Полный текст (825 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ونخلص من هذا أن عدم دلالة شيء من النصوص الواردة للكتاب، والسنة على أحكام السياسة الشرعية تفصيلا لا يضر، ولا يمنع من أن السياسة الشرعية بكونها شرعية، يعني -كما قلنا- ليس بلازم أن تكون المصلحة منصوص على حكمها في الكتاب، أو في السنة، ولكن يكفي فقط أن تحتويها السياسة الشرعية، أو على المبادئ العامة، والأحكام العامة للشريعة الإسلامية، فما دامت هذه الوقائع -كما قلنا- متفقة مع الضوابط العامة، والأحكام الشرعية؛ فنأخذها.
أما الذي يضر، ويمنع من ذلك أن تكون تلك الأحكام هي أحكام السياسة الشرعية مخالِفةً مخَالَفةً حقيقية لنصٍ من النصوص التفصيلية.
أقول: يعني معنى ذلك أحكام السياسة الشرعية مأخوذ بها، ونأخذ بها ما دامت لم تتعارض مع نص تفصيلي، ما دامت لا تتعارض مع نص من نصوص الكتاب، أو نص من نصوص السنة، أو من الإجماع فنأخذ بها.
لكن إذا كانت هذه أو كانت هذه الأحكام التي تقولها السياسة الشرعية مخالفة مخالفةً حقيقية لنص من النصوص التفصيلية -ونقصد بالنصوص التفصيلية الأحكام التفصيلية التي تحدث عنها علم أصول الفقه، وهي الأدلة الإجمالية مثل: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس- فإذا كانت هذه الأحكام أحكام السياسة الشرعية قد خالفت حكما من الأحكام التي نص عليها الكتاب، أو الأحكام التي نصت عليها السنة، أو الأحكام التي نص عليها الإجماع، أو القياس؛ في هذه الحالة لا نأخذ بها؛ لأنها لا تعتبر سياسة شرعية في هذا الأمر.
نقول: فمتى سلمت هذه المخالفة، وكانت متماشية مع روح الشريعة، ومبادئها العامة؛ كانت نظامًًا إسلاميًا، وسياسةً شرعية -يعني: حتى ولو كانت هناك مخالفة،
стр. 37
لكنها ليست حقيقية، نقول: إذا كانت هناك مخالفة حقيقية، ومصادمة حقيقية مع نصٍ من نصوص الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو مصادمة للقياس؛ لا نأخذ بها.
لكن نفرض أن هناك مخالفة، لكنها ظاهرية -يعني: في الظاهر فقط، لكن عند التمعن، وعند التدبر؛ نجد أنه ليس هناك خلاف في الحقيقة، وهذا طبعًًا -كما قلنا كما مثلنا قبل ذلك بموضوع المؤلفة قلوبهم، وموضوع ضالة الإبل، أو الذي فعله سيدنا عثمان بن عفان، وسيدنا عمر ابن الخطاب- ما فعله لم يكن مخالفة حقيقية في النص، وإنما في الحقيقة هي مخالفة ظاهرية فقط، وليس هناك خلاف حقيقي، لماذا؟ لأننا لو نظرنا إلى مضمون الحكم، ونظرنا إلى سر الحكم، وإلى الحكمة من هذا الحكم، والتي أخذ بها سيدنا عمر؛ نجد أنه لم يخالف النص، ولكنه وجد أن العلة التي بُنِي عليها الحكم لا تتحقق في وقتٍ معين، وهو عندما أصبح المسلمون أقوياء.
فإذًن الحقيقة ليس هناك إن كان هناك تعارض هو ظاهري فقط، لكن عند التدبر نجد أنه ليس هناك تعارض، وكذلك الأمر أيضًًا إذا كانت هناك مخالفة، ولكنها ظاهرية، وليست ظاهرة، وليست حقيقية هذا حدث مع موقف سيدنا عثمان بن عفان مع ضالة الإبل -كما قلنا- فضالة الإبل الأصل أنها لا تلتقط، وتترك حتى يأتي صاحبها فيأخذها؛ لأنه لا خوف عليها من ذلك كما بين النبي ﷺ : معها سقائها، ومعها حذائها، ترد الماء، وتأكل الشجر؛ ولذلك طلب من الذي سأله أن يتركها، ولا يتعرض لها حتى يأتي صاحبها لما خالف في ذلك سيدنا عثمان بن عفان، هو خالف النص، هذا في الظاهر، لكنها ليست مخالفة حقيقية، وإنما هي مخالفة ظاهرية فقط -بمعنى: أننا لو تمعنا موقف سيدنا عثمان بن عفان؛ لوجدنا أنه في الحقيقة لم يعارض النص، وإنما نظر إلى مضمون النص، وإلى الحكمة من النص، وإلى سر هذا النص.
ولذلك هو في الحقيقة وجد أنه إذا كان النص مبني على أن هذه الإبل
стр. 38
لن يتعرض لها أحد، لماذا؟ كما بين الحديث؛ لأن هناك وازع ديني يمنعهم من أخذ هذه الإبل، لكن عندما تغير وضع الناس، وأصبح الوازع الديني ضعيفا عندهم؛ لذلك ورد أن العلة التي بني عليها حكم النبي ﷺ في الحديث هو أن الإبل لا تلتقط لم يعد موجودا -العلة لم تكن موجودة، بل تغيرت العلة، وأصبح الناس لا مانع عندهم من أن يأخذوا، ويسرقوا هذه الإبل؛ ولذلك وجد سيدنا عثمان أن العلة، أو أن الحكم يدور مع العلة، وجودًا وعدمًا، فلما وجد أن هؤلاء الناس لا مانع عندهم من أن يأخذوا هذه الإبل، لذلك قال: بأنها تلتقط، وتعرف، ثم تباع، ويحفظ ثمنها.
هذا وبالله التوفيق.
стр. 39
الدرس: ٢ مفهوم النظم الإسلامية ونشأتها في مكة والمدينة .
стр. 40
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني
(مفهوم النظم الإسلامية ونشأتها في مكة والمدينة)
١ - مفهوم النظم الإسلامية ونشأتها في مكة
خبرة النبي ﵊ بتنظيم الحياة القبلية قبل البعثة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:
نتكلم في هذه المحاضرة -إن شاء الله- عن مفهوم النظم الإسلامية، ثم عن نشأة هذه النظم، فنقول -وبالله التوفيق-:
تعرف النظم بأنها جمع نظامٍ، وهي كلمة تطلق على كل شيء يراعى فيه الترتيب والانسجام والارتباط، وهي بهذا الاعتبار تشبه العقد من حيث انتظام أحجاره بعضها مع بعضٍ، ونظم أي دولة تتكون من مجموعات القوانين والمبادئ والتقاليد التي تقوم عليها الحياة في هذه الدولة، ومن هذه النظم: النظام السياسي، والنظام الإداري، والنظام المالي، والنظام القضائي، وهناك نظم أخرى كالعبادات من: صلاة، وصيام، وحجٍ، وزكاة. وهناك نوع آخر من النظم وهو النظم الاجتماعية التي تعني بدراسة حالة الشعوب.
وإذا أردنا أن نتكلم عن نشأة النظم الإسلامية، فسوف نتحدث عن المنابع الأولى لهذه النظم الإسلامية، فنتحدث عن تنظيمات الرسول ﷺ في مكة، ثم عن تنظيماته ﷺ في المدينة، ونبدأ الآن بالحديث عن تنظيمات الرسول ﷺ في مكة: تكون الدعوة الإسلامية وجهاد الرسول الكريم ﷺ في نشرها المفاهيم الفكرية التي استندت إليها جميع النظم، ومؤسساتها التي عرفتها الدولة الإسلامية، ذلك أن تعاليم الإسلام لا يمكن فصمها عن شخصية الرسول الذي لقنها، كما أن شخصية الرسول الكريم لا يمكن فصمها عن التطور الثقافي لأمته العربية، فهذه الأمور جميعها وثيقة الصلة في بناء النظم الإسلامية بدرجة توجب دراستها سويًا لأن كلًا منها ملتصق بالآخر التصاق الحمل بحامله.
стр. 41
وكان التطور الثقافي للأمة العربية قد تعرض -في السنوات الأولى من حياة الرسول الكريم قبل البعثة- إلى أزمة عنيفة هزت أركان الحياة القبلية في شبه جزيرة العرب كلها، وأصابت بالشلل جميع الأنظمة القبلية على اختلاف مظاهرها، من ممالك في اليمن وإمارات على أطراف الهلال الخصيب، ومشيخات في جوف بلاد العرب وبخاصة في مكة، وكان قوام هذه الأزمة هو الصراع بين الروح الفردية التي فطرت عليها النظم القبلية، وبين المحاولات التي قامت بها مجموعة من القبائل لبناء أحلافٍ تصلح نواةً لمجتمعات سياسية كبرى، فالهدف من النظام القبلي لم يكن إقامة حلفٍ كبير أو تشييد مجتمعٍ ثابت، وإنما ظل هذا النظام يعمل على تثبيت نفوذ أسرة كبيرة، أو إعلاء شأن عشيرةٍ أو قبيلة ورفعها إلى مكان الصدارة على أقرانها.
واتسمت المجتمعات السياسية التي قامت على قواعد هذا النظام القبلي، اتسمت بضيق الأفق، وقصر عمر المؤسسات فيها، إذ بقيت القبيلة هي الوحدة السياسية العليا، وشيخها هو الرئيس الأعلى دون أن تسمح النظرة القبلية الضيقة بانطلاق الأحداث الكبرى نحو بناء مجتمعٍ واحدٍ مترابط، وغدت صورة الحياة القبلية في بلاد العرب قبل بعثة الرسول ﷺ غدت هذه الصورة صورة بناءٍ متداع، وما صاحب هذا التداعي من فوضى في جميع النظم التي سيطرت على تلك الحياة.
وبدأت مظاهر التداعي في النظام القبلي تدوي ابتداءً من سنة ٥٧١م التي شهدت ميلاد الرسول الكريم ﷺ فشب ﵊ وسط هذه الحياة القبلية الصاخبة ووقف على جميع نظمها عن كثبٍ وعن تجارب ذاتية عديدة، هيأت له ﵊ حمل الأمانة وأداء رسالتها بإخراج العرب من ظلمات تلك النظم إلى نور الإٍسلام وإعدادهم في نفس الوقت لنشر هذا الدين في جميع
стр. 42
أرجاء العالم، وهكذا حصل الرسول الكريم ﷺ في مسقط رأسه بمكة قبل بعثته بخمس سنوات، حصل على صورة متكاملة لما آلت إليه الحياة القبلية بشتى نظمها ومؤسساتها؛ ذلك أن مكة غدت وأصبحت نتيجة وصولها إذ ذاك إلى المركز الديني والتجاري الأول في بلاد العرب، ووفود القبائل إليها من شتى أرجاء تلك البلاد، أقول: أصبحت تضم مجتمعًا متناقضًا، ترسبت فيه نظم تلك القبائل البدوي منها والحضري على السواء.
وتمثل هذا التناقض في النظم التي صارت عليها قريش نفسها فكان الفرد منهم يحتفظ بالعصبية القبلية في أبشع صورها من حيث السلب والنهب، والافتخار بالأحساب والأنساب، ويعتز في نفس الوقت بالتمايز الطبقي الذي صاحب حياة الاستقرار في هذا المركز الديني والتجاري، وهو مكة فدأب القرشي من الملأ -والملأ هذا: إنما هو مجلس يضم رؤساء أحياء قريش بعد توحيدها- على الافتخار بعشيرته من جهة وبثروته من جهة أخرى، وكان يسير في الطرقات وأنفه شامخ في زهوٍ وخيلاء حتى يكاد يخرق الأرض بقدميه رغبة في أن يبلغ الجبال طولًا، ثم هو ينطلق في أثناء مشيه سريع الغضب شديد البغي، يلطم من يعترض سبيله من المستضعفين، وهم الذين لا عشيرة أو قبيلة كبرى تحميهم.
وتحولت مكة قبيل بعثة الرسول الكريم بخمس سنواتٍ إلى مجتمع للمتناقضات في النظم القبلية، فهي مركز حضاري يتمسك أهله في نفس الوقت بالتقاليد البدوية الظاهرية، ومراعاتها شكليًا في واقع حياتهم، وما يتصل بتلك الحياة من معالم ومظاهر، فعاش فيها طبقة من أصحاب الثراء الواسع والترف العريض إلى جانب جماعات من الفقراء الساخطين الخاضعين لشتى مظاهر الاستغلال من
стр. 43
الربا وسوء المعاملة، وغدت النظم القبلية أداة في يد الملأ من سادة قريش يسخرونها لما يحقق لهم حياة النعيم على حساب بؤس وشقاء الآخرين.
هذه هي النظم التي كانت في مكة قبل بعثة النبي ﷺ بيناها وبينا كيف أن النبي ﷺ عاش هذه الحياة، وخبر هذه التجارب، وأصبح على علم تام بهذه النظم القبلية التي كانت سائدة بمكة، لكن بنزول القرآن الكريم، اندلعت الثورة على هذه الحياة القبلية ونظمها ومؤسساتها كما قلنا عند نزول الوحي بالقرآن الكريم على الرسول الأمين ﷺ وهو في الأربعين من عمره، أثناء تعبده في غار حراء، لقد نزل القرآن الكريم ثورة اجتماعية ودينية ضد الاتجاهات القبلية ونظمها ومؤسساتها التي تركزت في مكة، ودعا إلى إقرار نظمٍ جديدة في سبيل بناء مجتمعٍ متحرر من النظرة القبلية الضيقة، وقائم على أساس العدالة العالمية.
إذن: بنزول القرآن الكريم أصبح هناك ثورة ضد هذه النظم البالية التي كانت قائمة على العصبية، وعلى حب القبيلة أكثر من غيرها، والتي كانت سائدة عن العرب في مكة، جاء القرآن الكريم ليعلن الثورة على هذه النظم البالية ومن أجل أن تكون هناك نظم أخرى تكون أوسع أفقًا وتشمل العالم بأسره، وتمت تنظيمات الرسول أثناء نشر الدعوة على مرحلتين هامتين مترابطتين الأولى: استهدف فيها الرسول الكريم نشر تعاليم الإسلام بما ينظم حياة الفرد في مكة، للتخلص من قيود العصبية القبلية في هذا المعقل القبلي الآثم وهو مكة، أما المرحلة الثانية: عمل فيها الرسول الكريم بعد هجرته إلى المدينة على تنظيم جماعة المؤمنين فيها لإعلاء شأن المجتمع الإسلامي الوليد وإعداد أبنائه لحمل رسالة الإسلام إلى سائر أرجاء العالم.
стр. 44
القواعد التي أرساها النبي ﷺ بمكة
وجاهد الرسول الكريم في مكة على أن يرسي القواعد التالية، وفق ما جاء به القرآن الكريم: أول قاعدة من هذه القواعد التي أراد النبي ﷺ أن يقوم بإرسائها بعد نزول القرآن الكريم في مكة: الدعوة إلى وحدانية الله خالق كل شيء، واتخاذ هذه العقيدة الدينية الأساس لبناء مجتمعٍ جديد له نظمه وله مثله العليا، التي تقف على طرفي نقيض مع المجتمع القبلي وما سيطر عليه من نظم وتقاليد وليدة العصبية، وهي أمور صارت تعرف في المصطلح الإسلامي والدعوة الإسلامية، باسم: دعوى الجاهلية.
فالدعوة إلى وحدانية الله كانت المعول الذي انقض على الجمود الجاثم على الحياة القبلية، وكانت سبيلًا لإيقاظ الفكر وتحريره من الرقود المقترن بروح المحافظة التي تدعو إليها النظم القبلية، وأوضح القرآن الكريم أهمية هذه الدعوة الجديدة، وأن العرب لم تكن لهم بها معرفة من قبل، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (سبأ: ٤٤) واقترنت الدعوة إلى وحدانية الله، بضرورة إعمال الفكر وعدم الجري والانقياد الأعمى بما تدعو إليه النظم القبلية من تمسكٍ بتراث الآباء والأجداد ولو كانوا على غير هدي، وندد القرآن الكريم بهذا الجمود في كثيرٍ من الآيات فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ (الصافات: ٦٩ - ٧١) وحث القرآن الكريم في نفس الوقت على التدبر والنظر وإعمال الفكر، وأن إثبات وجود الله ووحدانيته يظهر للإنسان بالنظر العقلي في آيات الخالق، من ترابط الوجود وقوانين الطبيعة، بل وفي تأمل الإنسان نفسه لما وهبه
стр. 45
الله من سمع وبصر وغير ذلك من أسباب الحياة؛ ولذلك يقول ﵎: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُون﴾.
القاعدة الثانية من القواعد التي أراد النبي ﷺ أن يرسيها في مكة، من أجل القضاء على هذه النظم القبلية البالية هي: تقرير فكرة البعث والحساب بعد الموت، حيث ينال الإنسان إما جنة الخلد أو عذاب النار حسب ما قدمت يداه في الحياة الدنيا لذلك يقول الله ﵎: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة﴾ (المدثر: ٣٨) ويقول تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (النجم: ٣٩ - ٤٠) ويقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: ٣٤ - ٣٧).
فكما قلنا: هذه القاعدة تعني: تقرير فكرة البعث والحساب بعد الموت، حيث ينال الإنسان إما جنة الخلد أو عذاب النار، حسب ما قدمت يداه في الحياة الدنيا، واستهدفت هذه العقيدة الإطاحة بمفهومٍ بالٍ من مفاهيم الحياة القبلية، وإقرار مبدأ جديد للمجتمع الإسلامي الوليد، فمسئولية المرء في عقيدة البعث والحساب بعد الموت، مسئولية فردية حيث يجزى الإنسان بما كسبت يداه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ (الزلزلة: ٧ - ٨) وأوضحت آيات القرآن الكريم بجلاء هذه المسئولية الفردية، على أساس أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأنه يوم القيامة لا يسأل والد عن ولده، ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئًا، وأن كل إنسانٍ مسئول عن أعماله يوم القيامة.
ولذلك فهذه العقيدة هدمت دعوى الجاهلية القائمة على العصبية القبلية، والتي تقرر أن الفرد يؤخذ بجريرة غيره، على نحو ما تقرره عادة الثأر في القبيلة، وما اقترن بها من دعوة كل فرد من أفراد القبيلة إلى أن ينصر أخاه ظالمًا أم مظلومًا، وهذا معناه أن فكرة البعث والحساب تقرر المسئولية الفردية للإنسان، وأن كل إنسانٍ مسئول عن عمله ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: ٣٨) ﴿وَأَنْ لَيْسَ
стр. 46
لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وهذا بخلاف ما كان عليه العمل في النظم القبلية في الجاهلية، فالمسئولية الفردية لم تكن معروفة، وإنما كانوا يأخذون الشخص بجريرة غيره وبذنب غيره، وذلك كما كان حادثًا بالنسبة للأخذ بالثأر.
فالإسلام يقرر أن القاتل يقتل، لكن هؤلاء إن لم يتمكنوا من قتل القاتل كانوا يقتلون أي فرد من أفراد عائلته، وهذا أمر يأباه الإسلام، وهدمه الإسلام بالعقيدة التي جاء بها وهي: المسئولية الفردية للشخص، والقرآن الكريم يصور يوم البعث والحساب تصويرًا يؤكد للإنسان أهمية المسئولية الفردية، وأن هول ذلك اليوم ينسي كل مرضعة ما أرضعت، وأن لكل امرئ يومئذٍ شأن يغنيه فيخرج لكل إنسانٍ يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا مكتوب فيه: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ (الإسراء: ١٤) وأيضًا ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: ٣٤ - ٣٦) ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج: ٢).
وهكذا هدمت عقيدة البعث والحساب وما اقترن بها من المسئولة الفردية، هدمت رابطة العصبية القبلية القائمة على الدم، وأحلت مكانها مسئولية جديدة تجعل من الإنسان نواة لوحدة يمكن أن تتسع على أساسٍ من مراعاة الضمير وتقوى الله في السر والعلن، ونعني بها: الوحدة التي يقف الفرد فيها إلى جانب الآخر كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، ولذلك يقول النبي ﷺ : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) ويقول ﷺ : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)).
стр. 47
والقاعدة الثالثة من القواعد التي حاول وجاهد النبي ﷺ أن يرسيها في مكة هي: اتخاذ التقوى بدلًا من العصبية القبلية أساسًا لبناء قيمٍ أخلاقية سامية تتعدى مجالاتها حدود القبيلة، وتتسع في نفس الوقت لا لتشمل العرب فحسب بل وجميع الأمم المجاورة لهم أيضًا فالتقوى في الإسلام تقرر مقاييس أخلاقية جديدة، لبناء مجتمعٍ لا تسوده المقاييس القبلية الله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية: ١٣) فإذن: الله ﵎ يبين في هذه الآية أن أساس التفاضل بين البشر إنما هو تقوى الله ﵎ والعمل الصالح، وأن التمايز عن طريق الجنس أو اللغة أو الدين أو غير ذلك كل ذلك أمور لا ينظر إليها الإسلام وإنما ينظر إلى التقوى فقط ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
والنبي ﷺ أيضًا يبين أنه ليس لأبيض على أسود فضل إلا بالتقوى والعمل الصالح، ويقول ﷺ : ((الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى)) ولذلك شريعة الإسلام جاءت لتسوي بين الناس، وأنهم متساوون فيما بينهم أمام الله ﵎ لكن الذي يميز بين فردٍ وآخر إنما هو التقوى التي نص عليها الله ﵎ في الآية التي ذكرناها ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فالشعوب والقبائل في الإسلام ليست وحدات منعزلة، وإنما هي تكون مجتمعات يستوي الناس فيها أمام الإسلام بصرف النظر عن أصلهم وجنسهم، وأن الفارق بين الناس هو فارق أخلاقي، لا يقوم على أساس الوراثة، كما دعت إليه العصبية القبلية، وأن كل فردٍ ينال ما يشاء من رفعت لا على أساس الحسب والنسب والثراء، ولكن على قدر كسبه وبره وتقواه.
وبدأت التقوى في الإسلام وما حوته من مقاييس أخلاقية، تنظم العلاقات بين الناس على قواعد جديدة، وتخرجهم من ظلمات النظم القبلية التي بلغت
стр. 48
مساوئها حدًا قاتلًا في مجتمع مكة، فالنظم الإسلامية التي تقررها التقوى، تستنكر المادية المرزولة التي اقترنت بالنظام القبلي في مكة، حيث الناس قد ألهاهم التكاثر بجمع المال، وعده وحبه حبًا جمًا مع سلبٍ لمال اليتيم، وعدم الحض على طعام المسكين، وإغراق في الموبقات، وإساءة إلى العلاقات الاجتماعية بين الأهل، والميل مع الهوى في معاملة الناس اقتصاديًا وأدبيًا. هذا هو ما كان عليه الحال في الجاهلية الحال في الجاهلية كان قائمًا على حب المال حب الثروة، ظلم القوي للضعيف، لكن جاءت التقوى لتبين أن الناس سواسية، وأنه لا فضل لإنسانٍ على آخر إلا بالتقوى، وأنه ليس هناك تمايز على أساس الحسب والنسب والثراء.
وأخذ الرسول الكريم يتلو الآيات القرآنية التي تحرم التنظيمات القبلية البالية، والتي تقرر مبادئ التقوى لتنظيم المجتمع الجديد وسعادة أفراده ورفاهيتهم قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: ١٥١ - ١٥٢).
وأكد الإسلام في نفس الوقت أن التقوى ومبادئها لا تعني داء الواجبات السالفة تظاهرًا، وإنما الهدم منها مرضات الله ﵎ يعني: مطلوب من المسلم عندما يؤدي هذه الفروض التي فرضها الله عليه أن يؤديها خالصة لوجه الله ﵎ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: من الآية: ٥) لا بد من الإخلاص في
стр. 49
العمل لله ﵎ ولذلك يقول النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) ولذلك كما قلنا: أكد الإسلام في نفس الوقت أن التقوى ومبادئها لا تعني أداء الواجبات في الظاهر فقط، وإنما الهدف منها مرضاة الله؛ لأن الفرد سوف يحاسب على جميع ما يؤديه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
ونأتي إلى القاعدة الرابعة من القواعد التي حرص النبي ﷺ أن يرسيها في تنظيمات الإسلامية في مكة، وهذه القاعدة تعني: التأكيد على وحدة الرسالات، وأنها تستمد تعاليمها جميعًا من نبعٍ واحد هو الله وذلك للقضاء على تعدد المعتقدات في الحياة القبلية، وما صاحب نظمها الدينية من وثنية وشركٍ وحيرة أيضًا بين أتباع المسيحية أو اليهودية، فأوضح القرآن الكريم أن الدعوة الإسلامية تصديق لما جاء في الكتب السماوية، ودعوة للعرب خاصة باتباع ملة أبيهم إبراهيم فقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى: ١٣).
فإذن: وحدة الرسالات دعى إليها الإسلام لأن الرسالات كلها تدور على معنى واحد وهو توحيد الله ﵎ والإسلام هو أساس هذه الديانات جميعًا يقول ﵎: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلام﴾ (آل عمران: من الآية: ١٩) ويقول أيضًا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥) فإذن: الرسالات جميعها إنما جاءت لأمرٍ واحد وهو توحيد الله ﵎ هذا هو ما حث عليه الدين الجديد، وهذا كان مخالفًا لما كان معروفًا في النظم القبلية قبل بعثة
стр. 50
النبي ﷺ حيث كانت هناك تتعدد المعتقدات، من وثنية وعبادة أصنام، وغير ذلك، فجاء الإسلام وبين لهم أن أصل الرسالات واحد، وأن الدين عند الله الإسلام.
وخاطب القرآن الكريم العرب لا على أنهم من قحطان أو عدنان، يعني: ليس على أنهم قبائل عربية، وإنما تذكرهم الآيات القرآنية بملة أبيهم إبراهيم، فقال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (الحج: من الآية: ٧٨) وصارت وحدت الرسالات هي السبيل الذي جهد الرسول ﷺ على أن يخرج به العرب من نطاق التشتت القبلي إلى نطاق الوحدة، التي يدعوهم إليها باعتباره خاتم النبيين، وأن الدين الإسلامي هو دين أبيهم إبراهيم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢) ويقول تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ٦٨).
تلك كانت هي القواعد التي أرساها النبي ﷺ وعمل جاهدًا على أن يرسيها في مكة بالنسبة للتنظيمات الإسلامية، لكن هل أهل مكة وكفار مكة تركوا النبي ﷺ هكذا، ليهدم هذه النظم القبلية التي كانوا يعيشون في ظلها، والتي كانوا يستفيدون منها؟ لا وقفوا للنبي ﷺ فهناك مقاومة من النظم القبلية للتنظيمات الإسلامية التي أراد النبي ﷺ أن يرسيها في مكة كما أوضحنا قبل ذلك، فقد سلك الرسول الكريم على هدي القرآن الكريم سبيل التدرج والتطور لنشر الدعوة الإسلامية، وإقرار التنظيمات الجديدة التي جاءت بها تلك الدعوة في مواجهة المقاومة الضارية التي واجهتها من النظام القبلي في مكة.
стр. 51
وحدد القرآن الكريم مراحل التطور من جهاد الرسول في مكة على النحو التالي: أولًا: أمر الله الرسول بأن يبدأ بعشيرته والمقربين له، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) فالعشيرة بحكم قرابتها للرسول، تكون أكثر استعدادًا في نصرته عند توسيع نطاق دعوته إلى ما عداها من العشائر والقبائل، الثاني: أمر الله النبي بعد ذلك أن يبلغ رسالته لمكة وما حولها في قوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (الأنعام: من الآية: ٩٢) وتمثل هذه المرحلة انتقال الدعوة من العشيرة إلى قبيلة قريش صاحبة السيادة في مكة، ومعها خلفائها الضاربين خارج مكة نفسها.
ثالثًا: أمر الله الرسول بأن يوضح للناس أن دعوته والتدرج في نشرها لا تعني أنها محدودة بقريش والقبائل العربية وإنما هي دعوة للبشرية كافة، وأن جميع ما جاءت به تلك الدعوة من عقائد ونظم تتضح أهميتها الكبرى في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِين﴾ (يوسف: من الآية: ١٠٤) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: من الآية: ٢٨) فالدعوة هي دعوة عالمية للناس جميعًا، ولا غرابة في ذلك لأنها آخر الدعوات والرسول ﷺ آخر الرسل، ولذلك كانت دعوة للناس جميعًا، إنما بعثت للناس كافة، كما يبين ذلك النبي ﷺ واستجاب نفر من عشيرة الرسول الأقربين للدعوة الإسلامية، ولكنها كانت استجابة فردية رائدها الإيمان الصادق بما جاء به القرآن الكريم، وليس للعصبية دخل فيها، يعني: هؤلاء النفر الذين آمنوا بدعوة النبي ﷺ من عشيرته، لم يؤمنوا بدعوته ﷺ بسبب العصبية وأنه من عشيرتهم، ولكن بسبب اقتناعهم بهذه الدعوة كما وضحها القرآن الكريم.
стр. 52
لقد أفاد الرسول الكريم من عشيرته حين وقف عمه أبو طالب إلى جانبه في تلك الأيام الأولى من الدعوة الإسلامية، ولكن الرسول الكريم لم يشأ في نفس الوقت أن يعتمد اعتمادًا كليًا على عشيرته، أو يحد نفسه بها؛ لأن ذلك لا يتفق ودعوته التي تهدف إلى هدم العصبية القبلية بكافة أنواعها، ثم إن عصبية العشيرة نفسها تصدت للرسول تصديًا أعمى وأخذت تنزل به أشد الأذى، وذلك على نحو ما قام به عم للنبي نفسه اسمه: أبو لهب وزوجته، وقد نزل في هذا المشرك المتعصب قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ (المسد: ١: ٥).
هذا معناه: أن دعوة النبي ﷺ لم تقم على العصبية بدليل أن أقرب الناس للنبي ﷺ وهو عمه وقف له بالمرصاد وحاربه، ولذلك عندما تنشط هذه الدعوة وتغزو العالم فليس معنى ذلك أنها دعوة للعصبية والقبلية، وإنما هي دعوة للناس جميعًا، والناس عندما يدخلون في هذه الدعوة لا يدخلونها من باب العصبية والقبلية، وإنما من باب ما جاءت به الدعوة من أدلة على أنها الدعوة الصحيحة، التي يجب أن يدخل فيها الناس جميعًا.
واندلعت نار العصبية من العشيرة إلى قبيلة قريشٍ حين نجحت الدعوة الإسلامية في تحدي النظم القبلية، وزاد عدد المعتنقين الأول للإسلام وقاد الملأ -وهم: أرستقراطية قريش من شيوخ العشائر، والبطون- قادوا هذه الحركة ضد النبي ﷺ قادوا حركة المقاومة للرسول حينما لمسوا خطورة تنظيم أتباعه، على نظامهم القبلي وكيانهم الشخصي القائم على تقاليد هذا النظام.
стр. 53
إذن: عندما وجدوا أن هذه الدعوة سوف تنال من الأنظمة القبلية التي كانوا يسيرون عليها قبل الدعوة وجدوا في ذلك خطورة، ولذلك وقفوا للنبي ﷺ بالمرصاد، من أجل محاربته ومن أجل المحافظة على هذا النظام القبلي الذي كان يقرر مصلحة لهم، ولذلك أعلن رجال الملأ استنكارهم أولًا لما جاء به الرسول الكريم، ووصفوه بأنه غريب على تقاليدهم القبلية، وقالوا عنه على نحو ما ذكر القرآن الكريم: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ (القصص: ٣٦) وكذلك ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ (ص: ٧).
ودفعت العصبية القبلية ملأ قريش -يعني: رؤساء قريش- إلى الانتقال بعد ذلك من مجرد الاستنكار إلى مقاومة الرسول ماديًا ومعنويًا، حين تبين لهم أن دعوته برغم أنها بدأت دينية إلا أن تعاليمها أخذت تخلط بين أتباعها نظمًا جديدة تهدد وحدة النظام القبلي، وتقاليده، فأتباع الدين الجديد انفصلوا عن عشائرهم وقبائلهم، وتخلوا عن عصبيتهم القبلية وروابطها، وكونوا مجموعة لها روابط جديدة، ومثلًا وقيمًا جديدة وأشار القرآن الكريم إلى طبائع هذا الصراع داخل الأسرة الواحدة التي أسلم نفر منها دون الآخر فقال تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أَخْرُجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (الأحقاف: ١٧).
ثم رسم القرآن الكريم معالم التنظيم الخاص لهذه الظاهرة المبكرة في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (العنكبوت: ٨) ورأى الملأ من قريش أن مجتمع مكة انقسم شقين: مجتمع تهيأ له نظمه الاتساع والنشاط ويضم المؤمنين بالإسلام، ومجتمع جامد آخذ في الانهيار وهو المجتمع القبلي الذي
стр. 54
يتولى الملأ رئاسته في مكة، وبات الموقف يتطلب من الملأ سرعة العمل ضد الرسول، الذي هددت تعاليمه ومقاييسه الجديدة هددت سلطان الملأ نفسه، ومكانة قبيلة قريش ليس في داخل مكة بل وفي خارجها كذلك، فالدعوة الإسلامية وما نادت به من نظمٍ جديدة قائمة على التقوى كأساسٍ للتفاضل الاجتماعي بدلًا من النظم القبلية القائمة على العصبية والثراء، أخذت تكون طلائع جديدة للرئاسة العامة، ليس للملأ وشيوخ العشائر فيها نصيب، وزاد في خوف الملأ من طلائع هذه الرئاسة الجديدة أن شئونها العليا آلت بحكم النظم الإسلامية للرسول نفسه، حيث نادت الآيات القرآن بطاعة الله وطاعة الرسول.
وعبر الملأ عن خوفه من طلائع هذا النظام الإسلامي الجديد؛ لاختلافه عن القواعد التي قررها النظام القبلي للرئاسة على نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف: ٣١) وأشار القرآن الكريم أيضًا إلى حقيقة الأسباب التي خاف من أجلها الملأ على مكانته في مكة في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (سبأ: ٣٤ - ٣٧)
وأخيرًا وجد الملأ ذريعة لتعبئة صفوف عامة قريش وعشائرها تحت لوائه، حين هاجمت التعاليم الإسلامية وثنية قريش وآلهة المشركين، إذ رأى الملك أن سيادة الدعوة الإسلامية الجديدة تعني: زوال سيادة قريش القائمة على صيانة أصنام
стр. 55
القبائل في الكعبة، وصرف تجار تلك القبائل وأهلها عن بيتهم العتيق، وأشار القرآن الكريم إلى الصراع الذي دار بين الملأ وبين الرسول حول هذا الأمر في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: ٥٧ - ٥٨)
ودار الصراع بين الملأ والرسول الكريم على مراحل كشفت نتائج كلٍ منها عن أن النظام القبلي قد فقد سطوته وأن ما أظهره من مقاومةٍ إن هي إلا صحوة الموت، على حين أن النظم الإسلامية تحمل من الفتوة من السمو ما يبشر بطلائع مجتمع عالميٍ جديد، ولذلك كتب الله ﵎ النصر لهذه الدعوة، وهكذا استطاعت التعاليم الإسلامية أن تحقق لصمود أتباعها أمام ملأ قريش مبدءًا جديدًا وهو أن واجب الفرد لم يعد يقتصر على قبيلته، وإنما صار يشمل المؤمنين بالدعوة الإسلامية على اختلاف الأصول القبلية التي ينتمون إليها، وبدأ هذا المفهوم الجديد يهز الحياة القبلية كلها برغم صلف قريش وضراوة الملأ فيها للدفاع عن بقاء تلك الحياة القبلية، ولم يعد أمام الرسول الكريم في نفس الوقت من سبيل سوى نقل هذا المفهوم والدعوة التي استند إليها هذا المفهوم إلى ميدان جديد، أشبه بالشكل من النبات الذي لا بد من غرسه في أرض جديدة تكون أكثر ملائمة لنموه وازدهاره، إذ اتضح للرسول الكريم أن بيئة مكة قد أصبحت بعناد ملأ قريش له معقلًا للنظم القبلية وعصبيتها الجاهلية، وأنه لا بد من البحث عن تربة جديدة غير تربة قريش، ولذلك اختار النبي ﷺ المدينة المنورة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 56
٢ - نشأة النظم الإسلامية في المدنية
أهم المعالم للنظم الانتقالية التي وضعها النبي في المدينة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:
قد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن نشأة النظام الإسلامي، أو النظم الإسلامية، وبينا التنظيمات الإسلامية التي وضعها النبي ﷺ في مكة، ونشرع الآن في بيان التنظيمات الإسلامية التي وضعها النبي ﷺ فنقول -وبالله التوفيق-:
اتضح للرسول الكريم ﷺ أن بيئة مكة قد أصبحت -بعناد ملأِ قريش له- أصبحت معقلًا للنظم القبلية، وعصبيتِها الجاهلية، وأنه لا بد من البحث عن تربة جديدة غير تربة قريش، واختار الرسول الكريم ﷺ سوق عكاظٍ باعتباره أهم مؤسسة في الحياة القبلية، وبدأ يعرض الدعوة الإسلامية على القبائل العربية الوافدة إلى هذا السوق من خارج مكة، وحلفائها.
والتقى الرسول ﷺ بنفرٍ من قبيلة الأوس من أهل يثرب -التي أصبحت المدينة فيما بعد- كانوا قد وفدوا إلى مكة لعقد تحالف مع قبيلته قريش ضد الخزرج -وهي القبيلة الكبرى الثانية في يثرب- وشرح النبي ﷺ لهذا النفر من الأوس مغبة الصراع القبلي الغارقين فيه، وخطورة تأجيج نيرانه بالتحالف مع قريش، ثم دعاهم ﷺ إلى خيرٍ من ذلك، وهو اعتناق الإٍسلام، وعلى الرغم من أن هذا النفر لم يؤمن، إلا أنه -حين عاد إلى يثرب- نشر بين أهلها خبر الدعوة الإسلامية الجديدة وجهاد رسولها ﷺ في مكة، واهتزت قبيلة الخزرج للأنباء التي ذكرها رجال الأوس عن النبي الجديد في مكة، ورأوا أن أحوالهم في يثرب تدفعهم إلى معرفة دعوته ﷺ ذلك أن سكان يثرب من الأوس، والخزرج قد سمعوا من جيرانهم اليهود بقرب ظهور نبيٍ، وأن اليهود يستغلون هذه النبوءة لفرض سيادتهم على يثرب كلها.
ولذا حين خرج إلى سوق عكاظ نفر من بني عبد الأشهل من الخزرج، والتقوا بالنبي ﷺ كانوا أسبق أهل يثرب إلى قبول الدعوة الإسلامية؛ حتى لا ينال الأوس، أو اليهود قصب السبق عليهم في هذا السبيل، وتجلت في مناقشة هذا
стр. 57
الوفد الخزرجي مع الرسول الكريم ﷺ مدى استجابة قبيلة الخزرج لمبدأ اتساعٍ واجب الفرد إلى خارج نطاق القبيلة على نحو ما تدعوا إليه تعاليم الإسلام، وصلاحية هذا المبدأ لأن يكون طليعة التنظيم السياسي للمسلمين في يثرب يعتز به الرسول شخصيًا؛ فقالوا للرسول ﷺ : يا رسول الله، إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة، والشر ما بينهم؛ فعسى أن يجمعهم الله بك؛ فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليه؛ فلا رجل أعز منك.
وبدأت الدعوة الإسلامية، ومفاهيمها تلقى استجابة بين أهل يثرب، حتى إذا ما وافى موسم الحج التالي حضر وفد من أهل يثرب يضم اثني عشر شخصًًا؛ تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، وقابلوا الرسول الكريم ﷺ عند العقبة بين منى، ومكة، وبايعوه على الإسلام، وجاء تكوين هذا الوفد من الخزرج، والأوس دلالة على اتساع مفهوم واجب الفرد، وأنه لم يعد يقتصر على القبيلة.
ثم إن الرسول ﷺ خطى خطوة تنظيمية أخرى كان لها أثرها في النظام السياسي لجماعة المسلمين؛ إذ بعث النبي ﷺ مع هذا الوفد -عند عودته إلى يثرب- أحد الصحابة السابقين في الإسلام، وهو مصعب بن عمير من بني عبد الدار؛ ليقرئهم القرآن، ويفقهم في الدين، واشتهر هذا الصحابي في يثرب باسم المقرئ، وهو لقب يدل على اتجاهٍ جديدٍ في الرئاسة من أجل تنظيم الدعوة الإسلامية على أسسٍ بعيدة عن العصبية القبلية؛ إذ تولى هذا المقرأ إمامة الناس في الصلاة من أوس وخزرج؛ تفاديًا لإثارة النعرات القبلية، كما استطاع بأمانته في السير على نهج الرسول ﷺ من حيث التدرج، والأناة أن يكسب إلى جماعة المسلمين في يثرب أكبر زعيمين في قبيلة الأوس، وهما: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير.
стр. 58
وغدت يثرب بفضل هذا الرئيس المقرئ تشهد طلائع تنظيمٍ سياسيٍ جديد يقوم على أساس الدين بدلًا من العصبية القبلية، ورابطة الدم، وظهرت قوة هذه الطليعة بالتنظيم السياسي الجديد للمسلمين حين وفد مصعب على مكة في العام التالي للحج، ومعه وفد من ثلاثةٍ وسبعين رجلًا، وامرأتين، وقابلوا الرسول ﷺ عند العقبة؛ حيث بايعوه بيعة العقبة الثانية الشهيرة، إذ تجلت في هذه البيعة قيام الالتزام المتبادل بين الرسول ﷺ وبين مسلمي يثرب، وفق التنظيمات الجديدة التي دعت إليها التعاليم الإسلامية؛ إذ بدأ الانتقال من النظام القبلي إلى النظم الإسلامية يدخل مرحلة التنفيذ العملي، والاختبار في نفس الوقت حين تبادل الرسول، ومسلمي يثرب العهود والمواثيق على النصرة والتأزر.
وكان العباس بن عبد المطلب قد حضر مع النبي اجتماع العقبة الثانية، واستهل الحديث إذ ذاك رغم أنه لم يكن قد أسلم بعد؛ ليأخذ المواثيق من أهل يثرب للرسول ﷺ فقال: "يا معشر الخزرج إن محمدًا منا حيث قد علمت، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه؛ فهو في عزٍ من قومه، ومنعةٍ في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم موافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه؛ فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج به إليكم؛ فمن الآن فدعوه؛ فإنه في عزة، ومنعة من قومه، وبلده" وأجاب رئيس وفد الخزرج على قول العباس بقوله: "قد سمعنا ما قلت: فتكلم يا رسول الله" فخذ لنفسك وربك ما أحببت" وتلا الرسول الكريم ﷺ بعض آيات من القرآن.
ثم قال: ((أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم، وأبناءكم)) وأخذ سيد القوم، وهو البراء بن معرور بيد الرسول الكريم ﷺ وقال له: نعم، والذي
стр. 59
بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع به نساءنا، وأبناءنا، فبايعنا يا رسول الله؛ فإنا والله، أهل الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر. وهنا تدخل أحد رجال يثرب، وطلب من الرسول مزيدًا من المواثيق؛ لأن قبولهم للدعوة الإسلامية يعني: قطع علاقة قبائل يثرب باليهود المجاورين لهم، وقال: يا رسول الله، إنا بيننا وبين الرجال -يعني: يهود المدينة- حبالا، وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك، وتدعنا فتبسم الرسول الكريم، وقال: ((الدم الدم، والهدم الهدم؛ أنا منكم، وأنتم مني أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم)).
ثم قال لهم: ((أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم)) فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا؛ تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، فقال لهم الرسول: ((وأنتم على قومكم بما فيهم كُفَلَاء كَكَفَالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل عن قومي)) وصارت هذه البيعة -التي اشتهرت باسم بيعة العقبة الثانية، أو بيعة الحرب، أو ما عبروا عنه بحرب الأسود، والأحمر- صارت هذه البيعة إعلانًًا رسميًا بانتقال حق الدفاع عن الدعوة الإسلامية، وصاحبها إلى أعضاء هذا المجتمع الإسلامي الوليد، وجاءت هذه الاتفاقية بذلك حدثًًا هامًًا هز النظام القبلي هزًّا عنيفًا، وآذن بتقويضه من أساسه، ذلك أن النظام السياسي السائد -إذ ذاك- لم يكن يعرف حماية للفرد إلا في حماية القبيلة له، أما أن يتولى هذا الحق قوة خارج نطاق القبيلة -على نحو ما حددته بيعة العقبة الثانية- فهو تنظيم جديد لا يمكن أن تسكت عليه قريش، والملأ من شيوخها.
وتخبط الملأ فعلًا حين بلغته أنباء بيعة العقبة الثانية، ولم يجد منفذًا له من بين نظمه القبلية غير التآمر على قتل الرسول الكريم للحيلولة بينه، وبين الذهاب إلى يثرب،
стр. 60
وأسفر اجتماع الملأ الذي انعقد في دار الندوة عن أن يكون قتلهم للنبي ﷺ قتلًا جماعيًا يشترك فيه فتًى من كل بطنٍ من بطون قريش حتى يتفرق دمه بين القبائل، وتعجز عشيرة الرسول عن حربها جميعًا، وتقبل الدية، ولكن هذا التفكير القبلي ثبت أنه عاجز عن ملاحقة التطورات التي صاحبة التنظيمات السياسية التي، وضعها الرسول الكريم ﷺ إذ استطاع النبي هدم هذا المخطط القبلي الشامل، ونجح في الهجرة إلى يثرب حيث بدأ صفحة أوسع، وأروع في ميدان النظم الإسلامية، وتطوير منجزاتها، وأهدافها، وسوف نتكلم الآن عن نظام جماعة المؤمنين في المدينة، أو التنظيمات التي وضعها النبي ﷺ في المدينة لدولة الإسلام.
النظم الانتقالية: سار الرسول الكريم بعد الهجرة إلى يثرب على نفس أسلوب التدرج، والتطور في نشر الدعوة الإسلامية برغم ما تطلبته تلك المرحلة من تنظيمات أوسع، وأكثر مما قام به في مكة، واتضح في هذا الدور الجديد ما تحلى به الرسول الكريم ﷺ من مواهب سياسية، وخبرة عميقة بالتطور الثقافي لأهل يثرب، وذلك بصورة لا تقل روعة عما أظهره في مكة من مثالية كاملة في الجهر بالدعوة، ومن شجاعة نادرة في التعاليم، أو في الدفاع عن تعاليم تلك الدعوة، ونظمها التي اختلفت تمام الإتلاف عن النظم القبلية الراسخة الأوتاد.
واتسمت تنظيمات الرسول الكريم ﷺ في يثرب بالقدرة الفائقة على الجمع بين التخطيط، والتنفيذ، سواء في الحالات التي فرضها عليه الأمر الواقع، أو تلك التي جاء بها القرآن الكريم تنزيلًا من عند الله العزيز الحكيم.
стр. 61
واشتملت تنظيمات الرسول الكريم ﷺ في الأيام الأولى من هجرته إلى يثرب على نظمٍ انتقاليةٍ، وأخرى أساسية جاءت كل منها، وليدة المجتمع الإسلامي الجديد، وكانت أهم معالم هذه النظم الانتقالية:
أولًا: نظام المؤاخاة، وهو أمر اقتضاه تيسير سبل المعيشة على أهل مكة المسلمين الذين تركوا بلدهم، وديارهم، وثرواتهم، وهاجروا إلى يثرب حفاظًًا على عقيدتهم الإسلامية، وإيمانهم الراسخ المتين؛ فعمد الرسول ﷺ إلى توفير أسباب العيش الكريم لهذا النفر من المسلمين لوضع نظام المؤاخاة، ونظام المؤاخاة هو البديل الإسلامي لنظام الحلف في القبيلة إذ كان الدين هو أساس المؤاخاة، وليست العصبية القبلية على نحو ما ساد نظام الحلف؛ فوزع الرسول الكريم ﷺ جماعة المهاجرين بمكة بمقتضى نظام المؤاخًاة، وزعهم على مسلمي يثرب بأن دعاهم إلى أن يتآخوا في الله أخوين أخوين، وعاش كل مهاجر من مكة مع أخٍ له من مسلمي يثرب، ويرث كل منهما الآخر عند الوفاة، وأظهر أهالي يثرب من المسلمين إخلاصًًا مثاليًا في تطبيق نظام المؤاخاة، وهو الأمر الذي امتدحه القرآن الكريم في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩).
فسمح كل مسلمٍ من أهل يثرب لأخيه من المهاجرين بالمشاركة في الأعمال التجارية، وغيرها من شئونه الاقتصادية، وتقديمه كل ما يخفف متاعب الحياة عن هذا المهاجر، وعندما استقرت أحوال المهاجرين باتساع سلطان الدين الإسلامي، وكثرة أتباعه؛ لم يعد هناك حاجة إلى الاستمرار في نظام المؤاخاة، ونزل التشريع الإسلامي بإلغائه، وإبطال أحكامه الانتقالية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: من الآية: ٧٥)،
стр. 62
ومن النظم الانتقالية أيضًًا، أو من أهم هذه المعالم للنظم الانتقالية أيضًًا في المدينة هو استخدام المصطلح الإسلامي: المهاجرين والأنصار للدلالة على الطلائع التنظيم الجديد في يثرب، واعتبار العقيدة، والدين سبيلًا للوحدة بدلًا من العصبية القبلية، ونظمها؛ فكان يقصد بالمهاجرين جميع المسلمين الذين هاجروا من مكة، دون نظرٍ إلى قبائلهم، أو عشيرتهم، كما صار هذا المصطلح الجديد وحدة تميزهم من دون القبائل التي كانوا ينتمون إليها من قبل.
وكذلك أصبح مصطلح: الأنصار علمًًا على مسلمي يثرب من الأوس، والخزرج دون نظرٍ إلى القبائل التي كانوا ينتمون إليها عن طريق العصبية، فالوحدة في العقيدة، والدين صارت هي القاعدة لنظام المهاجرين، والأنصار، وصارت هي السبيل إلى نبذ العصبية القبلية الضيقة الأفق، والإطاحة بكافة أسباب الفرقة التي اقترنت بالعصبية القبلية، وأصبح نظام المهاجرين، والأنصار -وما ارتبط به من نظام المؤاخاة- أصبح السبيل نحو بناء نظامٍ سياسي جديد، شملت آفاقه الواسعة هاتين المجموعتين، ثم صهرهما في وحدةٍ واحدة صارت تعرف باسم جماعة المؤمنين.
وجعلت تلك الجماعة الجديدة، ونظمها من يثرب بلدة جديرة أن تدعى باسم مدينة النبي ﷺ دلالة على الدور الهام الذي قام به الرسول ﷺ في بناء هذا نظام الإسلامي الجديد، ودعم أوتاده في تلك البلدة؛ فودعت يثرب الحياة القبلية، واستقبلت عهد الإسلام بنظمه، وتعاليمه السامية، وصارت -في ظل هذا العهد الجديد- محط أنظار الجميع، يلتمسون في قيادة نبيها الكريم ما يهديهم سواء السبيل، وغدا الجميع يطلقون عليها -في هذا العهد الجديد-: مدينة النبي ﷺ وهو الاسم الذي تذكر به اليوم، ويردده الجميع تكريمًا باسم المدينة المنورة.
стр. 63
هذا عن النظم الانتقالية التي أرساها النبي ﷺ عند مجيئه إلى يثرب أي: المدينة، وقلنا: أن هذه النظم الانتقالية كانت تتمثل في نظام المؤاخاة. ثم أيضًًا في نظام المهاجرين، والأنصار.
النظم الأساسية التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة
لكن أيضًًا هناك نظم أساسية كونها النبي ﷺ تكونت هذه التنظيمات الأساسية التي وضعها الرسول الكريم ﷺ لجماعة المؤمنين في المدينة تكون هذه التنظيمات الينابيع الدافقة التي استمدت منها النظم الإسلامية ما اتسمت به من أصالة، وقدرة في نفس الوقت على التأقلم مع متطلبات التطور والنمو؛ إذ استهدف الرسول الكريم ﷺ من هذه التنظيمات جعل جماعة المؤمنين نواةً طيبةً لمجتمعٍ جديد، رسالته الجهاد في سبيل نشر الإسلام، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، واستطاع الرسول الكريم ﷺ أن يحقق تلك الأهداف في أعقاب هجرته إلى المدينة؛ نتيجة إقرار النظم الأساسية التالية:
أولًا: إقرار نظام الدولة والقانون بدلًا من القبيلة والعرف؛ إذ هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة، ومعه تجربة عملية عما ساد مكة من نظامٍ قبليٍّ فاسد، وعصبية عمياء حالت بين القبائل، وبين الوحدة، والتعاون؛ ولذلك جهد ﵊ على أن يحول بين هذه الآفات القبلية، وبين امتدادها إلى جماعته الجديدة في المدينة، وهي ما زالت في فجر حياتهًا؛ ومن ثم اتخذ الدين والعقيدة أساسًًا لجمع المسلمين من مهاجرين وأنصار، في دولة يرى أفرادها في دينهم الجديد رباطًًا وثيق العرى، وأشد قوة من الروابط القبلية.
ودعم الرسول ﷺ هذا النظام على أساسٍ جديدٍ أيضًًا، وهو القانون القائم على الشريعة بدلًا من العرف القبلي، وما التزم به ذلك العرف من عصبية مهلكة،
стр. 64
وحفلت صور القرآن الكريم التي نزلت على الرسول في المدينة بالتشريعات التي شدت من أزر الدولة الإسلامية الوليدة، وخلقت منها قوةً متحركة حيوية، قادرةً على أن تتفوق على ما حاط بها من مجتمعٍ قبليٍ جامدٍ راكدٍ.
ومن النظم الأساسية أيضًًا التي، وضعها النبي ﷺ اعتبار نظام المواطنة، وحقوقها أساسه الهجرة لمقاومة الباطل بدلًا من العصبية القبلية، فالولاء للدولة الإسلامية الجديد، والتمتع بحقوق المواطنة فيها أساسه الهجرة إليها، والاقتداء بما قام الرسول الكريم ﷺ في الهجرة من مواطن الشرك، والضلالة القبلية إلى وطن الهدى، ونصرة الدين، وكرامة الإنسان، ونزلت الآيات القرآنية التي تؤكد هذا النظام الجديد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (النساء: من الآية: ٩٧) وقال : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلًايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (الأنفال: من الآية: ٧٢)، وبدأت فكرة المواطنة بمعناها المثالي ترتبط بالدولة الإسلامية الوليدة، وتدعم الروابط بين أبنائها على أسس راسخة متينة.
ومن النظم الأساسية التي وضعها النبي ﷺ في المدينة أيضًًا إقرار نظام الشورى؛ لتقوية روح الجماعة الجديدة، وتدريبها على تقديم المصلحة العامة على المصلحة الفردية؛ فالتشريع السماوي الذي جاء به القرآن الكريم لا يعني حرمان الناس من المشاركة في تنظيم أمورهم، وإنما يفتح هذا التشريع كافة السبل أمام أعضاء الدولة الجديدة لإبداء الرأي في جميع المسائل -وبخاصةٍ ذات الأهمية العامة.
وأوضحت الآيات القرآنية ضرورة الشورى يقول ﵎: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية: ١٥٩)، وفي قوله تعالى مؤكدًا أهمية
стр. 65
هذا النظام في حياة أفراد الدولة الجديدة يقول تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (الشورى: من الآية: ٣٨)، وأتاح نظام الشورى في الدولة الجديدة أن يكون نموذجًا للارتباط الوثيق بين الحاكم -مهما كانت وظيفته- وبين المحكوم مهما كان دوره في الدولة، فالجميع -وفق نظام الشورى- شركاء في بناء حياتهم، وتكييف أمورهم حسب المصلحة العامة، وبما يتفق وتطور الزمان والمكان.
وصار نظام الشورى أهم مقياسٍ حرص المسلمون طوال تطور دولتهم على الاعتماد عليه لمعرفة مدى سلامة هذا التطور، وبعده عن الانحراف والأخطاء، وحقق نظام الشورى الانطلاق السليم للدولة الإسلامية الفتية؛ حيث أتاح لأبنائها على عهد الرسول ﷺ ممارسة حقوقهم، وواجباتهم، والتعبير عن الروح الديمقراطية التي سبق أن فطر عليها العربي بأسلوبٍ أوسع، وأكثر دقةٍ، ونظام.
ومن المبادئ الأساسية أيضًًا التي أرساها النبي ﷺ في المدينة: إقرار نظام المسجد؛ ليكون مركزًا لاجتماع أبناء الدولة الجديدة، لا من أجل شئونهم الدينية فحسب، ولكن ليكون مقرًًا لتصريف شئونهم العامة والخاصة، ومقرًا أيضًًا للسلطان الجديد، وما يرتبط به من مظاهر، وما يصدر عنه من أفعالٍ، وكان نظام المسجد الذي وضعه الرسول الكريم ﷺ نظامًًا مبسطًا في مبناه ومعناه، ولكن صار بتطور الدولة الإسلامية نموذجًا احتذاه المسلمون سواء في فن عمارة المساجد، أو في ميدان الحياة العامة.
واجتهد المسلمون على تقليد هذا المسجد طوال تطور دولتهم حريصين على الإبقاء على قواعده الأساسية، وغدت التشريعات التي أعلنها الرسول الكريم ﷺ من هذا المسجد ينبوعًا حرص المسلمون على أن ينهلوا منه مع تلمس الهداية،
стр. 66
والإرشاد مما صاحبه من سنة النبي ﷺ إذ استقبل الرسول ﷺ الوفود، ورسم لجماعة المسلمين كل ما يهديهم سواء السبيل.
ومن التنظيمات -المهمة للغاية- في المدينة، والتي قام بها النبي ﷺ هو الدستور الدائم، أو الصحيفة -كما يطلق أو كما يطلق عليه عند البعض- التي كتب فيها النبي ﷺ كيفية سير التنظيم الجديد في الدولة في المدينة، وبين ﷺ في هذه الوثيقة، أو في هذا الدستور حقوق، وواجبات كل من في هذه الدولة، نقول: وتبلورت النظم الأساسية والتزاماتها في الدستور الدائم الذي وضعه الرسول ﷺ لإقرار العلاقات ليس بين جماعة المؤمنين بعضهم البعض، ولكن بينهم، وبين جيرانهم من أهل المدينة أيضًًا، وصار هذا الدستور -الذي اشتهر باسم الصحيفة- صار أساس الدولة الإسلامية الوليدة، وأهم ينبوعٍ من ينابيع النظم الإسلامية التي صاحبت تطور هذه الدولة، واتساعها على مر العصور.
وأقر هذا الدستور النظم، والمبادئ الهامة التالية:
أولًا: بالنسبة لمفهوم الأمة، وحقوق المواطنة:
١ - عرف الدستور الأمة تعريفًا لا يستند إلى الأسس والنظم القبلية، وما اقترن بها من العصبية والنسب، وإنما قرر أن الأمة تضم كل من اعتنق الدين الجديد، دون نظرٍ إلى أصله، أو قبيلته، وجاء هذا المبدأ عنصرًا هامًًا جعل الأمة الجديدة أمة مرنة قابلةً للاتساع، وضم شعوبًا كثيرة إلى رحابهًا، وتجلى هذا المفهوم الجديد للأمة في مقدمة الدستور، حيث قررت أن المؤمنين، والمسلمين من قريش، ويثرب، ومن تبعهم فلحقهم بهم، وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس.
стр. 67
٢ - أكد الدستور أن هذه الأمة لا تعترف بتمايز طبقي، أو استغلالٍ فردي على نحو ما ساد النظم القبلية، وإنما مهد السبيل لإذابة الفوارق بأن جعل القبائل تشكيلًا اجتماعيًا لخدمة الأمة الجديدة؛ فظلت الأفخاذ، والقبائل أعضاء في الأمة، ولكن وفق المفهوم الجديد للدولة الإسلامية حيث اعتبر المهاجرون مثلًا فخذًًا واحدا شأنهم شأن الأفخاذ الأخرى، واقتصرت مهمة تلك الأفخاذ، والبطون على تسهيل مهمة الفرد في دفع الديات، وفداء الأسرى، أي: حدد الدستور العلاقة بين الأمة، والقبائل تحديدًا جديدًا قوامه خدمة مطالب هذه الأمة، وتقديم مصلحتها على أي مصلحة فردية، وأوضح الدستور بكل فخذٍ على حدة نوعَ الالتزامات المفروضة عليه، حسب وضعه في الأمة الجديدة، ودون تمييز بينها.
٣ - حدد الدستور حقوق وواجبات الأمة الفتية لتشكيلها الجديد على الأسس التالية:
التراحم والتعاون بين أبنائها في شتى النواحي، وبخاصة أولئك الذين أثقلتهم الديون، وضرورة مساعدتهم على التخلص من أعباء تلك الديون.
أيضًًا تحديد مسئولية الفرد، وتنظيم روابطه مع أهله وجيرانه من حيث الولاء، وذلك بما يتفق وأوضاع الدولة ونظامها الجديد.
سيادة القانون والإجراءات التنفيذية: ونظمت الصحيفة حياة الناس داخل الدولة الجديدة على أساس سيادة القانون، وما يرتبط بذلك من إجراءات تنفيذية؛ فإذا أخل أحد بالأمن، أو ارتكب عملًا فاحشًا؛ فإن الأمة بأجمعها تتولى توقيع العقوبة المطلوبة، وأن الجميع مطالبون بالتضامن في تنفيذ تلك العقوبة -ولو كان ولد أحدهم.
стр. 68
وارتبط بسيادة القانون تحويل الثأر إلى عقوبة، بمعنى أنه عمل يقع على عاتق الأمة، بعد أن كانت الأفخاذ والعشائر تقوم به طبقًًا للنظام القبلي الباطل، واحتفظ القانون للفرد في نفس الوقت بالحق في تقرير نوع العقوبة بالاتفاق مع المعتدى عليه من حيث توقيع العقوبة، أو قبول الفدية مثلًا، ومما جاء بهذه الصحيفة تقرير حرية الأديان، وتحديد علاقة الدولة بأتباعها.
أوضحت الصحيفة مبدءًا هامًّا من مبادئ الدولة الجديدة، وهو إقرار حرية الأديان السماوية، وأن أتباعها يعتبرون مواطنين، لهم حق التمتع بحماية الدولة، وفق الشروط التي تضمنها الدستور الجديد، ولما كانت القبائل اليهودية وبطونها أهم عنصرٍ من عناصر السكان في الدولة الإسلامية الجديدة بيثرب؛ فإن الصحيفة نصت في جلاءٍ على ما له من حقوق، وواجبات، سواء بالنسبة لجيرانهم من المواطنين المسلمين، أو بالنسبة للدولة وسلطانها، وذلك على النحو التالي:
قررت الصحيفة حرية الدين لليهود، ولقبائلهم، ولبطونهم التي سبق أن تحالفت معها بطون الأوس، والخزرج، ولكن مع ضرورة مراعاة حقوق المواطنة بالابتعاد عن الإخلال بالنظام، أو استغلال حماية الدولة لارتكاب جرائم، وآثام، وأكدت الصحيفة أن العقاب سيكون من جنس العمل، وأنه يقع على الفرد، أو آل بيته حسب التكييف القانوني للجريمة.
ونظمت الصحيفة أيضًًا حقوق اليهود، وواجباتهم في الاشتراك مع المسلمين في الحروب، والدفاع عن الدولة الجديدة ضد أي خطرٍ خارجي، فإذا كانت الحرب
стр. 69
دفاعية فإن كل طرفٍ يتحمل نفقته، أما في الحرب الهجومية؛ فلا ينتظر طرف مساعدة الطرف الآخر.
وأيضًا حددت الصحيفة موقف اليهود باعتبارهم من سكان يثرب مع قريش العدو الرئيسي للدولة الإسلامية الجديدة؛ فقررت ضرورة اشتراك اليهود في الدفاع عن يثرب إذا هاجمتها قريش، وأن عقد الصلح مع قريش، أو عقد أي اتفاقٍ معها يتطلب الموافقة أولًا من السلطة المركزية متمثلة في الرسول الكريم ﷺ .
أيضًًا أتاحت الصحيفة تطبيق نفس الشروط، ليس على اليهود المخالفين للأوس، والخزرج فحسب، بل على القبائل اليهودية الكبرى إذا رغبت في ذلك، وأكدت الصحيفة عدالتها في معاملة اليهود بأنها لن تأخذهم جميعًا بجريرةٍ فردية، وإنما ستعامل كل جماعة منهم حسب ما يبدر منهم.
وتحدثت الصحيفة عن سيادة الدولة، وإقرار مظاهر تلك السياسة، وتوجت الصحيفة شروطها بإقرار النظم الخاصة بسيادة الدولة، وبيان حقوق رأس تلك الدولة، وهو الرسول الكريم ﷺ وتمثلت قواعد سيادة الدولة فيما يلي:
١ - اتحاد السكان جميعًا لدفع أي عدوان يمس سيادة الدولة سواء أصاب هذا العدوان فردًًا، أو مجموعة تتصل أعمالها، أو مهامها بشئون الدولة، وأمنها، وكان هذا النظام أهم قواعد الدولة الجديدة، وأسباب تفوقها على أعدائها المحيطين بها من أتباع النظم القبلية؛ إذ غدت سيادة الدولة سياجًًا يحمي المواطنين جميعًا، ولزامًًا يجعلهم صفًا واحدا في معالجة الأخطار التي تواجههم.
стр. 70
٢ - اعتبار الحرب والسلام أمرًًا من أمور سيادة الدولة، فلا يصح لفردٍ، أو مجموعة أن تنفرد بإعلان حربٍ، أو عقد صلحٍ من دون الدولة.
٣ - حرمة الوطن، وأرضه، وهي تمثل إذ ذاك منطقة يثرب، وتعني تلك الحرمة مراعاة أرض الوطن من أي ضررٍ، سواء من الداخل، أو من الخارج.
٤ - وأخيرًا دعمت الصحيفة النظم الخاصة بمباشرة رئيس الدولة لمهامه بأن جعلته المرجع في كل خلافٍ يحدث، سواء بين المؤمنين، أو بينهم وبين جيرانهم، فالرسول الكريم ﷺ هو الذي يشرف على الميادين التطبيقية لجميع ما قررته الصحيفة من نظمٍ، وهو الفيصل في جميع ما يتعلق بتلك النظم من تفسيرٍ، أو إيضاحٍ، أو إصدار أحكام، ونذكر بعضًًا من نصوص هذه الوثيقة:
قد جاء: وأن لا يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأنه من فتك؛ فبنفسه، ولا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالمٍ وآثم، وأنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثِم، وأن الله جارٌ لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ .
وجاء فيها: وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمدٍ ﷺ وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدثٍ، أو اشتجارٍ يخاف فساده؛ فإن مرده إلى الله وإلى محمدٍ ﷺ .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣ - النظام المالي في عهد النبي ﷺ
تابع: النظم التي وضعها النبي لجماعة المؤمنين في المدينة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد كنا نتحدث -في المحاضرة السابقة- عن نشأة النظم الإسلامية في الدولة الإسلامية، وتبين لنا أن النبي ﷺ كانت له تنظيمات إسلامية في مكة، وتنظيمات إسلامية في المدينة المنورة، فأما التنظيمات الإسلامية التي وضعها في مكة؛ فإنها تتمثل في إرساء القواعد الآتية: أولا الدعوة إلى وحدانية الله تعالى، واتخاذ هذه العقيدة أساسًا لمجتمع جديد له نظمه ومثله العليا.
ثانيًا: تقرير فكرة البعث والحساب بعد الموت، والتي تقرر المسئولية الفردية، وأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، هذه الفكرة هي التي هزمت دعوى الجاهلية القائمة على العصبية القبلية.
ثالثًا: اتخاذ التقوى بدلًا من العصبية القبلية أساسًا لبناء قيم أخلاقية سامية.
رابعًا: التأكيد على وحدة الرسالات، وأن مصدرها واحد -وهو الله وذلك للقضاء على تعدد المعتقدات في الحياة القبلية.
وأما التنظيمات التي كانت للنبي ﷺ في المدينة فإنها تتمثل في ما يلي:
أولًا: نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
ثانيًا: استخدام المصطلح الإسلامي المهاجرين والأنصار للدلالة على طلائع التنظيم الجديد للدولة الإسلامية في يثرب.
ثالثًا: إقرار نظام الدولة، والقانون بدلا من القبلية، والعرف.
رابعًا: اعتبار نظام المواطنة أساسه الهجرة لمقاومة الباطل.
خامسًا: إقرار نظام الشورى لتقوية روح الجماعة الجديدة، وحث أفرادها على تقديم المصلحة العامة على المصلحة الفردية.
سادسًا: إقرار نظام المسجد ليكون مركز إشعاع للدين والدنيا معًا؛ حيث مارس النبي ﷺ وخلفاؤه من بعده مارسوا السياسة من داخل المسجد، وتبين لنا أنه قد تبلورت النظم الأساسية، والتزاماتها في الدستور الدائم الذي وضعه الرسول ﷺ لإقرار العلاقات، ليس بين جماعة المؤمنين بعضهم البعض، ولكن بينهم وبين جيرانهم من أهل المدينة أيضًا، وصار هذا الدستور الذي اشتهر باسم الصحيفة صار أساس الدولة الإسلامية الوليدة، وأهم ينبوع من ينابيع النظم الإسلامية التي صاحبت تطور هذه الدولة، واتساعها على مر العصور، وهذا الدستور -أو هذه الصحيفة- قد أقر النظم والمبادئ الهامة التالية:
المبدأ الأول: وهو مفهوم الأمة، وحقوق المواطنة، وهذا المبدأ يندرج تحته بنود:
البند الأول: عرف الدستور الأمة تعريفًا لا يستند إلى الأسس والنظم القبيلة، وما اقترن بها من العصبية والنسب، وإنما قرر أن الأمة تضم كل من اعتنق الدين الجديد دون نظر إلى أصله أو قبيلته، وجاء هذا المبدأ عنصرًا هامًّا جعل الأمة الجديدة أمة مرنة، قابلة للاتساع، وضم شعوب كثيرة إلى رحابها، وتجلى هذا المفهوم الجديد للأمة في مقدمة الدستور، حيث قررت أن المؤمنين، والمسلمين من قريش، ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس.
البند الثاني: أكد الدستور أن هذه الأمة لا تعترف بتمايز طبقي، أو استغلال فردي على نحو ما ساد النظم القبلية، وإنما مهد السبيل لإذابة الفوارق بأن جعل القبائل تشكيلًا اجتماعيًّا لخدمة الأمة الجديدة.
وأما البند الثالث: فقد حدد الدستور فيه حقوق وواجبات الأمة الفتية بتشكيلها الجديد على الأسس التالية:
التراحم، والتعاون بين أبنائها في شتى النواحي -وبخاصة أولئك الذين أثقلتهم الديون، وضرورة مساعدتهم على التخلص من أعباء تلك الديون.
وأيضًا تحديد مسئولية الفرد، وتنظيم روابطه مع أهله وجيرانه من حيث الولاء، وذلك بما يتفق وأوضاعَ الدولة، ونظامها الجديد.
أما المبدأ الثاني الذي اشتمل عليه هذا الدستور، أو تلك الصحيفة فهو: سيادة القانون، والإجراءات التنفيذية؛ فقد نظمت الصحيفة حياة الناس داخل الدولة الجديدة على أساس سيادة القانون، وما يرتبط بذلك من إجراءات تنفيذية، فإذا أخل أحد بالأمن، أو ارتكب عملًا فاحشًا؛ فإن الأمة بأجمعها تتولى توقيع العقوبة المطلوبة، وأن الجميع مطالبون بالتضامن في تنفيذ تلك العقوبة، ولو كان ولد أحدهم، وارتبط بسيادة القانون تحويل الثأر إلى عقوبة، بمعنى: أنه عمل يقع على عاتق الأمة، بعد أن كانت الأفخاذ، والعشائر تقوم به طبقًا للنظام القبلي الباطل.
أما المبدأ الثالث الذي اشتمل عليه هذا الدستور، أو تلك الصحيفة فهو: حرية الأديان، وتحديد علاقة أتباعها بالدولة؛ فقد أصبحت الصحيفة مبدأً هامًّا من مبادئ الدولة الجديدة، وهو إقرار حرية الأديان السماوية، وأن أتباعها يعتبرون مواطنين لهم حق التمتع بحماية الدولة، وفق الشروط التي تضمنها الدستور الجديد، ولما كانت القبائل اليهودية وبطونها أهم عنصر من عناصر السكان في الدولة الإٍسلامية الجديدة بيثرب؛ فإن الصحيفة نصت في جلاء على ما لهم من حقوق وواجبات، سواء بالنسبة لجيرانهم من المواطنين المسلمين، أو بالنسبة للدولة وسلطاتها.
وأما المبدأ الرابع: فقد تكلم عن إتاحة الصحيفة تطبيق نفس الشروط، ليس على اليهود المخالفين للأوس والخزرج فحسب، بل على القبائل اليهودية الكبرى -إذا رغبت في ذلك- وأكدت الصحيفة عدالتها في معاملة اليهود بأنها لن تأخذهم جميعًا بجريرة فردية، وإنما ستعامل كل جماعة منهم حسب ما يبدر منهم.
وأما المبدأ الخامس: فقد تحدث عن سيادة الدولة، وإقرار مظاهر تلك السيادة فقد توّجت الصحيفة شروطها بإقرار النظم الخاصة بسيادة الدولة، وبيان حقوق رأس تلك الدولة، وهو الرسول الكريم ﷺ وتمثلت قواعد سيادة الدولة فيما يلي:
البند الأول: اتحاد السكان جميعًا لدفع أي عدوان يمَس سيادة الدولة، سواء أصاب هذا العدوان فردًا، أو مجموعة تتصل أعمالها أو مهامها بشئون الدولة وأمنها.
والبند الثاني: اعتبار الحرب والسلام أمرا من أمور سيادة الدولة؛ فلا يصح لفرد، أو مجموعة أن تنفرد بإعلان حرب، أو عقد صلح من دون الدولة.
وأما البند الثالث: فهو حرمة الوطن وأرضه، وهي تمثل -إذا ذاك- منطقة يثرب، وتعني تلك الحرمة مراعاة سلامة أرض الوطن من أي ضرر، سواء من الداخل أو الخارج.
وأما البند الرابع: فإن الصحيفة دعمت النظم الخاصة بمباشرة رئيس الدولة لمهامه؛ بأن جعلته المرجع في كل خلاف يحدث، سواء بين المؤمنين، أو بينهم وبين جيرانهم؛ فالرسول الكريم ﷺ هو الذي يشرف على الميادين التطبيقية لجميع ما قررته الصحيفة من نظم، وهو الفيصل في جميع ما يتعلق بتلك النظم من تفسير، أو إيضاح، أو إصدار أحكام.
ونصت الصحيفة على ذلك فيما يلي: "وإنكم مهما اختلفتهم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد ﷺ وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده؛ فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ .
تلك هي الصحيفة أو الدستور الذي وضعه النبي ﷺ عندما ذهب إلى المدينة، وهاجر إليها، وقد نظمت الحقوق والواجبات في هذا الدستور،
стр. 71
وحكمت العلاقة بين المسلمين وغيرهم من غير المسلمين، وفق هذا الدستور، إلا أنه يلاحظ أن النظام السياسي لهذا الدستور، أو الصحيفة قد اجتاز ثلاثة أدوار كبرى، وصل في نهايتها إلى مرتبة النظام الإسلامي الكامل ما سنوضحه في ما يلي:
نقول: شهدت الفترة التي تقع بين عقد الصحيفة مع أهل يثرب ووفاة الرسول الكريم ﷺ تطويرًا للنظم الجديدة، بما يتفق ونمو الدولة الإسلامية، وتنسيقًا بين مؤسساتها أيضًا، حتى صارت تشكل جميعها النظام الإسلامي الكامل، وغدا هذا الجانب التطبيقي الينبوع الذي نهل منه المسلمون خلفًا عن سلفٍ، وهم يرفعون قواعد الدولة التي خلفها لهم الرسول الكريم ﷺ ويضعون لها في نفس الوقت النظم التي تتلاءم مع كل مرحلة من مراحل امتداد الدولة الإسلامية في شتى أرجاء العالم، ذلك أن الصحيفة أو الدستور الذي تحدثنا عنه كانت فكرة خلاقة، جسدت التعاليم التي جاءت بها الدولة الإسلامية في نظام سياسي استطاع أن يواجه النظم السياسية المعادية له، وأن يتغلب عليها الواحدة بعد الأخرى في يثرب أولًا، ثم في سائر أرجاء شبه الجزيرة العربية، وما جاورها من بلاد ثانية، واجتاز النظام السياسي للصحيفة ثلاثة أدوار كبرى -كما قلنا- وصل في نهايتها إلى مرتبة النظام الإسلامي الكامل عن جدارة مثالية، وتجربة فريدة.
واشتمل الدور الأول على السنوات الخمس الأولى للهجرة النبوية الشريفة، واستطاع فيها نظام الصحيفة أن يكفل للدعوة الإسلامية الوليدة في يثرب الحماية من كل أعدائها في الخارج -وعلى رأسهم قريش- ومن أعدائها في الداخل -وعلى رأسهم اليهود في المدينة- وانتهى هذا الدور في السنة الخامسة باندحار الخطر الخارجي في غزوة الخندق، ثم طرد قبيلة بني قريظة آخر قبائل
стр. 72
اليهود من يثرب؛ جزاء خيانتها لما سبق أن التزمت به من شروط الصحيفة، أو الدستور الذي سبق وأن تحدثنا عنه.
فقد أثبت النظام الجديد في يثرب قوته في الميدان الخارجي والداخلي على التوالي، وذلك في ما يلي:
- الانتصار قريش في غزوة بدر، وحماية يثرب من أول خطر خارجي على حرمتها.
- طرد بني قينقاع اليهود من يثرب عقب غزوة بدر؛ لخروجهم على النظام الإسلامي الجديد.
- التصدي لقريش مرةً أخرى في غزوة أحد.
- طرد بني النضير اليهود من يثرب؛ لإخلالهم بشروط التعاقد مع النظام الإسلامي الجديد في يثرب.
- صد الزحف الكبير الذي قامت به قريش، وحلفاؤها من البدو، واليهود، على يثرب، وذلك في وقعة الخندق سنة ٥ هجرية.
هذه هي الفترة الأولى، أو الدور الأول من أدوار الصحيفة أو الدستور.
ثم انتقل النظام السياسي للصحيفة من مرحلة الصمود بعد وقعة الخندق إلى مرحلة الدعم والانطلاق، وهي المرحلة التي شغلت سنوات الدور الثاني، وانتهت بصلح الحديبية في السنة السابعة للهجرة؛ إذ استطاع هذا النظام أن ينتزع من قريش في صلح الحديبية الاعتراف بوجوده وسلطانه، واستطاع أيضًا أن يحمل النظم القبلية على أن تتحول من مرحلة الاعتداء والهجوم إلى مرحلة الانطواء والاستعداد للاستسلام، وتجلى هذا التطور الهام في قبول قريش -
стр. 73
باعتبارها رأس النظم القبلية- السماح للرسول الكريم ﷺ أن يعقد ما شاء من الأحلاف مع القبائل الأخرى، وأن يضمها إلى نظامه السياسي، ووفق شروطه، والتزاماته.
لقد كانت شروط صلح الحديبية نصرًا عظيمًا للنظام الإسلامي في يثرب، برغم عدم إدراك الكثيرين -إذ ذاك- لهذه الحقيقة، وكانت تلك الشروط التي وردت في صلح الحديبية ما يلي:
أولًا: أن يرجع محمد في عامه هذا عن مكة، على أن يدخلها في العام التالي، وتخليها له قريش ثلاثة أيام يطوف فيها بالبيت العتيق.
ثانيًا: عقد هدنة بين قريش والمسلمين مدتها عشر سنوات، يأمن فيها كل من الطرفين من صاحبه.
ثالثًا: السماح للقبائل بالدخول في حلف محمد إذا أرادت، وأن يدخل في حلف قريش من يريد أيضًا، ويعتبر هذا الشرط أهم مكاسب النظام الإسلامي، وقدرته على منازعة سيادة مكة وحدها على بلاد العرب.
رابعًا: جاء في ضمن شروط هذا الصلح من جاء إلى محمد من أهل مكة دون إذن وليه رده إليهم، ومن جاء من أصحاب محمد لا يردوه، وقد أغضب هذا الشرط المسلمين، وجادلوا الرسول ﷺ الذي أصر على إبرام الصلح لما فيه من مكاسب مقبلة هائلة على ما اتضح لنا بعد ذلك.
واتسم الدور الثالث والأخير من أدوار النظام السياسي بالمرونة، وقدرة مؤسساته على العمل خارج يثرب، بنفس الكفاءة التي قامت بها داخل يثرب نفسها، فبسط هذا النظام شروطه، ومعاهداته، والتزاماته بعد صلح الحديبية، بسط هذا النظام إلى القبائل
стр. 74
التي اهتزت ثقتها بقريش، واهتزت ثقتها بزعامة قريش للنظم القبلية، كما طور النظام هذه الشروط في نفس الوقت بما يهيء لتلك القبائل المناخ السليم لفهم الدين الإسلامي، واعتناقه عن عقيدة وإيمان؛ فقد كان من أهم مظاهر التطور الجديد دخول خزاعة -قبيلة خزاعة- في حلف الرسول ﷺ وكانت هذه القبيلة حليفة لعبد المطلب جد النبي ﷺ قبل الإسلام، ورغبت في تجديد ميثاقها مع الرسول ﷺ وجاء في محالفتها مع عبد المطلب ما يلي:
"وأن عبد المطلب وولده ورجال خزاعة متضافرون متعاونون، وعلى عبد المطلب النصرة لهم، وعلى خزاعة النصرة لعبد المطلب وولده على جميع العرب، وأقر النبي ﷺ هذه المحالفة، بعد أن زاد عليها شرطين يتفقان والنظام الإسلامي الجديد، وهما:
أولًا: ألا يعين خزاعة إذا كانوا ظالمين.
ثانيًا: أن ينصر خزاعة إذ وقع عليهم ظلم، ذلك أن خزاعة لم تكن قد أسلمت بعد، وأبى الرسول الكريم ﷺ إلا أن يكون أساس التحالف هو أساس النظام الإسلامي الذي لا يقر التحالف القبلي، وقاعدته البالية التي تقول: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. وانتهى هذا الدور الثالث بفتح مكة سنة ٨ هجريًا، وإدخال هذا المعقل العتيد -وهو مكة- للحياة القبلية، كان معقلًا عتيدًا للحياة القبلية، ونظمها بفضل فتح مكة.
دخل هذا المعقل في دائرة النظام السياسي لجماعة المسلمين في يثرب، وأعقب هذا النصر المبين للنظام السياسي للصحيفة تغيير جذري في الحياة القبلية في شتى أرجاء شبه الجزيرة العربية؛ إذ رأت القبائل العربية -في فتح مكة- في ذلك دليلًا على انهيار عهد النظم القبلية بما استندت إليه من جهالة حمقاء، وعصبية عمياء.
стр. 75
وبدأت تلك القبائل تدخل في دين الله أفواجًا، وترسل وفودها في العام الثامن من الهجرة، وطوال العام التاسع الهجري أيضًا، تعلن للرسول الكريم ﷺ في يثرب ارتباطها بنظامه السياسي، وتحصل على ما تريد أيضًا من العهود والمواثيق.
ووجد الرسول الكريم أن هذا التطور الهائل يقتضي تعديلًا واسعًا في النظام السياسي الذي سبق أن أقامه بمقتضى الصحيفة -أو الدستور الذي تحدثنا عنه- مع حتمية العمل على إعطاء هذا النظام الشكل النهائي، الذي يتفق والسيادة العليا التي آلت إليه على سائر أرجاء شبه الجزيرة العربية.
وتركزت معالم التعديل الأخير في تنظيم حقوق المواطنة للدولة الإسلامية بما يزيل أي مظهر من مظاهر التباين بين أبنائها، وما يؤدي إلى جمعهم في وحدة واحدة؛ من أجل حمل رسالة تلك الدولة، وهي نشر الإسلام في جميع أرجاء العالم؛ لأن الإسلام إنما هو دعوة عالمية للناس جميعًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: من الآية: ٢٨) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ (الأنبياء: من الآية: ١٠٧).
وكان أول شطر من هذا التعديل الأخير هو السماح لليهود، وغيرهم من أهل الكتاب بالحصول على حقوق المواطنة لا عن طريق العهود -كما تقرر في الصحيفة من قبل- ولكن عن طريق دفع الجزية، يقول: ﵎ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩).
следующие страницы →