← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11313

السياسة الشرعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (825 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الواجب ويميل مع الهوى؛ فيعهد إلى من لا يستحق؛ لأن العصمة لم تثبت إلا للرسل -صلوات الله وسلامه عليهم. وأما بالنسبة إلى الأمر الثاني وهو: أن سابقتي عهد أبي بكر لعمر، وعهد عمر إلى أهل الشورى تفيدان في الظاهر أن العهد من الخليفة كافٍ وحده بدون أن يجتمع معه رضا الأمة الممثلة في أهل الحل والعقد، فإننا نقول فيما يتعلق بالسابقة الأولى -ونعني بها عهد أبي بكر إلى عمر ﵄ فإنه قد ثبت أن أبا بكر خير الناس بين أمرين: إما أن يختاروا هم من سيتولى الخلافة بعده، وإما أن يتركوا له أمر هذا الاختيار، فطلبوا منهم لثقتهم فيه أن يختار لهم؛ فإن أبا بكر بعد أن أحس بقرب نزوحه عن الدنيا أمر أن تجتمع له الناس؛ فاجتمعوا فقال: أيها الناس قد حضرني من قضاء الله ما ترون، وإنه لا بد لكم من رجلٍ يلي أمركم، ويصلي بكم، ويقاتل عدوكم، فيأمركم، فإن شئتم اجتمعتم فائتمرتم ثم وليتم عليكم من أردتم، وإن شئتم أجتهد لكم رأيي، والله الذي لا إله إلا هو لا آلوكم في نفسي خيرًا؛ فبكى وبكى الناس، وقالوا: يا خليفة رسول الله أنت خيرنا وأعلمنا فاختر لنا؟ قال: سأجتهد لكم وأختار لكم خيركم -إن شاء الله- ولقد رضي الناس عن عمل أبي بكر، وأظهروا السمع والطاعة لمن عهد إليه من غير إجبارٍ من أحدٍ؛ فإنه لما استقر رأيه على عمر أشرف على الناس وهو يقول: أترضون بمن أستخلف عليكم، فإني والله ما آلوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا؟ فقالوا: سمعنا وأطعنا،

стр. 527

بل إن بعض الروايات التي وصفت ما حدث آنذاك تحكي أن الناس قبل أن يعرِفوا من هو المعهود إليه رضوا به لثقتهم التامة فيما يقوم به الصديق، وارتفع صوتٌ واحدٌ من كبار أهل الحل والعقد يطالب الخليفة بألا يعهد إلا إلى عمر. صحيحٌ أنه قد ثبت أن بعض الصحابة لِما يعلمونه من شدة عمر كانوا قد ناقشوا أبا بكر وعاتبوه عندما بلغهم اختيار عمر لهم، لكنهم رضوا بعد ذلك، فهذا معناه: أن أبا بكر -رضوان الله ﵎ عليه- لم يعهد لعمر بن الخطاب إلا بعد أن استشار الناس، وأخذ رأي أهل الحل والعقد، ووافقوا على ذلك. وأما بالنسبة إلى السابقة الثانية وهي: عهد عمر إلى أهل الشورى الستة، فإنه ثبت أن هؤلاء الستة كانوا حائزين رضا الأمة ولم يوجد غيرهم من يصلح للإمامة. ننتهي من هذا كله إلى أن السابقتين اللتين يستدل بهما العلماء على انعقاد الإمامة، بالعهد من الخليفة تُفيدان في الواقع أن للإمام أن يرشح من سيخلفه في رئاسة الأمة، وهو موثوقٌ في حسن اختياره ما دام قد توافرت له الصفات المطلوبة في الإمام بعيدة عن التهم حتى لو رشح لها ابنه أو أباه، إلا أن هذا -كما قلنا- مجرد ترشيح ليس كافيًا وحده في انعقاد الإمامة للمعهود إليه، وإنما لا بد من رضا أهل الحل والعقد بهذا العهد، ومبايعتهم للمعهود إليه، فالمعهود إليه إذن لا تنعقد إمامته إلا بعد أن يبايعه أهل الحل والعقد، ولهم ألا يبايعوه وأن يختاروا غيره إذا لم يكن صالحًا في نظرهم لتولي هذا المنصب، وهذا هو ما كان يفهمه خلفاء بني أمية، فإنهم كانوا إذا عهدوا إلى قريبٍ لهم لم يكتفوا بالبيعة الصادرة من الخليفة، بل كانت البيعة تؤخذ من الناس للمعهود إليه والخليفة العاهد لا زال على قيد الحياة، ثم تجدد البيعة بعد موته، ولو كانوا

стр. 528

يعلمون أن مجرد العهد من الإمام كافٍ في انعقاد البيعة لما احتاجوا إلى أخذ البيعة من الناس، وإننا لنجد عمر بن عبد العزيز وهو من وهو في فقهه وعلمه بأحكام الشريعة بعد أن عهد إليه سيلمان بن عبد الملك بالخلافة، وبعد أن قرئ كتاب العهد على الناس بعد وفاة سليمان بن عبد الملك يصعد المنبر ويقول: "إني والله ما استؤمرت في هذا الأمر وأنتم بالخيار". فهذا منه دليلٌ على أن البيعة لا اعتبار لها إلا إذا كانت من أهل الحل والعقد الممثلين لرغبة الأمة، ولو كان العهد من الخليفة السابق كافيًا وحده في انعقاد الإمامة لما التقى عمر بالناس ليخبرهم بأن لهم كل الاختيار في مبايعته إمامًا عليهم أو عدم مبايعته. انعقاد الإمامة عن طريق القهر والغلبة ثم نتحدث الآن عن الطريق الثالث من طرق انعقاد الرئاسة، وهو: انعقادها بالقهروالغلبة، فنقول: الأصل في انعقاد الرئاسة -كما قلنا- أن يعقدها أهل الحل والعقد لمن يرونه صالحًا لقيادة المسلمين بتوافر الشروط المطلوبة فيه، ويكون ذلك بعد تصفح أحوال من يؤانس فيهم التهيؤ الكامل للقيام بعبء الرياسة الثقيل، فيكون مجيء الرئيس بمحض إرادة الأمة واختيارها ممثلة في أهل الحل والعقد بعد ما ظهرت صلاحيته لهذا المصب. هذا في الظروف العادية التي لا يُفرض فيها أحدٌ إرادته على الأمة، ولكنه يحدث في كثيرٍ من الأحيان أن يثب من توافرت لهم أسباب القوة والغلبة على هذا المنصب، ويفرضون أنفسهم على الناس قسرًا وقهرًا كما يحدث بما نسميه في

стр. 529

عصرنا بالانقلابات العسكرية والثورات المسلحة، فهل يمكن الرئاسة معقودة لهؤلاء الذين واتتهم الفرصة فتسلموا الحكم بهذا الطريق، أم لا يُعدُّ ذلك طريقًا من الطرق التي تنعقد بها الرئاسة؟ العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: يرى الخوارج والمعتزلة أن الإمامة لا تنعقد إلا لمن جاء عن طريق البيعة الخالية عن أي جبرٍ أو قهرٍ. المذهب الثاني وهو مذهب عامة أهل السُّنة والجماعة: أن الإمام يصح أن تنعقد لمن غلب الناس وقعد بالقوة في موضع الحكم، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "من غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحدٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا بارًا كان أو فاجرًا. وجمهور العلماء على انعقادها بهذا الطريق سواء أكانت شروط الإمامة متوافرة في هذا المتغلب أو لم تتوافر فيه حتى ولو كان المتغلب فاسقًا أو جاهلًا انعقدت إمامته، بل لو تغلبت امرأة على الإمامة انعقدت لها، وكذا إذا تغلب عليه عبدٌ، وذلك لأن العلماء ينظرون إلى أنه لو قيل بعدم انعقاد إمامة المتغلب لأدى ذلك إلى وقوع الفتن بالتصادم بين المتغلب ومعاونيه، وبين الإمام الموجود ومن يقف بجانبه، ولانتشر الفساد بين الناس بعدم انعقاد الأحكام التي صدرت عن هذا المتغلب، إذ يلزم عليه عدم صحة زواج من زوجها؛ لأنه لا ولي لها، وأن من يتولى إمامة المسلمين بعده عليه أن يقيم الحدود أولا ويأخذ الجزية ثانيًا، بل إن العلماء نصوا على أنه لو تغلب آخر على هذا المتغلب فقعد مكانه انعزل الأول وصار الثاني إمامًا، فالعلماء إذن يقارنون بين نوعين من الشر فيختارون أهونهما بالنسبة إلى الأمة، ولا يُفتون بتعريضها لأعظم الشرين،

стр. 530

إلا أنه يجب أن يُفهم أن هذه حال ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، فهذه حال إلجاء واضطرار كأكل الميتة ولحم الخنزير، وقبولها لأنها خيرٌ من الفوضى التي تعم الناس، وعلى هذا فإنه يجب ألا توطن الأمة نفسها على دوام هذا الوضع، بل يجب عليها أن تعمل على تغيير الإمامة الناقصة بإمامة كاملة مستوفاة الشروط المطلوبة في الإمام الحق بالوسائل التي لا يكون فيها فتنة بين الناس، ويجب السعي دائمًا لأن يكون الإمام آتيًا عن الطريق الصحيح، وهو طريق أهل الحل والعقد، ومع أن إمامة المتغلب تنعقد نظرًا إلى حال الضرورة -كما قلنا- إلا أن الغالبية العظمى من علماء المسلمين لم يجيزوا أن يكون القهر طريقًا لانعقاد إمامة الكافر للمسلمين إذ حال القهر يمكن أن يُتسامح فيها في بعض شروط الإمامة كالعلم، أو العدالة، أو البلوغ إلا أن شرط الإسلام لا يمكن أبدًا إسقاطه عن الإمام، وعلى هذا فلو تغلب كافرٌ على هذا المنصب فلا يجوز شرعًا السكوت على هذا الوضع، ويجب خلع هذا المتغلب بقوة السلاح؛ لأن الله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: من الآية ١٤١). وبهذا نكون قد تكلمنا عن الطرق التي تنعقد بها الإمامة عند جماهير الأمة الإسلامية. بقي أن نتكلم عن طريق انعقادها عند الشيعة، فقد ذهب الشيعة الإمامية والجارودية من الزيدية إلى أن رسول الله ﷺ نص قبل وفاته على من سيخلفه في رياسة الأمة، وهو علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، إلا أن هناك خلافًا بين هاتين الطائفتين في حقيقة النص الذي صدر من رسول الله ﷺ هل هو نصٌّ جليٌّ واضحٌ صريح الدلالة يُعلم منه بالضرورة إمامة علي بن أبي طالب، أم هو نصٌّ

стр. 531

خفي لا يُعلم المراد منه بالضرورة؟ خلافٌ بينهم في هذا الأمر، وهذا معناه: أنه لا طريق لانعقاد الإمامة عند الإمامية إلا بالنصِّ؛ فإذن هم لا يعترفون بهذه الطرق التي تنعقد بها الإمامة عند جمهور الفقهاء فعندهم لا طريق لانعقاد الإمام إلا بالنصِّ على الإمام. هذا ويجدر بنا أن ننبه إلى أن كلام الشيعة الإمامية في قضية النص يدور حول إثبات دعويين كلٌّ منهما متصلة بالأخرى أوثق اتصال، وأولى هاتين الدعويين هي: أنه لا طريق إلى انعقاد الإمامة إلا النص، وثانيهما هي: أن النبي ﷺ لم يحلق بالرفيق الأعلى إلا بعد أن نص على إمامة علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه- وظاهرٌ أن الدعوى الأولى وهي: أنه لا طريق إلى انعقاد الإمامة لا بالنصِّ قد قصد الشيعة الإمامية بإثباتها خدمة الدعوى الثانية، وهي: النص على إمام علي ﵁ أي: أن غرضهم المنشود هو الوصول إلى إثبات إمامة علي بن أبي طالب، وأنه كان أولى بها من أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃. وننظر الآن إلى شبههم بالنسبة لأن النص إنما هو الطرق الوحيد إلى انعقاد الإمامة، فنقول: استدل الإمام على أنه لا طريق إلى انعقاد الإمامة إلا النص بأدلة كثيرة أجاب العلماء عليها كلها فأبطلوها، فمن ضمن هذه الأدلة التي استدلوا بها قالوا: استدلوا بها على أن النص هو الطريق الوحيد إلى انعقاد الإمامة، فقالوا: لو جاز أن يكون الإمام إمامًا بالاختيار لجاز مثل ذلك في الرسول والنبي، لكن ذلك باطل فثبت عدم جواز أن يكون الإمام بالاختيار، لكن يُرد عليهم بأن هذا قياسٌ غير صحيح، إذ أن القياس لا يصح إلا بوجود علة مشتركة بين المقيس والمقيس عليه، ولا علة مشتركة بين الرسول والإمام حتى يصح القياس، وإنما كانت الرسالة لا تثبت باختيار الناس؛ لأن الرسول

стр. 532

حجة فيما يؤديه، فلا بد من طريقٍ يُعلم به أنه صادقٌ في رسالته، والاختيار ليس طريقًا يتبين منها صدقه فيما يدعيه، ولكن الحال في الإمام غير ذلك؛ لأنه منفذٌ للأحكام ولأمورٍ معروفة؛ فهو كالقاضي إذا ما توافرت فيه شروط القضاء فقد صح اختياره لتولي منصب القضاء، وهذا معناه: أن هذه الشبهة التي استندوا إليها، وأنهم يقيسون منصب الإمامة على منصب النبوة، إنما هي شبهة واهية؛ ولذلك لا يصح استدلالهم في هذا. نكتفي بهذا القدر من هذه المحاضرة، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٣ - انعقاد الإمامة بالنص ووظائف الإمام انعقاد الإمامة بطريق النص الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد تحدثنا في المحاضرات السابقة عن طرق انعقاد الإمامة العظمى عند جمهور الفقهاء، والتي تتمثل في اختيار أهل الحلّ والعقد، وتتمثل أيضًا في العهد من الإمام السابق، وتتمثل أيضًا في الوصول إلى السلطة عن طريق القهر والغلبة أو ما يسمى بلغة العصر الانقلابات العسكرية. وقلنا بأن بعض الشيعة يقولون بأن الإمامة لا تنعقد بالاختيار وإنما تنعقد بطريق واحد فقط هو النص على الإمام، وبناء على ذلك فهم يقولون: إن النبي ﷺ نص على إمامة من يأتي بعده، وكذلك كل إمام يجب أن ينصص على من يأتي بعده. وسوف نواصل الآن الحديث في ذلك فنتحدث عن أدلة الشيعة في ذلك، وسوف نقوم بالردّ عليها فنقول وبالله التوفيق: حاول الشيعة الإمامية أن يثبتوا أنه لا يتصور أن يفارق الرسول ﷺ الحياة قبل أن يوصي بالإمام، ثم رتبوا على ذلك أمرًا آخر فقالوا: إنه ما دام الرسول ﷺ قد أوصى بالإمامة فالذي أوصى له هو علي بن أبي طالب، واستدلوا على ذلك بعدة أمور: الأمر الأول قالوا: إنه قد جرت عادة النبي ﷺ ألا يخرج من المدينة إلا وقد استخلف عليها من يقوم بأمر المسلمين فيها، ولم تتخلف عادته في ذلك ولا مرة واحدة، وإذا كانت هذه هي عادته في الحياة فلا بد وأن يكون قد راعى ذلك بالنظر إلى الوقت الذي يتركهم فيه إلى الرفيق الأعلى؛ لأن رعاية مصالح المسلمين عند غيبته ممكنة وإن كانت شاقة إلا أنها بعد مماته غير ممكنة. والأمر الثاني الذي استدلوا به على أن النبي ﷺ نصّ على الإمام: أن الرسول ﷺ قال: ((إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها)) وكما أنه يجب على الوالد المشفق على أولاده رعاية مصالحهم حال حياته فإنه يجب عليه أيضًا رعايتها بعد مماته لئلا يضيعوا، ومن المعلوم أن الرسول ﷺ لو لم ينصص على من يلي أمرهم بعده؛ لضاعوا في دنيهم ودنياهم فوجب القطع بأنه قد نصّ على الإمام بعده. والأمر الثالث الذي استدلوا به قالوا: من المعلوم أن الرسول ﷺ قد بالغ في الشفقة على أمته، وأرشدها إلى كل ما هو أصلح حتى في الصغير من الأمور لدرجة أنه علمهم في كيفية الاستنجاء ثلاثين أدبًا، وإذا كان الأمر كذلك وإذا كانت خلافة الرسول ﷺ -

стр. 533

تتوقف عليها أعظم المصالح في الدنيا والدين أفلا تكون أولى باهتمام الرسول ﷺ بها ولا يترك أمته إلا وقد أرشده إلى من سيلي أمورهم بعده. وأما الأمر الرابع الذي استدلوا به على نصّ النبي ﷺ على الإمام قالوا: إن الرسول ﷺ لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد كمُل الدين كما قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (المائدة: من الآية ٣) وإذا كانت الإمامة أعظم أركان الدين فلا بد وأن تكون هي الأخرى قد تمت قبل وفاته، ولا يمكن أن تكون قد تمت إلا إذا كان الرسول ﷺ قد نصّ على من يكون إمامًا بعده. ثم قالوا: فهذه الأمور الأربعة تدل دلالة واضحة على أن الرسول ﷺ قد نصّ في حياته على شخص معين يلي أمر الأمة بعده. هذه هي الأدلة التي استدل بها الشيعة الإمامية على أن الإمام لا يتعين إلا بالنص عليه، لكن جمهور العلماء قد ردوا عليه بالردود الآتية: أولًا: أن هناك من الأحاديث والآثار الكثيرة ما يصرّح بأن الرسول ﷺ لم ينصّ على إمامة أحد، فقد روي عن علي -رضي الله تعالى عنه- قال: ((قيل: يا رسول الله من تؤمر؟ فقال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويًّا أمينًا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليًّا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديًا مهديًّا يأخذ بكم الطريق المستقيم)) وهذا هو ابن عمر يقول: حضرت أبي حين أصيب فأثنوا عليه وقالوا: جزاك الله خيرًا، ثم قال له: استخلف فقال: أتحمل أمركم حيًّا وميتًا لوددت أن حظي منها الكفاف لا علي ولا لي، فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني: أبا بكر- وأن أترككم فقد ترككم من هو خير مني -يعني: رسول الله ﷺ .

стр. 534

ولما جُرح علي بن أبي طالب دخل عليه الناس يسألونه فقالوا: يا أمير المؤمنين أرأيت إن فقدانك أنبايع الحسن؟ قال: لا آمركم ولا أنهاكم وأنتم أبصر، فقال له رجل من القوم: ألا تعهد يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكني أتركهم كما تركهم رسول الله ﷺ . ثانيًا: من الأدلة أو من الردود التي ردّ بها الجمهور على الشيعة: يقول الجمهور: إن عليًا ﵁ أظهر موافقته على خلافة أبي بكر، ثم رضي مع الناس بالعهد الذي عهده أبو بكر إلى عمر، بل علّق رضاه على أن يكون المعهود عليه عمر بن الخطاب، فقد روي "أنه لما ثَقُل أبو بكر أشرف على الناس من قوة فقال: أيها الناس إني قد عهدت عهدًا أفترضون به؟ فقال الناس: رضينا يا خليفة رسول الله، فقام علي فقال: لا نرضى إلا أن يكون عمر، قال: فإنه عمر". فلو كان هناك من نصّ رسول الله ﷺ على إمامة علي لما رضي بخلافة أبي بكر وبخلافة عمر، ولأظهر هذا النص ولقام يدافع عنه ويمنع غيره من أن يتولى إمامة المسلمين، وها نحن قد رأينا أبا بكر يقف أمام الأنصار مدافعًا عن اختصاص قريش بالإمامة مستدلًّا بحديث: ((الأئمة من قريش)) فأطاعه الأنصار وانقادوا لخبر الواحد وتركوا ما كانوا يدافعون عنه، فكيف نتصور أن يكون هناك نصّ جليّ متواتر عن رسول الله ﷺ في إمامة علي بن أبي طالب ولا يكون هو مدافعًا عن حقه في الإمامة بين قوم ينقادون لخبر رسول الله ﷺ ولو كان خبر واحد؟ وما يدعيه الإمامية من أن رضا عليّ بخلافة أبي بكر وعمر كان من قبيل التقية لا يُصدق، إذ شجاعة علي ابن أبي طالب مشهورة ومواقفه البطولية في المعارك التي خاضها مع رسول الله ﷺ وفي الجمل وصفين ليست محلّ جدل، فكيف يتصور منه وحاله من الشجاعة ما عرفناه كيف نتصور منه أن يجبن وأن يلزم السكوت عن إبداء حقه إذا كان الرسول ﷺ قد نصّ على أنه الإمام بعده؟

стр. 535

ثالثًا: ومن الردود التي ردّ بها الجمهور على الإمامية الشيعة: قالوا: أنه لما مرض رسول الله ﷺ طلب العباس من عليّ أن يذهبا إلى رسول الله ﷺ فيسألاه فيمن أمر بالخلافة ولم يوافقه عليّ على هذا، والقصة كما رواه البخاري هي: "أن العباس أخذ بيد علي بن أبي طالب في وجعه -أي: في مرض رسول الله ﷺ الذي توفى فيه- قائلًا له: اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فنسأله فيمن هذا الأمر، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا كلمناه فأوصى بنا، فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمُنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ ". والتعقيب على ذلك: أنه لو كان هناك نصّ من رسول الله ﷺ على إمامة علي لما كان هناك داع إلى هذا الحوار الذي دار بين علي والعباس، فموقفهما يدلّ على أن الرسول ﷺ لم ينصّ على إمامة علي ﵁. رابعًا: ومن الردود التي ردّ بها الجمهور على الإمامية الشيعة: قالوا: أنه قد نُقل متواترًا عن الصحابة أنهم كانوا يعتقدون أنه لا نصّ من رسول الله ﷺ على إمامة أحد، فبدعة النصّ الجلي إذًا لم يعتقدها الصحابة ولم تشتهر في عصر التابعين، فلو كان هناك نصّ جليّ من رسول الله ﷺ على إمامة عليّ بن أبي طالب والأمر كذلك فلا يخلو حال الصحابة من أحد أمرين: إما أن يكون هذا النص الجلي قد بلغهم من رسول الله ﷺ ولكنهم أخفوه، أو لم يبلغهم هذا الخبر من رسول الله ﷺ أصلًا، فأما احتمال أن يكون هذا النص قد بلغهم من رسول الله ﷺ ولكنهم كتموه فهو احتمال باطل يُنبئ عن عفنٍ فكري وعن زيغ في العقيدة وهوى وغرض في المجادلة؛ وذلك لأن هذا الاحتمال هو في حقيقته اتهام لصاحبة رسول الله ﷺ بعدم امتثال أوامر الله ورسوله مع أن فيهم السابقين الأولين من المهاجرين

стр. 536

والأنصار، وفيهم العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من المثل العليا في الهداية والانقياد لله ورسوله، وشهرتهم في صفاء القلوب وخلوص العقيدة عن الضغائن والأحقاد مما لا يمكن أن يكون موضعًا لجدال، وعلى هذا فإنه يجب أن نقول: إنه لم يوجد أصلًا نصّ عن رسول الله ﷺ على إمامة عليّ بن أبي طالب ولا على إمامة غيره، ولو وجد مثل هذا النص لبلغوه ﵃. بهذا نكون قد انتهينا من الطريق الذي قال به الإمامية من الشيعة في تقليد الإمامة أو في انعقاد الإمامة وهو النص، وقد رأينا ردود الجمهور عليهم، ونكتفي بهذا القدر من طرق انعقاد الإمامة. واجبات الإمام واجبات الإمام وحقوقه: الإمامة العظمى أو الخلافة من أخطر المناصب في الدولة الإسلامية وفي كل دولة، وهي من وجهة نظر الإسلام كما ذكرنا غير مرة تعتبر من الأمانات التي يجب إيصال مقتضياتها هي أهلها، فهي في المقام الأول تكليف وليست تشريفًا، فمن هنا كان على الخليفة للأمة واجبات يتعين عليه آدائها على أكمل وجه، وله عليها في مقابل ذلك حقوق وهذا ما سوف نتعرض لبيانه بالتفصيل فيما يأتي: أولًا: واجبات الخليفة أو وظائف الخليفة: لقد تكلم في هذه المسألة غير واحد من فقهاء المسلمين وعلمائهم، ولعل من أبرز الكتابات في هذه المسألة ما ذكره الماوردي في هذا الشأن يقول الماوردي في هذا الصدد: والذي يلزمه -أي: يلزم الإمام- والذي يلزمه من الأمور العامة عشرة أشياء: أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نَجَمَ مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة وبيّن له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروسًا من خلل والإمامة ممنوعة من زلل.

стр. 537

وكلام الماوردي هذا في غاية الروعة وفي منتهى التحقيق والدقة، إذ ينطبق على واجب الإمام في المحافظة على ما أجمع عليه السلف الصالح من الدين وإطلاق الحرية للأمة فيما وراء ذلك لتجتهد ما وسعها الاجتهاد، وعلى الإمام إذا لم يكن من أهل الاجتهاد أن يستشير أهل العلم ليبين أمره على خير وجه، فقد كان هذا دائمًا صنيع سلف هذه الأمة، حوار دائم ومشاورة بين الحكام والعلماء، وفي بعض الأحيان كان العلماء يطيعون الحكام فيما يخالف اجتهادهم من أمور إذا لم يصادم ذلك نصًّا قطعيًّا من الكتاب والسنة، أو يتعارض مع ما أجمع عليه السلف، ولذلك لم يوافق العلماء الحكام على القول بخلق القرآن، ومحنة الإمام أحمد بن حنبل في هذا الصدد معروفة مشهورة. وتقرير مسئولية الدولة في النظام الإسلامي على هذا النحو وإن كانت تتجافى مع ما تقرر في النظام البرلماني الذي يعتبر أن رئيس الدولة لا يحكم ومن ثم فهو غير مسئول، سواء في مواجهة الشعب أو في مواجهة ممثليه، وإنما تقع المسئولية على الوزارة باعتبارها سلطة التنفيذ أمام السلطة التشريعية التي تراقب تطبيق المبادئ الدستورية -إلا أن النظام الإسلامي يشبه ما هو معروف في النظام الرئاسي، الذي يعتبر رئيس الدولة هو المسئول الأول أمام الشعب أو أمام ممثليه في البرلمان، وهو الذي يقوم بتولية وزرائه وإعفائهم وهم مسئولون أمامه مسئولية تامّة. الوظيفة الثانية لرئيس الدولة أو للإمام الأعظم: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين؛ حتى تعمّ النصرة فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم، وقد رأينا سلفًا أن الأئمة في صدر الإسلام كانوا يتولون القضاء بأنفسهم، وأول من جعله إلى قضاة مخصوصين الخليفة عمر بن الخطاب ﵁-

стр. 538

وعلى كل حال فقضاة الخليفة يمثلونه في القضاء بين الناس بتحقيق العدل ورفع الظلم، فهو وإن كان يرأسهم إلا أن ذلك لا يعتبر تدخلًا معيبًا من قبل السلطة التنفيذية في أعمال القضاء؛ لأن القاضي في النظام الإسلامي يخضع لحكم الشريعة، والخليفة يخضع لحكمها أيضًا، وهو بطبيعة الحال لن يعقّب على عمل القضاة إلا عند مخالفتهم لحكمها، ويعتبر ذلك من النظام الإسلامي تقريرًا للقاعدة التي تقول بأن العدل أساس الملك واستدامة الدول. الثالث من الوظائف التي يقوم بها الإمام: حماية البيضة والذبّ عن الحريم ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمانين من تغرير بنفس أو مال، وبيضة كل شيء هي حوذته، فهو يحمي حوذة الأمة أو ما يعرف اليوم بالأمن العام عن طريق فرض سيطرة الدولة على الخارجين عليها بحيث لا يكون في البلاد ما يهدد أمن الناس واستقرارهم. الوظيفة الرابعة للإمام: إقامة الحدود؛ لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك، وهذا بطبيعة الحال من أخصّ واجبات الدولة في الدساتير الحديثة فهي التي تنفذ القانون على المخالفين الخارجين على حكمه، ورئيس الدولة في النظام الإسلامي على قمة المسئولية في حراسة الدين وسياسة الدنيا به كما تقدم. الوظيفة الخامسة: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة؛ حتى لا تظفر الأعداء بثغر ينتهكون فيه محرمًا أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دمًا، فمن أهم واجبات الدول الحديثة حماية البلاد من خطر الاعتداء الخارجي عليها، وذلك يكون بإعداد الجيوش القوية المدربة القادرة على رد عدوان المعتدين،

стр. 539

ومن الواضح من تقرير هذه الواجبات المختلفة على الخليفة أن الإسلام ينظر إليه كما ذكرنا على أنه المسئول الأول عن كل أعمال الدولة مسئولية مباشرة، ولذلك تتطلّب العلماء في الخليفة شروط خاصة تتصل بكفايته وقدرته على تحمل أعباء الحكم كما بينا ذلك بالتفصيل في شروط الإمام الأعظم. الوظيفة السادسة: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله، ومعلوم أن الجهاد يكون عينيًّا وكفائيًّا فهو يجب وجوبًا عينيًّا على كل مكلف إذا استولى العدوّ على بعض بلاد المسلمين وتوقف دفعه على ذلك، أو إذا استنفر الإمام الناس إليه، وفيما عدا ذلك يكون واجبًا كفائيًّا إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين، والجهاد قد يكون بالمال وبالدعوة إلى الإسلام بالبرهان، وبناء على ذلك فيجب طاعة الإمام فيما يأمر به من نظام التجنيد والتعليم العسكري استعدادًا لمجابهة الأعداء كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: ٦٠) والخطاب هنا لأمة المسلمين ومنهم الإمام باعتباره المسئول الأول عن جهاد المعاندين بعد دعوتهم. الوظيفة السابعة: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبها الشرع نصًّا واجتهادًا من غير خوف ولا عسف، وهذا في الواقع يؤدي إلى إيصال الحقوق إلى أصحابها؛ لكون الشارع قد جعل هذه الأموال حقوقًا لبعض الناس كالفقراء والمساكين فيما يتصل بالصدقات فقد لا يستطيعون المطالبة بحقوقهم؛ ولذلك حارب الخليفة الأول من فرّق بين الصلاة والزكاة فيما يعرف بحروب الردّة في التاريخ الإسلامي،

стр. 540

وكذلك يجب على الخليفة جباية أموال الفيء من الخراج والجزية ونحو ذلك، وكان أول من فرض الخراج عمر بن الخطاب في أيام خلافته بعد أن فتحت أراضي الشام والعراق. الوظيفة الثامنة: تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه في وقت لا تقديم ولا تأخير، وهذا يقرب مما يعرف في الدول الحديثة من إعداد للميزانية العامة للدولة والموازنة بين إرادتها ونفقاتها مما يحقق توازنًا للميزانية من غير سرف ولا تقتير؛ لأن السرف قد يؤدي إلى التضخم والافتقار، والتقتير قد يؤدي إلى ظلم الرعية، وذلك كله مما تحرمه الشريعة التي هو منوط بحراستها. الوظيفة التاسعة: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة، فعلى الحاكم في هذا الصدد -أي: حين يختار عماله- أن يدقق ويختار الأكفأ والأفضل والناصح والأمين، دون مراعاة لعوامل المحاباة والمحسوبية والرشوة أحيانًا، ومعلوم أن الكمال لله وحده، ولذلك فيجب بذل الوسع بقدر المستطاع عند إسناد الولايات العامة إلى بعض الناس بحيث يكون هؤلاء ممن يعرفون بالكفاءة والأمانة؛ لتكون الأعمال متقنة بالكفاءة والأموال مصونة بالأمانة. الوظيفة العاشرة: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلًا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغشّ الناصح، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص: من الآية: ٢٦) فلم

стр. 541

يقتصر الله على التفويض دون المباشرة، ولا عذره في الاتباع حتىوصفه بالضلال، وهذا وإن كان مستحقًّا عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة فهو من حقوق السياسية لكل مسترع، قال النبي ﷺ : ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) ولكن ليس معنى هذا أن الخليفة لا يلجأ إلى التفويض مطلقًا، فله بطبيعة الحال أن يستعين بالولاة والأعوان والوزراء، ويخصص لكل واحد مسئولتيه، ولكن عليه أن يراقب كل هؤلاء ويتفقد أحوالهم باعتبار مسئولتيه الأولى كما ذكرنا، ولأنه قد يخون الأمين ويغشّ الناصح، كما قال الماوردي. وقد أشار أحد الباحثين إلى أن حقّ الخليفة في تفقد الرعايا ينقسم إلى قسمين: لأنه إما أن يكون بالنسبة للخاصة، أو للعوام. فالنسبة للخاصة وهم أولو المراتب والحكام ومن يتقلد الأمر عن السلطان فيجب على الملك أن يتفقد أحوال كل منهم وما يتعلق به وما يصدر عنه وما يجب عليه وما يحدث منه، فإن وجده على السداد شكره وأنعم عليه، وإن وجده بخلاف ذلك عزله. وأما ما يتعلق بأحوال العامة أو الرعايا في القرى والبوادي وأماكن الزروع والآثار فلا بد من التفقد لأحوالهم والتطلع على أخبارهم وما يصدر منهم والنظر في أمورهم وإصلاح شئونهم. ولعل من أهل الواجبات التي يجب اعتبارها في هذا الصدد وعدم إهمالها أو التنازل عنها على الإطلاق -واجب الإمام في المشاورة في كل ما لم يرد نصّ عن الله ورسوله ولم يحدث إجماع بشأنه، ولا سيما في أمور الحكم والسياسية التي تنبني على المصالح عادة؛ لأن الخليفة في النظام الإسلامي ليس حاكمًا مطلقًا وإنما هو مقيد بنصوص الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين العامة،

стр. 542

والأمر بالمشاورة قد ورد بالنسبة للرسول ﷺ فلمن هو دونه أولى؛ لأن مصالح الأمة كثيرة ولا يمكن تحديدها، وتختلف باختلاف الزمان والمكان فلا يمكن تقييدها، ولذلك لا بد من المشاورة. وبالجملة يمكن القول بأن واجبات الإمام أو الحاكم في الدولة الإسلامية ترجع إلى إقامة الدين وحراسته، وسياسة الدنيا بالدين، وإدارة شئون الدولة بمهارة وبراعة، ونشر العلم والمعرفة بكل السبل، واحترام العلماء وتقديرهم، فما أضيع تلك الدول التي يمتهن فيها العلماء ويقدم فيها الأدعياء، ويجب على الإمام أن يعمل على توفير الحياة الكريمة لرعيته متحليًّا في ذلك بما كان عليه سلف الأمة في عهد الخلافة الراشدة، ففي تاريخهم أمثلة يجب الاقتداء بها. وإذا حاولنا المقارنة بين ما تقرر في الفقه السياسي الإسلامي بالنسبة لواجبات الخليفة وبين ما تقرره الدساتير الحديثة من وظائف الدولة -فإننا نجد أن الفقه الدستوري الحديث يجعل من وظائف الدولة وظيفة تشريعية وأخرى تنفيذية وثالثة قضائية، وهذه السلطات بعينها يمكن أن نستنبطها مما ذكره الفقهاء المسلمون بشأن واجبات الإمام أو الخليفة، ولكن مع ملاحظة طبيعة النظام الإسلامي الذي لا يكون فيه التشريع إلا لله ، وتكون الشريعة فيه هي المحددة للحقوق والواجبات سواء بالنسبة للحاكم أو بالنسبة للرعية، ولكن يبقى مع ذلك امتياز النظام الإسلامي الذي يجعل من وظائف الإمام واجبات عليه، يسأل أمام الأمة عن تنفيذها قبل أن تكون سلطات له يتمتع باستخدامها وممارستها، ومعلوم أن الحاكم وكيل عن الأمة فتتقرر لذلك مسئوليته عن أخطائه أمامها، والحكم لا يكسبه أية مزية ترتفع به عن مستوى المُساءلة، فالرؤساء والمرؤوسون

стр. 543

في خضوعهم للحساب والعقاب سواء؛ لأن أساس التفاضل بين الناس في ميزان الشريعة هو التقوى والعمل الصالح، ولقد وضع الرسول ﷺ نفسه أول سابقة دستورية في هذا الصدد، فقد أورد ابن سعد في طبقاته: ((دخل الفضل بن عباس على النبي ﷺ في مرضه فقال: يا فضل شدّ هذه العصابة على رأسي فشدها، ثم قال النبي ﷺ : أرنا يدك، قال: فأخذ بيدي النبي ﷺ فانتهض حتى دخل المسجد فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنه قد دنا مني حقوق من بين أظهركم وإنما أنا بشر، فأيما رجل كنت قد أصبت من عرضه شيئًا فهذا عرضي فليقتصّ، وأيما رجل كنت أصبت من بشره شيئًا فهذا بشري فليقتصّ، وأيما رجل كنت أصبت من ماله فهذا مالي فليأخذ منه، واعلموا أن أولاكم بي رجل كان له من ذلك شيء فأخذه أو حللني فلقيت ربي وأن محلل لي)) فإذا كان هذا هو شأن رسول الله ﷺ أفلا يكون من هو دون ذلك بكثير جدًّا من الخلفاء والحكام والأئمة من باب أولى؟! هذا بالإضافة إلى المسئولية الأخروية أمام الله تعالى إذ ما خان الحاكم أمانته وضيع رعيته، فقد حذّر الشرع من ذلك كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: ٢٧) وقال تعالى في سورة القصص بعد أن ذكر قصة فرعون وعتوّه وفساده في الأرض: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ﴾ (القصص: ٤١، ٤٢)

стр. 544

قال الشوكاني في تفسيرها: أي صيرناهم رؤساء متبوعين مُطاعين في الكافرين، فكأنهم بإصرارهم على الكفر والتمادي فيه يدعون أتباعهم إلى النار لأنهم اقتدوا وسلكوا طريقتهم تقليدًا لهم، ويقول ﷺ : ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته)) وقال ﷺ : ((ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٍ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) وقال ﷺ : ((من ولّاه الله من أمر الناس شيئًا فاحتجب عن حاجتهم احتجب الله عن حاجته يوم القيامة)) وقال ﷺ : ((يا أبا ذر -حين سأله الولاية أو أن يستعمله قال له- إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذ بحقها وأدى الذي عليه فيها)). تلك كانت هي واجبات الإمام أو وظائف الإمام. حقوق الإمام نتحدث الِآن عن حقوق الإمام فهو عليه واجبات ووظائف يؤديها وفي المقابل له حقوق قِبل الرعية أو قبل المحكومين، ومن أهم هذه الحقوق: أولاً: واجب الطاعة: يترتب على التزام السلطة العامة بقواعد المشروعية الإسلامية أن تكون واجبة الطاعة فيما تأمر به أو تنهى عنه، وهذا الالتزام ليس قاصرًا على هؤلاء الذين وافقوا على اختيار القائمين على هذه السلطة بمقتضى البيعة العامة، وإنما يتعدى إلى الأقلية التي لم توافق على ذلك، وذلك يرجع إلى أن ما ارتأته الأغلبية تلتزم به الأقلية بالنصوص التي تحكّم عدم الخروج على حكم الجماعة،

стр. 545

فوق أن السلطة العامة في الدولة الإسلامية لا يتثنى لها كفالة حقوق الأمة ما لم يلتزم أفراد الأمة بقراراتها وتصرفاتها التي تجريها في نطاق أحكام الشريعة الإسلامية، وإذا كانت السلطة العامة لا تستطيع كفالة حقوق الله وحقوق الأمة إلا إذا كانت واجبة الطاعة -إلا أن هذه الطاعة ليست مطلقة وإنما حدّد الشارع نطاقها بقيود وقواعد تحول دون خروجها عن النطاق المرسوم لها، وسوف نتعرض أولًا لمصادر مشروعية واجب الطاعة الذي تلتزم به الأمة، ثم نبين بعد ذلك نطاق هذا الواجب. مصادر مشروعية واجب الطاعة: الطاعة المفروضة للسلطة العامة تضافرت الأدلة في مصادر المشروعية على ثبوتها بنصوص قاطعة سواء في القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة أو الإجماع، ففي القرآن الكريم يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: من الآية: ٥٩) فهذه الآية حسبما انتهى إليها المفسرون والفقهاء توجب الطاعة لأولي الأمر من الأئمة والولاة؛ وذلك لصحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بطاعتهم فيما لله وللمسلمين مصلحة. والأدلة في السنة كثيرة وتوجب جميعها طاعة أولي الأمر من المسلمين، ومن هذه الأدلة قوله ﷺ : ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)) ويقول ﷺ : ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره، ما لم يأمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) ويقول ﷺ : ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي)) ويقول ﷺ : ((من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا فمات مات

стр. 546

ميتة الجاهلية)) ويقول أيضًا: ((من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة الجاهلية)). وإلى جانب النصوص القاطعة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة انعقد الإجماع على وجوب طاعة أولي الأمر فيما يأمرون به أو ينهون عنه طالما كانت هذه الأوامر والنواهي في حدود ما أمر به الشارع. ثم نتحدث عن حدود الطاعة فنقول: وإذا كانت السلطة التي تمارسها السلطة العامة في حدود أحكام الشريعة -فإن وجوب طاعته في هذه الحالة حتميّ على عامة المسلمين وخاصتهم من العلماء والفقهاء؛ لأن ممارسة السلطة العامة في هذه الحالة نافعة للناس في أمور دينهم ودنياهم، وحتى في الحالات التي لا يتبين للمحكومين فيها وجه النفع من وراء ممارسة السلطة فإن الأمر الصادر منها يكون واجب الطاعة طالما أنها لم تخالف نصًّا أو قاعدة كلية من نصوص وقواعد الشريعة، ذلك أن فرضية الطاعة ثابتة بأدلة مقطوع بصحتها وما تردد للمحكومين من نفعها أو عدم نفعها لا ينهض دليلًا لمعارضة هذه النصوص، ففي نطاق الأحكام الاجتهادية التي اختلفت حولها الآراء فإن حكم الحاكم فيها واجب الطاعة، ليس من العامة فقط ولكن من الفقهاء أِيضًا، سواء هؤلاء الذين يرون من رآه الحاكم أو هؤلاء الذين لم يوافقوا على ما رآه الحاكم ابتداء، ويتحكم على المخالف في هذه الحالة ألا يفتى خلافًا لما انتهى إليه الحاكم، ذلك أن حكمه في هذه المسائل التي لم تتفق حولها آراء العلماء لا يردّ ولا ينقض فلا تسوغ الفُتيا المخالفة، ذلك أن الفتيا المخالفة في هذه الحالة تؤدي إلى اضطراب الأحكام وتناقضها وتزعزع الثقة في حكم الحاكم، وهو خلاف المصلحة التي نصّب الحكم من أجلها.

стр. 547

وإذا كانت الطاعة واجبة وكفلها الشارع بنصوص قاطعة على جميع الأمة فإن المقصد الأساسي من وراء هذا الوجوب هو أن تتمكن السلطة العامة من تحقيق مقاصد الشرع من حقوقه، يتحتم عليها كفالتها ومراسم يتحتم المحافظة عليها، فممارسة السلطة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما حتمه الشارع من قواعد وأحكام وما ابتغاه من وراء إيجاب الطاعة على كل الأمة بحيث إذا خرجت السلطة العامة عن نطاقها الذي رسمه الشارع لا تكون الطاعة عندئذ لازمة، وبمعنى أدق فهي غير جائزة، وهو ما انتهى إليه المفسرون من تفسيرهم لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ حيث قرروا أن الطاعة المفروضة للحكام ليست طاعة أصلية واجبة ابتداءً، وإنما هي طاعة تبعية ترتبط أساسًا بطاعة الحكام لله وللرسول، وهو ما يستفاد من تكرار الأمر في وجوب طاعة الله وطاعة الرسول، ولم يتكرر عندما أمر بطاعة أولي الأمر، وهو ما يوضح أن هذه الطاعة مستمدة أساسًا من طاعة الحاكم لله وللرسول، بالتزام أوامرهما والكف عن نواهيهما والعمل على تحقيق وكفالة غايات الشارع وأهدافه، وكقاعدة حاسمة لا يجوز التردد في قبولها فإن ذلك يعني أن الطاعة ليست واجبة إلا في حالة التزام السلطات العامة بقواعد المشروعية في الفقه الإسلامي، ولا تكون واجبة فيما وراء ذلك وإنما يكون الواجب على المسلمين في هذه الحالة هو الردّ والإنكار، ويتحقق ذلك في حالة ما إذا كان الأمر الصادر من السلطات العامة وقع مخالفًا بدليل قطعي من نصّ أو إجماع أو قياس جليّ، أو كان مخالفًا بدليل ظنيوالحاكم غير مجتهد ولم يجر المشاورة فيما أصدره من قرارات مخالفة بذلك واجب الشورى، وما ارتأته غالبية علماء الأمة وفقهائها في هذه المسألة،

стр. 548

كما تتحقق المخالفة إذا كانت القرارات الصادرة من السلطة العامة مخالفة لنصوص مشروعية التي لا تخفى على أحد من العوام أو الخواص، وفي هذه الحالة لا تجب الطاعة من الجميع لما يترتب عليها من مضار، كما تتحقق المخالفة في كل الحالات التي يكون الأمر الصادر من السلطة العامة مستهدفة مصلحة غير المصلحة العامة للمسلمين كما هو الأمر في حالة الانحراف في استعمال السلطة، أو التجاوز بها عن الحدود التي رسمها الشارع، فإن الطاعة لا تكون لازمة حينئذ، فالطاعة لا تكون لازمة إذا كان الحاكم المسلم جائرًا ظالمًا في أحكامه يعسف بحقوق الرعية، وهو ما قرره البعض بتقريره أن الطاعة لا تكون إلا للحاكم العادل؛ لأن الحاكم الظالم الله ورسوله بريئان منه، ويروى عن الإمام علي ﵁ قوله: "حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحقّ على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا". وإذا كانت الطاعة مقيدة بقيود وحدود حددها القانون الإسلامي إلا أنه في بعض الحالات قد تكون هذه الطاعة مطلقة ولا يسع المسلمون إلا قبولها، حتى مع خروجها عن القاعدة العامة التي وضعها الشارع للظروف العادية كما لو حتمت الضرورة ذلك، كما قد تكون الطاعة واجبة في حالة انصراف حالة الضرورة إلى المحكومين وحدهم وذلك في كل الحالات التي يترتب على عدم الطاعة الهلاك أو يُخشى تفتيت وحدة الأمة، فالضرورة في هذه الحالة أو تلك هي التي تستوجب طاعة أوامر وقرارات السلطة العامة،

стр. 549

ومعيار الطاعة في الحالة الثانية هو اختيار أخفّ الضررين وأيسرهما، فإذا كان الضرر الناجم عن عدم الطاعة يفوق الضرر المترتب على الامتثال لأوامر السلطة العامة فلا مفر من قبول هذه الأوامر، ويكون من الواجب الطاعة دفعًا للضرر الأشد، وعلى العكس من ذلك إذا كان الضرر الناجم من الطاعة يفوق الضرر المترتب على مخالفة هذه القرارات فلا مفرّ من عدم الطاعة؛ اتقاء للضرر الناتج عن طاعة الأوامر المخالفة للقانون كما لو كانت تؤدي إلى ضياع الأمة وهلاكها، وعلى ذلك فإن حدّ القانون الإسلامي الذي وضع للظروف العادية لا يكون لازمًا في كل الحالات التي يكون فيها عدم الطاعة مرتبًا لأضرار جسيمة على الأمة، أما في حالة السعة والاختيار فلا مناص من تطبيق القاعدة العامة وهي ضرورة أن تكون الطاعة في حدود القواعد العادية بمصادر المشروعية في الفقه الإسلامي. وننتهي بهذا القدر من هذه المحاضرة، أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٤ - تابع حقوق الإمام ، وانتهاء ولايته تابع حقوق الإمام الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد بدأنا الحديث في المحاضرة السابقة عن حقوق الحاكم اتجاه الأمة، وقلنا بأن الحق الأول يتمثل في طاعته في غير معصية، ونواصل الآن الحديث عن الحق الثاني وهو واجب النصرة له فنقول: إلى جانب حق الطاعة تلتزم الأمة الإسلامية بنصرة السلطة العامة والوقوف ورائها ضد أي تمرد يقصد منه تفتيت وحدة الأمة الإسلامية، فإذا كان واجب الطاعة يستهدف أساسًا أن تحقق الاختصاصات والسلطات الممنوحة للسلطة العامة في الدولة الإسلامية أهدافها وغاياتها -فإن واجب النصرة يستهدف حفظ وحدة الجماعة والقضاء على أي محاولة تستهدف النيل من نظام الحكم القائم، سواء كانت هذه المحاولة خارجية وذلك في الحالات التي يستهدف فيها العدو المساس بكيان الدول الإسلامية، أم كانت داخلية بأن قام متمرد أو باغ بمحاولة الاستيلاء على مقاليد الأمور في

стр. 550

الدولة أو الاستقلال بمنطقة من المناطق، ففي كل هذه الحالات يقرر الفقهاء أن الأمة الإسلامية تلتزم بنصرة السلطة العامة وتقديم العون لها. ويخلط بعض الفقهاء بين واجب النصرة وواجب الطاعة ويرون أن واجب الطاعة يندرج في واجب النصرة، وهذا الرأي لا نسلم به وذلك لاختلافهما من ناحيتين: الناحية الأولى: أن واجب الطاعة قد لا يترتب عليه في معظم الحالات التي تستوجب الطاعة إلا مجرد التزام سلبي يقع على عاتق المحكومين، ويتمثل في وجوب التزام الجماعة الإسلامية بما تصدر السلطة العامة من قرارات وعدم مخالفتها، في حين أن الواجب الثاني -وهو النصرة- هو في كل الحالات يفرض على الجماعة الإسلامية التزامًا إيجابيًّا محددًا، يقتضي منها أن تبذل ما في وسعها لمناصرة السلطة العامة والدفاع عن النظام القائم ضدّ أي اعتداء أو مساس من الداخل أو الخارج على السلطة الشرعية في الدولة الإسلامية. الناحية الثانية: أن واجب النصرة يستهدف إلى جانب الدفاع عن نظام الحكم الموجود، فإنه يستهدف أيضًا صون الجماعة الإسلامية من التفتت والانهيار، وذلك بالدفاع عنها ضدّ أي محاولة تستهدف تفتيت وحدة الأمة الإسلامية، وهو ما يستبين من أمره ﷺ حينما سأله أحد الصحابة: ماذا يفعل في حالة الفتنة؟ فقال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)). نطاق واجب النصرة: واجب النصرة مثل واجب الطاعة ليس واجبًا مطلقًا تلتزم به الأمة الإسلامية في كل الحالات، وإنما يختلف بحسب ما إذا كان الخطأ الذي يحدق بالسلطة العامة في

стр. 551

الدولة الإسلامية خطرًا خارجيًّا أو داخليًّا، كما يختلف باختلاف ما إذا كانت هذه السلطة تحوز على موافقة الأمة وارتضائها الاختياري وملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية أم كانت مغتصبة للسلطة غير ملتزمة بما حتّمه الشارع من قواعد وأحكام. فإذا كان الخطر خارجيًّا فإن واجب النصرة يكون واجبًا مطلقًا، لا يجوز لأي مسلم أن يتعاقد عنه أو يتهاون في أدائه، سواء كانت السلطة العامة في الدولة الإسلامية عادلة أو جائرة؛ لأن الخطر هنا يتعلق بكيان المجتمع الإسلامي ذاته، ويقصد منه النيل من استقلاله ووقوعه في يد الأعداء؛ لذلك فإنه مع تحقق الظلم والجور في السلطة العامة فلا يجوز أن يتخلى أحد عن تقديم النصرة لها، ذلك أن المقصود بالنصرة في هذه الحالة ليس هو السلطة العامة بذاتها، وإنما المقصود حفظ الدولة الإسلامية من الوقوع في يد الأعداء؛ ولأن دفع الأعداء فرض من الفروض الدينية بمقتضى واجب الجهاد ويجد ذلك أساس مشروعيته في قوله ﷺ : ((الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برًّا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر)). أما إذا كان الاعتداء داخليًّا، وهو الذي يتحقق بتمرد جماعة وخروجهم على السلطة -فيختلف الأمر بحسب ما إذا كانت السلطة مغتصبة لها أم تولت عن طريق الأمة ملتزمة بأحكام الشريعة، ففي حالة اغتصاب السلطة عن طريق القهر والقوة فلا يجب أن يقدّم المسلمون لها واجب النصرة بل على العكس من ذلك، إذا ما وجد ثائر واستهدف الإطاحة بها للعودة بها إلى حكم القانون الإسلامي فإن الواجب أن يساعده المسلمون؛ وذلك لأن الهدف في هذه الحالة هو تحقق السلطة العامّة المطابقة لقواعد القانون العام الإسلامي،

стр. 552

أما إذا كان هذا الثائر لا يستهدف العودة إلى حكم القانون وإنما يبغي أيضًا الاستيلاء على السلطة -فلا تكون النصرة واجبة؛ لأن كل منهما ينازع الآخر فيما لا يحلّ له، ولا يجب مساعدة أي منهما أو نصرته، أما إذا كانت السلطة العامة تولت بالطرق المطابقة لأحكام الشرع والتزمت بأحكام الشريعة الإسلامية -فيجب على المسلمين نصرتها ضدّ أي تمرد يقع على هذه السلطة، كما يجب ضرب أي محاولة تستهدف الاعتداء على نظام الحكم الموجود، وإذا كان سبب الخروج عليها وقوع بعض الظلم عن طريقها فيجب حتى تنال نصرة المسلمين أن تقلع عن الظلم الواقع منها فورًا؛ لأن الخروج بسبب الظلم لا يعدّ بغيًا وتمردًا على السلطة. الثالث من حقوق الإمام: ومن حقوق الإمام أيضًا أن يكون له أموال في مال المسلمين بما يكفيه ويكفي أهله، يعني: عمل راتب له يكفيه ويكفي أهله من غير سرف ولا تقتير؛ لأنه قد اشتغل بمصالح المسلمين العامة ليله ونهاره، ولم يعد لديه من الوقت ما يتكسب فيه لأهله ونفسه، وقد روى ابن سعد في (الطبقات) أنه لما استخلف أبو بكر ﵁ أصبح غاديًا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتّجر به فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ﵄ فقالا له: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق، قال: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟! قال: من أين أطعم عيالي؟ قال له: انطلق حتى نفرض لك شيئًا، فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة -أي: نصف شاة- ولما وجد أبو بكر أن ما خصص له لا يكفيه طلب من المسلمين أن يزيدوه فزادوه بخمسمائة درهم.

стр. 553

ولما تولى عمر بن الخطاب أمر المسلمين بعد أبي بكر مكث زمانًا لا يأخذ شيئا من مال المسلمين حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة -يعني: شدة- فاستشار الصحابة فيما يصلح له من هذا المال بعد أن اشتغل بمصالح المسلمين عن مصالح نفسه، فقال عثمان: كُل وأطعم، وقال علي: غداء وعشاء، فأخذ عمر بذلك، وكان يستنفق كل يوم درهمين له ولعياله، وأنه أنفق في حجته مائة وثمانين درهمًا فقال: قد أسرفنا في هذا المال. وفي هذا نرى أنه من حق الخليفة أن يأخذ راتبًا من بيت المال ولو كان موسرا؛ وذلك لكونه قد احتبس نفسه لمصلحة المسلمين وأصبح مشغولًا بمصالحهم عن شئونه الخاصة، وهو في هذا كأي موظف آخر في الدولة ولو كان موسرًا، وأما امتناع علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز عن الأخذ من بيت المال فهو لا يدل على المنع؛ لأن معناه أنهم تنازلوا عن حقوقهم، ولو أنهما أخذا من بيت المال ما كان عليهما من حرج؛ لأن أبا بكر وعمر ﵄ قد أخذا مخصصاتهما من بيت مال المسلمين وكانا مع ذلك من مياسير المسلمين؛ لأنه لا حرج في أن يأخذ الإنسان مقابل عمله، والخليفة كما ذكرنا ينشغل بأمور المسلمين عن شئونه الخاصة. الرابع من حقوق الإمام: من حقوق الإمام على الأمة أن تنصحه وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وتدعو له بالخير، فإن الدين النصيحة كما قال ﷺ : ((الدين النصيحة قالها ثلاثًا قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) ولقد امتن على أمة محمد ﷺ بأنها خير أمة لكونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، يقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية: ١١٠).

стр. 554

والجدير بالذكر في هذا الصدد أن واجبات الإمام وحقوقه التي ذكرها العلماء المسلمون تقرب مما يذكره القانونيون تحت مسمى "وظائف الدولة" فقد كان الخليفة أو الإمام في عصر الماوردي وغيره ممن كتبوا في الأحكام السلطانية كان الإمام هو الدولة أو يكاد أن يكون كذلك، أما الآن فإن وظائف الدولة هي من المرونة بحيث تتأثر بالزمان والمكان وأنواع النظم وفلسفة الحكم وظروف الناس. وبهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن واجبات الإمام أو وظائف الإمام وعن حقوق الإمام. انتهاء ولاية الإمام عزل الإمام أو ورئيس الدولة عن منصبه: فنقول: بقاء الإمام أو رئيس الدولة في منصبه منوط باستمرار صلاحيته لقيادة دولة مسلمة، وهذه الصلاحية متوافرة فيه ما دامت الشروط المطلوبة فيمن يصلح أن يشغل هذا المنصب موجودة فيه، وفقدان هذه الصلاحية موجب لترك منصب القيادة حتى يشغلها من هو صالح لها، وسنتناول في هذا مسألتين هما: عزل الإمام نفسه، وانعزاله لا عن طريق نفسه. المسألة الأولى: عزل رئيس الدولة عن طريق نفسه: نقول: بيّن الفقهاء المسلمون أن عزل الإمام نفسه إما أن يكون لعجز أو ضعف كمرض وهرم، وإما أن يكون لا لعجز ولا ضعف بل لإيثاره ترك هذا المنصب طلبًا لتخفيف العبء عنه في الدنيا والآخرة، وإما أن يكون لا لهذا ولا لذاك، ولكل من هذه الأحوال حكم خاصّ بها. فأما الحال الأولى وهي: أن يعزل الإمام نفسه لعجزه عن القيام بما هو موكول إليه من أمور الناس لهرم أو مرض أو نحوهما -فإنه ينعزل إذا عزل نفسه لذلك؛ لأن العجز إذا تحقق وجب زوال ولايته لفوات المقصود منها، بل يجب عليه إذا أحس بذلك أن

стр. 555

يعزل نفسه حرصًا على مصلحة المسلمين، فسواء أكان هذا العجز ظاهرًا للناس أم استشعره هو من نفسه فهو موجب لتركه هذا المنصب. وأما الحال الثانية وهي: أن يعزل نفسه لا لعجز ولا ضعف بل آثر الترك طلبًا لتخفيف العبء عنه في الدنيا حتى لا يشغل بالمهام العظام الموكولة إلى رئيس المسلمين، أو طلبًا لتخفيف العبء عنه في الآخرة حتى لا يتسع حسابه -فإن للفقهاء في ذلك رأيين: أولهما: أنه ينعزل بذلك؛ لأنه كما لم تلزمه الإجابة إلى المبايعة لا يلزمه الاستمرار في منصبه. ثانيهما: لا ينعزل؛ لأن أبا بكر الصديق ﵁ طلب من المسلمين أن يقيلوه من منصب الخلافة، ولو كان عزل نفسه مؤثرًا لما طلب منهم الإقالة. وأما الحالة الثلاثة وهي: أن يعزل الإمام نفسه من غير عذر من عجزه عن القيام بأمور المسلمين، أو إيثاره ترك هذا المنصب طلبًا للتخفيف في الدنيا والآخرة -فقد اختلف الفقهاء فيه إلى ثلاثة آراء: الرأي الأول: لا ينعزل حينئذ، وحجة هذا الرأي أن الحق في ذلك للمسلمين لا له. الرأي الثاني: أنه ينعزل؛ لأن إلزامه الاستمرار قد يلحق الضرر به في آخرته ودنياه. الرأي الثالث: يُنظر، فإن لم يول الإمام غيره أو ولى من هو دونه لم ينعزل قطعًا، وإن ولى من هو أفضل منه أو من هو مثله فعلى رأيين: رأي يقول بالانعزال، ورأي يقول بعدم الانعزال.

стр. 556

المسألة الثانية: انعزال رئيس الدولة لا عن طريق نفسه: أجمع المسلمون على أن رئيس الدولة إذا لم يحدث أمرًا يخل بعدالته أو يتغير حاله فلا يجوز للأمة أن تعزله، يقول البعض: ولا يجوز خلع الإمام من غير حدث ولا تغير أمر، وهذا مجمع عليه؛ وذلك لان المسلمين أيام الفتنة التي اشتعلت في عهد الخليفة الثالث عثمان ﵁ قد اختلفوا على قولين لا ثالث لهما، فمنهم من قال: إنه أحدث أمورًا أخلت بواجبات منصبه فيجب عزله، ومنهم من قال: إنه لم يحدث حدثًا يخلّ بواجباته فلا يجوز عزله، فما خرج عن هذين القولين فهو باطل بالاتفاق؛ وأيضًا لأن الإمام لم يكلف هذا المنصب إلا بعد أن توافرت فيه شروط خاصة، فإذا ما فقد هذه الشروط بعد توليته كان هناك سبب مقتض لعزله، وأما إذا ظلّ سليم الحال لا يأخذ عليه من ينكر من إخلال بأمور الدين أو بسياسة الشعب -فإن الإقدام على عزله آن ذاك ما هو إلا اتباع للأهواء وتلاعب بمنصب هو أخطر مناصب القيادة وهو ما يؤدي إلى الفساد، وأما إذا تغير حاله فوُجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين أو انتكاس أمور الدين فقد خرج حينئذ عن سمت الإمامة وأصبح مستحق الإقصاء عن هذا المنصب. هذا وقد بين العلماء الأمور التي بها يتغير حاله، فمنها ما هو راجع إلى خلقه وتصرفاته، ومنها ما هو راجع إلى بدنه، وسنتكلم عن هذه الأمور مبينين خلاف العلماء إن وجد عند الكلام عن كل أمر منها فنقول: أول الأمور التي تخل بعقد الإمامة فينعزل الإمام بسببها هو: الردة، فإذا ما ارتد رئيس الدولة عن الإسلام فقد انعزل في نفس اللحظة عن الرياسة، يقول المولى : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: من الآية ١٤١)

стр. 557

وأي سبيل أعظم من سبيل الإمام، وأيضا لأن الإمام لم يكلف هذا المنصب إلا لحراسة الدين وسياسة الدنيا، فإذا ما ارتد عن الإسلام فكيف تتحقق منه حراسة الدين، إن ارتداده عن الدين يزول به مقصود الإمامة، وكل ما يزول به مقصود الإمامة مؤد إلى انحلال عقدها، فالردة مؤدية إلى انحلال عقد الإمامة وهذا أمر واضح لم يخالف فيه أحد من المسلمين. وثاني الأمور التي ينعزل بها رئيس الدولة: زوال العقل، وقد بيّن العلماء أحوال زوال العقل، وبيّنوا لكل حال حكمها الخاص بها فقالوا: إن زوال العقل إما أن يكون عارضًا يُرجى زواله كالإغماء، أو لازمًا لا يرجى زواله كالجنون والخبل، فإن كان عارضًا مرجوًّا زواله كالإغماء فهذا لا يُبطل الرياسة، فلا يجوز لهم عزله؛ لأنه مرض قليل اللبث، وإن كان لازمًا لا يرجى زواله كالجنون والخبل فإما أن يكون مهبطًا لا يتخلله إفاقة أو يتخلله إفاقة، فإن كان مهبطًا لا يتخلله إفاقة فهذا يبطل عقد الإمامة؛ لأنه يمنع المقصود من الإمامة، وهو إقامة الحقوق واستيفاء الحقوق وحماية المسلمين؛ ولأن المجنون يجب إقامة الولاية عليه فكيف يتصور أن يكون هو واليًا على الأمة، وأما إن كان يتخلله إفاقة يعود فيها إلى حال السلامة فإما أن يكون أكثر زمانه الخبل أو أن يكون أكثر زمانه الإفاقة، فإن كان أكثر زمانه الخبل فالحكم فيه كما لو كان مهبطًا فيبطل به عقد الإمامة، وإن كان أكثر زمانه الإفاقة فقد اختلف فيه العلماء على رأيين: رأي يقول بأن ذلك يبطل عقد الإمامة كما يمنع ذلك من عقده له في الابتداء؛ لأن في ذلك إخلال بالنظر المستحق فيه، ورأي يقول لا يبطل عقد الإمامة وإن كان ذلك يمنع من عقدها له ابتداء؛ لأنه يراعى في ابتداء عقدها سلامة كاملة وفي الخروج منها نقص كامل.

стр. 558

الأمر الثالث الذي ينعزل به رئيس الدولة أو الإمام الأعظم: ذهاب الحواس المؤثرة في الرأي أو العمل، والكلام في هذه الناحية يتناول ثلاثة نقائص هي: العمى، والصمم، والخرس. فأما العمى: فإنه إذا أصيب به الرئيس بعد توليته أبطل رياسته كما يبطل ولاية القضاء وتردّ به الشهادة، وأما إذا ضعف بصره فينظر، فإن كان يستطيع معه معرفة الأشخاص التي يراها لم يقبح ذلك في رياسته، وإلا فتبطل رياسته، وأما العشاء وهو عدم الإبصار ليلًا فكما أنه لا يكون مانعًا عن عقد الرياسة له ابتداء لا يكون ذلك قادحًا في استدامة الرياسة من باب أولى. وأما الصمم: فقد اخْتَلَف العلماء في طروئه على رئيس الدولة: هل يكون ذلك قادحًا في رياسته أم لا على ثلاثة مذاهب: الأول وهو أصحّها: أنه ينعزل بذلك كانعزاله بالعمى لتأثيره في التدبير والعمل. والثاني: لا ينعزل؛ لأن الإشارة تقوم مقام السمع والخروج من الرياسة لا يكون إلا بنقص كامل. والرأي الثالث: يفرق بينما إذا كان يحسن الكتابة وما إذا لم يكن يحسنها فقال: إن كان يحسن الكتابة لم تبطل رياسته بالصمم، وإن كان لا يحسنها بطلت رياسته به؛ لأن الكتابة مفهومة والإشارة موهومة، وأما إذا ثقل سمعه بأن كان لا يسمع إلا الصوت العالي فإن ذلك بالاتفاق لا يقدح في رياسته، وأما الخرس فقد اختلف في طروئه على الرئيس كالخلاف السابق في الصمم والأصحّ كما سبق في الصمم أنه ينعزل به. هذا ما يتصل بذهاب الحواس المؤثرة في الرأي أو العمل، وأما ما لا يؤثر ذهابه في الرأي والعمل كذهاب حاسة الشم وفقدان الذوق الذي يدرك به الطعام فباتفاق العلماء لا ينعزل الرئيس به.

стр. 559

الأمر الرابع الذي يؤدي إلى انعزال رئيس الدولة: فقد الأعضاء التي يخلّ فقدها بالعمل أو النهوض كانقطاع اليدين جميعًا أو الرجلين جميعًا، فإذا حدث للرئيس شيء من ذلك انعزل به لعجزه عن كمال القيام بحقوق الأمة، وأما إذا حدث له ما يؤثر في بعض العمل أو في بعض النهوض دون بعض كبتر إحدى اليدين أو إحدى الرجلين فقد اختلف العلماء في ذلك على رأيين: أولهما وهو الأصح: أنه لا ينعزل به وإن كان ذلك يمنع انعقاده له ابتداء؛ لأن المعتبر في عقدها كمال السلامة فيعتبر في الخروج منها كمال النقص. والرأي الثاني: أنه ينعزل بذلك؛ لأن الرئيس أصبح به ناقص الحركة، وأما إذا فقد الرئيس ما لا يؤثر فقده في عمل ولا نهوض كقطع الذكر والأنثيين وجدع الأنف وثمل إحدى العينين فلا يخلّ ذلك برياسته. الأمر الخامس الذي ينعزل به رئيس الدولة: بطلان تصرف رئيس الدولة، ويندرج تحت هذا عدة صور: الصورة الأولى: أن يحجر عليه ويقهره من يستبد من أعوانه بالتصرف في أمور الأمة من غير تظاهر بمعصية ولا خروج عن طاعة، فإذا حدث هذا فإن العلماء ينظرون في مقام بيان الحكم فيه إلى ناحيتين: الناحية الأولى: هل صلاحيته للرياسة لا زالت موجودة أم أنه بوقوعه تحت قهر هذا المستبد قد فقد صلاحيته لهذا المنصب. والناحية الثانية: هل يجوز إقرار هذا المستبد على أفعاله وتصرفاته التي سلبها من رئيس الدولة أم أنه لا يجوز إقراره عليها،

стр. 560

أما فيما يختص بالناحية الأولى وهي: هل صلاحيته للرئاسة مازالت موجودة أم لا -فالعلماء يقولون: إن هذا لا يقدح في رياسته فلا ينعزل بهذا القهر عن منصبه، وأما فيما يختصّ بالناحية الثانية وهي: هل يجوز إقرار هذا المستبد على أفعاله أم لا -فينظر في تصرفات من استولى على أموره، فإما أن تكون جارية على أحكام الدين ومقتضى العدل أو لا، فإن كانت جارية على أحكام الدين ومقتضى العدل جاز إقراره عليها؛ لأن في عدم إقرارها إيقافًا لبعض المصالح، وهذا يعود بالفساد على الأمة فأصبح الحال حينئذ كما لو استولى على نفس منصب الرياسة بالقهر، وأما إن كانت أفعاله خارجة عن حكم الدين ومقتضى العدل فإنه لا يجوز إقراره عليها ويجب على الرئيس أن يستنصر بالشعب حتى يزول تغلّب هذا المتغلب وتسلطه. الصورة الثانية من صور بطلان تصرف رئيس الدولة: أن يقع رئيس الدولة في الأسر، وذلك الأسر إما أن يكون من المشركين أو من بغاة المسلمين، فإن أسره المشركون فإما أن يكون مرجوّ الخلاص أو ميئوسًا منه، فإن كان مرجوّ الخلاص بقتال أو بفداء فهو على رياسته ويجب على كافة الأمة استنقاذه من أيديهم، أما إن كان ميئوسًا من خلاصه بأن غلب على الظن عدم خلاصه إلى موته فقد خرج بهذا الأمر عن الرياسة وعلى أهل الحلّ والعقد أن يختاروا غيره من الصالحين لرياسة الأمة فيبايعوه رئيسًا عليها، وأما إن أسره بغاة المسلمين فينظر أيضًا في ذلك فإما أن يكون مرجوًّا خلاصه من أيديهم أو من ميئوسًا منهم، فإن كان مرجوّ الخلاص فهو باق على رياسته ويجب أيضًا على كافة الأمة استنقاذه من هذا الأسر، وإن كان ميئوسًا من خلاصه فينظر في حال البغاة، فإن لم يكونوا قد اختاروا رئيسًا للدولة غيره فالرئيس المأسور في

стр. 561

أيديهم على رياسته؛ لأن بيعته لازمة لهم وطاعته عليهم واجبة فصار معهم كما لو كان مع أهل العدل حال وقوعه تحت الحجر ممن استبد به من أعوان وحينئذ يجب استنابة آخر مكانه ليقوم بتصريف أمور الدولة بصفته نائبًا عن الرئيس لا بصفته رئيسًا؛ حتى لا تتعرض مصالح الأمة للتعطيل، والرئيس المأسور أحقّ باختيار من ينوب عنه ما دام قادرًا على الاستنابة، فإن لم يقدر عليها فعلى الأمة ممثلة في أهل الحلّ والعقد أن تختار هي النائب الذي سيقوم بتصريف الأمة حتى يفعل الله ما يشاء من خلاص الرئيس من الأسر أو وفاته، فإذا تحقق الميئوس منه فخلص الرئيس من الأسر انعزل نائبه وأصبحت أمور الدولة راجعة إلى يد الرئيس، وأما إذا عزل الرئيس المأمور نفسه أو مات في الأسر فإن نائبه لا يصير رئيسًا للدولة إلا بمبايعة أهل الحلّ والعقد؛ لأنها نيابة عن موجود فزالت بفقده، وإن كان البغاة قد نصبوا عليهم رئيسًا للدولة يخضعون له فالرئيس المأسور في أيديهم خارج عن رياسة الدولة؛ لأنهم قد انحازوا بدار انعزل حكمها عن الجماعة وخرجوا بها عن الطاعة فلم يبق لأهل العدل بهم نصرة، ويجب على الأمة ممثلة في أهل الحلّ والعقد أن تختار لنفسها رئيسًا غيره، فإن استطاع الرئيس المأسور أن يتخلص من أسره لم يعد إلى الرياسة؛ لأنه قد خرج عنها. الصورة الثالثة من صور بطلان تصرف رئيس الدولة: أن يخرج عليه من يستولى على منصب الرياسة بالقوة وهو ما يعرف في عصرنا بالانقلاب في الحكم، وهو أحد الطرق التي تنعقد بها الرياسة كما بيّنا ذلك، وقد بينا أن العلماء قالوا بانعزال الرئيس وانعقاد الرياسة للمتغلب حتى لا يقع الناس في فوضى الحرب الأهلية ويعمّ الفساد،

стр. 562

وصفوة القول: أن الرئيس ينعزل عن منصبه إذا بطل تصرفه باستيلاء آخر على هذا المنصب بالقوة، سواء أكان الرئيس المقهور قد جاء إلى الحكم عن طريق اختيار أهل الحلّ والعقد أم كان هو الآخر قد قهره من سبقه. الأمر السادس من الأمور التي ينعزل بها رئيس الدولة: جور الرئيس أي: ظلمه عباد الله تعالى، وفسقه أي: خروجه عن طاعته ، فنقول: اختلف العلماء في جور رئيس الدولة وفسقه يعني: إذا أصبح ظالما وغير عادل: هل ينعزل بسببهما؟ أي: هل ينعزل بسبب الظلم وبسبب الفسق الذي طرأ عليه بعد أن تولى الرئاسة أم لا؟ نقول: فأما الخوارج فإنهم لما كانوا يقولون بأن الفسق يُخرج مرتكبه عن الإمام قالوا بانعزال الإمام إذا فسق؛ لأنه حينئذ ليس مؤمنًا وغير المؤمن لا يصلح أن يكون إمامًا، وكذلك يرى المعتزلة انعزاله بالجور والفسق؛ لأنه إذا وجب انعزال القاضي وأمير الإقليم بظهور الفسق عليهما فإنه يجب انعزال الإمام من باب أولى إذا ارتكب ذلك، ويرى البعض أيضًا أنه لا ينعزل بذلك؛ لأن في انعزال الإمام ووجوب نصب غيره إثارة الفتنة لما له من الشوكة. ولو رجعنا إلى الجماعة الأحناف فإنهم لما كانوا لا يرون العدالة شرطًا في صحة الولاية حيث يصحّ عندهم تقليد الفاسق رياسة الدولة لكن مع الكراهة كما بينا ذلك عند كلامنا على شروط رئيس الدولة -نقول: لما كانت العدالة ليست شرطًا عندهم في صحة رياسة الدولة فإنهم قالوا: إذا اختارت الأمة إمامًا توافرت فيه صفات العدالة ثم جار أو فسق فإنه لا ينعزل عن منصب الإمامة ولكنه يستحق أن يعزله أهل الحلّ والعقد إذا أمنوا وقوع الفتنة، وإن لم يؤمن وقوعها فلا ينعزل.

стр. 563

أي أن الأحناف يقولون بأنه إذا فسق ففي هذه الحالة لا يكون واجب العزل أو لا ينعزل بمجرد هذا الفسق، وإنما الأمر يكون متروكًا لأهل الحلّ والعقد، فإن رأوا عزله عزلوه وإن رأوا إبقائه أبقوه، لكن في حالة ما إذا رأوا عزله عليهم أن يلاحظوا ما يترتب على عزله من فتن، فإن ترتب على عزله فتن فعليهم ألا يعزلوه في هذه الحالة. وقد استند الحنفية في رأيهم هذا إلى أن الصحابة ﵃ صلوا خلف بعض بني أمية وقبلوا ولايتهم، فقد صلى غير واحد منهم خلف مروان بن الحكم قالوا: وروى البخاري في تاريخه "أدركت عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يصلي خلف أئمة الجور". وعدم انعزال الرئيس بالفسق هو ما يراه أكثر العلماء؛ لأن السلف كانوا يرون الفسق ظاهرًا والجور واقعًا من الأئمة بعد الخلفاء الراشدين، وكانوا مع ذلك ينقادون لهم، وكان الصحابة والتابعون ومن بعدهم يرون خلافة بني أمية وبني العباس مع أن أكثر بني أمية وأكثر بني العباس كانوا فساقًا. وبعد فهذه هي آراء العلماء في انعزال رئيس الدولة بالفسق والجور، وأننا نرى أن الرأي القائل بوجوب عزل رئيس الدولة بالجور والفسق إذا لم تكن فتنة هو الأولى بالقبول، فيجب على أهل الحلّ والعقد في الدولة إذا رأوا جور رئيس الدولة أو فسقه أن يعلنوا عزله عن منصبه إذا أمنوا وقوع الفتن وأن يقوموا باختيار من هو أهل للرياسة بعد ذلك، وأما إذا لم يأمنوا وقوع الفتن فلا يجوز لهم عزله، وإنما قلنا بوجوب عزله إذا جار أو فسق بشرط عدم الفتنة؛ لأنه إذا كنا شرطنا العدالة فيمن يولى رئيسًا على

стр. 564

المسلمين فإن فقدان هذا الشرط إذا كان قادحًا في استحقاق تولي منصب الإمامة ابتداء، فإنه يجب أن يكون قادحًا في استمرار الإمامة أيضًا؛ لأن علة اشتراط هذا الشرط لا تزول بمجرد تولية هذا المنصب والإمامة قيادة لأمة مسلمة، وكما أن الرسول ﷺ هو القدوة الحسنة لكل المسلمين حكّامًا ومحكومين في جميع الأعصر فإن رئيسهم يجب أن يكون مثلهم في الاقتداء بالرسول ﷺ والخضوع لأحكام الدين الذي اختير لحراسته؛ لأن الناس على دين ملوكهم فإذا فسق الرئيس أو جار وهو القائم على قمة السلطة التنفيذية في الدولة -فإن إيمان الناس بالفضيلة والعدل قد يهن، وقد يتخذه من لم يتمكن الإسلام من نفوسهم في سلوكهم مثلًا وقدوة، وفي هذا أعظم الضرر على الدين وعلى الأمة. وأما ما استند إليه القائلون بعدم الانعزال من أن الصحابة كانوا يصلّون خلف بعض بني أمية مع ظهور فسقهم، وأن التابعين كانوا يعترفون بخلافة بني العباس مع أن أكثر هؤلاء كانوا فساقًا فلا نسلم بهذا الاستدلال؛ إذ أن هؤلاء الحكام كانوا ملوكًا تغلبوا على الأمر، والمتغلب تصحّ إمامته للضرورة؛ حتى لا تتعطل مصالح المسلمين من فصل قضاياهم، وزواج من لا ولي لها، وجهاد الكفار وغير ذلك مما سبق بيانه، وليس بشرط في صحة الصلاة خلف الإمام أن يكون عدلًا فقد روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برًّا كان أو فاجرًا، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برًّا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر)). وبهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن نظام الحكم في الإسلام. أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 565

الدرس: ١٣ توجيهات الفكر الإداري الإسلامي .
следующие страницы →