← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11312

عناية المسلمين بالوقف خدمة للقرآن الكريم

عبد الوهاب أبو سليمان

Полный текст (71 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ال مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فإن الاهتمام بتعليم القرآن الكريم ونشره هو مفتاح التعرف على مبادئ الإسلام وشرائعه من مصدره الأول، كتاب الوحي المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين، المنقول إلى الأجيال اللاحقة بطريق التواتر، فمن ثمّ كان هاجس القادة الفاتحين والخلفاء، والملوك، والسلاطين، والأمراء المسلمين، تعليم القرآن الكريم، ونشره بين أبناء البلاد الذين كتب الله لهم الهداية، فكان الشأن المهم الذي يبادرون إليه قبل كل شيء؛ ذلك أن رسالتهم هي هداية الأمة وإنقاذ شعوبها من الضلال، وما ترسف فيه من أغلال الظلم، وتحريرها من الاستعباد، اقتداء بسنة رسول الله ﷺ في تفقيه حديثي الإسلام وتعليمهم القرآن. " روى الرقيق (١) - مؤرخ القيروان أن موسى بن نصير أمر العرب أن يعلموا البربر القرآن، وأن يفقهوهم في الدين. ونقل غيره: أن موسى بن نصير ترك سبعين رجلاً من العرب يعلمون البربر القرآن، وشرائع الإسلام، وكان عقبة بن نافع ترك فيهم قبله بعض أصحابه يعلمونهم القرآن منهم تابعه (شاكر) ، وغيرهم. وهنا تجدر الإشارة إلى البعثة الدينية المؤلفة من عشرة من وجوه التابعين

стр. 2

التي أرسلها الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى القيروان بقصد تفقيه البربر، وإرشادهم إلى شرائع الإسلام، وتعاليمه العالية، فما كان من هؤلاء المرشدين إلا أن اختطَّ كل واحد منهم داراً لسكناه، وبنى بحذائها مسجداً لعبادته ومجالسه، واتخذ بقربه كُتَّاباً لتحفيظ القرآن، وتلقين مبادئ العربية لصغار أطفال البلد (١) . وقد ظهرت في وقت مبكر من التاريخ الإسلامي الحاجة إلى موارد تكفل للقائمين على تعليم القرآن ونشره، موارد رزقهم، وتكفيهم حاجاتهم، لينصرفوا بكليتهم لتعليم القرآن الكريم، فأصبح رصد الأوقاف، وتحبيس العقارات على المساجد وحلقات القرآن سنة لدى المسلمين على اختلاف حالاتهم الاجتماعية والمادية. يسجل التاريخ " أن الوليد بن عبد الملك في سنة ٨٨هـ وقف بعض القرى والمزارع لمسجد أمية بالشام، ويقال: إن هذا كان أول وقف من نوعه، لأن غلة هذه القرى، والمزارع كانت تصرف للمسجد، ثمّ توسعت مجالات الأوقاف، وشملت مرافق الحياة كلها. وفي أيام الدولة العثمانية اتسعت مساحة الأوقاف كثيراً، وكانت المدارس، والزوايا، والمساجد، وخدمات البلدية، والمستشفيات، وما إلى ذلك، كل هذه كانت تدار بالأوقاف، ويصرف عليها منها" (٢) .

стр. 3

تركز الدراسة هنا على جانب خاص هو خدمة الأوقاف للقرآن الكريم، وهو موضوع جدير بالدراسة، فقد كان تجربة ناجحة ورفيعة في تاريخ الأمة الإسلامية، ومن الصعب، بل من المستحيل الإحاطة الشاملة بهذا الموضوع عبر القرون في البلاد الإسلامية المترامية الأطراف؛ ذلك أن الاهتمام بالقرآن الكريم هو ما دأبت عليه الأمة الإسلامية حتى في أقصى الظروف وأحلكها، فمن ثمّ يكتفي البحث بتقديم نماذج منها، بقدر ما يوضح الصورة. وقد أدى الوقف خلال القرون الطويلة نتائج فاعلة في الحفاظ على القرآن، وتخريج أجيال من القراء والحفاظ، والمفسرين في شرق بلاد الإسلام وغربها، في جميع القرون منذ بدء عصر النبوة المبارك. وإذا كان للماضي تجاربه الناجحة في هذا المجال فمن الواجب إنصاف الحاضر الذي لم يفتقد مَنْ يعمل على هدى وبصيرة من العلماء والمخلصين من أبناء الأمة الإسلامية في النهوض بتعليم القرآن وحفظه في شتى بقاع العالم الإسلامي على مستوى العصر إدارةً، وتنظيماً، وتخطيطاً، فمن ثمّ تخيَّر البحث من بين النماذج للعصر الحاضر الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة.

стр. 4

خطة البحث جاءت موضوعات البحث بعد هذه المقدمة على النسق التالي: الفصل الأول: تطوير العناية بالقرآن الكريم ومؤسساته. الفصل الثاني: مشروعية الوقف على القرآن الكريم. مقاصد الواقفين على القرآن الكريم: أولاً: الوقف على المدارس القرآنية. ثانياً: الوقف على القراء. ثالثاً: الوقف على تدريس القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، أو المذاهب الفقهية. رابعاً: الوقف على خدمة القرآن تلاوةً، وتأسيس مرافق اجتماعية. خامساً: الوقف على قراءة القرآن لهبة ثوابها للآخرين. أ - الوقف على قراءة الربعات بالمسجد الحرام على نظام (الخصفة) . ب - الوقف على قراءة القرآن على الترب (المقابر) . سادساً: الوقف على الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في مكة المكرمة الوقت الحاضر. تمام البحث: خاتمة تلخص أهم النقاط. كما تضمن بعض التوصيات، يليها ملحق بقائمة دور القرآن في دمشق والقاهرة، ثم قائمة المصادر، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله وسلم على من نزل عليه الوحي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

стр. 5

الفصل الأول: تطور العناية بالقرآن الكريم ومؤسساته أولا: جمعه منذ نزوله ... الفصل الأول: تطور العناية بالقرآن الكريم ومؤسساته حظي القرآن الكريم وعلومه باهتمام المسلمين وعنايتهم بما لم يحظ به كتاب سماوي، حفظاً، ودرساً، وشرحاً وتدويناً، ورواية بالتواتر، وقد تجلت هذه المظاهر من العناية الفائقة والإجلال والتعظيم له في مظاهر عديدة، من أهمها: أولاً: جمعه منذ نزوله: تخصص لهذا نفر كريم أمين من أصحاب رسول الله ﷺ لرصد كل ما ينزل به من الوحي. ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: "جمع القرآن على عهد النبي ﷺ أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، فقيل له: "مَنْ أبو زيد؟ " قال: "أحد عمومتي". وفي لفظ للبخاري عن أنس قال: "مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ونحن ورثناه" (١) . "وحكى القرطبي في أوائل تفسيره عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنه قال، بعد ذكر حديث أنس بن مالك هذا،"فقد ثبت بالطريق المتواترة أنه جمع (١) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، كتاب فضائل القرآن، الطبعة الأولى، تحقيق محمد إبراهيم البنا، جدة: دار القبلة للثقافة الإسلامية، بيروت: مؤسسة علوم القرآن، سنة ١٤٠٨هـ/١٩٨٨م، ص٢٢.

стр. 6

القرآن: عثمان، وعلي، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو ابن العاص. فقول أنس: لم يجمعه غير أربعة يحتمل أنه لم يأخذه تلقياً مِنْ في رسول الله ﷺ غير هؤلاء الأربعة، وأن بعضهم تلقى بعضه عن بعض. وقال:"وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي ﷺ لأجل سبقهم إلى الإسلام، وإعظام الرسول لهم". قال القرطبي:"لم يذكر القاضي ابن مسعود، وسالماً مولى أبي حذيفة، وهما ممن جمع القرآن" (١) . وقد عدّ العلماء أنَّ من أحسن، وأجلّ، وأعظم ما فعله أبو بكر الصديق جمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتى تمكن القارئ من حفظه كله (٢) . يقول العلامة ابن كثير تعليقاً على ما تقدم: "فجمع الصديق الخير، وكشف الشر ﵁، ولهذا روى غير واحد من الأئمة...عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين" (٣) .

стр. 7

ثانياً: حفظ القرآن الكريم واستنباط علومه: منذ تلك الآونة عكف المسلمون على القرآن تعبداً وتعلماً، ودراسة، فاستنبط منه العلماء علوماً عديدة، واشتقوا منه فنوناً رفيعة على مدى القرون، فألفت فيه المؤلفات الواسعة، ولا يزال العلماء في المجال العلمي الشرعي يستخرجون أسراره، ويكتشفون دقائقه، دون توقف لتياره المعرفي، ومعجزاته التي لا تنتهي.

стр. 8

ثالثاً: دور المساجد في العناية بالقرآن الكريم . المساجد هي ساحات الدرس والتعليم، والمكان المناسب لتعليم القرآن ودراسة علومه، ومدارسته. وقد شهدت الأمصار الإسلامية عبر العصور الإسلامية المختلفة نهضة علمية بالعلوم الإسلامية، وبخاصة القرآن وعلومه، وكان من وراء هذا بعد توفيق الله علماء صدقوا ما عاهدوا الله عليه من الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، ومن بعدهم من علماء الأمة في كل عصر وجيل حتى وقتنا الحاضر. إن الرمز الأول الذي حقق المعنى وجَسَّده دروس حبر الأمة عبد الله بن العباس ﵄ في ساحات المسجد الحرام، فقد تخصص في العناية بالقرآن الكريم تفسيراً، وتأويلاً، وكان المرجع لعلماء الأمة، تحقيقاً للدعوة النبوية المباركة: "اللهم فقهه في الدين وعلِّمه التأويل" (١) ،فقد كان ﵄ يعقد حلقة درسه في التفسير والحديث، والأدب والمغازي والسير، وأيام (١) هو التفسير، وهو اصطلاح ابن جرير في تفسيره، حيث يقول:" القول في تأويل قوله تعالى، ثمّ يذكر تفسير الآية.

стр. 9

العرب وأشعارهم بالمسجد الحرام. وكان لحلقته بالمسجد الحرام الفضل في تأسيس مدرسة في علم التفسير لها خصائصها وأعلامها من كبار التابعين مثل عطاء بن أبي رباح الذي خلفه في حلقة العلم تفسيراً، وفقهاً وفتيا، ثمّ صارت هذه الحلقة لابن جريج، وقد تخرج فيها كثيرون، وبرغم وفاة ابن عباس سنة ٧٨هـ ظلت مدرسة مكة قائمة يتلقى أبناؤها العلم طبقة بعد طبقة (١) . ولئن صح هذا عن المسجد الحرام وأثر حلقات العلماء فيه على تطور النهضة العلمية بالقرآن الكريم وعلومه، وهو المحور الأساس في التعليم الإسلامي، إنه لصحيح أيضاً وصادق في حق كافة الأمصار والمدن الإسلامية التي انتشر فيها الصحابة رضوان الله عليهم، فورَّثوا القرآن وعلومه إلى أجيال التابعين وتابعي التابعين وإلى مَنْ بعدهم، حتى وصل إلينا القرآن الكريم محفوظاً من التغيير والتبديل، تقرؤه أجيالنا كيوم نزوله على نبينا محمد ﷺ . وتُبرز الدراسات العلمية الموثقة فيما يخص أثر المساجد في المحافظة على القرآن الكريم والعناية بعلومه، أنه لم يتوقف بنشوء المدارس وتأسيسها فيما بعد، والمسجد الحرام بحلقاته العلمية أنموذج صادق على أهمية هذه الحلقات العلمية في القرنين السابع والثامن للهجرة، بل ظل على مدى القرون الإسلامية، يزدحم برجال الحديث والقراء وأصحاب الفتيا، وظلت حلقاتهم تتدبر تفسير آيات الذكر الحكيم، وأخذ اتساع الحلقات يتضاعف في مواسم

стр. 10

الحج، ولا يخفى أن المقصود بالحلقات هنا، ذلك هو النظام التعليمي القائم على إحاطة الطلاب بشيخهم، وهو نظام يعود إلى العصر النبوي. وقد استمر هذا الشكل بعد إنشاء المدارس الإسلامية" (١) . وكان إلى جانب هذا النوع من التعليم الحر في مناهجه، وأوقاته، المدارس والمؤسسات العلمية المنتشرة بمكة المكرمة، والتي كان من أعظم اهتماماتها تعليم القرآن حفظاً وتجويداً وتفسيراً، إذ هو القاعدة العلمية المتينة التي تكوِّن العالم الشرعي على أسس ثابتة.

стр. 11

رابعاً: الزوايا جمع زاوية، وزاوية البيت ركنه، وتزوي صارفيها (١) . وأصبحت تطلق عرفاً على المسجد الصغير الذي يخلو فيه الناس للعبادة كما كان الحال في الماضي في مكة المكرمة، وكان لكل زاوية شيخ يقوم بشؤونها، وتعليم القرآن فيها (٢) . أما في الغرب الإسلامي بلاد المغرب والأندلس فإنه: "يطلق على مجموعة البنايات المستخدمة لأغراض دينية، وتعليمية، واجتماعية، وذلك منذ القرن الخامس للهجرة/الحادي عشر للميلاد" (٣) .

стр. 12

وقد أدَّتْ الزوايا في البلاد الإسلامية وظائف تعليمية، ودينية جليلة، وأسهمت إسهاماً كبيراً في نشر القرآن تعليماً، وحفظاً ومدارسة، وقامت بآثار جليلة في تربية الناشئة. إن تخطيط هذه الزوايا ومكوناتها يعطي تصوراً كاملاً عن الوظائف التي تؤديها، وهي وإن اختلفت من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر فإنها تجتمع كلها في الأهداف التي بنيت من أجلها. يتحدث الأستاذ الدكتور ناصر الدين سعيدوني عن طبيعة تنظيم الزوايا ببلاد القبائل بالجزائر فيقول: "وتشتمل الزوايا بالبلاد الجزائرية، وخاصة بمنطقة القبائل على مجموعة بناءات تتوزع على المرافق الضرورية للزاوية، فهناك مكان مخصص لحفظ القرآن وتلاوته (قراءة الحزب) ، وأداء فريضة الصلاة، وهو بمثابة مسجد الزاوية، ومكان آخر للدراسة يعرف عادة بالعمرة، وقد تقتصر الزاوية عليه فتعرف بالعمرة، وبالإضافة إلى دار للضيافة، وغرف لإيواء الطلبة، وبناء لاستقبال الزوار والضيوف، وملحق لإقامة أهل الزاوية، أو لسكن القائمين عليها، وغير بعيد عنهم المصالح الضرورية من مطبخ وإسطبل، ومخازن لحفظ المؤونة، ورحى لطحن الحب، ومعصرة لعصر الزيت وغيرها إن الزاوية بهذه المواصفات أصبحت بمثابة مجمع متعدد الخدمات، فهي المسجد، والمدرسة، والملجأ، والمأوى، والمزار، الأمر الذي جعلها محور الحياة الروحية، والثقافية وحتى الاجتماعية في الوسط الريفي ببلاد القبائل" (١) .

стр. 13

القرآن الكريم هو الأساس الذي يقوم عليه التعليم بالزوايا في كل حواضر الإسلام وقراه، والكثير من العلوم والمعارف الدينية (١) . هذه هي الصورة العامة للزوايا في معظم البلاد الإسلامية، وبخاصة في عهد الخلافة العثمانية، وهو ما لاحظه الباحثون من خلال استقراء النشاط العلمي للزوايا في عهد العثمانيين فقد "كثر عدد الزوايا في القيروان خلال العصر العثماني، ولقي بناؤها تشجيعاً من الحكام، بل إن بعضهم ساهم في إنشاء العديد منها، ووقفوا عليها العقارات الكثيرة، وأعفوا بعضها من أداء العشر، وخصصوا لها جرايات دورية" (٢) . كان للحرمين الشريفين منها نصيب كبير، ومما يؤكد هذا أن العلامة المحدث الشيخ محمد حسين العجيمي المكي المتوفى عام ١١١٣هـ خصَّها بمؤلف مستقل بعنوان (خبايا الزوايا) ،وكان لها وظائفها التعليمية والدينية، والأوقاف الجليلة التي تسد احتياجاتها، وتغني القائمين عليها ليتفرغوا للوظائف التعليمية والدينية المنوطة بهم.

стр. 14

خامساً: الكتاتيب: عادة ما تكون في زوايا وأماكن خاصة، وتلحق أحياناً ببعض المساجد، ولهذا النوع من المؤسسات التعليمية أثر كبير في تعليم القرآن ونشره في القرى والمدن، وبين طبقات المجتمع المختلفة، يعود لها الفضل الكبير في تعليم

стр. 15

الصبيان، وتحفيظهم للقرآن الكريم في البلاد والقرون الإسلامية كافة. لها أثر مشهود، ودور كبير مهم لا ينكر في تعليم الصبيان، وتلقينهم القرآن، فهي أول ما يستقبل الصبي المسلم، وهي أول ما تنقش على صفحات صدره البيضاء النقية آيات الذكر الحكيم التي تظل راسخة في ذاكرته مدى الحياة.

стр. 16

سادساً: تأسيس المدارس القرآنية في الأمصار الإسلامية: تطورت مظاهر الاهتمام بالقرآن الكريم مع تطور الحياة في المجتمع الإسلامي، فبدأت تستقل بدورها، وأصبح للوقف الإسلامي أثر كبير في نشاطها، والقيام بما ينبغي لاستمرار أداء إرسالها، وإغناء القائمين عليها بما يكفل لهم حياة معيشية رخية، وتطوير مرافقها، وتشجيع الطلاب المنتسبين إليها. وقد أسهم في تأسيس هذه المدارس، ورصد الأوقاف عليها طبقات المجتمع كافة من الملوك، والسلاطين، والأمراء، والأثرياء، ومتوسطي الحال على مدى التاريخ الإسلامي حتى وقتنا الحاضر، فكان من ثمار هذا الاهتمام والإسهام إنشاء مدارس لتدريس العلوم الإسلامية، وفي مقدمتها القرآن وعلومه، وأنشئت دور ومدارس للقرآن بخصوصه. يؤرخ لهذا الظاهرة العلمية الحضارية العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي بن عبد القادر العبيدي المقريزي قائلاً: "والمدارس مما حدث في الإسلام، ولم تكن تعرف في زمن الصحابة ولا التابعين، وإنما حدث عملها بعد الأربعمائة من سني الهجرة، وأول من حفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور، فبُنيت بها

стр. 17

مدرسة البيهقية وأشهر ما بني في القديم المدرسة النظامية ببغداد، لأنها أول مدرسة قرر بها للفقهاء معاليم، وهي منسوبة إلى الوزير نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي وزير ملك شاه بن ألب أرسلان في مدينة بغداد، وشرع في بنائها في سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وفرغت في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وأربعمائة" (١) . فمن ثم انتشرت المدارس في جميع أصقاع العالم الإسلامي متطورة في تخطيطها، وتنظيمها، ومناهجها حتى عصرنا الحاضر.

стр. 18

سابعاً: تأسيس جمعيات تحفيظ القرآن الكريم في العصر الحديث: تطور الاهتمام بالقرآن الكريم والعناية به في العصر الحديث من النشاط المحدود الذي يقتصر على تأسيس مدرسة محدودة المكان، محدودة الإمكانات والموارد، محدودة الطلاب والأساتذة، إلى نشاط أوسع من حيث أماكن التدريس، وبإمكانات مادية، ووقفية من مصادر متعددة، وأعداد متزايدة للطلاب، والمدرسين، والمشرفين، وبأجهزة إدارية كاملة تعليمية، ومحاسبية، وإشراف، لها أنظمتها وقوانينها، وبأهداف وطموحات غير مسبوقة في مناهج المدارس القرآنية القديمة. هذا التطور في الكم والكيف هو الصورة السائدة التي يحظى بها القرآن

стр. 19

الكريم في المملكة العربية السعودية التي انبثقت فكرتها من مكة المكرمة عام ١٣٨٢هـ، وإخاله كذلك في جميع البلاد الإسلامية في الوقت الحاضر. "إن فكرة إنشاء الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة كانت في شهر شعبان سنة ١٣٨٢هـ عندما وصل من الباكستان فضيلة الشيخ محمد يوسف سيتي الباكستاني ﵀، حيث طرح هذه الفكرة على أعيان مكة المكرمة وعلمائها فلقيت منهم ارتياحاً واستحساناً ثم رفعوا هذه الفكرة إلى المسؤولين في هذه البلاد المباركة، فشجعوا العمل النبيل، والمشروع الحسن، وكان على رأسهم معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ وزير المعارف آنذاك ﵀، ومعالي الشيخ محمد سرور الصبان، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي آنذاك ﵀، ومعالي الشيخ محمد سيتي الذي كان يتحمل ثلث رواتب المدرسين بالجمعية. وكان من أعضائها وممن تولى رئاستها بعد وفاة الشيخ محمد يوسف سيتي الباكستاني ﵀ عدد من علماء مكة المكرمة الذين بذلوا جهوداً طيبة في العناية بالقرآن الكريم" (١) ، وللجمعية عدة فروع: فرع محافظة جدة، فرع محافظة الطائف، فرع وادي ليه، فرع محافظة رنية، فرع محافظة تربة. تتابعت بعد هذا جمعيات تحفيظ القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية متبعة في هذا المنهج السوي الذي خطته لنفسها الجمعية الأولى الرائدة جمعية تحفيظ القرآن الكريم في مكة المكرمة، وهي في المناطق التي سميت بها كالتالي: أولاً: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة المدينة المنورة، وتأسست

стр. 20

عام ١٣٨٣هـ ويتبع الجمعية فرعان أحدهما في العلا، والآخر في محافظة ينبع. ثانياً: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة الرياض، أسست عام ١٣٨٦هـ، ولهذه الجمعية فرعان: ١- فرع محافظة المجمعة. ٢- فرع تمير وتوابعها. ثالثاً: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة القصيم. رابعاً: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة عسير. خامساً: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالمنطقة الشرقية. سادساً: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة تبوك. سابعاً: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة حائل. ثامناً: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة الحدود الشمالية. شملت نشاطات هذه الجمعيات الاهتمام بالبنين والبنات، سواء في بنايات مدرسية خاصة بالجمعيات، أو في المساجد بعد صلاة العصر بعد خلو المسجد من المصلين (١) ، معتمدة في تمويل نفقاتها ونشاطاتها على الأوقاف والتبرعات من ولاة الأمر والمواطنين.

стр. 21

الفصل الثاني: مشروعية الوقف خدمة للقرآن الكريم ومقاصد الواقفين مدخل ... الفصل الثاني: مشروعية الوقف خدمة للقرآن الكريم ومقاصد الواقفين (١) يعد الوقف الخيري والأهلي من الصدقة الجارية التي يستمر أجر صاحبها حياً وميتاً، بل في أوليات ما حثّ النبي ﷺ عليه في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم، وأصحاب السنن. يعظم الأجر والثواب بعظم المقصود وإذاعته ونشره، ويتضاعف الأجر على قدر من ينتفع به، إن تعليم أبناء المسلمين لأمور الدين، وفي مقدمة ذلك القرآن الكريم من أعظم المقاصد الشرعية، بل هو أعظمها، وتعليمه للصغار يطفئ غضب الرب وعلا. يقول العلامة الفقيه أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني ﵀ في شأن تعليم الأطفال، وترسيخ المعاني الفاضلة وأثرها في نفوسهم بدءاً بالقرآن الكريم العظيم: "اعلم أن خير القلوب أوعاها للخير، وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه، وأوله ما عُني به الناصحون، ورغب في أجره الراغبون إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين، ليرسخ فيها، وتنبيههم على معالم الديانة، وحدود الشريعة ليراضوا عليها، وما عليه أن تعتقده من الدين قلوبهم،

стр. 22

وتعمل به جوارحهم، فإنه روي أن تعليم الصغار لكتاب الله يطفئ غضب الرب، وأن تعليم الشيء في الصغر كالنقش في الحجر" (١) . لتعليم الصغار العلمَ ثواب، ولتعليمهم القرآن مضاعفة الثواب بقدر الحروف المقروءة منه، فقد روي عنه ﷺ قوله: " اتلوا هذا القرآن فإن الله يأجركم بالحرف منه عشر حسنات، أما إني لا أقول (ألم) حرف، ولكن الألف حرف، واللام حرف، والميم حرف" (٢) . وغير هذا من الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي فيها فضل العناية بالقرآن الكريم وقد ظلَّ هذا الحافز الأكبر للمسلمين في غابر الزمان، وحاضره، ومستقبله ليصبح الإنفاق على خدمة القرآن أعظم الأعمال أجراً، وتقرباً إلى المولى جل وعلا. إن التاريخ الإسلامي يحتفظ بصفحات مشرقة من سخاء الخلفاء، والملوك، والسلاطين، وأثرياء المسلمين بما رصدوه من الأموال والعقارات على التعليم بعامة، وعلى تعليم القرآن ونشره بخاصة فـ "منه يتشعب علم الأولين والآخرين كما يتشعب عن سواحل البحر الأحمر أنهارها، وجبولها..." (٣) . فهو الأحق بالعناية والاهتمام، وأجدر أن يسخو الموسرون بأموالهم لتعليمه، ونشره بين المسلمين، خدمة له، وإذاعة لهديه وفضائله، ليستقيم أمر الأمة، ويعلو شأنها بين الأمم، هديه سبيل إسعادهم في الدنيا والآخرة، هم بهذا يحققون قول الله تعالى ﴿إنا نحن نَزَّلنا الذكر، وإنا له لحافظون﴾ .

стр. 23

مقاصد الواقفين على القرآن الكريم أولا: الوقف على المدارس القرآنية ... مقاصد الواقفين على القرآن الكريم أدرك المسلمون في وقت مبكر من تاريخهم أهمية الأوقاف لاستمرار أعمال البر وديمومتها، خصوصاً في المرافق التعليمية والدينية كالمدارس، والمساجد والاجتماعية كالملاجئ والمستشفيات. هذه الأوقاف على تلك المرافق تكفل لها الاستمرار تبعاً لرغبات الواقفين ومقاصدهم المشروعة، يقول الأستاذ محمد بن عبد العزيز بن عبد الله في دراسته القيمة عن (الوقف في الفكر الإسلامي) بأنه: "أهم مورد مالي رصد لحياة المسجد ليستمر بكل ما يتعلق بالشؤون الإسلامية، ودور تحفيظ القرآن الكريم. فهذه كمؤسسة (الوقف) كانت وما تزال أهم مورد لشؤون الدين، وللتعليم الإسلامي على الإطلاق، وأكثرها دخلاً وإدراراً، وإليها يرجع الفضل في بقائه واستمراره أحقاباً وقروناً، وفي انتظام الحياة العلمية والدراسية في جامعات الإسلام وكلياته" (١) ومؤسساته. يثبت الاستقراء التاريخي أن مقاصد الواقفين على خدمة القرآن الكريم متنوعة ومتعددة، لا تخلو أن تكون واحداً من المقاصد التالية: أولاً: الوقف على المدارس القرآنية. ثانياً: الوقف على القراء. ثالثاً: الوقف على مدارس تضم إلى تعليم القرآن تدريس الحديث النبوي الشريف أو المذاهب الفقهية، أو بعض العلوم الأخرى.

стр. 24

رابعاً: خدمة القرآن تلاوة، وتأسيس مرافق اجتماعية. خامساً: الوقف على قراءة القرآن لهبة الثواب للآخرين أحياء، أو أمواتاً. (قراءة الربعات بالمسجد الحرام) ، الوقف على قراءة القرآن على المقابر والحكم الشرعي في هذا. هذا معظم ما كان شائعاً من الأوقاف في خدمة القرآن الكريم في جميع أقطار البلاد الإسلامية. أما وقد تغيرت الأمور في العصر الحديث فأصبحت للعصر تنظيماته وخططه التي تتباين عما كانت عليه في الماضي، فإن الاهتمام بالأوقاف في خدمة القرآن الكريم أخذ اتجاهاً آخر في معظم البلاد الإسلامية، وهو طريق التنظيم، والتخطيط، والعمل الجماعي، وقد توجه الغُيُر من الأمة الإسلامية نحو هذا فنتج عنه: سادساً: إنشاء الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم. وفيما يلي نماذج تفصيلية عن كل مقصد من هذه المقاصد. أولاً: الوقف على المدارس القرآنية الهدف الأساس من إنشاء المدارس القرآنية هو تعليم أبناء المسلمين للقرآن الكريم حفظاً، وتلاوة وتجويداً، وفهماً لمعانيه. يكاد يكون هذا المقصد الوحيد والأمل المنشود من قبل المؤسسين لهذه المدارس طمعاً في الأجر والثواب من الله عزوجل. انتشر هذا النوع من المدارس المتخصصة بالقرآن الكريم، وأسهم في تأسيسها القادرون من أبناء المجتمع الإسلامي، كل على قدر استطاعته

стр. 25

وإمكاناته، وكان للعواصم العلمية الإسلامية: مكة، والمدينة، ودمشق، وبغداد، وقرطبة، والقاهرة، وفاس، وتونس وغيرها الحظ الأوفر من هذه المدارس، وقد خصصت لها أوقاف من العقارات والضياع والقرى بما يغني القائمين عليها، والدارسين فيها عن الحاجة، والانشغال بأمور المعاش. في صدر الحديث عن هذا الجانب بالنسبة للحرمين الشريفين مكة والمدينة يتملك المرء الإعجاب والتقدير لعظم الأموال الثابتة والمنقولة والموقوفة المخصصة لهذه المدارس في بلاد الحرمين الشريفين، وخارجها في البلاد الإسلامية الأخرى. يقول العلامة المؤرخ الأستاذ محمد عمر رفيع المكي، وشهادته في هذا الصدد عن رؤية ومشاهدة قائلاً: "ولنعد الآن نذكر ما وفق الله إليه المسلمين وملوكهم، وأولي الثراء منهم من بناء المدارس، والمساكن لطلبة العلم، والمجاورين بمكة، بل ولمن يَفِدُ من ممالكهم ليسكنوها زمن أدائهم للفريضة مجاناً، ولو أردنا استيعاب ذلك كله لطال بنا القول، ولكن سأذكر بعض ما شهدته قائماً من دور شيدت لطلبة العلم، ونزلٍ للحجاج، والمجاورين، وغير ذلك من أعمال البر والرعاية، وإني لأعتقد جازماً أن جميع ما كان ملتفاً حول المسجد من مبانٍ ودور كانت كلها أو جلها من الأوقاف التي خصصت للعناية بالعلم وطلبته" (١) . وهذه الصورة من صور الاهتمام بالمدارس القرآنية في مكة المكرمة تماثلها تماماً بقية البلاد الإسلامية، ويمكن الاستشهاد على صحة هذا بما كتبه (١) مكة المكرمة في القرن الرابع عشر الهجري، الطبعة الأولى، (مكة المكرمة: نادي مكة الثقافي، ١٤٠٤هـ/١٩٨٤م) ، ص٩٩.

стр. 26

العلامة المحقق الأستاذ محمد صلاح الدين منجد تنويهاً بسخاء الواقفين على المدارس القرآنية بدمشق، وإشادة بمكرماتهم، وتجسيداً لعطائهم: "وقد وقف أولئك جميعاً على هذه المدارس المتعددة المختلفة أوقافاً وافرة من الأموال، والقرى، والضياع، والبساتين، والحوانيت، والخانات، والقاعات حتى أصبحت دمشق وأرباضها أوقافاً لهذه المدارس المبثوثة في كل حي من أحيائها، بل في كل درب من دروبها، فكانت هذه الأوقاف تدرُّ المال عليها، وترغب الطلاب في التعلم بها، والشيوخ في التعليم بها، لا يشغل بالهم أمر الدنيا، وطلب المعاش" (١) .

стр. 27

ثانياً: الوقف على القراء: مكة المكرمة مهبط الوحي، جديرة بأن تهتم معاهدها ومؤسساتها بالقرآن ودارسيه، لم يفت الخلفاء، والملوك، والسلاطين هذا المعنى، فكانوا يتسابقون إلى بناء المدارس القرآنية وغيرها، وتشجيع القائمين عليها من القراء، والمعلمين، والفقهاء، وفي العهد القريب لمس المسلمون "مزيد اهتمام الخلفاء العثمانيين، وكثرة القيام بخدمة الحرمين الشريفين، والبلدين المنيفين، والاعتناء بمصالحهما، وما يتعلق بهما، ويتعبدون بذكرهما، ويبجلون أهلهما" (١) وقد سجل التاريخ لهم من هذا مكرمات رفيعة. كان هذا شأن من قبلهم ومن

стр. 28

بعدهم ممن كانت لهم ولاية على الحرمين الشريفين. يقدم البحث فيما يلي بعضاً من عناية السلاطين المسلمين بالقرآن الكريم نسخاً بأيديهم، وتحبيس الضياع والعقارات على القراء، وتلاوة القرآن الكريم في مكة المكرمة: سجل التاريخ نماذج عديدة للملوك وسلاطين المسلمين وأمرائهم صفحات مشرقة، صريحة في اعتنائهم بالقرآن الكريم، واهتمامهم به. من مظاهر هذا الاهتمام نسخه بأيديهم، ومن ثم إهداؤه إلى البلاد المقدسة مكة المكرمة، والمدينة المنورة وبيت المقدس، ليس هذا فحسب بل إنهم يوقفون العقارات، ويقدمون المكافآت السخية للقراء والمدرسين، والمهتمين بتعليم القرآن وتعلمه. "في سنة ٧٣٨هـ بعث السلطان أبو الحسن علي بن عثمان بن يعقوب صاحب فاس إلى مكة مصحفاً كتبه بخطه، وأخرج من خزائنه أموالاً عينها على شراء الضياع بالمشرق لتكون وقفاً على القراء فيها. قال الشيخ أحمد بن خالد الناصري السلاوي في كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى: انتسخ السلطان أبو الحسن المصحف الكريم بيده ليوقفه بالحرم الشريف، حرم مكة؛ قربة إلى الله تعالى وابتغاء للمثوبة، وجمع الوراقين لتنميقها، وتذهيبها، والقراء لضبطها، وتهذيبها، وصنع لها وعاءً مؤلفاً من الآبنوس، والعاج، والصندل، فائق الصنعة، وغشي بصفائح الذهب، ورصع بالجوهر، والياقوت، واتخذ له أَصْوِنة (١) الجلد، ومن فوقها غلائف الحرير، والديباج،

стр. 29

وأغشية الكتان، وأخرج من خزائنه أموالاً عينها لشراء الضياع بالمشرق لتكون وقفاً على القراء فيها" (١) . "ثم انتسخ السلطان أبو الحسن نسخة أخرى من المصحف الكريم على القانون الأول، ووقفها على القراء بالمدينة، وبعث بها من تخيره لذلك العهد من أهل دولته سنة أربعين وسبعمائة، وفعل مثل ذلك بحرم بيت المقدس. قال العلامة أبو العباس المقري في نفح الطيب: كان السلطان أبو الحسن المديني قد كتب ثلاثة مصاحف شريفة بخطه، وأرسلها إلى المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، ووقف عليها أوقافاً جليلة" (٢) . ومن هذه النماذج الرفيعة في العناية بالأوقاف في خدمة القرآن الكريم أوقاف السلطان مظفر شاه الكجراتي على القراء بمكة المكرمة في المدرسة شاهية المظفر يكتب المصحف الشريف بخط يده يودعه في المدرسة المظفرية: في عام ٩٢٥هـ اشترى وكيل السلطان مظفر شاه الكجراتي بمكة المكرمة بيوتاً عديدة بلغت قيمة جميعها ستة آلاف ومائتين وخمسين ديناراً، وأوقفها على القراء في المدرسة شاهية المظفر. بعث السلطان مظفر شاه الكجراتي بنسخة المصحف الشريف التي نسخها بيده مع وفد رفيع المستوى من رجال دولته، وما إن وصل خبر وصول مراكب الهند إلى جدة وفيهم وفد السلطان حتى فرح الناس فرحاً

стр. 30

شديداً، واحتفل بمقدمهم في ثاني يوم دخولهم، ونزل ناخوذة الشاهي (١) حاملاً على رأسه بالمصحف الشريف الذي وصل به معه بخط السلطان مظفر شاه صاحب الصدقة العظيمة وأمر بوضع المصحف في المسجد الحرام. يقول العلامة جار الله بن العز بن فهد: "وأما الصدقة الواصلة صحبتهم فهي عظيمة لم يسبق صاحبها، وهي كل لك (٢) بخمسة آلاف أشرفي، فمجموعها نحو ستين ألف دينار، ومنها ستة لكوك ونصف لأهل مكة، وأربعة لكوك ونصف لأهل المدينة المشرفة، غير قماش، وبضائع وهدايا للشريف. وقرر في خدمة المصحف بمكة كاتب هذه الرسالة، وجعلوا له في كل عام معلوم ستين ديناراً، ويوضع في المدرسة التي أمر السلطان بعمارتها بمكة، وأرسل السلطان لَّكين تنكة غير الأحد عشر لُكاً يشترى بها بيوت، وتعمر، وتوقف على المدرسة، ويقرر فيها عشرة أنفس شيخهم إمام الحنفية السيد عبد الله البخاري، وعشرة أنفس من الحنفية يدرسون بها، وشيخهم القاضي الحنفي وعشرة أنفس يقرأون القرآن، وشيخهم إمام الحنفية، ورتب لكل واحد منهم اثني عشر أشرفياً، ولشيخهم عشرين أشرفياً، وللداعي عشرة أشرفية" (٣) .

стр. 31

ثالثاً: الوقف على تدريس القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف أو المذاهب الفقهية . من أشهر المؤسسات العلمية الرفيعة في العصر الحديث دار الحديث الحسنية بالمغرب، ففي عام ١٣٨٨هـ وقف الحاج إدريس بن الحاج محمد البحراوي قصره الرائع الأنيق على القرآن والحديث" (١) ، وقد جاء نص خطابه لدى إعلان الوقفية: "إنني أحبس هاته الدار على القرآن والحديث، ولا أريد أن تكون في المستقبل إلا لهاته الغاية، ولا تحول إلى أية غاية أخرى، بحيث تركت الحق للورثة بالرجوع في هذا التحبيس فيما إذا أريد تحويلها عن غايتها". قوبلت هذه الوقفية بالاستحسان، تجاوب فيها الملك الحسن ملك المغرب ﵀، "وقد أجابه على لسانه الوزير المفضال الفقيه السيد الحاج أحمد بركاش بتأثر بالغ، وانفعال مثير، وهو يتسلم مفاتيح دار الحديث الحسنية بيد الشكر والتقدير، وقال: إنني جئت مرسلاً من قبل صاحب الجلالة الملك المعظم جلالة الحسن الثاني حفظه الله لأتسلم الدار، وأنه يعدكم بأن الدار ستبقى موقوفة على القرآن، والسنة، والحديث، ولا تتحول إلى أي هدف آخر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين" (٢) .

стр. 32

الوقف على القرآن الكريم مع تدريس المذاهب الفقهية: من أمثلة عناية السلاطين بتحبيس الأوقاف بمكة المكرمة خدمة للقرآن بخاصة، وللفقه بعامة، ما ذكره العلامة المؤرخ محمد بن علي بن فضل الطبري المكي أن السلطان قايتباي في سنة ٨٨٢هـ "أمر وكيله وتاجره الخواجا شمس الدين محمد بن عمر الشهير بالزمن وشاد عمائره الأمير سُنْقُر الجمالي – إلى أن يحصل له موضعا مشرفاً على الحرم ليبني له مدرسة، ويعمر له ربوعاً، ومسقفات يحصل منها ريع كثير يقسم منه على المدرسين، وعلى الفقراء، وأن تقرأ له ربعة في كل يوم، يحضرها القضاة الأربعة، والمتصوفون، ويقرر لهم وظائف، ويعمل مكتباً للأيتام، وغير ذلك من جهات الخير، فاستبدل له رباط السدرة ورباط المراغي، وكان إلى جانب المراغي دار للشريفة شمسية من شرائف بني حسن، اشتراها منها، وهدم ذلك جميعه، وجعل فيه اثنتين وسبعين خلوة، ومجمعاً كبيراً مشرفاً على المسجد الحرام، وعلى المسعى الشريف، ومكتباً ومئذنة، وصير المجمع المذكور مدرسة بناها بالرخام الملون، والسقف المذهب، وقرر فيه أربعة مدرسين على المذاهب الأربعة، وأربعين طالباً، وأرسل خزانة كتب وقفها على طلبة العلم، وجعل مقرها المدرسة المذكورة، وجعل لها خازناً عيَّن له مبلغاً ... وجعل الوقف في ذلك المجمع للقضاة الأربعة حضروا بعد العصر مع جماعة من الفقهاء يقرؤون له ثلاثين جزءاً من القرآن العظيم" (١) . لا يخفى أن الأوقاف من هذا النمط كثيرة جداً، وقد ذكر العلامة تقي الدين الفاسي في كتابه " شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام " إحدى عشرة

стр. 33

مدرسة بمكة المكرمة ذاكراً مواقعها من المسجد الحرام، والمؤسسين لها، وشروطهم، والعقارات الموقوفة عليها (١) . ثم تتبع العلامة الأديب محمد عمر رفيع ما كان منها قائماً في القرن الرابع عشر الهجري، وما آل إليه أمر بعضها مِنْ تملك الأفراد لها، وسكنى من لم ينطبق عليه شرط الواقف الأساس (٢) . وما استحدث بعد ذلك " ممَّا يدل دلالة واضحة أن عناية الملوك المسلمين، وأمرائهم، وأولي الثراء منهم بالناحية العلمية ونشر الثقافة في مكة لا تقل عن عنايتهم بالجهات الأخرى من بر بالفقراء، وطلبة العلم، وحجاج بيت الله العظيم" (٣) وما من شك أن تعليم القرآن فيها أساس بين بقية العلوم، بل هو عمدة التعليم، منه البداية وإليه منتهى العلم والطلب.

стр. 34

رابعاً: الوقف على خدمة القرآن تلاوة وتأسيس مرافق اجتماعية بالمدينة المنورة: من الصور الإسلامية المشرقة عبر العصور وجود مؤسسات علمية ومرافق اجتماعية أسست مرافقها وشيدت معالمها بسبب الوقف أصالة على العناية بالقرآن وخدمته. من الأمثلة لهذا النوع مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، فإن إنشاء هذه المكتبة جاء تبعاً لخدمة القرآن والعناية به، يتضح هذا المقصود

стр. 35

من نصوص صك الوقفية. وفيما يلي تعريف بأهمية هذه المكتبة، واقتباس بعض نصوصها التي توضح كمال العناية بالقرآن الكريم، وتبرز بحق سخاء واقفها على خدمة القرآن الكريم، أولاً ثم على المكتبة تالياً: مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة: أسس هذه المكتبة بناءً هندسياً متميزاً، وزودها بالكتب النفيسة العلامة شيخ الإسلام أحمد عارف حكمت بن إبراهيم بن عصمت الحسيني عام ١٢٧٠هـ/١٨٥٣م في الجهة القبلية للمسجد النبوي الشريف، يفصلها عن المسجد النبوي شارع بمقدار ثلاثين متراً. يقول الدكتور عبد الرحمن المزيني مدير مكتبة الملك عبد العزيز التي نقلت إليها المكتبات العامة بالمدينة المنورة، واصفاً لمجموعاتها بعد مضي مائة وخمسين عاماً تقريباً على تأسيسها: "وتعد هذه المكتبة من أجلِّ مآثر الشيخ عارف حكمت، ومن مفاخر المدينة المنورة في العصر الحديث فهي من أغنى المكتبات بالمخطوطات القيمة، لكونها تضم بين جنباتها عدداً من المخطوطات النادرة في شتى العلوم والفنون، وتزخر بالجمِّ من التراث الإسلامي المكتوب باللغات العربية، والفارسية والتركية، هذا بالإضافة إلى أن كثيراً من المخطوطات زينت خير تزيين من حيث الخط والتذهيب" (١) . حبس الشيخ عارف حكمت ﵀ على هذه المكتبة أموالاً عظيمة من ثابت ومنقول من عقارات ومزارع، وغيرها. للقرآن في وصيته الوقفية الذكر

стр. 36

الأول، والأهمية الكبرى، تجلى هذا فيما ورد ذكره نصاً عن المصاحف الشريفة، وتلاوة القرآن في العبارات التالية: "إني وقفت وقفاً صحيحاً شرعياً مؤبداً، وحبساً صريحاً مرعياً مخلداً المصاحف الشريفة التي عددها ستة عشر مصحفاً، وكتبي النفيسة التي عددها (٥٠٠٠) خمسة آلاف كتاب" (١) . ثم تجلت عنايته بالقرآن الكريم على مدى بقاء المكتبة وإدرار الأوقاف على خدماتها ومرافقها في الشروط التي تضمنتها الوثيقة في الفقرات التالية: "ومن الشروط: أن لا يخرج عن المكتبة المذكورة أي شيء من المصاحف الشريفة والكتب الشريفة" (٢) . "ومن الشروط: أن يعين أربعة أشخاص حفاظاً للكتب باعتبار الأول، والثاني، والثالث، والرابع من العلماء الصالحين الذين صاروا فارغي البال، وممدوحي الخصال وأن يجتمع حفاظ الكتب الأربعة المذكورة كل يوم في المكتبة حين تفتح المكتبة، ويأخذ كل واحد منهم بيد الاحترام قطعة مصحف شريف من المصاحف المحفوظة في خزانتها تعظيماً لها، وأن يتلو كل واحد منهم جزأين على وجه المصحف الشريف، ويختم القرآن في مدة خمسة عشر يوماً، فتتم أربع ختمات في كل خمسة عشر يوماً، وأن يهدي ثوابها أولاً بالذات إلى روضة معطرة شفيع العصاة، فخر العالم ﷺ ، وبعده يتم

стр. 37

الدعاء على الأصول الجارية لختم القرآن. وفي اليوم الثاني بعد الختم الشريف حين مباشرتهم للختم الجديد يأخذون أربعة مصاحف أخرى من خزانة المصاحف، ويضعون الأربعة الأولى في محلها، ويتلون القرآن على وجه المصحف الشريف الذي أخذوها (١) في المرة الثانية، ويكملون الختم الشريف، وعليهم أن يجروا هذه القاعدة بالدور والتسلسل اعتناء بوقاية المصاحف الشريفة المذكورة من التعطيل، وأن يذكروا في الدعاء اسم الشخص المكتوب على ظهر المصحف الشريف من أقاربنا وتعلقاتنا إحياء لأرواحهم الشريفة وانسرارها" (٢) . "ومن الشروط: أن يقرأ الخليفة السيد حافظ علي قطب الدين القدسي من أهالي القدس الشريف في كل سنة على الدوام القرآن الكريم، ويختمه ويقوم بدعاء الإتمام" (٣) .

стр. 38

خامساً: الوقف على قراءة القرآن هبة للثواب لآخرين ، (١) منها نوعان: أ- الوقف على قراءة الربعات في المسجد الحرام على نظام (الخصفة) : الربعات: جمع ربعة وهي عبارة عن صندوق يحتوي على القرآن الكريم في أجزاء مفرقة على قدر أجزاء القرآن الثلاثين، يختص بها عدد من القراء،

стр. 39

يسمى رئيسهم شيخ (الخصفة) يكمل كل واحد منهم جزءاً، أو عدداً من أجزاء القرآن الكريم، حسب المحدد له منها (١) . . يسمى المكان المخصص لهم بالمسجد الحرام مكان (الخصفة) ، تسمى باسم شيخها أو الواقف عليها (مكان خصفة الشيخ فلان) ، أو (السلطان فلان) . الخصفة في الأصل بساط، أو فرش يصنع من سعف النخل كان يتخذ في المساجد فرشاً لها على نمط الحنابل، والبساطات المعدة للصلاة، تفرش أثناء الصلاة بالساحات الداخلية بالمسجد الحرام أو المسجد النبوي (الحصوات) ، ثم تطوى بعد الصلوات. كانت قراءة القرآن على هذا النمط منها ما هو رسمي من قبل الملوك والحكام والولاة للبلاد المقدسة، ومنها ما هو مخصص من قبل غيرهم من الملوك والولاة والأثرياء من خارجها. من هذه الأنظمة التي كانت تحكم الأوقاف المخصصة للعناية بالقرآن الكريم بهذا النمط – وهو استدامة قراءة القرآن في وقت معين من عدد معين– النظام الصادر في ١٧ ربيع الثاني ١٣٣٩هـ إذ: "قرر مجلس الوكلاء (٢) الفخام أن يجعل للوظائف المشروحة أدناه قانوناً مخصصاً يكون عليه مدار العمل حسب المواد الآتية، نظراً لتعلقها بأمراء وسلاطين المسلمين القاطنين بالبلاد الخارجية. المادة (١) : الوظائف المشروط أداؤها بالحرمين الشريفين كتلاوة القرآن، ودلائل الخيرات، ونحوها من الأذكار غبَّ انحلال الوظيفة يعتبر فيها ما سيذكر في

стр. 40

المادة الثانية. المادة (٢) : عند انحلال الوظيفة توجه لابن المتوفى عنها متى كان حائزاً للأهلية والاقتدار الكافلين لأدائها. المادة (٣) : إذا لم يكن للمتوفى ابن، ولا أخ حائزان للأهلية كما توضح بالمادة الثانية فيكون توجه الوظيفة لمن ينتخب من ملازمي العلماء، أو القراء بحضور وكلاء أولئك الأمراء الموجودين بمكة المشرفة، أو المدينة المنورة. المادة (٤) : يشترط في أداء الوظيفة الدوام والاعتناء بواجباتها، وإذا حصل تكاسل من الموظف فليرجع أمره إلى رئيس الخصفة إلى محل اللزوم للنظر فيه. المادة (٥) : إن كافة المخصصات المتعلقة منافعها لمعاشات ومصارفات القائمين بالوظائف تقيد بدفتر نظارة الحرم الشريف، ودائرة هيئة الأوقاف الجليلة للحفظ على كيانها، ومراجعتها حين الحاجة، مع المراقبة التامة من قبلها في حسن أداء إيفاء الوظائف طبق شروط واقفيها، وعمل نظارها يكون مرعياً أيضاً. المادة (٦) : إذا كانت المخصصات المشروطة للوظائف المذكورة لم تف بالمعاشات والمصارف فيكون دوام الموظفين بدون انقطاع إلى حين مراجعة وكلاء الأمراء، وورود مبالغ تفي باستحقاقهم، ولا يسوغ لهم تعطيل العمل بصورة
следующие страницы →