مقدمة
...
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد: فقد أنعم الله ﷺ على الإنسان بنِعَمٍ لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، ومن أَجَلِّ هذه النِّعم وأعظمها هذا الكتابُ العزيز، يعلِّمه ويرشده، واصطفى له سيد البشر لأداء الرسالة المنوطة به، وقد احتفل المسلمون بهذا الوحي الكريم أيَّما احتفال، ورأَوا مِنْ واجبهم اللازم خدمته، والتسابق إلى بيان كنوزه ودلالاته، وكان مِنْ فريق العمل الذي نشط لدَرْسه وتدبُّره ثلة من الأولين، عُنُوا بلغته، فلم يألوا جهداً في رعايتها وصيانتها، وما دفعهم إلى ذلك إلا رغبتهم في خدمة التنزيل العزيز، والتشرُّف بأن يكونوا إلى جانب مأدبة الله.
وبحثنا هذا غيض من فيض، يلقي الأضواء على طرف يسير من هذه الخدمة، ولولا الإيجاز الذي اضطررنا إليه لاحتمل زيادة الكثير من الصفحات.
وقد اعتمدنا في كتابته المنهج الوصفي، واجتهدنا في توثيق موارده، واخترنا مصادره من الأصيل السالف، والنظر المعاصر، بحسب ما يلزم سياقه، والتزمنا بعنوان كل مبحث، فلم يكن بحثنا في عناية المسلمين بعلوم اللغة العربية على نحو عام، وإنما قَيَّدَنا هذه العناية بخدمة القرآن الكريم. وقد جاء البحث في سبعة مباحث على النحو التالي:
المبحث الأول: عناية المسلمين باللغة خدمة للقرن الكريم.
المبحث الثاني: عناية المسلمين بالنحو خدمة للقرآن الكريم.
المبحث الثالث: عناية المسلمين بالبلاغة خدمة للقرآن الكريم.
المبحث الرابع: عناية المسلمين بالشعر خدمة للقرآن الكريم.
المبحث الخامس: عناية المسلمين بتوجيه القراءات في ضوء العربية خدمة للقرآن الكريم.
стр. 2
المبحث السادس: عناية المسلمين برسم المصحف خدمة للقرآن الكريم.
المبحث السابع: عناية المسلمين بعلم الأصوات خدمة للقرآن الكريم.
أسأل الله سبحانه التوفيق والسداد، والحمد لله رب العالمين.
الباحث
стр. 3
المبحث الأول: عناية المسلمين باللغة خدمةً للقرآن الكريم
حازت العربية شرفاً عظيماً؛ إذ نزل القرآن الكريم بلسانها المبين، وقد اصطفاها الله سبحانه لوحيه مِنْ بين لغات البشر، وفي إنزال القرآن الكريم باللغة العربية مَرْتَبَةٌ رفيعة لعِلْم العربية، ووجه الدلالة (١) أنه تعالى أخبر أنه أنزله عربياً في سياق التمدُّح، والثناء على الكتاب بأنه مبين لم يتضمن لَبْساً، عزيزٌ لا يأتيه الباطل مِنْ بين يديه ولا مِنْ خلفه، وذلك يدلُّ دلالة ظاهرة على شرف اللغة التي أُنْزل بها.
وقد عُنِي السلف بالعربية، وأقبلوا على خدمتها على نحوٍ شامل، وأيقنوا أن دراستها والتأليف فيها ضربٌ من ضروب العبادة، يتقرَّبون به إلى الله (٢) .
وقد استحقَّتْ خدمة العلماء للغة القرآن الوقوف على أوجه هذه الخدمة وفروعها المختلفة، ولا يَسَعُنا في هذا البحث الموجز إلا أن نشير إلى بعضها باختصار، فمن ذلك:
١ - التأليف في ((لغات القبائل الواردة في القرآن)) . اجتهد علماء العربية في بيان أصول الألفاظ القرآنية، وعَزَوها إلى قبائلها الأصلية، وبَيَّنوا المعنى المراد باللفظ القرآني لدى هذه القبيلة؛ وذلك لأن القرآن الكريم نزل بلغة قريش التي استقَتْ مِنْ صفوة لغات العرب ما راقَها.
стр. 4
ومن أمثلة ذلك ما ورد في كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام ((لغات القبائل)) (١) : ((رَغَداً من قوله تعالى: ﴿وَكُلا مِنْهَا رَغَداً﴾ (البقرة: ٣٥) يعني الخِصْب بلغة طيئ، و ((الصاعقة)) مِنْ قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ (البقرة: ٥٥) يعني المَوْتة بلغة عُمان، و ((خاسئين)) من قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (البقرة: ٦٥) يعني صاغرين بلغة كنانة، و ((وسَطاً)) من قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ (البقرة: ١٤٣) يعني عَدْلاً بلغة قريش)) .
وقد أفاد المفسرون كثيراً من معرفة لغات العرب الوادرة في القرآن الكريم، واستندوا إليها في تفسير كثير من الآيات الكريمة، وحدث بينهم مناقشات واختلافات في اعتماد معنى الآية المشهور، أو الاتجاه إلى تفسيرها في ضوء لغات العرب. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ (الرعد: ٣١) فهل اليأس في الآية على بابه وهو قطع الطمع عن الشيء والقنوط فيه؟ قال بعضهم: هو هنا على بابه، والمعنى: أفلم يَيْئَسِ الذين آمنوا من إيمان الكفار من قريش، وذلك أنَّهم لمَّا سألوا هذه الآيات طمعوا في إيمانهم، وطلبوا نزولَ هذه الآيات ليؤمِنَ الكفار، وعَلِم الله أنهم لا يؤمنون فقال: أفلم يَيْئَسوا من إيمانهم. ولكن فريقاً آخر من أهل التفسير ذهبوا إلى غير ذلك من معنى اليأس فقالوا: هو هنا بمعنى عَلِمَ وتبيَّن. قال القاسم بن معن - وهو من ثقات الكوفيين -: ((هي لغة هوازن)) . وقال ابن الكلبي: ((هي لغة حَيّ من النخع)) ومنه قول سُحَيْم:
стр. 5
أقول لهم بالشِّعْبِ إذ يَأْسِرونني ... ألم تَيْئَسوا أني ابن فارسِ زَهْدَم
ويدلُّ عليه قراءةُ عليّ وابن عباس وآخرين ((أولم يتبيَّن)) (١) .
وهذا العَزْوُ إلى لهجات القبائل في التفسير باب واسع في مصنفات التفسير وإعراب القرآن، أفاد منه العلماء كثيراً في إجلاء معنى طائفة من الآيات، وبيَّنوا المزيد من أوجه دلالاتها.ومن الكتب التي وصلتنا في هذا الجانب: ((لغات القرآن)) لكلٍ من أبي عبيد، والوزَّان، وأبي حيان، وابن حسنون.
٢ - وأثرُ دراسة ألفاظ القرآن في كتب ((الأضداد)) واضح، ومن هذه المصنفات كتاب أبي الطيب اللغوي، وكتاب قطرب، وكتاب ابن الأنباري. وهي تورد المفردة اللغوية، وتنصُّ على استعمالها في القرآن والحديث والشواهد الفصيحة من الشعر وأقوال العرب؛ وذلك لأنَّ بعض ألفاظ العربية تُنْبئ عن المعنى وضده في الكلمة نفسها. وقد تَصَدَّتْ هذه الدراسات لبحث مدلول اللفظ المفرد وصلته بالسياق، ومدى اختلاف معناه باختلاف تركيبه في الجملة. يقول الدكتور محمد زغلول سلام (٢) : ((وكان حافز العلماء في الاجتهاد والبحث القرآنَ؛ ذلك لأنَّ المفسِّرين والعلماء الذين شُغِلوا بدراسة أسلوبه قد اعترضَتْهم بعض العقبات، حين اصطدموا بألفاظٍ قد يُفْهم تكرارها في مناسبات مختلفة في القرآن أنها متضادَّة أو مختلفة في معانيها، وذلك بالقياس إلى الشاهد الشعري، ممَّا دعا بعض الطاعنين ومَنْ يثير الشكوك إلى القول
стр. 6
مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ (القصص:٢٣) وبمعنى الحين من الزمان، نحو قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ (يوسف: ٤٥) ، وبمعنى الملَّة والدين، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ (الزخرف: ٢٣) ، وبمعنى الجنس نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأنعام: ٣٨) .
وقد أثبت هذا المشتركَ ابنُ فارس في كتابه ((الصاحبي)) (١) ومثَّل له بالعَين، وسيبويه في كتابه (٢) ، وأشار إلى أن مِنْ كلام العرب اتفاق اللفظيين واختلاف المعنيين، نحو قولك: ((وَجَدْتُ عليه)) من المَوْجِدة و ((وجَدْت)) إذا أرَدْتَ وجدان الضَّالَّة.
وقد خدم العلماء الألفاظ القرآنية التي تسير على هذا القبيل.
ويلخص الدكتور رمضان عبد التواب عوامل نشأة المشترك اللفظي بالاستعمال المجازي، ولم يهتمَّ أصحاب المعاجم بالتفرقة بين المعاني الحقيقية والمجازية للكلمات، والعامل الآخر في نشأته اللهجاتُ؛ وذلك لأنَّ بعض هذه المعاني المجازية نشأ في بيئات مختلفة، ويُضاف إلى هذه العوامل اقتراض الألفاظ من اللغات المختلفة، وينتهي إلى القول بأن المشترك اللفظي لا وجود له في واقع الأمر إلا في معجم لغةٍ من اللغات، أمَّا نصوص هذه اللغة واستعمالاتها فلا وجود إلا لمعنى واحد من معاني هذا المشترك اللفظي (٣) .
стр. 7
٤ - وثمة خدمة جليلة خاصة بمعاني المفردات القرآنية قام بها بعض علماء السلف من المَعْنِيِّين بعلوم العربية، ومن ذلك كتاب ((المفردات)) للراغب الأصبهاني، وكتاب ((عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ)) للسمين الحلبي. ومنهج هذا الضرب من التصنيف هو ترتيب موادِّ الكتاب على منهج أوائل الحروف بعد تجريدها من الحروف الزائدة، كما هو الحال في معجم ((أساس البلاغة)) للزمخشري، ثم تُذْكَرُ المعاني اللغوية الواردة داخل المادة، ويستشهد عليها بآيات من القرآن الكريم.
وتُعْنَى هذه المصنفات بالتعريفات اللغوية، وتُعَدُّ مرجعاً أصيلاً في ذلك، وتَدْعم المعاني التي توردها بالشعر والحديث وأقوال العرب.
ومن ذلك قول الراغب (١) : ((الحدوث كون الشيء بعد أن لم يكن، عَرَضاً كان ذلك أو جوهراً، وإحداثهُ إيجاده. قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (الأنبياء: ٢) ، ويقال لكل ما قَرُبَ عهدُه: مُحْدَث)) ، فعلاً كان أو مقالاً، قال تعالى: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ (الكهف: ٧٠) وكل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه يقال له: حديث)) . وفائدة هذا الضرب من المؤلفات جمع المعاني الواردة للمادة اللغوية الواحدة في كتاب الله، سواء أكانت اللفظة القرآنية اسماً جامداً أم مشتقاً أم فعلاً، فيمر المصنف بجميع
(١) المفردات ١١٠.
стр. 8
، فيمر المصنف بجميع هذه المعاني، ويُمَهِّد لها بمعانيها وتعريفاتها.
٥ - استخدم القرآن الكريم طائفة من الألفاظ ((المُعَرَّبة)) ، وقد تصدَّى علماء العربية لها، وردُّوها إلى أصولها. وقد قرر اللغويون أنه من المتعذِّر أَنْ تظلَّ لغةٌ بِمَأْمَنٍ من الاحتكاك بلغة أخرى، ويعني هذا اقتراض هذه اللغات بعضها من بعض، وتأثير إحداها في الأخرى، وهذا ما حدث للُّغة العربية مع جاراتها من اللغات (١) ، ويُطلق على مثل هذه الكلمات التي أخذتها العربية من اللغات المجاورة مصطلح ((المُعَرَّب)) ، ويعني هذا أن تلك الكلمات المستعارة في العربية لم تَبْقَ على حالها تماماً، كَما كانت في لغاتها، وإنما طوَّعها العرب لمنهج لغتهم في أصواتها وبنيتها، وقد طال الأمد على كثير من هذه الألفاظ في الجاهلية، وأَلِفَ الناس استعمالها، وصارت جزءاً من لغتهم، وجاء القرآن فأنزله الله بهذه اللغة العربية التي أصبح بعض هذا المُعَرَّب من مقوِّماتها، فجاء فيه شيء من تلك الألفاظ التي عَرَّبَها القوم من لغات الأمم المجاورة (٢) .
ومن المصنفات المشهورة في هذا الميدان ((المُعَرَّب)) للجواليقي.
يقول في مقدمته (٣) : ((هذا كتاب نذكر فيه ما تكلَّمَتْ به العرب من الكلام الأعجمي، ونطق به القرآن المجيد، وورد في أخبار الرسول
(١) فصول في فقه اللغة ٣٥٩.
(٢) فصول في فقه اللغة ٣٥٩.
(٣) المعرب ٩١.
стр. 9
صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وذكرَتْه العرب في أشعارها وأخبارها؛ ليُعْرَفَ الدخيل من الصريح، ففي معرفة ذلك فائدة جليلة: وهي أن يَحْتَرِس المشتقُّ، فلا يَجْعل شيئاً من لغة العرب لشيء من لغة العجم)) .
ويتحدث الجواليقي عن المذهب الصحيح الذي يراه في مثل هذه الألفاظ فيقول: ((وذلك أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل فقالوا أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها، فعرَّبَته فصار عربياً بتعريبها إياه، فهي عربية في الحال أعجمية الأصل)) (١) . ونحن هنا لسنا بصدد تحقيق القول في قبول نظرية المعرَّب أو نفيها عن القرآن الكريم، وغرضنا أن نشير إلى ضرب من الخدمة اللغوية التي نهض لها علماء العربية في سبيل لغة القرآن، وتحليل أصولها.
ومن أمثلة ذلك قول صاحب ((المُعَرَّب)) (٢) : ((وإبليس ليس بعربي، وإن وافق ((أَبْلَس الرجلُ)) إذا انقطعَتْ حُجَّتُهُ، إذ لو كان منه لصُرِفَ.
ومنهم مَنْ يقول: هو عربي، ويجعل اشتقاقه مِنْ أبلس يُبْلس، أي: يئس، فكأنه أَبْلَس مِنْ رحمة الله أي: يئس منها، والقول هو الأول)) .
٦ - وبعض دراسات اللغويين اختَصَّ ((بغريب القرآن)) ؛ وذلك لأن القرآن قدَّم للعرب ثروة لغوية واسعة، فاختلف الناس في مستوى أفهامهم لهذه
стр. 10
الثروة، ممَّا جعل اللغويين والمفسرين يعكفون على دراسة الغريب لبيان معانيه، والاستشهاد عليه بشعر العرب وأقوالهم.ومن ذلك كتاب ((تفسير غريب القرآن)) لابن قتيبة، حيث يقول في مقدمته: ((وكتابنا هذا مُسْتَنْبَط من كتب المفسرين وكتب أصحاب اللغة العالمين، لم نخرج فيه عن مذاهبهم، ولا تكلَّفْنا في شيء منه بآرائنا غيرَ معانيهم، بعد اختيارنا في الحرف أَولَى الأقاويل في اللغة وأشبهها بقصة الآية)) (١) .
ويرى الدارسون أن القرآن سبب ظهور علم الغريب بمفهومه العام، وما جرَّ إليه من حركة جمع الشعر والنوادر، وما تبع ذلك من رحلات علمية نشطة إلى البوادي (٢) . ومن الكتب التي وصلَتْنَا في هذا الحقل: كتاب ((الغريبَيْن)) : غريب القرآن وغريب الحديث لأبي عبيد الهروي، و ((بهجة الأريب في بيان ما في كتاب الله العزيز من الغريب)) للتركماني، و ((تذكرة الأريب في تفسير الغريب)) لابن الجوزي. وقد خَدَمَتْ هذه المصنفات كتاب الله بأنها اختَصَّتْ بما يراه أصحابها داخلاً تحت مصطلح الغريب، فيمضون في شرحه وبيان آراء العلماء في دلالته، وقد كان في مصنفات الغريب مادة ذات شأن أفادت منها كتب التفسير عبر القرون؛ وذلك لأنَّ المفسِّر لا بد أن يبدأ بالمعنى اللغوي للمفردة القرآنية قبل الشروع في استنباط الأحكام منها.
стр. 11
ومن ذلك ما قاله ابن قتيبة (١) : ((قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٧٣) أي: ما ذُبح لغير الله، وإنما قيل ذلك لأنه يُذْكر عند ذبحه غيرُ اسم الله فيظهر ذلك، أو يرفع الصوت به، وإهلال الحج منه، إنما هو إيجابه بالتلبية. واستهلال الصبي منه إذا وُلِدَ، أي صوته بالبكاء)) .
٧ - وثمة دراسات في ((الفروق اللغوية)) أفاد منها المفسرون كثيراً، واختلفَتْ وجهات نظرهم في توجيه كثير من الآيات القرآنية. ومن هذه الدراسات ((كتاب الفروق في اللغة)) لأبي هلال العسكري، يقول في مقدمته: ((وجعلت كلامي فيه على ما يُعْرض منه في كتاب الله وما يجري في ألفاظ الفصحاء والمتكلمين وسائر محاورات الناس)) (٢) ، ومن أمثلته في كتابه (٣) : ((الفرق بين الهداية والإرشاد أن الإرشاد إلى الشيء هو التطريقُ إليه والتبيين له، والهداية هي التمكُّن من الوصول إليه، وقد جاءت الهداية للمهتدي في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: ٦) ، فذكر أنهم دَعَوا بالهداية وهم مُهْتدون لا مَحالةَ، ولم يَجئ مثل ذلك في الإرشاد، ويقال أيضاً: هداه إلى المكروه، كما قال تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (الصافات: ٣٣) .
وقد ذهب جماعة من العلماء إلى وجود الترادف في العربية وقالوا:
стр. 12
لا معنى لإقامة البرهان على جوازه بعد تحقُّق وقوعه، وإنكارُ الترادف جاء من تَعَسُّفات الاشتقاقيين، وهذا مذهب كثير من العلماء كأبي زيد والأصمعي وابن خالويه. وذهب آخرون إلى إنكار الترادف التام بين الألفاظ وأنَّ كلَّ ما يلوح باديَ الرأي أنه من المترادفات إنما هو في حقيقته من المتباينات، على اختلافٍ في قَدْر هذا التباين ووضوحه (١) . ومثال تأثير الفروق اللغوية في تفسير القرآن ما قاله الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (التوبة: ٧٨) ، فقد فسَّر الطبري السِّرَّ: بأنه هو ما يُسِرُّونه في أنفسهم من الكفر بالله ورسوله، والنجوى: ما يتناجَوْن به بينهم من الطعن في الإسلام وعَيْبهم لأهله)) (٢) وهذا خلاف ما يقول به بعضهم: مِنْ أن السر والنجوى مترادفان بمعنى واحد. فهذا ضرب جديد من الخدمة اللغوية عني به السلف، وكان له أثر في فهم كثير من الآيات، ودلالة ألفاظها.
٨ - وكتب ((المذكر والمؤنث)) رافد من الروافد اللغوية التي خدمت مفردات القرآن الكريم بتصنيفها حسب استعمال العرب لها مذكرةً أو مؤنثة، وقد حفلت هذه المؤلفات بآيات القرآن الكريم؛ لتكون شاهداً على الحكم الذي ذكرَتْه. وقد عَدَّ الأنباري في كتابه ((المذكر
стр. 13
والمؤنث)) هذا الضرب من التأليف ((مِنْ تمام معرفة النحو والإعراب؛ لأن مَنْ ذَكَّر مؤنثاً، أو أنَّث مذكراً، كان العيب لازماً له، كلزومه مَنْ نصب مرفوعاً، أو خفض منصوباً، أو نصب مخفوضاً)) (١) .
٤ومن أمثلة ذلك قول الأنباري (٢) : ((والنفس إذا أردت بها الإنسان بعينه مذكرٌ، وإن كان لفظه لفظ مؤنث، وتجمع ثلاثة أنفس على معنى ثلاثة أشخاص، أنشد الفراء:
ثلاثةُ أنفسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ ... لقد جار الزمانُ على عيالي
٤فحمله على معنى ثلاثة أشخاص، والنفس إذا أريد بها الروح فهي مؤنثة لا غير، وتصغيرها نُفَيْسة، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (الأعراف: ١٨٩) .
٤ومن أشهر كتب هذا الضرب من المؤلفات كتاب ابن الأنباري، وكتاب المبرد، وكتاب الفراء. وقد تكون ثمة مفردة قرآنية تحتمل التأنيث والتذكير، ومن ذلك قول الفراء (٣) : ((السَّبيل يُؤَنَّث ويُذَكَّر، قد جاء بذلك التنزيل، قال تعالى: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (يوسف: ١٠٨) ، وقال : ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ (الأعراف: ١٤٦) .
٩ - وثمة مصنفات تتصل بعلوم العربية اتصالاً وثيقاً، وتختص بمواضع ((القطع والائتناف في القرآن الكريم)) ، وهو فنٌّ يساعد على فهم
стр. 14
معاني القرآن، وتدبُّر آياته. قال الزركشي (١) : ((وهو فن جليل، وبه يعرف كيف أداء القرآن، ويترتب على ذلك فوائد كثيرة واستنباطات غزيرة، وبه تتبين معاني الآيات)) .
والقطع: هو قطع الكلمة عمَّا بعدها وجوباً أو جوازاً، وحدَّد العلماء للمصطلحات المستعملة مواضع، وهذه المصطلحات هي (٢) : التامُّ والحسن والكافي والصالح والجيد والبيان والقبيح، فمواضع القطع والائتناف مرتبطة بالمعنى والحكم الإعرابي. وأشهر كتب هذا الفن كتاب النحاس، إذ طبَّق قواعد العلم على القرآن مرتبة بحسب السور. يقول في المقدمة (٣) : فينبغي لقارئ القرآن إذا قرأ أن يتفهم ما يقرؤه، ويشغل قلبه به، ويتفقَّد القطع والائتناف، ويحرص على أن يُفْهم المستمعين في الصلاة وغيرها، وأن يكون وَقْفُه عند كلام مُسْتغن أو شبيه، وأن يكون ابتداؤه حسناً، ولا يقف على مثل ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى﴾ (الأنعام: ٣٦) لأنَّ الواقف ههنا قد أشرك بين المستمعين وبين الموتى، والموتى لا يسمعون ولايستجيبون، وإنما أخبر عنهم أنهم يُبعثون)) .
ومن المصنفات التي وصلَتْنا في هذا الباب ((إيضاح الوقف والابتداء
стр. 15
للأنباري)) ، و ((المكتفى في الوقف والابتدا)) لأبي عمرو الداني، و ((منار الهدى في بيان الوقف والابتدا)) للأشموني.
١٠ - وبعض هذه الدراسات المتصلة بعلوم العربية انصبَّ على ((مشكل القرآن)) ، وكان الدافع إليها الحِرْصَ على لغة القرآن، وردَّ المطاعن والشكوك التي أُثيرت حولها (١) . ومن أبرز الكتب في هذا الجانب ((تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة، وقد حدَّثنا عن خدمته للتنزيل العزيز بقوله (٢) : ((وقد اعترض كتابَ الله بالطعن مُلْحدون، ولَغَوْا فيه وهجروا، واتَّبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، بأفهامٍ كليلة، وأبصار عليلة ونظر مدخول، فحرَّفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبله، ثم قَضَوا عليه بالتناقض والاستحالة واللحن، وفساد النظم والاختلاف. فأحبَبْتُ أن أَنْضَحَ عن كتاب الله، وأرمي مِنْ ورائه بالحجج النيرة والبراهين البيِّنة، وأكشف للناس ما يَلْبِسون)) .
وقد بدأ ابن قتيبة موضوعات كتابه بالحكاية عن الطاعنين والردِّ عليهم في وجوه القراءات، وساق زعمهم في وجود اللحن في القرآن والتناقض والاختلاف والمتشابه، وتكرار الكلام والزيادة فيه، ومخالفة ظاهر اللفظ معناه، وعقد باباً سَمَّاه ((تأويل الحروف التي ادُّعي على القرآن بها الاستحالة وفساد النظم)) . ومن أمثلة ما عرضه قولُه: ((فأما
стр. 16
ما نحلوه من التناقض في مثل قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ (الرحمن: ٣٩) ، وهو يقول في موضع آخر: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر: ٩٢) فالجواب في ذلك أن يوم القيامة يكون كما قال تعالى: ﴿مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (المعارج: ٤) ففي مثل هذا اليوم يُسْألون، وفيه لا يُسْألون؛ لأنهم حين يُعرضون يُوقفون على الذنوب ويُحاسَبون، فإذا انتهت المسألة ووجبت الحجة ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ (الرحمن: ٣٧) وانقطع الكلام وذهب الخصام)) (١) .
ويعد باب ((تفسير حروف المعاني)) (٢) من مشكل ابن قتيبة مرجعاً رئيساً في أدوات العربية، حيث بيَّن فيه استعمال الحرف مكان حرف آخر في القرآن الكريم، وكان يرفد حديثه بشواهد من الشعر العربي الفصيح، وكان لدراسته أكبر الأثر في توجيه حروف المعاني في القرآن، وقد ساعده على ذلك تمكُّنه من ناحية العربية، واطلاعه الواسع على لغة العرب.
١١ - وأسهمت ((معاجم اللغة)) المنهجية في بيان المعاني المحتملة للمفردة القرآنية، وأوردت أقوال أهل اللغة في ذلك. ومن المعروف أن عملية الجمع المنظَّم لمفردات اللغة وترتيبها في مصنفات معجمية أفادت
стр. 17
الدراسات القرآنية إفادة واسعة؛ من حيث إنها قدّمَتْ فيضاً من الشواهد والأقوال واللغات التي تدور حول المفردة القرآنية، ولا تخلو هذه المعاجم ولاسيما المطولة منها من تفسير غريب القرآن، وضبط ألفاظه، وبيان لهجات العرب المختلفة.
ومن هذه المعاجم ((تهذيب اللغة)) للأزهري، و ((لسان العرب)) لابن منظور، و ((تاج العروس)) للزبيدي. ومن أمثلة الصلة الوثيقة بين هذه المعاجم وتفسير كتاب الله أن صاحب ((اللسان)) في مادة ((يأس)) تعرضَّ لاختلاف أهل اللغة في معاني اليأس وهل يكون بمعنى العلم؟ وأشار إلى اختلاف المفسرين في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ (الرعد: ٣١) وما ينجم عنه في توجيه الآية، وسَمَّى طائفة من القبائل العربية التي تستعمل اليأس بمعنى العلم، وعرض شواهد من الشعر العربي الفصيح التي تدعم هذا الاستعمال.
والواقع أن باب اللغة واسع، بذل السلف من خلاله جهوداً طيبة أسهمت في فهم التنزيل العزيز وتدبُّر آياته، ولم تنقطع هذه الدراسات عبر القرون والأجيال التالية، وحَسْبُنا من القلادة ما أحاط بالعنق.
стр. 18
المبحث الثاني: عناية المسلمين بالنحو خدمةً للقرآن الكريم
اكتسب المسلمون معارف غزيرة من الوحي الكريم، وكان من ثمار ذلك توجُّههم نحو طلبِ العلم والسعي في مدارسته، ومن هنا جاء الحرص على خدمة القرآن الكريم، بحسب ما توفَّر لديهم من وسائل وقدرات علمية. وإذا كان جَمْعُ القرآن يمثل الخطوة الأولى في سبيل العناية بالقرآن الكريم، فإنَّ وَضْعَ علم النحو يمثل الخطوة الثانية في سبل المحافظة على سلامة أداء النص القرآني، بعد أن أخذ اللحن يشيع على ألسنة الناس (١) ، ولم يكن نزول الوحي الكريم قلباً للجوانب العَقَدية في حياة الناس فحسب، بل كان أيضاً قلباً للعادات اللغوية التي نشؤوا عليها، إذ واجه العرب في قراءة القرآن ظواهر لم يكونوا في سلائقهم التي فُطِروا عليها متفقين، وكان منها تعدُّد اللهجات، واختلافها في القرب مِنْ لغة القرآن أو البعد عنها، ولهذه اللغة من قواعد النطق ما لا يسهل إتقانُه على جميع المتلقِّين يومئذ، ولابد لهم من المران حتى يألفوا النص الجديد (٢) .
وقد أجمع الذين تصدَّوا لنشأة علوم العربية على أن القرآن الكريم كان الدافع الرئيس لعلماء السلف لوَضْع علم النحو والإعراب؛ وذلك لأنَّ ظهور
стр. 19
اللحن وتَفَشِّيه في الكلام، وزحفه إلى لسان مَنْ يتلو القرآن، هو الباعث على تدوين اللغة، واستنباط قواعد النحو منها، وعلم العربية شأنه شأن كلِّ العلوم تتطلبه الحوادث والحاجات (١) ، وليس ثمة من علم يظهر فجأة من غير سابقةِ تفكير وتأمُّل فيما يتعلق به، وهذا قد يستدعي غموض نشأة بعض العلوم ومعرفة واضعها التي ابتدأها.
ويعود التفكير في علم النحو إلى ظاهرة شيوع اللحن والخشية على القرآن منها؛ وذلك لأن رغبة العرب المسلمين في نشر دينهم إلى الأقوام المختلفة أنشأ أحوالاً جديدة في واقع اللغة، ما كان العربُ يعهدونها من قبل، إذ كانت الفطرة اللغوية قبل الإسلام سليمةً صافية. واستمر الحال على هذا في عصر نزول القرآن، بَيْدَ أن الرواة يذكرون أن بوادر اللحن قد بدأت في الظهور في عهد النبي ﷺ .
ومن تلك الروايات أنه سمع رجلاً يلحن في كلامه فقال: ((أَرْشِدوا أخاكم)) (٢) . ويورد الدارسون بعض الروايات على تَسَرُّب اللحن إلى ألسنة الناس في عهد الخلفاء الراشدين، وذلك أثر من آثار اختلاط العرب الفصحاء بغيرهم من الشعوب غير العربية، ممَّا أضعف السليقةَ اللغوية لديهم.
ويروي القرطبي (٣) عن أبي مُلَيكة أن أعرابياً قدم في زمان عمر بن
стр. 20
الخطاب ﵁ فقال: مَنْ يُقرئني ممَّا أنزل على محمد ﷺ ؟ قال: فأقرأه رجلٌ ((براءة)) ، فقرأ ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (التوبة: ٣) بجرِّ ((رسوله)) . فقال الأعرابي: أوقد بَرِئ الله من رسوله؟ فإن يكن الله بَرئ من رسوله فأنا أبرأُ منه. فبلغ عمر مقالة الأعرابي فقدعاه فقال: يا أعرابيُّ، أتبرأ من رسول الله ﷺ ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني قدمْتُ المدينة، ولا علم لي بالقرآن فسألت: مَنْ يقرئني؟ فأقرأني هذا سورة براءة فقال: ((أنَّ الله بريء من المشركين ورسولِه)) فقلت: أوقد بَرِئ الله من رسوله؟ إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه. فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي. قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ قال: ((ورسولُه)) . فقال الأعرابي: وأنا أبرأ ممَّن برئ الله ورسولُه منه، فأمر عمر بن الخطاب ﵁ ألاَّ يُقرئَ الناسَ إلا عالمٌ باللغة، وأمر أبا الأسود فوضع النحو.
ومع مرور الأيام تفشو ظاهرة اللحن في القرآن الكريم، إلى أن أصبحت بلاءً عاماً لا يخلو منه لسان كثير من الفصحاء، حتى الذين تربَّوا في البادية، فقد روى يونس بن حبيب أن الحجَّاج قال ليحيى بن يعمر: أتسمعني ألحن على المنبر؟ قال يحيى: الأمير أفصح من ذلك، فألحَّ عليه فقال: حرفاً. قال الحجَّاج: أياً؟ قال: في القرآن. قال الحجَّاج: ذلك أشنع له، فما هو؟ قال: تقول: ((قل إنْ كان آباؤكم وأبناؤكم ...إلى قوله ﴿أَحَبَّ﴾ (التوبة: ٢٤) ، فتقرؤها ((أحبُّ)) بالرفع، والوجه أن تُقرأ بالنصب على خبر كان (١) .
стр. 21
ويذكر أن الحجَّاج قرأ ((إنا من المجرمون منتقمون)) (١) وكان كثير من أبناء العرب وُلِدوا لأمهات غير عربيات، فنشأ جيل من هؤلاء الأبناء لديه استعداد لكي يلحن في القرآن وغيره، ممَّا جعل الحاجَة تمسُّ للبدء في وضع ضوابط يُعْرف بها الصواب من الخطأ (٢) .
ويمكن أن نضيف إلى هذه العوامل ما شاع في الوسط الاجتماعي الذي تعيش فيه الأمة الإسلامية، إذ كان فيه مجموعة من اللغات المتداولة إلى جانب العربية، منها الفارسية والسريانية، وهذا الوسط الاجتماعي سوف يشهد تزاوجاً طبيعياً بين عناصره من اللغات المختلفة، ممَّا أدى إلى اتساع الفوارق بين اللغة الفصيحة واللغة المحكيَّة (٣) ، ومثل هذه الفوارق تُقلق أصحاب الغَيْرة على لغة القرآن، وبذلك ترتبط نشأة النحو بجذور الحياة الإسلامية في ذلك الزمن.
وتختلف الروايات وتتضارب في تحديد أول مَنْ شرع يُسَجِّل بعض الظواهر النحوية، أو يبني شيئاً من الضوابط الأولية في فهم العلاقات بين عناصر التركيب اللغوي. يقول الزبيدي (٤) : ((فكان أولَ مَنْ أصَّل ذلك، وأعمل فكره فيه أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي ونصر بن عاصم وعبد الرحمن بن هُرْمز، فوضعوا للنحو أبواباً وأصَّلوا له أصولاً، فذكروا عوامل
стр. 22
الرفع والنصب والخفض والجزم، ووضعوا باب الفاعل والمفعول والتعجب والمضاف، وكان لأبي الأسود في ذلك فضل السبق وشرف التقدم، ثم وصل ما أصَّلوه من ذلك التالون لهم والآخذون عنهم، فكان لكل واحد منهم مِن الفضل بحسبِ ما بَسَط من القول ومَدَّ من القياس وفَتَقَ من المعاني وأوضح من الدلائل، وبيَّن من العلل)) .
ومر بنا قبل قليل رواية تُرجع الأمر إلى الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ إذ أمر أبا الأسود بوضع النحو، كما روي عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري، ليوجِّه مَنْ يختاره لتعليم العربية؛ فإنها تدلُّ على صواب الكلام (١) . وذكر صاحب ((مراتب النحويين)) (٢) أن أبا الأسود أخذ النحو عن علي ﵁ لأنه سمع لحناً، فقال لأبي الأسود: اجعل للناس حروفاً، وأشار إلى الرفع والنصب والجر. وذكر صاحب ((نزهة الألباء)) أن عليّاً سمع أعرابياً يقرأ ((لا يأكله إلا الخاطئين)) (٣) فوضع النحو.
ويقول الدكتور محمد خير الحلواني: ((ترجع قيمة أبي الأسود الدؤلي في تاريخ النحو إلى أنه هو أولُ مَنْ اتجه بالدراسة اللغوية إلى الاستقراء والاستنباط، وكانت قبله تقوم على محاكاة الأعراب والاختلاط بهم، وحِفْظ الشعر والأنساب، فتحوَّل بها إلى وضع الضوابط الدقيقة، ورَصْد الظواهر
стр. 23
المتبدِّلة في تراكيب العربية)) (١) .
ارتبطت المعالم النحوية التي تركها أبو الأسود بواقع الحياة اللغوية البسيطة في عصره، وقد عُني في معالمه هذه بدَفع اللحن عن قراءة القرآن، حيث استخرج ضوابط الإعراب بحسب ما توفرَّ لديه من قدرات ووسائل (٢) .
وينفي الدكتور شوقي ضيف (٣) أن يكون لعصر أبي الأسود علاقة بالشروع في بناء الظواهر النحوية. ولسنا في مقام تحقيق هذه النسبة، بيد أنه يهمنا أن نشير إلى إجماع المؤرخين قديماً وحديثاً إلى أنَّ الدافع الرئيس لهذه النشأة إنما هو قراءة القرآن على نحوٍ صحيح، وتَفَشِّي اللحن لدى عامة المسلمين وخاصَّتهم. وقد تحدث ابن خلدون في ((مقدمته)) (٤) عن فساد السليقة العربية ممَّا أدَّى إلى وقوع اللحن في القرآن، وشروع العلماء في حِفْظ اللسان، ولكنه لم يُحَدِّد مَن الذي بدأ هذه الجهود، يقول: ((لمَّا فسدت مَلكة اللسان العربي في الحركات المسمَّاة عند أهل النحو بالإعراب، واستُنْبطت القوانين لحفظها. فاسْتُعْمل كثير من كلام العرب في غير موضوعه عندهم، مَيْلاً مع هِجْنة المستعربين في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية، فاحتيج إلى حِفْظ الموضوعات اللغوية بالكتاب والتدوين خشية الدروس، وما ينشأ عن الجهل بالقرآن والحديث، فَشَمَّر كثير من أئمة اللغة
стр. 24
واللسان لذلك وأَمْلَوا فيه الدواوين)) . فابن خلدون يُنَوِّه بهمَّة علماء اللغة في تدوين ما توصَّلوا إليه من نظرات؛ بُغْيَةَ تيسير تلاوة القرآن وفَهْمه.
وفي موضع آخر من ((مقدمته)) ينصُّ على الدافع الرئيس من وراء هذه الحركة العلمية، فيقول (١) : ((وخشي أهل العلوم منهم أن تَفْسُدَ تلك المَلَكة رأساً ويطول العهد بها، فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا مِنْ مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطَّردة شبهَ الكليات والقواعد، يقيسون عليها سائر أنواع الكلام وبذلك تكون الخطوة الأولى في صَرْح تأسسيس علم النحو بمنزلة ردٍّ مباشر لتسرب اللحن إلى اللسان العربي بعامة، وإلى القرآن بخاصة، ولابد أن يكون قد صاحَبَ ذلك جهود تمثَّلَتْ في تأمُّل اللغة والنظر في مفرداتها وتراكيبها وشواهدها، فنجم عن تلك الجهود النواة الأولى لعلم النحو والإعراب، وكان الشروع في ضوابط العربية مِنْ قِبَل أصحاب النظر في اللغة. وازدهرت لإنجاز هذه المهمة حركة علمية واسعة، وهذا يدلُّ على شعور بالحاجة اللغوية وبروز التناقض بين المثال المتجسِّد في لغة القرآن والواقع الذي صارت إليه اللغة على ألسنة الناس (٢) .
والحقيقة أنَّ كلَّ الروايات التي يسردها المؤرخون مفادُها تعثُّر قَرَأة كتاب الله مِن عامة الناس وخاصتهم، وهي تفسيرٌ لمشاعر الخوف الذي لابس المسلمين مِنْ جرَّاء شيوع اللحن.
стр. 25
ويضاف إلى العوامل السابقة في نشأة النحو الحاجة إلى فهم مناحي التركيب اللغوي ليصار إلى التعامل مع القرآن والاستنباط من أحكامه، وقد عدَّ العلماء الإحاطة بعلوم اللغة والنحو والتصريف من العلوم الرئيسة التي يحتاج إليها المفسِّر لكتاب الله (١) ، ومن هنا نشأ لدى السلف كراهية شديدة تجاه ظاهرة اللحن، وحَضٌّ على اكتساب العربية والتفقه في مواردها، فالخليفة الراشد عمر يقول: ((تَفَقَّهوا في العربية؛ فإنها تُشَبِّب العقل وتزيد في المروءة)) (٢) . وقال أُبَيُّ بن كعب: ((تعلموا العربية كما تتعلَّمون حِفْظ القرآن)) (٣) . وهذا قتادة يقول: ((لا أسأل عن عقل رجل لم يدلَّه عقله على أن يتعلَّم من العربية ما يُصْلح به لسانه)) (٤) ، أما الأصمعيُّ فيخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي ﷺ : "مَنْ كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوَّأ مقعدَه من النار" لأنه لم يكن يلحن، فمهما رَوَيْتَ عنه ولَحَنْتَ فقد كَذَبْتَ عليه)) (٥) .
وهكذا جَدَّ علماء العربية من السلف، واجتهدوا إلى أن أقاموا صرح علمٍ من العلوم الإسلامية التي لا يَسْتغني عنها أحد من طلبة العلم، وأصبحت العربية من الدين نفسه، وأصبح تعلمها لفهم مقاصد الكتاب والسنة قربة إلى
стр. 26
الله، وعد كثير من العلماء تعلُّمها واجباً على المرء. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (١) : ((واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بَيِّناً، ويؤثِّر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق. وأيضاً فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرضٌ واجب؛ فإنَّ فَهْمَ الكتاب والسنة فرض، ولا يُفْهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب)) . وكان أبو عمرو بن العلاء يَعُدُّ العربية من الدين لا تنفصل عنه ولا ينفصل عنها، فبلغ ذلك عبد الله بن المبارك فقال: صدق (٢) .
وبذلك تتضح لنا الصورة بجلاء، فعلوم النحو والصرف والإعراب مرتبطة من حيث نشأتها ونشاط أعلامها، بالحرص على لغة القرآن لكيلا يعروَها لحن، والحرص على فهم معاني كتاب الله وتدبُّر آياته.
стр. 27
المبحث الثالث: عناية المسلمين بالبلاغة خدمةً للقرآن الكريم
علم البلاغة غصن باسق من دوحة علوم العربية، وقد لقي هذا العلم من عناية السلف وجهودهم ما جعله عِلْماً قائماً برأسه؛ ليخدم بيان الوحي المعجز، وتفوُّقه على الأساليب البيانية الأخرى.
ويشير واقع العرب في أوائل عصر نزول القرآن الكريم إلى أن السليقة التي نشؤوا عليها في التذوق الفطري الأصيل وَفَّرَتْ عليهم تحليل مقومات روعة الكتاب العزيز، ثم إنهم لم تكن لديهم الوسائل التي تكفي بلوغ هذا التحليل، على نحو ما تيسَّر للأجيال التالية (١) .
ومع مرور الأيام برزت عوامل جديدة أدَّت إلى إضعاف أثر السليقة في التعامل مع النصوص الأدبية؛ فقد اختلط العرب الفصحاء بغيرهم، ووصلَتْ دعوة الإسلام إلى أقوام مختلفين، كما أثيرت شكوك ومطاعن في بلاغة القرآن وإعجازه، ممَّا جعل الكثيرين لا يكتفون بهذا التفوُّق الذي تُحِسُّه نفوسهم إزاء البيان القرآني، فمضَوا يحاولون استنباط ما يستطيعون استنباطه من وجوه البلاغة فيه، وأصبحت دراستُهم تقوم على الدليل العقلي والحجة وتسويغ مواطن الجمال التعبيري (٢) .
ويُعَدُّ القرآن الكريم هو العامل الرئيس الذي ساعد على الشروع في
стр. 28
الدراسات البلاغية بمختلف اتجاهاتها، وكان هذا العامل أهمَّ البواعث في إثارة الهمم للبحث الجادِّ عن ترتيب وجوه الكلام، والتمييز بين الأساليب ومعرفة الجوانب الجمالية في نسيج تركيب الجملة العربية (١) . ويُجْمع العلماء على أنه بفضل الكتاب العزيز نشأت علوم البلاغة التي أمدَّها النص القرآني بفيض من الأمثلة البديعة في محاسن الكلام وبديع النظم (٢) .
والواقع أن القرآن الكريم أثار منذ اللحظات الأولى لنزوله حركة فكرية عند مُتَلَقِّيه، ممَّا جعلهم يلتفتون إلى ما جاء به في أساليب التعبير والبيان، ويُنَقِّبون عن كنوزها، ويوازنون بين صنوف الكلام المختلفة (٣) . يقول الدكتور حمادي صمود (٤) : ((غدا القرآن القطبَ الذي تدور حوله مختلف المجهودات الفكرية والعقائدية للمسلمين)) .
ولو تساءلنا عن أسباب نشأة علوم البلاغة التي هي المعاني والبيان والبديع، لَتَبَيَّن لنا أنها نشأت للدفاع عن القرآن، والردِّ على الذين أنكروا إعجازه. وقد عُرِفَ العرب بسليقتهم اللغوية أن عجزهم عن الإتيان بمثل القرآن نابع منه؛ بما يتميَّز به من خصائص أسلوبية وبيانية، ولكن مع التأثُّر الجارف بالفلسفات الوافدة ذهب بعض المسلمين إلى ما عُرِفَ بنظرية
стр. 29
الصِّرْفة (١) التي تأثرت بما يقوله الهنود عن كتابهم المقدس ((الفيدا)) ، إذ اعتقد البراهمة أنهم يعجزون عن الإتيان بمثله؛ لأن براهما صرفهم عن ذلك، وفي مقدور الخاصة محاكاته، ولكنهم ممنوعون احتراماً. وذهب إبراهيم النظَّام المعتزلي هذا المذهب، فكان يعتقد أن القرآن ليس في درجة من البلاغة والفصاحة تمنع من الإتيان بمثله، فبلاغته لاتزيد على بلاغة سائر الناس، وهو من جنس كلام البشر. ومثل هذا الرأي دفع علماء المسلمين إلى الخوض في مسائل البلاغة التي تدرس خصائص النص القرآني، ممَّا سيكون له أثر كبير في إغناء المباحث البلاغية، فقد أثمرت أهمَّ نظرية في تراثنا البلاغي وهي نظرية النظم (٢) ، ومن هنا كان الردُّ على النظَّام ونظريته في الصِّرْفة باعثاً مهماً ومنطلقاً لعلماء البلاغة أن يُثْبِتوا تَفَوُّق الأسلوب القرآني على الأساليب البشرية وتميُّزه بصنوف البيان البديع، وهذا الدافع جعلهم يَبُثُّون بذور علم البلاغة وفروعها المختلفة، مما كان أساساً لاكتمال صورتها في مصنفات القرون التالية.
وإذا كان الدافع للاهتمام ببيان القرآن في أول الأمر هو الدفاع عن الكتاب العزيز أمام نزعات الشك وردِّ المطاعن، فإنَّ دراسات جادَّة شرعت في بناء منظومة واسعة، غرضها شرح أوجه إعجاز القرآن ودراسة أسلوبه.
وهذه الدراسات زَوَّدت مسيرة علم البلاغة بفيض من الأصول والأمثلة
стр. 30
التي اعتمدَتْها مصنفات علوم البلاغة فيما بعد القرون الأولى (١) ، وكان اختلاف وجهات النظر في مواطن إعجازه مادةً ثرَّة، رفدت هذه العلوم بروافد تأصيلية في البحث البلاغي والنقد الأدبي (٢) ، وبذلك يتبيَّن لنا أن أهمَّ جانب ساعد على ظهور التفكير البلاغي هو الجانب المتصل بإعجاز القرآن، كما يتبيَّن لنا أن اتساع الدراسات البلاغية وازدهارها إنما كان لخدمة القرآن الكريم.
وتفرع على النظر في أسلوب القرآن واتخاذه المقياسَ البلاغي الأمثل النظرُ في الأساليب الأدبية نثرها وشعرها، والموازنة فيما بينها (٣) . وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى مِن أوائل مَنْ أَلَّفَ فيها، وكان غرضه توضيح الأساليب القرآنية.
ويذكر ياقوت في ((معجم الأدباء)) (٤) رواية عنه يقول فيها: ((قال أبو عبيدة: أرسل إليَّ الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومئة، فقدمتُ إلى بغداد، واستأذنْتُ عليه، فأَذِن لي فدخلتُ عليه ... ثم دخل رجلٌ له هيئة، فأجلسه إلى جانبي، وقال له: هذا أبو عبيدة عَلاَّمة أهل البصرة، أَقْدَمْناه لنستفيد من علمه وقال لي: إني كنت إليك مشتاقاً، وقد سألت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرِّفك إياها؟ فقلت: هات. قال: قال الله
стр. 31
عز وجل ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (الصافات: ٦٥) ، وإنما يقع الوعد والإيعاد بما عُرِف مثله، وهذا لم يُعرف. فقلت: إنما كلَّم الله تعالى العرب على قَدْر كلامهم، أما سمعتَ قول امرئ القيس:
أيقتُلني والمَشْرَفيُّ مُضاجِعي ... ومَسْنونةٌ زُرْقٌ كأنياب أَغْوال
وهم لم يَرَوا الغول قط، ولكنهم لما كان أمرُ الغول يَهولهم أُوعِدوا به، فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل، وعَزَمْتُ من ذلك اليوم أن أضع كتاباً في القرآن في مثل هذا وأشباهه، وما يُحتاج إليه مِنْ عِلْمه، فلمَّا رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سَمَّيْتُه المجاز)) .
ولم تقتصر علاقة القرآن بمنهج البحث البلاغي على الدفاع عنه والتماس وجه إعجازه، بل إن ثمة علاقةً أخرى، وهي الضرورة التي يُحِسُّها المسلم من جهة فَهْم معانيه (١) ، ولا يتمُّ هذا الفهم إلا بالإحاطة بأساليبه، وما يمكن أن ينطويَ وراء تعبيراته من المعاني والمقاصد، على قَدْر طاقة المشتغلين فيه. ومن هنا جال علماء البيان بضروب الأسلوب القرآني، وكان هذا من الحوافز التي وجَّهَتْ أنظارهم إلى الفنون المختلفة للتعبير الفني في الشعر والنثر، فوضعوا مصنفات كثير في هذه الحقول (٢) ، وكانت هذه المصنفات صدىً لبيان خصائص النظم القرآني.
وكان من جملة أغراض البحث البلاغي عندهم إثبات أنَّ ما عُرِف في
стр. 32
أدب العرب من فنون جمالية عالية في التعبير، وقع مثله في القرآن على صورة أجملَ وآنَق، وقد فتحت المصنفات التي تركوها باب البحث البلاغي على مِصْراعَيْه، ووصلَتْ بالذوق البياني إلى كثير من الأصول التي تأسَّسَتْ عليها علوم المعاني والبيان والبديع (١) . يقول الدكتور بدوي طبانة (٢) : ((من النادر أن نجد أثراً من الآثار التي عرضت للبيان العربي خلا من الإشارة إلى القرآن ونظمه، وهذا يؤكِّد بُعْدَ أثر الدراسات القرآنية في نُمُوِّ الدراسات البيانية وتنوُّعها، وعدم انقطاع هذا التأثر في سائر العصور)) .
وعندما ازدهر التصنيف في علوم البلاغة كانت خدمة القرآن الكريم ماثلةً أمام العلماء الذين كانوا يَعُدُّون جهودهم مُنْصَبَّةً في هذا المجال، حتى إننا لا نكاد نجد كتاباً في البلاغة مقصوراً على مباحثها النظرية، وبعيداً عن خدمة القرآن (٣) ، فعبد الله بن المعتز مثلاً عندما شرع في البحث عن صنوف ((البديع)) وفنونه أشار إلى كثير من آيات القرآن، وكان يجعل الشاهد القرآني في مقدمة شواهده، وحين تكلَّم على ما سَمَّاه الجاحظ المذهب الكلامي قال (٤) : ((وهذا بابٌ ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئاً، وهو يُنْسَبُ إلى التكلُّف)) .
وتُرْجِعُ معظم كتب البلاغة سبب تأليفها إلى إطْلاع الناس على مواطن أسرار البيان في القرآن، فالرمَّاني مثلاً يحصر البلاغة في أقسام عشرة هي:
стр. 33
الإيجاز والتشببيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان. ثم يمضي لتفسير كل قسم في ضوء الآيات القرآنية وبيان أسرار الجمال فيها، وذلك في كتابه ((النُّكَت)) (١) الذي يُعَدُّ حلقة مهمة من حلقات التأليف في البلاغة العربية.
وقد بلغ التصنيف في علوم البلاغة غاية بعيدة من النضج والإحكام على يد الإمام عبد القاهر الجرجاني الذي وضع كتابَيْه ((أسرار البلاغة)) و ((دلائل الإعجاز)) ، وكان لهما منزلة عالية من نظج التفكير البلاغي، ويتضح فيهما توجيه علوم البلاغة توجيهاً خالصاً لخدمة القرآن الكريم.
وهذا هو صاحب ((الصناعتين)) يقول في مقدمة كتابه: ((قد علمنا أن الإنسان إذا أغفل علمَ البلاغة، وأَخَلَّ بمعرفة الفصاحة، لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خَصَّه الله به مِنْ حسن التأليف وبراعة التركيب)) (٢) ، بل إن العسكري في كتابه يرى أن أحقَّ العلوم بالتعلُّم وأَوْلاها بالتحفظ بعد المعرفة بالله، علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة، الذي يُعرف إعجاز كتاب الله تعالى الناطق بالحكمة (٣) .
وهذا هو يحيى بن حمزة العلوي يؤلف كتابه ويسميه ((الطراز المتضمِّن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز)) ويتحدث في المطلب الخامس من
стр. 34
كتابه عن بيان غرضه فيقول (١) : ((واعلم أنه يراد لمقصدَيْن: المقصد الأول مقصد ديني، وهو الاطلاع على معرفة إعجاز كتاب الله ومعرفة معجزة رسول الله ﷺ ؛ إذ لا يمكن الوقوف على ذلك إلا بإحراز علم البيان والاطلاع على أسرار البلاغة والفصاحة في غير القرآن في منثور كلام العرب ومنظومه.
ويذكر القزويني في مقدمة كتابه ((التلخيص)) أن موضوع إعجاز القرآن كان السبب في وَضْع الكتاب، ويشير في مقدمته (٢) إلى أن علم البلاغة وما يتبعه مِنْ أجَلِّ العلوم قَدْراً، وأدقِّها سراً؛ إذ به تعرف دقائق العربية وأسرارها، وتُكشف عن وجوه الإعجاز في نظم القرآن أستارها)) .
ومن هنا فإن الدارسين المحدثين لمحوا علاقة علم البلاغة بكتاب الله. يقول الدكتور مازن المبارك (٣) : ((وهكذا نشأت البلاغة وترعرعت تحت راية القرآن والبحث في إعجازه، وهذا البحث هو الذي وصل بها إلى أن تصبح علماً مستقلاً يُخَصُّ بالتأليف، بل لقد ظلَّت البلاغة بعد نضجها واستقلالها أيضاً عالقة بفكرة إعجاز القرآن والدفاع عنها)) .
ويشارك القرآن الكريم في تربية الذوق البياني لدى الفرد، ويُنَمِّي لديه حاسَّة النقد والملكة الأدبية في الكشف عن مواطن الجمال (٤) ، وقد وضع
стр. 35
البطليوسي (١) في شرحه لخطبة ((أدب الكاتب)) غرضَين لطلب الأدب والاهتمام بمدارسته، أحدهما: يقال له الغرض الأدبي، والثاني الغرض الأعلى، فالغرض الأدبي يَحْصُل للمتأدِّب بالنظر في الأدب والشعر، والغرض الأعلى يَحْصُل للمتأدِّب به قوة على فهم كتاب الله وكلام رسوله)) . ولذلك فإن معشر البلغاء والكُتَّاب كانوا حريصين على التزود من مَعين كتاب الله، كما كانوا يُوصون المتأدِّبين بالعكوف على أسلوبه وبيانه؛ ليفيدوا منه في صقل أساليبهم، وترقية بيانهم. يقول عبد الحميد الكاتب (٢) : ((تنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف الآداب وتفقهوا في الدين، وابدؤوا بعلم كتاب الله ثم العربية، فإنها ثِقاف ألسنتكم، ثم أجيدوا الخط فإنه حِلْية كتبكم، وارْووا الأشعار، واعرِفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها؛ فإن ذلك مُعين لكم على ما تسمو إليه هممكم)) .
وهكذا نخلص إلى أن البلاغة العربية في نشأتها وتطورها وثمارها لاتنفكُّ عن القرآن؛ إذ سَعَتْ في خدمة بيانه، وساهمت في شرح إعجازه وبديع نظمه.
стр. 36
المبحث الرابع: عناية المسلمين بالشعر خدمة للقرآن الكريم
للشعر منزلة كبيرة في علوم العربية؛ لأنَّه هيَّأ لها مادة واسعة في سبيل تأصيل مفردات اللغة، وبيان نسيج تركيبها وأوجه استعمالاتها. وقد عني به علماء العربية خدمة للقرآن الكريم؛ لأنه ديوان العرب، وكان له قبل الإسلام منزلة سامية لدى القبائل العربية، كما كان للشعراء مرتبة رفيعة، بَيْدَ أن بيان القرآن المعجز لم يستطع الشعر مغالبته، وصارت الألسنة تلهج بتلاوة النص القرآني الفريد.
ومع أن الناس كانوا يُجْمعون على تفوُّق بيانه لم يهجروا الشعر، بل عَدُّوه عوناً لهم على فَهْم مُعْضِلات القرآن، والوصول إلى معانيه (١) ، ومن هنا صار الشعر وسلية ذات شأن، أصبحت تساهم مساهمة فاعلة في تفسير القرآن، وخدمة جوانبه المتعددة.
والواقع أن العناية بلغة الشعر والاستشهاد بها على غريب القرآن ومفرداته وبيانه، ليست مسألة طارئة على الحياة العلمية في عصر التابعين، وإنما كانت هذه العناية مألوفة عند الصحابة رضوان الله عليهم؛ فقد أورد الزمخشري (٢) رواية عن الخليفة الراشد عمر ﵁، حيث سأل وهو على المنبر
стр. 37
عن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ (النحل: ٤٧) . فقام إليه شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا، التخوُّف التنقُّص. فسأله عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم. قال الشاعر:
تَخَوَّف الرَّحْلُ منا تامِكاً قَرِداً ... كما تخوَّفَ عودَ النَّبْعَة السَّفِنُ (١)
فقال عمر: أيها الناس، عليكم بديوانكم لا يضلُّ. فقالوا: وما ديواننا؟
قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.
وقام حَبْرُ الأمة ابن عباس ﵁ في ميدان الاستشهاد بالشعر على غريب القرآن بجهد متميز، وكان له مجالس واسعة تعقد لهذا الغرض، ويَفِدُ إليه الناس من كل حدب وصوب، وكان يقول (٢) : ((إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر؛ فإن الشعر ديوان العرب)) .
وقال عمرو بن دينار (٣) : ((ما رأيت مجلساً قط أَجْمَعَ لكل خير من مجلس ابن عباس للحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والشعر)) . وتحتفظ مصنفات علوم القرآن بحوار علمي مطولٍ جرى بين أحد زعماء الخوارج وهو نافع بن الأزرق وابن عباس، فقد قال نافع لصاحبه نجدة بن عويمر: قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن والفتيا بما لا عِلْمَ له به. فقاما إليه فقالا: نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسِّره لنا، وتاتينا بمصداقه من
стр. 38
كلام العرب، فإن الله إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين. قال ابن عباس: سَلاني عمَّا بدا لكما تجدا علمه عندي حاضراً إن شاء الله. فقالا: يابن عباس أخبرنا عن قول الله : ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ (المعارج: ٣٧) قال: عزين: حلق الرفاق. قال: وهل تعرب العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص يقول:
فجاؤوا يُهْرَعون إليه حتى ... يكونوا حول مِنْبره عزينا
قال نافع: يابن عباس أخبرني عن قول الله ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (المائدة: ٣٥) قال: الوسيلة: الحاجة. قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت عنترة العبسي وهو يقول:
إنَّ الرجالَ لهم إليك وسيلةٌ ... إن يأخذوك تكحَّلي وتَخَضَّبي
ويمضي نافع يسأل، وابن عباس يُفَسِّر ويستشهد على تفسيره ببيت من الشعر في مئتين وخمسين موضعاً من القرآن (١) ، وقد حقَّق هذه المسائل الدكتور إبراهيم السامرائي بعنوان ((سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عباس)) . يقول الدكتور رمضان عبد التواب (٢) : وبذلك يمكننا أن نَعُدَّ تفسير ابن عباس للقرآن على هذا النحو نواةً للمعاجم العربية، فقد بدأت الدراسة في هذا الميدان من ميادين اللغة بالبحث عن معاني الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم)) . وكان ابن عباس يقول: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها، فالتمَسْنا
стр. 39
معرفة ذلك منه)) (١) ، وبذلك تكون دراسة القرآن الكريم والرغبة في تفسير غريبه وفهم مقاصده سبباً رئيساً من أسباب العناية بالشعر العربي. ومع مرور الأيام تزايدت الحاجة إلى هذا الاتجاه، وتابع هذا المنحى علماء العربية والتفسير، ولا غرابة أن تحفل كتب إعراب القرآن وتفسيرة بمادة غزيرة من الشعر العربي الفصيح، فقد تجاوزت الشواهد الشعرية في كل من البحر والمحيط وجامع القرطبي والدر المصون مثلاً أكثر من خمسة آلاف بيت.
ونجم عن العناية برواية الشعر الكشف عن أسرار الأسلوب القرآني وإعجازه، وتفوُّقه على أعلى مراتب الشعر البليغ الذي كانت العرب تحتفل به أيَّما احتفال، وهي الخبيرة بمواقع النظم الرفيع، وللجرجاني في كتابَيْه ((الدلائل)) و ((الأسرار)) ، وللباقلاني في ((إعجاز القرآن)) ، جولات واسعة في هذا الحقل، حيث وازن هؤلاء الأئمة بين أسلوبَيْ القرآن والشعر، وعرضوا أمثلة وافية؛ وذلك لأنَّ الشعر ديوان العرب نظم فيه أصحابه عصارة بيانهم وصفوة بلاغتهم. ويرى عبد القاهر (٢) أنه لمَّا كان الشعر ديوان العرب كان محالاً أن يَعْرف القرآنَ معجزاً مِنْ جهة فصاحته إلا مَن عرف الشعر. ونودُّ أن نضرب مثالاً من كتاب ((إعجاز القرآن)) للباقلاني يوضِّح من خلاله تَفَوُّق الأسلوب القرآني على أعلى أساليب العرب في الشعر من حيث البلاغة والبيان يقول (٣) : ((ونظم القرآن جنس متميز، وأسلوب متخصص،
стр. 40
وقبيل عن النظير مُتَخَلِّص. فإذا شئتَ أن تعرف عظم شأنه فتأمَّلْ ما نقوله في هذا الفصل لامرئ القيس في أجود أشعاره، وما نبيِّن لك مِنْ عَواره على التفصيل، وذلك قوله:
قفا نَبْك مِنْ ذكرى حبيبٍ ومنزل ... بِسِقْط اللِّوى بين الدَّخول فحَوْمل
الذين يتعصَّبون له ويدَّعُون محاسن الشعر يقولون: هذا من البديع لأنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر العهد والمنزل والحبيب، وتوجَّع واستوجع، كله في بيت وإنما بيَّنَّا هذا؛ لئلا يقع لك ذهابنا عن مواضع المحاسن إن كانت، ولا غفلتنا عن مواضع الصناعة إن وُجِدَتْ)) .
ثم يمضي الباقلاني في نقد قصيدة امرئ القيس التي هي من غُرَر شعره، ويُبَيِّن مواضع سَقْطه، وتخلُّفه عن الأسلوب القرآني ثم يقول (١) : ((فأمَّا نهج القرآن ونظمه وتأليفه ورصفه فإن العقول تتيه في جهته، وتحار في بحره، وتَضِلُّ دون وَصْفِه، ونحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدلُّ به على الغرض، فلو لم يكن بين أيدي الباقلاني وأقرانه مثل هذه القصائد الشعرية لما استطاعوا أن يحققوا قاعدة ((وبضدها تتميز الأشياء)) ؛ وذلك لبيان روعة النظم القرآني وبلاغته، ومن هنا فإن عناية علماء العربية بالشعر عناية هادفة إلى تحقيق مقاصد كثيرة في مجال علوم العربية المتعددة.
وهذه الإفادة الرحبة من المادة الشعرية في سبيل الإحاطة بلغة القرآن مَهَّدَتْ الطريق لكثير من اللغويين للقيام برحلات علمية إلى البوادي لالتقاطها