← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11313

السياسة الشرعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (825 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وننتقل بعد ذلك إلى الشرط العاشر من شروط الإمامة العظمى, أو الشروط التي يجب توافرها في رئيس الدولة, وهذا الشرط هو الكفاية النفسية, نقول: اختلفت تعابير العلماء في هذا الشرط, فبينما نجد البعض منهم يعبرون عن هذا الشرط بالشجاعة, نجد البعض الآخر عبر عنه بالكفاءة, وعلى كل حال فهذا الشرط سواء عُبر عنه بالشجاعة, أو جمع بينها وبين صحة الرأي وعبر عنهما بالكفاية قد اشترطه جمهور الفقهاء في الإمام, وعللوه -كما سبق- بأن من واجبات الإمام إقامة الحدود على مستحقيها, ولو كان جبانًا لأعجزه جبنه عن إقامتها, وحتى يمكنه اقتحام الحروب, وتجهيز الجيوش, إذن جمهور الفقهاء يرون شرط الشجاعة, أو الكفاية في الإمام الأعظم أو من يتولى الخلافة أو رياسة الدولة لماذا؟ قالوا: لأنه لو كان جبانًا لأصبح عاجزًا عن إقامة الحدود وإلا أصبح عاجز عن اقتحام الحروب وتجهيز الجيوش, وهذا من شأنه إلحاق الضرر بالدولة الإسلامية. وقد خالف بعض العلماء في ذلك فقالوا بعدم اشتراط صفة الشجاعة في الإمام معليين ذلك بأنه يندر اجتماع هذه الصفة مع الصفات الأخرى المطلوبة في الإمام, ويمكن تفويض مقتضيات الشجاعة -أي الأمور التي تقتضي كون الإمام شجاعًا من الاقتصاص, وإقامة الحدود, وقود الجيوش إلى العدو إلى غيره- يعني بعض الفقهاء أو بعض العلماء لم يشترط هذا الشرط, لم يشترط في الإمام أن يكون شجاعًا, بل يقولون بأنه يُكتفى بذلك بأن يفوض غيره في القيام بهذه الأمور, سواء بالنسبة لتنفيذ الأحكام, أو إقامة الحدود, أو قيادة الجيوش, وتجهيز الجيوش وغير ذلك, فهو يقولون: يُكفتى بذلك, يعني الإمام يفوض غيره في هذه الأمور التي تعتمد على الشجاعة, ولا يضر عدم وجود هذا الشرط عند الإمام, وهم يقولون بأنه قلما نجد هذا الشرط مع بقية الشروط الأخرى. والواقع أن اشتراط صفة الشجاعة في الإمام حتى يدافع عن حوزة المسلمين بالثبات في المعارك, وحتى لا يجبن عن إقامة الحدود على مستحقيها, كما علل بذلك بعض الفقهاء,

стр. 492

نقول: هذا أمر زائد عن الحاجة؛ إذ يكفي -في رأينا- أن يكون الإمام صائب الرأي بالمعنى الذي وضحناه آنفًا عند الكلام على شرط الرأي؛ حتى يفوض عنه أمور الحرب إلى القادة الأكفاء الذين يثق في مقدرتهم على القيام بما هو موكول إليهم من التخطيط للحرب وخوض المعارك, فمصالح الأمة قد تعددت وتنوعت وكل ناحية فيها تحتاج إلى متخصصين متفرغين للقيام بالواجب في شأنها, وإذا كان الأمر كذلك فباستطاعة الإمام أن يفوض إلى القادة المشهود لهم بالكفاءة ما يتصل بأمر الحرب من تجهيز الجيوش, وخوض المعارك وغير ذلك, وأن يفوض ما يتصل بالقصاص وإقامة الحدود إلى سلطات خاصة, كما هو متبع الآن في العقوبات, إذ تقوم بها وتشرف علي كل ما يتصل بها السلطات القضائية والتنفيذية في الدولة. ولكن ليس معنى ذلك جواز تولية من يعتريه الجبن أو ينتابه الخور عندما يصبح لزامًا عليه أن يقدم على إصدار أوامر تحتاج إلى رباطة الجأش, كإعلان الحرب على عدو مثلًا مع تحمل تبعاتها, بل إن هذا الوصف لو كان فيه لكان كافيًا لإقصائه عن منصب الإمامة, حتى لو توافرت فيه الشروط الأخرى؛ إذ إنه بجبنه وضعفه يكون عاملًا من عوامل طمع الأعداء في دولة الإسلام, في حين أن من المفروض على الإمام الحفاظ على الدين وعلى أرض المسلمين. وسوف ندرس هذه المذاهب بأدلتها في المحاضرات القادمة -إن شاء الله. ونكتفي بهذا القدر من هذه المحاضرة, أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٣ - شروط رئيس الدولة (٣) شرط القرشية, وتولية الأفضل الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد, وعلى آله, وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد تحدثنا في المحاضرات السابقة عن شروط الإمام الأعظم أو رئيس الدولة, وبينا أنه يشترط فيه الإسلام, والبلوغ, والعقل, والحرية, والذكورة, والاجتهاد, والعدالة, وصحة الرأي في السياسة, والإدارة, والحرب, والكفاية الجسمية, والكفاية النفسية, وبقي شرطان نتحدث عنهما الآن, وهما شرط القرشية, وشرط تقديم الأفضل. فبالنسبة لشرط القرشية, بمعنى أن يكون الإمام من قريش, فنقول -وبالله التوفيق: هذا الشرط هو أحد الشروط الذي اختلف العلماء فيها اختلافًا كبيرًا, حتى أن فرقة مشهورة من فرق المسلمين هي فرقة الخوارج, صار أحد ما يشتهر به هو

стр. 493

قولها بعدم وجوب هذا الشرط, وسنبين آراء العلماء في ذلك, ثم نبين الأدلة الذي استندوا إليها. آراء العلماء في اشتراط القرشية: يرى أهل السنة, وأكثر العلماء, أنه يشترط في الإمام أنه يكون من قريش, وذهب الخوارج إلى أن الإمامة تجوز للقرشي, وغير القرشي, لا فرق في ذلك بين أحد وأحد؛ لنسبه, أو لجنسه, أو للونه, فالكل سواء في صلوحه لها, مادام ملتزمًا بكتاب الله, وسنة رسوله, ومادام يستطيع القيام بها. وبالنسبة للأدلة نقول: استدل أهل السنة على شرط النسب القرشي, بالسنة, والإجماع. فأما السنة: فقد استدلوا بأحاديث كثيرة, مذكورة في كتب السنة المتعددة, في كتب الأحكام, وأبواب الإمارة, والمناقب, وغيرها, من هذه الأحاديث ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الناس تبع لقريش في هذا الشأن, مسلمهم لمسلمهم, وكافرهم لكافرهم)) وفي رواية أخرى: ((الناس تبع لقريش في الخير والشر)) وفي رواية ثالثة: ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان)) ويقول ﷺ أيضًا: ((إن هذا الأمر في قريش, لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين)). وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل أن أبا بكر, وعمر, لما ذهبا إلى سقيفة بني ساعدة, حيث اجتمع الأنصار لاختيار خليفة رسول الله ﷺ تكلم أبو بكر, ولم يترك شيئًا أُنزل في الأنصار, ولا ذكره رسول الله ﷺ من شأنهم إلا وذكره, وقال: ولقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: ((لو سلك الناس واديًا, وسلكت الأنصار واديًا, سلكتُ وادي الأنصار)) ولقد علمت -يا سعد- أن رسول الله

стр. 494

- ﷺ قال -وأنت قاعد-: ((قريش ولاة هذا الأمر, فبر الناس تبع لبرهم, وفاجرهم تبع لفاجرهم, فقال له: صدقت نحن الوزراء, وأنتم الأمراء)). وبهذا يتبين أن السنة قد أوجبت هذا الشرط بروايات متعددة, هذا فضلًا عن الإجماع, فقد انعقد الإجماع في زمن الصحابة, وكذلك بعدهم على أن الأئمة من قريش. هذا هو ما استدل به أصحاب الرأي الأول, وهم جمهور العلماء القائلون بأنه يشترط في الإمام أن يكون من قريش. ولو نظرنا إلى أدلة الرأي الآخر, وهم الخوارج, القائلون بأنه لا يشترط هذا الشرط, فلهم أدلة على ما ذهبوا إليه. فقد احتجوا في عدم اشتراط القرشية بأحاديث مروية عن رسول الله ﷺ وبقولٍ منسوب إلى عمر بن الخطاب ﵁, وبدليل عقلي. فأما الأحاديث التي تثبت أن القرشية ليست شرطًا من شروط الإمامة, فمنها ما رواه مسلم, عن أبي ذر, قال: ((إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع, وإن كان عبدًا مجدع الأطراف)) أي أن أسمع وأطيع, ولو كان عبدًا خسيسًا, قد قطعت أطرافه, فما دام هو ولي الأمر فطاعته واجبة, وروى مسلم أيضًا عن يحيى بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: ((ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا)) وقال ﷺ أيضًا: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)). فهذه الأحاديث تفيد أن القرشية ليست شرطًا في الإمام؛ لأن الرسول ﷺ أمر بطاعة العبد حين يكون وليًّا للمسلمين, ومعروف أن قريشًا ليس بهم رقيق يتصل نسبهم بها, بل في أحدها -أي في أحد هذه الأحاديث- وجوب السمع

стр. 495

والطاعة للعبد الحبشي, فدل ذلك على أن الإمام قد لا يكون قرشيًا, وهو ما يدعيه أصحاب الرأي القائلون بأنه لا يشترط أن يكون الإمام من قريش. وأما استدلالهم بالقول المنسوب إلى عمر ﵁ فقد روي عنه أنه لما طُعن طلب المسلمون منه أن يستخلف عليهم من يرضاه لهم, حتى لا يختلفوا بعده, فقالوا له: بين لنا من يلي أمورنا, فقال ﵁: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًّا استخلفته, وروي عنه أيضًا قوله: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته, فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل. فدل هذا القول من عمر على أنه لا يرى وجوب شرط القرشية, حيث كان ينوي استخلاف سالم مولى أبي حذيفة, أو معاذ بن جبل, وكلاهما ليس قرشيًا, بل الأول ليس عربيًا, والثاني أنصاري لا نسب له في قريش. وأما الدليل العقلي على انتفاء شرط القرشية في الإمام, فيقولون فيه: إن الأنساب لا اعتبار لها عند الشارع في القيام بأمور الدين, فلا شرف ولا خسة إلا بالعمل الصالح, وحسن الصلة بالله -سبحانه- أو بعدمها, قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية: ١٣) فالإسلام قد جاء بمبدأ المساواة بين الناس جميعًا, أبيضهم, وأسودهم, وأحمرهم, شريفهم, وحقيرهم, لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى, واشتراط القرشية اتجاه إلى العصبية, وإلى أن تسود طائفة من الناس على سائر الأمة, وهو ما يمقته ويبغضه الشرع الحكيم. وبعد فإن المرأ ليحار حقًا في التوفيق بين الأدلة القائمة على وجوب القرشية في الإمام, ومنها الأحاديث المتعددة المروية عن رسول الله ﷺ وإجماع المسلمين على ذلك, نقول: ليحار في التوفيق بين هذا كله, وبين قول عمر في سالم مولى أبي حذيفة, وفي معاذ بن جبل, على أنه في النهاية يجب أن يكون الميل إلى إلى الأدلة التي أثبتت شرط

стр. 496

القرشية؛ ذلك أنها نصوص أفادت وجوب هذا الشرط كما سبق بيانه, وقد أكدها إجماع الصحابة, فلا مفر من التسليم بما أدت إليه كل هذه الأدلة, وبخاصة وأن الحكم أصبح قطعيًا بالإجماع, لا يحتمل أدنى ريب في وجوب هذا الشرط. وأما ما قاله الخوارج الذين لا يشترطون في الإمام أن يكون قرشيًّا, نقول: ما قالوه من أن الإسلام نهى عن العصبية, وأن تسود طائفة معينة على سائر المسلمين, وأنه جاء بالمساواة بين الناس جميعًا, وهذا ما يعارض جعل الخلافة في قريش, فإننا نقول -ردًّا عليهم: إن الإسلام باشتراطه أن يكون الإمام قرشيًّا لم يكن بذلك داعيًا إلى العصبية التي نهى عنها, فإن الحاكم الأعلى في الدولة الإسلامية ليس له أي مزية على سائر أفراد الأمة, وليس لأسرته كذلك أدنى حق زائد على الحقوق التي كفلها الشارع لسائر أفراد المسلمين, فالإمام, وأفراد المسلمين, كلهم سواء أمام القانون الإسلامي, يخضعون لأحكامه, بل إن الإمام متحمل من التبعات ما يجعله من أشد الناس حملًا, وأثقلهم حسابًا يوم القيامة؛ لأنه مسئول عن رعيته, كما نص على ذلك رسولنا ﷺ ولم يكن لأي من الأسر التي ينتمي إليها أبو بكر, أو عمر, لم يكن لهم أدنى امتياز على أي فرد من أفراد المسلمين في زمن خلافتهما, ونزوان بني أمية على حقوق المسلمين زمن خلافة عثمان لم يكن نتاج العصبية من عثمان, وإنما كان لضعفه ﵁ وعدم توفيقه في اختيار من يتولون أمور الناس من قِبله, حتى كان ذلك سببًا في إيقاظ الفتنة التي اجتاحت العالم الإسلامي آنذاك, وتلاقَى الغوغاء, وذوو الأهواء, والدساسون للإسلام, تلاقوا في تجمع هائج أدى في النهاية إلى مصرع الخليفة في داره وهو يقرأ القرآن الكريم,

стр. 497

فالإسلام لا يسود طائفة, يعني لا يجعل لها سيادة, لا يجعل السيادة لطائفة من الناس على من عداهم من أفراد الأمة, وإذا كان الإمام من قريش فليس معنى ذلك أن تتبوأ قريش مكانة عالية دونها مكانة سائر المسلين؛ لأن الإسلام -كما قلنا- لم يفرق بين قرشي, وغير قرشي, ولم يفرق بين حاكم, ومحكوم, والأمة بالتزامها القانون الإسلامي هي صاحبة الحق في السيطرة على الخليفة, وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها, وليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة, والدعوة إلى الخير, والتنفير عن الشر, وهذه سلطة خولها الله لأدنى المسلمين. وبهذا نكون قد أجبنا عن الشبهات التي تمسك بها الخوارج, ومن معهم, في القول بعدم اشتراط القرشية في الإمام. لكن ما هي الحكمة في اشتراط القرشية؟ نبادر بأن نقول: إن القرشية شرط قد ثبت بالأحاديث الكثيرة, وبإجماع المسلمين عليه في خير القرون -كما بينا ذلك آنفًا- وعلى ذلك فإذا ما أردنا أن نلتمس الحكمة من هذا الشرط, فقد نصيب في ذلك, وقد نخطئ, وفي هذه الحال لا يؤثر ذلك في أن هذا الشرط ثابت, لا يقوى معارضوه على نفيه؛ لأن الأمر في أمثال هذا موقوف على قيام الدليل وثبوته, فإذا ما قام الدليل على أمر من الأمور وجب الامتثال, ولا يجب في كل حكم أن يكون معللًا, أو ظاهر الحكمة, كما يجب أن يعلم أن الحكمة في اشتراط القرشية ليست هي القرابة من رسول الله ﷺ لأن للقرابة أحكام خاصة من ميراث, أو تحريم نكاح, إلى غير ذلك, لكن ليس للقرابة مدخل في الإمامة, كما لا مدخل لها في تولية والٍ على ناحية من النواحي, وقد ثبت أنه ﷺ كان يولي من تربطه به صلة القرابة, ومن لا تربطه به هذه الصلة.

стр. 498

وقد حاول العلماء التماس الحكمة من اشتراط القرشية في الإمام, فكان غالب اجتهادهم يدور حول المكانة التي تتمتع بها قريش بين العرب عامة, مما يسهل انقياد الناس لهم؛ لما لهم من الشرف والرياسة, وأن تخصيص قريش بالإمامة عامل هام من عوامل حراسة هذا الدين؛ لأنه جاء بلغتهم, ورسوله -أي رسول هذا الدين- منهم, مما يجعلهم مدفوعين طبيعيًّا إلى صيانته وإلى نشره. وأخيرًا نقول: إن الإسلام قد اشترط في الإمام الأعظم أن يكون من قريش, وسواء أظهرت لنا الحكمة في ذلك, أم أخطأنا في فهمها, فإن ذلك لا يؤثر في كون هذا شرطًا اشترطه الشارع, كما قلنا ذلك سابقًا. ثم نتحدث الآن عن الشرط الآخر, الذي وعدنا بالحديث عنه, وهو أن يكون الإمام أفضل من غيره فنقول: نحب أن نبين في البدء أن الجميع قد اتفقوا على أن الإمامة العظمى إذا عقدت لشخص, ثم ظهر من هو أفضل منه, فلا يعدل عن الإمام إلى الأفضل, والعلة في ذلك ظاهرة؛ إذ إن ظهور الأفضل محتمل في كل آن, فلو جُوِّز العدول إلى الأفضل, لأدى ذلك إلى حال من عدم استقرار الحكم في الدولة, المؤدي إلى الفوضى, التي لا يرضى عنها الشارع الحكيم, وكذلك لا خلاف بين العلماء في جواز تولية المفضول إذا كانت كلمة الأمة قد اتفقت عليه, ولم ترض بغيره بديلًا, أو كان هناك عذر يمنع تولية الأفضل, كغيبته, أو مرضه, أو كان المفضول أطوع في الناس, وأقرب إلى قلوب الشعب. واختلف العلماء في حال وجود شخصين توافرت في كل منها الشروط المطلوبة في الإمامة العظمى, إلا أن أحدهما أفضل من الآخر, ولم يحظ المفضول باتفاق الأمة على اختياره, ولم يوجد من الأعذار ما يبرر العدول عن الأفضل إلى

стр. 499

المفضول, هل يجوز في هذه الحالة عقد الإمامة له, أي للمفضول حينئذ أم لا يجوز ذلك, ويجب عقد الإمامة للأفضل؟ وقبل أن نذكر الآراء في ذلك, وما استندت إليه هذه الآراء, نرى أن نبين بعض الوجوه التي يمكن أن يفاضل بين اثنين على أساس وجودها, أو عدمها. من ذلك مثلًا: أن يشترك أكثر من واحد في الصفات المطلوبة في الإمامة, إلا أن صفة من هذه الصفات المطلوبة كالعلم, أو الشجاعة -مثلًا- تظهر واضحة في أحدهم, ويتفوق على غيره فيها, فهل يجوز حينئذ ترك الأفضل في هذه الصفة, وتولية المفضول, أم لا يجوز ذلك؟ وهذا ما سنوضحه بالنسبة لآراء العلماء. آراء العلماء في انعقاد الرئاسة للمفضول: ذهب أبو الحسن الأشعري إلى أن الإمام يجب أن يكون أفضل أهل زمانه في شروط الإمامة, ولا تنعقد الإمامة لأحد مع وجود من هو أفضل فيها, فإن عقدها قوم للمفضول كان المعقود له من الملوك دون الأئمة, يعني كأنه استولى على السلطة بدون سند من الشرع. وذهب الأكثر من الفقهاء, والمتكلمين, إلى أن الإمامة تجوز للمفضول حال وجود الأفضل, ولا يمنع وجود الأفضل انعقاد الإمامة للمفضول ما دام مستوفيًا شروط الإمامة. أدلة القائلين بعدم جواز إمامة المفضول: استدل القائلون بعدم جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل بما يلي: أولًا: أن الصحابة قد عقدوا الإمامة للأفضل فالأفضل, فالخلفاء الأربعة أفضلهم أبو بكر, ثم عمر, ثم عثمان, ثم علي, وهذا الدليل قد احتج به أبو الحسن الأشعري.

стр. 500

ثانيًا: أن العقل يقضي بقبح تقديم المفضول على الأفضل في إقامة قوانين الشريعة, وحفظ حوزة الإسلام. ثالثًا: أن الأفضل أقرب إلى انقياد الجماهير له, واجتماع الآراء على متابعته. هذه هي أدلة القائلين بعدم جواز إمامة المفضول. أدلة القائلين بجواز إمامة المفضول: استدل القائلون بجواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل بأدلة: أولًا: قالوا: إن الستة الذين رشحهم عمر للخلافة بعده, كان فيهم -بإجماع الأمة- الفاضل, والأفضل, ومع ذلك فقد أجاز عمر أن يعقد لواحد منهم إذا اجتمعوا عليه, ورأوا مصحلتهم في توليته, وهذا يدل على أنه لا يشترط أن يكون الإمام أفضل الناس. ثانيًا: أجمع العلماء على انعقاد الإمامة بعد الخلفاء الأربعة لبعض القرشيين, كمعاوية مثلًا, مع أنه كان في بقايا الصحابة من هو أفضل منه ممن أنفق من قبل الفتح وقاتل. ثالثًا: أن الأفضلية أمر خفي قد لا يتطلع عليها أهل الحل والعقد, وربما يؤدي تحري الأفضلية إلى وقوع النزاع, وتشويش الأمر. هذه هي أدلة القائلين بأنه يجوز تولية المفضول مع وجود الأفضل. وبعد فإننا نرى بعد استعراض أدلة كل من الفريقين, أنه يجب أن يصار إلى القول بأنه يجب تقديم الأفضل, وإذا كنا نقول بوجوب تقديم الأفضل فإننا نقول: إنه إذا لم يتم ذلك وقدم المفضول فبايعه أهل الحل والعقد, وهم الذين يمثلون الأمة, فإن الإمامة حينئذ منعقدة له, ولا نقول بعدم انعقادها؛ لئلا يؤدي ذلك إلى وقوع الفتن, وإلى وقوع الفساد. وبهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن الشروط الواجب توافرها في الإمام الأعظم أو رئيس الدولة.

стр. 501

الدرس: ١٢ طرق انعقاد الإمامة، وواجبات الإمام وحقوقه وأسباب انتهاء ولايته .

стр. 502

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني عشر (طرق انعقاد الإمامة، وواجبات الإمام وحقوقه وأسباب انتهاء ولايته) ١ - شروط رئيس الدولة (٣) انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد ونتحدث الآن عن الطرق التي تنعقد بها رياسة الدولة, آراء العلماء إجمالًا: الجمهور من الفقهاء, والمتكلمين, على أن توافر شروط الإمامة في شخص من الأشخاص ليس كافيًا بمجرده في انعقاد الإمامة له, بل لا بد من طريق يثبت به هذا المنصب, حتى على فرض أن الشروط المطلوبة في الإمامة لم تتوافر إلا في واحد فقط, تفرد بها عن سائر أفراد الأمة, فإن جمهور العلماء يقولون بعدم انعقاد الإمامة له بمجرد ذلك, بل لا بد من اختيار أهل الحل والعقد له, وإذا كان العلماء قد قالوا بأن الصلاحية وحدها ليست بكافية في انعقاد الإمامة, بل لا بد من وجود سلطة تسند إليه هذه الإمامة, إلا أنهم اختلفوا في أي الطرق يمكن أن يكون هو المبين لانعقادها. فالإمامية قالوا: إن انعقادها -أي انعقاد الإمامة- ليس له طريق إلا النص, وأهل السنة قالوا: إن طريقها البيعة من أهل الحل والعقد, أو العهد من الإمام السابق. وثمة طريقان آخران عند جماهير علماء الأمة لانعقاد الإمامة, غير اختيار أهل الحل والعقد, هما: العهد, والقهر أو الغلبة, وسنتكلم -بمشيئة الله- عن كل ما ذكرناه, وهو اختيار أهل الحل والعقد, والعهد, والقهر أو الغلبة, والنص الذي يزعمه الشيعة الإمامية, ذاكرين خلاف العلماء إن وجد في كل منها, ومرجحين ما نراه من الآراء.

стр. 503

الطريق الأول: هو اختيار أهل الحل والعقد: اختيار أهل الحل والعقد, أو بيعة أهل الحل والعقد, هو الطريق الأصل في انعقاد الإمامة عند جماهير العلماء من الفقهاء, والمتكلمين, فإذا خلا منصب الإمامة بموت الإمام, أو بعزله من منصبه, وجب على الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد أن تتصفح أحوال من يمكن أن يقوم بأعباء هذا المنصب, فمن رأوه مستوفيًا شروطه بايعوه إمامًا لهم, فإذا لم يكن ثمة من تتوافر فيه الشروط غيره وجب عليه قبول هذا المنصب, إذا لم يكن هناك من الأعذار ما يبرر له رفض ما يعرضون عليه, وأما إذا كان له من الأعذار ما يمنعه من القيام بأعباء هذا المنصب, كما توضحه أحكام الشريعة, فحينئذ يعدلون عنه إلى غيره, مراعين في مبايعتهم الأفضل, حتى لا يلي هذا الأمر غير المستحق له. يقول الإمام الماوردي في (الأحكام السلطانية): فإذا تعين لأهل الاختيار من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه, فإن أجاب إليها بايعوه عليها, وانعقدت ببيعتهم له الإمامة, فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته, والانقياد لطاعته, وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها؛ لأنها عقد مراضاة واختيار, لا يدخله إكراه, ولا إجبار, وعدل عنه إلى من سواه من مستحقيها. ولكن نسأل سؤالًا: وهو لماذا يسند اختيار الرئيس إلى جماعة خاصة, كأهل الحل, والعقد؟ نقول: قد يكون لافتًا نظر الباحثين في نظام الحكم الإسلامي ما قرره فقهاء الإسلام من أن مهمة اختيار الإمام يجب أن توكل إلى جماعة خاصة دون باقي

стр. 504

أفراد الأمة, مما يوهم -في ظاهره- عدم الاعتداد بآراء جماهير الأمة, التي ما جُعل الإمام إلا للقيام برعاية مصالحها الدينية, والدنيوية, كان الواجب أن تسند مهمة اختيار الإمام إلى كل بالغ, عاقل, من أفراد الشعب, لا فرق في ذلك بين واحد, وواحد, حتى يكون الاختيار معبرًا تمام التعبير عما ترتضيه الجماهير, وسواء في ذلك أن يكون هذا الاختيار قد تم بطريق مباشر, كالاقتراع العام, أو بطريق غير مباشر, كأن يتم اختيار الإمام بوساطة هيئة خاصة ينتخبها الشعب, يسند إليها القيام بهذه المهمة الخطيرة, فقصر اختيار الإمام على جماعة خاصة مما يلفت نظر الباحثين؛ لأنه في الظاهر مخالف مبدأ إعطاء حق الاختيار لكل مواطن, حتى يكون الاختيار معبرًا عن الإرادة الشعبية تمام التعبير. صحيحًا أن الإسلام يوجب على الجميع -أي جميع أفراد الأمة- أن يبايعوا الإمام, ويدخلوا في طاعته, بعد انعقاد الإمامة له بعقد أهل الحل والعقد, ولكن ذلك الوجوب إنما قُصد به إغلاق باب التفرق, حتى لا تكون الفتنة والفوضى بين الناس, ولذلك قال العلماء: إنه إذا تمت البيعة من أهل الحل والعقد في ناحية, وجب عليهم أن يخطروا بها سائر أهل الحل والعقد في النواحي الأخرى. يقول البعض: وإن أقام بعض أهل الحل والعقد إمامًا سقط وجوب نصب الإمام عن الباقين, وصار من أقاموه إمامًا, ويلزمهم إظهار ذلك بالمكاتبة والمراسلة؛ لئلا يتشاغل غيرهم بإمام غيره وقد وقعت الكفاية, ولئلا يؤدي ذلك إلى الفتنة, فعدم مبايعة سائر أفراد الأمة لا يؤثر في انعقاد الإمام؛ لأن العقد يتم بمجرد مبايعة أهل الحل والعقد, ولا يكون العقد صحيحًا إذا لم يبايع الإمام أهل الحل والعقد, فإذا فرض بعد موت الإمام مثلًا أو عزله, أن اجتمع جماعة من غير أهل الحل والعقد, وعقدوا

стр. 505

البيعة لواحد من الناس, فإن هذا البيعة لا اعتداد بها, وليست لها الصفة الشرعية التي تجبر باقي أفراد الأمة على الدخول في طاعة من بايعته هذه الجماعة. وقبل أن نوضح المعنى المثالي الملاحظ في تقرير المبدأ الإسلامي القائل بوجوب أن تسند مهمة اختيار رئيس الدولة إلى جماعة خاصة, تسمَّى عرفًا بجماعة أهل الحل والعقد, يجب أن نقول بادئ ذي بدء: إننا إذا كنا حقًا نبحث عن الطريقة المثلى لاختيار رئيس الدولة, يجب علينا أن نسلم بأمرين: أولهما: أن اختيار رئيس الدولة يجب ألا يوكل إلَّا إلى من توافرت فيه مقدرة التفرقة بين من يصلح, ومن لا يصلح, لتولي هذا المنصب الخطير, وتوافر هذه المقدرة لا يتحقق إلا بأن تفرض شروط, وصفات خاصة, في من يصح قيامه بهذه المسئولية, شروط وصفات من شأنها أن توجد في القائمين بهذه المهمة الصلاحيةَ الكاملة لها؛ وذلك لأنه لما كان رئيس الدولة لا يُختار إلا ممن توافرت فيه شروط خاصة, تؤهله للقيام بأعباء هذا المنصب, وهي التي بيناها فيما سبق عند الكلام عن الشروط المطلوبة في رئيس الدولة, نقول: كان لزامًا ألا يوكل اختيار الرئيس إلا إلى أشخاص تتوافر فيهم مقدرة التفرقة بين من تحققت فيه هذه الشروط, وبين من لم تتحقق فيه. وثاني الأمرين الذَين بجب التسليم بهما: هو أنه لا يصح ادعاء أن التنظيمات البرلمانية تمثل الشعب كله تمثيلًا صحيحًا, سواء في ذلك الشعوب التي بلغت مستوًى رفيعًا من العلم, والنضج السياسي, والشعوب التي لم تبلغ بعد هذا المستوى, وذلك لعدة أسباب: السبب الأول: أن البرلمان بأجمعه قد لا يمثل سوى أقليَّة ضئيلة من الناخبين, وذلك إذا أسقطنا من حسابنا نوعين من الأصوات, أولهما أصوات الغائبين الذين لم يدلوا بآرائهم في هذه الانتخابات, وهؤلاء الغائبون يمثلون عددًا كبيرًا بالنسبة إلى باقي أفراد الناخبين في كل انتخاب, ويبلغ عددهم في أغلب البلاد نحو نصف عدد الناخبين,

стр. 506

وثاني النوعين الذين يجب عدم احتسابهما هو الأصوات الفاشلة, أي الأصوات التي حصل عليها المرشحون الذين لم يكتب لهم النجاح في هذه الانتخابات, ومجموع هذين النوعين يشكل عددًا كبيرًا, قد يكون هو الأغلب بالنسبة إلى باقي الأصوات, كما تفيده الإحصائيات, سواء في ذلك البلاد التي تأخذ بنظام التصويت الإجباري, والبلاد التي لا تأخذ بهذا النظام, وعلى ذلك فالبرلمان قد لا يمثل إلا أقليلة ضئيلة بالنسبة إلى عدد الناخبين, وبالتالي لا يمثل الاتجاهات الحقيقية لمجموع الأمة, وهذا فضلًا عن أنه من الملاحظ أن يحدث في كثير من البلاد خضوع الأغلبية البرلمانية لسيطرة عدد قليل من الزعماء والساسة, يوجهونها حسب أهوائهم, وميولهم, وقد تكون هذه الميول والأهواء لا تتوافر في أكثر الأحوال مع ميول الجماهير الذين ينوبون عنهم, وإن ادعوا كذبًا أنهم يعبرون عن مصالح جماهير الأمة. السبب الثاني من أسباب عدم صحة ادعاء أن التنظيمات البرلمانات تمثل الشعب كله تمثيلًا صحيحًا, فساد الانتخابات في كثير من الأحوال: فإنه مهما قيل عن حرية الانتخابات, وعدم تدخل الإرادة فيها, فإنها في الواقع لا تخلو من استعمال طرق كثيرة فيها غير مشروعة, من الغش, وخداع الجماهير, وإغرائهم بالرشوة, والتغرير بهم, بقصد كسب أصواتهم مما يؤثر في نتيجة الانتخابات تأثيرًا كبيرًا. السبب الثالث: أننا لو سلمنا جدلًا بأن الانتخابات تتم بطريقة نظيفة خالية مما يشوبها مما ذكرناه آنفًا, وفرضنا أن البرلمان يمثل فعلًا إرادة أغلبية الناخبين, فإننا لا نسلم أن يقال: إن البرلمان يمثل جماهير الأمة طوال الوقت؛ لأن اختلاف

стр. 507

النزاعات في الجماهير, واتجاهاتهم المتباينة, قد يجعل من المقبول الادعاء بأن البرلمان يمثلهم في بعض مسائل معينة لمدة قصيرة, وأن الادعاء بأن البرلمان يمثل جماهير الأمة طوال الوقت فإن هذا لا يعدو أن يكون نوعًا من السيادة للنائبين على المنوب عنهم. وبعد فقد تبين مما ذكرناه أن ادعاء أن التنظيمات البرلمانية تمثل إرادة الجماهير, وتعبر عن الرأي العام, ادعاء غير مُسَلم؛ للأسباب التي ذكرناها, يتبين لنا مما سبق أن تخصيص جماعة معينة في النظام الإسلامي لانتخاب رئيس الدولة هو نوع من المثالية التي ينشدها الإسلام في تشريعاته, يعني كون هناك جهة معينة, أو جماعة معينة, يطلق عليهم أهل الحل والعقد, يقومون باختيار رئيس الدولة, هذا هو الأمر المهم, وهذا أفضل بكثير مما هو موجود في القوانين الوضعية, ونظم الانتخابات الوضعية, التي تبين لنا فشلها فيما قدمنا. ولكن هل يُنتخب أفراد هذه الجماعة التي تقوم باختيار رئيس الجمهورية, أم يُكتفي باستفاضة أخبارهم, أو أخبار فضلهم, وعلمهم, وتقدمهم بين جماهير الأمة, هذا من الموضوعات الخلافية بين الفقهاء. الرياسة عقد كسائر العقود: لا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن فقهاء الإسلام, ومتكلميه, قد قرروا أن الإمامة عقد كسائر العقود التي تتم بين الطرفين, والأمة هنا هي الطرف الأول, والرئيس أو الإمام هو الطرف الثاني, فالإمامة عقد حقيقي مبني على الرضا, قائم بين الأمة والإمام, يجب بمقتضاه على الطرف الثاني, وهو الإمام أو الرئيس, السير

стр. 508

بحكمهم على وفق أحكام شريعة الإسلام, ويجب على الطرف الأول, وهو الأمة, بذل الطاعة والانقياد له فيما لا يخالف أوامر الشرع ونواهيه. وإذا كان مفكرو الإسلام قد بينوا أن العلاقة بين الحاكم والمحكومين مبينة على عقد بينهم وبينه, فإنهم بذلك يكونون قد سبقوا الفكر الغربي في البحوث القانونية السياسية؛ إذ إن (جان جاك روسو) الذي يعتبر في نظر أوروبا أبًا لديمقراطية الحديثة بكتابه (العقد الاجتماعي) الذي كان بمثابة الإنجيل لدى زعماء الثورة الفرنسية, والذي ضمنه نظريته القائلة: إن الحاكم يتولى سلطاته من الأمة نائبًا عنها, بناءً على تعاقد حرر بنيهما, إذ إن (روسو) هذا قد سبقته النظرية الإسلامية بقرون عديدة, وإذا كان المفكرون الإسلاميون قد سبقوه, وسبقوا غيره, وتكلموا عن العقد بين الحاكم والمحكوم, فإنهم بذلك يكونون هم الرواد في هذا الميدان الفكري الهام, وبخاصة وأن العقد الذي يتكلم عنه (روسو) عقد تخيل حدوثه في العصور الساحقة, ولم يقم من الشواهد التاريخية ما يمكن أن يكون برهانًا حقيقيًّا عليه, بخلاف العقد الذي تكلم عنه مفكرو الإسلام, فإنه عقد حقيقي ثابت, من يوم أن وُجد نظام الخلافة, وكانت بيعة الأمة صورة لتحقيقه. ومن ناحية أخرى فإن النظرية الإسلامية ليس فيها أفراد تنازلوا عن شيء من حرياتهم وسلطاتهم, وإنما لدينا أمة مكلفة وكلت عنها بعض أفرادها لرعاية صوالحها, وليس في الوكالة تمليك, ولا مظنة تمليك, والبيعة عقد يقيد الحاكم بدستور خاص, ويحدد له حدود مهمته, فإذا التزم شروط العقد فله حق الطاعة على المحكومين, فإذا جاوز ما عين له وخرج على الشرط انعزل من الوكالة, وخرج من العهدة بنفسه, أو بعزل الشعب الذي ولاه.

стр. 509

معنى البيعة: وضح ابن خلدون معنى البيعة فقال: البيعة: هي العهد على الطاعة, كان المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه, وأمور المسلمين, لا ينازعه في شيءٍ من ذلك, ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر, على المَنشط, والمكره, وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده؛ تأكيدًا للعهد, فأشبه ذلك فعل البائع, والمشتري, فسمي بيعة. وقد أصبح لفظ البيعة يستعمل مجازًا في الرضا بالإمام, والانقياد له, فإذا ما رضي الناس به, وانقادوا له, فحينئذ يقال مجازًا: إنهم بايعوه إمامًا لهم, ولهذا فإن الفقهاء, والمتكلمين, عندما يتكلمون عن البيعة فإنهم لا يريدون صفق اليد, وإنما يعنون بها الرضا, والانقياد, وإظهار ذلك, ويصرحون بأنه لا يشترط المصافحة باليد لتحقق البيعة. شروط صحة البيعة: لكي تكون البيعة واقعة على الوجه الصحيح لا بد وأن تتوافر فيها بعض الشروط, وسنبين هذه الشروط, ذاكرين الخلاف إن وجد في أي شرط منها, وهذه هي: الشرط الأول: أن تجتمع في المأخوذ له البيعة الشروط المطلوبة في رئيس الدولة, وهي التي بيناها فيما سبق, وعلى هذا فلا تنعقد الرياسة لواحد ممن فقد أي شرط من هذه الشروط, إلا في حال الضرورة, كحال الغلبة, والاستيلاء بالقوة على الحكم, وهو ما يعبر عنه في عصرنا الحالي بالانقلابات العسكرية,

стр. 510

فهذا طريق قد بين العلماء إمكان انعقاد الرياسة به, وكما إذا لم تكتمل الشروط المطلوبة في أحد ممن يصلحون لتولي هذا المنصب, فإنه يجوز حينئذ التنازل عن بعض هذه الشروط؛ نظرًا إلى حال الضرورة, فيولى الأفضل فالأفضل, حتى لا يخلو الزمان عن رئيس يقوم على حراسة الدين, وسياسة الدنيا. الشرط الثاني: أن يكون الذين عقدوا البيعة للرئيس هم أهل الحل والعقد, فإذا عقدها غيرهم فلا تنعقد. الشرط الثالث: أن يقبل الشخص الذين عقدوا الرياسة له, أن يقبل هذا المنصب, فإذا رفض فلا تنعقد رياسته, ولا يجبر عليها. الشرط الرابع: الإشهاد على البيعة, وهذا هو شرط من الشروط الذي اختلف فيها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن البيعة لا تحتاج إلى إشهاد, والقول الثاني: وجوب الإشهاد عليها, والقول الثالث: ينظر إلى عدد العاقدين, فإن كانوا جمعًا لم يشترط الإشهاد, وإن كان العاقد واحدًا اشترط ذلك. الشرط الخامس: ألا يقارن هذا العقد عقدًا آخر, فلا يجوز أن تعقد الرياسة لأكثر من واحد. وقبل أن نفصل الخلاف في هذا الشرط نرى أن نوضح أن تعدد العقد إما أن يكون بطريق الصدفة والاتفاق, أو يكون بغير طريق الصدفة والاتفاق, فالأول يحصل بأن تبادر مجموعات متعددة من أهل الحل والعقد بعقد البيعة لرئيس, على غير اتصال وتنسيق بين هذه المجموعات, فتبايع أحدى المجموعات رئيسًا مثلًا, وتبايع أخرى رئيسًا آخر, وهكذا لعدم علم كل منها بما فعلته كل مجموعة من المجموعات الأخرى, فتحدث مبايعات لمتعددين, كل واحد منهم

стр. 511

صالح للرياسة, فهنا يتعدد العقد مصادفة واتفاقًا, بدون أن يتعمد أهل الحل والعقد مبايعة أكثر من واحد. والثاني: يحصل التعدد بأن يتعمد أهل الحل والعقد البيعة لأكثر من واحد. وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح أن تعقد البيعة لأكثر من إمام واحد في القطر الواحد, سواء كان التعدد حاصلًا عن طريق الصدفة والاتفاق, أم كان عن غير ذلك. وأما إذا كان التعدد في أقطار متعددة متباعدة فقد اختلف العلماء في هذا التعدد, هل يجوز, أو لا يجوز؟ فجمهور الفقهاء, والعلماء على منع التعدد, حتى ولو كانت الأقطار متباعدة, ويرى البعض -وهم قلة- جواز تعدد الأئمة في الأقطار المختلفة, ولكل واحد من هؤلاء أدلة أستند إليها. أدلة الجمهور على منع التعدد: استدل الجمهور على أنه لا يجوز تعدد الأئمة حتى ولو تباعدت الأقطار بأدلة منها: أولًا: ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)) فإن هذا الحديث صريح في عدم مشروعية التعدد, وقتل الإمام الآخر يكون بعد مطالبته بعدم التمسك بالبيعة التي حصلت له, والخضوع للإمام الأول, فإن أبى فهو باغ يجب مقاتلته, فليس المراد بالحديث قتل الإمام الآخر بمجرد عقد بيعة أخرى له؛ لأنه يجوز عدم علمه بأن ثمة إمامًا آخر قد عُقدت له البيعة قبله.

стр. 512

ثانيًا: استدلوا بالإجماع, وذلك أن الصحابة قد أجمعوا على أنه لا يجوز إلا إمام واحد, حتى إن المهاجرين لم يوافقوا الأنصار عندما نادوا أولًا بأن يكون منهم أمير, ومن المهاجرين أمير, ثم رضي الأنصار بما أبداه المهاجرون فصار إجماعًا. الدليل الثالث أيضًا على منع التعدد: أن تعدد الأئمة يؤدي إلى وقوع المنازعات والمخاصمات, وهذه تؤدي إلى اختلال أمر الدين والدنيا, فتعدد الأئمة مؤد إلى اختلاف أمر الدين والدنيا, وذلك غير جائز. أما أصحاب الرأي الآخر, وهم قلة من العلماء, فيقولون بجواز التعدد, واستدلوا على ذلك بأن الإمام جُعل لتحقيق مصالح الأمة, وإذا كان في كل ناحية إمام, كان كل واحد أقوم بما في يديه؛ لقلة المصالح حينئذ, وأضبط في متابعة من يوليهم من الولاة, والقضاة, وسائر الأعمال, وأيضًا استدلوا بأنه لما جاز أن يكون أكثر من نبي في عصر واحد, ولم يؤد إلى إبطال النبوة, جاز ذلك في الإمام من باب أولى؛ لأنها فرع النبوة. لكن هؤلاء قد ناقشهم جمهور العلماء, وناقشوا هذه الأدلة, واتضح بطلان هذه الأدلة. أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢ - انعقاد الإمامة عن طريق العهد والقهر تابع انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد: فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن شرط القرشية، وشرط تقديم الأفضل بالنسبة لاختيار الإمام وبالنسبة للشروط التي يجب توافرها فيه، وبدأنا الحديث عن الطرق التي تنعقد بها الإمامة العظمى، وتبين لنا أن الطريق الأول: هو اختيار أهل الحل والعقد، وتحدثنا فيه عن البيعة، وعن شروط البيعة، ونكمل الآن عن الحديث عن هذا الطريق فنتكلم عن أهل الحل والعقد، ثم نبين شروطهم، فنقول: أهل الحل والعقد كما يسميهم غالب العلماء، أو أهل الاختيار كما يسميهم الإمام الماوردي، أو أهل الاجتهاد كما يسميهم البعض الآخر: هم جماعة معينة من فضلاء الأمة يُوكل إليهم النظر في مصالحها الدينية والدنيوية، ومنها اختيار رئيس الدولة أو الإمام الأعظم، فهم المسئولون عن تصفح أحوال الذين يمكن أن يكونوا صالحين لتولي هذا المنصب الخطير، والاجتهاد في ذلك، فمن رأوه صالحًا لتولي هذا المنصب بايعوه

стр. 513

رئيسًا للدولة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولزوم طاعته في كلِّ أمرٍ ليس فيه معصية لله ورسوله، وقد بين العلماء الشروط التي يجب توافرها في هذه الجماعة؛ حتى تكون مميزة عن سائر أفراد الأمة، إذ أنها المكلفة -كما قلنا- باختيار الرئيس، فإذا ما قامت بهذا الغرض أو قام به بعض أفرادها سقط وجوب نصب الرئيس عنها، وعن باقي أفراد الأمة، وإذا لم تقم بهذا الواجب أثم أهل الحل والعقد كلهم كما هو الشأن في الفروض الكفائية. وهذه الجماعة لا تقوم باختيار الإمام إلا نيابة عن الأمة جميعًا، فهم بمباشرتهم هذا الاختيار لا يمثلون أنفسهم، بل يمثلون الأمة كلها؛ ولهذا فإنه عند مبايعة أهل الحل والعقد الإمام تجب مبايعته والانقياد له على سائر أفراد الأمة، وقد بين العلماء أن أهل الحل والعقد هم العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم في أي وقتٍ من الأوقات. ونتحدث الآن عن شروط أهل الحل والعقد، فنقول: يوضح الإمام الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية) الصفحة السادسة وما بعدها يوضح الشروط المطلوبة فيهم -أي: في أهل الحل والعقد- فيقول: فأما أهل الاختيار فالشروط المعتبر فيهم ثلاثة: أحدها: العدالة الجامعة لشروطها. والثاني: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبر فيها. والثالث: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وبتدبير المصالح أقوم وأعرف.

стр. 514

فهذه الشروط التي يوضحها الماوردي تحدد الصورة التي يجب أن يكون عليها الواحد من جماعة أهل الحل والعقد، فأما العدالة فقد بينا المراد بها عند الكلام على شروط الرياسة، وأما الشرط الثاني فالمراد به أن يكون الشخص عالمًا بالشروط الواجبة في رئيس الدولة حتى يستطيع أن يميز بين من توافرت فيه شروط الرياسة العامة، ومن لم تتوافر فيه هذه الشروط، وأما الشرط الثالث فيقصد به توافر المقدرة على عدم الخلط بين من يستطيع القيام بأعباء الرياسة ومن لم يستطيع ذلك، وهو شرطٌ مغايرٌ للشرط الذي سبقه، إذ يمكن أن يوجد شخص توافر عنده العلم بالشروط المعتبرة في الرئيس، ولكن ليس عنده القدرة على التفريق بين من يصلح للرياسة وتدبير مصالح الأمة، وبين من لا يصلح لذلك. هل لأهل الحل والعقد الموجودين بالعاصمة -أي: بلد الرئيس- مزية على من عاداهم؟ يقول الإمام الماوردي مجيبًا على هذا السؤال: وليس لمن كان في بلد الإمام على غيره من أهل البلاد فضل مزية يُقدم بها عليه، وإنما صار من يحضر بلد الإمام متوليًا العقد للإمام عُرفًا لا شرعًا لسبوق علمه بموته، ولأن من يصلح للخلافة في الأغلب موجودون في بلدهم، وإذا كان الماوردي قد وضح أن الشرع لم يعط أهل الحل والعقد الموجودين بالعاصمة أي مزية، أو أولوية في القيام باختيار رئيس الدولة، وإنما جرى العرف على أنهم يقومون بذلك، فعلى ذلك إذا بادر جماعةٌ من أهل الحل والعقد من غير العاصمة باختيار الرئيس، فهو اختيارٌ صحيحٌ لا غبار عليه شرعًا، ويجب

стр. 515

على جميع أهل الحل والعقد الموجودين بالعاصمة وغيرها من النواحي الأخرى يجب عليهم الانقياد ومبايعة الرئيس الذي بايعته هذه الجماعة، وإذا كان العرف قد جرى في بعض العصور على أن أهل الحل والعقد الموجودين ببلد الرئيس هم الذي يبادرون بعقد الرياسة، فإن الأعراف غير ثابتةٍ وتتغير بتغير البيئات وتعاقب الأعصر، ووسائل الاتصال السريعة في هذا العصر الحديث، والتطور الهائل فيها لم يجعلا لمن كان ببلد الرئيس مزية السبق بالعلم بموت الرئيس، بل إن تعدد أجهزة الاتصال وسرعة نقلها للحوادث مما يجعل إذاعة خبر من الأخبار بين جموع الشعب، بل بين العالم بأسره عملًا هينًا يسيرًا يعلم به القاصي والداني ساعة إذاعته ونشره، ثم إنه لا يمكن الإدعاء بأن من يصلحون لرياسة الدولة في هذا العصر موجودين غالبًا في بلد الرئيس، إذ هم متفرقون في أنحاء البلاد، وليس وجودهم فقط في بلد رئيس الدولة. عدد أهل الحل والعقد الذي تنعقد به الرياسة: اختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الإمامة من أهل الحل والعقد اختلافًا كبيرًا، وسنذكر ذلك: الرأي الأول: ويقول بأن الإمام لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم؛ ليكون الرضا عامًا والتسليم لإمامته إجماعًا. الرأي الثاني: أن الإمامة لا تنعقد إلا بمبايعة الجمهور من أهل الحل والعقد. الرأي الثالث: ويرى أن أقل عدد تنعقد به الإمامة أربعون؛ لأن عقد الإمامة أعظم خطرًا من الجمعة، والجمعة لا تنعقد بأقل من أربعين؛ فبيعة الإمام أولى.

стр. 516

الرأي الرابع: ويقول أن الإمام تنعقد بخمسةٍ يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة، واستدل أصحاب هذا الرأي بأمرين: الأمر الأول: بأن بيعة أبي بكر ﵁ انعقدت بخمسةٍ بايعوه، ثم تابعهم الناس فيها، وهؤلاء الخمسة هم: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وأُسيد بن حُضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة ﵃ أجمعين. والأمر الثاني: أن عمر ﵁ لما أراد أن يعهد قبل موته عهد إلى ستة من الصحابة ليختاروا أحدهم برضا الخمسة. الرأي الخامس ويقول: بأنه يكفي بانعقاد البيعة أن يقوم بها أربعة؛ لأن الأربعة أكثر نُصب الشهادة. الرأي لسادس ويقول: بأن الإمامة تنعقد بمبايعة ثلاثة؛ لأنها جماعة. الرأي السابع ويقول: بأن أقل عدد تنعقد به الإمامة رجلان من أهل الورع والاجتهاد كعقد الزواج لا يصح إلا إذا شهد عليه شاهدان. الرأي الثامن ويقول: بأن الإمامة تنعقد بعلماء الأمة الذين يحضرون موضع الإمام، وليس لذلك عدد مخصوص. الرأي التاسع ويقول: يكفي في انعقاد الإمامة أن يقوم بالبيعة واحدٌ فقط، لكن بشروط: الشرط الأول: أن يكون من تولى العقد من العلماء المجتهدين. الثاني: أن يكون هذا العاقد ممن يتصفون بالورع. الشرط الثالث: أن يكون معدودًا من أهل الرأي والتدبير. الشرط الرابع: أن يكون قد حاز الشهرة عند جماهير الأمة.

стр. 517

الشرط الخامس: أن يكون الذي عُقدت له البيعة أفضل الناس في الصفات، والشروط المطلوب توافرها في الإمام. وبعد فهذه هي الآراء والأدلة التي اعتمد عليها الفقهاء بالنسبة للعدد الذي تنعقد به الإمامة من أهل الحل والعقد. والآن ما هو الرأي الذي نميل إليه من هذه الآراء التي ذكرناها في مسالة العدد الذي تنعقد به رياسة الدولة؟ وقبل أن نبين الرأي الذي نميل إليه نحب أن نسأل كيف يمكن تصور ثبوت عقد الإمامة بمبايعة واحدٍ فقط مع أن مبايعة الواحد للإمام تعبر عن رأي ورغبة هذا الواحد فقط، وهذه الرغبة قد لا تدل على آراء ورغبات باقي أهل الحل والعقد، وأمر رياسة الدولة أكبر من رأي الواحد مهما عظم شأنه واشتهر فضله، فهو أمرٌ يحتاج بلا شك إلى الدرس، والبحث، والمشاورة، وهي أمورٌ تحتاج إلى الاتصال بأهل الحل والعقد لأخذ رأيهم فيمن يريدون توليته؛ ولذلك عد عمر بن الخطاب مبادرته بالبيعة لأبي بكر الصديق ﵄ قبل أخذ رأي أهل الحل والعقد، عد ذلك فلته، وقى الله المسلمين شرها، وقد رُوي عنه أنه خطب الناس، فقال: بلغني أن فلانًا قال: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانًا، فلا يغرن امرأً أن يقول: إن بيعة أبي بكرٍ كانت فلتة فتمت، وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله وقّى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، فمن بايع رجلًا عن غير مشورةٍ من المسلمين؛ فإنه لا بيعة له، هو ولا الذي بايعه. فبان من هذا أن الأصل في المبايعة أن تكون بعد التشاور مع أهل الحل والعقد، وأن عمر خالف بعمله هذا الأصل، فكان فلتة لظرفٍ خاص اقتضى ذلك هو:

стр. 518

خوف وقوع الفتنة بين المهاجرين والأنصار، وليس هذا العمل أصلًا شرعيًا يُعمل به دائمًا، فمن بايع واحدًا من غير مشورة من أهل الحل والعقد فلا يصح أن يكون هو ولا من بايعه أهلًا للمبايعة، وقد رأينا أبا بكر ﵁ عندما أراد ترشيح عمر بن الخطاب ليلي أمر الناس من بعده أطال التشاور مع كبار الصحابة، وعندما أخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الترشيح للخلافة ووكل إليه أمر اختيار الخليفة بقي ثلاثًا لا تكتحل عينه بكثير نومٍ، وهو يشاور كبار المهاجرين والأنصار فيمن يصلح للإمامة، ولو كان بيعة الواحد كافية في انعقاد الإمامة لما بذل عبد الرحمن بن عوف هذا الجهد كله، ولا خلا إلى نفسه وقتًا يفكر في من يصلح في نظره لتولي هذا المنصب، ثم بايعه بعد أن يقتنع بصلاحيته للإمامة، وما على باقي أهل الحل والعقد، وسائر أفراد الأمة بعد ذلك إلا الانقياد للخليفة الجديد، والرضا ببيعة عبد الرحمن بن عوف، فعبد الرحمن بن عوف لو كان يرى أن الإمامة تنعقد بواحد من أهل الحل والعقد لفعل ذلك، لكنه يرى أن الإمامة لا تنعقد بواحدٍ من أهل الحل والعقد؛ ولذلك أتعب نفسه في المشاورة -في مشاورة المسلمين- فيمن يصلح أن يكون إمامًا، وأما الاحتجاج بأن عمر لما بايع أبا بكر ﵄ تبعه الصحابة ووافقوه على ذلك فلا يصح؛ لأن سبب اتباع الصحابة عمر في هذه المبايعة وموافقتهم عليها هو رضاؤهم بأن يكون أبو بكرٍ هو الخليفة بعد رسول الله ﷺ . فإذن يتبين مما سبق أن القول بأن الإمامة تنعقد بالواحد غير مُسَلمٍ، ومثل ذلك القول بانعقادها بالعدد القليل كالاثنين، والثلاثية، والأربعة، والخمسة؛ لأن أمر الإمامة -كما قلنا- لا يصح فيه انفراد فردًا أو أفراد قليلين بالبت فيما هو يهم

стр. 519

الأمة كلها اللهم إلا إذا قل عدد أفراد جماعة أهل الحل والعقد؛ فحينئذ تكون الضرورة هي الملجئة إلى القول بانعقاد الإمامة بالعدد القليل، إلا أن هذا لا يعني أن نقول -كما قال البعض- أنه لا تصح البيعة إلا بالإجماع من فضلاء الأمة في أقطار البلاد؛ لأنه لو صح أن الإمامة لا تنعقد إلا بالإجماع من أهل الحل والعقد لما صحت إمامة أبا بكر، فإن الثابت أن سعد بن عُبادة لم يبايع أبا بكر إمامًا، وإنما ترك اجتماع السقيفة وهو حانقٌ ثائرٌ غير راضٍ عن مبايعة أي من المهاجرين، وعلي بن أبي طالب ظل ممتنعًا عن مبايعة أبي بكر ستة أشهر كما تقول بعض كتب التاريخ، ولو قلنا بذلك أيضًا لكان هذا -كما يقول ابن حزم- تكليف ما لا يطاق، وما ليس في الوسع، وما هو أعظم من الحرج والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وإنما نقول في هذا الأمر بوجوب مبايعة الأكثرية من أهل الحل والعقد. والخلاصة في هذا: أن الرأي الراجح من هذه الآراء التي اختلفت بالنسبة للعدد الذي تنعقد به الإمامة من أهل الحل والعقد هو: الرأي الذي يقول بانعقادها بالأكثرية من أهل الحل والعقد؛ لأن أهل الحل والعقد مهما كان فيه من صفات الكمال فهم بشر غير معصومين، فلا نأمن من جانب الهوى والنفس أمارة بالسوء، فمن الجائز أن تميل القلة إلى شخصٍ غير مستحقًا للرياسة فيبايعوه، فحتى نأمن ذلك أو حتى نظن أمان ذلك يجب اشتراط الأكثرية المطلقة عند مبايعة رئيس الدولة، ولا يصح النظر إلى البلاد الذي ينتمي إليها هؤلاء الأكثرية، فالبيعة من الأغلبية المطلقة من أهل الحل والعقد صحيحة حتى ولو لم يكن فيهم واحد من أهل العاصمة؛ لأن القول بأنه لا بد في صحة عقد الإمامة من أن يكون الذين بايعوه هم أهل الحل والعقد الموجودين ببلد الإمام تحَكْمٌ لا برهان عليه.

стр. 520

انعقاد الإمامة عن طريق العهد من الإمام الحالي ثم ننتقل الآن إلى الطريق الثاني من الطرق التي تنعقد بها رياسة الدولة، أو الإمامة العظمى، وهي: العهد، فنقول: عهد الإمام إلى واحد آخر ليلي الإمامة من بعده هو أحد الطرق التي اعتبرها العلماء موجبة لانعقاد الإمام، فنقول: تكلم الفقهاء والمتكلمون عن العهد باعتباره طريق من طرق انعقاد الإمامة بأن يعهد الإمام الحالي بالإمامة إلى رجل يختاره ليكون الإمام من بعده. يقول الإمام الماوردي: وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو بمن عقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكراهما: أحدهما: أن أبا بكر ﵁ عهد بها إلى عمر ﵁ فأثبت المسلمون إمامته بعده. والثاني: أن عمر ﵁ عهد بها إلى أهل الشورى؛ فقبلت الجماعة دخلهم فيها وهم أعيان العصر اعتقادًا لصحة العهد بها، وخرج باقي الصحابة منها، ويقرر العلماء أن الإمام بتوليه منصبه إنما يجب عليه أن ينظر في مصالحهم الدينية والدنيوية، وإذا ما وجب عليه النظر حال حياته، فالنظر في مصالحهم بعد مماته تابعٌ لذلك. ونتكلم الآن عن شروط صحة انعقاد الرياسة بالعهد، فنقول: إما أن يعهد الإمام إلى واحدٍ فقط، وإما أن نعهد إلى أكثر من واحد، وسنتكلم عن كلِّ حالةٍ من هاتين الحالتين.

стр. 521

الحالة الأولى: أن يكون العهد إلى واحدٍ فقط، ولا بد حينئذ حتى يكون العهد صحيحًا من توافر شروط ثلاثة: أولها: أن تكون الشروط المطلوبة في الإمام متحققة في المعهود إليه، من وقت أن عهد، إلى حين توليه الخلافة بعد موت الإمام العاهد، وعلى ذلك فلو لم تكن هذه الشروط متحققة فيه عند العهد إليه كأن كان صغيرًا أو فاسقًا حينئذ لم يصح العهد، وكذا لو كان صغيرًا أو فاسقًا عند العهد إليه بالغًا عدلًا عند موت الإمام العاهد لم يصر بذلك العهد إمامًا للمسلمين، بل لا بد من مبايعة أهل الحل والعقد له بالخلافة. الشرط الثاني: أن يقبل المعهود إليه العهد، فإذا لم يقبل المعهود إليه هذا العهد، وجب أن يبايع أهل الحل والعقد غيره. الشرط الثالث: أن يكون الإمام العاهد قد قام بهذا العهد والإمامة لا زالت معقودة له، فإن عهِد بالإمامة في حال طروء عارض يخرجه عن الإمامة لم يصح العقد. الحالة الثانية: أن يكون العهد إلى اثنين فأكثر، وذلك على ضربين: الضرب الأول: أن يجعل الإمام أمر الإمامة شورى بينهم لم يقدم واحدًا منهم على الآخر، فيجب في هذه الحال أن يختار أهل الحل والعقد واحدًا من هؤلاء الذين جُعِلَ أمر الإمامة شورى بينهم، أو يخرج الجميع أنفسهم إلى أمر الإمامة إلا واحدًا يتنازلون له عن حقِّهم فيها، وقد استدل العلماء على هذا بما فعله عمر ﵁ بعد طعنه، وبما فعله الصحابة حينئذٍ، فقد رُوي أنه قيل له: أوص يا أمير المؤمنين استخلف، فقال: ما أرى

стр. 522

أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء الرهط الذين توفى رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، فعد عليًا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدًا، وعبد الرحمن، فلما توفى ﵁ اجتمع هؤلاء الرهط الذين جُعِلَ الأمر فيهم، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن بن عوف لعلي وعثمان: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن بن عوف: أفتجعلونه إليّ، والله عليّ ألا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد علي وقال له: لك من قرابة رسول الله ﷺ والقِدم في الإسلام ما قد علمت، والله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن وتطيعن، ثم خلا بعثمان، فقال له مثل ذلك، ثم استقر رأي عبد الرحمن بن عوف على عثمان، فقال له: ارفع يدك يا عثمان فبايعه، وبايع له علي، وتتابع الناس فبايعوه. الضرب الثاني: أن يعهد الإمام بالإمامة إلى أكثر من واحدٍ يرتبها فيهم، فيقول مثلًا: إن مت ففلان هو الإمام، فإن مات فالإمام فلان وهكذا، فالإمامة حينئذٍ يجب أن تكون لمن ذكرهم على الترتيب الذي بينه، فقد استدل على هذا أو قد استُدل على هذا بأن الرسول ﷺ استخلف زيد بن حارثة على جيش مؤتة، ثم قال: فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتضي المسلمون رجلًا، فتقدم زيد فقُتل فأخذ الراية جعفر، وتقدم فقُتل وأخذ الراية عبد الله بن رواحة، فتقدم فقُتل فاختار المسلمون بعده خالد بن الوليد.

стр. 523

ونتكلم الآن عن أنواع المعهود إليهم، وحكم كلا منهم، فنقول: المعهود إليهم على ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكون المعهود إليه ولدًا أو والدًا، وقد اختلف العلماء في جواز أن ينفرد الإمام بعقد البيعة له على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: أنه لا يجوز أن ينفرد الإمام بعقد البيعة لواحدٍ منهما -يعني: لا لولده ولا لوالده- بل لا بد من موافقة أهل الحل والعقد على هذه البيعة؛ لأن ذلك منه تزكية له تجري مجرى الشهادة، وتقليده على الأمة يجري مجرى الحكم، وهو لا يجوز أن يشهد لوالده أو لولده، ولا يحكم لواحد منهما؛ لأنه ميالٌ بالطبع إلى كلِّ واحدٍ منهما. المذهب الثاني ويقول: أن للإمام أن يعهد إلى الوالد أو الولد بدون استشارة أهل الحل والعقد؛ لأنه حاكم الأمة، وأمره نافذٌ عليهم ولهم، فحكم المنصب غالبٌ على حكم النسب، ولم يجعل للتهمة عليه في ذلك طريقًا، وصار فيها كعهده إلى غير ولده ووالده. المذهب الثالث: ويرى أن للإمام أن ينفرد بعقد البيعة للوالد، وأما انفراده بعقدها للولد فلا يجوز؛ لأنه بالطبع يميل إلى الولد أكثر من ميله إلى الوالد؛ ولذلك كان كلُّ ما يقتنيه في الأغلب مدخرًا لولده دون والده. القسم الثاني: أن لا يكون المعهود إليه ولدًا أو والدًا كأن يكون أخًا، أو ابن اعم، أو أجنبيًا، وهنا اتفق الفقهاء على أنه يجوز أن ينفرد الإمام بعقد البيعة له من غير أن يستشير فيه أهل الحل والعقد، ولكنهم اختلفوا في أنه هل يشترط ظهور الرضا من أهل الحل والعقد حتى تنعقد البيعة أو لا يشترط ذلك خلافٌ بين الفقهاء.

стр. 524

القسم الثالث: أن يكون المعهود إليه غائبًا، وحينئذٍ فينظر في حاله؛ فإن كان مجهول الحياة لم يصح العهد إليه، وإن كان معلوم الحياة صح العهد إليه وكان موقوف على قدومه، فإذا مات الإمام العاهد وولي العهد لا زال غائبًا وجب أن يستقدمه أهل الحل والعقد، فإن جاء تولى إمامة المسلمين، وإن ظل غائبًا وتضرر المسلمون لطول غيبته اختار أهل الحل والعقد واحدًا آخر نائبًا عنه حتى يحضر، وتكون أحكامه فيهم كأحكام الإمام، فإذا قدم الغائب انعزل نائبه. رأينا في ولاية العهد: يتبين من تتبع كلام الفقهاء عن العهد أن جمهورهم يعتبرون عهد الخليفة إلى واحدٍ كافيًا في انعقاد الإمامة له، ولا يحتاج لتتم له البيعة إلى مبايعة أهل الحل والعقد بعد عهد الإمام، بل في استطاعته أن يعهد إلى من يراه صالحًا للإمامة بعده من غير أن يستشير في ذلك أحدًا، وكل ما عليه هو أن يجتهد ما وسعه الاجتهاد في هذا الاختيار. يقول الإمام النووي: إن الخليفة إذا أراد العهد لزمه أن يجتهد في الأصلح، فإذا ظهر له واحدٌ جاز أن ينفرد بعقد بيعته من غير حضور غيره ولا مشاورة أحد، والناظر في هذا يرى أن العلماء بقولهم بهذا الرأي إنما يعتمدون في ذلك على أمرين: أولهما: أن الإمام الذي يعطي هذا الحق إنما هو إمامٌ مثاليٌّ قد تمت مبايعته بالطريق الشرعي الصحيح، والذي بينا شروطه -فيما سبق- عند كلامنا على شروط الإمامة، فتوافر هذه الشروط فيه من شأنه أن يجعلَنا نثق فيما يقوم به من أمور الحكم ثقةً كاملةً، ونؤمن بأنه لم يزغ فيما قام به من عهدٍ عن الطريق الواجب، فلم يعهد إلى واحدٍ بعينه إلا بعد أن رآه صالحًا لرئاسة الأمة، ولم يتأثر في ذلك العمل بقرابةٍ أو صداقةٍ أو محبةٍ، بل كان فيما قام به إنما يقصد مصلحة الأمة ووجه الله ﵎.

стр. 525

يقول ابن خلدون: وأما أن يكون القصد بالعهد حفظ التراث على الأبناء فليس من المقاصد الدينية؛ إذ هو أمر من الله يخص به من يشاء من عباده، ينبغي أن تحسن فيه النية ما أمكن خوفًا من العبث بالمناصب الدينية، فهذا العمل الذي قد يكون خاتم ما يقوم به من نظرٍ في شئون الرعية هو مما سيحاسب عليه أمام ربه، وسيؤثر تأثيرًا عظيمًا في حياة أمةٍ بأكملها؛ ولذلك تخوف عمر لما طلبوا منه أن يستخلف، فقال: أتحملها حيًّا وميتًا، فهذا الإمام الذي يعطي عهده هذا التأثير في انعقاد البيعة لمن يخلفه، إنما هو شخصٌ اجتمعت فيه ضمانات قوية تحصنه في غالب الظن ضد الانحراف عن الجادة، فالثقة في هذا الإمام تامة، وخوفه من الله في غالب الظن متحقق، فإذا ما أعطى هذا الإمام هذا الحق، فإنه سيكون غالبًا معبرًا عن رأي الأمة فيمن تراه صالحًا لئن يلي الأمور من بعده. وأما الأمر الثاني: الذي حدا العلماء على أن يقولوا بانعقاد البيعة بمجرد أن يعهد الإمام إلى آخر، فهو ما تفيده الظواهر السابقتين اللتين يستدل بهما العلماء على اعتبار العهد طريقًا في انعقاد الإمامة، ونعني بهما: عهد أبو بكر لعمر، وعهد عمر للستة الذين اختارهم، فإن هاتين لسابقتين تفيدان في الظاهر أن كلًّا من أبي بكر وعمر ﵂ قد عهد من غير أن يجتمع مع عهده رضا الأمة بذلك ممثلة في أهل الحق في أهل الحل والعقد من كبار الصحابة، ونحب أن نبين أن كلًّا من الأمرين لا يصح أن يُجعل مرتكزًا للقول بانعقاد الإمامة بالعهد من الإمام وحده، وذلك لأنه بالنسبة إلى الأمر الأول فإنه مهما بلغت صفات الكمال في الخليفة فإنه بشرٌ غير معصومٍ من الخطأ لا يؤمن أن يميل في ساعة ضعفٍ إلى قريبٍ أو صديقٍ فيعهد إليه بأمر الخلافة، فكل هذا يدل على أن الإمام مهما اشترطنا فيه من شروط فهو بشرٌ، ليس ثمة ما يمنعه من أن يحيد عن

стр. 526

الواجب ويميل مع الهوى؛ فيعهد إلى من لا يستحق؛ لأن العصمة لم تثبت إلا للرسل -صلوات الله وسلامه عليهم. وأما بالنسبة إلى الأمر الثاني وهو: أن سابقتي عهد أبي بكر لعمر، وعهد عمر إلى أهل الشورى تفيدان في الظاهر أن العهد من الخليفة كافٍ وحده بدون أن يجتمع معه رضا الأمة الممثلة في أهل الحل والعقد، فإننا نقول فيما يتعلق بالسابقة الأولى -ونعني بها عهد أبي بكر إلى عمر ﵄ فإنه قد ثبت أن أبا بكر خير الناس بين أمرين: إما أن يختاروا هم من سيتولى الخلافة بعده، وإما أن يتركوا له أمر هذا الاختيار، فطلبوا منهم لثقتهم فيه أن يختار لهم؛ فإن أبا بكر بعد أن أحس بقرب نزوحه عن الدنيا أمر أن تجتمع له الناس؛ فاجتمعوا فقال: أيها الناس قد حضرني من قضاء الله ما ترون، وإنه لا بد لكم من رجلٍ يلي أمركم، ويصلي بكم، ويقاتل عدوكم، فيأمركم، فإن شئتم اجتمعتم فائتمرتم ثم وليتم عليكم من أردتم، وإن شئتم أجتهد لكم رأيي، والله الذي لا إله إلا هو لا آلوكم في نفسي خيرًا؛ فبكى وبكى الناس، وقالوا: يا خليفة رسول الله أنت خيرنا وأعلمنا فاختر لنا؟ قال: سأجتهد لكم وأختار لكم خيركم -إن شاء الله- ولقد رضي الناس عن عمل أبي بكر، وأظهروا السمع والطاعة لمن عهد إليه من غير إجبارٍ من أحدٍ؛ فإنه لما استقر رأيه على عمر أشرف على الناس وهو يقول: أترضون بمن أستخلف عليكم، فإني والله ما آلوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا؟ فقالوا: سمعنا وأطعنا،

стр. 527

بل إن بعض الروايات التي وصفت ما حدث آنذاك تحكي أن الناس قبل أن يعرِفوا من هو المعهود إليه رضوا به لثقتهم التامة فيما يقوم به الصديق، وارتفع صوتٌ واحدٌ من كبار أهل الحل والعقد يطالب الخليفة بألا يعهد إلا إلى عمر. صحيحٌ أنه قد ثبت أن بعض الصحابة لِما يعلمونه من شدة عمر كانوا قد ناقشوا أبا بكر وعاتبوه عندما بلغهم اختيار عمر لهم، لكنهم رضوا بعد ذلك، فهذا معناه: أن أبا بكر -رضوان الله ﵎ عليه- لم يعهد لعمر بن الخطاب إلا بعد أن استشار الناس، وأخذ رأي أهل الحل والعقد، ووافقوا على ذلك. وأما بالنسبة إلى السابقة الثانية وهي: عهد عمر إلى أهل الشورى الستة، فإنه ثبت أن هؤلاء الستة كانوا حائزين رضا الأمة ولم يوجد غيرهم من يصلح للإمامة. ننتهي من هذا كله إلى أن السابقتين اللتين يستدل بهما العلماء على انعقاد الإمامة، بالعهد من الخليفة تُفيدان في الواقع أن للإمام أن يرشح من سيخلفه في رئاسة الأمة، وهو موثوقٌ في حسن اختياره ما دام قد توافرت له الصفات المطلوبة في الإمام بعيدة عن التهم حتى لو رشح لها ابنه أو أباه، إلا أن هذا -كما قلنا- مجرد ترشيح ليس كافيًا وحده في انعقاد الإمامة للمعهود إليه، وإنما لا بد من رضا أهل الحل والعقد بهذا العهد، ومبايعتهم للمعهود إليه، فالمعهود إليه إذن لا تنعقد إمامته إلا بعد أن يبايعه أهل الحل والعقد، ولهم ألا يبايعوه وأن يختاروا غيره إذا لم يكن صالحًا في نظرهم لتولي هذا المنصب، وهذا هو ما كان يفهمه خلفاء بني أمية، فإنهم كانوا إذا عهدوا إلى قريبٍ لهم لم يكتفوا بالبيعة الصادرة من الخليفة، بل كانت البيعة تؤخذ من الناس للمعهود إليه والخليفة العاهد لا زال على قيد الحياة، ثم تجدد البيعة بعد موته، ولو كانوا

стр. 528

يعلمون أن مجرد العهد من الإمام كافٍ في انعقاد البيعة لما احتاجوا إلى أخذ البيعة من الناس، وإننا لنجد عمر بن عبد العزيز وهو من وهو في فقهه وعلمه بأحكام الشريعة بعد أن عهد إليه سيلمان بن عبد الملك بالخلافة، وبعد أن قرئ كتاب العهد على الناس بعد وفاة سليمان بن عبد الملك يصعد المنبر ويقول: "إني والله ما استؤمرت في هذا الأمر وأنتم بالخيار". فهذا منه دليلٌ على أن البيعة لا اعتبار لها إلا إذا كانت من أهل الحل والعقد الممثلين لرغبة الأمة، ولو كان العهد من الخليفة السابق كافيًا وحده في انعقاد الإمامة لما التقى عمر بالناس ليخبرهم بأن لهم كل الاختيار في مبايعته إمامًا عليهم أو عدم مبايعته. انعقاد الإمامة عن طريق القهر والغلبة ثم نتحدث الآن عن الطريق الثالث من طرق انعقاد الرئاسة، وهو: انعقادها بالقهروالغلبة، فنقول: الأصل في انعقاد الرئاسة -كما قلنا- أن يعقدها أهل الحل والعقد لمن يرونه صالحًا لقيادة المسلمين بتوافر الشروط المطلوبة فيه، ويكون ذلك بعد تصفح أحوال من يؤانس فيهم التهيؤ الكامل للقيام بعبء الرياسة الثقيل، فيكون مجيء الرئيس بمحض إرادة الأمة واختيارها ممثلة في أهل الحل والعقد بعد ما ظهرت صلاحيته لهذا المصب. هذا في الظروف العادية التي لا يُفرض فيها أحدٌ إرادته على الأمة، ولكنه يحدث في كثيرٍ من الأحيان أن يثب من توافرت لهم أسباب القوة والغلبة على هذا المنصب، ويفرضون أنفسهم على الناس قسرًا وقهرًا كما يحدث بما نسميه في

стр. 529

عصرنا بالانقلابات العسكرية والثورات المسلحة، فهل يمكن الرئاسة معقودة لهؤلاء الذين واتتهم الفرصة فتسلموا الحكم بهذا الطريق، أم لا يُعدُّ ذلك طريقًا من الطرق التي تنعقد بها الرئاسة؟ العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: يرى الخوارج والمعتزلة أن الإمامة لا تنعقد إلا لمن جاء عن طريق البيعة الخالية عن أي جبرٍ أو قهرٍ. المذهب الثاني وهو مذهب عامة أهل السُّنة والجماعة: أن الإمام يصح أن تنعقد لمن غلب الناس وقعد بالقوة في موضع الحكم، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "من غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحدٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا بارًا كان أو فاجرًا. وجمهور العلماء على انعقادها بهذا الطريق سواء أكانت شروط الإمامة متوافرة في هذا المتغلب أو لم تتوافر فيه حتى ولو كان المتغلب فاسقًا أو جاهلًا انعقدت إمامته، بل لو تغلبت امرأة على الإمامة انعقدت لها، وكذا إذا تغلب عليه عبدٌ، وذلك لأن العلماء ينظرون إلى أنه لو قيل بعدم انعقاد إمامة المتغلب لأدى ذلك إلى وقوع الفتن بالتصادم بين المتغلب ومعاونيه، وبين الإمام الموجود ومن يقف بجانبه، ولانتشر الفساد بين الناس بعدم انعقاد الأحكام التي صدرت عن هذا المتغلب، إذ يلزم عليه عدم صحة زواج من زوجها؛ لأنه لا ولي لها، وأن من يتولى إمامة المسلمين بعده عليه أن يقيم الحدود أولا ويأخذ الجزية ثانيًا، بل إن العلماء نصوا على أنه لو تغلب آخر على هذا المتغلب فقعد مكانه انعزل الأول وصار الثاني إمامًا، فالعلماء إذن يقارنون بين نوعين من الشر فيختارون أهونهما بالنسبة إلى الأمة، ولا يُفتون بتعريضها لأعظم الشرين،

стр. 530

إلا أنه يجب أن يُفهم أن هذه حال ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، فهذه حال إلجاء واضطرار كأكل الميتة ولحم الخنزير، وقبولها لأنها خيرٌ من الفوضى التي تعم الناس، وعلى هذا فإنه يجب ألا توطن الأمة نفسها على دوام هذا الوضع، بل يجب عليها أن تعمل على تغيير الإمامة الناقصة بإمامة كاملة مستوفاة الشروط المطلوبة في الإمام الحق بالوسائل التي لا يكون فيها فتنة بين الناس، ويجب السعي دائمًا لأن يكون الإمام آتيًا عن الطريق الصحيح، وهو طريق أهل الحل والعقد، ومع أن إمامة المتغلب تنعقد نظرًا إلى حال الضرورة -كما قلنا- إلا أن الغالبية العظمى من علماء المسلمين لم يجيزوا أن يكون القهر طريقًا لانعقاد إمامة الكافر للمسلمين إذ حال القهر يمكن أن يُتسامح فيها في بعض شروط الإمامة كالعلم، أو العدالة، أو البلوغ إلا أن شرط الإسلام لا يمكن أبدًا إسقاطه عن الإمام، وعلى هذا فلو تغلب كافرٌ على هذا المنصب فلا يجوز شرعًا السكوت على هذا الوضع، ويجب خلع هذا المتغلب بقوة السلاح؛ لأن الله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: من الآية ١٤١). وبهذا نكون قد تكلمنا عن الطرق التي تنعقد بها الإمامة عند جماهير الأمة الإسلامية. بقي أن نتكلم عن طريق انعقادها عند الشيعة، فقد ذهب الشيعة الإمامية والجارودية من الزيدية إلى أن رسول الله ﷺ نص قبل وفاته على من سيخلفه في رياسة الأمة، وهو علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، إلا أن هناك خلافًا بين هاتين الطائفتين في حقيقة النص الذي صدر من رسول الله ﷺ هل هو نصٌّ جليٌّ واضحٌ صريح الدلالة يُعلم منه بالضرورة إمامة علي بن أبي طالب، أم هو نصٌّ
следующие страницы →