← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11313

السياسة الشرعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (825 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وحكمت العلاقة بين المسلمين وغيرهم من غير المسلمين، وفق هذا الدستور، إلا أنه يلاحظ أن النظام السياسي لهذا الدستور، أو الصحيفة قد اجتاز ثلاثة أدوار كبرى، وصل في نهايتها إلى مرتبة النظام الإسلامي الكامل ما سنوضحه في ما يلي: نقول: شهدت الفترة التي تقع بين عقد الصحيفة مع أهل يثرب ووفاة الرسول الكريم ﷺ تطويرًا للنظم الجديدة، بما يتفق ونمو الدولة الإسلامية، وتنسيقًا بين مؤسساتها أيضًا، حتى صارت تشكل جميعها النظام الإسلامي الكامل، وغدا هذا الجانب التطبيقي الينبوع الذي نهل منه المسلمون خلفًا عن سلفٍ، وهم يرفعون قواعد الدولة التي خلفها لهم الرسول الكريم ﷺ ويضعون لها في نفس الوقت النظم التي تتلاءم مع كل مرحلة من مراحل امتداد الدولة الإسلامية في شتى أرجاء العالم، ذلك أن الصحيفة أو الدستور الذي تحدثنا عنه كانت فكرة خلاقة، جسدت التعاليم التي جاءت بها الدولة الإسلامية في نظام سياسي استطاع أن يواجه النظم السياسية المعادية له، وأن يتغلب عليها الواحدة بعد الأخرى في يثرب أولًا، ثم في سائر أرجاء شبه الجزيرة العربية، وما جاورها من بلاد ثانية، واجتاز النظام السياسي للصحيفة ثلاثة أدوار كبرى -كما قلنا- وصل في نهايتها إلى مرتبة النظام الإسلامي الكامل عن جدارة مثالية، وتجربة فريدة. واشتمل الدور الأول على السنوات الخمس الأولى للهجرة النبوية الشريفة، واستطاع فيها نظام الصحيفة أن يكفل للدعوة الإسلامية الوليدة في يثرب الحماية من كل أعدائها في الخارج -وعلى رأسهم قريش- ومن أعدائها في الداخل -وعلى رأسهم اليهود في المدينة- وانتهى هذا الدور في السنة الخامسة باندحار الخطر الخارجي في غزوة الخندق، ثم طرد قبيلة بني قريظة آخر قبائل

стр. 72

اليهود من يثرب؛ جزاء خيانتها لما سبق أن التزمت به من شروط الصحيفة، أو الدستور الذي سبق وأن تحدثنا عنه. فقد أثبت النظام الجديد في يثرب قوته في الميدان الخارجي والداخلي على التوالي، وذلك في ما يلي: - الانتصار قريش في غزوة بدر، وحماية يثرب من أول خطر خارجي على حرمتها. - طرد بني قينقاع اليهود من يثرب عقب غزوة بدر؛ لخروجهم على النظام الإسلامي الجديد. - التصدي لقريش مرةً أخرى في غزوة أحد. - طرد بني النضير اليهود من يثرب؛ لإخلالهم بشروط التعاقد مع النظام الإسلامي الجديد في يثرب. - صد الزحف الكبير الذي قامت به قريش، وحلفاؤها من البدو، واليهود، على يثرب، وذلك في وقعة الخندق سنة ٥ هجرية. هذه هي الفترة الأولى، أو الدور الأول من أدوار الصحيفة أو الدستور. ثم انتقل النظام السياسي للصحيفة من مرحلة الصمود بعد وقعة الخندق إلى مرحلة الدعم والانطلاق، وهي المرحلة التي شغلت سنوات الدور الثاني، وانتهت بصلح الحديبية في السنة السابعة للهجرة؛ إذ استطاع هذا النظام أن ينتزع من قريش في صلح الحديبية الاعتراف بوجوده وسلطانه، واستطاع أيضًا أن يحمل النظم القبلية على أن تتحول من مرحلة الاعتداء والهجوم إلى مرحلة الانطواء والاستعداد للاستسلام، وتجلى هذا التطور الهام في قبول قريش -

стр. 73

باعتبارها رأس النظم القبلية- السماح للرسول الكريم ﷺ أن يعقد ما شاء من الأحلاف مع القبائل الأخرى، وأن يضمها إلى نظامه السياسي، ووفق شروطه، والتزاماته. لقد كانت شروط صلح الحديبية نصرًا عظيمًا للنظام الإسلامي في يثرب، برغم عدم إدراك الكثيرين -إذ ذاك- لهذه الحقيقة، وكانت تلك الشروط التي وردت في صلح الحديبية ما يلي: أولًا: أن يرجع محمد في عامه هذا عن مكة، على أن يدخلها في العام التالي، وتخليها له قريش ثلاثة أيام يطوف فيها بالبيت العتيق. ثانيًا: عقد هدنة بين قريش والمسلمين مدتها عشر سنوات، يأمن فيها كل من الطرفين من صاحبه. ثالثًا: السماح للقبائل بالدخول في حلف محمد إذا أرادت، وأن يدخل في حلف قريش من يريد أيضًا، ويعتبر هذا الشرط أهم مكاسب النظام الإسلامي، وقدرته على منازعة سيادة مكة وحدها على بلاد العرب. رابعًا: جاء في ضمن شروط هذا الصلح من جاء إلى محمد من أهل مكة دون إذن وليه رده إليهم، ومن جاء من أصحاب محمد لا يردوه، وقد أغضب هذا الشرط المسلمين، وجادلوا الرسول ﷺ الذي أصر على إبرام الصلح لما فيه من مكاسب مقبلة هائلة على ما اتضح لنا بعد ذلك. واتسم الدور الثالث والأخير من أدوار النظام السياسي بالمرونة، وقدرة مؤسساته على العمل خارج يثرب، بنفس الكفاءة التي قامت بها داخل يثرب نفسها، فبسط هذا النظام شروطه، ومعاهداته، والتزاماته بعد صلح الحديبية، بسط هذا النظام إلى القبائل

стр. 74

التي اهتزت ثقتها بقريش، واهتزت ثقتها بزعامة قريش للنظم القبلية، كما طور النظام هذه الشروط في نفس الوقت بما يهيء لتلك القبائل المناخ السليم لفهم الدين الإسلامي، واعتناقه عن عقيدة وإيمان؛ فقد كان من أهم مظاهر التطور الجديد دخول خزاعة -قبيلة خزاعة- في حلف الرسول ﷺ وكانت هذه القبيلة حليفة لعبد المطلب جد النبي ﷺ قبل الإسلام، ورغبت في تجديد ميثاقها مع الرسول ﷺ وجاء في محالفتها مع عبد المطلب ما يلي: "وأن عبد المطلب وولده ورجال خزاعة متضافرون متعاونون، وعلى عبد المطلب النصرة لهم، وعلى خزاعة النصرة لعبد المطلب وولده على جميع العرب، وأقر النبي ﷺ هذه المحالفة، بعد أن زاد عليها شرطين يتفقان والنظام الإسلامي الجديد، وهما: أولًا: ألا يعين خزاعة إذا كانوا ظالمين. ثانيًا: أن ينصر خزاعة إذ وقع عليهم ظلم، ذلك أن خزاعة لم تكن قد أسلمت بعد، وأبى الرسول الكريم ﷺ إلا أن يكون أساس التحالف هو أساس النظام الإسلامي الذي لا يقر التحالف القبلي، وقاعدته البالية التي تقول: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. وانتهى هذا الدور الثالث بفتح مكة سنة ٨ هجريًا، وإدخال هذا المعقل العتيد -وهو مكة- للحياة القبلية، كان معقلًا عتيدًا للحياة القبلية، ونظمها بفضل فتح مكة. دخل هذا المعقل في دائرة النظام السياسي لجماعة المسلمين في يثرب، وأعقب هذا النصر المبين للنظام السياسي للصحيفة تغيير جذري في الحياة القبلية في شتى أرجاء شبه الجزيرة العربية؛ إذ رأت القبائل العربية -في فتح مكة- في ذلك دليلًا على انهيار عهد النظم القبلية بما استندت إليه من جهالة حمقاء، وعصبية عمياء.

стр. 75

وبدأت تلك القبائل تدخل في دين الله أفواجًا، وترسل وفودها في العام الثامن من الهجرة، وطوال العام التاسع الهجري أيضًا، تعلن للرسول الكريم ﷺ في يثرب ارتباطها بنظامه السياسي، وتحصل على ما تريد أيضًا من العهود والمواثيق. ووجد الرسول الكريم أن هذا التطور الهائل يقتضي تعديلًا واسعًا في النظام السياسي الذي سبق أن أقامه بمقتضى الصحيفة -أو الدستور الذي تحدثنا عنه- مع حتمية العمل على إعطاء هذا النظام الشكل النهائي، الذي يتفق والسيادة العليا التي آلت إليه على سائر أرجاء شبه الجزيرة العربية. وتركزت معالم التعديل الأخير في تنظيم حقوق المواطنة للدولة الإسلامية بما يزيل أي مظهر من مظاهر التباين بين أبنائها، وما يؤدي إلى جمعهم في وحدة واحدة؛ من أجل حمل رسالة تلك الدولة، وهي نشر الإسلام في جميع أرجاء العالم؛ لأن الإسلام إنما هو دعوة عالمية للناس جميعًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: من الآية: ٢٨) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ (الأنبياء: من الآية: ١٠٧). وكان أول شطر من هذا التعديل الأخير هو السماح لليهود، وغيرهم من أهل الكتاب بالحصول على حقوق المواطنة لا عن طريق العهود -كما تقرر في الصحيفة من قبل- ولكن عن طريق دفع الجزية، يقول: ﵎ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩).

стр. 76

جاء إقرار هذا النظام -الذي هو نظام الجزية- على القادرين فقط من الذكور من دون المسنين، والنساء، والأطفال، وهو شرط إسلامي يبيح لأهل الكتاب التمتع بحقوق المواطنة في الدولة الجديدة مقابل حمايتهم، وإعفائهم من الخدمة العسكرية؛ إذ لما كان الهدف الأول للدولة هو نشر الدين الإسلامي، ولما كان الدين الجديد يعترف بالأديان السماوية من اليهودية، والمسيحية، فلم يكن من العدل إلزامهم بالانخراط في سلك الجيش الخاص بالدولة الجديدة، وصارت الجزية الشرط الجديد الذي حل محل العهود والمواثيق من أجل الحصول رسميًا على حقوق المواطنة لأهل الكتاب من سكان الدولة الإسلامية الفتية. وجاء الشطر الثاني من التعديل الأخير في النظام السياسي خاصًّا بغير أهل الكتاب من القبائل العربية؛ إذ تقرر اعتبار الدخول في الدين الإسلامي هو الشرط الأول، والأساسي للحصول على حقوق المواطنة في الدولة الجديدة، وعلى هذا لم يعد للوثنية مجال للبقاء، بعد أن ثبت ضررها وفسادها، وبعد أن تم تطهير الكعبة من الأصنام -رمز الشرك، وعنون الاستغلال للنظم القبلية، ومفاهيمها العمياء. وتقرر في نفس الوقت عدم السماح للمشركين بالحج إلى مكة؛ لأن هذه الفريضة صارت عنوانًا على علو كلمة الدين الجديد، وأنه صار الأساس المتين للدولة الناهضة وسيادتها، يقول ﵎: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَات عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج: ٢٧، ٢٨، ٢٩).

стр. 77

وجاء الشطر الثالث والأخير -من هذا التعديل- خاصًّا بالإجراءات التي تطلبتها مظاهر التوسع في حقوق المواطنة، ذلك أن نفرًا من الناس دخل في الإسلام، وما زال قلبه معلق بتراث العصبية، أو مشبع بالمفاهيم القبلية، وما ارتبط بها من التفاخر، والجري وراء زخرف الحياة الدنيا، وكان هذا اللون من النفاق، أو الكفر الباطن من أخطر الأمور على حقوق المواطنة في الدولة الجديدة، لماذا لصعوبة معرفة أصحابه؛ ولذلك قررت التعديلات الأخيرة على الصحيفة: إلقاء مهمة الكشف عن هذا الفريق المنافق، أو ما يسمى في العصر الحديث بالطابور الخامس، الذي يريد أن يفسد على الدولة نظامها، أقول: قررت التعديلات الأخيرة إلقاء مهمة الكشف عن هذا الفريق المنافق، أي: المتلاعب بحقوق المواطنة على أفراد الأمة أنفسهم. فأفراد الأمة هم الذين يبحثون عن هذا الصنف من الناس -المنافقون الذين يظهرون خلاف ما يبطون- لأن أفراد الأمة أجدر بتعاملهم اليومي على تبين شتى مظاهر الانحراف وأهله، وهذا الشرط الخلقي لا يمكن أن تتولاه أجهزة الدولة، وإنما يمكن أن يقوم به أبناء الأمة، ولهم وحدهم حق عزل أي فريق يتلاعب بحقوق المواطنة، أو الإساءة إليها، يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (التوبة: ٧٣، ٧٤).

стр. 78

وصدرت هذه التعديلات الجديدة في العام التاسع للهجرة، وأذاعها علي بن أبي طالب باعتباره نائبًا عن النبي ﷺ وأقرب الناس إليه، وذلك في يوم الحج الأكبر بمكة، واشتهر هذا الإعلان باسم "بيان براءة" لأن الرسول الكريم ﷺ أراد أن يعلن للقبائل العربية براءته من العود التي لم تعد تمت للإسلام بصلة، وأن النظام الإسلامي الكامل يستند إلى تشريع سماوي نزلت به "سورة التوبة" فجاء في نص الإعلان تلاوة لقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُو خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلاَّ ًالَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ ًالَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمًَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: ١: ٧). هذه هي الأحكام التي تضمنتها سورة براءة من الآيات رقم واحد، إلى الآية السادية.

стр. 79

وهكذا نكون قد انتهينا من إلقاء الضوء على مفهوم النظم الإسلامية، ونشأتها، والمراحل التي مرت بها تلك النشأة في حياة النبي ﷺ والتنظيمات التي وضعها النبي ﷺ في مكة، وكذلك التنظيمات التي وضعها النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة، ثم هذه الصحيفة، أو هذا الدستور الذي كان -بحق- دستورًا متقدمًا في كل المجالات، سواء من ناحية الحكم، أو من ناحية الإدارة، أو من ناحية بيان الحقوق، والواجبات سواء بالنسبة للدولة، أو بالنسبة للأفراد بعضهم مع بعض، أو مع علاقتهم مع الدولة الإسلامية، أو علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول الأخرى. وهكذا تبين لنا أنه في هذه الفترة -وقبل أن يموت النبي ﷺ ويلحق بالرفيق الأعلى- كان هناك نظام إسلامي متكامل، وبذلك نكتفي بهذا القدر في هذا الأمر.

стр. 80

الدرس: ٣ النظام المالي للدولة الإسلامية .

стр. 81

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (النظام المالي للدولة الإسلامية) ١ - النظام المالي في عهد النبي ﷺ الزكاة من أهم الموارد المالية في عهد النبي ثم نتحدث عن موضوع آخر، وهو بيان أنواع، أو أقسام النظم الإسلامية: أقسام النظم الإسلامية: النظم في أي دولة تتكون من مجموعات القوانين، والمبادئ، والتقاليد التي تقوم عليها الحياة في هذه الدولة، ومن مظاهر هذه النظم: النظام السياسي، والنظام الإداري، والنظام المالي، والنظام القضائي، والنظم الاجتماعية، وسوف نقوم بإلقاء الضوء على أهم تلك النظم فيما يلي: أولًا: النظام المالي: تعمل السياسة المالية لكل دولة على تحقيق التوازن بين مواردها، ومصارفها؛ فهناك إيرادات، وهناك مصروفات، وقد صارت الدولة الإسلامية على هذه السياسة منذ ظهورها؛ فأنشأت بيتا للمال يقوم على صيانته، وحفظه، والتصرف فيه لصالح الجماعة الإسلامية، وهو بهذا يشبه وزارة المالية في العصر الحاضر، وصاحبه يقوم بمهمة وزير المالية، وكان يطلق عليه لقب "صاحب بيت المال" وتدور النظم المالية عادةً على محور قطباه -كما قلنا- الموارد والمصروفات، وصارت النظم المالية في الدولة الإسلامية حسب هذه القاعدة، ووفق السوابق التي تقررت على عهد الرسول الكريم ﷺ من حيث مراعاة مصالح المسلمين، ودون إغفال -في نفس الوقت- لسنة التطور، والملابسات الزمنية ومقتضياتها. وغدا النظام المالي للدولة الإسلامية بدوره مرآةً انعكس عليها الفكر الإسلامي بما اتسم به من مرونة، وواقعة، وذلك على نحو ما اتصف به النظامين السياسي، والإداري لتلك الدولة.

стр. 82

وفي حديثنا عن النظام المالي في الدولة الإسلامية يجدر بنا أن نتحدث عن أمرين أساسيين في هذا الأمر، أو في هذا الموضوع: الأمر الأول: وهو إلقاء الضوء على النظام المالي في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، ثم بعد ذلك نتحدث عن موارد بيت المال، أو الموارد المالية للدولة الإسلامية، ونشرع الآن في إلقاء الضوء على النظام المالي الذي كان معمولًا به في زمن النبي ﷺ وفي زمن الخلفاء الراشدين فنقول -وبالله التوفيق-: أولًا: في عهد النبي ﷺ : لم يكن للدولة الإسلامية في عهد رسول الله ﷺ حينما كان في مكة- لم يكن هناك نظام مالي محددة أبوابه من إيرادات، ومصروفات، بل كانت إيرادات الدولة في هذه الفترة تتمثل في الأموال التي يجود بها الصحابة للصرف منها على فقراء المسلمين، أو لسد بعض الحاجات الضرورية، فلما هاجر الرسول الكريم ﷺ إلى المدينة، وأخذ شكل الدولة الإسلامية يظهر بوضوح وجلاء؛ نزلت الآيات التي أوجبت على المسلمين الزكاة في أموالهم، يقول تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُم﴾ (التوبة: -من الآية- ١٠٣). ويقول: النبي ﷺ ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا)) ففي هذا الحديث يبين النبي ﷺ أن الزكاة إنما هي ركن من أركان الإسلام الخمسة. وبينت الآيات القرآنية أيضا الفئات المستحقة لتلك الزكاة، ويقول ﵎: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ

стр. 83

وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّه﴾ (التوبة: -من الآية- ٦٠). وتولت السنة النبوية بيان الأموال التي تجب فيها الزكاة، ومقدار النصاب، والواجب في هذا النصاب، ثم بيان الشروط التي يجب توافرها في المزكي، وفي المال نفسه؛ فكانت الزكاة هي المورد الأول من موارد الدولة الإسلامية. أهم الموارد المالية في عهد النبي: الغنائم، الفيء، الجزية ثم يأتي المورد الثاني من الموارد المالية للدولة الإسلامية في عهد الرسول الكريم ﷺ وهو الغنائم فقد جاء في "سورة الأنفال" في قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأنفال: ٤١) فهذه آية الغنائم -كما يطلق عليها الفقهاء-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فهذه الآية تبين كيفية توزيع الغنائم؛ فخمس الغنائم إنما يكون للرسول ﷺ ولذي القربى أي أنه ينفق في مصالح المسلمين، وسكت القرآن الكريم في هذه الآية عن الأربعة الأخماس؛ ففهمنا من ذلك أن الأربعة الأخماس الباقية إنما تكون للغانمين. ثم يجيء المورد الثالث من الموارد المالية للدولة الإسلامية، وهو الفيء في قول الله تعالى: ﴿وَمًَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ

стр. 84

دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: ٦ ٧). ثم يرد المورد الرابع من موارد الدولة الإسلامية، وهو الجزية التي فرضت على غير المسلمين في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ؛ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩) ومن هذا العرض الموجز يستبين لنا أن الموارد المالية للدولة الإسلامية في عهد الرسول ﷺ كانت الزكاة، والغنائم، والفيء، والجزية. وقد عين الرسول ﷺ عمالًا لجمع هذه الأموال؛ فكان عامل الصدقات، وهو الذي يتولى جمع الصدقات من المسلمين، ويعطيها لشخص آخر يسمى: المستوفي الذي يقدمها للرسول ﷺ وكذلك صاحب الغنائم الذي يعين في كل غزوة؛ ليتولى جمع الغنائم وحفظها؛ حتى تصرف في مصارفها الشرعية، وعامل الجزية الذي يقدر قيمتها، ويحصلها من الملتزمين بها، ويلاحظ أنه لم يكن هناك بيت للمال في عهد الرسول ﷺ لكي تودع فيه هذه الأموال؛ إذ كانت الأموال تجمع وتصرف في الحال على مستحقيها؛ فلم يكن هناك داعيًا لإنشاء بيت المال. سهم المؤلفة قلوبهم: كان للمؤلفة قلوبهم نصيب في الصدقات -كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ

стр. 85

وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم﴾ (التوبة: ٦٠). وقد عمل الرسول ﷺ على تأليف قلوب الكثيرين بالمال؛ نظرًا لما كان لهم من مراكز مرموقة تدعو الحاجة إلى تأليف قلوب الكثيرين بالمال؛ نظرًا لما كان لهم من مراكز مرموقة، تدعو الحاجة إلى تأليفهم لمصلحة الإسلام والمسلمين، نذكر منهم صفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، وولده معاوية، والحرث بن هشام، وغيره. وكان المؤلفة قلوبهم على ثلاث فئات: الفئة الأولى: كان يعطى لهم؛ لتأليفهم على الإسلام كصفوان بن أمية؛ فقد روي عنه أنه قال: لقد كان يعطيني رسول الله ﷺ وأنه أبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى أنه لأحب الناس إلي. الفئة الثانية: كان يعطي لهم لدفع شرهم عن الإسلام، والمسلمين كعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس. الفئة الثالثة: كان يعطي لهم؛ لتثبيت إسلامهم؛ نظرا لضعف عقيدتهم كأبي سفيان بن حرب الذي أعطاه الرسول ﷺ أربعين أوقية من الذهب، ومائة من الإبل، وأعطى ولديه معاوية، ويزيد؛ فقال له أبو سفيان: -بأبي أنت وأمي- "لأنت كريم في السلم وفي الحرب". وكان الرسول ﷺ يعطي لهذه الفئات من العرب عامة، ومن قريش خاصة، ويجزل لهم في العطاء؛ حتى لم يبق شيء للأنصار، مما دفع بعض الأنصار إلى أن يقولوا: "إن هذا لهو العجب؛ يعطي قريشًا، ويتركنا، وسيوفنا تقطر دما". فلما علم الرسول بذلك أمر بجمعهم، وقام يخطب فيهم قائلًا: ((ما مقالة بلغتني عنكم، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداء

стр. 86

فألف بين قلوبكم بي، إن قريشًا حديثوا عهد بكفر، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أغضبتم يا معشر الأنصار في أنفسكم لشيء قليل من الدنيا ألفت به قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم)) -الثابت الذي لا يتزلزل- فهنا بكى القوم، وقالوا: "يا رسول الله رضينا برسول الله قسما وحظا" ورضوا بذلك. وهكذا كانت معاملة النبي ﷺ مع المؤلفة قلوبهم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢ - النظام المالي في عهدي أبي بكر وعمر بن الخطاب ﵄ النظام المالي في عهد أبي بكر الصديق الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد: فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن النظام المالي في عهد الرسول ﷺ ونتحدث الآن عن النظام المالي في عهد أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه- فنقول: لم يختلف النظام المالي في عهد أبي بكر ﵁ عن عهد الرسول ﷺ حيث كانت الموارد المالية للدولة في عهده هي نفس الموارد التي كانت موجودة في عهد رسول الله ﷺ من زكاة وغنائم وفيء وجزية, وقد سار أبو بكر على نفس السياسة المالية التي سار عليها رسول الله ﷺ فسوى ﵁ في العطاء بين الناس, يروى عنه أنه قال: من كان له عند النبي ﷺ عدة فليأتِ, يعني: من كان قد وعده النبي ﷺ بشيء من المال فليأت إلينا, من كان له عند النبي ﷺ عدة فليأت, فجاء جابر بن عبد الله فقال: قال لي رسول الله ﷺ : لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا, فقال له أبو بكر: خذ فأخذ ما يكفيه, ثم عده فوجد خمسمائة, فقال: خذ إليها ألفًا, فأخذ ألفًا, ثم أعطى كل إنسان كان رسول الله ﷺ وعده شيئًا, وبقيت بقية من المال فقسمها بين الناس بالسوية على الصغير والكبير, والحر والمملوك, والذكر والأنثى, فخرج على سبعة دراهم وثلث لكل إنسان. فلما كان العالم المقبل جاء مال كثير هو أكثر من ذلك فقسمه ﵁ بين الناس فكان نصيب كل إنسان عشرين درهمًا, فجاء ناس من المسلمين, فقالوا: يا

стр. 87

خليفة رسول الله، أنت قسمت هذا المال فسويت بين الناس, ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم في الإسلام, فلو فضلت أهل الثوابت والقدم والفضل بفضلهم, يعني: كأنهم يطلبون من أبي بكر -رضوان الله ﵎ عليه- ألا يسوي بين الناس في العطاء, يعني: شيء شبيه بالرواتب التي تعطيها الدولة للموظفين, يطلبون منه ألا يسوي بين الناس في العطاء, لكن يفاضل بينهم بحسب منزلة الإسلام في كونه سبق غيره في الإسلام أو كانت له منزلة في الإسلام فقال: أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل, فما أعرفني بذلك -يعني: أنا أعرف ذلك معرفة جيدة- وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه, وهذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة. لأن سيدنا أبو بكر لم يوافقهم على ذلك, وهو التفاضل بين الناس في العطاء, وإنما قال لهم أعرف هؤلاء الناس الذين كان لهم منزلة في الإسلام وسبق في الإسلام, وهكذا, فهذا ثوابه على الله , لكن المال إنما هو معاش للناس يتعيشون منه فالأسوة فيه والمساواة فيه خير من الأثرة, يعني خير من أن أفضل بعض الناس على بعض في ذلك. ويستبين لنا من هذا أن أبا بكر ﵁ كان يسوي في العطاء بين الناس, ولم يجامل أصحاب الفضل في نصرة رسول الله ﷺ ولا من كان له سبق اعتناق الإسلام؛ لأن ما كان يعطيه للناس هو معاش لهم. التأليف على الإسلام: سار أبو بكر ﵁ وأرضاه- على سياسة النبي ﷺ في تأليف قلوب بعض الناس على الإسلام أو دفع شرهم عنه أو تثبيتًا لإسلامهم لضعف عقيدتهم, فكما كان النبي ﷺ يعطي لثلاث فئات من الناس, كما قلنا, فإن سيدنا أبو بكر أيضًا حرص على أن يعطي هذه الفئات الثلاث من الناس, فهو

стр. 88

يريد أن يؤلف قلوبهم أو يدفع شرهم أو يثبت إسلامهم, كما فعل سيدنا رسول الله ﷺ إلا أنه حدث أن جاء عيينة بن حصن, والأقرع بن حابس, يطلبان أرضا من أبي بكر فوافق على ذلك, وكتب لهما بهما خطابًا وكان عمر بن الخطاب موجودًا فتناول الخطاب ومزقه. كأن سيدنا عمر بن الخطاب لم يعجبه هذا الصنيع من أبي بكر -رضوان الله ﵎ عليه- ولم يوافق سيدنا أبا بكر على أن يعطيهم شيئًا من أراضي الدولة الإسلامية, ومزق هذا الخطاب وقال لهم: هذا شيء كان رسول الله ﷺ يعطيكموه ليتألفكم على الإسلام والآن وقد أعز الله الإسلام, وأغنى عنكم, فإن تبتم إلى الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف, ثم تلا قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: من الآية: ٢٩) فقالا لأبي بكر: يعني: عيينة بن حصن والأقرع بن حابس, قالا: لأبي بكر الخليفة أنت أم عمر, يا أبا بكر؟!!. فهم يكلمون أبا بكر ويقولون له: منِ الخليفة؟ وكلام منْ يسري؟ أنت تريد أن تعطينا الأرض تأليفًا للقلوب وهو يمنعنا من ذلك فمن الخليفة أنت أم عمر؟!! فقال سيدنا أبو بكر الحكيم: هو إن شاء الله, وأقر عمر على رأيه. يعني سيدنا أبو بكر رضوان الله ﵎ عليه وافق عمر على ما فعله, ولم يعط لعيينة بن حصن والأقرع بن حابس ما طلباه منه من أرض. وقد حاول بعض الناس الامتناع عن دفع الزكاة بعد موت النبي ﷺ واستندوا في ذلك إلى قوله ﵎: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَ﴾ (التوبة: من الآية: ١٠٣) وبعد ما مات النبي ﷺ امتنعوا عن دفع الزكاة, لماذا تمتنعون عن دفع الزكاة؟ قالوا: لأن الله ﵎ أمر رسوله بأن يأخذ الزكاة عندما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (التوبة: من الآية: ١٠٣) وقد مات النبي ﷺ فلا ندفع تلك الصدقة أو لا ندفع تلك الزكاة. فهموا من الآية: أن النبي ﷺ هو الذي يأخذ منهم الزكاة, فإذا مات ﷺ فلا يدفعون تلك الزكاة, ولذلك وقف سيدنا أبو بكر موقفًا حازمًا حيال هذا التأويل الخاطئ للآية. فثار أبو بكر, ولم

стр. 89

يعجبه ذلك, رغم لين طبعه ووافر حلمه, واتخذ موقف الشدة والحزم معهم, وقرر مقاتلة من يمتنعوا عن دفع الزكاة وجبايتها منهم بالقوة المسلحة, وهنا بادره عمر بن الخطاب ﵁ قائلا: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس, وقد قال الرسول ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه, وحسابه على الله)). سيدنا أبو بكر عندما أراد أن يقاتل هؤلاء الذين امتنعوا عن أداء الزكاة بسبب هذا التأويل الخاطئ للآية, اعترض على ذلك سيدنا عمر بن الخطاب, وقال له: يا أبا بكر! الرسول ﷺ بين في الحديث أن الإنسان إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فلا يقاتل, عندما قال ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه, وحسابه على الله)) فكأنه يعترض على سيدنا أبي بكر, يعني: لماذا تريد أن تقاتلهم وهؤلاء يشهدون أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله, وكل ما حدث منهم, أنهم امتنعوا عن دفع الزكاة, فرد أبو بكر على عمر وقال: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة, فإن الزكاة حق, والله لو منعوني عناقًا -وهي الشاة الصغيرة- كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها" كان موقفًا حازمًا من سيدنا أبي بكر -رضوان الله ﵎ عليه- لأنه نظر إلى أن الزكاة هي شبيهة بالصلاة, بدليل أن النبي ﷺ ذكر ذلك في أركان الإسلام, عندما قال: ((بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا)) فكانت الزكاة في مرتبة واحدة مع الصلاة, هي ركن من أركان الإسلام, كما أن الصلاة هي ركن من أركان الإسلام, ولذلك سيدنا أبو بكر رد على سيدنا عمر عندما قال له: النبي ﷺ -

стр. 90

يقول: ((من قال: لا إله الله. عصم مني ماله ودمه إلا بحقها)) وهذا حق الإسلام وهي الزكاة, ولذلك قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر ﵁ فعرفت أنه الحق. إذن سيدنا عمر الذي كان لا تأخذه في الله لومة لائم, وكان الحق يجري على لسانه كما أخبرنا ﷺ وافق أبا بكر على ما فعل, وهو أنه أراد محاربة هؤلاء الذين يمتنعون عن الزكاة -هذا المورد الإسلامي- وبين له سيدنا أبو بكر السبب، فاقتنع ووافقه على ذلك. تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب ثم ننتقل الآن إلى تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب: كشفت الموارد الجديدة التي تدفقت على الدولة الإسلامية زمن الخلفاء الراشدين عن طلائع التجاوب الحضاري بين العهد الإسلامي الجديد وحضارات البلاد المفتوحة في ميدان التنظيم المالي, ووضع أسس هذا التجاوب, كذلك الخليفة عمر بن الخطاب الذي سارت أعماله في تلك السبيل تمثل بدورها قاعدةً أساسيةً إلى جانب القواعد المالية للرسول الكريم ﷺ والتي التزم به من بعدها كافة الخلفاء المسلمين؛ إذ استهدف هذا الخليفة -عمر بن الخطاب -رضوان الله ﵎ عليه- إنقاذ أهالي البلاد المفتوحة مما سبق أن تردوا فيه من مظالم ومتاعب مالية باهظة، والعمل في نفس الوقت على أن يهيئ للدولة الناشئة الموارد التي تحقق مطالبها السياسية، والاقتصادية، والحربية كذلك, واعتمد الخليفة عمر بن الخطاب في حل هذه المعادلة الجديدة, المعادلة في ماذا؟. المعادلة تكمن في أن الدولة الإسلامية تريد الأموال من أجل الإنفاق على متطلباتها الكثيرة، وفي نفس الوقت عدم ظلم هؤلاء الناس الذين تؤخذ منهم هذه الموارد المالية.

стр. 91

سيدنا عمر بن الخطاب هو الذي فكر في المواءمة والموازنة بين هذين الأمرين: كيف نحصل للدولة على الأموال, وفي نفس الوقت لا نظلم هؤلاء الناس الذين نأخذ منهم هذه الأموال؟ أقول: اعتمد الخليفة عمر بن الخطاب في حل هذه المعادلة الجديدة التي واجهت دولته على نفس القاعدة التي اتبعها في التنظيم الإداري, وذلك بالإبقاء على النظم المالية التي سبق اتباعها في البلاد المفتوحة مع تجديد ماء حياتها بعدالة الإسلام, وتشريعاته المالية السامية, وأظهر في تلك السبيل جرأةً نادرةً المثال, وأفقًا واسعًا وحنكةً عاليةً جعلته حريًّا أن يدعى المؤسس الثاني للدولة الإسلامية, ذلك أن مشكلةً خطيرةً ثارت عقب فتح الشام والعراق ومصر مباشرةً, حين طالب الجند الفاتحون بتقسيم الأراضي في تلك البلاد بينهم وفق القاعدة الخاصة بغنائم الحروب التي تقضي بأن يتم التقسيم وفق خمسة أقسام, أحدها يوزع طبقًا للآية الكريمة عن الغنائم, والأربعة الأخماس الأخرى تكون ملكًا للفاتحين. فهؤلاء الذين غنموا هذه الأرض من سواد العراق كان من ضمن هذه الغنائم التي استولوا عليها الأراضي, أخذوا هذه الأراضي بما عليها من ناس, فقالوا: هذه غنيمة وطالبوا سيدنا عمر بأن يطبق نظام الغنيمة وتقسيم الغنيمة الذي ورد في "سورة الأنفال" في قول الله ﵎: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين﴾ (الأنفال: من الآية: ٤١) فكأن الآية -كما قلنا- آية الغنيمة تبين أن هناك خمسًا لله وللرسول، والخمس الآخر إنما يعطى للغانمين والفاتحين, وهذا ما طبقه النبي ﷺ في عهده,

стр. 92

فالغنائم كانت توزع على هذا, تقسم خمسة أقسام, قسم في سبيل الله، ثم الأربعة الأخماس الباقية إنما توزع على الغانمين. كما قلنا هذا ما طبقه النبي ﷺ في عهده وطبقه أيضًا أبو بكر الصديق -رضوان الله ﵎ عليه- فكانت الغنائم توزع على هذا المنوال: خمس لله ولرسوله، والأربعة الأخماس الباقية إنما توزع على الغانمين, وهذا ما طلبه الغانمون, ونقصد بالغانمين هنا الذين قاتلوا الكفار, واستولوا منهم على هذه الأرض -أي المقاتلين- فالآية تبين أن لهم الأربعة الأخماس؛ ولذلك تمسكوا بالآية, وطالبوا من سيدنا عمر -رضوان الله ﵎ عليه- أن يوزع عليهم هذه الأرض, وكانت أرضًا كثيرة, وأرضًا خصبة للغاية, وطالبوا منه أن يوزع عليهم هذه الأرض. أقول كتب قادة الجند في الأمصار إلى الخليفة عمر بن الخطاب يسألونه الرأي, إزاء طلب الجند بتقسيم الأراضي المفتوحة فيما بينهم, ومنهم سعد بن أبي وقاص الذي كان أول من تلقى هذه المشكلة في سواد العراق, يعني: أرض العراق, ثم تلى ذلك كتاب من أبي عبيدة عامر بن الجراح إلى عمر بقسمة المدن وأهلها والأرض بالشام, وما فيها من شجر وزرع. أقول: سيدنا عمر عندما بلغه هذا الأمر, وبلغه أن الجند الذين غنموا هذه الأرض, يطالبون بتقسيم هذه الأرض, أربعة الأخماس بينهم، سيدنا عمر بن الخطاب لم يرض بذلك, وكان له رأي مخالف لذلك. وكما قلنا فإن سيدنا عمر بن الخطاب ينظر دائمًا إلى مصلحة المسلمين العليا؛ ولذلك ماذا فعل سيدنا عمر بن الخطاب, إزاء هذه المشكلة التي تعرض لها؟ المشكلة أنه يريد أن تبقى هذه الأرض في يد أصحابها ويفرض عليها الخراج, وهذا الخراج يكون للمسلمين الموجودين الآن والذين يأتون بعد ذلك, لكن المقاتلين أو الغانمين لا يريدون ذلك, ويريدون أن توزع عليهم الغنائم كما كان متبعًا في عهد النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر الصديق -رضوان الله ﵎ عليه.

стр. 93

أقول: سيدنا عمر بن الخطاب -كما كان دائما- عندما يعرض له أمر من هذه الأمور الخطيرة والأمور الكبيرة, كان لا يستأثر بالرأي, وإنما كان يستشير, وكيف لا وهو الذي قرأ قول الله ﵎: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية: ١٥٩) وقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ (الشورى: من الآية: ٣٨)؟ كان سيدنا عمر من أكثر الناس تطبيقًا لآيات القرآن الكريم, ولذلك كانت عادته في أي أمر من الأمور التي تعرض له أن يعرض هذا الأمر على المسلمين يشاروهم فيه, ويأخذ الرأي الذي يتفقون عليه. رأى الخليفة عمر أن يستشير الصحابة وعلماءهم في هذا الموضوع الجديد الخطير؛ إذ لم يسبق للمسلمين الاستيلاء على مثل تلك الأراضي الشاسعة, الحافلة بالخصب العامر, بالسكان والمدن والثروات, ووقع الخلاف بين عمر وبين مستشاريه من الصحابة من المهاجرين؛ إذ كانت وجهة نظر الخليفة عمر -رضوان الله ﵎ عليه- أن تقسيم الأرض بين الجند, يحرم الدولة من مصدر هام من المصادر المطلوبة للإنفاق على المرافق العامة, وحماية البلاد وغيرها من متطلبات التطور الاجتماعي والاقتصادي. وخالف هذا الرأي نفر من كبار المهاجرين, يعني: بعض المهاجرين خالفوا سيدنا عمر في هذا الرأي, على رأس هؤلاء الذين عارضوا سيدنا عمر في هذا الرأي عبد الرحمن بن عوف, الذي شدد القول على الخليفة عمر, قائلًا: إن عدم تقسيم الأرض يحرم الفاتحين حقًّا من حقوقهم الأساسية, ويقصد بذلك عبد الرحمن بن عوف بهذه الحقوق الأساسية, الحقوق التي قررتها لهم آية الغنيمة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين﴾ (الأنفال: من الآية: ٤١) إلى آخر ما جاء في الآية, فالآية تقرر أن الغنيمة أربعة أخماسها إنما يكون للغانمين؛ ولذلك سيدنا عمر عبد الرحمن بن عوف يبين للخليفة عمر أن تقسيم الأرض بين الغانمين, إنما هو حق من

стр. 94

حقوقهم؛ لأنهم يستندون في ذلك إلى آية صريحة, وهي آية الغنيمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنفال: من الآية: ٤١). وعندئذ رأى الخليفة أن يشكل لجنة من عشرة من كبار الأنصار, يحتكم إليها المسلمون, وتألفت من خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج -كما قلنا- وجد سيدنا عمر بن الخطاب من يعارضه في رأيه, سيدنا عمر بن الخطاب يريد إبقاء الأرض في يد أصحابها, ويفرض عليها الخراج, أو ضريبة, وهذا الخراج أو الضريبة إنما توضع في بيت المال وينفق منها على مصالح المسلمين الكثيرة, لكن الذين خالفوه وعلى رأسهم الجند, يقولون بأن هذه الأرض تقسم على الغانمين, ولا تبقى في يد أصحابها من أجل أن يوضع عليها الخراج أو الضريبة, كما قلنا سيدنا بن عمر الخطاب اختار عشرة من أكابر الصحابة خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج, أراد أن يعرض عليهم المشكلة, ويعرض عليهم هذا الخلاف الذي نشب بينه وبين الغانمين وبعض الصحابة, فيريد أن يعرض الرأي عليهم ثم بعد ذلك يأخذ رأيهم في هذه المشكلة. شرح الخليفة عمر بن الخطاب وجهة نظره إزاء المشكلة المطروحة أمام لجنة العشرة الكبار, فقال: أرأيتم هذه الثغور, هذه الثغور يقصد الأماكن التي من الممكن أن يأتي منها العدو إلى الدولة الإسلامية, ويعتدي عليها, يعني الأماكن التي ينبغي أن يكون فيها جند لحراسة الدولة الإسلامية من جيرانها الأعداء, أرأيتم هذه الثغور, لا بد لها من رجال يلزمونها, يلزمونها مثل ما هو معلوم هؤلاء الذي يدافعون عن حدود الدولة من الأماكن المختلفة, يلزمونها يعني لا بد وأن يكون هناك جند منقطعون للحفاظ على أمن الدولة الإسلامية في هذه الثغور, أي الأماكن التي يتوقع أن يأتي منها الخطر من الأعداء على الدولة الإسلامية, أرأيتم هذه الثغور, لا بد لها من رجال يلزمونها يعني يجلسون فيها, يجلسون في هذه الثغور ويحافظون على أمن الدولة الإسلامية, أو رأيتم هذه المدن العظام لا بد لها من أن تشحن بالجيوش, ويدرى عليها العطاء. بعد أن وجه نظرهم إلى هذه الثغور التي تحتاج إلى جنود يقيمون فيها وهؤلاء الجنود يحتاجون إلى مرتبات وإلى نفقات عليهم, وإلى أسلحة يتسلحون بها, يقول لهم: كل الأشياء المقاتلين الذين في حاجة إلى مرتبات, الذين هم في حاجة إلى وسائل يحاربون بها أو أسلحة يحاربون بها الأعداء، إذا أرادوا الاعتداء على الدولة الإسلامية, كل هذه الأشياء تحتاج إلى نفقات فمن أي نأتي بهذه النفقات, وكذلك يقول لهم: هذه المدن العظيمة التي افتتحها المسلمون, لا بد

стр. 95

لها أيضًا من جيوش إسلامية تحافظ على الأمن, والنظام فيها, وهذه الجيوش الإسلامية أيضًا في حاجة إلى نفقات, لا بد من مرتبات للجند, لا بد من الإنفاق عليهم في المأكل والمشرب, لا بد من أسلحة, كل هذه الأمور تحتاج إلى نفقات كبيرة, فمن أي يعطى هؤلاء, يعني لا بد ما دام نحن في حاجة أو الدولة الإسلامية في حاجة إلى موارد من أجل الإنفاق على هذه الجيوش التي تحمي المدن التي فتحها المسلمون أو تحمي ثغور الدولة الإسلامية من الأعداء تحتاج إلى نفقات كثيرة, فمن أي يعطى هؤلاء, أي: فمن أين توجد الأموال التي تنفق على هؤلاء الجند الذين يقومون بمهمة الدفاع عن الدولة الإسلامية, من أي يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون ومن عليها, يعني: يقول إذا قسمنا هذه الأرض بين المقاتلين كما هو كان متبعًا في أيام النبي ﷺ وأيام الخليفة أبو بكر -رضوان الله ﵎ عليه- فإذا قسمنا عليهم هذه الأرض فمن أي نأتي بهذه النفقات. لكن إذا أبقينا هذه الأرض تحت يد أصحابها ثم فرضنا عليها الضرائب أو الخراج, معنى ذلك أنه سوف يكون هناك مورد لبيت المال من هذه الضرائب أو من هذا الخراج نستطيع منه أن ننفق على مصروفات الدولة الإسلامية, والتي في مقدمتها الجيوش الإسلامية التي تحتاج إلى مرتبات وتحتاج إلى مأكل ومشرب وتحتاج إلى أسلحة, يقول لهم: من أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرض ومن عليها, ثم استشهد الخليفة بآيات من القرآن الكريم في أن الأرض المفتوحة يجب ألا تقسم بين الفاتحين, وإنما يجب اعتبارها ملكًا عامًا للدولة وأهلها في الحاضر والمستقبل على حد سوء, قائلا: وقد صار هذا الفيء بين هؤلاء جميعًا, فكيف نقسمه لهؤلاء وندع من يجيء بعده؟. يعني كأن سيدنا عمر بن الخطاب يبين أن الآيات القرآنية تبين أنه هناك يأتي أو بعض المسلمين يأتي بعد ذلك فإذا قسما هذه الأرض الغنية الخصبة على هؤلاء المقاتلين

стр. 96

فكأنهم أخذوا الجزء الأكبر من الثروة في الدولة الإسلامية فماذا يتبقى لمن يأتي بعدهم: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (الحشر: من الآية: ٦) ثم يقول ﵎: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (الحشر: من الآية: ٧) فسيدنا عمر: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ فسيدنا عمر يبين أننا لو أعطينا هذه الأرض الخصبة الواسعة الكبيرة لو أعطيناها لهؤلاء الفاتحين أو الغانمين أو المقاتلين لأصبحوا طائفة تحوز كل الثروة وبقية المسلمين لا يحوزون شيئًا وهذا هو الذي منعه الله ﵎ بقوله: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ولهذا قال لهم: أعطيكم أنتم, وماذا تبقى للمسلمين الذين يأتون من بعدكم, عندما قالوا له: يعني تعطي ما غنمناه لأناس لم يحضروا القتال, ولأبناء أناس لم يحضروا القتال, فكيف ذلك فقال لهم كيف أعطيكم أنتم هذه الأرض تفوزون بها وتصبحون الأغنياء وبقية المسلمين فقراء, إذا أعطيتكم هذه الأرض ماذا يتبقى للمسلمين الذين يأتون بعدكم. أقول جاء بهذه الآيات واستدل بها, وفي خضم هذا كان سيدنا عمر يحكي هذا ويدلل على رأيه وسط اللجنة أو أمام اللجنة التي شكلها للاستشارة، وهي -كما قلنا- العشرة: خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج، من أكابر الصحابة الخبراء بأمور المسلمين, عندئذٍ وافقت اللجنة أو هيئة الشورى إن صح لنا التعبير, على وجهة عمر الخليفة عمر التي حددت مفهوم الغنيمة, والفيء بعد أن كان الخلط بين مدلوليهما سببًا في إثارة قضية تقسيم البلاد المفتوحة, إذ جعل الخليفة معنى الغنيمة منحصر في المال المنقول الذي يأتي نتيجة الحرب, أما معنى الفيء فقد وسع الخليفة مدلوله ليشمل ما يؤخذ عنوة وما يؤخذ عن طريق الصلح وأن الأرض المفتوحة وما ارتبط بها من فرض الجزية على أهلها إنما يدخل في مدلول الفيء, وصار من حق الأمة أن تجتهد ممثلة في مجلس الشورى.

стр. 97

كما قلنا اللجنة التي شكلها وافقت على ذلك, وهذه اللجنة بينت أنه ليس هناك تعارض, الرأي الذي به سيدنا عمر وهو إبقاء الأرض وعدم توزيعها على الغانمين وإبقائها في يد أصحابها الذين سيطر وانتصر عليهم المسلمون, هذا ليس مخالف لآية الغنيمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ يعني: ممكن الجمع بين هذه الآية آية الغنيمة وآية الفيء, والجمع بينهم يكون: أن الغنيمة التي تقسم خمسة أخماس, خمس لله ورسوله وأربعة أخماس للمقاتلين, إنما تكون في الأموال المنقولة أما بالنسبة للعقارات, مثل الأرض, فهذه لا تشملها الغنيمة وأن هذه الأرض إنما تبقى في يد أصحابها من أجل أن يفرض عليها أو تفرض عليها الضريبة أو يفرض عليها الخراج, ويصبح هذا الخراج أو تلك الضريبة موردًا ماليًا للدولة الإسلامية يوضع في بيت المال وينفق في مصالح المسلمين. هكذا فهم سيدنا عمر -رضوان الله ﵎ عليه- والذي دفع سيدنا عمر إلى هذا الموقف وإلى التمسك بهذا الرأي على الرغم من هذه المعارضة الكبيرة التي رآها سيدنا عمر من المقاتلين ومن كثير من الصحابة خالفوه في هذا الرأي لكنه تمسك به تمسك به لماذا هذه سياسة مالية نظر إليها سيدنا عمر بن الخطاب ووجد أن هذه السياسة المالية إنما تحقق مصلحة المسلمين, الآن وفي المستقبل, ولذلك صار من حق الأم أن تجتهد ممثلة في مجلس الشورى, مثل مجلس الشورى الذي شكله سيدنا عمر بن الخطاب في هذه المشكلة التي حدثت بينه وبين المقاتلين أو الغانمين شكل مجلسًا للشورى, وهذا معناه أن الشورى أمر يجب أن يأخذ به المسلمون في جميع شئونهم خصوصًا الشئون العامة التي تخص الدولة الإسلامية.

стр. 98

نقول: يصير من حق الأمة أن تجتهد في مجلس الشورى في إقرار تشريع مالي جديد ينص على اعتبار الأرض المفتوحة وقفًا على المسلمين, وذلك بعد أن اقتنع أصحاب الشورى بوجهة نظر الخليفة عمر بن الخطاب, وقالوا له: الرأي رأيك يا عمر, فنعم ما قلت وما رأيت. وهكذا وافق هذا المجلس -مجلس الشورى الذي شكله عمر بن الخطاب- على رأي عمر بن الخطاب بعد أن ذكر لهم الحجج والأدلة التي استند إليها، ولما وافقوا على ما رآه عمر عندئذٍ كتب الخليفة عمر بن الخطاب إلى قادة الجيوش في الولايات بهذا القرار, أبلغهم بهذا القرار الذي اتخذ بناء على مجلس الشورى الذي كونه, والقرار -كما قلنا- إبقاء الأرض وقفًا على المسلمين, أي: أن الأرض تستمر في يد أصحابها يفرض عليها الخراج أو ضريبة الخراج, وتفرض طبعا الجزية على سكانها, كتب الخليفة عمر بن الخطاب إلى قادة الجيوش في الولايات بهذا القرار, ومن بينهم سعد بن أبي وقاص الذي كان أول من أثار جنده بالعراق تلك القضية, فقال له أن ينظر ما أجلب به الناس من كراع أو مال -الكراع يقصد بها الأسلحة هنا- فيقسمه بين من حضر من المسلمين, ويترك الأرض والأنهار لعمالها وأصحابها, ليكون ذلك في أعطيات المسلمين, أي ليكون ذلك مصدرًا من مصادر أو موردًا من موارد الدولة الإسلامية أو يدفع منها أعطيات المسلمين ويتحقق بها مصلحة المسلمين, وصارت الأرض المفتوحة تكون موردًا ماليًا ثابتًا ووقفًا على الأمة بتعاقب أجيالها. وإذا نظرنا إلى نظام العطاء في زمن الخليفة عمر بن الخطاب نقول: استلزم تطبيق التشريع المالي الجديد الخاص بالأراضي المفتوحة خلق أداة تنفيذية تشرف على متطلباته, ذلك أن هذا التشريع نص على تعويض الجند بمنحهم أعطيات مقابل الأرض التي كانوا يتطلعون إلى قسمتها فيما بينهم, يعني سيدنا عمر بن الخطاب وإن كان لم يقسم الأرض على الغانمين وعلى المقاتلين إلا أنه عوضهم عن ذلك, ببعض الأموال الأخرى, وجاء الإحصاء الخاص بمساحة تلك الأراضي المفتوحة

стр. 99

ومن عليها من السكان مليئًا بأرقام هائلة وخيالية؛ لأنها كانت أرضٍ كثيرةً للغاية، وكانت السلطات الساسانية والبيزنطية -وهي السلطات التي كانت تحكم تلك البلاد قبل أن يسيطر المسلمون على تلك البلاد- صاحبة السيادة على تلك الأراضي قبل الفتح الإسلامي، كانت تفرض على الأرض خراجًا -وهي ضريبة عينية فادحة ظالمة كثيرة- وكانت تفرض على السكان جزية -وهي أيضًا ضريبة مالية جائرة- ولذلك رأى الخليفة عمر بن الخطاب أن يبقى على كل من الخراج والجزية، ولكن بصورة تتفق مع عدالة الإسلام ومراعاة الصالح أو مراعاة لصالح الرعايا الجدد للدول للدولة الإسلامية, فصار تقدير الخراج يراعى فيه واقع الأرض وإنتاجها وما يحفظ لها الازدهار والنماء, أما الجزية التي قررها الإسلام فلم تكن تحمل المعنى القديم الدال على القهر والذلة والاستغلال, وإنما كانت تؤدى في ظل الإسلام مقابل حماية الدولة لدافعيها ولحريتهم ومعابدهم, أي أشبه بضريبة الدفاع وسبيلًا لخلق توازن بين دافعي الجزية من رعايا الدولة، الذين صاروا يعرفون باسم أهل الذمة، وبين المسلمين من رعايا الدولة الذي يؤدون الزكاة على أموالهم. خلاصة القول في هذا أن سيدنا عمر بن الخطاب بعد أن اتخذ القرار مع مجلس الشورى الذي كونه من عشرة من كبار الصحابة، واتخذ القرار بأن توقف هذه الأرض على المسلمين، يستفيد بها الأجيال الحاضرة والأجيال القادمة, واتخذ هذا القرار، وأن تبقى الأرض مع أصحابها تفرض عليها، أو يفرض عليها الخراج، ويفرض على سكانها الجزية، سيدنا عمر بن الخطاب وجد أن نظام الجزية ونظام الخراج -نظام الجزية على الرءوس يعني: على الناس أصحاب هذه الأرض. ونظام الخراج الذي كان يوضع على الأرض في حد ذاتها- وجد أن هذا النظام كان موجودًا في هذه البلاد, كان يطبقه حكام هذه البلاد قبل أن

стр. 100

يسيطر المسلمون ويفتحون هذه البلاد, سيدنا عمر بن الخطاب استبقى هذا النظام، وهو أن الأرض يفرض عليها الخراج، والخارج إنما هو ضريبة مالية تفرض على الأرض أو ما يسمى في الوقت الحاضر إيجار الأرض الزراعية. لكن سيدنا عمر خالف الحكام الذي كانوا يسيطرون على هذه البلاد في أمر مهم للغاية, وهو أن الحكام الذين كانوا يحكمون هذه البلاد كانوا يفرضون ضريبة على الأرض جائرة وظالمة, لا تتناسب مع ما تأتي به الأرض من زرع, وكذلك كانوا يفرضون قدرًا من الجزية ظالمًا لا يتناسب مع مقدرة الناس الذين تفرض عليهم هذه الجزية, سيدنا عمر بن الخطاب لم يأخذ بذلك؛ لأن الإسلام هو دين العدالة؛ ولذلك فرض عليهم جزية, لكنها جزية تتمشى مع مقدرتهم المالية, إذن سيدنا عمر راعى المقدرة المالية للمولين كما يقال في العصور الحاضرة, لم يأخذ من الناس بالنسبة للجزية إلا ما يقدرون عليه, ولذلك كانت تقسم على حسب الغنى وعلى حسب التوسط وعلى حسب الفقر, فالفقير كانت لا تؤخذ منه جزية المتوسط تأخذ منه جزية متوسطة, الغني تأخذ منه جزية أكبر ولذلك راعى ظروف الناس أو ظروف الممولين كما نقول. كذلك بالنسبة للأرض الرزاعية سيدنا عمر بن الخطاب فرض ضريبة الخراج لكن جعل هذه الضريبة تتمشى مع مقدرة الأرض وما تأتي به الأرض، يعني معنى ذلك راعى مقدرة الأرض وما تأتي به من زروع؛ ولذلك كانت ضريبةً عادلةً, وكذلك كانت الجزية على الرءوس عادلةً أيضًا؛ لأن الإسلام إنما راعى ذلك، والإسلام عندما يفرض الجزية لا يريد إذلال الناس إطلاقًا, فالجزية التي كان يفرضها الساسانيون والبيزنطيون قبل دخول الإسلام إلى هذه الأرض كان مقصودًا بها الاضطهاد, كان مقصودًا بها الإذلال والقهر والاستغلال، لكنّ المسلمين عندما ذهبوا إلى هذه الأماكن لم يريدوا بالجزية أبدًا الاستغلالَ, فهذه الجزية التي

стр. 101

فرضها المسلمون إنما هي علامة فقط على خضوع هؤلاء الناس للدولة الإسلامية, وأيضًا الجزية كان سببها أن المسلمين هم الذين سوف يدافعون عن هؤلاء الناس -أهل البلد التي افتتحها المسلمون- فكأن هذه تعتبر ضريبة دفاع وليست جزية, ولذلك كان الذي يحارب مع المسلمين من أهل هذه البلاد تسقط عنه الجزية. ولذلك بعض الفقهاء -كالشافعية- يقولون بأن الجزية إنما فرضت عليهم مقابل حمايتهم والدفاع عنهم؛ ولذلك إذا قاموا هم بهذه الحماية أو الدفاع أو اشتركوا مع المسلمين في الدفاع عن الدولة الإسلامية, فتسقط عنهم هذه الجزية. إذن الجزية التي فرضها الإسلام خلاف الجزية التي فرضها غير المسلمين من الملوك المستبدين, فالجزية كانت عادلةً، والجزية كانت ليست للقهر ولا للإذلال -كما قلنا- وإنما هي دلالة وعلامة على خضوع هؤلاء الناس للقانون الإسلامي وللحكم الإسلامي, كذلك الأمر بالنسبة لهذا الخراج الذي فُرض على هذه الأرض التي افتتحها المسلمون، أيضًا كانت ضريبةُ الخراج ضريبةً عادلةً للغاية تناسب الأرض؛ ولذلك كانت قيمة الخراج تختلف من أرضٍ إلى أرضٍ أخرى, فالأرض القوية الخصبة يزيد خراجها, والأرض الضعيفة يقل خراجها. فكما قلنا لم تكن تحمل الجزية التي قررها الإسلام المعنى القديم الدال على القهر والذلة الاستغلال, وإنما كانت تؤدى في ظل الإسلام مقابل حماية الدولة لدافعيها ولحريتهم ومعابدهم, أي أشبه بضريبة الدفاع وسبيلًا لخلق توازن بين دافعي الجزية من رعايا الدولة الذين صاروا يعرفون باسم أهل الذمة وبين المسلمين من رعايا الدولة الذين يؤدون الزكاة على أموالهم. إذن الجزية كانت من ناحية أخرى من باب المساواة بين رعايا الدولة الإسلامية, فرعايا الدولة الإسلامية يتكونون من مسلمين وغير مسلمين؛ لأن الذين يدفعون

стр. 102

الجزية هم من رعايا الدولة الإسلامية, فالمسلمون يدفعون الجزية فكان العدل يقتضي أن غير المسلمين يدفعون شيئًا آخر، وهو المتمثل في الجزية، المسلمون يؤدون الزكاة, وأما أهل الذمة فإنما يؤدون الجزية, وهذا نوع من المساواة بين رعايا الدولة الإسلامية, فالمسلمون يستفيدون من المرافق العامة في الدولة الإسلامية، وغير المسلمين أيضًا يستفيدون من المرافق العامة في الدولة الإسلامية؛ لذلك كان العدل أن يتحمل كل فريق ما يناسبه من تكاليف هذه المرافق، فالمسلمون يدفعون الزكاة، فكان العدل يقتضي أن يدفع غير المسلمين -وهم أهل الذمة- الجزية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٣ - النظام المالي في عهد عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵄ تابع: تطور النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد: فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن النظام المالي في عهد عمر بن الخطاب ﵁ وتحدثنا عن اتجاه عمر بالنسبة لتوزيع العطاء؛ إذ كان يفاضل بين الناس في ذلك. ورأينا أيضًا الموقف الحازم الذي اتخذه عمر بن الخطاب بالنسبة للأرض التي غنمها المسلمون من سواد العراق؛ حيث أوقفها على المسلمين، ولم يقسمها على الغانمين، وفرض عليها الخراج؛ ليكون موردًا ماليًّا من الموارد المالية في الدولة الإسلامية. ونكمل في هذه المحاضرة المعالم الرئيسية التي سار عليها عمر بن الخطاب في السياسة المالية للدولة الإسلامية فنقول: استلزم تطبيق التشريع المالي الجديد الخاص بالأراضي المفتوحة خلق أداة تنفيذية تشرف على متطلبات هذا النظام الجديد؛ وذلك أن هذا التشريع نصّ على تعويض الجند بمنحهم أعطيات مقابل الأرض التي كانوا يتطلعون إلى قسمتها فيما بينهم، وجاء الإحصاء الخاص بمساحة تلك الأراضي المفتوحة ومن عليها من السكان مليئًا بأرقام هائلة وخيالية، وكانت السلطات الساسانية والبيزنطية -صاحبة السيادة على تلك الأراضي قبل الفتح الإسلامي- تفرض على الأرض خراجًا -وهي ضريبة عينية فادحة- وكانت تفرض على السكان جزيةً -وهي ضريبة مالية جائرة- ورأى الخليفة عمر بن الخطاب أن يبقي على كلٍّ من الخراج والجزية، ولكن بصورة تتفق مع عدالة الإسلام، ومراعاة الصالح العام للرعايا الجدد للدولة الإسلامية، فصار تقدير الخراج يراعى فيه واقع الأرض، وإنتاجها، وما يحفظ لها الازدهار والنماء، أما الجزية التي قررها الإسلام فلم تكن تحمل المعنى القديم الدال على القهر والذلة والاستغلال، وإنما كانت تؤدى في ظل الإسلام مقابل حماية الدولة لدفعها، ولحريتهم ومعابدهم، أي أنها كانت أشبه بضريبة الدفاع، وسبيلًا لخلق توازن بين دافعي الجزية من رعايا الدولة -الذين

стр. 103

صاروا يعرفون باسم أهل الذمة- وبين المسلمين من رعايا الدولة -الذين يؤدون الزكاة على أموالهم- أي أنه يتضح لنا من هذا أن عمر بن الخطاب -رضوان الله ﵎ عليه- سار على نفس النظام الذي كان يسير عليه الذين يحكمون هذه البلاد قبل أن يدخلها الإسلام، فكانوا يسيرون على نظام الخراج وعلى نظام الجزية، ووجد سيدنا عمر بن الخطاب أن هذا أمر جيد، فأبقى الخراج وأبقى الجزية، لكنه راعى في ذلك عدالة الإسلام، فإذا كان هؤلاء الحكام -الذين يحكمون هذه البلاد قبل الفتح الإسلامي- يغالون في الجزية، ويغالون في الخراج، ويظلمون الناس، فإن ذلك لم يرضَ به عمر بن الخطاب؛ لأن عمر بن الخطاب إنما يطبق تعاليم الإسلام التي تطالبنا بتحقيق العدالة بين الناس؛ ولذلك أبقى الخراج لكنه جعله عادلًا، يختلف باختلاف الأراضي جودةً وخصوبةً، وكذلك أبقى الجزية، لكنه كان عادلًا في فرض هذه الجزية؛ إذ يختلف المبلغ المقدر على الناس باختلاف غناهم وفقرهم، وتتطلب تنظيم المال المتجمع من الخراج والجزية، وكذلك إنفاقه في الأوجه المقررة له، إدارةً جديدةً، أي أن هذه الموارد الجديدة التي سوف تأتي للدولة الإسلامية بالأموال -وهي المتمثلة في الجزية والخراج- تتطلب تنظيمًا يقوم بهذا الأمر، يقوم بجباية الخراج، وجباية الجزية، ثم يقوم بعد ذلك بإنفاقها في الوجوه المقررة لها في الفقه الإسلامي. واستشار الخليفة عمر الصحابة في هذا الأمر أيضًا؛ إذ أنه -رضوان الله ﵎ عليه- ما كان يتخذ أمرًا منفردًا، بل إذا كان هناك أمر من الأمور تهم المسلمين استشار الصحابة في هذا الأمر، استشارهم في هذا الأمر وقال لهم: هذا الخراج وتلك الجزية التي تأتينا كل سنة ماذا نفعل بها؟ هل نوزعها مرةً واحدةً أم على فترات؟ أم ماذا؟

стр. 104

فقال له علي بن أبي طالب: تقسِّم كل سنة ما اجتمع إليك من مال، ولا تمسك منه شيئًا. وقال له عثمان بن عفان: أرى مالًا كثيرًا يسع الناس، وإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر. فسيدنا علي بن أبي طالب قال له: كل مال يأتيك فوزعه في الحال. لكن سيدنا عثمان كان له وجهة نظر أخرى وقال له: لا بدّ من تدبير الأمر وإحكام الأمر؛ حتى نضمن أن المال وصل إلى مستحقه فعلًا. وقال الوليد بن هشام بن المغيرة: قد جئت الشام، فرأيت ملوكها قد دونوا ديوانًا، وجندوا جندًا، فدون ديوانًا وجند جندًا. الوليد بن هشام بن المغيرة أبدى رأيه في هذا الأمر وقال له: يا أمير المؤمنين، الأفضل في هذه الحالة أن يكون هناك ديوان. ومعنى ديوان أنه تثبت فيه أسماء الناس وأعطيات الناس، وهذا أمر كان معروفًا عند الملوك وعند الدول قبل أن يفتتح المسلمون هذه الأراضي. ولذلك نال هذا الرأي الأخير إعجاب الخليفة عمر بن الخطاب، وقرر إنشاء الديوان الأول في الإسلام، مستفيدًا من نظم الروم والساسانيين في تلك السبيل. غير أن القواعد التي قررها الخليفة لهذا الديوان كانت إسلاميةً خالصةً, ووفق مراتب تحفظ لكل ذي حق حقه, ولا تغمط فرضًا قدره أو جهده, وشرح الخليفة الأسس التي قررها قائلًا: "ما من أحد إلا وله في هذا المال حقه أعطيه أو منعه, وما أنا فيكم إلا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله, وقسمنا من رسول الله ﷺ فالرجل وتلاده في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام, والرجل وغناه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام". تلك كانت توجيهات عمر بن الخطاب عندما أراد وضع هذا الديوان الجديد, وعهد الخليفة عمر إلى عقيل بن أبي طالب، وابن نوفل، وجبير بن مطعم, عهد إليهم بتطبيق القواعد الجديدة التي قررها؛ إذ كان هذا النفر من كبار الصحابة من أوسع العرب علمًا بأنساب قريش, وقال لهم: "اكتبوا الناس على منازلهم" أي: على مقدار سابقتهم في الإسلام ومقدار قرابتهم للرسول الكريم ﷺ وذلك

стр. 105

ليكون التفاضل في العطاء قائمًا على هذين الأساسين, وهو الأساس الأول منزلة الناس في الإسلام، ثم قرابتهم من رسول الله ﷺ وتم بذلك وضع أول نظام مالي إسلامي اشتهر باسم العطاء, يستند إلى العدالة من حيث التقرير والتطبيق؛ إذ حاول نفر من الناس حمل الخليفة على أن يبدأ قائمة العطاء بنفسه, ولكنه رفض وقال: "أبدأ ببني هاشم, قرابة رسول الله ﷺ أبدأ ببني هاشم حسب الأقرب فالأقرب لرسول الله ﷺ وكان القوم إذا استووا في القرابة قدم أهل السابقة في الإسلام, وكان يفضل في العطاء أيضًا أهل المشاهد -وهم الذين شهدوا الغزوات والفتوحات الإسلامية. وبلغ من دقة نظام العطاء أنه قرّر لكل مولود مائة درهم, فإذا ترعرع بلغ عطاؤه مائتي درهم, ومن الطريف في هذه القاعدة أنه لم يكن يفرض للمولود في أول الأمر حتى يفطم -أي حتى ينتهي من الرضاع- فأمر عمر مناديه أن لا تعجلوا بفطام أولادكم, فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام, يعني يفرض له عطاء من بيت المال, وتجلت دقة نظام العطاء وسموه في الشريعة الإسلامية أن عمر بن الخطاب ساوى في العطاء بين العرب والموالي, وقرر للهرمزان الفارسي ألفي درهم, وكتب إلى أمراء الأجناد قائلًا: "ومن أعتقتكم من الحمراء -يعني: الموالي- فأسلموا فألحقوهم بمواليهم, لهم ما لهم وعليهم ما عليهم, وإن أحبوا أن يكونوا قبيلةً وحدهم فاجعلوهم أسوتهم في العطاء". وكتب الخليفة أيضًا إلى أحد ولاته ممن أغفل شأن الموالي في العطاء قائلا: له فبحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم, والسلام. فكأن سيدنا عمر بن الخطاب بلغ من دقة نظره في هذا الأمر أنه جعل الموالي يعني الذين كانوا عبيدًا ثم أعتقوا جعلهم يتساوون مع المسلمين وحتى مع الذين أعتقوهم في هذا الأمر, ونال كل فرد إلى جانب العطاء المالي رزقًا عينيًّا،

стр. 106

وقرر الخليفة عمر بن الخطاب لكل فرد بعد تجربة عملية رزقًا شهريًّا، قدره جريبين من الطعام, والجريب هو كيل من المكيلات التي يكال بها الحبوب, وذلك للرجل، والمرأة، والمملوك، والطفل أيضًا, وصار من الطرائف في هذا الأمر أن المرء إذا أراد أن يدعو على صاحبه قال له: "قطع الله عنك جريبيك" يعني: الكمية من الطعام التي كانت تعطى له من بيت المال. وحرص الخليفة عمر على أن يحمل بنفسه عطاء بعض القبائل ويوزعه عليهم, فلا يغيب عنه امرأة بكر ولا ثيب فيعطيهن في أيديهن, وصار العطاء خير نموذج عملي لقوة النظام المالي في الإسلام, وعدالة قواعده ودقتها في نفس الوقت. واقتضى التطور في الموارد والعطاء على عهد عمر بن الخطاب الاهتمام بالتنظيم المالي للولايات، باعتبارها المصدر الرئيسي الذي استمد منه هذا التطور مقوماته ومعالمه, وتجلى في هذا التنظيم مدى ما اتسم به النظام المالي الإسلامي من مرونة، وقدرة على النهوض بأحوال الولايات؛ حتى صارت تكون الصرح الشامخ لما سماه الفقهاء "دار الإسلام" وكان لكل ولاية إدارتها المالية بعمالها الخبيرين بمرافقها القديمة, القادرين على بعث ماء الحياة فيها, بما يتفق والنظام الإسلامي وعدالته. وتتضح تلك الحقيقة في الولايات الكبرى الثلاث للدولة الإسلامية إذ ذاك، وهي العراق، والشام، ومصر, فالنبسة لولاية العراق انقسم العراق من حيث التنظيم المالي قسمين: أحدهما: هو الشطر الجنوبي الذي اشتهر باسم السواد، واشتمل على الأراضي الخصبة.

стр. 107

والآخر وهو الشطر الأعلى الذي اشتهر باسم أرض الجزيرة الفراتية, واشتملت على الأراضي الممتدة بين دجلة والفرات. وبعث الخليفة عمر بن الخطاب خبيرين لمسح أرض السواد -أي: سواد العراق- وتقدير ما يجب أن تدفعه من الخراج عن الأرض الزراعية والجزية عن أهل الذمة بها، وقام بهذا العمل خبيران من خبراء المسلمين هما عثمان بن حنيف، وحذيفة بن اليمان, اللذان استعانا بأهل البلاد لمعرفة النظم التي سبق للساسانيين فرضها على تلك النواحي, وكان الساسانيون -أي الحكام السابقون لتلك البلاد قبل أن يفتحها المسلمون- يفرضون الخراج على ما يعصم الناس والبهائم، وهو الحنطة -أي: القمح, والشعير، والأرز, والكرم أي: العنب, والرطاب أي: البلح, والزيتون- وكذلك على كل نخل حديقة -أي: البساتين- وكان مقدار هذا الخراج يقدر على أساس المساحة. وتولى الدهّاقون -وهم رؤساء القرى- جمع هذا الخراج, بحيث جعلوا الغرم يقع على صغار الملاك دون الكبار, وفرض الساسانيون أيضًا جزية جعلوها على أربع درجات بحيث أعفي منها أهل البيوتات، والعظماء، والمقاتلة، والكتاب, ومن كان في خدمة الملك, ووقع غرمها على العامة أصحاب الدخل البسيط, وهذا ظلم لا يرضاه الإسلام, فقد كفل هذا النظام الإسلامي العدالة في جمع الخراج, وإزالة الاستثناءات التي سبق أن فرضها الساسانيون على صغار الملاك، وتحققت المساواة في ظل النظام الإسلامي المالي, وتدعمت المساواة في ظل النظام المالي الإسلامي في تقرير الجزية على الذكور البالغين فقط, من دون النساء، والأطفال، والمسنين, وذلك بمقدار ٤٨ درهمًا و ٢٤ درهمًا و ١٢ درهمًَا في السنة حسب دخل الفرض وثرائه, ودون استثناء.

стр. 108

وصار هذا المقدار لا يضر الفرض العادي على نحو ما قاله الخليفة عمر درهم في الشهر لا يعوز رجلًا, لا يؤثر في الرجل, وكان أساس التباين في دفع الجزية في ظل النظام المالي الإسلامي هو الحالة الاجتماعية, وما صاحبها من دخل, فكان على الدهاقين -أي: الذين يتختمون بالذهب- كان على الرجل ثمانية وأربعين درهمًا؛ لأنهم في فئة الأغنياء والأثرياء, وكان على أوساطهم من التجار على رأس كل رجل أربعة وعشرين درهمًا في السنة, وعلى الأكرة -وهم الفلاحون وسائر من بقي منهم- اثن عشر درهمًا, وهذا معناه أن الجزية كانت متفاوتة في مقدارها فالأثرياء جدًّ عليهم ٤٨ درهمًا في السنة، والمتوسطون ٢٤ درهمًا، والأقل ثراءً وتوسطً عليهم ١٢ درهمًا, فكان هذا يتمشى مع حالة الفرد أو حسب دخل الفرد وثرائه. وتمّ التنظيم المالي لبلاد الجزيرة الفراتية على نفس الأسس التي تقررت في أرض السواد، من حيث مراعاة العدالة الإسلامية, وكذلك الأحوال المالية لتلك النواحي. وفي ولايات الشام اتبع المسلمون في تقرير الجزية والخراج نفس الأسس التي اتبعوها في بلاد الجزيرة الفراتية؛ لتشابه الأحوال في كل منهما، من حيث تبادل سيادة الفرس والبيزنطيين عليهما. وبالنسبة لمصر أو الولاية المصرية كانت جباية الجزية في مصر تختلف من مكان إلى آخر, حسب إمكانية كل فرض؛ ذلك أن صاحب "إخنا" جاء إلى عمرو بن العاص وطلب منه تقرير حدّ ثابت للجزية -يعني تقرير حدّ معين للجزية ومبلغ معين للجزية- ليصبح كل فرد ملتزمًا بها دون نظر إلى حالته المالية, ولكن عمرو بن العاص رفض ذلك بشدة، مبينًا أن هذا التحديد أمر غير عملي, وأن

стр. 109

الأوضاع قد تتغير، وأن الوالي صاحب الحق في تعديل ما على الفرد من جزية حسب مقتضيات تلك الأوضاع. وكان لأبناء مصر قدر كبير من الحرية والمساهمة في الإدارة المالية لبلدهم, وذلك بما يحقق لهم العدالة، والتخلص من مساوئ الاستغلال الذي سبق أن عانوا منه الكثير زمن الروم. وصار التنظيم المالي في مصر على هدي مراعاة مصالح البلاد وأهلها, وأنه لم يرسل إلى الخلافة في المدينة الخراج المطلوب إلا بعد اقتطاع ما تحتاج إليه البلاد من حفر خلجانها، وإقامة جسورها، وبناء قناطرها ... وغير ذلك من الأمور التي تحتاجها الدولة, ثم إن الخراج لم يرسله عمرو بن العاص أيضًا إلا بعد أن يفرغ الناس من الزراعة وعصر كرومهم. إن هذا الذي فعله عمر بن الخطاب إنما هو تقرير جديد وتنظيم جديد للسياسة المالية الإسلامية بالنسبة للبلاد التي افتتحها المسلمون, ولو نظرنا إلى الكتب التي تتحدث عن الإدارة في ظل العصر الإسلامي الأول, نجد أن هناك كتابًا يسمى الإدارة الإسلامية في عز العرب تأليف محمد كردي علي, جاء في هذا الكتاب في صفحة ٤٣ قول عمر بن الخطاب: "ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني؛ فإن الله جعلني له خازنًا وقاسمًا" وكتب عمر الناس على قبائلهم أي: أحصاهم, ففرض الفروض وأعطى العطايا على السابقة, أي السابقة في الإسلام, بدأ بالأقرب فالأقرب من الرسول, وفرض لأهل بدر ولمن بعدهم إلى الحديبية وبيعة رضوان, ثم لمن بعدهم, ولأهل القادسية واليرموك وأعطى نساء النبي ﷺ وغيرهم, ورزق الصبيان والأئمة والمؤذنين والمعلمين والقضاة, وحلف على أيمان ثلاث, فقال: "والله ما

стр. 110

أحد أحق بهذا المال من أحد، وما أنا أحق به من أحد, والله ما من المسلمين من أحد إلا وله في هذا المال نصيب إلا عبدًا مملوكًا, ولكنا على منازلنا من كتاب الله تعالى وقسمنا من رسول الله ﷺ فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته". ثم يقول عمر: "والله لئن بقيت لهم ليأتيني الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه" فكأن هذا دليلًا على تصميم عمر بن الخطاب -رضوان الله ﵎ عليه- أن هذه الأموال التي تأتي لبيت المال عن طريق الجزية أو عن طريق الخراج, أنه لا بد وأن يكون لكل مسلم نصيب في هذه الأموال حتى ولو كان إنسانا عاديًّا، راعي يرعى في صنعاء، في اليمنن، فكان يقسم أنه لا بدّ وأن يصل له نصيبه من هذا العطاء؛ لأنه كما قلنا قال: "والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد" يعني: كل واحد له في هذا المال. جمع عمر المسلمين لأول عهده وقال: ما يحل للوالي من هذا المال؟ سألهم عمر عندما تولى الخلافة, وقال: ما يحل للوالي من هذا المال؟ أي المال الذي يأتي إلى بيت المال من الجزية والخراج ... وغير ذلك, فقالوا جميعًا أما لخاصته فقوته وقوت عياله لا وكس ولا شطط, وكسوتهم وكسوته للشتاء والصيف، ودابتان إلى جهاده، وحوائجه، وصلاته، وحجه، وعمره, والقسم بالسوية, وأن يعطي أهل البلاد على قدر بلائهم, ويتعاهدهم عن الشدائد والنوازل حتى تنكشف, ويبدأ بأهل الفيء. وكان عمر إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه يعني: جاء إلى صاحب بيت المال فاستقرضه يعني: طلب منه القرض, فاستقرضه فربما عثر, فيأتيه صاحب بيت المال فيتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر, أي: أن عمر كان إذا احتاج إلى أموال لينفقها في مصالح المسلمين, يأتي إلى صاحب بيت المال, وهو ما
следующие страницы →