← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11313

السياسة الشرعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (825 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

تَفْعَلُونَ﴾ يقول: فالمراد به الوعد الكاذب، وليس المراد به أمر الغير وترك الفعل. ونحن لا نسلم بالرأي الذي لا يشترط العدالة فيمن يقوم بالحسبة والرقابة، ووجهة نظرنا في الأخذ بالرأي الذي يشترط العدالة في من يقوم بهذا الواجب ما يأتي: - أن الإمام الغزالي اعترض على عدم منح هذا الحق للفاسق؛ لأن المنع منه يؤدي إلى اشتراط العصمة فيمن يقوم بهذا الوجه. يعني الإمام الغزالي عندما قال: "لا تشترط العدالة" استدل على ذلك بأننا لو اشترطنا العدالة، فمعنى ذلك أننا نشترط فيه أن يكون معصومًا، وهذا لم يقل به أحد. ونرى أن ذلك غير صحيح؛ فاشتراط العدالة لا يعني مطلقًا أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر معصومًا عن الخطأ، فالعصمة من الخطأ شيء واشتراط العدالة شيء آخر، ولم يقل أحد من أصحاب الرأي الذي يشترط العدالة بضرورة أن يكون من يقوم بهذا الواجب معصومًا من الخطأ. ثانيًا: أننا لو أجزنا منح هذا الحق -أي الرقابة على الناس وعلى السلطة الحاكمة- للفاسق، ليأمر غيره ممن هو كذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن هذا -فيما نرى- يؤدي إلى ضياع هذا الواجب كليةً، فإذا قام هذا الشخص بالأمر بمعروف هو لا يؤديه، أو بالنهي عن منكر هو متلطخ بفعله غير متنزه عنه؛ فإن كلًّا منهما -المحتسِب والمحتسَب عليه- يكون له الحق -لو سلمنا بهذا الرأي- في ممارسة تلك السلطة على الآخر، وكل منهما يكون محتسِبًا ومحتسَبًا عليه في آنٍ واحدٍ، والواجب قبل أن يمارس كل منهما هذه السلطة على الغير أن يكفّ هو أولًا عمّا نهى عنها الشارع، وأن يمتثل لأوامره؛ حتى يكون محلًّا للاقتداء

стр. 422

به. ليس معنى ذلك أننا نقول بأن المحتسب يجب أن يسلم من الخطأ كليةً؛ لأنه من المحال أن يكون كذلك؛ فالناس بشر، وكل بشر معرض للخطأ، إلا أننا نقول -كما قرر البعض- أنه يجب أن يكون المحتسب متجنبًا لما يُنتهى عنه، متنزهًا عن فعله؛ حتى لا يكون للغير الحق في ممارسة هذه السلطة عليه. خلاصة هذا الرد على الغزالي الذي لا يشترط العدالة: أننا لو أبحنا للفاسق أن يمارس هذه المهمة -وهي الرقابة- فمعنى ذلك إذا كان هو في حد ذاته إلى من يراقبه وينهاه عن الفعل الذي يرتكبه، فكيف يكون محتسِبًا ومحتسَبًا عليه في ذات الوقت؟ وكيف يقتدي به الغير؟ والشاعر يقول: لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتَأتيَ مِثلَهُ ... عارٌ عَلَيكَ إِذا فَعَلتُ عَظيمُ فما دام هو لا يلتزم بأحكام الدين، ما دام هو غير عدل ... فكيف تكون لدعوته أي أثر بالنسبة لمن يدعوه إلى الخير؟ لا شك أنه لا يُقتدى به، ولا شك أن ذلك يكون عبثًا عندما نقرر له أن يمارس هذه الرقابة. ثالثًا: أن الاحتجاج بعموم النصوص لمنح الفاسق هذا الحق أو تلك السلطة على الغير، لا ينهض دليلًا كافيًا لتقرير ذلك؛ ذلك أن هذا الواجب ككل الواجبات التي فرضتها الشريعة له شروط وله أركان، ومن شروطه فيما نرى أن يكون الشخص عدلًا، فإذا توفرت في القاعدة شروطها وأركانها فإنها تنطبق على كل من توفرت فيه، بحيث يخرج من نطاق تطبيقها من لم تتوفر فيه هذه الشروط والأركان، دون أن يكون ذلك مؤثِّرًا على كون القاعدة عامةً. رابعا: أن هذا الواجب فيه معنى الولاية على الغير، الواجب -ونقصد به الرقابة- فيه معنى الولاية على الغير، وكأي ولاية يشترط فيمن يقوم عليها أن يكون عدلًا، والفاسق في رأي فقهاء الشافعية ومن تابعهم لا ولاية له ... فكيف يتسنى لنا منحه سلطة الولاية على الغير وهو نفسه محل لأن يمارِس الغيرُ عليه هذه السلطة؟!.

стр. 423

خامسًا: كما أننا لا نقبل تفسير النصوص التي استدل بها المشترطون للعدالة على أنها تعني أن العقاب كان نتيجة ترك المعروف وإتيان المنكر، دون أن تحول من قيامهم به؛ لأنه -كما سبق أن أكدنا- لا نسلم مطلقًا بأن يُعطى الحق لمن لا يكفله، والسلطة لمن هو واجب أن تمارَس السلطة عليه، وأن نجيز لشخص كفالة تطبيق القانون وهو الذي يخالف القانون وينتهكه. سادسًا: وأن هذا الواجب، وقد ربطه الشارع بالإيمان، بل إنه ميزه بالتقديم على الإيمان لأهميته وضرورة كفالته في الأمة، فلهذا الواجب -وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- قدّمه الله ﵎ على الإيمان، وجعله من أوصاف المؤمنين الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، كما الصفة المميزة لهذه الأمة عن غيرها من الأمم غير الإسلامية؛ ومن ثم يحتِّم ذلك كله أن يكون من يمارس هذا الحق ممتثلًا لما يأمر به الشارع، متنزهًا عمّا ينهى عنه؛ فالإسلام كلٌّ لا يتجزأ، ولمن ينهي عن فعل فأولى به أن ينهي نفسه أولًا، ويكف عنه، وقبل أن يأمر الغير فأولى أن يبدأ بأمر نفسه. الشرط الرابع من الشروط الواجب توافرها في الذي يمارس الحسبة أو يمارس الرقابة: القدرة: يشترط فيمن يقوم بالرقابة الحسبة أن تتحقق لديه الاستطاعة والقدرة لممارسة هذا الواجب، على وجه لا يؤدي إلى فساد عظيم في نفسه، أو ماله، أو أهله، وقد بيّن الحديث الشريف نطاق القدرة البشرية على نحو يؤدّي إلى كفالة هذا الواجب واستحالة خروجه عن نطاق القدرة البشرية، عندما قال ﷺ : ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)). فمن لا يستطيع الإنكار باليد فأمامه وسيلة تحقيق هذا الواجب بالإنكار بالقول، ومن لا يكون له في استطاعته الإنكار بالوسيلة الأخيرة فلا حسبة عليه باليد أو

стр. 424

اللسان؛ إذ يكون عاجزًا عن تحقيقها بهما، والعاجز غير مكلف بكفالة ما عجز عن تحقيقه، إلا أنه تبقى أمامه وسيلة أخرى هي الإنكار بالقلب، وهي دائمًا وأبدًا تدخل في نطاق الاستطاعة والقدرة البشرية؛ لارتباطها بشعور ووجدان المكلَّف، ولا مدخل لأي سلطة كانت على خلجات النفس وما يجول بالوجدان والضمير. الشرط الخامس من الشروط التي يشترط توافرها فيمن يمارس الرقابة: العلم: وشرط العلم يختلف وجوبه بحسب ما إذا كان الفعل مخالف للقانون ظاهرًا وواضحًا، فلا يحتاج الوقوف على مدى مخالفته للقانون إلى ضرورة توفر صفة المجتهد فيمن يقوم بأداء هذا الواجب، أو كان من دقائق الأفعال، ومما يتعلق بالاجتهاد؛ فيحتاج الوقوف على مخالفته للقانون إلى توفّر شروط الاجتهاد فيمن يقوم به. أي معنى الكلام: هل يشترط أن يكون الذي يمارس الرقابة عالمًا مجتهدًا أم لا؟ نقول: هذا يتوقف على نوع المخالفة، فإذا كانت هذه المخالفة واضحة تمامًا ففي هذه الحالة معنى ذلك أنه لا يشترط ذلك -أي لا يشترط الاجتهاد- أما إذا كانت تحتاج إلى فقه، وهي من الأمور المختلف فيها، ففي هذه الحالة تحتاج إلى العلم. فإذا كان الفعل من النوع الأول -وهو الواضح- فإن حق إنكاره ومقاومته يكون لآحاد المسلمين، كل واحد من الناس، يكون لآحاد المسلمين وخواصهم، ولا تتوقف ممارسته على أي شرط آخر، سوى شرط الإسلام، والبلوغ، والعقل، والعدالة، والقدرة، سواء كان هذا الشخص إمامًا، أو قاضيًا، أو فقيهًا، أو واحدًا من آحاد المسلمين.

стр. 425

أما إذا كان الفعل يقتضي الوقوف على مخالفته للقانون إلى توفّر شرط الاجتهاد لكونه من دقائق الأفعال والأقوال، فلا يكون للعامة الحق في الرقابة والإنكار على هذه الأعمال؛ لأنهم قد ينكرون فعلًا والأمر على خلاف ذلك، بل هذا الحق يُعطى فقط للفقهاء الذين يحيطون بالنصوص ومقاصد الشارع، وهؤلاء أيضًا سلطتهم في الإنكار تتوقف بحسب ما إذا كان الفعل قد أجمع على حكم محدد له، أو كان هذا الفعل من المسائل الخلافية بين الفقهاء. الشرط السادس: الحصول على إذن سابق من السلطة العامة: هذا الشرط من الشروط التي لم تتّفق حولها الآراء في الفقه الإسلامي، فيذهب رأي إلى أنه لا يجوز ممارسة هذا الواجب -أي سلطة الرقابة- إلا إذا أذنت السلطات العامة بممارسته، وحجة من قال بذلك أن إعمال هذا الحق يقتضي تقرير سلطة وولاية على المحكوم عليه؛ ومن ثم لا يجوز أن يُعطى هذا الحق أو يتقرر قيام المسلم بأداء هذا الالتزام، إلا إذا فوّضته السلطات العامة بذلك، ومما يقتضي الحصول على إذن مسبق من السلطات العامة عدم جواز القيام بهذا الواجب من الكافر على المسلم، مع كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حقًّا. وقد ردّ الغزالي على من اشترط هذا الشرط، فهو بعد أن قرر أنه من الشروط الفاسدة؛ فإن النصوص في القرآن أو السنة دلّت على أن كل من رأى منكرًا أو سكت عن إنكاره، فإنه يخلّ بواجب حتّمت عليه النصوص إنكاره أينما رآه وكيفما رآه؛ لذلك فإن القول بهذا الشرط -ونقصد به الحصول على إذن من السلطات العامة- تحكّم لا أصل له من الشرع، ومن ناحية فإن عدم جواز منح غير المسلم هذا الحق أو القيام بهذا الالتزام، ترجع إلى أن غير المسلم لا يجوز له أن يمارس أي سلطة أو ولاية على المسلم، إلى

стр. 426

جانب أن المسلم يتمتّع بهذا الحق، ويجب عليه القيام بهذا الالتزام بصفته مسلمًا، فاستحقّ هذا الإعزاز من الشارع ومن الدين؛ لأنه من الواجبات الدينية، وكأي واجب ديني يقتصر أدائه على المؤمنين بالرسالة دون غيرهم؛ لأن فيه تسلطًا على المسلمين. نكتفي بهذا القدر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢ - الحكم عند العرب قبل الإسلام وبيان أن الإمامة مبحث فقهي الحكم عند العرب قبل الإسلام الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد انتهينا في المحاضرات السابقة من الحديث عن القواعد التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام وهي: قاعدة الحاكمية لله ، وقاعدة الشورى في الإسلام، وقاعدة الحقوق والحريات العامة في النظام الإسلامي، وقاعدة مسئولية الحاكم أمام مجموع الأمة، وقاعدة رقابة الأمة للحاكم، ونبدأ في هذه المحاضرة في الحديث عن نظام الحكم في الإسلام. والحديث عن نظام الحكم في الإسلام يستدعي أن نلقي أولًا نظرة عن نظام الحكم عند العرب قبل الإسلام فنقول -وبالله التوفيق-: لم يكن للعرب قبل الإسلام حكومة بالمعنى الذي نعرفه للحكومات الآن، فلم تكن لهم إدارة منظمة لها السلطان الذي يخضع له الناس وتعمل على إيصال الحقوق إلى أربابها ومنع تعدي الناس بعضهم على بعض، وإنما كانوا بدوًا أو شبه بدو يعيشون في قبائل متعددة متفرقة، يجمع أفراد كل قبيلة رابطة الدم التي كانت هي موضع التقديس من كل عربي يعيش في شبه الجزيرة العربية، هذه الرابطة -وهي رابطة الدم- التي إن وجدت سواء كانت في الواقع أم في زعمهم عُدّوا كتلة واحدة تُوجب لأفراد القبيلة الحماية التامة تحت ظلها، وتعطي لكل فرد فيها حق الاستصراخ بها، وهي ملزمة بالزود عنه كما أن عليه الخضوع المطلق لعرفها ودينها، وكانت القبيلة تعيش غالب حياتها في نزاع مع القبائل الأخرى، فتضطر إلى عقد حلف مع غيرها لصدّ غارة أو للإغارة على أحلاف أخرى أو لغير ذلك من الأغراض، وإذا ما تحالفت القبائل استعدادًا لحرب واحتاجوا إلى من يرأسهم جميعًا اقترعوا بين أهل الرياسة، يعني: عملوا قرعة بين من يصلحون أن يكونوا رؤساء فمن خرجت له القرعة فهو رئيسهم.

стр. 427

وإذا نظرنا إلى الأنظمة السياسية التي عاشت مع العرب قبل الإسلام نجد بعضها عاش مع البدو في الجهات الصحراوية مثل نجد وأطراف الحجاز، حيث كانت القبيلة على صغرها هي الوحدة السياسية، يرتبط أفرادها برباط الدم والعصبية، ولا يخضعون لسلطة ما حتى ولا سلطة رئيس القبيلة الذي كان يمكن أن يرفض حكمه أي فرد في القبيلة وما كان عليه إلا أن يعتمد على قوته إن كانت لديه القوة، أو يهجر القبيلة كلها إن استشعر الخوف منها ويلجأ إلى قبيلة أخرى، فقد كان الواحد منهم لا يعتبر زعامة شيخ قبيلته أو سلطته إلا رمزًا لفكرة عامة شاءت الظروف أن يأخذ هو منها بنصيب، بل كان هو مطلق الحرية في أن يرفض ما اجتمع عليه رأي الأغلبية من أبناء قبيلته، إلا أن هذا لا يمنعنا من القول بأن بعض القبائل كان حكم رؤساءهم فيهم نوعًا من الجبروت والظلم، حتى أذلوا الناس إذلالًا لم يقض عليه إلا ظهور الدين السماوي الجديد الذي بشر به محمد ﷺ . ونظرًا إلى أن القبائل تعتبر وحدات مستقلة كانت البلاد مقسمة إلى مناطق نفوذ متعددة، كل منطقة تسيطر عليها القبيلة التي كانت لها الغلبة على تلك المنطقة، وكان يرأس القبيلة واحد من أبنائها تعتمد عليه في قيادته في معاركها المتعددة التي تخوضها ضدّ القبيلة الأخرى نهبًا لما لديها أو استردادًا لحق انتزعته الأخرى منها، وكان رئيس القبيلة يُختار ممن تتوافر فيهم شروط الخاصة من كثرة المال وعِظَم النفوذ والتمتع بالحظوة بالاحترام من أفراد القبيلة؛ لشجاعته وسداد رأيه وكمال تجربته مع كِبر سنه وعصبيته، ولم يكن اختيار رئيس القبيلة أو شيخها يتمّ بالطرق التي نعهدها الآن في اختيار رؤساء الدول، وإنما كان يختار اختيارًا تلقائيًّا إذا توافرت فيه الشروط التي يطلبونها دائمّا في رئيسهم،

стр. 428

ولم يكن لهم نظام معين لنقل سلطة شيخ القبيلة وإذا ما تضخمت القبيلة وتشعبت فروعًا كثيرة يتمتع كل منها بحياة منفصلة ووجود مستقلّ ولا تتحد إلا في ظروف غير عادية اشتراكًا في الدفاع عن القبيلة أو قيامًا بغارات بالغة الخطورة، وقد تتعدد الرياسات في بيت واحد متى توافرت له أسباب الغلبة والعصبية، فيتناقلها قوي عن قوي يسود أفراد قبيلته، فقد يكون لرئيس القبيلة ابن الابن يعدله في الشرف والمكانة والسطوة وحينئذ يستطيع أن يتبوأ مكان الرياسة من أبيه، إلا أنه نادرًا ما كان يتعاقب السيادة والرياسة ثلاثة أفراد من قبيلة واحدة. وكان يعاون شيخ القبيلة مجلس يسمى مشيخة القبيلة الذي يمثل الرأي العام في القبيلة والذي يختار أفراده ممن برزوا في الرأي والمواهب التي تعتز بها القبائل، فكان من بين أفراده شاعر القبيلة التي تعتمد عليه في إظهار مناقبها والتغني ببطولاتها، ويضمّ حكام القبيلة من أهل الشرف الذين اشتهروا بين الناس بالصدق والأمانة والتجربة وسداد الرأي وكبر السن الذين لهم الشهرة بين الناس بالقدرة على الفصل في خصوماتهم في مسائل النسب والفصل والتركة والدماء، وهؤلاء الحكام لم يكونوا يحكمون بقانون مدون ولا قواعد معروفة، وإنما يرجعون إلى عرفهم وتقاليدهم التي كوّنتها تجاربهم أحيانًا، وما وصل إليهم عن طريق اليهود أحيانًا أخرى، ولم يكن لهذا القانون الجاهلي المؤسس على العرف والتقاليد جزاء، ولا كان المتخاصمون ملزمين بالتحاكم إليه والخضوع إلى حكمه، فإن تحاكموا إليه فبها وإلا فلا، وإن صدر الحكم أطاعه إن شاء. ويضم المجلس أيضًا من بين رجاله الشجعان الذين اشتهروا بالفروسية، وبعض الأفراد من ذوي المكانات الخاصة كالعراف والكاهن، هذا بالإضافة إلى شيوخ العشائر والذين اكتسبوا التجارب من الحياة لكبر سنهم، فهؤلاء كلهم يمثلون

стр. 429

مشيخة القبيلة التي يعتمد عليها رئيس القبيلة في تسيير دفتها، ولا يستطيع أن يشنّ حربًا أو يعقد صلحًا أو يتخذ غير ذلك من القرارات التي تؤثر في حياة القبيلة إلا بعد أخذ رأي هذا المجلس، فلم يكن حكم القبيلة جاريًا بنصوص قانونية تحكمها وتنظم علاقات الناس بعضهم ببعض كما نعهده في القوانين التي تحكمنا اليوم، وإنما كان الحكم فيها جاريًا بتوجيه من الغريزة والفطرة، يرتضون نظامًا يتفق مع مفاهيمهم الساذجة فيصير بمرور السنين عرفًا لا يستطيع فرد أن يغير منه شيئًا بسهولة، وسواء في هذا العرب الذين يعيشون في الصحراء مثل نجد وأطراف الحجاز والعرب الذين أخذوا بشيء من الحضارة الذين يقطنون المدن كمكة والمدينة أو في أطراف شبه الجزيرة كممالك اليمن في الجنوب ومملكة الحيرة في الشمال الشرقي ودولة الغساسنة في الشمال الغربي. وكان لكل قبيلة عرف وتقاليد خاصة قد تخالف ما للقبائل الأخرى من أعراف وقد تتفق معها في كثير أو قليل، وفي أواسط الجزيرة العربية وبين الحكم القبلي وجدت مملكة وحيدة لم تستطع أن تعمّر إلا مدة تقارب الخمسين عامًا وهي مملكة كندة التي قضى عليها ملوك الحيرة والتي ينسب إليها امرؤ القيس أحد شعراء المعلقات المشهور. وإذا ما تركنا أواسط شبه الجزيرة العربية وانتقلنا إلى الحجاز نجد مدنًا ذات حياة سياسية خاصة، فكل مدينة من مدن الحجاز تحكم نفسها وتستقل عن الأخرى تمام الاستقلال، وهكذا كان الأمر في مكة وفي المدينة وفي الطائف، ونجد كل مدينة تتحكم فيها أيضًا الروح القبلية وتسيطر عليها سيطرة تامة، بل نجد العربي مع وجوده في المدن لا يعرف الانتساب إليها بل لا ينتسب إلا إلى قبيلته، فلم يعرف العرب الانتساب إلى المدن إلا في القرن الثاني الهجري.

стр. 430

وكانت مكة ولها المكانة العظمى بين مدن الحجاز لا يحكمها ملك، وإنما الحكم فيها كان مسندًا إلى عدة رجال من الأسر الكبيرة، قسموا الأعمال العامة فيما بينهم، وقد استقر الرأي على أن يكون أكبرهم سنًّا هو الذي يتولى الرياسة ويلقبونه بسيد القوم، وكان أسنهم -يعني: أكبرهم سنًّا- في أيام النبي ﷺ هو العباس بن عبد المطلب. وكان يتنازع الزعامة في يثرب جماعتان هما الأوس والخزرج، قامت الحروب بينهما واستمر الجدل طويلًا حتى استقروا على أن يكون الحكم بينهما بالتناوب، فيحكم المدينة زعيم من زعماء الحي الواحد على أن يكون الحاكم في العام القادم من زعماء الحي الآخر. وقد ظهر بأطراف شبه الجزيرة العربية ممالك صغيرة متفرقة، فنرى ممالك اليمن في الجنوب كمملكة سبأ والتي كان لها شهرة واسعة وبخاصة بعد أن تكلم عنها القرآن الكريم وحكى قصة ملكتها بلقيس مع النبي سليمان ﵇ ويلاحظ أن اليمن قام بها نظام سياسي يخالف النظام الذي ساد مدن الحجاز، فبينما نجد هذه المدن لم يقم بها نظام ملكي نرى أن النظام الملكي قد قام باليمن لأسباب اقتصادية وتاريخية واضحة الأثر، فلم تكن بين مدن الحجاز روابط اقتصادية تقتضي خضوعها لنظام واحد كما حدث في اليمن، فقد قامت في اليمن تلك الروابط الاقتصادية التي تستلزم وجود قواعد عامة يحترمها الجميع ويطبقونها في الحكم فيما بينهم، زيادة على ذلك فإن اليمن قد بليت بالاستعمار الحبشي والفارسي، والاستعمار يهمه أن يكون استيلاءه عل البلاد كاملًا، فأقام الأحباش والفرس حاكمًا للبلاد تكون كلها خاضعة لسلطانه بالقوة إن لم يخضعوا له بالرضا والاختيار، ولم يُبتلَ الحجاز كاليمن بالاستعمار.

стр. 431

ومن كل ذلك نرى أن الفكرة القبلية كانت هي المسيطرة على شبه الجزيرة العربية، وهي عماد الحياة سياسيًّا واجتماعيًّا، وأنه لم تكن هناك حكومة مركزية تسيطر على بلاد العرب قبل الإسلام وتعزز جانب القانون وتعمل على إقرار النظام في البلاد، فلم يهيأ للقانون أية قوة تحميه وتصونه بل كان على صاحب الحق أن يعمل على نزعه بعصبيته وقوته. وكان ظهور دين محمد ﷺ إيذانًا بانتهاء عصر التحكم والسيطرة والفوضى الذي عاشت فيه الجزيرة العربية، فقد كان للإسلام الفضل الأسمى على جماهير الناس الذين انتشلهم من حياة العسف والاستبداد ونهاية التحكم من الحكام للمحكومين، فقد عرفت الجزيرة العربية قبل الإسلام ضروبًا من الطغيان والاستبداد لا تقل عن ضروبه المشهورة التي عرفت في الشعوب الأخرى، فبعض قبائل البادية والحاضرة قد سادها زعماء يقيسون عزتهم بمبلغ اقتدارهم على إذلال غيرهم، ولعل كتب التاريخ والأمثال تعطي وصفًا لما كان عليه بعض الجبارين من حكام العرب في الجاهلية، فقد قيل في أسباب المثل القائل: لا حُرّ بوادي عوف: أنه كان يقهر من حلّ بواديه، فكل من فيه كالعبد له لطاعتهم إياه، وبلغ من جبروت أحدهم أنه أمر ألا تزفّ فتاة إلى زوجها قبل أن تزف إليه. ففضل الإسلام ظاهر في رفع هؤلاء الناس من حضيض الانحطاط إلى نوع من الحياة سام، وأفق من العزة رحب لم يكونوا بالغيه إلا بظهور الدين الجديد الذي بشّر به محمد ﷺ .

стр. 432

الإمامة مبحث فقهي وننتقل الآن إلى الحديث عن الإمامة العظمى ونبحث: هل هي مبحث فقهي، أم أنها من مباحث علم الكلام؟ وبمعنى آخر: هل تُبحث في العقائد، أم أنها تُبحث في الأحكام العملية كعلم الفقه؟ هذه مسألة من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء، فالإمامة العظمى أو رياسة الدولة من المسائل التي أوجدت في جماهير الأمة الإسلامية الاهتمام البالغ، والخلاف الذي وصل في بعض الأحيان إلى حد لقاءات السيوف تحملها على الجانبين أيدي مسلمين، ولعل هذا هو ما حدا بأحد كبار مؤرخي الفرق الإسلامية على أن يقول: وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة؛ إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سل على الإمامة في كل زمان وهذا رأي الشهرستاني في (الملل والنحل) في الجزء الأول صـ٢١. الشهرستاني يقول: أعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، ويبين أن السيوف لم ترفع ويقتتل المسلمون إلا على قاعدة دينية مثل الإمامة، يعني: كأن الإمامة من أكثر الأمور التي سلّت السيوف من أجلها، لكن الملاحظ أن عبارة الشهرستاني هذه فيها شيء من المبالغة، إذ أنه عمم حكمه على كل زمان فهو يقول: إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان، فهو عمّم حكمه على كل زمان قاطعًا بأن الخلاف الناشئ عن الإمامة كان أعظم خلاف بالسلاح. نرد عليه ونقول: لم يكن بين أفراد الأمة خلاف في الإمامة أيام أبي بكر وعمر وعثمان، لا بسيف أو بغير سيف، ولم تسلّ السيوف أيامهم على شيء من الدين سوى ما كان زمن أبي بكر من لقاء بالسيوف بين المسلمين وبين المرتدين ومانعي الزكاة، وما حدث في يوم السقيفة قبل مبايعة أبي بكر خليفة للمسلمين لا يعدّ نزاعًا بين طائفتين من المسلمين مسلحًا أو غير مسلح، وإنما هو نقاش وحوار بين مجموعتين كل منهما ترى رأيًا تؤمن بوجوب إبدائه، فلما رأت

стр. 433

إحداهما أن الحق في الجانب المقابل لها رضيت طواعية بذلك، ويحدث مثل هذا في كل موقف مشابه في كل أمة تعتريها ريح التغيير، ولم يرفع سلاح أيضًا في خلافة عمر، والسلاح الذي رفع على عثمان وأدى إلى مصرعه لم يكن محركه نزاعًا على الخلافة وإنما كانوا من أناس اعتقدوا خطأه ﵁ في أمور نسبوها إليه، بل إن القتال الذي دار بين علي بن أبي طالب ﵁ وبين الذين شهروا السلاح عليه لم يكن كما يتوهم البعض، لم يكن خلافا مسلحًا على الإمامة، فلم يدّع الذين قاتلوه في معركة الجمل وصفين والنهروان أنهم يقاتلون لأنهم يعتقدون بإمامة غيره، وإننا لنجد كثيرًا ممن عاصروا هذه المعارك من الصحابة وكثيرًا من العلماء يعدّون ما حدث فتنة نزلت بالمسلمين، حتى أن بعض من عاصرها اعتزل الناس فلم يقاتل لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، فالقتال بين علي وغيره كان قتالًا بين أهل العدل والبغي، ولم يكن قتالًا على قاعدة دينية، وإنما كان أول سيف سلّ على الخلاف في القواعد الدينية سيف الخوارج وقتالهم من أعظم القتال وهم الذين ابتدعوا أقوالًا خالفوا فيها الصحابة وقاتلوا عليها، فلم يحدث قتال بين علي ﵁ وبين من يدعون عدم إمامته، ولم يثبت أنّ أحدًا قال أيام خلافة علي إنه أحق بالخلافة منه، بل كانت الأمة معترفة بفضل عليّ وأحقيته في تولي الأمر بعد مقتل عثمان ﵁ وأرضاه- وبينما نجد أن كثيرًا من المسلمين في المدينة قد بايع عليًّا ﵁ نجد أن كلًّا من طلحة والزبير لم يبايعهما أحد ولم يطلبا المبايعة من أحد، يعني: إذا كان طلحة والزبير كانوا ضدّ عليّ فالحدث أو الخلاف الذي حدث بينهم وبين علي لم يكن بسبب

стр. 434

أنهم يدّعون أنهم أولى بالخلافة منه، بل كان لأمور أخرى، وهذه الأشياء التي سردناها إنما تدل على أن الإمامة لم تكن سببًا في أن اقتتل المسلمون، ولذلك هي لا تعتبر من العقائد، وإنما تعتبر من الأمور العملية التي يبحثها علم الفقه. وعلى الرغم من المبالغة في عبارة الشهرستاني كما بيّنا إلا أن هذا لا يمنع القول بأن رياسة الدولة أو الإمامة العظمى أخذت من اهتمام جماهير الأمة قدرًا لا يتوافر مثله إلا للقليل من المسائل؛ اهتمامًا بلغ درجة الخلاف الواصل في بعض الأحيان كما قلنا إلى حدّ لقاءات السيوف بين المسلمين، وأحدثت نزاعًا سياسيًّا وفكريًّا بين طوائف الأمة أدى فيه السيف دوره في بعض الأحيان، وأدى فيه كل من اللسان والقلم دوره في كثير من الأحيان، وقد أصبحت الإمامة العظمى أو رياسة الدولة أعظم مشكلة تدور حولها البحوث السياسية الإسلامية خلال العصور المختلفة، وصارت هي المحور الذي لا تفترق عنه أفكار الباحثين في هذا المجال الخطير. الشيعة هم أول من كتب في الإمامة العظمى، لقد صار للإمامة العظمى دور خطير في ميدان البحوث العلمية وضع أساسه شيعة عليّ ﵁ وأضاف له غيرهم نتائج بحوثهم وأفكارهم، وكانت الآراء الخاصة بالإمامة العظمى تروى بطريق المشافهة التي تأخذ شكل مناظرات أو تكتب في الرسائل التي تتبادل بين المهتمين بها، أو تأخذ شكل الدرس أحيانًا، ولكن لم يظهر التأليف والكتابة المنظمة إلا في العصر العباسي الأول. ولقد كانت الشيعة أول من كتب في الإمامة العظمى كتابات علمية منظمة نشأت نتيجة الخلاف الذي كان بينهم وبين مخالفيهم من الخوارج والمعتزلة وأهل السنة، ولما كان هذا العصر عصر الازدهار العلمي فقد راجت فيه العلوم وانتشرت

стр. 435

المناظرات والمجادلات، فقد بدأت الفرق الأخرى من المعتزلة والخوارج تشتبك مع الشيعة في جدل علمي يردّون به على القضايا التي يثيرها الشيعة، فنتج عن ذلك نتاج فكري خصب أضيف إلى ما لدى المسلمين من علوم، وبينما كان الجدل يجري بين الشيعة وغيرهم من الخوارج والمعتزلة كانت هناك جماعة أخرى بعيدة عن الجدال الدائر حول مسائل علم الكلام، وهي جماعة المحدثين أو أهل السنة الذين كانوا ينفرون من الخوض في مسائل علم الكلام ويشغلون أنفسهم باستنباط الأحكام الفقهية من الكتاب والسنة، ولهذا فإن بحوث أهل السنة المتصلة بموضوع الإمامة العظمى جاءت متأخرة عن بحوث غيرهم من من الفرق الأخرى، ولقد كان المتصدون للشيعة أولًا هم المعتزلة الذين مهدوا الطريق لأهل السنة الذين بدورهم أخذوا يدلون بدلوهم في هذا المجال الجديد، ولما كان الشيعة كما قدمنا هم أول من تكلم في الإمامة العظمى فقد أدرجوا بحوثهم المتصلة بها في علم الكلام؛ لأنهم يدّعون أن الإيمان بالأئمة جزء من الإيمان ولا يكون المرء مؤمنًا حتى يؤمن بالإمام، هذه الفكرة المسيطرة عليهم، هذه الفكرة هي التي جعلتهم يتكلمون عن الإمامة ويبحثوها في علم الكلام الذي هو علم التوحيد إذا صحّ التعبير، فإذن جعلوها من العقائد، وبحثوها على أنها من العقائد وليست من أحكام الفروع، بل يعتقد بعضهم أن الله لم يخلق خلقه إلا لأجل أئمتهم فيقول بعضهم: ونعتقد أن الله ﵎ خلق جميع ما خلق لأهل بيته ﵈ وأنهم لولاهم لما خلق الله السماء والأرض ولا الجنة ولا النار ولا آدم ولا حواء ولا الملائكة ولا أشياء مما خلق صلوات الله عليهم أجمعين، ويقول بعضهم: لا يكون العبد مؤمنًا حتى يعرف الله ورسوله والأئمة ﵈ وإمام زمانه،

стр. 436

إلى غير ذلك من الأقوال التي تدل على أنهم جعلوا الإيمان بالإمام جزء من الإيمان بالله ﵎، كل ذلك يدلنا على المدى الذي وصل إليه الشيعة في إيمانهم بالإمامة والأئمة. وقد ترتب على هذا -كما قلنا- أن الشيعة أدمجوا المباحث المتصلة بالإمامة بمباحث علم الكلام، وعلم الكلام هو الذي يبحث فيه الأشياء التي لا يكون الإنسان مؤمنًا إلا بها مثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى غير ذلك، أو ما نطلق عليه علم التوحيد، فعلم الكلام يبحث في العقائد، الشيعة بحثوا الإمامة في علم الكلام باعتباره العلم الذي يتعرض للعقيدة، ولا عقيدة لمؤمن حتى يؤمن بالأئمة كما يذهبون. وعلى الرغم مما في ادعاء الشيعة أن الإمامة أصل من أصول الإيمان من شذوذ ظاهر عن إجماع الأمة، إذ المعروف في دين الإسلام أن الكافر إذا اعتقد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأدى حقوق هذه الكلمة صار بذلك مؤمنًا، يؤيد ذلك قول الرسول ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام)) ففي الحديث لم يذكر النبي ﷺ الإيمان بالأئمة، ويقول : ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (التوبة: من الآية: ٥) ولم يذكر أيضًا في هذا الإيمان بالأئمة، وقال : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (التوبة: من الآية: ١١) ولم يذكر في كل ذلك الإمامة لا من قريب أو من بعيد. ولم تُذكر الإمامة في أركان الإيمان، في الحديث المتفق عليه المبين للإسلام وللإيمان وللإحسان، فقد أتى النبي ﷺ جبريل في صورة أعرابي وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان فقال له: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت)) ولم يذكر في ذلك الإمام ((والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره)) ولم يذكر الإمام، قال: ((والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) وهو حديث متفق عليه أجمع العلماء على صحته.

стр. 437

والآيات القرآنية كثيرة تشرح حقيقة المؤمنين وتصفهم بالهداية من غير أدنى إشارة إلى الإمامة، معنى ذلك أن الإمامة ليست جزءًا من الإيمان كما ذهب إلى ذلك الشيعة، انظر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: ٢ - ٤) ففي هذه الآيات لم يذكر الله ﵎ الإيمان بالإمامة، وقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات: ١٥) ويقول : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٧) قوله : ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: ١ - ٥). ففي كل هذه الآيات التي ذكرناها والتي يبين فيها الحق ﵎ صفات المؤمنين، لم يذكر من ضمن هذه الصفات أنهم يؤمنون بالإمامة وبأن الإمامة ركن من الإيمان،

стр. 438

وأما يمكن أن يكون شبهة لهم في دعواهم أي: للشيعة القائلين بأن الإيمان بالإمامة شرط، لا نجد لهم شبهة في دعواهم إلا الحديث الذي ينسبونه إلى الرسول ﷺ وهو من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية فقد ردّ العلماء على هذا الحديث، فيقول بعضهم في الرد: من روى هذا الحديث بهذا اللفظ؟ يعني: أين الراوي؟ والحديث لا يقبل إلا براوٍ، وأين إسناد الحديث؟ وكيف يجوز أن يحتجّ بنقل عن النبي ﷺ من غير بيان الطريق الذي به يثبت أن النبي ﷺ قاله؟ يعني: لا يقبل حديث عن النبي ﷺ إلا إذا بينّا السند، بينا الطريق الذي أوصل إلينا هذا الحديث، فإذا لم يبين هذا السند فلا يعتد بهذا الحديث، هذا لو كان مجهول الحال عند أهل العلم بالحديث فكيف وهذا الحديث بهذا اللفظ لا يعرف؟ لأن العلماء وعلى رأسهم ابن تيمية ينكر هذا الحديث كلية، أولًا يقول بأنه ليس له سند، وأين رواة هذا الحديث وما دام ليس له رواة فلا يقبل هذا الحديث، بل يقول بأن الحديث لم يعرف إطلاقًا عند أهل العلم بالحديث، لكن هناك ربما يكون قريب من هذا، وهو الذي يقول فيه النبي ﷺ : ((من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجّة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)) فهذا الحديث لا يدلّ على أن الإمامة ركن من أركان الإسلام، فالنبي ﷺ يوضح بهذا الحديث أنه يجب على المسلم أن يطيع الإمام أو يطيع الحاكم ما دام هذا الحاكم لم يأمر بمعصية؛ لقوله ﷺ : ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) ثم إذا حدث وأن أصبح هذا الحاكم ظالمًا فأيضًا النبي ﷺ ينهانا عن الخروج عليه إذا كان في الخروج عليه مفسدة أكبر من وجوده في الحكم، هذا هو معنى الحديث

стр. 439

ولا علاقة للحديث إطلاقًا بالإمامة وكونها من مباحث علم التوحيد والكلام أو من مباحث الفروع، فإذن هذا الحديث لا يدل من قريب أو من بعيد على أن الإمامة أو الإيمان بالإمامة جزء من الإيمان. نقول: على الرغم من شذوذهم عن إجماع الأمة الإسلامية في ادعائهم أن الإمامة العظمى جزء من الإيمان والذي ثبت بطلانه بما تقدم -فإنهم لم يكتفوا بذلك، بل زادوا على ذلك بدعًا وأظهروا من الضلال ألوانًا، فقد أبان الشيعة في كتاباتهم وبحوثهم في الإمامة عن ألوان من البدع والانحراف كقولهم بعصمة الأئمة عن الخطأ، والطعن في الخلفاء الثلاثة الأوَل: أبو بكر وعثمان وعمر، والطعن في الخلفاء الثلاثة الأول طعنًا وصل إلى درجة الاتهام بكتمان ما أنزل الله، بل والطعن في سائر الصحابة وكل من لم يوافقهم فيما ذهبوا إليه، وكان طبيعيًّا أن ترد عليهم الطوائف الأخرى من المسلمين من أهل وغيرهم في مجال بحوثهم، وهم قد بحثوا ذلك في علم الكلام، فكان الأليق والأجدى أن يردّ عليهم العلماء على ما ذهبوا إليه في علم الكلام أيضًا، يقول: كان طبيعيًّا أن تردّ عليهم الطوائف الأخرى من المسلمين من أهل السنة وغيرهم في مكان بحوثهم وتناقش قضاياهم في العلم الذي أدرجوا فيه ضلالاتهم؛ حتى يتمكن المطلعون على دعاواهم من معرفة ردود العلماء عليها وبخاصة وأنهم ادعوا أن هذه الضلالة من أركان العقيدة، والحقيقة أن مباحث الإمامة ليست من أركان العقيدة في شيء كما مر، وإنما فرع من الفروع التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، فمنصب رئيس الدولة أو الإمام لا يعدو أن يكون من فروض الكفايات التي إن قام بها البعض سقط عن الباقين،

стр. 440

وأصول الدين ليست من هذا القبيل وإنما هي من الفروض العينية التي لا تسقط عن واحد من المكلفين، بل نرى العلماء يصرحون بأن البعيد عن الخوض في مسائل الإمامة أسلم في دينه من الخائض فيها، فهذا معناه أن الإمامة ليست من أركان العقيدة وإنما هي فرع من الفروع كما قلنا، وإننا نجد العلماء يصرحون بأن مباحث الإمامة مكانها الطبيعي ليس هو علم الكلام. وإنما المكان الطبيعي هو علم الفقه يقول بعضهم: لا نزاع أن مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق؛ لرجوعها إلى أن القيام بالإمامة ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات، وهي أمور كلية تتعلق بها مصالح دينية أو دنيوية لا ينتظم الأمر إلا بحصولها فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كل واحد، ولا خفاء في أن ذلك من الأحكام العملية دون الاعتقادية، ولكن لما شاعت بين الناس في باب الإمامة اعتقادات فاسدة واختلافات بل اختلاقات باردة سيما من فرق الروافض والخوارج، ومالت كل فئة إلى تعصبات تكاد تفضي إلى رفض كثير من قواعد الإسلام ونقد عقائد المسلمين والقدح في الخلفاء الراشدين، مع القطع أنه ليس للبحث عن أحوالهم واستحقاقهم وأفضليتهم كثير تعلق بأفعال المكلفين ألحق المتكلمون هذا الباب بأبواب الكلام. فهذا القول من الباحثين في موضوع الإمامة يبين أن الإمامة البحث فيها إنما يكون في علم الفروع وليس في العقائد، ليس في علم الكلام وإنما في علم الفقه، ثم يبين أنه أراد الفقهاء أن يردوا على الشيعة الذين يجعلونها من العقائد، ردوا عليهم فكان الرد المناسب أن يردوا عليهم في العقائد التي كتبوا فيها حتى يستطيع الناس أن يتبينوا الحق من الضلال. نكتفي بهذا القدر، أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 441

٣ - معاني الخلافة والإمامة، وحكم نصب الإمام معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام الحمد لله رب العاملين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعاملين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: نتحدث الآن عن معاني الخليفة والإمامة، وغير ذلك من المسائل المتصلة بهما، فنقول -وبالله التوفيق-: قبل الكلام في المذاهب الإسلامية حيال نصب الرئيس الأعلى للدولة، سنتعرض أولًا لبيان الألقاب التي كانت تطلق على القائم بأمور المسلمين، فألقاب: الخليفة، وأمير المؤمنين، والإمام، كانت تطلق على من له السلطة التنفيذية العليا في الدولة الإسلامية، وكان لكلٍّ منها ظروف وملابسات تاريخية، أدت إلى ظهروه وإطلاقه على رئيس الدولة. الخلافة: في الأصل مصدر "خَلَفَ" يقال: خَلَفَ فُلَانٌ فُلَانًا فِي قَوْمِهِ يَخْلُفُهُ خِلَافَةً فَهُوَ خَلِيفَةٌ. قال صاحبا القاموس وشرحه: وَخَلَفَهُ فِي قَوْمِهِ خِلَافَةً. والقياس يقتضيه؛ لأنه بمعنى الإمارة. وفي كتب اللغة ما يدل على أن الفعل "خَلَفَ" يدل على قيام إنسان مقام آخر فيما كان يقوم الأول به، سواء كان الأول هو الذي استخلفه، أم جاء الثاني بعده دون أن يستخلفه الأول، ففي الصحاح ويقال: خَلَفَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا كَانَ خَلِيفَةً. يقال: خَلَفَهُ فِي قَوْمِهِ خِلَافَةً. ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ (التوبة: من الآية: ١٤٢) وخَلَفْتُهُ أيضًا: إذا جئت بعده. وفي (مختار الصحاح): وخَلَفَ فُلانٌ فُلَانًا إِذَا كَانَ خَلِيفَتَهُ. يقال: خَلَفَهُ في قومه، ومنه قوله تعالى: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ وخَلَفَهُ أَيْضًا جَاءَ بَعْدَهُ. ومن ذلك يتبين أن لفظ "الخلافة" في الأصل مصدر "خَلَفَ" ثم بعد ذلك أطلق في العرف العام على الزعامة العظمى، وهي الولاية العامة على سائر أفراد الأمة، والقيام بتيسير شئونها، والنهوض بكل ما يحقق مصالحها وفق ما أمر به الشارع ﵎.

стр. 442

مَن يُطلَق عليه اسم الخليفة؟ اختلف العلماء فيمن يستحق ممن يتقلّد رياسة الدولة أن يطلق عليه اسم الخليفة: - فذهب بعض أئمة السلف -ومنهم الإمام أحمد بن حنبل ﵁ إلى كراهة إطلاق اسم الخليفة على من جاء بعد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ واحتج أصحاب هذا الرأي بقوله ﷺ : ((الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم مِلك بعد ذلك)). - وذهب بعض آخر من السلف إلى القول بأن اسم الخليفة يطلق أيضًا على أي شخص بعد الحسن بن علي إذا تولّى رياسة الأمة، لكن يشترط في هذا الإطلاق أن يكون من تولى هذا المنصب جاريًا على منهاج العدل وطريق الحق، مستدلين بما رُوي أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل طلحة، والزبير، وكعبًا، وسلمان، عن الفرق بين الخليفة والملك، فقال طلحة والزبير: لا ندري. وقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرعية، ويقسم بينهم بالسوية، ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله، والوالد على ولده، ويقضي بينهم بكتاب الله تعالى. فقال كعب: ما كنت أحسب أن في هذا المجلس من يفرق بين الخليفة والملك، ولكن الله تعالى ألهم سلمان حكمًا وعلمًا. ولكن العرف العام جرى من صدر الإسلام على أن اسم الخليفة يطلق على كل من قام بأمر المسلمين القيام العام، ويمكن أن يجاب على الاستدلال بحديث: ((الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ... )) الخلافة الكاملة لا مطلق الخلافة. من تكون عنه الخلافة؟ اختلف العلماء فيمن تكون عنه الخلافة على أربعة أقوال:

стр. 443

الأول: أن الخلافة تكون عن الله تعالى، فيقال في الرئيس الأعلى في الدولة: خليفة الله؛ لأن الإمام الأعظم يقوم على رعاية حقوق الله تعالى في خلقه، واحتجوا بقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ﴾ (الأنعام: من الآية: ١٦٤). الثاني: أنه لا يجوز أن يقال على أحد أنه خليفة الله إلا آدم وداود ﵉ وذلك لقول الحق سبحانه في حق آدم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: من الآية: ٣٠) ولقوله سبحانه في حق داود: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ (ص: من الآية: ٢٦). الثالث: ويقول أنه يجوز إطلاق اسم خليفة الله على سائر الأنبياء ﵈. الرابع -وبه قال جمهور الفقهاء -: أنه لا يجوز خليفة الله، ونسبوا قائل ذلك إلى الفجور، وإنما يقال: "الخليفة" بإطلاق، أو خليفة رسول الله ﷺ أما أن يقال: خليفة الله؛ فلأنه إنما يكون الاستخلاف في حال الموت أو الغيبة، والله سبحانه باقٍ على الأبد، لا يلحقه موت، ولا يجوز عليه غيبة. وأما أنه يقال له: خليفة رسول الله ﷺ فلأنه قد خلفه في أمته في رياسته العامة في أمور الدين والدنيا معًا. ويؤيد هذا الرأي الذي نعتبره أرجح الآراء -وهو رأي الجمهور الذي يقول أنه لا يجوز أن يقال: خليفة الله، وإنما يقال: الخليفة بإطلاق، يعني بدون أن ننسبه إلى شيء، أو نقول أنه خليفة رسول الله ﷺ ما رواه ابن مليكة: أن رجلًا قال لأبي بكر الصديق ﵁: يا خليفة الله. فأنكر عليه أبو بكر ذلك، وقال: لست بخليفة الله، ولكن خليفة رسول الله ﷺ وقال رجل لعمر بن عبد العزيز ﵁: يا خليفة الله. قال له عمر: ويلك! لقد تناولت متناولًا بعيدًا، إن أمي سمتني عمر، فلو دعوتني بهذا الاسم قبلت، ثم كبرت فكنيت أبا حفص، فلو دعوتني به قبلت، ثم وليتموني أموركم فسميتموني أمير المؤمنين، فلو دعوتني بذلك كفاك.

стр. 444

ومن ذلك يتبين أنه لا يصلح أن يطلق على أحد مهما كان، سواء كان رسولًا أو غير رسول، خليفة الله؛ لأننا إذا نظرنا إلى تعليل ذلك بأنه إنما يستخلف من يموت أو يغيب، والله سبحانه منزّه عن الموت والغيبة، أدركنا أن ذلك ممتنع أيضًا في حق آدم وداود وغيرهما من سائر الرسل ﵈ والآيتان اللتان استدل بهما القائلون بأنه يجوز إطلاق خليفة الله على آدم وداود ﵉ ليس فيهما إطلاق خليفة الله على كلٍّ منهما، وإنما ذكر في الآيتين إطلاق لفظ "خليفة" مجردًا عن الإضافة إلى الله ولا شك أنه لا يجوز إطلاق لفظ "خليفة" على كل من يتولى الإمامة العظمى، ولو فرضنا أن الدليل قد قام على جاز إطلاق خليفة الله على كل منهما -أي آدم وداود ﵉ ففي هذه الحالة لا تعدو الإضافة إلا أن تكون للتعظيم باعتباره قائمًا على تنفيذ أحكام الله في عباده. لقب أمير المؤمنين: بعد أن بويع لأبي بكر بالخلافة أصبح الناس يسمونه خليفة رسول الله ﷺ ولم يزالوا هكذا يسمونه بذلك إلى أن توفاه الله ﵎ فلما بويع لعمر بن الخطاب ﵁ بعد أن رشحه أبو بكر الخلافة، كان يسمونه خليفة خليفة رسول الله ﷺ واستمروا على ذلك وقتًا، وكأنهم استثقلوا ذلك؛ إذ سيؤدي إلى التطويل وتتابع الإضافات بتابع الرؤساء، فمجرد أن لَاحَ لهم لقب آخر غير الخليفة استحسنوه وأصبح لقبًا على الإمام الأعظم أو على رئيس الدولة، هذا اللقب هو لقب أمير المؤمنين، وأول ومن سمي به من الرؤساء بالإجماع هو عمر بن الخطاب ﵁ فقد كتب عمر لعامله في العرق: "أن ابعث إلي برجلين جَلَدين نبيلين أسألهما عن

стр. 445

العراق وأهله" فبعث إليه لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم الطائي، فلما قدِما المدينة أناخا راحلتاها بفناء المسجد، ودخلا المسجد، فإذا هما بعمرو بن العاص فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين. فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه؛ نحن المؤمنون وهو أميرنا، فدعوه بذلك، وذهب لقبًا له في الناس وتوارثه الخلفاء بعد عمر ﵁ ثم إن الشيعة كانوا يطلقون على علي بن أبي طالب لقب الإمام، تعريضًا لما يذهبون إليه من أن علي بن أبي طالب أحق بإمامة الصلاة من أبي بكر -أي أحق بالإمامة العظمة منه- فهو يزعمون أن علي بن أبي طالب كان أفضل من أبي بكر، فهو أحق منه بالإمامة -أي الخلافة- فخصوا عليًّا بلقب الإمام، وأطلقوه على كل من جاء بعده ممن يعتقدون بأحقيته في هذا المنصب، فيسمونه الإمام ما داموا يدعون له في الخفاء، فإذا ما تمكنوا من السيطرة على الدولة يحولون اللقب فيمن بعده إلى أمير المؤمنين، كما فعله شيعة بني العباس؛ فإنهم ما زاولوا يدعون أئمتهم بالإمام إلى إبراهيم الذي جهروا له بالدعاء له وعقدوا على الحرب بأمره، فلما هلك دعي أخوه السفاح بأمير المؤمنين. لفظي الإمام والإمامة: أحب أن أشير بادئ ذي بدء إلى أن المباحث المتّصلة بموضوع رياسة الدولة لم تشتهر في البحوث الكلامية أو الفقهية بمباحث الخلافة أو إمارة المؤمنين، وإنما اشتهرت بمباحث الإمامة، ومع أن الخلافة، وإمارة المؤمنتين، والإمامة، كلها تشير إلى معنى واحد هو رياسة الدولة الإسلامية، إلا أن هناك سببًا أدى إلى شيوع المباحث المتصلة بهذا الموضوع بمباحث الإمامة، هو -كما قلنا سابقًا- أن الشيعة كانوا أول

стр. 446

من بحث موضوع الإمامة العظمى، وكما كانوا يسمون القائم بأمر المسلمين الإمامَ، سموا المباحث المتصلة بهذا المنصب بمباحث الإمامة، فلما اشتبك معهم خصومهم في الجدل حول هذه المسالة، لم يجدوا مانعًا من استعمال نفس مصطلحاتهم، وبخاصة وأن إمامة الصلاة تعتبر أرقى الوظائف الدينية، فأصبح الحوار يدور بين الشيعة وخصومهم بنفس اللغة التي ابتدعها الشيعة، وأصبح تقليدًا صار عليه كل من تعرض لهذا الموضوع، لا يجد ما يدعوه إلى تغييره، وأيضًا فإن لفظ "الإمام" قد ورد في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة؛ إذ سمى الله إبراهيم وغيره إمامًا في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ (البقرة: من الآية: ١٢٤) وقال سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (الأنبياء: ٧٢ - ٧٣) المعنى اللغوي لكلمة "إمام": يقول الفيروزآبادي: والإمام ما ائتُمّ به من رئيس أو غيره، والخيط يمدّ على البناء فيبنى، والطريق، وقَيِّم الأمر: المصلِح له، والقرآن، والنبي ﷺ والخليفة، وقائد الجند، وما يتعلمه الغلام كل يوم، وما امتثل عليه المثال والدليل والحال. وفي الصحاح: والإمام خشبة البناء التي يسوّى عليه البناء، والإمام الصقع من الأرض -أي القطعة من الأرض أو المكان من الأرض- والطريق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (الحجر: من الآية: ٧٩) والإمام: الذي يهتدي به. ويقول ابن منظور في مادة "أمّ": الأَمُّ بالفتح: القصد، أَمّهُ أمًّا إذا قصده، وفي حديث كعب بن مالك: ((ثم يؤمر بأمِّ الباب على أهل النار فلا يخرج منه غم

стр. 447

أبدا)) أي يقصد إليه فيسدّ عليهم. وتيمّنت الصعيد للصلاة، ثم يقول: فأمّ القومَ وأمّ بهم: تقدّمهم، وهي الإمامة. والإمام: كل من ائتم به، قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين، والإمام من ائتم به من رئيس وغيره، والجمع أئمة، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ (التوبة: من الآية: ١٢) أي قاتلوا رؤساء الكفر وقادتهم الذين ضعفاؤهم تبع لهم. ومما كل ما سبق يتبين أن كلمة "إمام" قد استعملت في اللغة لمعانٍ مختلفة، منها القدوة، ومنها التقدم، والهداية، والإرشاد، وللشيء يكون نموذجًا، وللإنسان يكون مثالًا للاقتداء به، ويكون في موقف القيام بإصلاح الأمور ورياسة الناس. والإمامة مصدر "أمّ" يقال: فلان أمّ الناس: إذا صار لهم إمامًا يتبعونه، فإذا كان الاتباع في الصلاة فهي المعروفة بالإمامة الصغرى، وإذا كان الاتباع في الأوامر والنواهي فهي الإمامة العظمى، أي رياسة الدولة، ويجب أن يلاحظ أنه إذا ما أطلقت كلمة "الإمامة" لأحد المسلمين فلا تحمل إلا على معنى الإمامة العظمى، أما إذا كان المراد أن يوصف أحد بإمامة في فرع من فروع العلم أو غيره، فلابد من الإضافة، فيقال مثلًا: البخاري إمام الحديث، وأبو حنيفة إمام الفقه، وفلان إمام بني فلان. وكما لا يجوز أن تستعمل الإمامة مطلقة إلا في الرئيس الأعلى للدولة، فكذلك الخلافة وإمارة المؤمنين. وأما ما ورد من أنه قد سمي كل من ولاه رسول الله ﷺ جهةً من الجهات، أو سرية أو جيشًا، كعبد الله بن جحش، وأسامة بن زيد -مولى رسول الله ﷺ فيمكن أن يقال: إنهم إذا أطلقوا على هؤلاء إمارة المؤمنين فـ"أل" الموجودة في كلمة "المؤمنين" كانت للعهد، أي المؤمنين الذين كانوا مع كل منهم؛ لأن كلًّا منهم في الواقع ليس أميرًا لكل المؤمنين، بل أميرًا لبعضهم؛ ولذا

стр. 448

نجد عمر بن الخطاب ﵁ يخاطب أسامة بن زيد قائلًا: السلام عليك أيها الأمير. ولم يقل: السلام عليك يا أمير المؤمنين. ويرد عليه أسامة: غفر الله لك يا أمير المؤمنين. تقول لي هذا؟ فيقول عمر: لا أزال أدعوك ما عشتُ بالأمير، مات رسول الله -صلى الله عيه سلم- وأنت عليّ أمير. معنى الإمامة العظمى وبعد فقد تبين مما سبق أن المسلمين في فترات من الزمن مختلفة، ولظروف خاصة لقّبوا رئيس الدولة بألقاب الخليفة، وأمير المؤمنين، الإمام، ولكن هل معنى هذا أن الرئيس الأعلى في الدولة في الإسلام يجب أن يلقّب بأحد هذه الألقاب حتى يصير هذا المنصب إسلاميًّا؟ لا شك أن القائل بهذا يتعسف في الحكم على الأمور؛ إذ إنّ المهم في هذا المجال أن يكون المسلمون ورئيسهم خاضعين لقانون الإسلام؛ حتى يمكن أن يوصف النظام بأنه نظام إسلامي، بغضّ النظر عن الألقاب التي يمكن أن تطلق على هذا الرئيس، سواء كان لقبه خليفة رسول الله، أو أمير المؤمنين، أو إمامهم الأعظم، فالإسلام لا يعني بالألقاب، وإنما يعني بما وراء هذا اللقب من حقيقة النظام نفسه، فلو أن المسلمين في أي عصر من العصور أطلقوا على رئيسهم، أو أطلق هو على نفسه: خليفة رسول الله ﷺ وكان جوهر النظام الذي يمثله بعيدًا عن الالتزام بالمبادئ والقوانين الإسلامية، كان هذا النظام في حقيقته نظامًا غير إسلامي، على الرغم من لقب "خليفة رسول الله" وإذا كان العكس هو الذي حدث، فخضع المجتمع ورئيسه خضوعًا تامًّا للقوانين الإسلامية، ولم يطلق على هذا الرئيس لقب من ألقاب الخلافة، أو إمارة المؤمنين، أو الإمامة، بل أطلق عليه

стр. 449

لقب آخر كرئيس الجمهورية، أو رئيس الدولة مثلًا، فإنه في هذه الحالة يكون نظام الدولة نظاماً إسلاميًّا لا يستطيع أحد أن يطعن فيه. خلاصة القول في هذا: أن الإسلام لا ينظر إلى الأسماء، سمِّه ما شئت: خليفة، أمير المؤمنين، الإمام، المهم في الأمر أن يلتزم هذا الخليفة بأحكام الإسلام والنظام الإسلامي. التعريف الاصطلاحي للإمامة العظمى: بعد أن فرغنا من توضيح المعاني اللغوية والملابسات التاريخية التي أحاطت بالخلافة، وإمارة المؤمنين، والإمامة، نعرِّف الإمامةَ العظمى: تعريف الماوردي لها: يفهم من كلام الإمام الماوردي في (الأحكام السلطانية) عن الإمامة العظمة أنها: خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا. ويلاحظ أن هذا التعريف يشير إلى عدة أمور هامة: الأول: أن رياسة الدولة الإسلامية هي في حقيقتها نيابة عن رسول الله ﷺ وهذا يشير إلى أن رئيس الدولة أو الإمام الأعظم يجب أن يكون المثل الأعلى لأفراد الأمة في الالتزام الكامل بمبادئ الإسلام. الثاني والثالث: بيان وظيفة الرئيس الأعلى للدولة الإسلامية وهي التي ناب فيها عن الرسول ﷺ وهي أولًا العمل على أن يظل الدين مصونًا من كل ما يسيء إليه، ويلي ذلك العمل على اتِّخاذ كافة الإجراءات التي تكفل المصالح الدنيوية لأفراد الأمة. تبين لنا مما سبق أن الإمامة العظمى في حقيقتها رياسة الدولة الإسلامية، التي تخضع للقانون الإسلامي، وتسير على هديه في تنظيم مصالح الأمة في الدين

стр. 450

والدنيا؛ إذ لا معنى لكونها نيابةً عن الرسول ﷺ إلا أنها ملومة بالخط الواضح الذي رسمها له ﵊ مبلِّغًا عن الله ﵎ فهي ليست حكومةً تسير وفق قانونٍ وضعيٍّ بحسب مصالحها الدنيوية فقط، غير ناظرةٍ إلى ما بعد الحياة الدنيا، وإنما هي حكومة تنوب عن الرسول ﷺ ولما كانت رياسة الرسول ﷺ لبيان حكم الله في كل أنواع السلوك الإنساني، سواء منها ما يتعلق بالدين أو يتعلق بالدنيا، فكذلك الشأن في الحكومة النائبة عنه إنّما هي ملتزمة بالحفاظ على الدِّين، والسير في سياستها الدنيوية على الهدي الواضح الذي بيّنته الشريعة الغراء؛ وذلك أن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط، فإنها كلها عبث وباطل؛ إذ غايتها الموت والفناء، والله يقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ (المؤمنون: من الآية: ١٢٥) فالمقصود بهم إنه هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ (الشورى: من الآية: ٥٣). فهذه إذن هي حقيقة الإمامة العظمى كما يبنها علماء المسلمين، فهي إذا ليست ملكيةً؛ لأن الملك يعتمد في تسيير أمور المملكة على أحكامٍ كثيرًا ما تكون جائرةً على الحق، وهدفه في الغالب أن تظلّ قبضته مسيطرةً على أنحاء مملكته، غير ناظرٍ إلى ما قد يشوب حكمه من قهر وتغلب، والإمامة العظمى ليس فيها هذا المعنى من قريبٍ أو بعيد، وإنما هي تسير بأحكامٍ من الشارع الحكيم، تبين ما يجب اتباعه في سلوك الأفراد بعضهم مع بعض، وفي علاقاتهم جميعًا بالحق ﵎ وهي كذلك ليس رياسةً اقتضتها ضرورة اجتماع الناس فقط، يخضعون في ظلها لقواعد تنظم سلوكهم، بحسب المصلحة السياسية التي تقول بالمنفعة عليهم جميعًا؛ لأن قانونًا كهذا نظر بغير نور الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ

стр. 451

نُورٍ﴾ (النور: ٤٠) لأن الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيّب عنهم من أمور آخرتهم، وأعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم من ملك أو غيره؛ ولذلك يقول ﷺ : ((إنما هي أعمالكم ترد عليكم)) وأحكام السياسة إنما تطلع على مصالح الدنيا فقط: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الروم: من الآية: ٧). حكم نصب الإمام موقف العلماء من نصب رئيس الدولة: بيان آراء العلماء فيما إذا كان يجب أن تقام هذه الرياسة أو لا يجب، أي هل يجب عن ينصب المسلمون إمامًا لهم أم أن ذلك ليس من الأمور الواجبة؟ اختلف علماء الأمة في نصب الإمام الأعظم أو رئيس الدولة هل يجب أو لا يجب على أربعة مذاهب: المذهب الأول: يرى وجوب نصب الإمام مطلقًا، أي سواء كان ذلك في حال الأمن والاستقرار، أم في حال ظهور الفتن والاضطرابات. المذهب الثاني: يرى عدم وجوب نصبه مطلقًا. المذهب الثالث: يرى وجوب نصبه في حال الفتن والاضطرابات، ولا يرى وجوب ذلك في حال الأمن والاستقرار. المذهب الرابع: أنه يجب نصب الإمام في حال الأمن، ولا يرى وجوب ذلك في حال ظهور الفتن. القائلون بوجوب نصب الرئيس الأعلى للدولة هم الجمهور الأكثر من علماء الأمة؛ إذ هو رأي أهل السنة جميعًا، ورأي المرجئة جميعًا، وأكثر المعتزلة والخوارج عدى النجدات منهم، ورأي الشيعة جميعًا، إلا أننا يجب أن ننبه إلى عدة أمور:

стр. 452

الأمر الأول: أن هؤلاء مع اتفاقهم جميعًا على القول بوجوب نصب الإمام مطلقًا -أي في كل حال- سواء كانت حال أمن وعدم اضطراب وفتنة، أم حال اضطراب وفتنة، إلا أنهم اختلفوا في الطريق الذي أدى إلى الوجوب: هل هو الشرع أم العقل؟ فأهل السنة قالوا: إن الأدلة السمعية هي التي دلّت على وجوب نصب الإمام، ولا مدخل للعقل في ذلك، انطلاقا من المبدأ الذي يلتزمون به، وهو أن الأحكام إنما تؤخذ من الشرع؛ ولأن الإمام مقصود به القيام بأمور شرعية، كإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وأما الزيدية، وأكثر المعتزلة، والاثنا عشريه، فقد قالوا: إن العقل هو الذي دلّ على وجوب نصب الإمام، ثم القائلون أن العقل هو الذي دل على وجوب نصب الإمام، ينقسمون من حيث توجه الوجوب: هل يتوجه إلى الناس أم يتوجه إلى الله ؟ الأمر الثاني: أن الجماهير أو جمهور الفقهاء الذين قالوا: "إن معرفة وجوب نصب الإمام ليس لها طريق إلا الشرع" هؤلاء الجمهور قد بينوا أن مرادهم بالوجوب هنا هو الوجوب الكفائي لا الوجوب العيني، بمعنى أنه يجب على الأمة أن تنصب إمامًا لحراسة الدين وسياسة الدنيا، وهذا الوجوب متوجِّه إلى جميع أهل الحل والعقد متوجِّه إلى جميع أهل الحل والعقد والصالحين لتولي هذا المنصب، فإذا ما قام بعض أهل الحل والعقد بهذا الواجب سقط الوجوب عن باقيهم، أما إذا لم يقم أحدٌ بهذا الواجب فإن أهل الحل والعقد جميعًا آثمون، وليس يأثم غيرهم من أهل الأمة الذين لا تتوافر فيهم صفات أهل الحل والعقد، فليس مراد الجماهير هنا بالوجوب الواجب العيني؛ لأنهم لم يقولوا بأنه يجب على كل فرد من أفراد الأمة أن يشترك في نصب الإمام؛ ولذلك قال القاضي أبو يعلى

стр. 453

-يتكلم عن الإمامة-: وهي فرضٌ على الكفاية، مخاطب بها طائفتان من الناس: أحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا. والثانية: من يوجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة. وليس على من عدى هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم. ثم بعد ذلك نتحدث عن البراهين أو الأدلة على مذهب الوجوب، يعني مذهب القائلين بأنه يجب نصب الإمام -وهم كما قلنا: جماهير العلماء- نقول: لمّا كان وجوب نصب الإمام قد قال به جمهور الأمة الإسلامية من أهل السنة وغيرهم -كما بينا - ولمّا كان أهل السنة استدلوا على دعواهم ببراهين غير البراهين التي استدلّ بها غيرهم، ولمّا كان ثمة جماعة من القائلين بوجوب نصب الإمام ترى أن الوجوب هنا ليس متوجهًا إلي الخلق بل متوجه إلى الخالق -جل وعلا- كان لزامًا علينا أن نبيّن أدلة كل جماعة من الجماعات القائلة بوجوب نصب الإمام كل على حدة؛ حتى تظهر وجهة نظر الكل واضحةً جليةً إيذاء هذا المنصب الخطير: البرهان الأول أو الدليل الأول من أدلة أهل السنة على أن نصب الإمام إنما هو من الأمور الواجبة: استدل أصحاب هذا الرأي بالإجماع، والإجماع هنا من أقوى البراهين عند أهل السنة ومن وافقهم في مذهبهم، على وجوب نصب الإمام شرعًا، بل هو أقواها على الإطلاق، وهو إجماع الأمة الإسلامية على أنه يجب نصب رئيس أعلى للدولة؛ وذلك أنه قد أجمع الصحابة ﵃ على وجوب نصب رئيس لهم ليخلف رسول الله ﷺ في رعاية أمور الأمة، في القيام بحراسة الدين وسياسة الدنيا، فقاموا باختيار أبي بكر ﵁ خليفةً لرسول الله ﷺ في سقيفة بني ساعدة، بعد نقاشٍ وحوار حادٍّ بين المهاجرين والأنصار، انتهى هذا الأمر باقتناع الأنصار بأن الرياسة العليا يجب أن تكون في قريش، ووافقوا على اختيار أبي بكر خليفةً لرسول الله ﷺ -

стр. 454

وفي اليوم التالي حاز هذا الإجراء الذي اتخذه المشركون في الصحيفة، حاز على موافقة الصحابة الذين لم يكونوا حاضري هذا الاجتماع، ثم إن الصحابة وإن كانوا قد اختلفوا بادئ الأمر في تعيين شخص الإمام، إلا أنّ هذا لا يقدح في اتفاقهم جميعًا على وجوب نصبه، وكان أبو بكر ﵁ قد خطب في الناس عقب موت رسول الله ﷺ وقبل مبايعته خليفة قائلًا: "أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية: ١٤٤) ثم قال: "وإن محمدًا قد مضى لسبيله، ولا بد لهذا الأمر من قائم يقوم به، فانظروا وهاتوا آراءكم -رحمكم الله- فناداه الناس من كل جانب: صدقت يا أبا بكر، ولكنا نصبح فننظر في هذا الأمر، ونختار من يقوم به، ولم يوجد من الصحابة من يقول: إن هذا الأمر يصلح من غير قائم به. البرهان الثاني أو الدليل الثاني: نصب الإمام فيه دفع الضرر المظنون، يقول أصحاب هذا الرأي: إن في نصب الإمام دفعًا للضرر المظنون بعدم نصبه، ودفع الضرر المظنون واجب إجماعًا؛ فالنتيجة أن نصب الإمام واجب. فأما بيان نصب الإمام فيه دفع ضرر مظنون، فإن الناس لا يستطيعون العيش منفردين؛ لأن الإنسان اجتماعي بالطبع، لا يستطيع الحياة الكاملة بعيدًا عن أفراد جنسه، وإذا كان الناس لا يستطيعون الحياة إلا مجتمعين، وهم -كما قال العلماء- مع اختلاف الأهواء، وتشتت الآراء، وما بينهم من الشحناء، قلما ينقاد بعضهم لبعض، فيفضي ذلك إلى التنازع، وربما أدّى إلى هلاكهم جميعًا، ويشهد له التجربة والفتن القائمة عند موت الولاة إلى موضعٍ آخر، بحيث لو تمادى لعطِّلت المعايش وصار كل واحد مشغول بحفظ ماله ونفسه تحت قائم سيفه؛ وذلك يؤدي إلى رفع الدين وهلاك جميع المسلمين، ففي نصب الإمام دفع مضرة لا يتصور أعظم منها.

стр. 455

وإما أن دفع الضرر واجبٌ؛ فهذا متفقٌ عليه بين العقلاء جميعًا، ونرى العلماء بعد أن يقرروا الدليل هكذا يجيبون على ما يمكن أن يَعترض به معترض، فيقول المعترض: إنكم تقولون: إن نصب الإمام فيه دفع الضرر المظنون، ونحن نقول: بل في نصب الإمام ضرر مظنون، وهو منفي بقوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) وبيان أن في نصب الإمام أضرارًا من ثلاثة أوجه، أي أنهم يبيّنون أو أن جمهور الفقهاء يقولون بأن نصب الإمام فيه دفع للضرر المظنون؛ لأن الناس لا يستطيعون العيش في مجتمع إلا إذا وُجد من يقوم على أمرهم، ويمنع الظلم -أي ظلم بعضهم لبعض- ويؤدي الحقوق إلى أصحابها. هناك اعتراض من الذين يقولون بأنه لا يجب نصب الإمام، وهذا الاعتراض ينصب على أنه قد يكون في نصب الإمام ضَرَرٌ، وبيّنوا ذلك من وجوه: - قالوا أن الإنسان إذا وُلِّيَ غيره عليه في الأمور التي يهتدي إليها، والأمور التي لا يهتدي إليها، فيه من الإضرار ما هو ظاهر، يعني أن الإنسان بطبعه لا يريد الرياسة. - أيضًا أن بعض الناس قد يستنكفون عن تولية غيرهم عليهم، كما هي عادة الناس، وهذا يؤدي إلى التنازع وحدوث الفتن بين أفراد الأمة. - وأيضًا بما أن الإمام معرض للخطر فيمكن أن يحدث الفسق، بل من الممكن أن يحدث منه الكفر، فإن لم تقم الأمة بعزله أضر بها بفسقه وكفره، وإن عزل أدى ذلك إلى تهييج الفتن والاضطرابات. نقول: هذا ما يمكن أن يعترض به المعترِض على هذا الدليل، لكنّ أصحاب الرأي الأول -وهم جمهور الفقهاء- يجيبون على هذا بأن الإضرار اللازم من ترك نصب الإمام أكثر بكثير من الإضرار الحاصل من نصبه؛ ولذلك يقال: "ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان" ولا شك أن دفع الضرر الأعظم واجب؛ فنصب الإمام واجب. يقول فخر الدين الرازي مجيبًا إلى أن هذه الأضرار وأمثالها قد تحصل: لا نزاع أن هذه المحظورات فد تحصل، لكن كلّ عاقلٍ يعلم أنه إذا قوبلت المفاسد الحاصلة

стр. 456

من عدم الرئيس المطاع بالمفاسد الحاصلة من وجوده، فالمفاسد الحاصلة من عدمه أزيد بكثير من المفاسد الحاصلة من وجوده، وعند وقوع التعارض تكون العبرة بالرجحان، فإنّ ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير، يعني معنى ذلك يتحمل الضرر الأقل في سبيل دفع الضرر الأعظم. ومن الأدلة أيضًا على وجوب نصب الإمام: أن نصب الإمام لا يتمّ الواجبُ إلا به، وبيان ذلك أنه من المعلوم أن الشارع ﵎ أمر بإقامة الحدود على مستحقّيها، وتجهيز الجيوش للجهاد، وسد الثغور، وحفظ بيضة الإسلام، وذلك لا يقوم به فرد أو الأفراد، وإنما يقوم به سلطة عليا لها من الإمكانات الواسعة، وحق الطاعة على مجموع الأمة، ولها من قدرة التوجيه، ما يعينها على تنفيذ هذه الواجبات، وهذه السلطة العليا تتمثّل في الإمامة العظمى، فبها يُستطاع القيام بكل هذه الواجبات، وما يتمّ الواجب إلا به فهو واجب، فنصب الإمام واجب؛ ولذلك يقول البعض: والمسلمون لا بد لهم من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم، وإقامة حدودهم، وسد ثغورهم، تجهيز جيوشهم، وأخذ صدقاتهم، وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق، وإقامة الجمع والأعياد، وقطع المنازعات الواقعة بين العباد، وقبول الشهادات القائمة على الحقوق، وتزويج الصغار والصغائر الذين لا أولياء لهم، وقسمة الغنائم ... كل ذلك يحتاج إلى إمام، إذا لم يوجد إمام فقد تعطّلت كل هذه الأشياء. البرهان الرابع أو الدليل الرابع: على وجوب نصب الإمام: أن الصحابة بادروا بنصب إمام قبل قيامهم بدفن الرسول ﷺ يعني أصحاب هذا الرأي القائلون بوجوب نصب الإمام يقولون بأن صحابة رسول الله ﷺ اهتموا بأمر الخلافة، وحتى قبل أن يُوارى رسول الله ﷺ الثرى -قبل أن يدفن رسول الله ﷺ إن صحابة بادوار بنصب إمام قبل قيامهم بدفن الرسول ﷺ وذلك أن الصحابة قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لاختيار من يخلف الرسول ﷺ وانتهى اجتماعهم إلى اختيار أبي بكر ﵁ وكان ذلك عقب موت رسول الله ﷺ وقبل أن يقوموا بدفنه؛ مما يدل على أنهم اعتبروا نصب الإمام أهم الواجبات، وإلا لما رضوا بدفن الرسول الأعظم ﷺ وتقديم نصب الإمامة عليه.

стр. 457

هذه هي أدلة أصحاب الرأي الأول، وهم جمهور الفقهاء وجمهور أهل السنة القائلون: أنه يجب نصب الإمام، واستدلوا بالأدلة الأربعة التي ذكرناها، ولكن هذه الأدلة لم تسلم من الاعتراض عليها، ولم تسلم من المناقشة، فمن هذا المنطلق نقول: على الرغم من أن الإجماع -هذا هو الإجماع الدليل الأول الذي استدل به جمهور الفقهاء على وجوب نصب الإمام -يعتبر أقوى دليل من الأدلة التي استدل بها أهل السنة ومن وافقهم فيما يرونه من وجوب نصب الرئيس الأعلى على الأمة، إلا أنّنا نجد أن البعض قد أثار الجدل حول هذا الدليل، محاولًا إيجاد احتمال أن يكون الصحابة قد بادروا بنصب الإمام عند موت كل رئيس، نظرًا إلى ظرف خاصٍّ اقتضى مبادرتهم هذه. فيقول بعض المعترضين: إن ذلك يدل -إن كان دالًّا- على حسن إقامة الإمام، وجواز نصبه، ولا يدل على وجوب ذلك في كل عصر وزمان؛ لأنه لا يُمتنع أن يكون العاقدون لأبي بكر والمجتمعون للشورى، إنما بادروا إلى ما بادروا إليه وحرصوا عليه؛ لأن الحال اقتضته -يعني هو الظروف اقتضت ذلك، وربما إذا لم توجد هذه الظروف لم يفعلوا ذلك- ولأنه غلب في ظنونهم أن إهمال العقد فيه فساد وانتشار، وليس فيمن يخالف في وجوب الإمامة على كل حال من ينفي حسنها، ويدفع أن يقتضي بعض الأحوال الفزع إليها؛ ولذلك يقول هذا المعترض: إن الإمام قد يجوز أن يُستغنى عنه في بعض الأحوال، التي تغلب في الظن أن الناس فيها يلزمون فيها الصلاح والسداد في الأكثر، هذا الاعتراض ينصب على أنّ الإجماع الذي استدل به أهل السنة، أو غالبية الفقهاء، وجمهور العلماء، على وجوب نصب الإمام، وهو الإجماع، وهو أن الصحابة قد أجمعوا على خلافة أبي بكر، المعترض يرد على ذلك ويقول: ربما الذي دفع المسلمين إلى ذلك ظروف معينة، لكن إذا لم توجد ظروف في بعض الأوقات فإن ذلك ليس معناه وجوب نصب الإمام. فهذا النوع تشكيك في الإجماع. لكن الفقهاء ردوا على ذلك، فنقول ردًّا على هذا: بأن الظاهر من فعل الصحابة من إقامتهم إمامًا جديدًا عند موت كل إمام، وتكرّر ذلك منهم في أحوالٍ عديدةٍ، أن ذلك لوجود الداعي في كل حال إلى إقامة هذا الإمام. فالرد عليه أو

стр. 458

على هذا المعترض على الإجماع إنما نقول له: هذا الداعي موجود في كل وقت؛ ولذلك يجب نصب الإمام. استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته. ٤ - تابع مسألة نصب الإمام، وشروط رئيس الدولة (١) القائلون بعدم وجوب تنصيب الإمام في كل حالٍ أو حالٍ دون حالٍ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعاملين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد بدأنا في الحديث في المحاضرة السابقة عن مسألة هل يجب نصب الإمام أم لا؟ وتبين لنا أن هناك أربعة أقوال في المسألة؛ الأول -وهو رأي جمهور العلماء- ويقول: بوجوب نصب الإمام مطلقًا، أي: في حال الأمن، وفي حال الاضطراب، والثاني ويرى: عدم وجوب نصب الإمام مطلقًا، أي: في حال الأمن وفي حال الاضطراب، والثالث ويرى: عدم وجوب نصب الإمام في حال الأمن ووجوب نصبه في حال الاضطراب، والرابع ويقول: بوجوب نصب الإمام في حال الاضطراب دون حال الأمن. وقد ذكرنا أدلة أصحاب الرأي الأول وهم جمهور العلماء القائلون بوجوب نصب الإمام في كل حال، سواء كان الحال حال أمن أو حال فتن واضطراب. ونشرع الآن في بيان الآراء الأخرى، وبيان أدلتها فنقول: إنه بالنسبة للرأي الثاني القائل بعدم وجوب نصب الإمام مطلقًا، فإنهم استدلوا بما يلي: أولًا: يقولون: إن نصب الإمام مثير للفتنة، أي يترتب عليه الفتنة، وكل ما كان كذلك فهو غير واجب شرعًا، فإذن نصب الإمام غير واجب شرعًا. فأما أن فنصب الإمام مثير للفتنة، فبيانه أن أهواء الناس مختلفة، فقد تريد مجموعةٌ من الناس اختيار واحد للإمامة؛ لأنه في نظرها أصلح الناس في ذلك، وتريد مجموعةٌ أخرى تنصيبَ آخر لها، فيقع التناحر والتشاجر بين جماهير الأمة بسبب ذلك، والتجارب العددية تؤيد ما نقول. وأما أن كل كان مثير للفتنة غير واجب شرعًا فهو أمر ظاهر ولا يحتاج إلى دليل. ومن أدلتهم أيضًا: أن دين الناس وطباعهم لَمِمّا يحملهم على رعاية مصالحهم الدينية والدنيوية، فلا حاجة بهم إذن إلى نصب من يحكم عليهم فيما يستقلون به، ألا ترى انتظام أحوال العُربان والبوادي في معايشهم الدنيوية وأحوالهم الدينية، مع أنهم خارجون عن حكم السلطان، لا يتحكم فيهم إمام، هذا هو الدليل الثاني من أدلة القائلين بأنه لا يجب نصب الإمام مطلقًا، لا في حال الأمن ولا في حال الاضطراب، ومضمون هذا الدليل أن طبائع الناس تحملهم على رعاية مصالحهم الدينية والدنيوية، ومعنى ذلك أنه لا حاجة بهم إلى نصب إمامٍ يحكم عليهم في أمورٍ هم يستقلون بها، ويستندون في ذلك أو يقيسون في ذلك على أحوال العُربان والبوادي، وهم القبائل الرُّحّل الذين لم تكن لهم حكومة ينطوون تحت سلطانها.

стр. 459

لكن هذه الأدلة التي استدل بها أصحاب الرأي الثاني -القائلون بأنه لا يجب نصب الإمام مطلقًا- يُرد عليهم فيها: فهم يقولون -كما قلنا في الدليل الأول- أن نصب الإمام يثير الفتن بين الناس، لكن نقول لهم: إن حال الناس عند إرادة نصب إمام لا تخلو من واحدٍ من اثنين: إما الاتفاق على شخص معين يرونه راجحًا غيره؛ لصفاتٍ انفرد بها عن سائر من ينافسونه في هذا المنصب، وإما أن يقع الاختلاف بينهم. فأمّا الحال الأولى -وهي حال اتفاقهم على شخص الإمام- فلا مجال للادعاء بأن ذلك مثير للفتن بين الناس، بل هو من وسائل إخماد الفتن، وأما الحال الأخرى -وهي حال اختلافهم في تعيين شخص الإمام- فلم يترك الشارعُ الحكيمُ الأمرَ بدون ضوابط تكون هي المرجع في فض هذا الخلاف، وإنما نقول: إنه في هذه الحال يجب على أهل الحل والعقد في الأمة أن يقدِّموا للإمامة أعلم المشرحين لها، فإن تساويا في العلم فيجب تقديم الأورع، فإن تساويا فيجب تقديم الأسن -أي الأكبر في السن- وكل ذلك ممّا تندفع به الفتنة والخلافة. فهذا الرد يتبيّن لنا منه أن ما استدلّ به أصحاب الرأي الثاني القائلون بعدم وجوب نصب الإمام، لا مجال لهم في هذا الدليل، وأن دليلهم ساقط؛ فلا يعتدّ به. وأما قولهم -أي القائلون بعدم وجوب نصب الِإمام-: إن دين الناس وطباعهم مما يحثّهم على رعاية مصالحهم الدينية والدنيوية. فنقول: إن هذا وإن كان ممكنًا عقلًا إلا أنه ممتنع عادة، وليس أدلّ على ذلك من انتشار الفتنة والاختلاف بين الناس عند موت السلاطين والحكام، ودعوى انتظام أحوال البُوادي والعُربان دعوى غير مسلمة؛ إذ أننا نراهم كالذئاب الشاردة والأسود الضارية، لا يُبقي بعضهم على بعض. فهذا أيضًا دليل ساقط للذين قالوا بعدم وجوب نصب الإمام؛ لأن قولهم: أن طبائع الناس تحملهم على رعاية مصالحهم الدينية والدنيوية.

стр. 460

نقول: هذا أمر غير مسلّم؛ لأن الواقع يخالف ذلك؛ وهذا يظهر عندما يسقط نظامٌ من الأنظمة، أو رئيس من الرؤساء، يحدث خلافٌ بين الناس وتشاجرٌ، ولا يمكن القياس على أحوال البوادي؛ لأن حالهم يخالف ذلك. ونأتي الآن إلى القائلين بوجوب نصب الإمام في حالٍ دون حالٍ: ونبيّن دليلَهم والردَّ عليهم، فهناك رأي يقول بأنه يجب نصب الإمام عند ظهور العدل، ولا يجب نصبه عند ظهور الفتن، ونرى بعض الآراء يرى عكس ما يراه هذا الرأي -أي انه يجب نصب الإمام عند ظهور الظلم، ولا يجب نصبه عند ظهور العدل والإنصاف- إذن الرأي الثالث والرأي الرابع كلٌّ منهما يناقض الآخر. وقد احتجّ الذاهب إلى أنه يجب نصب الإمام عند ظهور الفتن، ولا يجب عند ظهور العدل وإنصاف الناس بعضهم بعضًا؛ بأن وقوع الفتن والظلم بين الناس فيه ضرر، وكل ضرر يجب إزالته، فالنتيجة أن وقوع الفتن والظلم بين الناس يجب إزالته، ثم إنه لا يتأتّي إزالة ذلك إلا بسلطة قادرة عامة، لها حق أمر الناس ونهيهم، وهي سلطة الإمامة، فيجب إقامة الإمامة عند ظهور الظلم والفتن، وأما عند ظهور العدل والتناصف بين الناس، فلا ضرر واقع بين الناس حتى نقول بوجوب رفعه. ويمكن أن نردّ على دليل من يقول بوجوب نصب الإمام عند ظهور العدل، ولا يجب نصبه عند ظهور الفتن، بأنه على العكس مما تقول؛ فإن وقوع الفتن بين الناس داعٍ من أعظم الدواعي لظهور سلطة قاهرة، تستطيع أن تعيد الحق إلى نصابه، وتمنع الفتن؛ حتى يعم العدل، وينتشر الآمان؛ لأن عدم وجود إمام في هذه الحال لَمِمّا يشجع القائمين بالفتن على التمادي في غيّهم وظلمهم، لا تخيفهم قوة، ولا يرهبهم سلطان، ولكنّ الواجب في هذه الحال هو إقامة
следующие страницы →