Полный текст (825 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
يبكون من كثرة الجوع- وهي تعللهم -يعني: كأنها تضحك عليهم حتى يناموا، يعتقدون أنها تطبخ لهم شيئا، وليس في القدر إلا الماء فقط- فيناموا على ذلك، فقال لها لم لا تذهبين إلى عمر -وكانت تجهل أنه المتحدث، كانت لا تعرف أنه عمر- ليساعد على إطعامهم؟ فقالت: الله بيننا وبينه، فجزع عمر جزعًا شديدًا، خاف خوفًا شديدًا، وقال لها -وقد استبد به الجزع والحزن-: وما يدري عمر بكم؟ -يعني: وما الذي يعلم عمر بما أنتم فيه، هو لا يعلم ذلك- فقالت: يتولى أمرنا، ويغفل عنا.
وهذه القصة على بساطتها ترسم ما كان عليه المسلمون الأُول، حكاما ومحكومين، وكان عمر يرى أنه ولكونه مسئولا أعظم شأنا، وأكثر خطورة عما سواه من الولاة والحكام، كان من المحتم من منطق عدل عمر أن يكون هو وأسرته قمة قدوة لأفراد المجتمع الإسلامي؛ لذلك ضاعف العقوبة على أهل بيته إذا ارتكبوا ما يخالف أوامر الشرع ونواهيه، وما أمر به عمر الرعية، وفي هذا الصدد يقول عمر: قد سمعتم ما نهيت، وإني لا أعرف أن أحدا منكم يأتي شيئا مما نهيت عنه إلا ضاعفت له العذاب ضعفين.
أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - الحقوق والحريات في النظام الإسلامي
تابع: قواعد النظام السياسي في الإسلام: "مسئولية الحكام "
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
بدأنا الحديث في القاعدة الرابعة وهي مسئولية الحكام، وذكرنا دليل هذه المسئولية من الكتاب، ثم دليلها من السنة، ثم دليلها من السوابق التاريخية في عهد أبي بكر وعمر ﵄ ونواصل الحديث فنذكر التطبيق في عهد عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه- فنقول:
أما في عهد عثمان بن عفان فإنه ﵁ وإن كان مسلكه الشخصي، وصدقه، وأمانته، وورعه، وتضحياته من أجل رفعة الإسلام والمسلمين، لا شك فيها، إلا أنه ﵁ قتل شهيدًا لكون جمهور الثائرين يرون مسئوليته عن تسلّط بني أمية على رقاب المسلمين؛ ولأنه توانى في حقهم، واستعمل أقرباءه على الولايات المختلفة ... إلى غير ذلك من المآخذ التي أخذها السائرون عليه، والتي كانت سببًا لاستشهاده، وهذه الأسباب وإن كانت لا تطعن في ورع عثمان ﵁ وتقواه وأمانته،
стр. 387
وليس من شأنها أن تقلل من الدور العظيم الذي أدّاه عثمان، إلا أنها بلا شك تؤدّي إلى نتيجة هامة، مؤداها أن الخليفة مسئول عن تصرفات ولاته، وعماله، وممثليه في الولايات المختلفة، إلى جانب أنه ﵁ لم ينكر حق المسلمين في مساءلته؛ فيروى عنه ﵁ قوله: "إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في قيود فضعوها".
وعليّ ﵁ كان يرى مسئولية الخليفة عن كل ما يترتب على إعمال السلطة العامة، يروي ابن حزم عن الحسن ﵁ أن عمر أرسل إلى امرأة معينة كان يدخل عليها -أي كان يدخل عليها بعض الناس- فأنكرت ذلك، فقيل لها: أجيبي عمر. فقالت: يا ويلها! مالها ولعمر؟ فبينما هي في الطريق فزعت، فضمها الطلق دارًا، فدخلت فألقت ولدها، فصاح الصبي صيحةً فمات. أي أنها فزعت لما علمت أنها سوف تذهب وتمثل أمام عمر بن الخطاب، وهذا الفزع كان سببًا في أن طلق الولادة جاءها في غير موعده؛ وترتب على ذلك أن ولدت الولد ومات هذا الولد، فاستشار عمر أصحاب النبي ﷺ استشارهم كما هي عادته -رضوان الله ﵎ عليه- أي استشارهم عن موقفه من هذا الصبي الذي مات بسبب الفزع الذي كانت فيه المرأة، فأشاروا عليه بعضهم أن ليس عليك شيءٌ، يعني بعضهم قال: ليس عليك شيء يا أمير المؤمنين بسبب ذلك، إنما أنت والٍ ومؤدّب. قال: وصمت علي -أي علي بن أبي طالب- فأقبل عليه عمر فقال: ما تقول؟ أي ما هو الرأي عندك يا عليّ بالنسبة لهذه الواقعة؟ وهل أنا مسئول عن موت هذا الصبي أم لا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كانوا قالوا برأيهم -يعني هؤلاء الذين أشاروا إليك بأنك ليس عليك شيء- فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك، فلم ينصحوا لك، أرى أن دِيّته عليك؛ لأنك أنت أفزعتها وولدها في سبيلك، فأمر
стр. 388
عليًّا أن يقسم عقلَه على قريش -يعني الدية أي دية هذا الولد على قريش- وهم العاقلة عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.
وبصرف النظر عن رأينا في مسئولية الخليفة عن هذه الواقعة، فهي تكشف بطريقة قاطعة عن أن عليًّا ﵁ كان يرى أن الخليفة مسئول عن كل ما يتعلق بممارسة السلطة العامة.
ومن استعراض النصوص في القرآن، والسنة، والتطبيق العملي في عهد الخلفاء الراشدين؛ نتبيّن أن الخليفة مسئول:
أولًا: باعتباره من آحاد المسلمين، ومسئوليته في هذا الصدد كمسئوليتهم تمامًا سواء بسواء.
وثانيًا: مسئول عن ممارسته الشخصية لمقتضيات السلطة العامة.
وثالثًا: هو مسئول باعتباره هو المهيمن على السلطة التنفيذية والحائز عليها، وكل الولايات الأخرى تتفرع من ولايته العامة، فإن هذا يقتضي أن يكون مسئولًا عن كل أعمال ولاته ووزرائه وممثليه، في جميع الأصقاع والبلاد الإسلامية.
فسلطة الخليفة وغيره من الحكام محددة تحديدًا دقيقًا في الفقه الإسلامي، وإذا ما أقدم أيّ شخص ممن يقبضون على زمام السلطة العامة على مخالفة القانون الإسلامي، أو أساء استخدام السلطة، أو انحرف بها عن المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي؛ فإنه يكون مسئولًا عمّا أقدم عليه أمام الله من ناحية، ومن ناحية أخرى أمام القانون وأمام الرأي العام الإسلامي، ومن هنا فإن قواعد المسئولية تنطبق على الخليفة، وسائر الحكام مثلهم في ذلك مثل سائر المسلمين،
стр. 389
ذلك أن الولاية أمانة في الإسلام، وكل مؤتمن مسئول عما ائتمن عليه؛ لذلك فالخليفة مسئول عما اؤتمن عليه من حقوق الأمة، إلا أن مسئولية الخليفة أوسع نطاقًا وأوسع مدى من مسئولية الأفراد جميعًا؛ لأنها ثقيلة، بقدر ثقل الواجبات الملقاة على عاتقه وتنوعها، فإنها أيضًا تشمل مسئوليته عن كفالة كل ما هو أساسي وحيويّ بالنسبة لكل المسلمين؛ ولهذا فإن النصوص أكدت بأن أشد الناس عذابًا يوم القيامة إمام جائر؛ ولهذا نجد أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يضاعف مسئولية أهله عن مخالفة ما يسنّ للمسلمين من الأوامر.
وفي هذا الصدد يروي ابن سعد عن عبد الله بن عمر: كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله فقال: لا أعلمنّ أحدًا وقع في شيء مما نهيت إلا أضعفت له العقوبة. ولم يكن ذلك إلا لأن عمر كان يعتبر الخليفة هو القدوة الحسنة لكل المسلمين، وإذا لم يكن الخليفة وأهل بيته هم أول من يحترم القانون وينصاع إليه؛ فإن ذلك سيؤدي إلى استهانة كل المسلمين بقواعد القانون، وذلك يتفق مع قوله ﵁: "إن الناس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم" قوله: "الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإذا رتع الإمام رتعوا" أي أنه إذا أطاع الله ﵎ أطاعته الرعية، وإذا عصى الله ﵎ عصته الرعية، فعلى قدر صلاح الإمام، واحترامه لنصوص القانون وخضوعه له، تكون الرعية؛ لذلك فإن الشريعة الإسلامية تشددت في تقرير مسئولية الحكام؛ لأنه في حالة عدم احترام القانون، والإقدام على مخالفته من قبل الحاكم؛ فإن هذا يؤدي إلى خلل جميع الأجهزة في الدولة، وإلى أن يستشري الفساد في البلاد، وإلى عدم امتثال الرعية لحكم القانون.
стр. 390
مقدمة عن الحقوق والحريات في النظام الإسلامي
وننتقل الآن -أبنائي وبناتي طلاب الدراسات العليا- إلى ركن آخر، أو إلى قاعدة أخرى من القواعد التي قام عليها النظام السياسي في الإسلام، وهذه القاعدة هي الحقوق والحريات في النظام الإسلامي:
تسعى الدول الحديثة إلى حماية الأفراد من عسف السلطة واعتدائها على حقوقهم، وذلك بتقرير مجموعة من الحقوق والحريات الفردية، التي تعتبر بمثابة حواجز منيعة أمام سلطان الدولة، لا يجوز لها أن تقتحمها أو أن تتخطاها، وإلا كانت دولةً موصومةً بالاستبداد وعدم الشرعية أو الدستورية.
والجدير بالذكر أن الحديث عن الحقوق والحريات الفردية في الدول الحديثة، لم يعرف إلا منذ قامت الثورة الفرنسية، وأصدرت ما يسمى بوثيقة إعلان حقوق الإنسان، وأعلنت فيها اعترافها بالحقوق الطبيعية للإنسان، التي تثبت له بصفته إنسانًا، والتي وجدت معه قبل وجود الدولة؛ ومن ثمّ فلا يجوز للدول تخطي أو تجاوز هذه الحقوق -كما ذكرنا.
ولقد اختلف مفهوم الحقوق والحريات الفردية في الدول الحديثة، بحسب ما تدين به من أنظمة فردية أو جماعية؛ ولذلك تنقسم هذه الحقوق إلى:
- حقوق فردية تقليدية تتقرر للإنسان بوصفه كائنًا مجردًا.
- وحقوق أخرى اجتماعية واقتصادية تتقرر للأفراد بوصفهم أعضاء في جماعة منظمة، وعلى الدولة أن تلتزم إيجابيًّا في مواجهة الأفراد، بالحفاظ على هذه الحقوق، ولا تكتفي بالالتزام السلبي الذي يحصر نشاطها في مجرد حفظ الأمة، والدفاع عن الوطن، وحماية مصالح الأفراد من الاعتداء عليها.
стр. 391
ومفهوم الحرية في الفكر الفردي الذي نادى به مجموعة من الفلاسفة، مثل "جان جاك روسو" و"جون لوك" و"فولتير" ... وغيرهم، هذا المفهوم يختلف عنه تمامًا في الفكر الاشتراكي، الذي رفع لواءه "كارل ماركس" ومن سار على دربه؛ لأن الحريات في نظر أصحاب الفكر الاشتراكي لا يمكن كفالتها إلا في ظل بيئة معينة، ومجتمع اشتراكي تقوم الدولة بتحقيقه؛ ومن هنا جاءت التجربة الشيوعية في روسيا لتطبيق تلك النظريات التي جاء بها رواد الفكر الاشتراكي.
وأما في النظام الإسلامي فالحقوق الفردية تتقرر على أساس رُوحي، قوامه: أن الآدميين جميعًا مكرمون من قبل الخالق يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: ٧٠) وهم جميعًا حكامًا ومحكومين مخلوقون لعبادة الله يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦) والعبادة تعني الخضوع الاختياري لسلطان الله المطلق، وتعريف شئون الفرد أو الجماعة على حسب ما فصل -سبحانه- في شرعه، فالحقوق والحريات الفردية أو الجماعية بالنظام الإسلامي أساسها العقيدة، ونظامها الشريعة، وهي منح إلهية من الخالق الذي كرّم الجنس، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلًا؛ وبهذا وحّد الإسلامُ الغايةَ بالنسبة لكل من الفرد والدولة، فهي عبادة الله والخضوع لسلطانه، بتنفيذ شرعه في الحقوق والحريات؛ ومن ثم لا نجد في النظام الإسلامي عدوانًا على حقٍّ مهما كانت طبيعته، فحقوق الأفراد وحرياتهم محميةٌ ومرعيةٌ، ولكن ليس على حساب الجماعة، وكذلك العكس، ولكن مع عدم الاستبداد أو الطغيان الذي يؤدي إلى وأد مصالح الأفراد، فهناك إذن توازنٌ بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، بحيث لا تطغى مصلحة على الأخرى.
стр. 392
والذي يجب التنبيه عليه في هذا الصدد أن الحقوق والحريات في النظام الإسلامي ليست مطلقةً عن كل قيد، فبالإضافة إلى ما ذكرنا من الموازنة بين المصلحتين الخاصة والعامة، يجب دائمًا أن يتحمل الضرر الأخف في سبيل رفع الضرر الأعلى -كما تقول بذلك القواعد الفقهية- فمثلًا إذا كان الشارع يقرر للأفراد الحق في التملك، فهو يقيده بضرورة أن يكون ناشئًا عن سبب شرعي، كالاستيلاء على المباحات، أو العقود والتصرفات: كالبيع، والهبة، والوصية، والإجارة، والشركة ... ونحو ذلك، بشرط أن تكون هذه العقود مستوفيةً لأركانها وشرائطها على النحو الذي رسمه الشارع، وقد ينشأ الملك عن الإرث، وهو في هذه الحالة ملك قهري بحكم الشارع وليس بإرادة كل من الوارث أو المورث، كما رسم الإسلام سبل استثمار المال وتنميته، بطريقة تنفي عن المجتمع أن يكون متلطخًا بأدران الربا، أو منغمسًا في مباءة الكسب غير المشروع عن طريق الاتجار في المحرمات، كالمخدرات، والخمور ... وأشباه ذلك، مما تعج به المجتمعات الحديثة التي تتشدق بالحرية بملء أفواهها وهي لا تمتّ لها بصلة.
وكذلك أذن الشارع في الانتفاع بالمال من غير إسرافٍ ولا تقتيرٍ، وأن يكون الإنفاق في الوجوه الشرعية المعتبرة.
ويجوز في النظام الإسلامي نزع الملكية الخاصة؛ لتوسعة طريق عام، أو شق مجرى نهر ... ونحو ذلك من المنافع العامة.
كما يجوز بيع الملك جبرًا على صاحبه في تسديد ديونه، فتلك إذن كلّها قيود وردت على حق الفرد في التملك؛ ليكون الحق في نطاقه الفردي والجماعي الذي رسمه له الشارع، ولا يكون وسيلةً للاستبداد، أو الطغيان، أو الإضرار بالآخرين.
стр. 393
وبعد هذا التقسيم نرى أنه من المناسب أن نشير إلى أن نسير على التقسيم الذي يسلكه القانونيون، في تقرير قائمة الحقوق وتقسيمها إلى فردية واجتماعية؛ وذلك لظروف تسهيل المقارنة؛ ولذلك فسوف ندرس في هذا الصدد أمورًا:
أولها: القائمة الخاصة بالحقوق والحريات الفردية في النظام الإسلامي.
وثانيهما: الحقوق والحريات الاجتماعية في هذا النظام.
أولًا: الحقوق والحريات الفردية في النظام الإسلامي:
تشمل هذه المجموعة من الحقوق والحريات بالفقه الدستوري الحديث: الحريات الشخصية ، وحريات الفكر، ثم حريات التجمع، والحريات الاقتصادية.
الحريات الشخصية
أولًا: الحريات الشخصية:
ويعتبر هذا النوع من الحريات من أهم ما يجب أن يتمتع به الفرد؛ لكونه يتصل بكرامته الإنسانية التي كفلها له الخالق وتشمل هذه الحريات في الفقه الدستوري ما يلي:
١ - حرية التنقل:
بمعنى أن يكون الفرد حرًّا في الانتقال من مكان إلى آخر، والخروج من البلاد والعودة إليها بدون تقييد لحريته في ذلك، إلا بما يقتضيه النظام والقانون، وهذا حق للأفراد، قد أقره النظام الإسلامي الذي يدعو الإنسان إلى السعي في الأرض، والمشي في مناكبها؛ طلبا للرزق، واعتبارًا بمصير الأمم السابقة. وروي عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يمنع بعض كبار الصحابة عن الخروج من المدينة؛ حتى يتيسر له الرجوع إليهم ومشاورتهم في شئون الدولة، ويعتبر هذا نوعًا من تقييد حرية التنقل للمصلحة العامة إذا رأى الإمام ذلك، وعلى كل حال فحرية السعي في الأرض باعتبارها حقًّا فرديًّا لا يسوغ ولا يجب
стр. 394
أن تتقيد إلا لمصلحة أعلى منها، أما تقييدها لمجرد الرغبة في الانتقام من الفرد، كما يحصل في عالم اليوم، فهو عمل لا يقره النظام الإسلامي، الذي تقدر فيه الضرورة بقدرها دائما.
٢ - حق الأمن:
ويقصد بهذا الحق في الفقه الدستوري: عدم جواز القبض على أحد الأشخاص، أو اعتقاله، أو حبسه، إلا في الحالات المنصوص عليها في القانون، وبعد اتخاذ جميع الإجراءات والضمانات التي حددها القانون، كما يعني حصانة شخصه -أي حماية الشخص من أي اعتداء عليه- وفي النظام الإسلامي لا يجوز بطبيعة الحال القبض على أي إنسان وترويعه وحبسه، ما لم يكن ذلك بسبب شرعي يستوجب ذلك، والعقوبات في الإسلام بطبيعة الحال مضيق بابها، فلا جريمة ولا عقوبة بغير نصٍّ، ولا تثبت العقوبات بمجرد الرأي والاجتهاد؛ لأن الحدود تُدرأ بالشبهات كما هو معلوم، والأصل البراءة حتى يثبت العكس؛ ولهذا فإن النظام الإسلامي يعتبر الاعتداء على حقّ الأمن للإنسان، سواء في جسده، أو في حياته العامة، يعتبر ذلك نوعًا من الظلم، ويتوعد عليه بأشد العقوبات، فالله تعالى يعتبر من يقتل نفس بغير حق كأنه قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا، ويتوعد القاتل عمدًا بالخلود في النار، والرسول ﷺ جعل كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه. وفي حجة الوداع قال ﵊: ((إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا قد بلغت، اللهم فاشهد)).
٣ - حرمة المسكن:
بمعنى أنه لا يجوز اقتحام مسكن أحد الأفراد أو تفتيشه إلا في الحالات، ووفقًا للإجراءات التي نصّ عليها القانون، ويطلق اسم المسكن على المكان الذي
стр. 395
يسكن فيه الفرد بشكل دائم أو مؤقت، فللمَساكن الخاصّة حرمتها التي لا يجوز انتهاكها إلا عند الضرورة، وغنيّ عن البيان أن هذا الحقّ مقررٌ بنصوص صريحة في كتاب الله ﵎ في "سورة النور" حيث تذكر الآيتان "٢٧و ٢٨" من تلك السورة قول الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (النور: من الآية: ٢٧).
فقد تقرّرت حرمة المساكن بهذا النص الكريم؛ بحيث لا يجوز للشخص أن يدخل بيتًا غير بيته إلا بعد أن يستأذن، بل يستأنس، ويسلم على أهله، ولا يجوز دخول مسكن شخص في غيابه إلا بإذنه، وعند عدم الإذن في الدخول يجب الرجوع؛ وذلك أزكى وأطهر عند الله تعالى، وهو يعلم ما تخفيه الصدور من الحفاظ على حرمة المساجد، أو الرغبة في انتهاكها والاطلاع على عورات الناس.
٤ - سرية المراسلات:
بمعنى عدم جواز مصادرة أو اغتيال سرية المراسلات بين الأفراد؛ لما يتضمنه ذلك من الاعتداء على حق ملكية الخطابات المشتملة على هذه المراسلات؛ ولما في ذلك انتهاكٍ لحرية الفكر، وفي النظام الإسلامي لا يجوز الاعتداء على سرية المراسلات؛ لكونها مملوكةً لصاحبها، فيكون في الاعتداء عليها اعتداء على حق الغير، وهو لا يجوز شرعًا إلا بإذن صاحب الحق ورضاه، وأيضا فالرسالة تعتبر بمثابة الوديعة حتى تصل إلى المرسلة إليه. ومن المعلوم أن الوديعة أمانة، وقد أمر الله تعالى بأدائها إلى أهلها؛ ومن ثم فلا يجوز المساس بها، أو التصرف فيها من قبل المودع لديه؛ لأن ذلك ينطوي على تجسس، وتتبع للعورات، قد نهانا الشرع عنه وحذرنا منه.
стр. 396
وعلى كل حال فيجب أن نلاحظ دائمًا أن هذه الحريات لا يجوز بحال أن تمس المصالح العامة للمجتمع؛ ولذلك فمن الطبيعي أن الدولة تملك تقييد هذه الحريات الشخصية ببعض القيود لصالح الجماعة، وبخاصة عندما تطغى الأنانية الفردية، ويعم الفساد، وتفسد الذمم، وتضعف الضمائر، ففي هذه الحالة تملك السلطة الشرعية العادلة أن تتّخذ من الإجراءات والقيود ما يدفع الأخطار، ويوفر الأمن، ويحقق مصلحة المجتمع.
الحرية الفكرية
ثانيًا: الحرية الفكرية:
ويقصد بهذه الحرية في الفكر الدستوري الحديث:
- حرية العقيدة.
- وحرية الرأي والتفكير.
- وحرية التعليم والتعلم.
وفي النظام الإسلامي تُعتبر الحرية الفكرية بمشتملاتها المختلفة، من أهم الحريات التي تتوقف عليها حياة الإنسان كما أرادها له الخالق وإذا كانت الحريات الشخصية -التي أسلفت الحديث عنها- تحمي جانب المادي في الإنسان، فإن الحريات الفكرية تحمي الجوانب المعنوية، وهي أهم بالنسبة للإنسان من الجوانب المادية؛ ولذلك وردت الآيات صريحةً في كتاب الله تعالى تقرِّر حرية الإنسان الفكرية، وتحثّه على استعمال عقله الذي ميزه الله به عن سائر خلقه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ (سبأ: من الآية: ٤٦).
وقال : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: الآية: ١٣).
وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: الآية: ٥٠).
стр. 397
وغير ذلك كثير في آيات الكتاب العزيز يحض على التفكير في خلق الله، وينعي على تعطيل العقل عن وظائفه، واتباع الآباء، والتقليد الأعمى، وقد مارس سلفنا -معشر المسلمين- الحرية الفكرية كأعظم ما تكون؛ ولذلك أُثِرَ عنهم نتاج تفكيرهم في تلك العلوم النافعة المفيدة، ولعل أبرز مثال على ذلك تلك المدارس الفقهية المختلفة، التي تقرّرت في الفقه الإسلامي وفقًا للقواعد والأصول المسلَّمة لدى أئمة المذاهب في الاستنباط، وسوف نذكر مشتملات هذه الحرية الفكرية على التقسيم المعمول به في الفقه الدستوري الحديث؛ لنعرف ما جاء في النظام الإسلامي بهذا الشأن:
١ - حرية العقيدة:
ويقصد بها في الفقه الدستوري الوضعي حرية الشخص في أن يعتنق الدين، أو المبدأ الذي يريده، وحريته في ألا يعتنق الدين أو المبدأ الذي يريده، وحريته في أن يمارس شعائر ذلك الدين، سواء في الخفاء أو علانية، وحريته في ألا يعتقد بأيّ دين، وحريته في ألا يفرض عليه دين معين، أو أن يجبر على مباشرة المظاهر الخارجية، أو الاشتراك في الطقوس المختلفة للدين، وحريته في تغيير دينه. كل هذا في حدود النظام العام والآداب، هذا بالنسبة للقوانين الوضعية وتفسيرها لحرية العقيدة.
وفي الواقع لم تصل الإنسانية إلى تقرير هذه الحرية إلا منذ عهد قريب؛ فكثيرًا ما كان الأفراد يجبرون على اعتناق عقائد معينة، ولا نزال نجد إلى اليوم أن حريّة العقيدة غير متوافرة في كثير من الدول المعاصرة؛ إذ يجبَر كثيرٌ من الأفراد على ترك دينهم، أو لا يسمح لهم بإقامة شعائرهم الدينية، ويلاقون كثيرًا من العنف والاضطهاد؛ بسبب حفاظهم على عقائدهم التي يؤمنون بها.
стр. 398
أما النظام السياسي الإسلامي فهو يعلن منذ نشأته عن الحرية الدينية أو حرية العقيدة، كما قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٥٦).
وقال تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ : ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: الآية ٩٩).
قال الشوكاني في تفسيره: أي ليس ذلك في وسعك يا محمد، ولا داخل تحت قدرتك، وفي هذا تسلية له ﷺ ودفع لما يضيق به صدره من طلب صلاح الكل، الذي لو كان لم يكن صلاحًا محققًا، بل يكون إلى الفساد أقرب لحكمة يعلمها الحق ﵎ فليس في الإسلام إكراه لأحد على تبديل عقيدته واعتناق الإسلام بدلا عنها، حقًّا في الإسلام دعوة إلى الدين كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: الآية: ١٢٥).
ولكن الدعوة شيء والإكراه على الدخول في الدين شيء آخر، فالمقرر في الإسلام أن نتركهم وما يدينون، فلا تتعرض الدولة الإسلامية لغير المسلم في عقيدته وعبادته، ومن المقرر في النظام الإسلامي مشروعية القتال للدفاع عن حرية العقيدة؛ نظرًا لأن المشركين كانوا يقفون للمسلمين بالمرصاد، فيمنعونهم من ممارسة شعائرهم، ويضطهدونهم بسبب ذلك، كما قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٣٩، ٤٠).
وإذا رجعنا إلى تاريخ أهل الذمة الذين كانوا يعيشون في كنف الدولة الإسلامية؛ لوجدنا أنهم كانوا يعامَلون معاملةً كريمةً لا اضطهاد فيها ولا إكراه، وكثيرًا ما
стр. 399
كان الخلفاء المسلمون يقرّبونهم إليهم في كثير من الأمور، ويحسنون معاملتهم، ويسندون إليهم مناصب هامّةً في الدولة، حتى إن الخليفة هارون بن الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة "يوحنا بن ماسويه" وهذا دليل على أنهم كانوا يعامَلون معاملةً طيبةً؛ وبناء على ذلك فما يوجد أحيانا من اضطهاد لغير المسلمين، أو معاملتهم بغير كرم، يعتبر تجاوزًا لأحكام الإسلام وخروجًا عليها، وهو يرجع في المقام الأول لأسباب سياسية لا دينية؛ لأن أوربا المسيحية نفسها هي التي بدأت واستثارت حفيظة المسلمين منذ تلك الحروب المدمرة، التي نظمتها تحت راية الصليب، وانتهكت بها حرمة المسلمين ومقدساتهم.
تبقى مسألة مهمة يجب أن نعالجها في هذا المقام، وهي تجريم الردة عن الإسلام، وتقرير عقوبة بشأنها؛ مما حمل بعض أعداء الإسلام على اتهامه بالتعصب:
وفي الواقع إن حرية العقيدة كمبدأ مقرّر في الإسلام منذ نشأته -كما سبق أن ذكرنا- ولا إكراه على الدخول في الدين بنص القرآن، ولكن حينما يدخل بعض الناس في الدين خداعًا ويخرجون منه ضرارًا، فماذا ينتظر من الإسلام؟ ماذا ينتظر منه أن يفعل مع هؤلاء إلا أن يضرب على أيديهم؟ وإلا فقد رأينا أن الإسلام يكفل للذميين وغيرهم في دولته ممن يختارون الإقامة في كنف المسلمين، يكفلونهم مستوًى رائعًا من الحقوق؛ بحيث يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، فلماذا إذن يتركون دينهم ويدخلون في الإسلام ثم يخرجون منه بعد ذلك؟! إن المنطق يفرض بطبيعة الحال أن يكون الغرض من وراء ذلك هو إحداث الفتنة بين المسلمين، والإساءة إلى دولتهم ودينهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران: الآية: ٧٢).
стр. 400
قال ابن عباس في معناها: كانوا يكونون معهم في أول النار، ويجالسونهم، ويكلمونهم، فإذا أمسوا وحضرت الصلاة كفروا به وتركوه.
فهل يقف الإسلام مغلول اليدين ويسمح لأعدائه باسم حرية العقيدة التي أرساها هو وأساءوا هم استعمالها؟
هل يسمح لهم بذلك: أن يسيئوا إليه، ويهينوا عقيدته، ويحتالوا على شريعته، ويوقع الفتنة بين أتباعه؟!
لذلك تقرر في النظام الإسلامي عقوبة الردة، وأنها القتل بعد الاستتابة؛ دفعًا لما يلحق الجماعة الإسلامية من الضرر بسببها، ولقد تأسست هذه العقوبة في النظام الإسلامي على أساس أن المرتدّ بخروجه عن الإسلام يخل بالتزام كان قد رتبه على نفسه، مختارًا مريدًا، ويسيء إلى الدولة في عقيدتها ونظامها؛ ولذلك يستوجب القتل جزاء الإخلال بهذا الالتزام، كما هو مقرّر في الشرائع السماوية والوضعية على حد سواء، وإذا كان أعداء الإسلام يتهمون المسلمين بالتعصب الديني، فإن التاريخ المدون والثابت يؤكد لنا بشكل قاطع أن غير المسلمين كانوا يعامَلون في الدولة الإسلامية أكرم معاملة، ويعترف لهم بحقوقهم، فتصان حرياتهم الدينية والفكرية، في الوقت الذي كانت فيه أوربا المسيحية في الأندلس تذيق المسلمين ألوان العذاب، وتضطهدهم بأبشع أنواع الاضطهاد، وتحملهم على ترك دينهم والدخول في النصرانية، وتعذّب بأقصى ألوان التعذيب مَن يتأبّى عليها فيبقى على إسلامه؛ حتى استحالت بلاد -أي تحولت- بلاد الأندلس في فترة وجيزة تحت سياط التعذيب والبطش المسيحي، تحولت بلادًا مسيحيةً لم يبقَ فيها من المسلمين أحد ولم، يحدث إطلاقًا أن أكره المسلمون أحدًا على ترك دينه، أو اضطهدوه بسبب عقيدته، وكيف يكون ذلك والله تعالى يقول: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي
стр. 401
الدِّينِ﴾ قال ابن كثير في تفسيره: أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام؛ فإنه بين، واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا تحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونوّر بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره؛ فإنه لا يفيده الدخول في الدين مُكرهًا مقصورًا.
وقال بعض المفسرين: أي لم يجد الله تعالى أمر الإيمان على الإجبار والقصر، ولكن على التمكين والاختيار ونحوه، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي لو شاء لقصرهم على الإيمان، ولكن لم يفعل وبنى الأمر على الاختيار.
٢ - حرية الرأي والتفكير:
من المقرر في النظام الإسلامي أن أعظم ما يتميّز به الإنسان عن سائر المخلوقات هو العقل؛ ولذلك نجد القرآن الكريم يشجّع الناس على إعمال العقل باستمرار؛ ليقودهم إلى الحق والصواب، ففي آيات القرآن كثيرًا ما ترد عبارات: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ (العنكبوت: من الآية: ٣٥) ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: من الآية: ٢١) ﴿يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٣٠) ﴿يَتَدَبَّرُونَ﴾ (النساء: من الآية: ٨٢) ﴿يَفْقَهُونَ﴾ (الأنعام: من الآية: ٦٥) ﴿لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَاب﴾ (الزمر: من الآية: ٢١).
والقرآن الكريم بذلك إنما يريد أن يقيم حياة الإنسان دائمًا على أساس من العلم والمعرفة، القائمة على النظر والاستنباط، والتفكير في مخلوقات الله في السماوات والأرض؛ ولذا فحرية التفكير للإنسان مكفولة في الإسلام منذ نشأته، ما دام يعتصم بسياج الدين والشرع دائمًا، وصحيح أن هذا الحق كان مكفولًا دائمًا للإنسان في القرنين الأول والثاني من الهجرة، وهو إن كان قد تعرض بعد ذلك
стр. 402
لبعض أنواع الاضطهاد، وخصوصًا في عصر العباسيين؛ حيث اضطهد الإمام أحمد بن حنبل بسبب مخالفته المأمون في مسألة خلق القرآن، واضطهد الإمام مالك في عهد أبي جعفر المنصور؛ بسبب فتواه بعدم صحة بيع المكره، واضطهد الإمام أبو حنيفة؛ لعدم توليه القضاء، واضطهد ابن رشد وابن حزم ... وغيرهما، ولكن على كل حال لم يكن هذا الاضطهاد الفكري معبّرًا عن رأي الإسلام، فهو واقع مغلوط، أملته بعض الأهواء، ولا يصح أن يكون حجةً على الإسلام.
ومن الأمور التي مُنِيَتْ بها حرية التفكير في النظام الإسلامي، وبخاصة في المجال الفقهي: إغلاق باب الاجتهاد، ومنع العلماء من ممارسته، وكان هذا كالمقدّمة لفترة الجمود التي عانى منها الفكر الإسلامي بعد القرن السادس الهجري؛ حيث اقتَصر عمل العلماء والفقهاء على مجرد ترديد أقوال السابقين، أو تخريجها، ووضع الحواشي عليها، دون أن يكلف الفقهاء أنفسهم معونة البحث والنظر لاستنباط أحكام الوقائع المستحدثة؛ ولذا فمن اللّائق أن تمارس الحرية الفكرية، ولاسيما في المجال الفقهي، لكل من يقدر على ذلك؛ ليستطيع الفكر الإسلامي أن يواكب الأحداث المتطورة، لكن يجب دائمًا ألا يتصدّى للاجتهاد إلا من توافرت فيه الشروط الشرعية المعروفة في الوصول؛ لئلا ينفتح المجال أمام الجهلة للعبث بأحكام الشريعة.
ولكن حرية الرأي في النظام الإسلامي يجب أن تكون مقيدةً بما يلي:
أ- أن يكون القصد من ذلك النصيحة لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، كما صحت بذلك السنة؛ ففي الحديث الشريف: ((الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم)).
أما أن يكون إبداء الرأي لمجرد التشهير بالحكام، والإساءة إليهم، والانتقام منهم، وحمل الناس على التجرؤ عليهم ... ونحو ذلك من الأغراض غير الصحيحة، التي
стр. 403
لا يراد بها وجه الله تعالى، ولا الخير للمنصوح، ولا تحقيق المصلحة العامة، فذلك شيء ليس من الدين، بل هو وقوع في أعراض الناس قد حرّمه الدين وحذر منه.
أيضًا يجب باستمرار أن نلتمس العذر للمخالف فيما هو مجال للاختلاف؛ لأن رأينا ليس أولى من رأيه، ما دامت المسألة اجتهادية؛ وبناء عليه فليس من الإسلام أيضًا حمل الناس وقصرهم على اتباع بعض الآراء والمعتقدات الشخصية، فلا إلزام إلا بحكم الشرع، ولا يستطيع أي فرد كائنًا من كان أن يلزم برأيه إذا كان على خلاف حكم الشرع. فلينتبه لهذا؛ فإنه من المزالق التي يقع فيها بعض الناس أحيانًا بحسن النية.
أيضًا يجب أن يكون المرء وهو يبدي رأيه دائما متخلقًا بأخلاق الإسلام وآدابه، فلا يخوض في أعراض الناس، ولا يسبهم، أو يلصق النقائص بهم، بحجة حريته في إبداء رأيه، فالإنسان حرّ دائمًا ما لم تتحول حريته إلى فساد وإضرار؛ لتكون الحرية بنّاءة؛ ليترتب عليها أثرها، ولا تنقلب الأمور إلى فوق.
٣ - حرية التعليم والتعلم:
يقصد بهذه الحرية في الفقه الدستوري والسياسي الحديث: حق الفرد في أن يلقِّن العلم للآخرين، وحقّه في أن يتلقى قدرًا من التعليم، وحقه في أن يختار من المعلمين من يشاء، وفي النظام الإسلامي حثّ الإسلام على العلم، ورغّب فيه، ودعا إليه، فقال : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: من الآية: ٩).
قال المفسرون: أي الذين يعلمون أن ما وعد الله به من البعث والثواب والعقاب حقّ، والذين لا يعلمون ذلك، أو الذين يعلمون من أنزل الله على رسله والذين لا يعلمون ذلك. أو المراد العلماء والجهّال. ومعلوم عند كل من له عقل أنه لا استواء بين العلم والجهل، ولا بين العالم والجاهل.
стр. 404
ويقول : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: من الآية: ٢٨) ومعناه: إنما يخشاه سبحانه بالغيب العالمون به، وبما يليق من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة، فالعلماء هم أهل خشيته وتعظيم قدرته.
وفي السنة ما يؤكد ذلك أيضًا؛ فقد قال ﷺ : ((ما سلك رجل طريقًا يبتغي فيه العلم إلا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة)) وقال ﷺ : ((فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب)).
وقد جعل الإسلام من العلم أحيانًا مطلوبًا شرعيًّا، وليس مجرد حق يصح للإنسان أن يتركه، فقال : ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: من الآية: ١٢٢).
ولقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية ليست من بقية أحكام الجهاد، وإنما هي حكم مستقل بنفسه في مشروعية الخروج لطلب العلم، والتفقه في الدين، جعله الله تعالى متّصلًا بما دلّ على إيجاب الخروج للجهاد، فيكون السفر نوعين:
الأول: سفر الجهاد.
والثاني: السفر لطلب العلم.
ولا شك أن وجود الخروج لطلب العلم، إنما يكون إذا لم يجد الطالب مَن يتعلم منه في الحضر من غير سفر، والفقه إنما هو العلم بالأحكام الشرعية.
أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣ - تابع الحقوق والحريات في النظام الإسلامي وبعض قواعد النظام السياسي في الإسلام
تابع: الحقوق والحريات الفردية في النظام الإسلامي: حرية التجمع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
نتحدث الآن عن حرية التجمع فنقول:
تشمل هذه الحريات في الفقه السياسي والدستوري الوضعي:
- حرية الاجتماعات.
стр. 405
- وحرية تأليف الجمعيات.
ويقصد بحرية الاجتماعات: حق الأفراد في أن يتجمعوا في مكان ما فترة من الوقت؛ ليعبروا عن آرائهم سواء في صورة خطب، أو ندوات، أو محاضرات، أو مناقشات جدلية ... إلى آخره.
أما حريّة تكوين الجمعيات فيقصد بها: تشكيل جماعاتٍ منظمةٍ لها وجود مستمر، تستهدف غاياتٍ محددةً، ويكون لها نشاط مرسوم مقدمًا، وتتضمن هذه الحرية أن يكون للشخص حرية الانضمام إلى ما يشاء من الجمعيات، ما دامت أغراضُها سليمةً، وعدم جواز إكراهه على الانضمام إلى جمعية بعينها، ولا مانع في النظام الإسلامي بطبيعة الحال من تقرير هذه الحريات للأفراد، ما دام هدفها لا يتعارض مع النظام العام؛ لكونه يصطدم بنصٍّ شرعيٍّ، أو قاعدة كلية في الشريعة، فإن كان التجمع لغرضٍ دينيٍّ، كأداء الجمعة، أو العيد، أو الصلاة في جماعة ... ونحو ذلك؛ فإنه يأخذ الغرض الذي يحصل من أجله، وإن كان التجمع لغرض غير معتبر شرعًا، كلعب القمار، أو التواطؤ على الشر ... ونحو ذلك، فإنه يكون حرامًا؛ لكونه يتعارض مع النظام العام الإسلامي -كما ذكرنا.
الحريات الاقتصادية
رابعًا: الحريات الاقتصادية:
وهذا في النظام الدستوري يقصد بها: حرية العمل والكسب، وحرية التملك، وإنما تقرّرت هذه الحريات للإنسان؛ لينطلق بكل جهده وطاقته للعمل البنّاء المثمر، الذي يعود نفعه عليه وعلى مجتمعه الذي يعيش فيه:
стр. 406
١ - حرية العمل والتكسب:
الإسلام دين العمل، دعا الناس إليه، وحثهم عليه، ولم يفرِّق بين عمل وآخر ما دام في إطار المشروعية، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (المُلك: ١٥).
فقد امتن على عباده بأن جعل لهم الأرض سهلة لينة يستقرون عليها، ولم يجعلها خشنة، بحيث يمتنع عليهم السكون فيها والمشي عليها، ثم رتّب على ذلك الأمر بالمشي في الأرض، على وجه الإباحة؛ ليأكل الإنسان مما رزقه الله وخلقه له في الأرض.
روي أن النبي ﷺ قال: ((إن الله يحب العبد المؤمن المحترف)) وقال ﷺ : ((ما أكل ابن آدم طعامًا خيرًا من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده)) وقوله ﵇: ((من بات كالًّا في طلب الحلال بات مغفورًا له)) قوله ﷺ : ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)).
وإذا كان الإسلام قد دعا الناس إلى العمل على هذا النحو، فإنه قد ترك لكل فرد مطلق الحرية في اختيار العمل الذي يناسبه؛ لأن الناس متفاوتون في ذلك، وما يصلح لفردٍ لا يصلح لآخر، ويجوز لأي فرد أن يختار لنفسه العمل الذي يعود نفعه عليه. ويجوز للدولة بطبيعة الحال أن تفرض من القيود على حرية الأفراد في اختيار أعمالهم ما تضمن به الحفاظ على المصلحة العامة في المجتمع، فتنظم الزراعة بغرض زراعة بعض المحاصيل التي تحقق الربح، فينتعش اقتصاد الدولة، أو تحتاج إليها الأمة في غذائها ... ونحو ذلك، ولها أن تمنع زراعة المحصولات المضرة بالمصلحة العامة، كزراعة الحشيش، والقات ... ونحو ذلك، ولها أن تنظم الصناعة على هذا النحو، وكذلك التجارة، وليس هذا فقط، بل على الدولة
стр. 407
للأفراد أن توفر لهم فرص العمل المناسبة، وتسهل لهم أسباب العيش الكريم، وتقضي على البطالة، وتقي المجتمع من شرورهم.
٢ - حرية التملك:
بينما نجد المذهب الفردي يطلق العنان للملكية الفردية، ويسمح للمالك بأن يتصرف في ملكه كيفما يشاء بغير قيد أو حد، ولو أدى ذلك إلى الإضرار بالآخرين، اعتمادًا على السلطة المطلقة التي يخولها حق الملكية لصاحبه، فإننا نجد في الطرف الآخر المقابل ذلك المذهب الجماعي الذي يلغي الملكية الفرية إلغاءً مطلقًا، ويعتبر القائم عليها مجرد موظف لدى الدولة يتصرف فيها تصرف الوكيل عن موكله.
أما في النظام الإسلامي فالموازنة حاصلة بين الملكية الفردية والملكية الجماعية؛ لأن الإسلام الذي أقرّ الملكية الفردية، واعترف بها بصريح نصوصه، قد وضع عليها من القيود والتحديدات لمصلحة الجماعة، فلا يجوز للملكية الفردية أن تنمو بشكل يلحق الضرر بالمصالح الجماعية، كالاحتكار، والغشّ، والاستغلال ... ونحو ذلك مما حرمه الإسلام، وجعله كالقيود التي يمكن أن تحد من حرية إطلاق المالك في ملكه، بالإضافة إلى الحقوق الأخرى التي جعلها للفقراء في مال الأغنياء.
أما فيما يتّصل بإقرار الإسلام للملكية الفردية، فهو أمر يكاد أن يكون معلومًا من الدين بالضرورة، ويتجلى ذلك في آيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، التي تنسب الملك إلى الإنسان، كقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ (محمد: الآية: ٣٦) وقوله : ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: الآية: ٢٤ - ٢٥).
стр. 408
في السنة قول الرسول ﷺ في خطبة الوداع: ((ألا إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، حتى تلقوا ربكم ليسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم)).
وأما إقرار الشريعة الإسلامية للملكية الجماعة، فإننا نجد أبرز مظاهره في المساجد، فهي ملك لله تعالى بنص القرآن الكريم: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ (الجن: من الآية: ١٨).
وإضافة الملك إلى الله تعني أنها ملك لجماعة المسلمين، يؤدون فيها عبادتهم وشعائرهم.
وكذلك يظهر معنى الملكية الجماعية في نظام الوقف، الذي هو قربة خاصة بالمسلمين، حيث تحتبس العين على ملك الله تعالى -أي لجماعة المسلمين- ويقتصر حق الموقوف عليهم على اجتناء الغلة أو الثمر فقط، دون التصرف في العين الموقوفة.
ويظهر معنى الملكية الجماعية أيضًا فيما حماه الرسول ﷺ من الأرض لخيل المسلمين الذين يحملون عليها حين يغزون في سبيل الله تعالى، وهذا هو شأن الفيء والغنائم قبل قسمتها في الناس.
وأما تقييد الشريعة في حق الملكية الفردية، بما يضمن لها أداء وظيفتها الاجتماعية، في نفع صاحبها وعدم الإضرار بالآخرين، فقد تكلفت الشريعة الإسلامية بهذه القيود، فإذا كانت الشريعة تقر حق الملكية إلا أن هذا الحق ليس مطلقًا، وإنما هو مقيد بقيود، هذه القيود تهدف ألا يخرج صاحب الملكية عن الحدود الشرعية، وأن يكون تصرفه وفق الحدود الشرعية.
стр. 409
الحقوق والحريات الاجتماعية في النظام الإسلامي
ثم نتكلم الآن عن الحقوق والحريات الاجتماعية في النظام الإسلامي فنقول:
بعد أن قامت الثورة الصناعية في أوربا في نهاية القرن الثامن عشر، وظهرت الرأسماليات الضخمة، وقامت المشروعات الكبرى، وبرز التفاوت بين طبقة الملاك وطبقة الأجراء، كان من اللازم أن تتدخل الدولة الحديثة؛ لتحمي العمال والضعفاء اقتصاديًّا تجاه الملاك وأرباب العمل، بما يضمن تحقيق مستوى معيشي كريم لهؤلاء العمال، وخصوصًا في فترات مرضهم، وعجزهم، وبطالتهم، وتطلق الدساتير الحديثة على هذه المجموعة من الحقوق اسم "الحقوق الاجتماعية" وقد حظيت هذه المجموعة من الحقوق بعناية الشارع الإسلامي منذ نشأة الإسلام، وقبل أن تعرفها الدساتير الحديثة بمئات السنين؛ وذلك لأن التشريع الإسلامي تشريعٌ متكاملٌ، يواكب الأحداث والمستجدات، فهو يشرع منذ ما يقرب من قرن ونصف من الزمان ما تهتدي إليه البشرية اليوم، وتتأسس قائمة الحقوق الاجتماعية في النظام الإسلامي على اعتبار أن المؤمنين جميعًا كالجسد الواحد، فيجب لذلك أن يكون مجتمعهم متآخيًا، متعاطفًا، متحابًّا، متراحمًا، تسوده العدالة الاجتماعية والاقتصادية، ويتعامل بالأخلاق والمثل، ويسوده الرباط الإيماني بين أفراده، ويكون مسئولًا أفرادًا ودولةً عن كل فرد فيه: يمرض، أو يجوع، أو يعرى، أو يعجز عن العمل، أو يقع عليه أي شيء من ظلم اقتصادي أو اجتماعي، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم، ما دام آدميًّا يقيم في دولة المسلمين.
وسوف نذكر فيما يلي بعض النماذج التي تحقق مجالات العدالة الاجتماعية في لنظام الإسلامي:
стр. 410
١ - كفالة الدولة للأفراد:
بمعنى أن يجد الفرد ضمانًا عامًّا من الدولة عند الفقر أو المرض، فلا يهلك فرد في دولة المسلمين، وهم ينظرون إليه ويعرفون حاجته وعوزه؛ لأن ذلك يتنافى مع غرض الشارع الذي يجعل المؤمنين كالجسد الواحد -كما ذكرنا- والذي يحث على التعاون على البر والتقوى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية: ٢).
وقد ذكر الله تعالى في "سورة البقرة" تفسيرًا لمعنى البر فقال -عز من قائل-: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: الآية: ٧٧).
وفي ذكر الله للزكاة بعد ما سبقها؛ ما يدل على أن الإيتاء الذي قبلها هو من باب التطوع؛ لأنه من المعلوم أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وفيها ما فيها من سد حاجة المحتاجين، وعوز المعوزين، فلو أن الناس جميعًا أدوا ما عليهم من الزكاة؛ فإنه لا يكون في مجتمع المسلمين من يتضرر من الجوع، أو يكتوي بنيران العوز والحاجة، فما بالك لو تطوعوا وعملوا في تحقيق البر؟!.
وفي السنة أيضًا نصوص كثيرة تؤكد على هذا المعنى، وتحث المسلمين على التعاطف والتراحم فيما بينهم، كقول الرسول ﷺ : ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار)) وقوله ﷺ : ((من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له)).
стр. 411
وإذا كان هذا هو قصد الشارع الإسلامي في مجتمع المسلمين، فإن الأمة أفرادًا ودولةً مسئولة أمام الله عن تحقيق هذا القصد؛ إذ أن الدولة في الإسلام إنما تمثّل الأمة وتنوب عنها؛ فيجب عليها القيام بما أرشدت إليه الشريعة، من وجوب التراحم والتعاطف بين أبناء المجتمع، الذي يجب أن يكون كالجسد الواحد.
غير أنه تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الدولة وهي تكفل هذا الحق للأفراد، يجب دائمًا ألا تشجع على التسكع، أو البطالة، أو التسول، بل يجب عليها دائمًا أن توفّر فرص العمل للقادرين عليه؛ فذلك أفضل من إعاشتهم، وجعلهم عالةً على بيت المال إذا كانوا قادرين على العمل، ولكن إذا تعذّر على الفرد سدّ حاجاته بنفسه، بسبب من الشيخوخة، أو العجز، أو المرض؛ فإنه في هذه الحالة تجب إعانته والإنفاق عليه، سواء من أقاربه الذين تلزمهم نفقته شرعًا، أو من بيت مال المسلمين، ويجوز الإنفاق على الفقراء من مال الزكاة، فإذا لم يفِ كل ذلك بحاجات الفقراء، فقد نصّ بعض الفقهاء على أنه يجب على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكاة بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه، ومن لباس للشتاء والصيف في مثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر، والصيف، والشمس، وعيون المرض.
فمن كل ما تقدم يمكننا أن نرى: كيف أن الإسلام عمل على تمكين الأفراد من التمتع بحقهم الاجتماعي في كفالة الدولة لهم، ولاسيما في حالات العجز والعوز؛ وبذلك يسمو هذا الحق في النظام الإسلامي على ما هو مقرّر في القوانين الوضعية، من مجرد كفالة الدولة لحق العمل، الذي يشكل قمّة الحقوق الاجتماعية في فقه القانون الدستوري.
стр. 412
سلطة الأمة في الرقابة على الحكام
ننتقل الآن إلى قاعدة أخرى من قواعد النظام السياسي في الإسلام، وهي سلطة الأمة في الرقابة على الحكام، فنقول:
لم تكتفِ الشريعة الإسلامية بنصوص أو بتقرير قاعدة الشورى كضمانة من الضمانات الأساسية، التي تتمتع بها وتلتزم بها أيضًا الأمة في الدولة الإسلامية؛ للحيلولة دون استبداد الهيئات الحاكمة للسلطة، أو انحرافها عن المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي، أو إساءة استخدامها، وإنما قررت قاعدةً أخرى لا تقل في أهميتها، وخطورتها، وضرورة كفالتها، عن قاعدة الشورى، وتتمثل هذه القاعدة في حق الأمة الإسلامية في ممارسة الرقابة على أعمال وتصرفات حكّامها، وقد سبق أن رأينا في نطاق السلطات التي تتمتع بها السلطة العامة، أنها تملك سلطاتٍ تقديريةً واسعةً، ومن شأن ممارستها لهذه السلطات أن تعدم كل تأثير وفاعلية لأي قاعدة قانونية موجودة سلفًا، يكون القصد من تقريرها الحد من استبدادها بالسلطة، أو منعها من مخالفة القانون الإسلامي إذا لم يصاحب هذه القاعدة رقابةٌ دائمةٌ ومستمرةٌ على السلطات المختلفة التي تمارسها الهيئات الحاكمة، وعلى الخليفة في الدولة الإسلامية.
والرقابة الهدف منها هو تحقيق وكفالة الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، وآدابها العامة، أي تحقيق تسيد الشريعة الإسلامية، والعمل على التمسك بأهدافها، سواء كان ذلك من الحكام أو المحكومين؛ لأن هذا الواجب من الواجبات المتبادلة بين الأمة من ناحية، والسلطات المختلفة من ناحية أخرى، وقد بحث الفقهاء الرقابة تحت اصطلاح "الحِسْبَة" وسمي من يمارس هذه الرقابة بـ"المُحْتَسِب" سواء كان ممثلًا للسلطة العامة، أو واحدًا من آحاد المسلمين، أو كانت الجماعة الإسلامية.
стр. 413
الدرس: ١٠ الإمامة .
стр. 414
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(الإمامة)
١ - تابع الحقوق والحريات في النظام الإسلامي وبعض قواعد النظام السياسي في الإسلام
مسئولية الحاكم أمام الأمة الإسلامية "مشروعية المسئولية "
ونتحدث الآن عن أساس مشروعية واجب الأمة في الرقابة، فنقول:
قد تضافرت النصوص في الفقه الإسلامي على تأكيد واجب الأمة، وسلطتها في الرقابة على الحكام، كما أن الإجماع انعقد على وجوب هذا الإلزام، فوق أن التطبيق العملي في عهد الخلفاء الراشدين الأول قد كفل هذا الحق، ومن هذه النصوص وتلك التطبيقات يستبين لنا بجلاء ووضوح:
أن حق الأمة في الرقابة على الحكام ليس حقًّا للأمة الإسلامية، تملك الحرية في أن تمارسه أو لا تمارسه، كما أنه ليس مندوبًا يحسن إتيانه وعدم تركه، وإنما هو من الفروض الحتمية، أي أن الرقابة على السلطات إنما هو من الفروض الحتمية التي تتعلق بأصول الإيمان، وليس للأمة الإسلامية أن تتخلّى عنه أو تتهاون فيه، وهذا نجد أثره أو نجد سنده في القرآن الكريم، فيقول الله ﵎: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: الآية: ١٠٤).
ويقول الله ﵎ على لسان لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (لقمان: الآية: ١٧).
ويقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران: من الآية: ١١٠).
ويقول سبحانه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ
стр. 415
وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: ١١٣ - ١١٥).
وأيضًا لو رجعنا إلى السنة النبوية، فسنجد أن الفقهاء ذكروا أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ توجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من ذلك قوله ﷺ : ((من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر؛ فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسوله، وخليفة كتابه)).
وقوله ﷺ : ((يا أيها الناس، إن الله يقول: لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، قبل أن تدعو فلا يستجاب لكم)).
ويقول ﷺ : ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)).
ويقول ﷺ : ((إن الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة، حتى يرى المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه)).
وقد أجمع الفقهاء على وجوب كفالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يخالف في ذلك أحد.
وإلى جانب النصوص التي أوجبت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي ذكرناها من الكتاب ومن السنة، والتي نستدل منها على تقرير الشريعة الإسلامية لسلطة الأمة في الرقابة على أعمال السلطات الحاكمة، فإن التطبيق العملي في عهد الخلافة الراشدة قد كفل هذا الوجه:
فهذا أبو بكر ﵁ يؤكّد حق الأمة في الرقابة عليه، ومساءلته بصورة قاطعة وواضحة، فيقول ﵁: "أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم،
стр. 416
فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدِّدوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم".
ويقول ﵁: "إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني".
وكما نهج أبو بكر في الاعتراف للأمة بسلطة الرقابة على الخليفة إذا حاد عن الحق، أو خالف القانون الإسلامي، كذلك نهج عمر ﵁ فقد اعترف بحق الأمة في ممارسة الرقابة عليه، وفي هذا النطاق يروى عنه ﵁: "ألا إن رأيتم في اعوجاجًا فقوموني" وقد ردّ عليه أحد المسلمين قائلا له: "والله، لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا" ويعقب عمر على ذلك بقوله: "الحمد لله الذي وجد في المسلمين من يقوم عمر بحد السيف".
كما أن عمر يشجع الأمة في ممارسة الرقابة على الحكام، فيقرر أن أحب الناس إليه من رفع إليه عيوبه، وقد قال له أحد المسلمين: "اتق الله يا أمير المؤمنين" وحينما اعترض أحد الجالسين على ما يقوله ذلك الرجل لأعظم وأعدل خليفة معترضًا عليه قائلا: "أتقول لأمير المؤمنين: اتق الله؟! " عندئذٍ نهر عمر هذا الرجل، وقال له: "نَعَم، نِعم ما قال؛ لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها" وكان عمر يعتبر نفسه كأي واحد من الرعية، إلا أنه يختلف عنهم في عظم مسئوليته، وأنه أكثرهم عبئًا، وإذا تكلم أحد الرعية معه في مسألة من المسائل، أو سلك العمر مسلكًا، توهم البعض مخالفته للشريعة، فإنه يفسح صدره لأي نقد أو محاسبة له من آحاد المسلمين.
ويروى أن عمر بن الخطاب جاءته برود -نوع من الملابس- من اليمن، فوزعها بالتساوي على المسلمين، وحصل كل واحد من المسلمين على بردية منها، وأخذ
стр. 417
عمر بنصيبه أيضًا من هذه البرود كأي واحد من المسلمين، ولما لبس عمر قميصَه وصعد على المنبر يدعو الناس إلى الجهاد، ويطلب منهم السمع والطاعة، فقام إليه أحد المسلمين وقال: "لا سمع ولا طاعة" قال عمر: لم ذلك؟ قال: "لأنك استأثرت علينا" قال عمر: بأي شيء استأثرت؟ قال: "إن الأبراد اليمنية -يعني الملابس التي جاءتنا ووزعتها- لمّا فرّقتها حصل كل واحد من المسلمين على برد منها، وكذلك حصل لك -يعني أنت أخذت أيضًا مثلنا- لكن البرد الواحد لا يكفيك ثوبًا، ونراك قد فصلته قميصًا تامًّا، وأنت رجل طويل، فلو لم تكن قد أخذت أكثر منه لما جاءك منه قميص. فكأن هذا الرجل يعترض على عمر بن الخطاب ويقول له: أنت أخذت مثلنا قميص، كل واحد وزعت عليه قميص، والمفروض أنك أخذت قميص مثلنا، لكن القميص الذي أخذته لا يكفيك: فكيف لبسته الآن؟ معنى ذلك أنك أخذت أكثر منا، يتهم عمر بن الخطاب بذلك، وهو فرد من آحاد المسلمين، وهنا التفت عمر إلى ابنه عبد الله، وقال: يا عبد الله، أجبه عن كلامه. يعني رد على هذا الذي يتهمني أنني أخذت من الأقمشة أكثر منه وأكثر من المسلمين. يا عبد الله، أجبه عن كلامه. فقام عبد الله وقال: إن أمير المؤمنين عمر لمّا أراد تفصيل بردٍ لم يكفِه فناولته من بردي ما تممه به. يعني أنا أعطيت والدي عمر جزءًا من البرد الذي يخصني؛ ولذلك أصبح قميصًا كاملًا له. وهنا قال الرجل: أما الآن فالسمع والطاعة.
فالمسلمون قد مارسوا كل مظاهر الرقابة، ولقد اعترف عثمان بنفسه بحق المسلمين في ذلك -كما رأينا قبل ذلك- ولقد كان من نتيجة إعمال هذه الرقابة من علماء الأمة؛ أن تعرض الكثير منهم للقتل والتعذيب، ولم يكن القتل إلا نتيجة ممارستهم لواجب الرقابة، وما يقومون به من أقوال، وما يمارسونه من واجبات حتمها عليهم الشارع، يعني هذا العمل -وهو الرقابة على السلطات الحاكمة-
стр. 418
نقول: لم يتوانَ المسلمون عن القيام بها، على الرغم من أن قيامهم بواجب الرقابة كان يعود عليهم بالضرر، فقد قتل بعضهم بسبب هذه الرقابة، وبسبب اعتراضه على أفعال الحاكمين المخالفة للشرع، وحبس بعضهم، وضرب بعضهم، لكن مع ذلك لم يمتنعوا عن ممارسة هذه الرقابة؛ على أساس أن هذه الرقابة إنما هي من الأمور الواجبة عليهم.
وهنا نريد أن نتحدث عن -يعني- شروط من يمارس الرقابة، يعني إذن قلنا بأن الرقابة إنما هي من الأمور الواجبة على المسلمين، لكن: هل هناك من شروط في الذي يمارس هذه الرقابة؟
نعم؛ لابد من شروط في الذي يمارس هذه الرقابة، فاشترط الفقهاء في المحتسب، أو الذي يقوم بالرقابة، عدة شروط، منها:
- الإسلام:
يعني لا بد وأن يكون مسلمًا، هذا الفرض إنما هو من الفروض الدينية التي أوجبها الشارع على المسلم؛ بهدف إعلاء شعائر الإسلام، وتطبيق أحكامه، وتجنب ما نهى عنه؛ ومن ثم فلا يجوز لغير المسلم ممارسته. يعني واجب الرقابة إنما هو شعار من شعار الإسلام، وما دام هو من شعار الإسلام فالمعلوم أنه لا يقوم بذلك ولا يحافظ على هذه الشعائر إلا مسلم؛ ولذلك يشترط في المحتسب أو الذي يقوم بالرقابة أن يكون مسلمًا.
الشرط الثاني: البلوغ والعقل:
يتحتم أن يتوفر فيمن يقوم بواجب الرقابة أن يكون بالغًا عاقلًا، وهذا شرط بدهي؛ لأن غير البالغ أو العاقل لا يلزمهما أمرٌ ولا نهيٌ؛ لقوله ﷺ : ((رفع
стр. 419
القلم عن ثلاثة (ذكر منهم): الصبي حتى يبلغ أو يحتلم، والمجنون حتى يفيق)) فهؤلاء غير مسئولين؛ ولذلك لا يتوجه إليهم واجب الأمر بالرقابة.
- الشرط الآخر من شروط من يمارس الرقابة: العدالة:
وشرط العدالة هو مما اختلفت حوله وجهات نظر الفقهاء:
فالبعض يرى ضرورة أن يتوفر فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هذا الشرط، يعني بعض الفقهاء يقولون أنه لا بد وأن تتوفر العدالة فيمن يمارس الرقابة؛ ومن ثم يجب أن يكون المحتسب أو الذي يقوم بالرقابة متنزهًا عمّا نهى عنه الشارع غير متلطخ به، وهو ما تدل عليه النصوص في القرآن والسنة، أما من حيث النصوص التي توجب ذلك في القرآن كقوله : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ٤٤) وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: ٢ - ٣).
هذه هي الآيات التي تدل على أن الذي يمارس الرقابة أو المحتسب، يجب عليه أن يكون عدلًا، بمعنى ألا يكون قد أتى هذا المنكر الذي يريد أن ينهى عنه.
أما الاتجاه الثاني من العلماء فيرى عدم اشتراط هذا الشرط، يعني بعض الفقهاء لا يشترطون في المحتسب أن يكون عدلًا، ويقرر الشيخ الغزالي بأن كل ما ذكروه خيالات، فالفاسق له الحق في ممارسة هذا الواجب؛ لأن حرمانه من هذا الحق، وعدم تسويغ ممارسته من الفاسق، يعني أن من يمارسه لا بد وأن يكون معصومًا من المعاصي، ولو قيل ذلك؛ فإن هذا القول مخالف للإجماع الذي انعقد على عدم العصمة؛ فالصحابة غير معصومين، كما أن الأنبياء قد اختلف في عصمتهم، إلى جانب أن النصوص عامّة توجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الفاسق والعدل.
стр. 420
إذن المسألة خلافية -كما قلنا- بعض الفقهاء يقولون بأنه يشترط في المحتسب أو الذي يقوم بالرقابة أن يكون عدلًا، واستدلوا بالآيات التي ذكرناها ومنها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ وهذا ينطبق على غير العدل إذا أراد أن ينهي غيره عن ذنبه. ووجدنا الرأي الثاني، ومن أنصار هذا الرأي الإمام الغزالي، وقد ذكر ذلك بالتفصيل في كتابه (إحياء علوم الدين) وهو يبين أن واجب الرقابة أو أن المحتسب لا يشترط فيه العدالة ... لماذا؟ قال بأن النصوص جاءت عامةً، النصوص التي تطلب من المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إنما هي جاءت عامة، لم تميز بين فاسق وغير فاسق، لم تميز بين عدل وغير عدل، هذا بالإضافة إلى أننا لو اشترطنا فيه العدالة فمعنى ذلك أننا نشترط عصمته من الزلل ومن الخطأ، وهذا لم يقل به أحد.
نقول: يقرر الغزالي بأن الإجماع انعقد على وجوب الحسبة على كل مسلم، وقد ذهب إلى هذا الرأي أيضًا بعض الفقهاء؛ حيث يرون أنه لا يشترط في المحتسب أن يكون كامل الحال، ممتثلًا لما يأمر، مجتنبًا عما ينهي، بل عليه الأمر، وإن كان مخلًّا بما يأمر به، وفي هذه الحالة يجب على المحتسب أمران:
الأول: أن يأمر نفسه ابتداءً بالمعروف وينهاها عن إتيان المنكر.
الثاني: أن يأمر غيره وينهاه عن ذلك أيضًا.
إذا أخل بأحدهما فلا يستساغ القول بإهدار الواجب لآخر.
ويرى البعض أن الاتجاه الثاني، وهو القائل بأنه لا تشترط العدالة، يرى البعض أن هذا الاتجاه هو الصحيح؛ وذلك لقوة أدلته، وضعف أدلة الرأي الذي يشترط العدالة، كما يذهب هذا الرأي إلى أن الأدلة التي استدل بها أصحاب الاتجاه الأول لا تصلح حجة في عدم جواز قيام الفاسق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك لكون الآية الأولى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تنكر عليهم تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أنها لا تحول دون قيامهم به، يعني كأنهم يقولون: هذه الآية ليست صريحةً في منع الفاسق من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك الآية الثانية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا
стр. 421
تَفْعَلُونَ﴾ يقول: فالمراد به الوعد الكاذب، وليس المراد به أمر الغير وترك الفعل.
ونحن لا نسلم بالرأي الذي لا يشترط العدالة فيمن يقوم بالحسبة والرقابة، ووجهة نظرنا في الأخذ بالرأي الذي يشترط العدالة في من يقوم بهذا الواجب ما يأتي:
- أن الإمام الغزالي اعترض على عدم منح هذا الحق للفاسق؛ لأن المنع منه يؤدي إلى اشتراط العصمة فيمن يقوم بهذا الوجه. يعني الإمام الغزالي عندما قال: "لا تشترط العدالة" استدل على ذلك بأننا لو اشترطنا العدالة، فمعنى ذلك أننا نشترط فيه أن يكون معصومًا، وهذا لم يقل به أحد. ونرى أن ذلك غير صحيح؛ فاشتراط العدالة لا يعني مطلقًا أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر معصومًا عن الخطأ، فالعصمة من الخطأ شيء واشتراط العدالة شيء آخر، ولم يقل أحد من أصحاب الرأي الذي يشترط العدالة بضرورة أن يكون من يقوم بهذا الواجب معصومًا من الخطأ.
ثانيًا: أننا لو أجزنا منح هذا الحق -أي الرقابة على الناس وعلى السلطة الحاكمة- للفاسق، ليأمر غيره ممن هو كذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن هذا -فيما نرى- يؤدي إلى ضياع هذا الواجب كليةً، فإذا قام هذا الشخص بالأمر بمعروف هو لا يؤديه، أو بالنهي عن منكر هو متلطخ بفعله غير متنزه عنه؛ فإن كلًّا منهما -المحتسِب والمحتسَب عليه- يكون له الحق -لو سلمنا بهذا الرأي- في ممارسة تلك السلطة على الآخر، وكل منهما يكون محتسِبًا ومحتسَبًا عليه في آنٍ واحدٍ، والواجب قبل أن يمارس كل منهما هذه السلطة على الغير أن يكفّ هو أولًا عمّا نهى عنها الشارع، وأن يمتثل لأوامره؛ حتى يكون محلًّا للاقتداء
стр. 422
به. ليس معنى ذلك أننا نقول بأن المحتسب يجب أن يسلم من الخطأ كليةً؛ لأنه من المحال أن يكون كذلك؛ فالناس بشر، وكل بشر معرض للخطأ، إلا أننا نقول -كما قرر البعض- أنه يجب أن يكون المحتسب متجنبًا لما يُنتهى عنه، متنزهًا عن فعله؛ حتى لا يكون للغير الحق في ممارسة هذه السلطة عليه.
خلاصة هذا الرد على الغزالي الذي لا يشترط العدالة:
أننا لو أبحنا للفاسق أن يمارس هذه المهمة -وهي الرقابة- فمعنى ذلك إذا كان هو في حد ذاته إلى من يراقبه وينهاه عن الفعل الذي يرتكبه، فكيف يكون محتسِبًا ومحتسَبًا عليه في ذات الوقت؟ وكيف يقتدي به الغير؟ والشاعر يقول:
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتَأتيَ مِثلَهُ ... عارٌ عَلَيكَ إِذا فَعَلتُ عَظيمُ
فما دام هو لا يلتزم بأحكام الدين، ما دام هو غير عدل ... فكيف تكون لدعوته أي أثر بالنسبة لمن يدعوه إلى الخير؟
لا شك أنه لا يُقتدى به، ولا شك أن ذلك يكون عبثًا عندما نقرر له أن يمارس هذه الرقابة.
ثالثًا: أن الاحتجاج بعموم النصوص لمنح الفاسق هذا الحق أو تلك السلطة على الغير، لا ينهض دليلًا كافيًا لتقرير ذلك؛ ذلك أن هذا الواجب ككل الواجبات التي فرضتها الشريعة له شروط وله أركان، ومن شروطه فيما نرى أن يكون الشخص عدلًا، فإذا توفرت في القاعدة شروطها وأركانها فإنها تنطبق على كل من توفرت فيه، بحيث يخرج من نطاق تطبيقها من لم تتوفر فيه هذه الشروط والأركان، دون أن يكون ذلك مؤثِّرًا على كون القاعدة عامةً.
رابعا: أن هذا الواجب فيه معنى الولاية على الغير، الواجب -ونقصد به الرقابة- فيه معنى الولاية على الغير، وكأي ولاية يشترط فيمن يقوم عليها أن يكون عدلًا، والفاسق في رأي فقهاء الشافعية ومن تابعهم لا ولاية له ... فكيف يتسنى لنا منحه سلطة الولاية على الغير وهو نفسه محل لأن يمارِس الغيرُ عليه هذه السلطة؟!.
стр. 423
خامسًا: كما أننا لا نقبل تفسير النصوص التي استدل بها المشترطون للعدالة على أنها تعني أن العقاب كان نتيجة ترك المعروف وإتيان المنكر، دون أن تحول من قيامهم به؛ لأنه -كما سبق أن أكدنا- لا نسلم مطلقًا بأن يُعطى الحق لمن لا يكفله، والسلطة لمن هو واجب أن تمارَس السلطة عليه، وأن نجيز لشخص كفالة تطبيق القانون وهو الذي يخالف القانون وينتهكه.
سادسًا: وأن هذا الواجب، وقد ربطه الشارع بالإيمان، بل إنه ميزه بالتقديم على الإيمان لأهميته وضرورة كفالته في الأمة، فلهذا الواجب -وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- قدّمه الله ﵎ على الإيمان، وجعله من أوصاف المؤمنين الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، كما الصفة المميزة لهذه الأمة عن غيرها من الأمم غير الإسلامية؛ ومن ثم يحتِّم ذلك كله أن يكون من يمارس هذا الحق ممتثلًا لما يأمر به الشارع، متنزهًا عمّا ينهى عنه؛ فالإسلام كلٌّ لا يتجزأ، ولمن ينهي عن فعل فأولى به أن ينهي نفسه أولًا، ويكف عنه، وقبل أن يأمر الغير فأولى أن يبدأ بأمر نفسه.
الشرط الرابع من الشروط الواجب توافرها في الذي يمارس الحسبة أو يمارس الرقابة: القدرة:
يشترط فيمن يقوم بالرقابة الحسبة أن تتحقق لديه الاستطاعة والقدرة لممارسة هذا الواجب، على وجه لا يؤدي إلى فساد عظيم في نفسه، أو ماله، أو أهله، وقد بيّن الحديث الشريف نطاق القدرة البشرية على نحو يؤدّي إلى كفالة هذا الواجب واستحالة خروجه عن نطاق القدرة البشرية، عندما قال ﷺ : ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)).
فمن لا يستطيع الإنكار باليد فأمامه وسيلة تحقيق هذا الواجب بالإنكار بالقول، ومن لا يكون له في استطاعته الإنكار بالوسيلة الأخيرة فلا حسبة عليه باليد أو
стр. 424
اللسان؛ إذ يكون عاجزًا عن تحقيقها بهما، والعاجز غير مكلف بكفالة ما عجز عن تحقيقه، إلا أنه تبقى أمامه وسيلة أخرى هي الإنكار بالقلب، وهي دائمًا وأبدًا تدخل في نطاق الاستطاعة والقدرة البشرية؛ لارتباطها بشعور ووجدان المكلَّف، ولا مدخل لأي سلطة كانت على خلجات النفس وما يجول بالوجدان والضمير.
الشرط الخامس من الشروط التي يشترط توافرها فيمن يمارس الرقابة: العلم:
وشرط العلم يختلف وجوبه بحسب ما إذا كان الفعل مخالف للقانون ظاهرًا وواضحًا، فلا يحتاج الوقوف على مدى مخالفته للقانون إلى ضرورة توفر صفة المجتهد فيمن يقوم بأداء هذا الواجب، أو كان من دقائق الأفعال، ومما يتعلق بالاجتهاد؛ فيحتاج الوقوف على مخالفته للقانون إلى توفّر شروط الاجتهاد فيمن يقوم به. أي معنى الكلام: هل يشترط أن يكون الذي يمارس الرقابة عالمًا مجتهدًا أم لا؟
نقول: هذا يتوقف على نوع المخالفة، فإذا كانت هذه المخالفة واضحة تمامًا ففي هذه الحالة معنى ذلك أنه لا يشترط ذلك -أي لا يشترط الاجتهاد- أما إذا كانت تحتاج إلى فقه، وهي من الأمور المختلف فيها، ففي هذه الحالة تحتاج إلى العلم. فإذا كان الفعل من النوع الأول -وهو الواضح- فإن حق إنكاره ومقاومته يكون لآحاد المسلمين، كل واحد من الناس، يكون لآحاد المسلمين وخواصهم، ولا تتوقف ممارسته على أي شرط آخر، سوى شرط الإسلام، والبلوغ، والعقل، والعدالة، والقدرة، سواء كان هذا الشخص إمامًا، أو قاضيًا، أو فقيهًا، أو واحدًا من آحاد المسلمين.
стр. 425
أما إذا كان الفعل يقتضي الوقوف على مخالفته للقانون إلى توفّر شرط الاجتهاد لكونه من دقائق الأفعال والأقوال، فلا يكون للعامة الحق في الرقابة والإنكار على هذه الأعمال؛ لأنهم قد ينكرون فعلًا والأمر على خلاف ذلك، بل هذا الحق يُعطى فقط للفقهاء الذين يحيطون بالنصوص ومقاصد الشارع، وهؤلاء أيضًا سلطتهم في الإنكار تتوقف بحسب ما إذا كان الفعل قد أجمع على حكم محدد له، أو كان هذا الفعل من المسائل الخلافية بين الفقهاء.
الشرط السادس: الحصول على إذن سابق من السلطة العامة:
هذا الشرط من الشروط التي لم تتّفق حولها الآراء في الفقه الإسلامي، فيذهب رأي إلى أنه لا يجوز ممارسة هذا الواجب -أي سلطة الرقابة- إلا إذا أذنت السلطات العامة بممارسته، وحجة من قال بذلك أن إعمال هذا الحق يقتضي تقرير سلطة وولاية على المحكوم عليه؛ ومن ثم لا يجوز أن يُعطى هذا الحق أو يتقرر قيام المسلم بأداء هذا الالتزام، إلا إذا فوّضته السلطات العامة بذلك، ومما يقتضي الحصول على إذن مسبق من السلطات العامة عدم جواز القيام بهذا الواجب من الكافر على المسلم، مع كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حقًّا.
وقد ردّ الغزالي على من اشترط هذا الشرط، فهو بعد أن قرر أنه من الشروط الفاسدة؛ فإن النصوص في القرآن أو السنة دلّت على أن كل من رأى منكرًا أو سكت عن إنكاره، فإنه يخلّ بواجب حتّمت عليه النصوص إنكاره أينما رآه وكيفما رآه؛ لذلك فإن القول بهذا الشرط -ونقصد به الحصول على إذن من السلطات العامة- تحكّم لا أصل له من الشرع، ومن ناحية فإن عدم جواز منح غير المسلم هذا الحق أو القيام بهذا الالتزام، ترجع إلى أن غير المسلم لا يجوز له أن يمارس أي سلطة أو ولاية على المسلم، إلى
следующие страницы →