стр. 50

إذا قالوا:إننا قادرون على معارضة القرآن متمكنون من الإتيان بمثله غير أنه يشتمل على ما لا يمكن معرفته، ومن ثمَّ الإتيان بمثله. وبالجملة، فإنه دليل إعجاز، ولكن لا يستقل بالغرض في إثبات إعجاز القرآن، فهو ليس بالأمر العام في كل سورة من سور القرآن، وعليه فإن موطن التحدي هنا إذا قلنا به مقدمة للإعجاز إنما يواجه به من ادعى أن القرآن من عند محمد.صلى الله عليه وسلم

стр. 51

رابعا: إعجازه في إخباره عن القرون السابقة والأمم البائدة لقد حفل القرآن بأخبار السابقين الأولين من الرسل مع أقوامهم، ومن غير الرسل، فجاء فيه قصص: آدم ونوح وإبراهيم وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى ويحيى وزكريا وعيسى وغيرهم عليهم جميعاً السلام، كما جاء فيه قصص: ابني آدم، وأصحاب الكهف، وأصحاب السبت، وأصحاب الجنة، وأصحاب الأخدود، ولقمان، وقارون وغيرهم. ولما كانت القسمة العقلية في معرفة الأحداث والوقائع وأخبارها في القرآن بالنسبة لرسول الله ﷺ وهو الذي جاء قومه بذلك تقتضي واحداً من أربعة فروض، فإن تحقيق هذا الوجه من الإعجاز يقتضي عرض هذه الفروض على واقع الرسول ﷺ ليتبين أن ما جاء به وحي من عند الله تعالى: الفرض الأول: حضوره ﷺ ، ومشاهدته أحداث هذه القصص، وإخباره بذلك عن معاينة، وذلك مردود بالواقع والتاريخ بداهة، وعلى الرغم من ذلك لفت القرآن النظر إلى ذلك في أكثر من موضع، ففي قصة مريم يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ

стр. 52

قْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (آل عمران:٤٤) . وفي قصة يوسف ﵇ يقول: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (يوسف:١٠٢) . وفي قصة موسى ﵇ يقول ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص:٤٦) . الفرض الثاني: أن يكون النبي ﷺ قد قرأ هذه القصص، وعرف أخبارها من مصادر مكتوبة، ثم نقلها إلى القرآن، وذلك مردود بأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وتلك حقيقة عرفها العرب، كما سجلها القرآن واحتج بها عليهم ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت:٤٨) . الفرض الثالث: أن يكون قد تعلمها تلقيا ومشافهة عن غيره، وذلك مردود بأنه لم يعرف عنه ﷺ أنه جلس إلى معلم أو تلقى عن أحد، ولما حاول المشركون ادعاء ذلك عليه ﷺ وقعوا في عثرة عمرهم، وسوءة فعلهم، فقد فضحهم القرآن إذ نسبوا تعليمه إلى حداد رومي لا يدرى شيئا عن أخبار السابقين، ولا يعرف شيئا عن فصاحة العربية وبلاغتها: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (النحل:١٠٣) . لم يبق إلا الفرض الرابع والأخير، وهو الحق الذي لا معدل عنه، وهو أن النبي ﷺ قد أوحى إليه بها في جملة ما أوحي إليه من القرآن، فهي حق من حق كما وصفها الله تعالى في أكثر من موضع: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (آل عمران: ٦٢) . ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ (القصص:٣) . ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ (الكهف: ١٣) .

стр. 53

فإذا أضفنا إلى ذلك أن كثيراً من قصص القرآن قد سبق ذكره في كتب أهل الكتاب من التوراة والإنجيل، وأن أحداً من هؤلاء لم يستطع أن يطعن في حقيقة من حقائق القصص القرآيى-بل القرآن هو الذي صوب لهم- عرفنا يقينا، وقامت الحجة وألزمت الجميع أن هذا القصص بما جاء فيه كله وحي من عند الله . وهنا ننبه كما نبهنا في الوجه السابق أن هذا الوجه دليل إعجاز لا يستقل بإثبات ذلك للقرآن سورة سورة، وآية آية، فهناك سور كثيرة تخلو من القصص وأخبار السابقين، وعليه فإن موطن التحدي هنا إنما يواجه من كان في مثل حال النبي ﷺ -في الفروض التي ذكرنا آنفاً- أن يجيء بمثل ما جاء به رسول الله ﷺ .

стр. 54

خامسا: الإعجاز النفسي يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى: (ما أظن امرأ سليم الفكر والضمير يتلو القرآن أو يستمع إليه ثم لا يزعم أنه لم يتأثر به: قد نقول: فلم يتأثر به؟ والجواب أنه ما من هاجس يعرض للنفس الإنسانية من ناحية الحقائق الدينية إلا ويعرض القرآن له بالهداية وسداد التوجيه. (إن القرآن الكريم بأسلوبه الفريد يرد الصواب إلى أولئك جميعا، وكأنه يعرف ضائقة كل ذي ضيق، وزلة كل ذي زلل، ثم تكفل بإزاحتها كلها، كما يعرف الراعي أين تاهت خرافه، فهو يجمعها من هنا وهناك، لا يغيب عن بصره ولا عن عطفه واحد منها... حتى الذين يكذبون بالقرآن

стр. 55

ويرفضون الاعتراف بأنه من عند الله.. إنهم يقفون منه مثلما يقف الماجن أمام أب ثاكل! قد لا ينخلع من مجونه الغالب عليه، ولكنه يؤخذ فترة ما بصدق العاطفة الباكية، أو مثلما يقف الخلي أمام خطيب يهدر بالصدق، ويحدث العميان عن اليقين الذي يرى ولا يرون.. إنه قد يرجع مستهزئا، ولكنه يرجع بغير النفس التي جاء بها) (١) . هذا التأثير النفسي الذي أشار إليه الشيخ ﵀ هو من أظهر خصائص القرآن الكريم التي تبرز عند سماعه، فيمضي سامعه في تفكير يملك عليه أقطار نفسه، فيفضي به إلى الإيمان إذا صفت نفسه واستقامت فطرته، أو يفضي به إلى مزيد من العناد يدفع به هذا التأثير الغالب خشية الاقتناع به إذا كان السامع غليظ القلب جاحداً للحق مظلم النفس، وعندها يأتي من أبواب التدليس والكذب ما يعلل به هذا العناد. ولكل مما ذكرنا مما يقضي إليه تأثير القرآن في نفوس سامعيه أمثلة: فمن أمثلة التأثير المفضي إلى الإيمان ما أخرجه البخاري (٢) . من حديث جبير بن مطعم أنه قال سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: _ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ. أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ (الطور:٣٥-٣٧) . كاد قلبي أن يطير. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى) قوله: " كاد قلبي أن يطير" قال الخطايى: كأنه انزعج عند سماع هذه الآية لفهمه معناها، ومعرفته بما تضمنته،

стр. 56

ففهم الحجة فاستدركها بلطيف طبعه، ثم قال (فلهذا انزعج جبير حتى كاد قلبه يطير، ومال إلى الإسلام) (١) . ومن هذا القبيل كذلك ما ورد في قصة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عند سماعه القرآن في بيت أخته فاطمة وكانت قد سبقته إلى الإسلام، والقصة وإن لم ترد من طريق صحيحة إلا أن دلالتها غير منكورة. قال الدكتور أكرم ضياء العمري في عرضه لقصة إسلام عمر ﵁: (أما قصة استماعه القرآن يتلوه الرسول ﷺ في صلاته قرب الكعبة، وعمر مستخف بأستارها، وكذلك قصته مع أخته فاطمة حين لطمها لإسلامها، وضرب زوجها سعيد بن زيد، ثم اطلاعه على صحيفة فيها آيات وإسلامه، فلم يثبت شيء من هذه القصص من طريق صحيحة. ولكن الحافظ ابن حجر ذكر بأن الباعث له على دخوله الإسلام ما سمع في بيت أخته فاطمة من القرآن. (٢) (ولا شك أن القرآن ببيانه الساحر، وروعة تصويره لمشاهد القيامة، وصفة الجنة والنار كان له تأثير في اجتذاب عمر إلى صف المسلمين، لأن عمر كان يتذوق الكلام البليغ ويعجب به، وعدم ثبوت الروايات حديثياً لا يعنى حتمية عدم وقوعها تاريخياً) (٣) . أما التأثير الذي قوبل بالعناد لدفعه وعدم الاستسلام له، فمن أمثلته ما ذكره السيوطي وغيره من مجيء عتبة بن ربيعة إلى النبي ﷺ وكلامه إياه فيما جاء به قومه مما يخالف ما هم عليه، وأن النبي ﷺ تلا عليه سورة فصلت إلى

стр. 57

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ وعند ذلك أمسك عتبة بيده على فم رسول الله ﷺ وناشده الرحم أن يكف، وأنه قام لا يدري بما يراجع رسول الله ﷺ : ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه فاعتذر لهم وقال: والله لقد كلمني بكلام والله ما سمعت أذناي بمثله قط، فما دريت ما أقول له (١) . وعاند عتبة وظل على كفره، وكان من قتلى المشركين في بدر. ومن هذا القبيل كذلك ما أخرجه الحاكم (٢) . وصححه عن ابن عباس ﵄ أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالا، قال: لم؟ قال: يعطونكه، فإنك أتيت محمدَّا لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أنى من أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له وأنك كاره له، قال: وماذا أقول؟ فوا لله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً. وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ نَظَرَ. ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ. ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ. فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (المدثر:١١-٢٦) .

стр. 58

إن الأثر الذي يحدثه القرآن أعظم من أن تقوم له من الأرض جبالها الرواسي ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر:٢١) . وفي طبيعة هذا الأثر لدى المؤمنين جاء قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر:٢٣) . وفي طبيعة هذا الأثر لدى المعاندين جاء قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً﴾ (الإسراء:٤١) . وفي كليهما على طريق المقابلة جاء قول الله تعالى ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ (الإسراء:٨٢) . هذا هو أثر القرآن تنطق به آياته المباركة، وينطق به كذلك واقع الناس في كل وقت، ومازلنا نشاهد هذا الأثر في نفوس سامعيه: خشوعاً وخضوعا للحق إذا صفت الفطرة واستقامت النفوس، وخوفاً من سطوة هذا الأثر إذا أظلمت القلوب وأصرت على الكفر، فتتخذ حينئذ من أجل ذلك وسائل تحول بينها وبين هذا التأثير، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت:٢٦) . ذلك هو ما اصطلح على تسميته –من بين وجوه إعجاز القرآن-بالإعجاز النفسي، وهو موضع عناية علماء المسلمين من قديم، قال القاضي عياض مشيراً إلى تأثير القرآن في النفوس وهو يعد وجوه الإعجاز (ومنها: الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه، والهيئة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله، وإنافة خطره، وهى على المكذبين به أعظم حتى كانوا

стр. 59

يستثقلون سماعه، ويزيدهم نفورا كما قال تعالى، ويودون انقطاعه لكراهتهم له... وأما المؤمن فلا تزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذابا، وتكسبه هشاشة لميل قبله إليه، وتصديقه به) (١) .

стр. 60

سادسا:إعجاز القرآن في هديه وتشريعه جاء القرآن الكريم بشرائع الهدى لإصلاح الخلق، وإقامتهم على طريق الحق والفلاح، فلم تسمُ شريعة من الشرائع أن تبلغ ما في شريعة القرآن من:إحكام، ويسر، ودقة، ذلك أنها شريعة الله تعالى التي تنطلق في تكاليفها من رحمته سبحانه بعباده، ومراعاة مصالحهم وقدراتهم البشرية، قال الله تعالى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦) وقال سبحانه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٨٥) . وقال ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (المائدة: ٧) . لقد ألزم تشريع القرآن بالواجبات إلزاما، ثم هو بعد ذلك جعل للضرورات أحكامها ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ (المائدة: ٣) . ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنعام: ٤٥) . وجعل للرخص مجالاتها: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل:١٠٦) .

стр. 61

لقد تميز تشريع القرآن وهديه بسوقه ما يسوق من تكاليف الدين موصولة بمصدرها، وبكونها مما أمر الله به سبحانه، فهي بذلك ليست في إتيانها كمالا يمكن الوقوف دونه، أو ترفا يمكن التنازل والاستغناء عنه، وإنما هي من صميم إيمان المؤمن، وكذلك يمتاز بسوقه لهذه التكاليف في إيجاز لفظي يسهل استيعابه، ويمكن معرفة ذلك من قول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:١٥١-١٥٣) . وكذلك من قول الله سبحانه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً. وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً. وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً. وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ

стр. 62

مَلُوماً مَحْسُوراً. إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً. وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً. وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً. وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (الإسراء: ٢٣-٣٥) . وكما جاء ذلك في سورة الفرقان في الآيات:٦٣-٧٦وفي سورة لقمان في الآيات: من ١٣-١٩. كما تميز تشريع القرآن وهديه بتوازن دقيق- لا تستقيم حياة البشر إلا به- بين تطلعهم إلى الدنيا وحاجتهم فيها، وسعيهم إلى الآخرة وتشوقهم إلى ثوابها، فجاء من آيات القرآن ما يرسى جوانب هذا المنهج في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (الأنعام:١٤١،١٤٢) . وقوله سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ

стр. 63

مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٣١-٣٣) . وكذلك في قول الله : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص:٧٧) . كما تميز تشريع القرآن وهديه بتلطفه إلى النفوس البشرية عند تكليفها بما يريد ليقودها قوداً جميلا إلى الامتثال، وييسر عليها المشقة بما يرتبه على صالح العمل من عظيم الأجر. فهو إذا تعرض لتشريع الزكاة- والأنفس شحيحة بالمال- جعلها طهرة للمال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة:١٠٢) . وإذا تعرض لتشريع الحج- وهو عبادة مبنية على المشقة غالباً- قرنه بمنافع مشهودة للحجيج،فقال ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج:٢٧،٢٨) . وإذا تعرض للأمر بالصلاة بين أنها طريق للطهارة من الآثام، والبعد عن الفواحش: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٥) . وإذا تعرض لأصول الإيمان والعبادات مجتمعة وصفها بالبر، ورتب عليها التقوى، فقال: ﴿ليْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ

стр. 64

عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة /١٧٧) . وهو يخاطب في النفس البشرية رغبتها في النعيم، ورهبتها من الجحيم: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون:١٠١-١٠٣) . وهو بعد ذلك كله يعين على الأعمال الصالحة بضمان ثوابها لكل عامل دون تفرقة في جنس العاملين ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٩٧) . ومن أشهر من لفت النظر إلى هذا الباب في القرآن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسيره الموسوم (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) فإنه عند تفسير قول الله تعالى ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ (الإسراء:٩) . قال ما نصه (وهذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم، لشمولها جميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة، ولكننا إن شاء الله تعالى سنذكر جملاً وافرة في جهات مختلفة كثيرة من هدى القرآن للطريق التي هي أقوم بيانا لبعض ما أشارت إليه هذه الآية الكريمة، تنبيها ببعضه على كله من المسائل العظام،

стр. 65

والمسائل التي أنكرها الملحدون من الكفار، وطعنوا بسببها في دين الإسلام لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة) (١) . وبالفعل ساق الشيخ من ذلك مسائل متعددة ذكر فيها هدى القرآن التي هي أقوم وأعدل في مجالات كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، فليرجع إليها من شاء في هذا التفسير في المجلد الثالث منه. وممن اهتم بهذا الجانب كذلك الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى في كتابه (المعجزة الكبرى) وكذلك الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني رحمه الله تعالى في كتابه (مناهل العرفان في علوم القرآن) وبالجملة:فإن هدى القرآن وتشريعه في إصلاح حياة البشر، وفي مراعاته لكل طوائفهم، وصلاحه لكل أزمنتهم وعصورهم تشريع معجز، لا يرقى إليه ولا يستطيعه تشريع بشري.

стр. 66

سابعا: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ما يزيد على ألف آية تتحدث عن معالم هذا الكون، وتذكر مفرداته من: السموات والأرض، والشمس والقمر، والكواكب والنجوم، والجبال والبحار والأنهار، والمطر والرعد والبرق.. إلى آخره وإذا كانت هذه الآيات قد ذكرت تلك المفردات في سياق لفت الأنظار إلى مظاهر قدرة الله في الخلق، استدلالاً على تفرده سبحانه بالربوبية والألوهية، وقياساً عليها أحقية البعث الذي أنكره الكفار، فإنها مع ذلك قد جاءت في أسلوب وعبارة تفتح أمام العقل البشري آفاقا واسعة للتفكير في

стр. 67

دلالاتها عبر عصوره المتعاقبة من بعد نزول القرآن، فيقوم لديه من هذه الدلالات في كل عصر ما يشهد بالحق الذي جاءت به. وفي عصرنا الذي نعيشه، وفي غضون عشرات قليلة من السنين، وبالقياس إلى تاريخ البشرية الممتد وصلت المكتشفات العلمية المتعلقة بالكون في آفاقه، وفي أنفس مخلوقاته ما لم تصل إليه من قبل. وانطلاقاً من اهتمام المسلمين بكتاب ربهم ﵎، فإن علماءهم في هذا المجال بدؤوا يمعنون النظر والفكر في هذه الآيات، ويتلمسون فيها من جوانب القدرة –فيما أشارت إليه-ما يعد جانبا من جوانب الإعجاز القرآني، يصلح لدعوة الناس إلى دين الله سبحانه، في زمن فتن الناس فيه بالعلم، وبما تحقق من منجزاته فتنة عظيمة، وهذا ما يطلق عليه- من جوانب الإعجاز القرآني- الإعجاز العلمي. وفي إيضاح يراه مهماً، يفرق أحد أبرز علماء الجيولوجيا-وهو الأستاذ الدكتور زغلول راغب النجار الذي عمل أستاذا للجيولوجيا في بعض جامعات العالم، ومنها جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران بالمملكة العربية السعودية، وضم إلى ذلك اهتماما كبيرا بدراسة القرآن الكريم وعلومه-بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي، فيقول: (إن التفسير العلمي للقرآن الكريم يقصد به أن يوظف أهل كل جيل كل المعارف المتاحة لهم في حسن فهم دلالة القرآن الكريم) ويزيد كلامه وضوحاً فيقول (في مجال التفسير العلمي لا يتردد الإنسان أن يوظف كل المعارف المتاحة، الثابت منها وغير الثابت، لأن التفسير يبقى جهداً إنسانيا يصيب الإنسان فيه ويخطئ، وخطأ الإنسان في التفسير لا ينسحب على جلال القرآن الكريم، بل ينسحب على المفسر، لذلك لا بدلنا من توظيف كل المعارف المتاحة لحسن فهم دلالة

стр. 68

الآيات القرآنية- طبعا بعد التأهل للقيام بهذه المسؤولية الخطيرة- وهى التعرض لكلام الله، وهذا التأهل يقتضي فهماً للغة العربية وقواعدها وأسرارها، وفهما لأسباب النزول، وفهما للناسخ والمنسوخ، وفهما للمأثور من تفسير رسول الله ﷺ لذلك لابد أن ينفر من كل جيل نفر من الناس يتأهلون لهذه العدة، ويعرضون فهما جديداً للآيات القرآنية، خاصة في مجال القضايا العلمية، والقضايا الكونية، بحيث لا يعتمد على التفسيرات القديمة فقط، ولذلك أقول:إن التفسير العلمي للقرآن الكريم لا نخاف أن نوظف فيه كل المعارف المتاحة من نظريات –فروض- حقائق علمية قطعية- القوانين،فكل هذا يوظف. (أما بالنسبة للإعجاز العلمي، فلا يجوز لنا أن نوظف فيه إلا الحقائق العلمية القاطعة، لأن الإعجاز نريد به أن نثبت للناس مسلمين وغير مسلمين أن هذا القرآن العظيم الذي نزل على نبي أمي في أمة أمية قبل ١٤٠٠سنة يحتوي من حقائق هذا الكون على ما لم يستطع الإنسان أن يتوصل إلى معرفته إلا بعد جهود مضنية وقبل عشرات السنين فقط) (١) . وإذا كنا سنوافق هذا العالم الجليل على قوله، فلا بد من تحوُّط نسوقه بين يدي هذه الموافقة، وهو: أن المفسر للقرآن على هذا النحو، بل وكل مفسر ينبغي أن يصوغ عبارته بطريقة تفهم بأن ما قاله إنما هو فهمه من الآيات، الذي استطاع أن يتوصل إليه بعد أخذه بأدوات التفسير التي تؤهله لذلك، فلا يقطع بأن ما فهمه من الآية هو مراد الله تعالى منها.

стр. 69

وهذا الأمر ينسحب على الإعجاز العلمي من جهة أن ما جاء في الآيات من مظاهره إنما هو توسيع لمدلول هذه الآيات في جوانب أخرى، إضافة إلى ما كان من جوانب سابقة، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك. على أننا نود أن ننبه هنا إلى أمرين على جانب كبير من الأهمية:- أولهما: أنه لن يكون هناك تعارض أو تناقض بأي حال، ولا من أي نوع بين أي نص قرآني صريح في دلالته، وبين أي حقيقة علميه بلغت يقين المعاينة، والمشاهدة، ضرورة أن خالق الكون سبحانه هو منزل القرآن الكريم، ولن يكون تناقض أبداً بين قول الله تعالى وبين خلقه ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:١٤) . ثانيهما: أن القرآن الكريم في الأساس كتاب هداية، أنزله الله تعالى لإخراج الناس من الظلمات إلى النور: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ الإسراء:٩) . ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم:١) . تلك هي مهمة القرآن الأصلية، وقد وضحت سبل الهداية فيه: في عقائده وتشريعاته، وكانت مظاهر القدرة في الآيات الكونية فيه- كما بيننا –وسيلة من وسائل الاحتجاج للحق الذي جاء به. فالقرآن- والأمر كذلك-ليس كتاباً في العلوم التطبيقية مثل الطب أو الفيزياء أو الفلك أو الهندسة أو الزراعة أو التعدين ونحوها، وإنما هو دستور للهدى والحق، لكنه مع ذلك يتضمن في سياق آياته وفي رسم طريق الهداية للبشر من المعارف فيما سبق من العلوم بطريق التبع حقائق تدهش أهل التخصص في تلك العلوم، فيستقر في عقولهم من جراء ذلك ما يرسخ يقينهم، ويثبت إيمانهم إن كانوا مؤمنين أصلا أو يقيم الدليل عندهم على حق كانوا في

стр. 70

شك فيه- وهو صدق القرآن- إن كانوا غير مؤمنين، فيهتدون إلى الإسلام، وبذلك يتحقق المقصود النهائي من القرآن وهو الهداية –كما أسلفنا –أو تقوم الحجة عليهم في هذا الباب كما قامت في غيره من أبواب أخرى إن ظلوا على كفرهم مقيمين. ونعود إلى اهتمام علماء المسلمين بهذا الجانب من جوانب الإعجاز في القرآن الكريم، لنجد أن جهوداً كبيرة قد بذلت في هذا المجال، ولعل من أبرز ما تمخضت عنه هذه الجهود: إنشاء هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في إطار رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، تلك الهيئة التي حددت أهداف نشاطها فيما يلي: أولا: وضع القواعد والمناهج، وطرق البحث العلمي التي تضبط الاجتهادات في بيان الإعجاز العلمي للقرآن والسنة. ثانيا: إعداد جيل من العلماء والباحثين لدراسة المسائل العلمية والحقائق الكونية في ضوء ما جاء في القرآن والسنة. ثالثا: صبغ العلوم الكونية بالصبغ الإيمانية، وإدخال مضامين الأبحاث المعتمدة في مناهج التعليم في شتى مؤسساته ومراحله. رابعا: الكشف عن دقائق معاني الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث الشريفة المتعلقة بالعلوم الكونية في ضوء الكشوف العلمية الحديثة، ووجوه الدلالة اللغوية، ومقاصد الشريعة الإسلامية دون تكاليف. خامسا: إمداد الدعاة والإعلاميين في العالم: أفراداً ومؤسسات بالأبحاث المعتمدة للانتفاع بها، كلُ في مجاله.

стр. 71

سادسا: نشر هذه الأبحاث بين الناس بصورة متناسبة مع مستوياتهم العلمية والثقافية، وترجمة ذلك إلى لغات المسلمين المشهورة، واللغات الحية في العالم. وكان من إصدارتها من الكتب في هذا المجال: علم الأجنة في ضوء الكتاب والسنة، المصب والحواجز بين البحار في القرآن الكريم، تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، أوجه الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في أ-عالم النحل ب- اللبن حـ- الحبة السوداء، علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة "باللغة الإنجليزية"، المفهوم الجيولوجي للجبال في القرآن والسنة "باللغة الإنجليزية"، إعجاز القرآن الكريم في وصف أنواع: الرياح والسحب والمطر، تأملات في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة حول: الإنسان في الارتفاعات العالية- الإحساس بالألم، الإعجاز العلمي في آيات السمع والبصر في القرآن الكريم، من أوجه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في عالم البحار، إلى غير ذلك من الكتب، والأشرطة المرئية (١) . ويطول بنا المقام إذا نحن حاولنا التوسع في ذكر الأمثلة والشواهد على الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، ومع ذلك لا ينبغي أن يخلو البحث من مثل هذه الشواهد، وبخاصة ما التزم فيها جانب الرشد وفق ما قدمناه من الضوابط، فلم يقطع فيه الباحث بأن ما ذكر فيه هو مراد الله تعالى، وإنما استشهد بالدلالة اللغوية لعبارة القرآن على ما كشف عنه العلم في الجانب العلمي.

стр. 72

وفي هذا الإطار نسوق قول الله تعالى في سورة النبأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً. وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ ففي إبراز وجه الإعجاز العلمي فيها يقول الأستاذ الدكتور زغلول راغب النجار: (من أروع الحقائق الكونية التي وردت في هذا السياق أن الله تعالى قد جعل الجبال أوتاداً ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً. وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ النبأ:٦،٧- ووصف الجبال بأنها أوتاد هو من أبلغ صور الإعجاز العلمي في كتاب الله، وهذه شهادة صدق بأن القرآن الكريم كلام الله، وأن محمدًا ﷺ هو خاتم أنبيائه ورسله، وأنه ﷺ كان موصولاً بالوحى، معلما من قبل خالق السموات والأرض ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٣،٤) . (ففي الوقت الذي يصف فيه القرآن الكريم الجبال بأنها أوتاد قبل أربعة عشر قرناً، نجد كل المجامع اللغوية والعلمية إلى يومنا هذا تعرف الجبل بأنه: نتوء أرضي يرتفع بارزاً فوق ما يحيط به من الأرض بصوره تفوق ارتفاع التل، ويختلف الدارسون في تحديد ارتفاع كل من الجبل والتل، فبينما يضع بعضهم الحد الفاصل بين هذين الشكلين من أشكال سطح الأرض عند ارتفاع ٣٠٥أمتار فوق مستوى سطح البحر، نجد آخرين يرفعونه إلى ضعف هذا الرقم، ومن ثم فإنهم يقصرون الجبال على المرتفعات الأرضية التي تفوق ٦١٠ أمتار فوق سطح البحر، ويعتبرون كل مادون ذلك من التلال أو الربى، والربوة عندهم هي التل المرتفع. (وانطلاقاً من ذلك فإن "معجم مصطلحات علوم الأرض" يعرف الجبل بأنه: تل مرتفع، أو بصياغة أدق ربوة مرتفعة، أو مرتفع أرضي يفوق في ارتفاعه الأراضي المجاورة له بشكل ملحوظ.

стр. 73

(... وفي معجم البيئة الطبيعية "الفطرية" يعرف الجبل بأنه:" نتوء أرضي مرتفع بشكل ملحوظ تحيط به منحدرات شديدة تصل ارتفاعاته إلى مستوى الجروف البارزة، أو القمم الفردية السامقة، وليس للجبل ارتفاع محدد، وإن وصل ذلك في بريطانيا عادة إلى ما فوق-٦٠٠متر أو ٢٠٠٠قدم –إلا إذا ارتفع الجبل فجأة من أرض منخفضة محيطه به" (وفي دائرة المعارف البريطانية الجديدة يعرف الجبل بأنه:" منطقة من الأرض تعلو الأراضي المحيطة بها نسبيا بشكل واضح، وتضيف: وعليه فإن ما يدعى بالتلال في مناطق السلاسل الجبلية العظيمة كجبال الهملايا تعد جبالاً لو وجدت في إطار منطقة أخرى أقل تضاريسَ" (وبالمثل تعرف دائرة المعارف الأمريكية الجبل بأنه: جزء من سطح الأرض يرتفع فوق مستوى المنطقة المحيطة به" وتضيف:: وبصفة عامة يتناقص ارتفاع السلاسل الجبلية على مراحل حتى يصل إلى مستوى السهول مروراً بمرحلة التلال، إلا أنه في بعض الأحوال تكون عمليه الانتقال من الجبال إلى السهول فجائية على هيئة منحدرات شديدة: (ويتضح مما تقدم أن جميع التعريفات البشرية للجبال، اللغوية منها والعلمية تقتصر على تضاريس الأرض الناتئة بشموخ فوق باقي المناطق الأرضية المحيطة بها، سواء كانت تتميز بقمم سامقة أم لا، أو بسفوح متدرجة في الانخفاض، أو فجائية في الانحدار، التي عادة ما توجد في مجموعات متوازنة أو شبه متوازنة من الأطواق الطولية، أو المجموعات أو النظم أو السلاسل الجبلية، أو في محاور جبلية عملاقة للقارات، توجد بينها اتجاهات سائدة لمحاورها الطولية، وإن كان من الممكن للجبل أن يوجد على هيئة مرتفع منفرد معزول

стр. 74

(إن الدراسات الميدانية قد أثبتت منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي أن القشرة الأرضية تزداد في السمك تحت كل التضاريس المرتفعة فوق سطح البحر مثل- الجبال، الربى، التلال، الهضاب، القارات- ويبلغ سمك القشرة الأرضية مداه في المناطق الجبلية، حيث تندفع مادة الجبل لتخترق الغلاف الصخري للأرض- الذي يبلغ سمكه في المتوسط مائة كيلومتر- لتطفو في مادة لزجة شبه منصهرة، عالية الكثافة، توجد تحت الغلاف الصخري للأرض مباشرة، وتعرف باسم-النطاق الضعيف- وتحكم مادة الجبل الطافية في نطاق الضعف هذا قوانين الطفو التي تؤمن لكتلة الجبل دعما طافيا يعين الجبل على الانتصاب فوق سطح الأرض، وسبحان القائل: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ (الغاشية: ١٧-١٩) وكلما أخذت عوامل التعرية من قمم الجبال ارتفعت تلك الجبال بفعل مادة وشاح الأرض، ويظل الأمر كذلك حتى تتساوى تلك الامتدادات العميقة للجبال مع سمك الغلاف الصخري للأرض، وحينئذ يتوقف الجبل عن الارتفاع وتصل الامتدادات العميقة للجبال إلى أضعاف مضاعفة لارتفاعها فوق سطح الأرض، وتتراوح بين عشرة أضعاف وخمسة عشر ضعفا بناء على التباين في كثافة الصخور المكونة للكتلة الجبلية. (... وعلى ذلك: فإن امتدادات الجبال تحت سطح الأرض تفوق ارتفاعاتها فوق سطحها بأضعاف مضاعفة، تصل إلى أكثر من خمسة عشر ضعفا، فقمة:إفرست" التي يبلغ ارتفاعها فوق سطح البحر حوالي التسعة كيلومترات تقريبا (٨٨٤٨متر) لها امتدادات في الغلاف الصخري للأرض يصل إلى حوالي ١٣٥ كيلو مترا.

стр. 75

(وهنا تتضح صورة من أروع صور الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الذي نزل قبل أربعة عشر قرنا ليصف الجبال بأنها "أوتاد" ففي كلمة واحدة أوتاد-شمل التعبير القرآني وصف كلٍ من الشكل الخارجي للجبال فوق سطح الأرض، وامتداداتها العميقة تحت ذلك السطح، كما وصف وظيفة الجبال، وهى تثبيت الغلاف الصخري للأرض في مادة الوشاح اللدنة، الموجودة تحت ذلك الغلاف الصخري مباشرة، تماما كالوتد الذي يندس معظمه تحت سطح الأرض، بينما يرتفع الجزء الأصغر منه فوق ذلك السطح. (فسبحان الذي أنزل هذا الوصف الدقيق للجبال قبل أربعة عشر قرنا على خاتم أنبيائه ورسله، وسبحان الذي حفظ لنا هذا الوصف الدقيق شاهداً على أن القرآن الكريم كلام الله الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته) (١) . بقى بعد ذلك أن ننبه إلى وجوب وضع هذا الوجه من الإعجاز في موضعه الصحيح، فإننا وإن قلنا به، ورغبنا فيه، وعددناه وسيلة لدعوة فريق من الناس إلى الحق،إلا أن ذلك ليس معناه أن كون القرآن حقا وصدقا يتوقف على القول بالإعجاز العلمي، حتى يتكلف البعض ذلك تكلفاً يوقع في أخطاء تعود في النهاية على الباحث في هذا المجال بعكس مقصوده، فالقرآن الكريم قد ثبت صدقه وكونه وحياً من عند الله تعالى بما سبق من وجوه الإعجاز الأخرى وبغيرها من الأدلة.
следующие страницы →