Полный текст (825 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
-[السياسة الشرعية]-
كود المادة: GFIQ٥٢٠٣
المرحلة: ماجستير
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
الدرس: ١ السياسة الشرعية: مفهومها، أحكامها، أدلة اعتبارها .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الأول
(السياسة الشرعية: مفهومها، أحكامها، أدلة اعتبارها)
١ - مفهوم السياسة الشرعية وشروط إعمال أحكامها
مفهوم السياسة الشرعية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:
أبنائي وبناتي طلاب الدراسات العليا بجامعة المدينة العالمية، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهذه محاضرات في مادة الساسة الشرعية، وسوف نبدأ بالحديث عن مفهومها، والموضوعات التي تشملها، وأدلة اعتبارها.
ونبدأ الآن في بيان مفهوم السياسة الشرعية، والتعريف بالسياسة الشرعية في اللغة: جاء في (المصباح المنير): ساس زيد الأمر يسوسه أي: دبره وقام بأمره. وجاء في (لسان العرب) لابن منظور الأفريقي: السَّوس: الرئاسة، يقال: ساسوهم سوسًًا، وإذا رأسوا الشخص، قيل: سوسوه، وأساسوه. ونقول: ساس الأمر سياسة أي: قام به. ونقول: سوسه القوم أي: جعلوه يسوسهم. ويقال: سوس فلانٌ أمر بني فلانٍ أي: كلف سياستهم. والسياسة هي القيام على الشيء بما يصلحه.
ومن هذا يتضح أن كلمة السياسة تطلق في اللغة بإطلاقاتٍ كثيرة، ومعناها في جميع إطلاقاتها يدور على تدبير الشيء، والتصرف فيه بما يصلحه هذا هو تعريف السياسة الشرعية في اللغة.
أما تعريف السياسية الشرعية في اصطلاح الفقهاء، فللفقهاء فيه أقوال: قيل في تعريف السياسة الشرعية: هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئ -أي: دليل تفصيلي من كتابٍ، أو سنة، أو إجماع، أو قياس.
стр. 3
وعرفها البعض أيضا بأنها: هي ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه النبي ﷺ ولا نزل به وحي، وهذا التعريف إنما هو موجود في كتاب (السياسة الشرعية مصدر للتقنين) للدكتور عبد الله محمد محمد القاضي، طبعة ١٤١٠ - ١٩٨٩ دار الكتب الجامعية الحديثة بطنطا صـ٣٢.
وعرف البعض أيضًًا السياسة الشرعية بأنها: هي ما يراه الإمام، أو يصدره من الأحكام، والقرارات زجرًًا عن فسادٍ واقع، أو وقاية من فسادٍ متوقع، أو علاجًًا لوضعٍ خاص. وهذا التعريف إنما هو للدكتور يوسف القرضاوي في كتابه (السياسة الشرعية) الطبعة الأولى ١٤١٩هـ - ١٩٨٩م مكتبة وهبة بمصر صـ١٥، وما بعدها.
وأيضًا عرف البعض السياسة الشرعية بأنها: تدبير شئون الدولة الإسلامية التي لم يرد بحكمها نص صريح، أو التي من شأنها أن تتغير، وتتبدل بما فيه مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة، وأصولها العامة، وهذا التعريف إنما هو للدكتور محمود الصاوي في كتابه (نظام الدولة في الإسلام) الطبعة الأولى ١٤١٨ - ١٩٩٨ دار الهداية بمصر صـ٣٩.
شروط العمل بأحكام السياسة الشرعية
ونستخلص من هذه التعريفات المختلفة للسياسة الشرعية أن هذا معناه: أن عدم دلالة شيء من النصوص الواردة في الكتاب والسنة على أحكام السياسة الشرعية تفصيلًا لا يضر، ولا يمنع من أن نصفها من بوصف السياسة الشرعية، أما الذي يضر، ويمنع من ذلك أن تكون تلك الأحكام مخالفة مخالفة حقيقيةً لنص من النصوص التفصيلية، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، هذه النصوص التفصيلية التي أريد بها تشريع عام للناس في كل زمان، وفي كل مكان.
стр. 4
فمتى سلمت السياسة الشرعية، أو أحكام السياسة الشرعية من هذه المخالفة للنصوص التفصيلية، وكانت متمشية مع روح الشريعة، ومبادئها العامة؛ كانت نظامًًا إسلاميًّا، وسياسة شرعية نأخذ بها، وبأحكامها، ولذلك يقول ابن عقيل الحنبلي، يقول: السياسية ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ﷺ ولا نزل به وحي -كما قلنا قبل ذلك.
ومن أجل ذلك كان من المغالطة، أو الغلط ما يزعم بعض المخالفين من أنه لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فهذا القول فيه غلط وتغليط، وهو: لا سياسة إلا ما وافق الشرع فيه غلط وتغليط إن أريد به أنه لا يعتبر من الشريعة الإسلامية شيء من الأحكام الجزئية التي يتحقق بها مصلحة، أو تندفع بها مفسدة، إلا إذا نطق به الشرع، ودلت عليه -على اليقين- نصوص من الكتاب، أو السنة، هذا يكون مرفوضًًا.
أما إذا كان معنى لا سياسة إلا ما وافق الشرع إذا كان معناها: أنه لا سياسة: أنه الموافقة للشرع أن تكون تلك الأحكام الجزئية متفقة مع روح الشريعة، ومبادئها الكلية، وأن تكون مع ذلك غير مناقضة لنصٍ من نصوصها التفصيلية، التي يراد بها التشريع العام؛ فالقول بأنه لا سياسة إلا ما وافق الشرع قول صحيح ومستقيم، تؤيده الشريعة نفسها، ويشهد له عمل الصحابة، والخلفاء الراشدين، والأئمة المجتهدين، وهذه الأشياء موجودة، أو الكلام الذي تحدثت عنه موجود في كتاب (السياسة الشرعية والفقه الإسلامي) للشيخ عبد الرحمن تاج، الطبعة الأولى ١٣٧٣هـ - ١٩٥٣م دار التأليف مصر صـ١١.
إن خلاصة القول في هذا الشأن أن الحكم الذي تقتضيه حاجة الأمة يكون سياسة شرعية معتبرة إذا توافر فيه أمران:
стр. 5
الأمر الأول: أن يكون متفقًا مع روح الشريعة، معتمدًا على قواعدها الكلية، ومبادئها الأساسية.
الأمر الثاني: ألا يناقض مناقضة حقيقية دليلًا من أدلة الشريعة التفصيلية التي نقصد بها الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وهذه الأدلة التفصيلية هي التي ثبتت شريعة عامة للناس في جميع الأزمان، وفي جميع الأحوال.
وعلى ذلك إذا لم يكن هناك دليل تفصيلي من كتابٍ، أو سنة، أو إجماعٍ، أو قياس قد دل على خلاف حكم السياسة، أو كان هناك مخالفة، ولكن تلك المخالفة ظاهرية، وليست حقيقية، أو علم أن ما دل عليه الدليل التفصيلي لم يقصد ليكون شريعة عامة، وإنما كان لحكمة خاصة، وسبب لا وجود له في غير واقعة الحكم؛ عندئذ لا تكون مخالفة حكم السياسة مخالفة لأدلة الشرع وأحكام الإسلام.
وبالتطبيق على ما ذكرناه فإنه لا يعد مخالفةً شرعية، وإنما يعتبر من أحكام السياسة الشرعية الأمور التالية:
الأمر الأول: ما فعله سيدنا أبو بكرٍ الصديق رضوان الله ﵎ عليه من جمع القرآن في مصحفٍ واحد؛ فسيدنا أبو بكر -رضوان الله ﵎ عليه رأى أن المصلحة تكمن في أن يجمع القرآن في مصحفٍ واحد، وفعل ذلك لأن مصلحة الناس، ومصلحة المسلمين تقتضي ذلك، والمصلحة إنما تدخل في باب السياسة الشرعية.
وأيضًا الأمر الثاني: ما أنشأه عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- من الدواوين، والدواوين: تشبه الآن المكاتب الحكومية التي تدون فيها أسماء الموظفين،
стр. 6
ورواتبهم، وغير ذلك من الأمور التي تتصل بالجهاز الإداري، أنشأه سيدنا عمر بن الخطاب، ولم يكون موجودًًا أيام النبي ﷺ ولا أيام سيدنا أبو بكرٍ الصديق ﵁ وأرضاه- ومع ذلك أنشأه؛ لأن مصلحة المسلمين تقتضي ذلك، وهذا يعتبر حكمًًا من أحكام السياسة الشرعية، وكذلك ما فرضه من وظيفة الخراج -وهي الضريبة على رقاب الأرض- هذا أيضًًا فرضه سيدنا عمر بن الخطاب، ولم يكن ذلك موجودًًا أيام النبي ﷺ ولا أيام سيدنا أبي بكر، وإنما أنشأه سيدنا عمر؛ لأن مصلحة المسلمين تقتضي ذلك، ولم ينكر عليه أحد؛ ولذلك كان ذلك من باب السياسة الشرعية.
الأمر الثالث: كان تعدد المصاحف في صدر الإسلام أمرًًا عاديًّا، إذ كان من الجائز أن يكتب كل صحابيٍ مصحفًا بالحرف الذي سمعه به من النبي ﷺ فلما انتفت المصلحة؛ بسبب الاختلاف في القراءة؛ أمر سيدنا عثمان بن عفان بإبقاء مصحفٍ واحد، وحرق باقي المصاحف. لماذا فعل ذلك سيدنا عثمان بن عفان؟ فعل ذلك من أجل مصلحة المسلمين عندما وجد أن هناك بعض الخلافات سوف تنشأ بين المسلمين بسبب هذه القراءات المتعددة؛ ولذلك أراد أن يقضي على هذه الفتنة في مهدها؛ ولذلك أبقى مصحفًا واحدا، وحرق ما عداه.
الذي جعله يفعل ذلك إنما هو نوع من السياسة الشرعية -أي: من أجل المحافظة على مصلحة المسلمين.
الأمر الآخر: الذي يعتبر نوعًًا من السياسة الشرعية -ولا يعد مخالفة لنصوص الكتاب والسنة- ما فعله عمر بن الخطاب ﵁ من حرمان المؤلفة قلوبهم من سهم الصدقات -وإن كان هذا السهم قد قرر لهم في القرآن الكريم صراحة بقول الله -تبارك تعالى-: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ (التوبة: الآية: ٦٠).
نقول: على الرغم من وجود هذا النص الصريح بأنه هناك سهم للمؤلفة قلوبهم؛ فإن سيدنا عمر بن الخطاب لم يأخذ بظاهر اللفظ، ولم يقف عند حرفية النص، بل
стр. 7
راعى سر النص، وحكم روح النص، وقرر أن الآية التي فرضت نصيبًا لهؤلاء المؤلفة لم تفعل ذلك؛ ليتخذ شريعة عامة يعمل بها في كل حالٍ، وزمان، بل إنما كان لحكمة خاصة، وسبب لم يعد قائمًا بعد، وأرشد إلى هذا بقوله: إن الله قد أعز الإسلام وأغنى عنهم - يعني: أغنى الإسلام عن هؤلاء المؤلفة قلوبهم- فعمر ﵁ رأى أن سهم المؤلفة قلوبهم قد أوجبه الله تعالى لحاجة المسلمين إلى من يعضدهم، وينصرهم، أو لا يؤلب عليهم القبائل؛ فإذا صار المسلمون في قوة، وعزة، وزال المعنى الذي من أجله وجب ذلك السهم؛ كان للإمام أن يصرفه عن أولئك المؤلفة إلى ما هو أجدى على المسلمين وأنفع.
وهذا الكلام موجود في كتاب الشيخ عبد الرحمن تاج في السياسية الشرعية، وليس معنى هذا إبطال سهم المؤلفة رأسًًا، بل إن أمره يدور مع ذلك السبب وجودًا وعدمًا. بمعنى: أن سهم المؤلفة قلوبهم لم يرفع على الإطلاق، ولكن ذلك يتوقف على السبب الذي شرع من أجله؛ لقد شرع من أجل أنه كان بالمسلمين ضعف، وكانوا في حاجة إلى من يتألفونهم؛ حتى يقفوا بجانبهم، ولا يؤلبون القبائل عليهم.
لكن إذا أصبح هذا السبب غير موجودٍ، عندما أصبح بالمسلمين قوة؛ ففي هذه الحالة لم يعد السبب موجودا، وبالتالي فلا ينطبق الحكم فالحكم يدور مع علته، وجودًا وعدمًا، حتى إذا تجددت للمسلمين حاجة إلى التأليف -كما كانت الحاجة إلى ذلك أول الأمر- صح للإمام أن يصرف للمؤلفة على حسب ما يرى من المصلحة العامة.
جاء في (أحكام القرآن) لابن العربي في تفسير آية الصدقات يقول: اختلف في بقاء المؤلفة قلوبهم، فمنهم من قال: هم زائلون -يعني: لم يعد يأخذون من
стр. 8
الصدقات، وليس لهم سهم- قاله جماعة، وأخذ به مالك ﵁ ومنهم من قال: هم باقون لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام، وقد قطعهم عمر لما رأي إعزاز الدين، والذي عندي -وهذا الكلام لابن العربي- يقول: والذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا - يعني: لا يعطون سهمًًا من الزكاة- وإن احتيج إليهم أعطوا سهم المؤلفة قلوبهم، كما كان يفعله النبي ﷺ .
وهذا الكلام منقول من ابن العربي (أحكام القرآن) لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي الطبعة الأولى دار الكتب العلمية بيروت الجزء الثاني صـ٥٣٠.
بل قال البعض: إن إعطاء المؤلفة قلوبهم له موضعه الآن؛ فإن بعض الناس يدخل الإسلام؛ فينقطع عن أهله، وعن قومه، وقد يكون ذا عملٍ؛ فيفصل من عمله؛ فمن حق هؤلاء أن يصرف لهم من الزكاة من سهم المؤلفة قلوبهم؛ تثبيتًا لإيمانهم، ومنعًا لهم من أن يفتنوا في دينهم تلك الفتنة المادية، وهذا الرأي قاله الدكتور عبد الخالق النواوي في كتابه (النظام المالي في الإسلام) الطبعة الأولى ١٩٧١م مكتبة الأنجلو المصرية صـ١٨٠.
أيضًًا من الأمور التي لا تعارض فيها بين النصوص الشرعية -وأخذ فيها بأحكام السياسة الشرعية- أقول: ليس من المخالفة لنصوص الشريعة ما فعله سيدنا عثمان بن عفان ﵁ ما فعله بضالة الإبل إذ أمر بتعريفها؛ فإن أدركها صاحبها أخذها، وإن لم يدركها؛ بيعت، وحفظ ثمنها. فهو ﵁ لم يسر على ما كان عليه العمل من قبل أيام النبي ﷺ وأيام أبي بكرٍ، وأيام عثمان، كانت الإبل الضالة تترك مرسلة لا يمسها أحد؛ حتى يعثر عليها صاحبها، وسيدنا عثمان لم يقف عند حرفية النص الذي روي عن زيد بن خالد الجهني قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة فقال ﷺ ((اعرف عفاصهًا ووكاءها ثم عرفها سنة؛ فإن جاء صاحبها؛ وإلا فشأنك بها)) قال
стр. 9
الرجل: فضالة الغنم يا رسول الله قال ﷺ : ((هي لك، أو لأخيك، أو للذئب)) يعني: إن لم تأخذها أنت؛ كاد أن يأخذها الذئب، معنى ذلك: أن النبي ﷺ أمره بأن يأخذها ويعرفها سنة، قال الرجل: فضالة الإبل يا رسول الله، قال ﷺ : ((ما لك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر؛ حتى يلقاها ربها)).
ففي ضالة الإبل بين النبي ﷺ لهذا الرجل أن الإبل لا تؤخذ، ولا تلتقط، بل ينبغي أن تترك في مكانها؛ حتى يأتي إليها صاحبها؛ لأنه لا خوف على الإبل؛ معها الماء، وأيضا الغذاء؛ ولذلك لا نخاف عليها، ومنعه النبي ﷺ من التقاط الإبل -كما قلنا- سار الأمر على ذلك في عهد النبي ﷺ وفي عهد أبي بكرٍ، وفي عهد عمر -رضوان الله على الجميع- لكن سيدنا عثمان بن عفان لم يقف على حرفية هذا النص، بل خالفه مخالفة ظاهرية؛ لأنه رأي أن الحال قد تبدل، وأن الحديث ورد في عهدٍ ما كان يخشى فيه على ضالة الإبل أن تضيع، وتمتد إليه الأيدي؛ فلما رأى هذه الأيدي قد امتدت إليها؛ نظرًًا لضعف الوازع الديني عند الناس؛ أمر ﵁ بجمعها والتقاطها، وبيعها؛ ليحفظ ثمنها لأصحابها، أو ينتفع بهذا الثمن في المصالح العامة للمسلمين -إن لم يظهر لها صاحب.
فعثمان ﵁ إذا كان قد خالف في الظاهر هذا الحديث؛ فهو في الواقع، وباطن الأمر عامل بهذا الحديث، ومتمسك بروحه من حيث إن ذلك العارض الذي خاف معه على الإبل الضالة قد اختلف به الأمر، ولم تعد الحالة الثانية من جنس الحالة التي ورد فيها الحديث - بمعنى: أنه كانت الإبل لا يخاف عليها في عهد النبي ﷺ وفي عهد سيدنا عمر؛ لأن الناس كانوا يخافون الله ﵎ وكان الوازع الديني متوفرًا. أما وقد بعد الناس عن الدين، وأصبح هناك ضعف في الوازع الديني؛ فرأى سيدنا عثمان بن عفان أن يخالف الحكم الذي كان معمولًا به، والذي، ورد به الحديث، وهذه المخالفة لا تتصادم مع المبادئ العامة في الشريعة
стр. 10
التي جاءت من أجل المحافظة على أموال الناس إذ إن حفظ المال إنما هو من الضروريات الخمس التي جاءت الشرائع جميعها من أجل المحافظة عليها وهي حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ المال، وحفظ العرض.
فسيدنا عثمان بن عفان عندما خرج على أحكام هذا النص، أو على هذا الحكم الذي ورد في الحديث، إنما راعى ذلك مصلحة المسلمين، وهذا ما تقضي به السياسة الشرعية.
والخلاصة: أنه لا يصح في تصرفٍ من التصرفات، أو حكمٍ من الأحكام التي تسن لتحقيق مصلحةٍ عامة أنه يقال: أنه مناقض للشريعة؛ بناءً على ما يُرى فيه من مخالفة ظاهرية لدليلٍ من الأدلة، بل يجب تفهم هذه الأدلة، وتعرف روحها، والكشف عن مقاصدها، وأسرار التشريع فيها، والتفرقة بين ما ورد على سببٍ خاص، وما هو من التشريع العام الذي لا يختلف، ولا يتبدل؛ فإن مخالفة النوع الثاني هي الضارة المانعة من دخول أحكام السياسة في محيط شريعة الإسلام.
وهكذا تبين لنا من فعل سيدنا عمر، وفعل سيدنا عثمان أنهم خرجوا عن الأحكام المنصوص عليها، لكن هذا خروج ناتج عن فهمهم للنصوص، وناتج عن فهمهم لروح هذه النصوص، وسر التشريع في هذه النصوص؛ ولذلك جاء في باب السياسة الشرعية التي يقصد بها تحقيق مصلحة المسلمين في كل زمان، وفي كل مكان؛ ولذلك لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان.
ومما تجب ملاحظته هنا أنه إنما وصفت هذه السياسية بالشرعية؛ لأن اجتهاد الحاكم فيما جد من وقائع، وأحداثٍ، وما يدخل في مجال علم السياسة الشرعية لم يبنى على الهوى والتشهي، وإنما على مبادئ وقواعد معتبرة شرعًًا، وهذه الأشياء ينظر إليها في (السياسة الشرعية للدكتور عبد الله محمد محمد القاضي صـ٣٦، والشيخ عبد الرحمن تاج صـ١٨، وما بعدها).
стр. 11
يقول الدكتور يوسف القرضاوي في هذا الشأن: إن السياسة الشرعية هي السياسة القائمة على سياسة الشرع، وأحكامه، وتوجيهاته، فليس كل سياسة نحكم عليها بأنها شرعية، فكثيرٌ من السياسات تعادي الشرع، وتمضي في طريقها وفقًًا لتصورات أصحابها وأهوائهم، وهذا و (السياسة الشرعية للدكتور يوسف القرضاوي صـ٢٧) فيه مزيد من التفصيل.
موضوعات علم السياسة الشرعية
وبعد أن بينا المقصود بالسياسة الشرعية، أو مفهوم السياسة الشرعية نتحدث الآن عن موضوعات علم السياسة الشرعية: إن الموضوعات التي تدخل ضمن السياسة الشرعية تكمن في عدة أمور، أولًا الوقائع المتعلقة بعلاقة الحاكم بالمحكومين من تحديد سلطة الحاكم، وبيان حقوقه، وواجباته، وحقوق الرعية، وواجباتها، والسلطات المختلفة في الدولة من تشريعية، وتنفيذية، وقضائية.
هذه الموضوعات التي تتصل بالنظام السياسي في الإسلام هو الذي ينظمها، أو الذي ينظمها هو علم السياسة الشرعية؛ ولذلك نصوص الكتاب، والسنة لم تأتي كثيرة في موضوع التنظيم السياسي للدولة الإسلامية، وإنما وضعت قواعد عامة، ونصوصًا عامة، وتركت بعد ذلك للأمة أن يختاروا القالب الذي يتمشى مع مصالحهم؛ ولذلك بيان علاقة الحاكم بالمحكومين ينبغي أن تخضع للمصالح العامة للدولة الإسلامية، وهذه المصالح العامة إنما ينظمها علم السياسة الشرعية، وكذلك سلطات الحاكم، وحدود هذه السلطات، وحقوق الحاكم على المحكومين، وكذلك حقوق الرعية على الحاكم، والواجبات الملقاة على عاتقه، كل هذه الأمور إنما نظمها علم السياسة الشرعية، وعندما تركها الإسلام لعلم السياسة الشرعية إنما أراد أن يثبت للناس أن الشريعة الإسلامية مرنة، ومتطورة، وهي صالحة للتطبيق لكل زمان،
стр. 12
ومكان؛ فلنا أن نقيم الحكم في الإسلام، لكن الصفة التي يتم بها ذلك، كل ذلك تركه الإسلام.
الحقوق والواجبات ينبغي أن تتم وفق مصالح المسلمين، وواقع المسلمين؛ ولذلك كان من فضل الله علينا أن تركت هذه الأمور، وفيها مجال للاجتهاد من أجل تحقق المصلحة العامة، هذه الأمور المتعلقة بعلاقة الحاكم بالمحكومين، وبتحديد سلطة الحاكم، وبيان حقوقه، وواجباته، وحقوق الرعية، وواجباتها، وبيان السلطات المختلفة، ووظيفة كل سلطة من هذه السلطات هو ما تشمله مادة تسمى -في الفقه الإسلامي- نظام الحكم في الإسلام؛ ولذلك مادة نظام الحكم في الإسلام تبحث في هذه الأمور بالتفصيل، ونظام الحكم في الإسلام هي مادة تقابل في النظم الوضعية مادة تسمى: القانون الدستوري، مادة: القانون الدستوري في النظم الوضعية يقابلها في الإسلام مادة: نظام الحكم في الإسلام.
أيضًًا من الموضوعات التي تدخل ضمن علم السياسة الشرعية: الوقائع المتعلقة بعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدولة الأخرى في حالة السلم، وفي حالة الحرب هذا ما يطلق عليه: النظام الدولي في الإسلام، والنظام الدولي في الإٍسلام المبني على علاقة المسلمين بغيرهم، والتي تبين على أن أساس هذه العلاقة إنما هو يقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، وأن الأساس في معاملة الدولة الإسلامية لغيرها من الدول الأخرى إنما هو السلام، وليس الحرب، وأن الدولة الإٍسلامية لا تلجأ إلى الحرب إلا في حالات الضرورة، كما في حالات الدفاع عن نفسها، وغير ذلك، كل ذلك وضح تمامًًا في مادة تدرس، تسمى النظام الدولي في الإسلام، بينت الأساس: أساس علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول الأخرى، وهي أن هذه العلاقة قائمة على السلام، وأيضًا بينت إذا حدث حرب، وكانت هناك ضرورة في دخول المسلمين في حرب؛ فتدخلت السياسية الشرعية في بيان كيف يعامل المسلمين غيرهم في حالة الحرب، كيفية معاملة الأسرى، إلى غير ذلك من الأمور التي تتصل بالأمور الحربية، وكل هذا تنظمه
стр. 13
قواعد السياسة الشرعية، وإنما تنظمه، أو ينظمه علم السياسة الشرعية -كما قلنا- لأن علم السياسة الشرعية قائم على تحقيق المصلحة العامة للأمة الإسلامية.
وما دام المراد من ذلك تحقيق المصلحة العامة؛ فينبغي علينا أن ننظر إلى الواقع، وكيف يعاملنا الأعداء، وينبغي علينا أن نعاملهم بمثل ما يعاملوننا به، وهذا تطبيقًا لمبدأ المساواة في العلاقات الدولية، هذا القانون يقابله في وهو النظام الدولي في الإسلام يقابله في القانون الوضعي قانون يسمى: القانون الدولي.
فإذن القانون الدولي الموجود في النظم الوضعية يقابله عندنا النظام الدولي في الإسلام، بل إن فقهاء الشريعة أفاضوا كثيرًا في علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول الأخرى، سواء في حالة السلم، أو في حالة الحرب، بل ربما كانت النظم الغربي قد استفادت من هذه الأحكام، وأخذتها في قانونها الدولي.
أيضًًا من الموضوعات التي تدخل ضمن علم السياسة الشرعية هو الوقائع المتعلقة بالضرائب وجباية الأموال، بالضرائب من زكاة، ومن خراج، ومن عشورٍ -كما سنرى إن شاء الله- كل ذلك -يعني: نظمته، أو نظمه علم السياسة الشرعية، وأيضًا كذلك موارد الدولة، ومصارفها العامة، ونظام بيت المال- هذا هو الذي يختص به علم السياسة الشرعية، وهذا ما يشمله قانون يدرس يسمى: النظام المالي في الإسلام، فالنظام المالي في الإسلام، أو الموضوعات التي يتناولها قانون، أو النظام المالي في الإسلام، إنما يعتمد في أساسه على السياسة الشرعية لأنه -كما قلنا-: النظام المالي، وكل نظام ينبغي أن يراد منه، أو يكون الهدف منه إنما هو تحقيق مصلحة المسلمين؛ ولذلك يترك لعلم السياسة الشرعية.
النظام المالي في الإسلام يقابله بالنظم الوضعية علم المالية العامة، معنى ذلك أن الفقهاء سبقوا -فقهاء المسلمين القدامى- سبقوا فقهاء القانون الدولي في تنظيم هذه الأمور، فإذا كان عندهم علم المالية العامة، نقول لهم: في الشريعة الإسلامية -ومنذ ما يزيد على أربعة عشر قرنا من الزمان- بين الفقهاء النظامَ المالي في الإسلام بكل دقة.
стр. 14
كذلك من الموضوعات التي تدخل ضمن علم السياسة الشرعية الوقائع المتعلقة بتداول المال، وكيفية تنظيم استثمار هذا المال، وهذا ما يشمله مادة النظام الاقتصادي في الإسلام، بين ذلك الفقهاء، وتحدثوا عن النظام الاقتصاد في الإسلام، وكيفية استثمار هذا المال عن طريق المضاربة الإسلامية، وغير ذلك من الوسائل المختلفة من طريق المزارعة المساقاه، إلى غير ذلك مما هو موجود بكثرة في كتب الفقهاء، والذي يتحدث عن النظام الاقتصادي في الإسلام، هذا النظام الاقتصادي في الإسلام هو ما يقابل مادة تسمى: علم الاقتصاد في النظم الوضعية، فعلم الاقتصاد الموجود في النظم الوضعية سبقه علم النظام الاقتصادي في الإسلام؛ لأن المسلمين أو فقهاء المسلمين أفاضوا في هذا الموضوع -موضوع كيفية استثمار المال- تحدثوا عن المضاربة الإسلامية، وشروط هذه المضاربة، وكيفية الاستثمار الذي يعود على الفرد، وعلى المجتمع بالخير العميم -إن شاء الله.
أيضًًا من الموضوعات التي تدخل ضمن علم السياسة الشرعية الوقائع المتعلقة بالنظم القضائية، وطرق القضاء، وبيان، وسائل الإثبات كل ذلك يضمنه، أو يحتويه علم السياسة الشرعية -وكما قلنا- لأن هذه الأمور إنما تخضع لحال المجتمع، وتطور المجتمع، وواقع المجتمع؛ ولذلك دخل في علم السياسة الشرعية نظم القضاء، وطرق القضاء، والقضاء المخصص، وغير المخصص، وأنواع القضاء، وبيان وسائل الإثبات بيان وسائل الإثبات من الإقرار، ومن الشهادة، ومن القسامة في باب القتل، إلى غير ذلك من الوسائل المختلفة التي تضمن حقوق الناس، وليس فيها إضرار بأحدٍ من الناس، هذا النظام القضائي بينه فقهاء المسلمين بيانًًا شافيًا، وكان قائمًا في تنظيمه على علم السياسة الشرعية، هذا النظام القضائي في الإسلام يقابله في النظم الوضعية قانون يسمى قانون المرافعات المدنية والتجارية في النظم الوضعية، هذا -كما قلنا- إذا كان قانون المرافعات المدنية
стр. 15
والتجارية موجود في القوانين الوضعية؛ فقد سبقه فقهاء المسلمين بأزمانٍ كثيرة، وبفترةٍ كثيرة، ونظم في الإسلام تنظيمًا دقيقًا، بل إن القانون الوضعي الذي ينظم هذه المرافعات المدنية والتجارية قد تأثر بتنظيم المسلمين بهذه الوسائل، وهذه الموضوعات الخاصة بموضوع القضاء قد تناولها فقهائنا القدامى على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم ضمن أبواب الفقه العام.
لكن وجدنا بعض الفقهاء يتناولونها باستقلال، يعني: الفقهاء في هذه الأمور بينوها في خلال كتب الفقه العام التي تتحدث عن العبادات، وتتحدث عن غيرها، تناولوا القضاء فيها، وطرق الحكم، ووسائل الإثبات، لكن -مع ذلك- وجدنا تخصصًا أكثر في هذا الأمر، ووجدنا من الفقهاء القدامى من اختص، أو من ركز على هذا الموضوع، وألف فيه كتبًًا كثيرة؛ ولذلك وجدنا من الكتب المتخصصة في موضوع القضاء، وتنظيم القضاء، ووسائل الإثبات، منها مثلًا: كتاب (الأحكام السلطانية) للماوردي الشافعي، هذا الكتاب بين فيه الكثير من الأحكام التي تخص، أو تبين التنظيم القضائي في الدولة الإسلامية، بل بين فيه السلطات الثلاث في الدولة الإسلامية: السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية، السلطة القضائية، وكذلك أيضًًا تناول فيه الإدارة في الإسلام، ونظام الإدارة في الإٍسلام بينه بيانًًا شافيًا، وتحدث فيه عن الوزارة؛ وزارة التفويض، ووزارة التنفيذ -كما سنرى- ذلك فيه -إن شاء الله.
وكذلك هناك كتاب يسمى (الأحكام السلطانية) لأبي يعلى الحنبلي، أيضًًا تحدث فيه عن القضاء، وتحدث فيه عن السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية باستفاضة، وكذلك كتاب (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) لابن تيمية الحنبلي المعروف، تحدث في هذه السياسة الشرعية عن القواعد العامة التي ينبغي أن تسير عليه أو يسير عليها حكام المسلمين، سواء في حكمهم للناس، أو في توظيفهم للعمال، وبين أن السياسة الشرعية الحكيمة هي التي تراعي مصالح الناس في كل جوانب حياتهم.
стр. 16
وهناك أيضًًا من الكتب التي خصصت في موضوع السياسة الشرعية كتاب (السياسة الشرعية والفقه الإسلامي) للشيخ عبد الرحمن تاج، أفاض فيه أيضًًا في هذا الأمر، وتحدث كثيرًا عن كيفية إدارة الحكومة للسلطات الممنوحة لها في الدولة الإسلامية.
وهناك أيضًًا كتاب (الحسبة) لابن تيمية الحنبلي، وهناك أيضًًا كتب تحدثت في الطرق الحكمية، وهو كتاب لابن قيم الجوزية تحدث فيه عن هذه الطرق، وتحدث فيه عن نظام القضاء، وتحدث فيه عن وسائل الإثبات في الفقه الإسلامي، بينه بيانًًا شافيًا، وهناك أيضًًا كتب تخصصت في النواحي المالية مثل كتاب (الخراج) لأبي يوسف، وهو الضرائب التي توضع على رقاب الأرض، وكذلك أيضًًا كتاب يسمى كتاب (الخراج) ليحيى بن آدم القرشي، وكذلك كتاب يسمى (الأموال) لأبي عبيد بن سلام.
كل هذه أمور تتحدث في السياسة الشرعية على وجه العموم، وتتحدث في الموضوعات التي يشملها علم السياسة الشرعية.
ونستخلص مما سبق أن السياسة الشرعية غايتها الوصول إلى تدبير شئون الدولة الإسلامية بتنظيمٍ من دينها، والإبانة عن كفاية الإسلام بالسياسة العادلة، وتقبله رعاية مصالح الناس في مختلف العصور والبلدان، ومسايرة التطورات الاجتماعية في كل حالٍ، وزمان على وجهٍ يتفق مع المبادئ العامة الإسلامية، وهذا معنى أننا لا يمكن أن نستغني عن السياسة الشرعية، فالسياسة الشرعية إنما تمثل التطور في حياة الأمة الإسلامية، وهي التي تبين بوضوح، وتؤكد بالدليل أن الشريعة الإسلامية صالحة للتطور، وهي صالحة للتطبيق في كل زمانٍ، وفي كل مكان، إلى أن يرث الله الأرض، ومن عليها.
هذه هي أهم الموضوعات التي تدخل ضمن علم السياسة الشرعية.
هذا وبالله التوفيق.
стр. 17
٢ - أدلة اعتبار السياسة الشرعية
مراعاة الشريعة أحوال الناس فيما شرعته من أحكام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:
ننتقل إلى موضوع آخر، وهو: أدلة اعتبار السياسة الشرعية - يعني: الأدلة التي تدل على أنه ينبغي أن نأخذ بالسياسة الشرعية، هناك وجوه كثيرة تشهد باعتبار السياسة الشرعية، أو تدل على أنه ينبغي على المسلمين ألا يهملوا السياسة الشرعية، وأنه يجب عليهم أن يأخذوا بأحكامها، وفي مواطنها المختلفة، وهذا الموضوع مشروح بالتفصيل في كتاب (السياسة الشرعية للشيخ عبد الرحمن تاج صـ٦٥)، ومن أولى هذه الوجوه التي تدل على اعتبار السياسة الشرعية، أولًا: إنا عهدنا مع الشرائع السماوية السابقة- أنها كانت تراعي مصالح الأمم، وحاجات كل زمن؛ فكانت تغير في شريعة أحكامًا من شريعة سابقة من أجل تغير الظروف والأحوال، ومن الأمثلة على ذلك: فقد كان محرمًا على بني إسرائيل العمل يوم السبت، وكان محرمًا عليهم بعض شحوم الحيوان بعد أن كان ذلك حلالًا لمن قبلهم، ثم عاد إلى الحل لمن بعدهم، ومعنى ذلك أن هذه الأشياء؛ تحريم العمل يوم السبت، وتحريم بعض شحوم الحيوان، إنما فرضت على أناسٍ بعينهم، ولم تفرض على غيرهم، وربما كان ذلك سببه تغير الظروف، وتغير الأحوال، وهذا إن دل فإنما يدل على الأخذ بالسياسة الشرعية.
فكأن الشرائع في حد ذاتها تراعي الأخذ بمبدأ السياسية الشرعية، وهو أن الأحكام تتغير بتغير الزمان تغير الأحكام بتغير الأزمان، كان موجودًًا، أو كان مراعى في الشرائع السابقة، وأيضًا من الأمثلة على ذلك: كان حلالًا -أول عهد الإنسان- أن يتزوج الرجل بأخته، أو عمته، ثم حرم ذلك لما تعدد النسل، وتكاثرت أفراد النوع - يعني: معنى ذلك كان يباح، أولًا للرجل أن يتزوج بأخته، أو عمته، لكن كان ذلك لسبب معين، لم
стр. 18
تكن هناك ذرية لم يكن هناك كثرة من النوع، لكن عندما كثر النوع، وكثر الناس؛ لم يعد هناك حاجة إلى أن يباح للرجل أن يتزوج بأخته، أو عمته.
إذن تغير الحكم؛ نظرًًا لتغير الظروف، وتغير العصور والأزمان، وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن تكون الشريعة الإسلامية التي هي ختام الشرائع مسايرة لأحوال الناس - يعني: إذا كان هناك بعض التبدل ببعض الأحكام في الشرائع السابقة؛ فأولى بذلك الشريعة الإسلامية؛ لأن الشريعة الإسلامية إنما هي خاتمة الشرائع، وأراد الله لها أن تكون خاتمة الشرائع؛ ولذلك ينبغي أن تكون متطورة مع الحوادث، والمستجدات، أقول: إذا كان الأمر كذلك بالنسبة للشرائع السابقة؛ وجب أن تكون الشريعة الإسلامية التي هي ختام الشرائع مسايرة لأحوال الناس، محققة لمطالب الحاجات المتجددة، وإنما يفي بذلك قسم السياسية الشرعية، أو علم السياسة الشرعية.
إذن نخرج من هذا، أو نخلص من هذا أن علم السياسة الشرعية إنما يعمل، أو يؤكد على أن شريعة الإسلام صالحة للتطبيق في كل زمان، ومكان؛ لأنه ما من واقعة، أو حادثة إلا ويجد لها علم السياسة الشرعية حكمًًا مناسبًا له أيضًًا من أدلة اعتبار السياسية الشرعية أنه قد عهد في الشريعة الإسلامية نفسها أنها راعت اختلاف الأحوال فيما شرعته ابتداءً من الأحكام؛ ولذلك شدد في الشهادة ما لم يشدد في الرواية، يعني: في الشهادة تشدد الفقهاء، واشترطوا شروطًا معينة، واشترطوا العدالة في الشاهد إلى غير ذلك، لكنهم لم يشترطوا ذلك في حالة الرواية، أي: في حالة الإخبار.
إذن هي راعت الظروف فاشترط في الأولى -وهي الشهادة- ما لم يشترط في الثانية -التي هي الرواية- لماذا؟ نظرًًا إلى ما يكون بين الناس عادة من التنافس - يعني: لماذا اشترط في الأولى، واشترط في الشهادة شروط دقيقة للغاية، وشروط صعبة للغاية، حتى نقبل شهادة الشاهد؟ قلنا:- نظرًًا إلى ما يكون بين الناس عادة من التنافس، والعداوة التي قد تدفع
стр. 19
صاحبها إلى الشهادة، ولو بغير الحق، ولهذا اشترط على الشهادة على الزنا ما لم يشترط على القتل.
في الشهادة على الزنا لا بد من أربعة شهود -كما قرر الفقهاء- بناءً على تعاليم القرآن الكريم، أما بالنسبة للشهادة على القتل؛ فيكتفى فيها بشاهدين فقط، سبب ذلك أن الشريعة إنما تراعي ظروف الناس، وتراعي ظروف الناس، وتراعي الأحوال التي فيها الناس، وهذا يشهد باعتبار السياسة الشرعية.
أيضًًا من أدلة اعتبار الشريعة، أو اعتبار الأحكام الشرعية، أو السياسة الشرعية أن الشريعة أيضًًا راعت اختلاف الأحوال بما أنشأته من الرخص -يعني: هناك عندنا أحكام رخصة، وأحكام عزيمة- فالشريعة الإسلامية أباحت لبعض الناس رخصة، هذه الرخص في الحقيقة إنما تتعارض مع العزيمة -يعني: مع الحكم الأصلي، الشريعة الإسلامية خففت عن الناس، وأباحت لهم رخصًًا من أجل حاجة الناس، ومن أجل التخفيف عن الناس؛ ولذلك نجد الله ﵎ يقول: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة من الآية: ١٨٥) لكن نجد أن الإنسان إذا كان مسافرًا، ففي هذه الحالة نجد أن الشريعة الإسلامية أباحت للمسافر الإفطار في نهار رمضان، فإذا كان الصيام واجبًا عليه إلا أن الشريعة رخصت عنه، وأباحت له أن يفطر، وهو مسافر. p>
فالشريعة الإسلامية عندما خففت، وعندما رخصت له في ذلك لماذا؟ فعلت ذلك من أجل المحافظة على هذا المسافر؛ لأن السفر فيه مشقة، والرسول ﷺ يقول: ((السفر قطعة من العذاب)).
فإذن الشريعة الإسلامية بشرعيتها للرخص؛ هذا يدل على أنها راعت مصالح الناس، وراعت التخفيف عليهم، والتخفيف عن الناس، والتيسير عليهم، ورفع الحرج عنهم إنما يدخل ضمن علم السياسة الشرعية.
стр. 20
ومن الأدلة أيضًًا التي تدل على اعتبار السياسة الشرعية، وأنه يجب أن نأخذ بها أن حالة الناس في هذه العصور المتأخرة قد تغيرت عما كانت عليه في صدر الإسلام، فقد كثر الفساد، وانتشرت في الأمم أمراض اجتماعية تتطلب من أنواع العلاج ما يصلح لهذه الأمم، ويتناسب مع حالها، واستعدادها؛ ليكون أنجع في إزالة تلك العلل، والأمراض على شريطةِ أن ألا يخالف ذلك أصلًا من أصول الإسلام.
ولذلك يقول العلماء -في باب الشهادة-: أنه إذا لم يوجد في بلدٍ إلا غير العدول؛ فإنه يقام أصلحهم، وأقلهم فجورًا للشهادة، ومثل هذا يقال في القضاة وغيرهم؛ حتى لا تضيع المصالح، وتتعطل الحقوق، والأحكام.
وهذا معناه: أنه إذا كان الفقهاء قد اشترطوا في الشهادة أن يكون الشهود عدولًا، بل إن بعض الفقهاء لم يكتف بتحقق هذه العدالة الظاهرية، أو الظاهرة، وإنما قال: لا بد من البحث في بواطن الأمور؛ ولذلك وجد نظام يسمى: نظام المزكين عند القاضي، ومهمة هؤلاء المزكين أن يسألهم القاضي عن أحوال هذا الشاهد؛ فهم يبحثون عن البواطن الخاصة بهذا الشاهد؛ فإذا قال المزكون: إنه لا ينفع للشهادة، على الرغم من العدالة الظاهرة؛ ففي هذه الحالة لا تقبل شهادتهم.
خلاصة القول: أن الفقهاء كانوا يتشددون في موضوع الشهادة، ويشترطون -وكلهم يشترطون ذلك- أن يكون الشاهد عادلا، وهذا مأخوذ من كتاب الله ﵎ فالله ﵎ يقول: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٨٢).
ولذلك قال الفقهاء: لا بد من العدالة في هذا الأمر، لكن مع تطور الأزمان، وبعد الناس عن الوازع الديني، وقلة الوازع الديني عندهم، وهو أننا قد لا نجد
стр. 21
إنسانًًا يشهد، وهو على درجة عالية من العدالة كما طلبها الفقهاء، ونصوا عليها، فما العمل؟ هل تتعطل الحقوق، ولا نقبل شهادة؟ هل أن القاضي لا يأخذ بهذا الدليل للإثبات، وهو الشهادة، وهو الذي يأتي بعد الإقرار، أم ماذا نفعل؟ هل تتعطل الحقوق أم أننا تماشيًا مع الحالات التي، وصل إليها الناس نأخذ بأمرٍ وسط، وهو أننا نقبل شهادة هؤلاء غير العدول، لكننا نختار الأقل فسادًًا، والأقل فجورًا منهم.
إن السياسة الشرعية الحكيمة تقول: نأخذ بشاهدة هؤلاء الذين لم يصلوا إلى مرحلة العدالة الكاملة؛ لأنه يجوز في هذه الحالات التي كادت أن تنعدم فيها العدالة أن نأخذ بأقلهم فسقًًا، وأقلهم فجورًا؛ ليشهد عند القاضي، والقاضي يأخذ بهذه الشهادة، ويصدر حكمه بناءً عليها، هذه الأشياء، أو القول بأنه يجوز قبول شهادة غير العدل إنما الذي جعلنا نقول بذلك إنما هو السياسة الشرعية، لكن لو تمشينا مع القواعد العامة، ومع نصوص الفقهاء فلن نقبل شهادة غير العدل، لكن السياسة الشرعية تقول لنا: إن مصلحة الناس أن لا نعطل باب الشهادة، أن لا نعطل هذه الوسيلة المهمة من وسائل الإثبات، وهي الشهادة؛ ولذلك نأخذ بشهادة غير العدل، لكن نختار من هو أقل فسادًًا، ومن هو أقل فجورًا بالنسبة لموضوع الشهادة، هذا الأمر أيضًًا يتقرر بالنسبة للقضاء، فالفقهاء اشترطوا شروطًا كثيرة بالنسبة للقاضي، وعلى رأسها العدالة؛ فالقاضي إذا كان يشترط في الشاهد العدالة؛ فهي من باب أولى مطلوبة، وبأكثر أهمية في القاضي، لكن نصل لو افترضنا أن حال الناس، وصل إلى أننا لا نجد قاضٍ مستجمع للشروط التي اشترطها الفقهاء؛ فالفقهاء -على سبيل المثال- أكثرهم يشترط أن يكون القاضي مجتهدًا، لكن إذ وصلنا إلى مرحلة وجدنا أن الناس وصلوا إلى درجة لا نجد فيهم قاضٍ مجتهد، فما العمل في هذه الحالة؟ هل نعطل باب القضاء، أم أننا نعين قاضيًا -وإن لم يكن مجتهدًا?
стр. 22
كذلك إذا لم نجد عدلًا، ولم تتحقق العدالة في إنسانٍ ليكون قاضيًا، فما العمل في هذه الحالة? هل نمتنع عن تعيين القاضي، وتتعطل مصالح الناس، ولا يفصل في الخصومات بين الناس، أم أننا نختار أقلهم فسادًًا؟ ونختار أمثل الموجودين؟
إن السياسة الشرعية هنا تظهر وتقول نأخذ أمثل الموجودين، إذا لم تتحقق الشروط في إنسانٍ؛ فنأخذ من يتوفر فيه أكثر هذه الشروط، من أجل ماذا؟ من أجل مصالح الناس، من أجل أن تسير الحياة، من أجل أن لا تتعطل وظيفة القضاء في المجتمع المسلم، لأن القضاء مهم للغاية، ولا نتصور مجتمعًا ليس فيه قضاء يفصل في منازعات الناس.
إذن السياسة الشرعية تتدخل هنا وتقول: نختار الأمثل فالأمثل، سواء بالنسبة إلى الشهادة، أو سواء بالنسبة للقاضي؛ حتى لا تتعطل مصالح الناس، وربما هذا كان معلومًًا، أو كان يستشفه علماء الأحناف الذين لم يشترطوا في القاضي أن يكون مجتهدًا -يعني: نحن لو نظرنا إلى الاجتهاد: هل هو شرط في القاضي، أم لا؟ والله وجدنا جمهور الفقهاء يشترطون في القاضي أن يكون مجتهدًا -يعني: وصل إلى درجة الاجتهاد، لكن الجماعة الأحناف لم يشترطوا ذلك، وجوزوا القضاء للقاضي المقلد الذي يأخذ بمذهبٍ معين.
هذا أيضًًا كأنه نوع من السياسة الشرعية من الجماعة الأحناف؛ ولذلك نصل إلى درجة؛ وهو أنه لا بد من وجود قاضٍ، لا بد من وجود شاهدٍ على الرغم من عدم تحقق الشروط، والذي يقول بذلك إنما هو السياسة الشرعية، السياسة الشرعية التي تقصد في النهاية إلى تحقيق مصالح الناس، وعدم تعطيل باب القضاء في المجتمع المسلم.
من الأدلة أيضًًا على اعتبار السياسة الشرعية أن أحكام السياسة الشرعية ترجع في جملتها إلى قاعدة التيسير، ورفع الحرج عن الناس، ترجع في جملتها، وفي عمومها إلى قاعدة التيسير، ورفع الحرج عن الناس، ومبدأ الحكم بالعدل، والتواصي بالخير، وأن أمر المسلمين بينهم شورى يديرونه بما يحقق مصالحهم، ويكفل سعادتهم، هذه المبادئ محكمة، ومقررة، دل على الاعتداء بها الكتاب، والسنة.
стр. 23
فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: من الآية: ١٨٥) وقوله تعالى: ﴿مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج﴾ (المائدة: الآية: ٦) وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ (الحج: من الآية: ٧٨) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: ٥٨) وقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (الشورى: من الآية: ٣٨).
ويجمع النبي ﷺ الدين كله في النصيحة فيقول: ((الدين النصيحة -ثلاثَ مراتٍ- قالوا: يا رسول الله، لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)) وهذا الحديث موجود في (سنن الترمذي الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ -١٩٩٩ م الناشر دار الحديث القاهرة جـ٤ صـ٩٩، باب ما جاء في النصيحة).
فرعاية هذه المبادئ العامة التي تحقق الشورى، والعدل بين الناس، ورفع الحرج عن الناس إنما يحققها علم السياسة الشرعية؛ لأنه قد تبين لنا أن رفع الحرج عن الناس، ومراعاة أحوال الناس إنما يبحثه علم السياسة الشرعية، وكذلك مصالح الناس يبحثها علم السياسة الشرعية، ومصلحة الناس في الحكم بالعدل، ومصلحة الناس في أن تكون الشورى موجود: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.
من الذي ينظم الشورى؟ صحيح أن الله ﵎ أمرنا بإقامة الشورى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾ (آل عمران: من الآية: ١٥٩) وقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ لكن كيفية المشاورة، ما هي الوسيلة التي تتحقق بها المشاورة? هذا تركه القرآن الكريم لعلم السياسة الشرعية.
يأتي علم السياسة الشرعية هو الذي يحقق هذه الأشياء، إذا كانت هناك قاعدة رفع الحرج عن الناس، فكيفية تحقيق هذه القاعدة، الذي يبين لنا كيفية التحقيق تحقيق هذه القاعدة، وتطبيقها على الناس إنما هو علم السياسة الشرعية، إذا كان القرآن الكريم يأمرنا بالحكم بالعدل،
стр. 24
فكيف يتحقق العدل بين الناس؟ وما هي الوسائل التي تحقق هذا العدل، كل هذه الأمور يقوم بها علم السياسة الشرعية، وكذلك إذا كان الله ﵎ يأمرنا بالشورى بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾ (آل عمران: من الآية: ١٥٩) فهذا هو المبدأ -مبدأ الشورى بين المسلمين- لكن كيف تتحقق الشورى؟ وما هي الوسائل التي تتحقق بها هذه الشورى؟ وما هي الطرق التي يتم بها الشورى؟ هذا متروك لعلم السياسة الشرعية، لماذا كان متروكًًا لعلم السياسة الشرعية؛ لأن علم السياسة الشرعية إنما يعمل على تحقيق مصالح الناس وفقًًا للأحوال التي هم فيها، وفقًًا للبيئات التي هم فيها؛ لأنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان.
إذن السياسة الشرعية هي التي تحقق لنا هذه المبادئ من الحكم بالعدل، ومن الشورى، ومن رفع الحرج عن الناس، والمشقة عنهم؛ ولذلك النبي ﷺ جعل السياسة الشرعية كأنها تقوم بالنصيحة للمسلمين عندما قال: ((الدين النصيحة)) لكن من ينصح؟ من ينصح المسلمين، وعامة المسلمين، وأئمة المسلمين؟ كما قلنا- القانون: السياسة الشرعية، أو علم السياسة الشرعية هو الذي يبين ذلك.
رعاية هذه المبادئ -كما قلنا- المبادئ العامة -كما قلنا- التي جاء بها الإسلام مبادئ عامة، لكن التفصيلات، وإجادة فهمها، ومعرفة مواطن هذه المبادئ كفيلة بأن تفتح على الناس أبوابًًا واسعة ينفذ منها كل من له شأن في سياسة الأمم، ومن يعنيه أن تقوم شئونُها على قواعد الصلاح، والرشاد.
خلاصة القول في هذا الدليل -الذي يدل على أننا في حاجة إلى علم السياسة الشرعية- أن هذه القواعد العامة -كما قلنا- سواء بالنسبة للحكم بالعدل بين الناس، وتنظيم القضاء، أو إقامة الشورى عند المسلمين، أو رفع الحرج، والتيسير عن الناس، هذه المبادئ العامة التي يقوم بتنظيمها إنما هو علم السياسة الشرعية، لماذا لم ينص على كيفية ذلك في الكتاب،
стр. 25
والسنة؟
كما قلنا- لأن هذه الأمور تتغير، وتتبدل من زمن إلى زمن، ومن حال إلى حال؛ لذلك كان أنسب شيء أن يقوم بتنظيمها، وتفصيلها، وتطبيقها علم السياسة الشرعية، وهذا معناه أن الشريعة الإسلامية إنما هي صالحة للتطبيق في كل زمانٍ، وفي كل مكان، وهي صالحة لإيجاد الحلول للمشكلات التي تستجد، والوقائع التي تستجد، ومن الذي يفعل ذلك، وفي إمكانه ذلك، إنما هو علم السياسة الشرعية.
اعتبار المصالح المرسلة دليلًا لاعتبار أحكام السياسة الشرعية
ومن الأدلة أيضًًا على اعتبار السياسة الشرعية المصالح المرسلة -يعني: عندنا من ضمن الأمور التي تحدث فيها الفقهاء في علم أصول الفقه، وهو المصالح المرسلة، والمصالح المرسلة إنما هي ضمن الأدلة المختلف فيها بين الفقهاء: هل هي دليل من أدلة الأحكام، أم ليست بدليل من أدلة الأحكام؟
لأنه لما نبحث في أصول الفقه عندنا هناك أدلة متفق عليه وهي: الكتاب، وهي السنة، والإجماع، والقياس، هذه أدلة متفق فيها بين الفقهاء، لكن هناك أدلة مختلف فيها كثيرة للغاية، منها: الاستحسان، منها الاستصحاب، منها شرع من قبلنا، إلى غير ذلك من الأمور، ومنها أيضًًا: المصالح المرسلة.
فعلاقة المصالح المرسلة بالسياسة الشرعية علاقة وثيقة، تظهر فيما نقوله الآن: فالمصالح المرسلة هي التي لم يقم دليل من الشرع على اعتبارها، أو إلغائها. المصالح المرسلة معناها: إننا -واقعة معينة- لم نجد هناك نص من الكتاب على اعتبار هذه الأشياء، أو عدم اعتبارها؛ لم يوجد نص لا في كتابٍ، ولا في سنة يدلنا على عدم اعتبار هذه المصلحة، أو عدم اعتباره؛ ولذلك سمية المصلحة مرسلة؛ لأنها مطلقة عن دليل، لماذا سميت المصلحة مصلحة مرسلة؟ قالوا: لأنها مطلقة عن دليل اعتبارها، أو إلغاءها -يعني: لا يوجد دليل يدل على أنها معتبرة شرعًًا، ولا يوجد دليل على أنها ملغاة شرعًًا، وعلى هذا: فإن المصلحة المرسلة لا تتحقق إلا في الوقائع التي سكت عنها الشارع، وليس لها أصل معين يمكن أن تقاس عليه، ويتحقق فيها معنى مناسب، والمعنى المناسب: هو ما يجلب للإنسان نفعًًا، أو يدفع عنه ضررًا.
стр. 26
أقول: ويتحقق فيها معنى مناسب يصلح أن يكون مناطًًا لحكم شرعي، ووفقًا للرأي الراجح فإن المصالح المرسلة تعتبر مصدرًا من مصادر التشريع -كما قلنا- هذه المصالح المرسلة من الأدلة الشرعية المختلف فيها، بعض الفقهاء لا يأخذ بهذه المصالح المرسلة، ولا يعتبرها دليلًا من أدلة الأحكام، وبعض الفقهاء أخذ بهذه المصالح المرسلة، واعتبرها أدلة من أدلة الشرع.
الذين قالوا بأنها أدلة من أدلة الشرع، واعتبروا هذه المصالح المرسلة إنما هم في الحقيقة يطبقون مبدأ السياسة الشرعية؛ لأن السياسة توجد حيث توجد المصلحة، فإذا كانت هناك مصلحة للمسلمين؛ وجدت السياسة الشرعية، وأخذ بأحكام هذه السياسة الشرعية، نقول: وفقًًا للرأي الراجح؛ فإن المصالح المرسلة تعتبر مصدرًا من مصادر التشريع، إذ المتتبع لفقه الأئمة يجدهم يأخذون بالمصلحة المرسلة باعتبارها طريقًا من طرق الاستدلال بالنصوص، ولا يرفض الأخذ بهذه الطريقة أحد، إلا أنهم يطلقون عليها أسماء أخرى غير الاستدلال المرسل، أو المصلحة المرسلة -يعني: إذًن المسألة خلافية بين الفقهاء -كما قلنا- البعض يأخذ بهذه المصالح المرسلة، والبعض لا يأخذ بها.
ومن ناحية أخرى فإن أحدًًا منهم -يعني من الفقهاء- لا يترك النصوص الشرعية بالمصلحة، وإنما تطبق قواعد الترجيح بين الأدلة على تعارض المصلحة مع نصٍ شرعي -يعني: خلاصة القول في هذا: أن هذه المصالح -التي لم يقم دليل من الشرع على اعتبارها، أو لم يكن هناك دليل على إلغائها- أقول: لا ينظر باتفاق الفقهاء إلى هذه المصلحة إذا كان هناك نص شرعي يخالفها؛ لأنه إذ وجد نص شرعي يخالفها.
معنى ذلك: أنها مصالح ملغاة، مصالح ليست معتبرة شرعًًا؛ ولذلك هناك خلاف في المصالح المرسلة عندما لا يوجد نص يدل على إلغاءها؛ ولذلك إذا
стр. 27
كانت هذه المصلحة تتعارض مع نصٍ شرعي من الكتاب، أو من السنة، أو من الإجماع ففي هذه الحالة لا يطلق عليها مصلحة، بل هي مصلحة ملغاة -يعني: لا يعتد بها شرعًًا؛ ولذلك كانت المصلحة التي يحتج بها الفقهاء، أو هؤلاء الأئمة الذين، قالوا: بالأخذ بها، قالوا: هي المصلحة الملائمة -يعني: التي تشهد لها النصوص في الجملة- أو بمعنى آخر لا تتعارض مع القواعد العامة، والمبادئ العامة للفقه الإسلامي، لا بد وأن تكون هذه المصلحة -الذين قالوا بالأخذ بهذه المصلحة اشترطوا أن تشهد لها النصوص في الجملة- بمعنى أن لا تتعارض مع أحكام الشرعية الإسلامية؛ ولذلك وضعوا لها شروطًا فما هي شروط هذه المصلحة؛ حتى نأخذ بها؟
قالوا: يشترط في المصلحة المعتبرة مصدرًا من مصادر التشريع ما يلي:
الشرط الأول: أن لا تتعارض مع حكمٍ ثابتٍ بالنص، أو الإجماع؛ لأنه إذا تحقق التعارض ففي هذه الحالة يعتبر من قبيل المصالح الملغاة. يعني: التي ألغاها الشارع، مثال ذلك: إيجاب صوم شهرين في كفارة الجماع في نهار رمضان على مالك الرقبة؛ فإن كونه مالكًا لا يزجره إيجاب الإعتاق عن الإفطار؛ لسهولة ذلك عليه مناسب -يعني: إيجاب صيام شهرين لكفارة الجماع دون الرقبة، قال: هو مناسب لإيجاب الصوم عليه مبالغة في زجره عن قضاء شهوة فرجه حرمة للصوم -يعني: هذه من المصالح الملغاة- يعني: إنسان غني عنده الرقبة- يعني: عبيده -هم ليسوا موجودين الآن- فكان من ضمن الكفارات في الفقه الإسلامي كان الإنسان مثلًا الذي جامع زوجته في نهار رمضان، قالوا: عليه القضاء، وعليه الكفارة، الكفارة ماذا تعني؟ قالوا: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين، فإن لم يجد فإطعام ستين مسكينًا، فمعنى ذلك: بدأ بماذا؟ بدأ بإعتاق رقبة.
بعض الفقهاء يقول، أو بعض الذين نظروا في المصالح يقولون: الأفضل لهذا الإنسان الغني الذي عنده عبيده، كل ما نطلبه منه الذي جامع زوجته في نهار
стр. 28
رمضان؛ ولذلك خالف قول الله ﵎: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: من الآية: ١٨٥) عقابًًا له، قالوا: يقضي اليوم، ثم بعد ذلك عليه كفارة.
ما هي الكفارة؟ القرآن نص على أن الكفارة تبدأ أولًا -الكفارة هنا مرتبة- يعني: نبدأ بالعتق -عتق رقبة- بعض الفقهاء نظر إلى هذا الأمر، وقال: لو أوجبنا عليه عتق رقبة؛ فلن يتأثر من ذلك، هو إنسان غني، وإنسان ثري، ويملك رقابًًا من العبيد، عندما نقول له: اعتق رقبة، هذا أمر هين للغاية -بالنسبة له- فما أكثر العبيد عنده، وبذلك هو لم يتأثر بهذا الحكم، أو بهذه العقوبة؛ ولذلك البعض من الفقهاء قال ماذا؟ قال: نفرض عليه صيام شهرين -يعني: بدل أن يعتق رقبة- لا، نقول له: يجب عليك صيام شهرين، لماذا؟ قالوا: لأن صيام الشهرين في هذه الحالة سوف يترتب عليه العقوبة، هو أن يحس بالعقوبة؛ ولذلك لن يعود إلى ذلك مرة أخرى.
لكن الرأي طبعًًا -رأي كل الفقهاء- وقفوا إلى هذا وقالوا: إذن هؤلاء الذين أرادوا من هذا الشخص الغني الذي يملك الرقاب أرادوا منه أن يصوم شهرين بدل أن يعتق رقبة، قالوا: بأن المصلحة تقتضي ذلك؛ لأنه انتهك حرمة الصوم، والمصلحة تقتضي أن نفرض عليه صيام شهرين، وليس عتق رقبة؛ لأن الذي يؤثر عليه ويكون عقابًًا ناجعًا بالنسبة له هو أن نفرض عليه صيام شهرين، وليس عتق رقبة.
ولكن يرد على ذلك، نقول لهم: هذه المصلحة التي نظرتم إليها هي ملغاة ملغاة لماذا، قالوا: لأنها خالفت نصًًا من نصوص الكتاب؛ فالقرآن الكريم يبين أن الإنسان الذي جامع زوجته في نهار رمضان عليه القضاء، والكفارة، والكفارة تبدأ -كما قلنا- هي مرتبة، تبدأ بعتق رقبة، فإذن القرآن يقول لنا: نبدأ بعتق رقبة، وأنتم تقولون: إن المصلحة تقتضي أن يقال، أو يعاقب بصيام شهرين متتابعين، أو قولكم صيام شهرين بدل عتق رقبة.
стр. 29
إذن هذه المصلحة التي نظرتم إليها إنما هي مصلحة ملغاة، لا يعتد بها إطلاقًًا، ونحن نشترط في المصلحة أن لا تكون مخالفة لنص من نصوص الكتاب، أو السنة.
هذا هو الشرط الأول؛ لكي يعمل بهذه المصلحة، قلنا: ملغى شرعًًا؛ لأن الخصال مرتبة -كما قلنا- وهي العتق، ثم الصوم، ثم الإطعام.
أيضًًا بالنسبة لشروط إعمال هذه المصلحة المرسلة: أن تندرج المصلحة في مقاصد الشريعة -يعني: إذا أردنا أن نعتبر هذه المصلحة المرسلة، أو الذين قالوا بها، قالوا: من شروطها -كما قلنا- أن لا تتعارض مع حكم ثبت بالنص، أو الإجماع.
الشرط الثاني لإعمال هذه المصلحة: أن تندرج المصلحة في مقاصد الشريعة، ومقاصد الشريعة هي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. الشريعة جاءت من أجل المحافظة على الضروريات الخمس، أو على الكليات الخمس، هذه الأمور الخمس، أو الكليات الخمس هي: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ العرض، حفظ المال، وبالمناسبة: كل الشرائع جاءت من أجل المحافظة على هذه الكليات الخمسة، فالمصلحة لن تعتبر، ولن تكون معتبرة، ولن يعتد بها -عند القائلين بها- إلا إذا دارت في خلال هذه الكليات الخمس، أو كان يراد منها حفظ كلية من هذه الكليات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال.
فكل مصلحة كانت دائرة في فلك هذه الشريعة -يعني: تدور حول حفظ هذه الأمور الخمسة، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال -كلها- مصلحة كانت دائرة في فلك هذه الشريعة؛ فهي مصلحة معتبرة شرعًًا، وكل مصلحة ليس عليها دليل إلا العقل؛ فهي مرفوضة شرعًًا.
وبمعنى آخر: ينبغي أن تكون المصلحة ضرورية، قطعية، كلية، والضرورية هي التي تكون من إحدى الضروريات الخمس -كما قلنا- وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض -يعني: إذا لم يكن يراد منها واحد من هذه الأمور الخمسة، أو كان يراد منها شيء غير المحافظة على واحدٍ من هذه الأمور الخمسة؛ فلا يعتد بها، ويشترط أيضًًا أن تكون قطعية، والقطعية هي التي يجزم بحصول المصلحة فيها، وأما الكلية فهي التي تكون موجبة لفائدة.
نعطي مثالًا لذلك -لكي تعتبر هذه المصلحة أن تندرج المصلحة في مقاصد الشريعة، وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال-: إذا تترّس الكفار الصائلين بأسرى
стр. 30
المسلمين -يعني: أخذوا المسلمين الأسرى الذين هم عندهم، وجاءوا إلى بلادنا من أجل أن يغزونا، أو يقتلونا، تترس الكفار الصائلين -يعني: وضعوا الأسرى المسلمين في مقدمة الجيش، بحيث: لو ضربهم المسلمون؛ لضربوا هؤلاء الأسرى المسلمين، هذا هو نظام التترس- إذا تترس الكفار الصائلين يعني: المغيرين عليه بأسرى المسلمين، يعني: وضعوا أسرى المسلمين في مقدمة الجيش، وقطعنا بأنهم إن لم نرميهم ونقاتلهم؛ استأصلوا المسلمين المتترسين بهم، وغيرهم، بمعنى: أننا لو امتنعنا عن التترس؛ لصدمونا واستولوا على ديارنا، وقتلوا المسلمين كافة، حتى التترس -يعني: حتى الأسرى الموجودين معهم، والذين تترسوا بهم- ولو رمينا التترس؛ لقتلنا مسلمًا من غير ذنبٍ صدر منه.
فإن قتل التترس -والحالة هذه مصلحة- مرسلة؛ لكونه لم يعهد -في الشرع- جواز قتل مسلم بلا ذنب، ولم يقم أيضًًا دليل على عدم جواز قتله عند اشتماله على مصلحة عامة للمسلمين، لكنها مصلحة ضرورية قطعية كلية؛ فلذلك يصح اعتباره، أي: يجوز أن يؤدي اجتهاد مجتهدٍ إلى أن يقول: هذا الأسير مقتول بكل حال؛ فحفظ كل المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع من حفظ مسلمٍ واحد، معنى تلك المصلحة -يعني: إذا تترس هؤلاء الكفار بالمسلمين -الأسرى الموجودين عندهم- وهم يفعلون ذلك؛ لأنهم يعلمون أن المسلمين لن يقتلوا المسلمين مثلهم؛ ففي هذه الحالة ماذا نفعل؟ هل لا نضرب الكفار خوفًًا على المسلمين الذين تترسوا بهم، وفي هذه الحالة إذا لم نضربهم؛ فإنهم سوف يستولون علينا ويقتلوننا، ويقتلون أيضًًا الذين تترسوا بهم؟ ما هو الحل في هذه الحال؟ يعني: هل نحافظ على حياة التترس من المسلمين، وهي مصلحة خاصة، أم أننا ننظر إلى المصلحة العامة للمسلمين جميعًا، قالوا: والله المصلحة تقتضي -في هذه الحالة- أن نضحي بهذا التترس، أو بهذا الجزء من المسلمين، أو الأسير من المسلمين -الذي هو معهم- نضحي به من أجل ماذا؟ من أجل المصلحة العامة.
وهذا له ما يؤيده في القواعد الفقهية؛ ولذلك نقول: والله- الضرر الخاص يتحمل من أجل دفع الضرر العام، وهذا معناه: أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة -يعني: إذا تعارضت مفسدتان؛ روعي أعظمهما بارتكاب أخفهما، هذه هي القواعد الفقهية.
فالقواعد الفقهية لا بد أن ننظمها، أو أن نطبقها في هذه الحالة، نقول: إذا قتلنا الكفار مع التترس -المسلم معهم- في هذه الحالة هناك فيه ضرر خاص بالنسبة لهذا
стр. 31
المسلم الذي قتلناه، والذي تترس به الكفار، ولكن حققنا مصلحة عامة، وهي المحافظة على بقية المسلمين، والمحافظة على الدولة الإسلامية؛ ولذلك نضحي بهذه المصلحة الخاصة، المصلحة الخاصة المتمثلة بالنسبة للحفاظ على حياة التترس من أجل المصلحة العامة، وهي المحافظة على بقية المسلمين، والمحافظة على دولة المسلمين، وهذا -كما قلنا- ما تؤيده القواعد الفقهية المعروفة، وهو أنه: قاعدة فقهية تقول: إذا تعارضت مفسدتان؛ روعي أعظمهما بارتكاب أخفهما.
وأيضًا المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، هذه هي أهم الشروط التي قالها الفقهاء، لكن الحقيقة الإمام مالك توسع في هذا الأمر، وقال: ليس بلازم أن تكون المصلحة كلية ضرورية قطعية، يقول: المهم توجد مصلحة؛ فإذا وجدت هذه المصلحة العامة؛ ففي هذه الحالة تقدم على المصلحة الخاصة، ولما كانت الشريعة الإسلامية تجعل المصلحة المرسلة مصدرًا من مصادر التشريع الإسلامي -كما قلنا- لأن هناك بعض الفقهاء -يقولون بأن المصلحة المرسلة إنما هي تصلح دليلًا في التشريع الإسلامي، نقول: لما كانت الشريعة الإسلامية تجعل المصلحة المرسلة مصدرًا من مصادر التشريع الإسلام؛ فإن هذا معناه أن هذه المصلحة يمكن أن تغطي الوقائع المتجددة، والمصالح غير المتناهية، وهو ما تقصر عنه النصوص؛ لأنها متناهية، والمتناهي لا يفي بغير المتناهي.
والمصلحة المرسلة يمكن أن تواجه ما يستجد على الأمة من وقائع، ونوازل -يعني معنى هذا: أن المصلحة المرسلة التي قال الفقهاء بها، والتي رجحناها بهذه الشروط التي قالها الفقهاء، نقول: الأخذ بهذه المصالح المرسلة معناها: فعلًا سوف يترتب عليه أمور، هذه الأمور هي: أن كل الوقائع والحوادث التي تستجد في حياة المسلمين ننظر إليها بمنظار المصلحة للمسلمين، فإذا كانت هذه الوقائع فيها مصلحة للمسلمين علينا أن نعطيها الحكم الذي يحقق المصلحة للمسلمين عامة -يعني: لا ننظر إلى
стр. 32
المصالح الخاصة، وإنما ننظر إلى المصالح العامة- فالحقيقة الوقائع، وأحداث الناس متجددة، وغير متناهية، لكن عندنا الكتاب، وعندنا السنة نصوص، نصوص الكتاب، ونصوص السنة متناهية، محصورة، لكن الوقائع، والنوازل التي تستجد، وتوجد كل يومٍ هذه غير متناهية، كل يوم تستجد أشياء جديدة.
على سبيل المثال القرآن، والسنة لم يضعا حكمًًا لموضوع عملية نقل الأعضاء -نقل الأعضاء البشرية على سبيل المثال- لم يضع حكمًًا لموضوع الاستنساخ، سواء أكان الاستنساخ بالنسبة للنبات، أو بالنسبة للحيوان، أو بالنسبة للإنسان، فماذا نفعل إزاء هذه الأمور المستجدة؟
صحيح كما قلنا: حتى فقهاءنا -رضوان الله ﵎ عليهم- القدامى؛ لم يبحثوا هذه النوازل، لم يبحثوا هذه الوقائع، لم يكن على عهدهم، هناك نقل للأعضاء البشرية، ينقل مثلًا على سبيل المثال: كلية لإنسان -من إنسانٍ إلى إنسانٍ آخر- ماذا نفعل في هذا الأمر؟ ما هو حكم الشريعة في ذلك؟ هذه هي الحوادث، هذه هي المستجدات، هذه هي النوازل التي يجب علينا أن ننظر إليها، يجب علينا أن نراها في المنظار الإسلامي، وفي ميزان الفقه الإسلامي، ونعطي لها الحكم.
كما قلنا-: لا يوجد نص لا في الكتاب، ولا في السنة، ولا الإجماع على حكم هذه الأمور الجديدة؛ كنقل الأعضاء البشرية، أو حكم الاستنساخ -كما قلنا- للزراعة، أو للحيوان، أو للإنسان، ماذا نفعل في هذه الحالة؟ هل لو وقفنا عند النصوص نصوص القرآن، ونصوص السنة، وأردنا أن نأخذ الحكم من هذه النصوص؛ فلن نجد هذا النص، لماذا؟ لأن -كما قلنا- إن هذه النصوص إنما هي متناهية، ومحدودة، أما حوادث الناس، والوقائع، والنوازل؛ فمتجددة، وليست بمحدودة، فعندما نذهب إلى الكتاب، أو إلى السنة؛ لن نجد حكمًًا لهذه الموضوعات الجديدة كنقل الأعضاء، أو الاستنساخ، فماذا نفعل؟ هل نقول: لا نعرف شيئًًا؟ هل نقول: ليس هناك حكم؟ لا نستطيع أن نقول: ليس هناك حكم في الإسلام لهذه النوازل، وهذه الوقائع الجديدة؛ لأننا لو قلنا ذلك، فمعنى ذلك أننا نقول: بأن شريعتنا جامدة، وغير متطورة، وغير صالحة للزمان، والمكان.
стр. 33
لكن الشريعة الإسلامية الله ﵎ عندما جعلها خاتمة الشرائع؛ أراد لها أن تكون صالحة للتطبيق في كل زمانٍ، وفي كل مكان، إلى أن يرث الله الأرض، ومن عليها؛ ولذلك لا بد أن نبحث، -كما قلنا- ليس هناك نصوص في الكتاب، والسنة لهذه الوقائع الجديدة، فماذا نفعل؟
نذهب إلى علم السياسة الشرعية، علم السياسة الشرعية الذي يقوم على تحقيق مصالح الناس في هذه الحياة؛ ولذلك نذهب إلى القواعد العامة، ولا بد وأن نجد هذه الأشياء، ننظر؛ هل هذه المستجدات؛ مثل نقل الأعضاء البشرية؛ هل فيه مصلحة للناس، أم فيه مضرة لهم؟ ومن هذا المنطلق نريد أن نعطي حكمًًا.
إذن المقياس هو المصالح التي نتحدث عنها الآن، ننظر إلى هذه الواقعة، وغيرها من الوقائع المستجدة، وسوف تستجد مع تطور الأزمان نضعها في نطاق المصالح، والمضار، فما كان صالحًا للناس، وكان الصلاح فيه أكثر من الضرر أبحناه، وما كان ضارًًا بالناس، أو كان الضرر فيه أكثر من الصلاح نمنعه من ذلك.
إذن -كما قلنا- يأتي منها حكم المصالح المرسلة فإذن المصالح المرسلة عندما نأخذ بها؛ هي تحقق لنا علم السياسة الشرعية -يعني: المصالح المرسلة منصب عليها حكم السياسة الشرعية لأننا -كما قلنا- السياسة الشرعية تنظر في مصالح الناس في الدين، والدنيا؛ ولذلك المصالح المرسلة إنما تعبر عن السياسة الشرعية؛ ولذلك -كما قلنا- إذا لم نعتمد على هذه المصالح المرسلة، معنى ذلك: أننا لن نستطيع أن نجد حكمًًا للوقائع المستجدة، والنوازل المستجدة في حياة الناس -كما قلنا- فهذه الوقائع نعرضها على المبادئ العامة في الشريعة الإسلامية نعرضها على السياسة الشرعية، نعرضها من باب المصالح، والمفاسد -كما قلنا- فما فيه صلاح أبحناه، وما فيه ضرر منعناه، والحقيقة -يعني: ومما قيل في مشروعية المصلحة ما ذكره ابن تيمية في المناظرة التي تمت بين ابن عقيل الحنبلي، وبين بعض الفقهاء، جاء فيها -يعني: كانت مناظرة ذكرها ابن تيمية في كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين في الجزء الرابع صـ٣٠٩ طبعة دار الحديث القاهرة).
جاء في موضوع يهم المصلحة المرسلة، وأردنا أن نقوله؛ لأن فيه مصلحة الحقيقة، ويدل على مدى فهم فقهاءنا رضوان الله ﵎ عليهم لـ: أن الشريعة
стр. 34
صالحة لتطبيق في كل زمان، ومكان، وكل ما يؤدي إلى ذلك ينبغي أن ننصره، ونأخذ بيده.
ما قلنا- ذكر ابن تيمية المناظرة التي تمت بين ابن عقيل، وبين بعض الفقهاء جاء في هذه المناظرة، وقال الآخر -يعني: -أي: الذي كان يناظر ابن عقيل- قال: له لا سياسة إلا ما وافق الشرع -الذي يتكلم مع ابن عقيل قال: له لا سياسة إلا ما وافق الشرع- فقال ابن عقيل: السياسة كأنه يريد أن يبين له المقصود بالسياسة قال: له ابن عقيل السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد -وإن لم يشرعه الرسول ﷺ ولا نزل به وحي.
انظر إلى هذه -أيها الدارس، وأيتها الدارسة- انظر إلى هذا القول من ابن عقيل -هذا الذي فهم الإسلام فهمًًا جيدًًا هذا الذي؛ فهم الشريعة فهمًًا جيدًًا، وعلم أنها ينبغي أن نجعلها صالحة للتطبيق في كل زمانٍ، ومكان، وأن لا نقف عاجزين عن الوقائع المستجدة- ابن عقيل يرد على الآخر الذي يقول: له لا سياسة إلا ما وافق الشرع يقول له: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وهذا -كما قلنا- المصالح المرسلة التي تفعله -كما قلنا- الآن الوقائع ننظر إليها ما كان صالحًا أبحناه، وما كان ضارًًا منعناه، وما كان فيه صالح أكثر من الفساد أبحناه، وما كان فيه فساد أكثر من الصلاح منعناه يقول: ابن عقيل يؤيد.
هذا المعني بقوله: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه النبي ﷺ ولا نزل به وحي -يعني: حتى ولو لم توجد هناك نصوص في هذه الواقعة لا في الكتاب، ولا في السنة.
إذن ماذا ننظر لهم -يعني: واقعة من الوقائع جاءت لكن لم نجد لها حكمًًا لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله هذا معنى لم يشرعه الرسول ﷺ ولا نزل به، وحي، فماذا نفعل؟ ابن عقيل يقول: نعرضه على ننظر إليه من وجهة المصلحة، فما كان صالحًا أبحناه، وما كان غير صالحٍ، أو كان ضارًًا منعناه.
стр. 35
يقول: وإن لم يشرعه الرسول ﷺ ولا نزل به وحي؛ فإن أردت بقولك -هذا ابن عقيل يقول -للطرف الآخر الذي يناظره-: إذا أردت بقولك لا سياسة إلا ما وافق الشرع -أي: لم يخالف ما نطق به الشرع- فصحيح، وإن أردت أنه لا سياسة إلا ما نطق به الشرع؛ فغلط، وتغليط لفعل الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم.
إذن أراد ابن عقيل أن يقول له: إذا أردنا بكلمة لا سياسة إلا ما وافق الشرع، هل مقصود به -يعني: لا بد أن يكون منصوصًًا على حكمه أم لا.
والله إذا أردت بقولك: لا سياسة إلا ما وافق به الشرع -يعني: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع، يعني: كان منصوصًًا عليه في الكتاب، أو السنة، أو الإجماع- هذا قول لا ينفع، وهذا قول لا نأخذ به إطلاقًًا؛ لأننا لو أخذنا بهذا القول بهذا المعنى، وهو أنه لا نأخذ شيئا إلا من الكتاب إلا إذا كان منصوصًًا عليه أو على حكمه في الكتاب، أو السنة.
كما قلنا- معنى ذلك أن شريعتنا سوف تكون جامدة، لماذا؟ لأنه -كما قلنا- مرارًًا أن نصوص الشريعة المتمثلة في الكتاب، والسنة متناهية، ومحدودة، أما وقائع الناس، والنوازل؛ فهي غير متناهية، وغير محدودة؛ ولذلك لو قلنا: إنه لا سياسة إلا ما وافق الشرع -يعني: ما نطق به الشرع؛ فهذا يؤدي إلى -يعني: أمور خطيرة للغاية، وإلى أن الشريعة ليست صالحة للتطبيق في كل زمان، وفي كل مكان، لكن لو أردنا بقولنا لا سياسة إلا ما وافق الشرع -يعني: لا سياسة إذا خالفت الشرع؛ فهذا جائز، لماذا؟ لأن المخالفة معناها المخالفة العامة لأحكام الشريعة، وكل سياسة شرعية ينبغي أن تكون في الإطار العام للإسلام -يعني: المبادئ العامة، والأحكام العامة، والقواعد الكلية للفقه الإسلامي.
إذن كل ما لا يخالف المبادئ العامة نأخذه، ولا شيء فيه، أما الذي يخالف المبادئ العامة؛ فلا نأخذه، وكيف نعرف أنه خالف المبادئ العامة، أم لم يخالفها، فكما -قلنا:- ننظر إليه من ناحية المصلحة، وعدم المصلحة، فإن كان فيه مصلحة؛ أبحناه، وإن كان فيه ضرر منعناه.
стр. 36
ونخلص من هذا أن عدم دلالة شيء من النصوص الواردة للكتاب، والسنة على أحكام السياسة الشرعية تفصيلا لا يضر، ولا يمنع من أن السياسة الشرعية بكونها شرعية، يعني -كما قلنا- ليس بلازم أن تكون المصلحة منصوص على حكمها في الكتاب، أو في السنة، ولكن يكفي فقط أن تحتويها السياسة الشرعية، أو على المبادئ العامة، والأحكام العامة للشريعة الإسلامية، فما دامت هذه الوقائع -كما قلنا- متفقة مع الضوابط العامة، والأحكام الشرعية؛ فنأخذها.
أما الذي يضر، ويمنع من ذلك أن تكون تلك الأحكام هي أحكام السياسة الشرعية مخالِفةً مخَالَفةً حقيقية لنصٍ من النصوص التفصيلية.
أقول: يعني معنى ذلك أحكام السياسة الشرعية مأخوذ بها، ونأخذ بها ما دامت لم تتعارض مع نص تفصيلي، ما دامت لا تتعارض مع نص من نصوص الكتاب، أو نص من نصوص السنة، أو من الإجماع فنأخذ بها.
لكن إذا كانت هذه أو كانت هذه الأحكام التي تقولها السياسة الشرعية مخالفة مخالفةً حقيقية لنص من النصوص التفصيلية -ونقصد بالنصوص التفصيلية الأحكام التفصيلية التي تحدث عنها علم أصول الفقه، وهي الأدلة الإجمالية مثل: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس- فإذا كانت هذه الأحكام أحكام السياسة الشرعية قد خالفت حكما من الأحكام التي نص عليها الكتاب، أو الأحكام التي نصت عليها السنة، أو الأحكام التي نص عليها الإجماع، أو القياس؛ في هذه الحالة لا نأخذ بها؛ لأنها لا تعتبر سياسة شرعية في هذا الأمر.
نقول: فمتى سلمت هذه المخالفة، وكانت متماشية مع روح الشريعة، ومبادئها العامة؛ كانت نظامًًا إسلاميًا، وسياسةً شرعية -يعني: حتى ولو كانت هناك مخالفة،
стр. 37
لكنها ليست حقيقية، نقول: إذا كانت هناك مخالفة حقيقية، ومصادمة حقيقية مع نصٍ من نصوص الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو مصادمة للقياس؛ لا نأخذ بها.
لكن نفرض أن هناك مخالفة، لكنها ظاهرية -يعني: في الظاهر فقط، لكن عند التمعن، وعند التدبر؛ نجد أنه ليس هناك خلاف في الحقيقة، وهذا طبعًًا -كما قلنا كما مثلنا قبل ذلك بموضوع المؤلفة قلوبهم، وموضوع ضالة الإبل، أو الذي فعله سيدنا عثمان بن عفان، وسيدنا عمر ابن الخطاب- ما فعله لم يكن مخالفة حقيقية في النص، وإنما في الحقيقة هي مخالفة ظاهرية فقط، وليس هناك خلاف حقيقي، لماذا؟ لأننا لو نظرنا إلى مضمون الحكم، ونظرنا إلى سر الحكم، وإلى الحكمة من هذا الحكم، والتي أخذ بها سيدنا عمر؛ نجد أنه لم يخالف النص، ولكنه وجد أن العلة التي بُنِي عليها الحكم لا تتحقق في وقتٍ معين، وهو عندما أصبح المسلمون أقوياء.
فإذًن الحقيقة ليس هناك إن كان هناك تعارض هو ظاهري فقط، لكن عند التدبر نجد أنه ليس هناك تعارض، وكذلك الأمر أيضًًا إذا كانت هناك مخالفة، ولكنها ظاهرية، وليست ظاهرة، وليست حقيقية هذا حدث مع موقف سيدنا عثمان بن عفان مع ضالة الإبل -كما قلنا- فضالة الإبل الأصل أنها لا تلتقط، وتترك حتى يأتي صاحبها فيأخذها؛ لأنه لا خوف عليها من ذلك كما بين النبي ﷺ : معها سقائها، ومعها حذائها، ترد الماء، وتأكل الشجر؛ ولذلك طلب من الذي سأله أن يتركها، ولا يتعرض لها حتى يأتي صاحبها لما خالف في ذلك سيدنا عثمان بن عفان، هو خالف النص، هذا في الظاهر، لكنها ليست مخالفة حقيقية، وإنما هي مخالفة ظاهرية فقط -بمعنى: أننا لو تمعنا موقف سيدنا عثمان بن عفان؛ لوجدنا أنه في الحقيقة لم يعارض النص، وإنما نظر إلى مضمون النص، وإلى الحكمة من النص، وإلى سر هذا النص.
ولذلك هو في الحقيقة وجد أنه إذا كان النص مبني على أن هذه الإبل
стр. 38
لن يتعرض لها أحد، لماذا؟ كما بين الحديث؛ لأن هناك وازع ديني يمنعهم من أخذ هذه الإبل، لكن عندما تغير وضع الناس، وأصبح الوازع الديني ضعيفا عندهم؛ لذلك ورد أن العلة التي بني عليها حكم النبي ﷺ في الحديث هو أن الإبل لا تلتقط لم يعد موجودا -العلة لم تكن موجودة، بل تغيرت العلة، وأصبح الناس لا مانع عندهم من أن يأخذوا، ويسرقوا هذه الإبل؛ ولذلك وجد سيدنا عثمان أن العلة، أو أن الحكم يدور مع العلة، وجودًا وعدمًا، فلما وجد أن هؤلاء الناس لا مانع عندهم من أن يأخذوا هذه الإبل، لذلك قال: بأنها تلتقط، وتعرف، ثم تباع، ويحفظ ثمنها.
هذا وبالله التوفيق.
стр. 39
الدرس: ٢ مفهوم النظم الإسلامية ونشأتها في مكة والمدينة .
стр. 40
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني
(مفهوم النظم الإسلامية ونشأتها في مكة والمدينة)
١ - مفهوم النظم الإسلامية ونشأتها في مكة
خبرة النبي ﵊ بتنظيم الحياة القبلية قبل البعثة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:
نتكلم في هذه المحاضرة -إن شاء الله- عن مفهوم النظم الإسلامية، ثم عن نشأة هذه النظم، فنقول -وبالله التوفيق-:
تعرف النظم بأنها جمع نظامٍ، وهي كلمة تطلق على كل شيء يراعى فيه الترتيب والانسجام والارتباط، وهي بهذا الاعتبار تشبه العقد من حيث انتظام أحجاره بعضها مع بعضٍ، ونظم أي دولة تتكون من مجموعات القوانين والمبادئ والتقاليد التي تقوم عليها الحياة في هذه الدولة، ومن هذه النظم: النظام السياسي، والنظام الإداري، والنظام المالي، والنظام القضائي، وهناك نظم أخرى كالعبادات من: صلاة، وصيام، وحجٍ، وزكاة. وهناك نوع آخر من النظم وهو النظم الاجتماعية التي تعني بدراسة حالة الشعوب.
وإذا أردنا أن نتكلم عن نشأة النظم الإسلامية، فسوف نتحدث عن المنابع الأولى لهذه النظم الإسلامية، فنتحدث عن تنظيمات الرسول ﷺ في مكة، ثم عن تنظيماته ﷺ في المدينة، ونبدأ الآن بالحديث عن تنظيمات الرسول ﷺ في مكة: تكون الدعوة الإسلامية وجهاد الرسول الكريم ﷺ في نشرها المفاهيم الفكرية التي استندت إليها جميع النظم، ومؤسساتها التي عرفتها الدولة الإسلامية، ذلك أن تعاليم الإسلام لا يمكن فصمها عن شخصية الرسول الذي لقنها، كما أن شخصية الرسول الكريم لا يمكن فصمها عن التطور الثقافي لأمته العربية، فهذه الأمور جميعها وثيقة الصلة في بناء النظم الإسلامية بدرجة توجب دراستها سويًا لأن كلًا منها ملتصق بالآخر التصاق الحمل بحامله.
следующие страницы →