Полный текст (825 стр.). Показаны 806–825 · переход к 811.
стр. 806
وسائل الإثبات
وننتقل الآن إلى الحديث عن القرائن، ودورها في الإثبات: فنقول:
القضاء بالقرائن أصل من أصول الشرع، وذلك سواء في حال وجود البينة أو الإقرار أم في حال فقد أي دليل من دلائل الإثبات.
قد تمنع القرينة سماع الدعوى، كإدعاء فقير معسر إقراض غني موسر، وقد ترد البينة أو الإقرار حال وجود التهمة مثل قرابة الشاهد للمشهود له، أو كون الإقرار في مرض الموت، وقد تستخدم القرينة دليلًا مرجحًا أثناء تعارض البينات، مثل: وضع اليد ونحوه كما عرفنا، وقد تعتبر القرينة دليلًا وحيدًا مستقلًا إذا لم يوجد دليل سواها، مثل رد دعوى الزوجة القاطنة مع زوجها بعدم الإنفاق عليها في رأي المالكية والحنابلة، قال ابن القيم: ومن أهدر الأمارات والعلامات في الشرع بالكلية فقد عطل كثيرًا من الأحكام، ووضع كثيرًا من الحقوق.
تعريف القرينة:
القرينة لغة: هي العلامة الدالة على شيء مطلوب، واصطلاحًا: هي كل أمارة ظاهرة تقارن شيئًا خفيًا، فتدل عليه.
ويفهم من هذا التعريف: أنه لا بد في القرينة من أمرين، الأول: أن يوجد أمر ظاهر معروف يصلح أساسًا للاعتماد عليه، الثاني: أن توجد صلة مؤثرة بين الأمر الظاهر، والأمر الخفي، وبمقدار قوة هذه الصلة تنقسم القرائن قسمين، قرائن قوية، وقرائن ضعيفة، وللفقهاء والقضاء دور ملحوظ في استنباط نتائج معينة من القرائن.
стр. 807
ومن القرائن الفقهية: اعتبار ما يصلح للرجال من متاع البيت عند اختلاف الزوجين في ملكيته هو للرجل، كالعمامة والسيف، وما يصلح للنساء فقط، كالحلي للمرأة بشهادة الظاهر، وملاحظة العرف، والعدل.
ومن القرائن القضائية: الحكم بالشيء لمن كان في يده، باعتبار أن وضع اليد قرينة على الملك بحسب الظاهر، وإذا كانت القرينة قطعية تبلغ درجة اليقين، مثل الحكم على الشخص بأنه قاتل إذا رئي مدهوشًا ملطخًا بالدم، ومعه سكين بجوار مدرج بدمائه في مكان، فإنها تعد وحدها بينة نهائية كافية للقضاء.
أما إذا كانت القرينة غير قطعية، ولكنها ظنية أغلبية، كالقرائن العرفية أو المستنبطة من وقائع الدعوى وتصرفات الأطراف المتخاصمين، فإنها تعد دليلًا مرجحًا لجانب أحد الخصوم متى اقتنع بها القاضي ولم يوجد دليل سواها، أو لم يثبت خلافها بطريق أقوى. ولا يحكم عند جمهور الفقهاء بهذه القرائن في الحدود؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ولا يحكم بها أيضًا في القصاص إلا في القسامة؛ للاحتياط في موضوع الدماء وإزهاق النفوس، ويحكم بها في نطاق المعاملات المالية والأحوال الشخصية عند عدم وجود بينة في إثبات الحقوق الناشئة عنها.
إلا أن المالكية أثبتوا شرب الخمر بالرائحة، وأثبتوا الزنا بالحمل لغير المتزوجة، ووافقهم ابن القيم في إثبات الزنا بالحمل، وفصل الحنابلة فقالوا: تحد الحامل بالزنا وزوجها بعيد عنها، إذا لم تدعِ شبهة، ولا يثبت الزنا بحمل المرأة وهي خلية لا زوج لها.
стр. 808
قال ابن القيم: نظر جمهور الفقهاء -كمالك وأحمد وأبي حنيفة - إلى القرائن الظاهرة، والظن الغالب الملتحق بالقطع في اختصاص كل واحد منهما بما يصلح له، ورأوا أن الدعوى تترجح بما هو دون ذلك بكثير، كاليد، أي: وضع اليد والبراءة، والنكول، واليمين المردودة، والشاهد واليمين، والرجل والمرأتين فيثير ذلك ظنًا تترجح به الدعوى، ومعلوم أن الظن الحاصل ها هنا، يعني الحاصل من القرائن، أقوى بمراتب كثيرة من الظن الحاصل بتلك الأشياء، وهذا مما لا يمكن جحده ودفعه.
وقد نصب الله سبحانه على الحق الموجود والمشروع علامات وأمارات تدل عليه، وتبينه، ونصب على الإيمان والنفاق علامات وأدلة، واعتبر النبي ﷺ وأصحابه -من بعده- اعتبروا العلامات في الأحكام، أي: القرائن في الأحكام وأخذوا بها، وجعلوها مبينة لهذه الأحكام، كما اعتبر العلامات في اللقطة وجعلوا صفة الواصف لها آية وعلامة على صدقه، وأنها له، وجعل الصحابة الحبل علامة ودليلًا على الزنا فحدوا به المرأة، وإن لم تقر، ولم يشهد عليها أربعة، بل جعلوا الحبل أصدق من الشهادة، وجعلوا رائحة الخمر وقيئه لها آية وعلامة على شربها بمنزلة الإقرار والشاهدين.
واعتبر النبي ﷺ إنبات الشعر حول القبل في البلوغ وجعله آية وعلامة له، فكان يقتل من الأسري يوم قريظة من وجدت فيه تلك العلامة، ويستبقى من لم تكن فيه، وأيضًا جعل الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل.
وهكذا يبين لنا ابن القيم أن الصحابة -رضوان الله عليهم- أخذوا بالقرائن، ولذلك لا مانع من الأخذ بها؛ حتى لا تضيع الحقوق.
стр. 809
ونكتفي بهذا القدر استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣ - التثبت من وسائل الإثبات والحكم والقضاء في المملكة العربية السعودية
التثبت من وسائل الإثبات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
نتحدث في هذه المحاضرة عن: مهمة القاضي في التثبت من وسائل الإثبات، فنقول:
قد تكون الوسيلة لإثبات الدعوى هي الشهادة، وقد يكون غيرها من طرق الإثبات الأخرى، وكما هو مطلوب من القاضي فهم الدعوى والإجابة، واستيعاب أقوال المدعي والمدعى عليه، فكذا حالة النظر في وسيلة إثبات الدعوى، يجب عليه أن يتحرى فيها جيدًا، بل في هذه الحالة يتأكد على القاضي دقة الفهم، وصفاء الذهن.
ولم كان الغالب في إثبات الدعوى يتم عن طريق الشهادة، سواء كانت مكتوبة -كالصكوك- أو ملفوظة فقد رأيت أن أقصر الحديث على استماع الشهادة، وما ينبغي للقاضي نحو الشهود عند الإدلاء بها.
إذ يستحب للقاضي إذا حضر لديه الشهود أن يأذن لهم في أداء الشهادة، ولا ينبغي لهم الإدلاء بها قبل ذلك، لما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ : ((إن بعدكم قومًا يخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون)) أي: أنهم يؤدون الشهادة قبل أن تطلب منهم.
فهذا الحديث يدل على ذم التسرع في أداء الشهادة، وذلك لخطورتها، ولأن بذلها من غير طلب يؤدي إلى الحط من مكانتها في نفوس الناس، فكان لا بد من المحافظة عليها لفظًا ومعنى، وهذا لا يتعارض مع ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ قال: ((ألا أخبركم بخير الشهداء؟!! الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها)).
فقد قال العلماء: إن هذا الحديث محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق، ولا يعلم ذلك الإنسان: أنه شاهد، فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له.
стр. 810
وأما كيفية إذن القاضي للشهود في أداء الشهادة فيكون ذلك بصيغة الاستفهام، كأن يقول لهم: بِمَ تشهد؟ أو يقول: من كانت عنده شهادة فليذكرها إن شاء، ولا يقول لهم: اشهدوا؛ لأنه أمر يدل على ميل القاضي لأحد الخصمين، والمطلوب من القاضي التمسك بمبدأ الحياد في المحاكمة ما أمكن.
فإذا شرع الشاهد في أداء الشهادة، فعلى القاضي توجيه الأسئلة إليه التي يريد استجوابه عليها، والتي ليس لها مساس بإقامة الشهادة على وجهها: لتطابق الدعوى، والأولى: أن يترك للشاهد الفرصة الكافية للإدلاء بكل ما لديه مما يتعلق بالشهادة من غير تدخل من القاضي في ذلك بما يفيد تصحيح كلام الشاهد أو لفت انتباهه إلى تلافي ثغرات في شهادته أو تدارك فلتات لسانه، حتى إذا انتهى سأل الشاهد الآخر كما سأل الأول؛ ليعرف بذلك مواطن الائتلاف من الاختلاف.
وإذا ارتاب القاضي في كلام الشهود فرقهم، وناقش كل واحد على حدة، كأن يسأل عما يتعلق بالمشهود به، ومتى تحمل الشهادة؟ وفي أي موضع؟ ومن حضر آنذاك؟ وماذا جرى عند ذلك؟ وهكذا، وبهذه الطريقة يمكن تمييز الشهادة، وإدراك مواطن الضعف عند الشهود في شهادتهم، فإن اتفقت قبل القاضي الشهادة، ثم سأل عن عدالتهم.
وإن اختلفت أقوالهم رد القاضي شهادتهم، وطلب من المدعي إحضار غيرهم إن شاء.
ومما ينبغي للقاضي حال أداء الشهادة أن يلتزم الحشمة والوقار، فلا يتعنت بالشهداء، بأن يقول لهم: لِمَ شهدتم؟ وما هذه الشهادة؟ أو يستقصي منهم أمورًا تشق عليهم، وتوقعهم في الحرج والمشقة، مما ليس له أهمية خاصة بالإثبات،
стр. 811
وكذا لا يجوز انتهار الشاهد، كأن يصرخ عليه أو يزجره، فقد يؤدي ذلك إلى تلجلجه وتلعثمه في كلامه، والتنفير من الشهادة، وكل هذا يؤدي إلى التنفير من القاضي، وعدم الإقدام على أداء الشهادة، مما يؤدي بالتالي إلى ضياع الحقوق، وكثرة المفاسد.
وقد لا يستطيع الشاهد الإدلاء بما يريد أن يشهد به حفظًا عن ظهر قلب؛ لكون الشهادة طويلة أو متشعبة، وحينئذٍ: أجاز العلماء أن يكتبها الشاهد أو تكتب له ثم تتلى عليه، ويشهد بما هو مكتوب؛ لأن في استصغارها بالحفظ مشقة عليه، وفي تركه الشهادة ضياع للحق، فكان ذلك مباحًا دفعًا للحرج.
وقد ذكر الفقهاء: أن مما يلزم عند ضبط الشهادة تمييز الشهود، فقالوا: إن على القاضي أن يكتب اسم الشاهد، واسم أبيه، وجده، وكنيته إن عرفت، وكذا اسم قبليته، وحرفته، ومحلته التي يسكن فيها، فإن لم يكن في هذا ما يميزه عن غيره، كأن يقع الاشتباه والتوافق بما ذكر، فلا بد من البحث عن ميزة خاصة لرفع احتمال الاشتباه، وكذا قال، أي: قال الفقهاء: إن علي القاضي أن يثبت تاريخ الشهادة، كأن يقول: في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا، ثم يحفظ هذا الضبط؛ لئلا تتعرض الشهادة إلى التزوير بالزيادة فيها أو النقصان.
وما ذكره الفقهاء من تمييز الشهود يدلنا على أهمية إثبات الشخصية، وأن له أصلًا في الفقه الإسلامي، ولأهميته فقد وجد من الوسائل ما يكفل تمييز كل فرد عن غيره.
ومما يدعو للعجب: ما ذكره ابن قدامة مما هو معتمد في إثبات الشخصية في هذا العصر من الصفات الخِلقية، حيث قال: فيكتب -أي أن القاضي يكتب- عن الشاهد صفات معينة، ومنها: أنه يكتب أسود أو أبيض، أو رقيق الشفتين أو غليظ الشفتين؛ ليتميز، ولا يقع اسم على اسمه.
стр. 812
الإعذار في وسيلة الإثبات:
المراد من الإعذار قطع العذر والتلوم عمن توجه إليه.
والإعذار -في اصطلاح علماء المالكية-: هو سؤال الحاكم: لمن توجه عليه أو لمن توجه عليه موجب الحكم؟ هل له ما يسقطه بقوله: أبقيت لك حاجة؟
أي أن: الإعذار المقصود به: أنه إذا حكم على إنسان أو على الخصم أو إذا وجدت هذه الأدلة أدلة الإثبات كاملة، فعلى الحاكم قبل أن يحكم عليه أن يوجه له هذا الإعذار، ويقول له: هل عندك حجة مخالفة لهذه الحجة التي أقامها هذا الخصم؟ هل عندك ما تجرح به هذه الشهادة؟ ... إلى غير ذلك.
وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على أن إيقاع العقوبة لا يكون إلا بعد قطع الحجة بانتفاء العذر عمن استحق العقوبة، فمن ذلك قوله تعالى في قصة الهدهد: ﴿لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (النمل: من الآية: ٢١) وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: من الآية: ١٥) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ (طه: من الآية: ١٣٤) وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: الآية: ١٦٥).
فهذه الآيات تدل على أن من أصول العدل عدم إيقاع العقوبة ممن استحقها إلا بعد إعذاره ليأتي بما فيه خلاصه، فإن لم يأتِ به كان في ذلك تبرير لإنزال العقوبة به، وكذا الحكم فإنه لا يصح إلا بعد الإعذار فيه لما فيه من نوع العقوبة باعتبار المحكوم عليه.
стр. 813
محل الإعذار: يظهر من كلام العلماء: أن الإعذار إنما يكون في الشهادة، حيث قالوا: والإعذار إنما هو على الظنون، والتهمة للشهود، وهذا ما يشير إلى: أن محل الإعذار إنما هو في الشهادة، ولعل ذلك من حيث الواقع العملي، فإن الشهادة هي أوسع الطرق في الإثبات.
ولكن: إذا نظرنا إلى علة الإعذار في الشهادة نجد أنها لا تختلف عنها في غيرها من طرق الإثبات، فكما أن الطعن في الشهادة بالتزوير محتمل فكذا يحتمل الطعن في غيرها بالتزوير، كالمستندات والقرائن وما أشبهها؛ لذا كان من حق المحكوم عليه -كما يراه البعض- الإعذار إليه في كل ما قدمه الطرف الآخر من الحجج الشرعية ووسائل الإثبات وله الطعن المقتول في ذلك.
ثم إن العلماء استثنوا بعض الأحوال التي لا يجدي فيها الإعذار، والتي قد يكون الإعذار فيها طريقًا إلى استفحال الشر، وانتشار الفساد، فمن تلك الأحوال:
١ - كل من قامت عليه بينة بفساد أو غصب أو تعدٍ، إذا كان من أهل الفساد الظاهر أو من الزنادقة المشهورين بما ينسب إليهم، وذلك لأن الإعذار إليهم سبيل إلى نشر الفساد من غير فائدة مرجوة؛ ولذا لا يعذر إليهم.
٢ - كل من قامت عليه الشهادة بما وقع فيه من الإقرار أو الإنكار في مجلس القاضي، وذلك لمشاركة القاضي للشهود الحاضرين، فإنه يلزم من الإعذار فيهم إعذار القاضي في نفسه.
٣ - وكذا: من استفاضت عليه الشهادات بسبب شرعي أو بإضرار أحد الزوجين للآخر؛ لأن الإعذار لا يفيد مع استفاضة الشهادات، فلا يمكن تجريح الجميع كما لا يمكنه الإتيان بما يسقط به شهادته.
стр. 814
وقت الإعذار:
والإعذار لا يكون إلا بعد استيفاء الشهود وتمام النظر؛ لأن الإعذار في شيء ناقص لا يفيد شيئًا، وأما وقت الإعذار ففيه قولان -كما ذكره علماء المالكية-:
القول الأول: أنه قبل الحكم، وهذا يعني: أن القاضي إذا نظر في الدعوى والحجج أعذر فيه إلى من يراد الحكم عليه وعلى هذا القول العمل عند المالكية.
القول الثاني: أن الإعذار يكون بعد صدور الحكم.
والظاهر: أن القول الأول هو الصواب؛ لأن الهدف من الإعذار هو فيما إذا كان للمحكوم عليه ما يبطل به حجة المحكوم له، فكان الأولى في ذلك أن يكون الإعذار من أقرب الطرق دفعًا للضرر عن الطرفين، وأما على القول الثاني -القائل بأن الإعذار يكون بعد صدور الحكم- فيكون ضرره أكبر من نفعه؛ لأن الإعذار بعد الحكم يؤدي إلى ضياع الفرصة على المحكوم عليه في إدراك حقه، ثم إن فيه احتمال التصرف بالمحكوم به إذا كان قابلًا للتصرف.
لذا أرى: أنه لا مانع من كونه بعد سماع الشهادة وقبل التعديل؛ لأنه مع احتمال تجريح الشهادة، فلا فائدة من تعديلهم؛ حيث يقدم الجرح على التعديل عند العلماء؛ لأن الجرح يفيد زيادة الإطلاع ما لم يتضمن التعديل نفي تلك الزيادة، كأن يكون الشاهد تاب مما جرح به، فحينئذٍ يقدم التعديل.
والحاصل من هذا: أن يراعى بما هو أولى في وقت الإعذار لجلب المصلحة للطرفين.
نتيجة الإعذار والتأجيل فيه:
الإعذار قد يكون من حق المدعى عليه لإبطال الدعوى الأصلية، وقد يكون من حق المدعي لإبطال دعوى الدفع، كما قد يكون من حق المدعي عليه -أيضًا-
стр. 815
لإبطال الدفع، فليس الإعذار مخصوصًا بالمدعى عليه.
ولا يخلو المعذور إليه من إحدى حالتين:
الحالة الأولى: أن ينفي وجود العذر فيما قام ضده من حجة أو شهادة، وفي هذه الحالة يحكم عليه القاضي بعد نفي العذر مباشرة.
الحالة الثانية: أن يدعي العذر فيما قام ضده، وفي هذه الحالة قد لا تكون بينة العذر قائمة، فله طلب التأجيل لإحضارها، فقد ورد في رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄ قوله: ومن ادعى غائبًا أو بينة فاضرب له أمدًا، أي: أجلًا ينتهي إليه، فإن بينه أعطيته بحقه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر.
وأما مدة التأجيل: فإنها تختلف باختلاف القضايا والأحوال والظروف؛ ولذلك ذهب العلماء إلى أن ضرب الأجل مصروف إلى اجتهاد الحاكم بحسب حسن النظر في أمر الخصمين وليس فيه حد محدود لا يتجاوزه، إنما هو للاجتهاد.
الحكم
ونتكلم الآن عن الحكم في القضايا، فنقول:
إن النتيجة الأخيرة في عملية القضاء والمحاكمة بعد إجراء الدعوى على أصولها الشرعية هي إظهار الحكم الشرعي على حسب ما يتبين للقاضي، وهذا إذا لم تنتهِ بعارض كالصلح أو التنازل أو نحو ذلك، ولكي يحكم القاضي في القضية يقتضي الحال أن يحيط بأمور ثلاثة:
الأول: معرفته بالدليل الشرعي الثابت بالكتاب أو السنة أو المستنبط منهما.
الثاني: معرفته البينات التي يتضح بها طريق الحكم عند التنازع.
стр. 816
الثالث: معرفته بسبب الحكم، وشروطه، وموانعه، وهذا يعلم بالحس أو الخبر أو العادة، ومعرفة هذا الأمر يؤدي إلى بيان صلاحية الحكم في المحل المعين، أو انتفائه عنه، ومتى أخطأ في واحد من هذه الأمور أخطأ في الحكم.
ويقصد بالحكم في اللغة: القضاء في الشيء بأنه كذا أو ليس بكذا، أما في الاصطلاح فعرفه بعض العلماء بأنه: أمر نفساني يعبر عنه تارة بالقول، وتارة بالفعل، وتارة بالإشارة.
وهذا يعني أن الحكم غير القول والفعل والإشارة، وإنما هذه الأمور دالة عليه.
أنواع الحكم:
للحكم أنواع كثيرة من وجوه عدة، ولكن أهمها نوعان:
النوع الأول: الحكم بالصحة، وهو الحكم بصحة التصرف في المحكوم به، وهذا النوع يرد على التصرفات من عقود وغيرها، وهو أعلى درجات الحكم لاستكمال شروطه، وهي: ثبوت ملك المالك، وحيازته للشيء المتصرف فيه، وأهلية المتصرف، وصحة التصرف.
النوع الثاني: الحكم بالموجب، وهو الحكم بالآثار المترتبة على التصرف على من صدر منه التصرف بموجب ذلك التصرف، وهذا النوع لا يشترط فيه ثبوت الملك للمتصرف، وإنما يكتفى بشرطين: أهلية التصرف، وصحة صيغته، وإنما جاز الحكم بالموجب مع عدم ثبوت الملك لأنه قد يعسر إثبات الملك، فإن تبين بعد ذلك عدم الملك وجب نقض الحكم.
стр. 817
شروط الحكم:
لكي يكون الحكم صحيحًا ومعتبرًا للتنفيذ اشترط الفقهاء لذلك شروطًا نذكر منها ما يلي:
أولًا: أن تتقدمه دعوى صحيحة، ويشترط هذا لصحة الحكم في حقوق العباد، إذا الحكم في حقوق العباد لا يجوز إلا بمطالبة ممن يدعي الحق، وهذا بخلاف الحكم في حقوق الله تعالى، فلا يتوقف على هذا الشرط، وذلك لصحة الحكم فيها من غير مطالبة؛ لأن تحصيلها واجب على الكل من حاكم وغيره.
ثانيًا: يشترط أن يكون الحكم بلفظ يفيد الإلزام، كأن يقول: حكمت أو قضيت أو أنفذت عليك القضاء، وهكذا.
وقد اختلف الفقهاء في بعض الصيغ: هل تفيد الإلزام أم لا؟ كقول القاضي: ثبت عندي أن لهذا على هذا كذا، أو قوله: ظهر عندي أو صح عندي أو علمت ونحو ذلك، فذهب بعض الأحناف والمالكية والشافعية إلى: أن هذه الصيغ لا تدل على الإلزام، فلا تكون حكمًا، ولذا قال بعض علماء الأحناف: لا بد أن يقول القاضي في حكمه: حكمت أو قضيت أو أنفذت عليك القضاء.
وذهب بعض الأحناف إلى أن الصيغ المتقدمة المختلف فيها تفيد الحكم كالصيغ المتفق عليها، ولكن الأولى: أن يبين أن الثبوت بالبينة أو الإقرار؛ لأن حكم القاضي بالبينة يخالف الحكم بالإقرار، والذي يظهر أن الأولى ما ذهب إليه الجمهور لوجاهته، أي: أنه لا بد من صيغ معينة، كقوله: قضيت أو حكمت، وذلك لوجاهة هذا الرأي، ووجاهة تعليلهم لذلك، ولأن الصيغ المختلف فيها لا تدل على الإلزام بطريق يرفع الاحتمال والإيهام بعدم الانتهاء بالحكم، فكان الأولى التمييز بما يفيد القطع والإلزام، كقوله: حكمت أو قضيت ونحو ذلك.
стр. 818
ثالثًا: يشترط أن يكون الحكم واضحًا، فلا بد من تعيين المحكوم به، وكذا تعيين المحكوم له، والمحكوم عليه بصورة واضحة ترفع أي احتمال أو اشتباه؛ لأن الحكم إذا كان مبهمًا أو فيه إيهام لم يمكن تنفيذه، وبالتالي لم يكن قاطعًا للنزاع بين الخصوم.
رابعًا: يشترط في الحكم أن يتقدمه إعذار لقطع حجة المحكوم عليه، وهذا شرط لصحة الحكم كما هو منصوص عليه عند المالكية.
خامسًا: يشترط حضور الخصمين مجلس الحكم عند صدور حكم القاضي، إلا أن يقوم على المحكوم عليه موجب الحكم، ثم يغيب فيكون حضوره وغيابه سواء، كما إذا أقر بالمدعى به، ثم غاب قبل الحكم فإنه يحكم عليه، وإذا كان هذا الشرط على ما ذهب إليه الأحناف في عدم الحكم إلا بحضور الخصم، وذلك لمنعهم القضاء على الغائب أو له إلا في بعض الحالات.
إلا أن هذا الشرط يجب اعتباره إذا لم تتوفر شروط الحكم في القضاء على الغائب، والتي اشترطها المجيزون غير الأحناف.
سادسًا: أن يكون الحكم القضائي الصادر طبقًا لحكم الدليل المقتضى شرعًا في الواقعة المحكوم فيها، وهذا يقتضي ألا يكون الحكم الصادر مخالفًا للكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي، وهو ما قطع فيه بإلحاق الفرع بالأصل.
وهذا الشرط من أهم شروط الحكم، بل أهمها؛ لأن الخطأ فيه يوقع في الظلم قطعًا.
وتطبيق هذا الشرط يستوجب من القاضي معرفة وجه الحكم، من حيث تصوره لكلام الخصمين، وأحوال الواقعة المطروحة، فإن لم يعرف الوجه لعدم فهم
стр. 819
الواقعة لزمه إعادة النظر حتى يتبين له ذلك صراحة، فإن اشتبه عليه الأمر والتبس عليه حكمه، كأن لم يقف على أصل النازلة في كتاب ولا سنة ولا غير ذلك، أو شك: هل هي من أصل كذا أو أصل كذا؟ أو تجاذبها أصلان؟ ولم يترجح أحدهما؟ شاور أهل العلم، فإن بقي الإشكال فالأولى في ذلك الصلح، وهذا فيما يمكن فيه الصلح لا فيما يمكن فيه الصلح كالطلاق.
أسباب الحكم:
لا شك أن العلم بأسباب الحكم أمر أساسي لنظر أية دعوى تستوجب الحكم فيها، غير أن الفقهاء لم يذكروا أسباب الحكم كشرط من شروطه، ولعل ذلك لأهميتها، ولكونها أمرًا بدهيًّا، تعتبر قاعدة وأصلًا للحكم، وهذا فيما يخص القاضي عند الحكم.
وأما من حيث دعم الحكم بأسبابه عند البيان أو إحاطة المحكوم عليه به: فقد استحسن الفقهاء فعل ذلك.
يقول الإمام الشافعي: وأحب للقاضي إذا أراد القضاء على غيره أن يجلسه ويبين له، ويقول له: احتججت عندي بكذا، وجاءت البينة عليك بكذا، واحتج خصمك بكذا، فرأيت الحكم عليك من قبل كذا، ليكون أطيب لنفس المحكوم عليه، وأبعد عن التهمة، وأحرى: إن كان القاضي غفل عن ذلك عن موضع فيه حجة أن يبينه، فإن رأى فيها شيئًا يبين له أن يرجع، أو يشكل عليه، أن يقف حتى يتبين له، فإن لم ير فيها شيئًا أخبره أنه لا شيء له فيها، وأخبره بالوجه الذي رأى: أنه لا شيء فيها وإن لم يفعل جاز حكمه، غير أنه قد ترك موضع الإعذار إلى المقضي عليه عند القضاء.
стр. 820
ونقل عن بعض فقهاء الشافعية تصريحهم بأن قاضي الضرورة، وهو من ولي القضاء دون أن تتوفر فيه الشروط المطلوبة لصحة تولية القضاء، يلزمه بيان مستنده في سائر أحكامه، ولا يقبل قوله حكمت بكذا من غير بيان مستنده فيه، وإذا كان هذا مستحسنًا عند الفقهاء، وقد يكون لازمًا في بعض الأحوال، فإنه مما تدعو الضرورة في عصرنا الحاضر لأهميته في مراقبة أعمال القضاة، وتصديق الصحيح منها، ونقد الباطل، وهذا بالإضافة إلى ما تقدم من إدخال الطمأنينة على قلب المحكوم عليه، وإشرافه على الأمر الواقع؛ لقطع عذره، ورفع احتمال التهمة للقاضي.
ومما تجدر الإشارة إليه: أن تسبيب الحكم شرط لصحته في النظم الوضعية، وأن إغفال ذلك يترتب عليه نقض الحكم وإبطاله.
حجية الحكم ونفوذه:
من المعلوم أن إصدار الحكم في واقعة يستلزم معرفة أسبابه، وتوفر شروطه، كما سبق، إضافة إلى الإمام بأحوال القضية وملابستها، وهذا يعني أن للظروف المحيطة بالواقعة أثرًا كبيرًا في تقدير صلاحية الحكم في الدعوى المطلوب الحكم فيها. ولا يتأتى ذلك إلا بنظر القاضي واجتهاده، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن من مرمى الحكم وإحداثه أن يكون موافقًا للحق والحقيقة، فإذا صدر الحكم قضائي وكان مقرون بأسبابه وحيثيته ومستوفيًا بشروطه السابقة كان حجة لازم التنفيذ.
نقض الحكم:
إذا صدر الحكم مستكملًا لوصوله الشرعية، وموافقًا ظاهره لباطنه كان حجة في الواقعة التي صدر فيها، ووجب لزومه وتنفيذه، ولا يجوز نقضه بأي حال.
стр. 821
ولكن الحكم قد يصدر أحيانًا مخالفًا للأصول الشرعية في الظاهر والباطن معًا، فعندئذٍ يتعين نقض الحكم.
ومن الحالات التي ينقض فيها الحكم ما يلي:
أولًا: إذا صدر الحكم، وكان مخالفًا لنص في الكتاب أو السنة أو مخالفًا للإجماع فإنه يجب نقضه، ويحرم تنفيذه؛ لأن الحكم في هذه الحالة يكون ظلمًا بالقطع واليقين فيما خالف الكتاب والسنة والإجماع، وما كان بهذه الصفة كان حكمًا بغير ما أنزل الله تعالى، فيجب رده، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: من الآية: ٤٥) وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) فعلى هذا: يكون النقض لما بان مخالفته للحق، ولم يكن موضع خلاف أو محل اجتهاد، فإن كان محل اجتهاد لم ينقض، كما إذا صدر الحكم بالاجتهاد، ثم ظهر حكم يخالفه حدث باجتهاد آخر فلا يكون هذا مع قبل الأول لنقل الإجماع على ذلك.
ثانيًا -أي من الحالات التي ينتقض بها الحكم-: إذا جرى الحكم على غير الأصول المشروعة المعتبرة لصحة الحكم، ولصدور الحكم على غير الأصول المطلوبة صور منها:
١ - ما يتعلق بذات الحكم، كعدم استكمال أسبابه وشروطه؛ كأن يصدر الحكم في حقوق العباد من غير سبق دعوى، فهذا الحكم ينقض لتخلف ما هو شرط في صحته، وهو الدعوى. وكذا لو صدر الحكم قبل الإعذار فإنه ينقض؛ لأن الإعذار شرط لصحته وعدم الإعذار حجة لنقضه، وكذا لو حكم القاضي قبل التعديل والتزكية للشهود، فإنه يكون حكمه منقوضًا لأن التعديل للشهود شرطًا لقبول الشهادة واعتبارها حجة.
стр. 822
٢ - إذا صدر الحكم في دعوى لا يجوز للقاضي الحكم فيها، لتعلقها بالقاضي أو لمن له علاقة بالقاضي مما يكون سببًا في جر التهم، وسوء الظنون، كحكم القاضي على عدوه، وحكمه لنفسه أو شريكه أو أصوله كآبائه أو فروعه كأبنائه.
٣ - الأحكام التي تصدر عن قضاة لم تتوفر فيهم أهلية القضاء لنقص في بعض الشروط المطلوبة لتولي القضاء، كالقاضي الجائر، والقاضي الجائر، وفيما يلي إيضاح ذلك:
القاضي الجائر: إذا عرف القاضي بالجور في أحكامه، وكان غير عدل في حاله وسيرته، فإنه تنقض أحكامه جميعًا، سواء كان عالمًا أو جاهلًا ظهر جوره أو خفي؛ لأنه لا يؤمن جانبه، ولو فيما ظاهره الصواب؛ فقد يكون باطنه في الحيف والجور.
القاضي الجاهل: أما القاضي الجاهل إذا كان عدلًا، فإن أحكامه تكشف بتعقبها، فما كان منها صوابًا أنفذ وأمضي، وما كان منها خطأ بينًا نقض، وقال بعض العلماء: ينقض حكمه، وإن كان خطأ مختلف فيه إذا لم يعرف بمشورته لأهل العلم؛ لأن حكمه من غير مشاورة أهل العلم حدس وتخمين، وهذا يعني: أن لمشاورة أهل العلم أثرًا في حجية الحكم، لاسيما إذا كان القاضي تنقصه أهلية العلم.
وإذا صح تعقب الأحكام، ونقض ما هو محل للنقض، فهل يجب ذلك على القاضي في أحكام من سبقه؟
نقول: الظاهر من كلام بعض الفقهاء: أنه لا يجب على القاضي تعقب أحكام من كان قبله، إلا أن يتظلم إليه محكوم عليه قبله، فينظر فيما تظلم فيه، فإن كان الحكم مخالفًا للشرع أو محلًا للنقض نقضه، وإن كان مجتهدًا فيه أبقاه ولم ينقضه.
стр. 823
ثالثًا: ينقض الحكم إذا بين المحكوم عليه دفعًا صحيحًا ظهر بعد الحكم الأول، ولو كان الحكم الأول مستكملًا لأصوله الشرعية، وذلك لوجوب مراجعة الحق، مثاله: إذا ادعى أحد على الدار التي في تصرف الآخر بأنها مورثة له من والده، وأثبت ذلك، ثم بعد الحكم لو ظهر سند معمول به يبين أن والد المدعي كان قد باع الدار المذكورة إلى والد ذي اليد، فإنها تصبح دعوى ذي اليد، وإذا أثبت ذلك انتقض الحكم الأول، واندفعت دعوى المدعي.
القضاء في المملكة العربية السعودية
ثم نتحدث الآن عن القضاء في المملكة العربية السعودية، فنتحدث عن بعض النقاط.
من أولى هذه النقاط: حالة القضاء ومنهجه، نقول:
إن التنظيم القضائي في السعودية هو النظام الوحيد في البلاد العربية المستمد من الشريعة الإسلامية؛ بل إن هذا التنظيم قد سبق في كثير من جوانبه التشريعات الوضعية التي صدرت في البلاد العربية بعد استمدادها من القوانين الأجنبية بدون مراعاة الأعراف والتقاليد والتراث والشريعة والعقيدة، بينما بادرت المملكة -وبوقت مبكر- إلى إصدار نظام القضاء، ونظام المرافعات، واستمدته من الفقه الإسلامي الزاخر لتكون رائدة في ذلك.
أما منهج الدولة السعودية في أخذ الأحكام الشرعية فقد صدر بذلك قرار الهيئة القضائية عدد ٣ في ٧/ ١/ ١٣٤٧ هجرية المقترن بالتصديق العالي بتاريخ ٢٤/ ٣/ ١٣٤٧ هجرية، ونص على ما يلي:
فقرة واحد: أن يكون مجرى القضاء في جميع المحاكم منطبقًا على المفتي به من مذهب الإمام أحمد بن حنبل؛ نظرًا لسهولة مراجعة كتبه والتزام المؤلفين على مذهبه ذكر الأدلة إثر مسائله.
стр. 824
فقرة (ب): إذا سار جريان المحاكم الشرعية على التطبيق على المفتي به من المذهب المذكور، ووجد القضاة في تطبيقها على مسألة من مسائله مشقة ومخالفة لمصلحة العموم، يجري النظر والبحث فيها من باقي المذاهب بما تقتضيه المصلحة، ويقرر السير على ذلك المذهب مراعاة لما ذكر.
ونص قرار الهيئة القضائية السابق على تحديد الكتب المعتمدة في المملكة من المذهب الحنبلي، فجاء فيه: أن يكون اعتماد المحاكم في سيرها على مذهب الإمام أحمد على الكتب التالية:
(شرح المنتهى) أي: (منتهى الإرادات) لمنصور بن يوسف البهوتي ثم (شرح الإقناع).
النقطة الثانية: أنواع المحاكم:
تتكون المحاكم الشرعية من أربعة أنواع، هي:
النوع الأول: مجلس القضاء الأعلى، ويتألف من أحد عشرة عضوًا، خمسة متفرغين بدرجة رئيس محكمة تمييز، ويختص مجلس القضاء الأعلى بالإشراف على المحاكم، وتقرير المبادئ العامة الشرعية في المسائل التي يراها وزير العدل.
النوع الثاني: محكمة التمييز، وتتألف محكمة التمييز من: رئيس وعدد كاف من القضاة، وتتكون محكمة التمييز من ثلاثة دوائر، يرأس كل منها الرئيس، أو أحد نوابه.
стр. 825
النوع الثالث: المحاكم العامة: وتؤلف من قاضٍ أو أكثر، ويتم تأليفها وتعيين مقرها وتحديد اختصاصها بقرار من وزير العدل.
النوع الرابع: المحاكم الجزئية: وتتكون من قاضٍ أو أكثر، ويكون تأليفها وتعيين مقرها وتحديد اختصاصها بقرار من وزير العدل.
وبهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن النظام القضائي في الإسلام، وبانتهاء الحديث عن النظام القضائي في الإسلام نكون قد انتهينا من مادة السياسة الشرعية.
هذا وبالله التوفيق.