Полный текст (825 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
ومن الشروط أيضًا: تحقيق المصلحة الإسلامية: يشترط أن يكون في عقد المعاهدة مصلحة للمسلمين والإسلام؛ فلا بد من توافر المصلحة المشروعة في عقد الصلح، وإلا لم يجز العقد -كما قال فقهاءنا- والمصلحة المشروعة في الهدنة -أي: الصلح المؤقت- إما احتمال اعتناق الإسلام، أو إقرار السلام، وتبادل العلاقات الاقتصادية، أو الانضمام إلى دار الإٍسلام، أو دفع الضرر عن المسلمين، وغير ذلك.
ويشترط أيضًا: كون المعاهدة بتراضي الطرفين كما أوضحنا.
ويشترط أيضًا: توافر النية الحسنة لدى الطرفين؛ لأن شرط النية الحسنة مطلوب لصحة المعاهدة في الإسلام، بحيث تبطل المعاهدة إذا تم عقدها بدافع الغش، وسوء النية، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ (النحل: من الآية: ٩٤) والدَّخَل هنا هو العيب الخفي الذي يدخل الشيء فيفسده.
وأما آثار المعاهدة فتختلف بحسب نوعها، ومدتها؛ فهي تظل سارية المفعول طوال المدة المتفق عليها ما لم ينقضها العدو، وتختلف آثارها بحسب نوعها؛ فإن كانت أمانًا خاصًا؛ اقتصر أثرها على عصمة دم المستأمن وماله وأولاده الصغار وزوجته، وإن كانت أمانًا عامًا لإقليم أو بلد؛ شملت جميع من كان هناك، وإن كانت هدنة فتقتصر على المهادنين، وإن كانت عقد ذمة؛ فتشمل جميع الذميين.
ويترتب على المعاهدة: إنهاء الحرب، وإقرار السلام، وعصمة النفوس، والدماء، والأعراض، والأموال، ويعيش الطرفان بأمان، وودٍ، وسلام، واطمئنان.
стр. 772
ويلتزم كل من الجانبين بتنفيذ أحكام المعاهدة، وشروطها بحسن نية؛ لأن المعاهدة تنشأ وضعًا قانونيًا يتمثل في واجبات، وحقوق للطرفين المتعاقدين.
ثم نتكلم الآن عن انقضاء المعاهدة: فالمعاهدات تنقضي بالحالات الآتية:
منها -على سبيل المثال- انتهاء مدة المعاهدة، ومنها الإخلال بشروط المعاهدة، ومنها الاعتداء من أحد الطرفين على الطرف الآخر، ومنها ارتكاب بعض الجرائم الخطيرة من العدو، ومنها أيضًا نقض المعاهدة من جانب الأعداء؛ فإذا وجدت هذه الأمور؛ ترتب على ذلك انقضاء المعاهدة.
وبهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن المعاهدات، وآثارها في الفقه الإسلامي، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 773
الدرس: ١٦ القضاء ووسائل التثبت والإثبات في النظام الإسلامي .
стр. 774
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس عشر
(القضاء ووسائل التثبت والإثبات في النظام الإسلامي)
١ - مشروعية القضاء وأهميته وتاريخه وشروط الدعوى
مشروعية القضاء وأهميته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
نبدأ الآن الحديث عن النظام القضائي في الإسلام، فنعرف القضاء، ونبين دليل مشروعيته، وبيان أهميته، وتاريخه عبر العصور الإسلامية المتلاحقة:
القضاء لغة: انقضاء الشيء وإتمامه، والحكم بين الناس.
وشرعًا: هو فصل الخصومات وقطع المنازعات، وعرفه الشافعية بأنه فصل الخصومة بين خصمين فأكثر بحكم الله تعالى أي: إظهار حكم الشرع في الواقعة، وسمي القضاء حكمًا لما فيه من الحكمة التي توجب وضع الشيء في محله لكونه يكف الظالم عن ظلمه، والأصل في مشروعيته الكتاب، والسُّنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص: من الآية: ٢٦) وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّه﴾ (المائدة: من الآية: ٤٩) وقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْط﴾ (المائدة: من الآية: ٤٢) وقوله : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (النساء: من الآية: ١٠٥) ونحوها من الآيات.
وأما السُّنة فما روي عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)) وقوله ﷺ : ((إذا جلس الحاكم للحكم بعث الله له ملكين يسددانه ويوفقانه؛ فإن عدل أقاما -يعني:
стр. 775
استمرا- وإن جار عرجا وتركاه)) وقد حكم النبي ﷺ بين الناس، وبعث عليًا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن للقضاء في المنازعات، وبعث إليهما أيضًا معاذًا، وكان عتاب بن أُسيد أول قاضٍ لرسول الله ﷺ ولأن الخلفاء الراشدين ﵃ حكموا بين الناس، وبعث عمر ﵁ أبا موسى الأشعري إلى البصرة قاضيًا، وأرسل عبد الله بن مسعود إلى الكوفة قاضيًا، وتولى القضاء عمر، وعلي، ومعاذ، وأبو موسى، وغيرهم، وأجمع المسلمون على مشروعية تعيين القضاة، والحكم بين الناس لما في القضاء من إحقاق الحق، ولأن الظلم متأصلٌ في الطباع البشرية، فلا بد من حاكم ينصف المظلوم من الظالم.
نوع المشروعية:
القضاء فريضة محكمة من فروض الكفاية باتفاق أئمة المذاهب، فيجب على الإمام تعيين قاضٍ، ودليل الفرضية: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ (النساء: من الآية: ١٣٥) ولأنه -كما ذكر- طباع البشر مجبولة على التظالم ومنع الحقوق، وقل من ينصف من نفسه، وبما أن الإمام لا يقدر عادة على فصل الخصومات بنفسه لكثرة مشاغله العامة؛ فالحاجة تدعو إلى تولية القضاء، وأما كونه فرض كفاية فلأنه أمرٌ بمعروف، أو نهي عن منكرٍ، وهما واجبان كفائيان، فالقضاء أمر من أمور الدين، ومصلحة من مصالح المسلمين تجب العناية به؛ لأن بالناس إليه حاجة عظيمة، وهو من أنواع القربات إلى الله ولذا تولاه الأنبياء ﵈ قال ابن مسعود: "لأن أجلس قاضيًا بين اثنين أحب إلي من عبادة سبعين سنة".
стр. 776
أهمية القضاء:
إن أهمية الأشياء تقاس بغاياتها، والغاية في القضاء هي إقامة العدل وكبح الظلم، فحيثما وجد العدل زال الظلم، والظلم ظلمات في الدنيا والآخرة، وهو قهرٌ للنفوس، وهضمٌ للحقوق، وهتكٌ للأعراض، وهو قبيحٌ في الجليل والحقير، وقد وصف الله به أشنع الكبائر وهو الإشراك به، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾ (لقمان: من الآية: ١٣) ولعظم شأن العدل في دحض الظلم، وأنهما ضدان لا يجتمعان وردا في آية واحدة بأمرٍ ونهي، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإِحْسَانِ وإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ويَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ والْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٩٠) وقد أدركت البشرية في مختلف العصور أهمية العدل فجعلوه هدفًا لأحكامه، وقد يختلفون في الوسائل والنتائج، ولكنهم متحدون فيما يهدفون إليه.
ولما كان العدل قوة فاعلة تستأصل الظلم وتمحو آثاره جاء التعبير الكريم بأبلغ تصوير في زوال الظلم عندما يصطدم بالعدل، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ولَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: ١٨) ومن هنا تبرز أهمية القضاء الذي هو وسيلة لإقامة العدل بين الناس، ولأهمية تلك الغاية وخطورتها جاء التحذير والوعيد في استعمال هذه الوسيلة؛ لكي لا يستعملها من لا يُحسن استعمالها فتنحرف به عن الصراط، وتزل به الأقدام؛ فيهوى في معاقل الظلم والبهتان.
تاريخ القضاء في الإسلام
أولًًا: نتحدث الآن عن المراحل التي مر بها القضاء في العصور الإسلامية الأولى،
стр. 777
فنذكر الآن القضاء في عهد النبي ﷺ فنقول:
لما جاء الإسلام على يد محمد ﷺ رفع لواء العدالة، وقرر المساواة الكاملة بين الناس جميعًا لا فرق بين حاكم ومحكوم، ولا بين أمير وحقير، ولا بين مسلم وغيره، فالكل أمام عدالة الإسلام سواء، ولقد قرر الإسلام مبدأ المساواة بين الناس في أكمل صورة وأمثل أوضاع، واتخذ العدل دعامة لجميع ما سنه من نظم أو تشريعات تحكم علاقات الأفراد والمجتمع بعضهم مع بعض، وقد طبق الإسلام ذلك في جميع النواحي التي تقتضي العدالة الاجتماعية، وتقضي كرامة الإنسان الفرد أن يطبق فيها، وقد أمر النبي ﷺ بالحفاظ على تعليم الإنسان الخاص، بالعدالة، وإقامة العدالة بين الناس، والفصل في كل ما يجد لهم من مشاكل ومنازعات؛ ولذلك كان على النبي ﷺ أن يعمل كل ما في وسعه ولا يدخر طاقة في ذلك، فأخذ يبين للناس دستور القضاء والتقاضي، ويوضح ما يسلكه القاضي في قضائه، وما يجب عليه أن يلتزمه في نظر الدعوى، وفي الحكم الذي يصدره في شأنها ويقره الإسلام متخذًا في ذلك منهجه العملي الذي نظمته هداية السماء داعيًا البشر إلى الاقتداء به في كل مرحلة من مراحل الحياة، فقد كان قضاء الرسول ﷺ تشريعًا واجب الاتباع سواء كان ذلك القضاء تطبيقًا لنص تشريعي نزل به الوحي، أو كان اجتهادًا منه؛ لأنه في جميع الحالات لا يقر على خطأٍ، فكان اجتهاده بمنزلة الوحي الثابت لا جدال في ذلك، ولا مراء كما استقر عليه رأي جمهور العلماء والفقهاء أخذًا من قوله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: من الآية: ٣، ٤).
أما فيما ورد فيه نص من كتاب أو سُنة، فإن قضاء الرسول ﷺ به يؤكد بقاء العمل به مع ما قد يقترن بهذا من بيان لمجمل النص التشريعي وتفصيل لخفائه، ومن هنا
стр. 778
وجب التزام قضائه ﵊ فيما كان تطبيقًا لنص، ولا يجوز العدول عنه عند ثبوته لأي قاضٍ يريد تطبيق هذا النص على قضية مشابهة معروضة أمامه.
أما قضاؤه ﷺ باجتهاده فيما لم يرد فيه نص فكثير، ومن ذلك قضاؤه في فاطمة بنت قيس التي خاصمت زوجها إليه، وحكم بتطليقها البتة، ولم يجعل لها الرسول السكنى والنفقة؛ فقد جاء في صحيح مسلم عنها: ((طلقني زوجني ثلاثًا فلم يجعل لي رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة)) وفي رواية لأحمد أن النبي ﷺ قال: ((يا بنت آل قيس إنما السكنى والنفقة على من كانت له رجعة)).
ومن ذلك أيضًا قضاؤه ﵊ بتخيير الولد المميز بين أبيه وأمه إذا انفصلا، فقد جاءته امرأة فقالت: ((إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني، فقال ﵊: استهما عليه، فقال زوجها: ومن يحاقني في ولدي؟ فقال النبي ﷺ للولد: هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت -أي: أن النبي ﷺ خير الولد بين أبيه وأمه- فأخذ بيد أمه؛ فانطلقت به)).
وبالنسبة للسلطة القضائية في عهد النبي ﷺ نقول: لما استقر النبي ﷺ في المدينة بعد الهجرة جمع بين السلطات جميعًا التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، ولم يكن للمسلمين قاضٍ سواه، أما التشريعية فباعتباره مبلغ الوحي، وحامل راية التشريع، وعليه عبء إعلامه للكافة، وأما القضائية فلأن منهج العدالة يحتاج إلى تدريبٍ، وتنظيمٍ، وقيادة عملية حكيمة يهتدي بها البشر في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وهذه القيادة إنما تقوم برعايتها والعناية بها هداية السماء، فكان لابد أن تكون السلطة القضائية في يده ﵊ وقد جمع إلى هذه السلطة القضائية أن يتولى بنفسه القضاء والحكم في كل المشاكل والقضايا التي كانت تقع للناس في ذلك الوقت، وذلك عندما كانت الدولة الإسلامية في بادئ
стр. 779
عهدها، ولم تتطاول أطرافها بعد، حيث لم يكن في حاجة إلى معاونة في تطبيق التشريعات القضائية بين الناس؛ لقلة عدد القضايا التي كانت ترفع إليه ﷺ في ذلك الوقت، فلما انتشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية وملأ الآفاق كان النبي ﷺ في حاجة إلى أن يعهد بالقضاء إلى بعض ولاته الذين أنابهم في حكم البلاد المترامية عنه بعد أن وضح لهم معالم تشريعات السلطة القضائية، وأمرهم بالالتزام بها، وتحقيق العدالة بين الناس جميعًا لا فرق بين أمير وحقير، ولا بين مسلم وذمي، فالكل أمام عدالة الإسلام سواء طبقًا للمنهج الذي رسمه لهم في مجال القضاء، فكان القضاء إحدى وظائف الوالي الذي يتعين عليه أن يقضي بين الناس طبقًا لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ونتكلم الآن عن القواعد، والمبادئ، والنظم التي تضمنتها تشريعات سلطته القضائية ﷺ فالنبي ﷺ فيما يتعلق بالدعوة مثلًا أوضح ﵊ أن كل دعوة تحتاج إلى بينة تقوم بها الحجة على صدق صاحبها؛ فإن عرت عن البينة غدت كأن لم تكن، وفي هذا المعنى يقول ﷺ : ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودمائهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) كما أوضح الرسول الكريم ﷺ ضرورة سماع الخصمين أو الخصوم قبل الفصل في النزاع، ومن ذلك قوله ﷺ لعلي ﵁ حينما ولاه قضاء اليمن: ((إن جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع كلام الآخر كما سمعت كلام الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء)).
وأوضح النبي ﷺ فيما أوضح من تنظيمات القضاء، أنه يجب على القاضي أن يسوي بين الخصمين، فقد روت أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه، وإشارته،
стр. 780
ومقعده)) وفي رواية: ((من ابتلي بالقضاء بين الناس فلا يرفعن صوته على أحدٍ ما لا يرفع على الآخر)) كما أمر النبي ﷺ القضاة بتحري الحق والحكم به، كما بين النبي ﷺ أن العدل في القضاء يرفع منزلة القاضي عند الله تعالى، فقد روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الذين إذا أُعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وإذا حكموا للمسلمين حكموا حكمهم لأنفسهم)).
وقد حذر الرسول ﷺ من الظلم في القضاء، فقال: ((إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار وكله الله إلى نفسه)) وقد بين النبي ﷺ أن القضاء منصبٌ خطيرٌ يجب أن يتولاه من هو أحق به وأقدر عليه؛ لأن ولاية من أعظم الولايات فقال: ((من تولي من أمر المسلمين شيئًا فاستعمل عليهم رجلًا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك، وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله؛ فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين)).
كما حذر الرسول ﷺ أن يقضي القاضي وهو غضبان، فقد رُوي أنه ﷺ : ((لا يقضي الحكم بين اثنين وهو غضبان)) وقال أيضًا: ((لا يقضي القاضي إلا وهو ريانٌ شبعانٌ)) كما حذر الرسول ﷺ من قبول الرشوة؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: ((لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم)).
كما أوضح الرسول ﷺ أن الإسلام لا يأبى على القاضي المسلم أن يفصل بين أهل الكتب في خصوماتهم إذا احتكموا إليه، أو طلبوا القضاء بينهم أمامه، وقد فصل ﵊ فيما عُرِض عليه من قضاياهم، وكذلك أوفد أبو عبيدة بن الجراح ﵁ مع وفد نصارى نجران من أجل أن يحكم بينهم وفي جميع الأحوال، فلم يدع النبي ﷺ القضاة إلى أنفسهم ينشئون الأحكام كما يشاءون، بل ألزمهم
стр. 781
بقانون السماء، وشريعة الإسلام، وبين أن طريقهم في ذلك هو الرجوع إلى كتاب الله أولًا، فإن لم يجد فيه نصًّا يتناول الحادثة لجئوا إلى السنة ثانيًا، فإن لم يجدوا فيها حكم الحادثة عولوا على الاجتهاد في استخراج الحكم على هدي نصوص الكتاب والسنة.
وبهذا النهج الذي رسمه رسول الله ﷺ أصبح سبيل العدل واضح المعالم وفق ما قررته الشريعة الإسلامية من أصولٍ، وما جاءت به من أحكام.
ثانيًا: ونتكلم الآن عن القضاء والسلطة القضائية في عهد الخليفة الأول أبو بكر ﵁ فنقول:
كانت السلطة القضائية في عهد الخليفة أبو بكر ﵁ في يد الحاكم الأعلى، وهو الخليفة أبو بكر ﵁ كما في عهد النبي ﷺ وكذلك الشأن في نظام القضاء، ولم يختلف عنه إلا من حيث أن أبا بكر ﵁ قد خصص للقضاء رجلًا، فكانت ولاية القضاء منفصلة، والتفرغ لها عملًا لم يكن في عهد النبي ﷺ حيث كان منصب القضاء تابعًا لمنصب الولاية -كما سبق توضيح ذلك- أما أبو بكر فقد أناب عنه عمر ﵁ في قضاء المدينة فقط دون ولايتها، ومع عهده إلى عمر بالقضاء فإنه ﵁ كان يباشر القضاء بنفسه أحيانًا، وذلك عندما ترفع إليه الخصومة والخلاف، ولا يعني هذا أن هناك تعارضًا بين مباشرته القضاء بنفسه والعهد به إلى عمر بن الخطاب؛ لأن الخليفة صاحب الولاية العامة، ومن حقه أن يقضي بنفسه مع وجود من ولاه لمباشرة هذا الأمر، وذلك لأن القضاء من الوظائف العامة الداخلة تحت الخلافة، وهذا يفسر لنا رواية أن عمر مكث سنة لا يأتيه رجلان في أمر القضاء، فلربما كان المتقاضيان يذهبان إلى أبي بكر ويتركان عمر، وذلك لخوف الخصوم من المثول أمامه، ولما اشتُهر عنه من الشدة والحزم بين الناس في كل أموره.
стр. 782
أما بالنسبة للقضاء خارج المدينة: فقد كان القضاء جانبًا من عمل الولاة ودخلًا في سلطتهم، وتبعًا لذلك فقد كان ولاة أبو بكر لهذه الولايات هم قضاته أيضًا في أماكن عملية، ولعله في هذا نهج نهج رسول الله ﷺ وإن كانت أسباب أخرى بجانب ذلك لم تجعله ﵁ يتجه إلى فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية والسياسية كما فعل عمر ﵁ من بعده، وهذه الأسباب منها قصر مدته في الخلافة؛ فقد مكث سنتين وثلاثة أشهر وبعض أيام، وكان همه منصرفًا خلالها إلى القضاء على الفتنة التي أشعلت نارها بعض القبائل بعد وفاة النبي ﷺ ومنها أن أعباء الولاة في عهده لم تكن، بالكثرة التي تحول بينهم وبين تفرغهم لمزاولة القضاء والفصل بين المتخاصمين.
ثم نتكلم عن نهج أبي بكر في القضاء، فنقول: نهج أبو بكر في القضاء ما يأتي:
أ- الرجوع إلى كتاب الله أولًا في القضية المعروضة عليه للفصل فيها، فإن وجد فيه نصًّا قضى به.
ب- إذا لم يجد في الكتاب حُكمًا في النزاع الذي ينظره حكم بسنة النبي ﷺ إن وجد فيها الحكم.
جـ- إذا لم يجد الحكم في السُّنة بحث في قضاء الرسول ﷺ عن حادثة مماثلة، وحكم بحكم الرسول إذا تشابهت القضيتان.
د- القضاء إذا لم يجد في قضاء الرسول ﷺ ما يقضي به استشار رءوس الناس، فإذا أجمعوا على شيءٍ قضى به، فإذا لم يجتمعوا على شيء في الخصومة فكان يجتهد رأيه ويقضي باجتهاد.
стр. 783
ثالثًا: ثم نتحدث الآن عن السلطة القضائية ونظام القضاء في عهد عمر بن الخطاب فنقول:
لما ولي عمر بن الخطاب بعد وفاة أبو بكر وجه عنايته إلى القضاء ودعمه، واهتم بشأنه خصوصًا بعد أن فتح الله على المؤمنين بلاد الشام، والفرس، والعراق، ومصر، وامتدت إلى أماكن مختلفة من العالم خارج الجزيرة العربية في عهده شملت الكوفة، والبصرة، وأمام هذا الاتساع في رقعة البلاد الإسلامية كان من الضروري أن يستعين عمر ﵁ أن يجعل سلطة القضاء مستقلة عن عمل الوالي في بعض الولايات التي تحتاج إلى ذلك؛ ليتفرغ الوالي للأعمال الكثيرة أخرى التي كان لزامًا عليه أن يتفرغ لها، وفي مقدمتها نشر الأمن والطمأنينة في أنحاء، ولايته، وحمايتها من خصومها، والترصد لحركاتهم، ومؤامراتهم، وإيذاء ذلك فصل عمر القضاء في بعض الولايات الكبيرة عن عمل الوالي، وجعله سلطة مستقلة، ونفذ هذا في ولايات: الكوفة، والبصرة، ومصر.
وقد جعل عمر ﵁ السلطة القضائية تابعة له مباشرة، فكان هو الذي يعين القضاة، ويكتب إلي واليه في الولاية أن يولي فلانًا القضاء عنده كما كان يوجه القضاة ويراسلهم ويراسلونه فيما يُشكل عليهم في القضاء، ويسألونه أتانا كذا وكذا فما الحكم؟ وكان يجيب عليهم بما يتخذونه وما يسلكونه من طريق، وكان بهذا الوصف الرئيس الأعلى للقضاة، وصاحب الخطة التي يسيرون عليها في قضائهم لا يحيدون عنها ولا يخالفونها، ومع هذا فقد أبقى عمر بعض ولاته على القضاء أيضًا، وربما يرجع هذا إلى أن ظروفهم كانت تسمح لهم في ولاياتهم بمباشرتهم القضاء بأنفسهم مع عبء السلطة التنفيذية؛ لأن القضاء لم يشغلهم عن العناية بشئون الولاية.
стр. 784
وأما قضاة عمر الذين ولاهم القضاء عنه في المدينة فهم: علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، والسائب بن يزيد، فقد خصصه عمر للفصل في القضايا البسيطة، فقد روي الطبراني أن عمر قال ليزيد عند تعيينه لمنصب القضاء: "رد الناس عني في الدرهم والدرهمين" أي: في القضايا التي لها مبالغ بسيطة، ومع ذلك فقد كان الخليفة عمر مع تخصيصه قضاة للمدينة يقضي بنفسه أحيانًا، وأحيانًا أخرى كان يُحيل قضاياه على زيد أو علي، وأحيانًا كان يُشركهما معه في بحث قضية ما يراه من وجهة نظره تحتاج إلى مستشارين.
ومما سبق يمكن أن نستخلص بأن عمر قسم القضاء إلى درجتين: القضاء البسيط، وهو خاص بالقضايا الصغيرة، وهذا أحاله على السائب بن يزيد عندما أمره أن يحكم بين الناس في الدرهم، والدرهمين، والقضاء الكلي، وقد خُصص لما عدا ذلك من القضايا -يعني: فيما زاد عن الدرهم والدرهمين كان هو القضاء الكلي- وهذه القضايا كان ينظرها علي بن أبي طالب، أو زيد بن ثابت في المدينة، أو عمر نفسه، أو هم جميعًا، أو اثنان منهم حسب مقتضيات الأحوال والظروف، وقد كان الأصل في نظام القضاء أن يعين القاضي الواحد للقضاء وحده في الدائرة المخصص لها، وهو يقوم على أساس نظام القاضي الفرد الذي يستقل وحده بإصدار الحكم في القضايا المعروضة عليه، وهذا النظام الذي عمل به عمر نظامٌ معمولٌ به في بعض الدول الآن ومنها مصر، وذلك بالنسبة لقضاة المحاكم الجزئية وقضاة الأمور المستعجلة، ومع أن هذا هو الأصل أي: أن يستقل القاضي وحده بالحكم، نقول: ومع أن هذا هو الأصل فقد صار عمر أيضًا في سلطته القضائية على تخويل القاضي الواحد أن يستعين بغيره معه في بعض القضايا المهمة، أو قد يحدد هو شروطًا معينة لبعض القضايا المهمة سلفًا بحيث إذا انطبقت هذه الشروط عليها تعين للنظر فيها أكثر من قاضٍ قبل الحكم فيها، وقد يدعوهم الخليفة بنفسه للنظر معهم في القضية، وذلك بحسب الأحوال كما سبق القول.
ومن ذلك نستخلص بأن القضية الواحدة كان ينظرها أحيانًا قاضيان معًا أو أكثر في أيام عمر، وأن قضاء الإسلام لم يجر فيه نظام القضاء على نظام القاضي الواحد دائمًا أبدًا كما زعم بعض المستشرقين، بل في نصوص الإسلام وتعاليمه وأعمال الخلفاء ما يجيزوا لأكثر من قاضٍ الاشتراك في قضية واحدة، وليس هذا النظام حديثًا ووليد المدنية -كما زعم من زعم- بل هو من نظام القضاء في الإسلام.
نهج عمر في القضاء ودستور التقاضي في عهده: كان عمر ﵁ في قضائه يتبع ما جاء في الكتاب والسنة، فإن لم يجد فيهما ما يقضي به نظر في قضاء أبي بكر، فإن وجد له قضاء قضى به، وإلا استشار في ذلك فقهاء الصحابة وفي مقدمتهم علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت قاضياه، فقد جاء في (المبسوط) للسرخسي: أن عمر ﵁ كان يستشر الصحابة مع فقهه، حتى كان إذا رُفعت إليه الحادثة قال: ادعوا إلي عليًا وادعوا إلي زيدًا، فكان يستشرهم ثم يفصل بما اتفقوا عليه، كانت القضية تُرفع إلى عمر فربما يتأمل في ذلك شهرًا ويستشير أصحابه، وقد سن عمر بن الخطاب لقضاة دستورًا يسيرون عليه في التقاضي وفي الحكم، وهو النهي الذي صار عليه بنفسه بالقضاء، إلا أنه رأى أن يدون ذلك وكل ما يتعلق بالقضاء وتنظيمه، وطريقة التقاضي، والحكم، وشروط الدعوى التي يصح النظر فيها، وغير ذلك، دون ذلك في كتاب خاص يعتبر هذا الكتاب هو أساس علم المرافعات في عالم القضاء، وهو الكتاب الذي بعث به إلى أبي موسى الأشعري وإلى غيره من القضاة، وهذا نص الكتاب:
стр. 785
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس سلامٌ عليك، أما بعد:
فإن القضاء فريضةٌ محكمةٌ، وسنةٌ متبعةٌ، فافهم إذا أُدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلمٌ بحقٍّ لا نفاذ له، آسي بين الناس في مجلسك، وفي وجهك، وقضائك؛ حتى لا يطعم شريفٌ في حيفك، ولا ييأس ضعيفٌ من عدلك، البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، ومن ادعى حقًّا أو بينةً فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن بينه أُعطيته، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر، ولا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم فرجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، والمسلمون عدول بعضهم على بعض.
هذا ضمن ما جاء في كتاب عمر بن الخطاب، وهو دستور القضاء إلى الآن، وسوف يستمر في المستقبل -إن شاء الله.
ثالثًا: ثم نتكلم الآن عن السلطة القضائية والقضاء في عهد عثمان فنقول:
لما تولى عثمان بن عفان ﵁ الخلافة وبُيع عليها في سنة ١٧ هجرية سلك في شأن القضاء مسلكًا غير الذي سلكه عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، فقد عزل عثمان عن قضاء المدينة علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، والسائب بن يزيد، واستقل هو بالسلطة القضائية وبالقضاء، فكان ينظر الخصومات بنفسه في جميع القضايا المهمة ذات الأمور قضائية، وكان يستدعي هؤلاء القضاة الذين عزلهم من منصب القضاة وغيرهم من الصحابة للتشاور معهم فيما يحكم به عند الحاجة إلى ذلك، فإن وافق رأيهم رأيه أمضاه، وإن لم يوافق رأيهم رأيه نظر في
стр. 786
الأمور فيما بعد، ويبدو أن الخليفة عثمان ﵁ آثر أن يترك أمر القضاء في الأمصار للولاة أنفسهم.
رابعًا: وإذا نظرنا إلى القضاء في عهد علي -أي: أننا ننتقل الآن إلى النظر في القضاء في عهد علي ﵁ فنقول: مع علم علي وغزارته من دعاء النبي ﷺ له بقوله: ((اللهم علمه القضاء)) ومع إجماع صحابة رسول الله ﷺ على أن عليًا أقضاهم، فإن القضاء في خلافته لم يحظ بالكثير من عنايته ورعايته بسبب الأحوال السياسة المضطربة، والفتن التي ظهرت في عهد آنذاك مما كان سببًا في انصراف علي ﵁ عن العناية بالأحوال التنظيمية للأمصار والتوفر على العناية الكاملة بأمر القضاء بصفة خاصة، ومع ذلك لم تمنعه هذه الظروف القاسية من الاهتمام بأمر القضاء والاشتغال به، فقد كان يجلس بنفسه للحكم والقضاء بين الناس كما كان يعهد به إلى الممتازين من ذوي الكفاءات، وقد ترك علي ﵁ أمر اختيار القضاة للولاة أنفسهم الذين عينهم على الأمصار بعد خلافته، فقد عزل معظم الولاة الذين كانوا في عهد عثمان وولى غيرهم، وقد فصل علي ﵁ القضاء عن الولاية كما فعل عمر ﵁ وإن فوض الولاة في تعيين القضاة، واختيارهم من أفضل العناصر التي تصلح للقضاء دون أن يحكمهم بأنفسهم في قضايا الناس لضمان العدالة في القضاء بين الناس.
خامسًا: ثم نتكلم الآن عن القضاء في عهد الأموي فنقول: في عهد خلافة بني أمية لم يختلف القضاء كثيرًا في هذه المرحلة عن المراحل السابقة له، وبخاصة عصر عمر من ناحية السلطة القضائية، وتنظم القضاء، واختيار أفضل العناصر لتولي مناصب القضاء، كما أن السلطة القضائية كانت منفصلة عن السلطة السياسية والسلطة التنفيذية، وكان القاضي في حكمه يتبع
стр. 787
الأسلوب المطلق من حيث الاجتهاد كما يفعل القضاة في عصر الخلفاء الراشدين، ويمكن أن نلخص مميزات أو معالم القضاء في ذلك العصر بما يأتي:
أ- أن القضاء لم يكن متأثرًا بالسياسة، إذ كان القضاة مستقلين في أحكامهم لا يتأثرون بميول الدولة الحاكمة، بل كانوا مطلقي التصرف، وكلمتهم نافذة حتى على الولاة وعمال الخراج.
ب- كان القاضي يحكم بما يوحيه إليه اجتهاده، فكان يستنبط الحكم بنفسه من الكتاب والسنة، أو الإجماع، أو أن يجتهد في الحكم اجتهادًا حسب قواعد الشريعة وأصولها.
جـ- كانت السلطة القضائية في يد الخليفة الحاكم العام مع استقلال القضاة، فقد ثبتت تاريخيًا أن الخليفة كان يراقب أحكام القضاء، ويعزل من شذ من القضاة عن الطريق السوي.
د- تدوين الأحكام القضائية في ذلك العهد، ظهرت الحاجة إلى وجود سجلات تدون فيها الأحكام التي يصدرها القضاة، وذلك لكثرة المشاكل والمنازعات المختلفة على عكس ما سبق في عهد الخلفاء الراشدين، فقد أدى تناكر الخصوم في بعض الأحيان لأحكام القضاة إلى إدخال نظام السجلات.
سادسًا: ثم نتكلم الآن عن النظام القضائي في العصر العباسي فنقول:
تطور القضاء في العصر العباسي الثاني متأثرًا بالسياسة، وأصبح الخلفاء يتدخلون في القضاء حتى حملوا القضاة في كثيرٍ من الأحيان على السير وفق رغباتهم؛ ولهذا السبب فكثيرًا ما كان يعتذر القضاة عن قبول التعيين في المناصب القضائية مع علمهم بشرفه وفضله بين الناس، وذلك خشية تدخل الخلفاء في أحكامهم القضائية،
стр. 788
وقد ضعف روح الاجتهاد في هذا العصر بسبب ظهور المذاهب الأربعة، وأصبح لزامًا على القاضي أن يُصدر أحكامه، وفق أحد هذه المذاهب، كما اختلف القضاة في الولايات باختلاف هذه المذاهب، وأصبح المذهب الشارع في العراق مذهب أبي حنيفة النعمان، وفي الشام، والمغرب، والأندلس كان القضاة يصدرون أحكامهم وفق مذهب الإمام مالك، وفي مصر وفق مذهب الإمام الشافعي، فإذا حدث تنازعٌ بين متقاضيين على غير المذهب السائد في بلد من البلاد أناب القاضي عنه من القضاة من يدين بعقائد مذهب المتخاصمين، واستمرت هذه المذاهب الأربعة إلى وقت طويل مصدر القضاء والأحكام، ومن ثم أُطلق على العصر العباسي عصر أئمة المذاهب، وهناك مذاهب أخرى غير المذاهب الأربعة لها قضاؤها الخاص، فكان القاضي يتبع المذهب، ومنها الزيدية في اليمن، والإمامية والاثنا عشرية في فارس والعراق، والإمامية السبعية أو الإسماعيلية في غير ذلك على أن رغبة الناس في التقليد والحكم بما يوافق المذهب الذي يتبعه القاضي أو المفتي إنما ظهرت بظهور أبي الحسن الأشعري وتفكيره في الرجوع إلى مذهب أهل السنة، ويجب ألا يعزب عن أذهاننا في هذا المُقام أن مذاهب أهل السُّنة الأربعة -الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي- كانت مصدر التشريع في هذا العصر، وأنه لم يتقلد القضاة إلا السنيون، وكان القضاة في الدولة العباسية ينيبون عن قاضي القضاة، وهو أشبه بوزير العدل الآن، ويقيم في حاضرة الدولة، وقد كان القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة أول من تلقب هذا اللقب في عهد هارون الرشيد، واستمر هذا العصر العباسي الثاني، وقد اتسعت سلطة القاضي حتى أصبح ينظر في القضايا المدنية، وفي الدعوى والأوقاف، وتنصيب الأولياء، وكثيرًا ما تضاف إليه الشروط، والمظالم، والقصاص، والحسبة، ودار الضرب -أي: ضرب النقود- وبيت المال.
стр. 789
وقد كان لكل ولاية من الولايات الإسلامية في بادئ الأمر قاضٍ واحد لجميع التخصصات القضائية، ولكن باتساع الدولة العباسية أصبح لكلٍّ من هذه الولايات قضاة يمثلون المذاهب الأربعة، وينظر كل منهم فيما يقوم من النزاع بين من يدنون بعقائد مذهبه، وكان مكان القاضي في بادئ الأمر في المسجد، ثم وجد المسلمون أن هذا لا يتفق وحرمة بيوت الله؛ فمنع الخليفة المعتضد القضاة من الجلوس في المسجد، وفي بعض الأحيان كان القاضي يقضي بين الناس في داره، وكان لقاضي قضاة بغداد ديوان يُعرف بديوان قاضي القضاة، ومن أشهر موظفي هذا الديوان الكاتب، والحاجب، وعارض الأحكام، وخازن ديوان الحكم، وأعوانه، كما اقتضى تطور نظام القضاة في هذا العصر التحري عن الشهود، فإن كان الشاهد معروفًا بالسلامة ولم يُعرف عنه ما يجرحه قبل القاضي شهادته، وإن كان غير معروفٍ بها لم تُقبل شهادته، وإن كان مجهولًا سئل عنه جيرانه، ومن ثم وجدت جماعة من الشهود عرفوا بالشهود الدائمين، أو المعدلين، أو المزكين.
سابعًا: ونتكلم الآن عن السلطة القضائية ونظام القضاء في الأندلس فنقول:
كان للقضاء في الأندلس مركز ممتاز كما كان في غيرها من البلاد الإسلامية، وكان الأمير أو الخليفة هو الرئيس الأعلى للقضاء لتعلق الوظيفة بالدين، وقد كان قاضي القضاة في الأندلس يسمى قاضي الجماعة؛ لأنه يكون في حاضرة الدولة، وكان يُشترط في تعيين القاضي أن يكون متعمقًا في الفقه مشهودًا له بالنزاهة والاستقامة، ولا يُشترط فيه أن يكون عربيًا خالصًا، وطالما تقلد هذا المنصب الموالي والبربر كما هو الحال بالنسبة ليحيي بن يحيي الليثي الذي كان من أصل بربري، وكان قاضي القضاة غالبًا ما يُختار من بين قضاة الأقاليم المشهود لهم بالتفوق في القضاء، أو ممن تولوا بعض مناصب الدولة الهامة،
стр. 790
وكان قاضي الجماعة يقيم بقرطبة حاضرة الدولة الأموية في الأندلس، ويعين من قِبل الأمير أو الخليفة، وينوب عنه في الأقاليم قضاة، ويحكمون طبقًا لمذهب الإمام مالك، وبما يتفق مع القرآن والسُّنة، وكان الحكام والولاة يقومون بتنفيذ أحكامهم القضائية، وقد صار الأمويون في الأندلس على نهي خلفاء الأمويين والعباسيين في الشرق في تولية قضاتهم قيادة الجيوش نيابة عنهم، وكان من ضمن اختصاصات القاضي الإشراف على موارد الأحباس وسجلات الفتوى الفقهية، والإشراف على الصلاة في أيام الجمعة، والأعياد بالمسجد الكبير بقرطبة، أو بمسجد الزهراء الذي أسسه الخليفة عبد الرحمن الناصر بمدينة الزهراء، كما كان من اختصاصه صلاة الاستقاء؛ ولذلك فكثيرًا ما كان القاضي يسمى صاحب الصلاة، وقد ظل الأمر هكذا حتى أفرض عبد الرحمن الناصر شخصًا للصلاة، وشخصًا آخر للقضاء، وكان قضاة الأندلس يعرفون الأسبانية القديمة، ويناقشون المتقاضين بها في مجالس الحكم والقضاء.
وبهذا نكون قد انتهينا من إلقاء الضوء على التاريخ القضائي منذ بدايات الدعوة الإسلامية إلى قضاة في الأندلس.
أركان القضاء
ننتقل الآن إلى موضوع آخر وهو: أركان القضاء فنقول:
يعتمد القضاء على أركان خمسة هي في مجملها ما يأتي:
الأول: الحاكم -أول ركن هو الحاكم- وهو القاضي الذي عينته السلطة أو الحكومة للفصل في الدعوى والخصومات، وبهذا يختلف الحاكم عن المحكم، وهو الذي يتفق عليه الخصمان للتحكيم في النزاع الدائر بينهم.
الركن الثاني: الحكم، وهو ما يصدر عن القاضي من قرارٍ لحسم النزاع وإنهاء الخصومة، وله صفة الإلزام، فيختلف الحكم عن الفتوى، فإنها غير ملزمة
стр. 791
والحكم يكون إما بإلزام المحكوم عليه بأمرٍ ما كتنفيذ شيء أو إعطاء شيء، وهذا يسمى قضاء إلزام، وإما يمنع الحاكم المنازعة بقوله للمدعي: ليس لك حق عند خصمك بسبب عجزك عن الإثبات، وهذا يسمى قضاء الترك.
الركن الثالث من أركان القضاء: المحكوم به، وهو في قضاء الإلزام ما ألزم به القاضي المحكوم عليه من إيفاء المدعي حقه، وهو في قضاء الترك ترك المدعي المنازعة، وعلى كلٍّ فالمحكوم به هو الحق إما لله أو للعبد أو مشترك بينهما.
الركن الرابع من أركان القضاء: المحكوم عليه، وهو من يصدر الحكم ضده، أو من يستوفى منه الحق سواء أكان مدعى عليه أم لا.
الركن الخامس من أركان القضاء: المحكوم له، وهو المدعي بحقٍّ له سواء أكان خالصًا له كالحق في الدين، أو الالتزام المالي أم خالصًا لله كالحدود الشرعية، أم مشتركًا بين الحقين وكان حق الله هو الغالب، وهو حد القذف في رأي الحنفية، أو حق العبد هو الغالب، وهو الحق في القصاص، فإن كان الحق خالصًا لله أو حق الله فيه غالب فإن المحكوم له هو الشرع، وهنا لا تشترط الدعوى من شخص معين، ويحق لكل شخص حتى القاضي التقدم بالأمر، وهي دعوى الحسبة، وهو الذي تمثله في عصرنا النيابة العامة.
الدعوى وشروطها
ثم ننتقل الآن إلى موضوع آخر وهو الدعوى والبينات فنقول:
الدعوى في اللغة: قولٌ يقصد به الإنسان إيجاب حق على غيره، أو هي الطلب والتمني قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُون﴾ (يس: من الآية: ٥٧) وتجمع على دعاوى ودعاوي.
والدعوى شرعًا: إخبار بحق للإنسان على غيره عند الحاكم.
стр. 792
وركنها هو قول الرجل لي علي فلانٍ، أو قِبل فلان كذا، أو قضيت حق فلان، أو أبرأني عن حقه، ونحوها.
شروط الدعوى: أول شرط من شروط الدعوى: أهلية العقل أو التمييز، يشترط أن يكون المدعي والمدعى عليه عاقلين، فلا تصح دعوى المجنون والصبي غير المميز كما لا تصح الدعوى عليهما، فلا يلزمان بالإجابة على دعوى الغير عليهما ولا تسمع البينة عليهما.
ثاني شروط الدعوى: أن تكون في مجلس القضاء؛ لأن الدعوى لا تصح في غير هذا المجلس.
ثالث هذه الشروط: أن تكون دعوى المدعي على خصم حاضر لدى الحاكم عند سماع الدعوى والبينة والقضاء، فلا تقبل الدعوى على غائبٍ كما لا يقضى على غائبٍ عند الحنفية سواء أكان غائبًا وقت الشهادة أم بعدها، وسواء أكان غائبًا عن مجلس القاضي أم عن البلد التي فيها القاضي، ولا يشترط هذا الشرط في المذاهب الأخرى.
ومن الشرط الرابع: أن يكون المدعى به شيئًا معلومًا، وعلمه إما بالإشارة إليه عند القاضي إذا كان الشيء من المنقولات، أو ببيان حدوده إذا كان قابلًا للتحديد كالأراضي والدور وسائر العقارات، أو بكشف يجريه القاضي أو من ينوب عنه إذا لم يكن المدعى به قابلًا للتحديد كحجر الرحى، أو ببيان جنسه ونوعه وقدره وصفته إذا كان المدعى به دَينًا كالنقود، والبُر، والشعير، وغير ذلك؛ لأن الدين لا يصير معلومًا إلا ببيان هذه الأمور، والسبب في اشتراط العلم بالمدعى به هو أن المدعى عليه لا يُلزم بإجابة دعوى المدعي إلا بعد معرفة المدعى به، وكذلك الشهود لا يمكنهم الشهادة على مجهول، ثم إن القاضي لا يتمكن من إصدار الحكم أو القضاء بالدعوى إلا إذا كان المدعى به شيئًا معلومًا.
стр. 793
الشرط الخامس في الدعوى: أن يكون موضوع الدعوى أمرًا يمكن إلزام المدعى عليه به -أي: أن يكون الطلب مشروعًا ملزمًا في مفهومنا الحاضر- فإذا لم يكن بالإمكان إلزام المدعى عليه بشيءٍ فلا تقبل الدعوى كأن يدعي إنسان أنه وكيل هذا الخصم عند القاضي في أمرٍ من أموره، أو يدعى على شخصٍ بطلب صدقة، أو بتنفيذ مقتضى عقد باطل، فإن القاضي لا يسمع دعواه هذه إذا أنكر الخصم ذلك؛ لأن الوكالة عقد غير لازم فيمكنه عزل مدعي الوكالة في الحال.
سادسًا: أن يكون المدعى به مما يحتمل الثبوت؛ لأن دعوى ما يستحيل وجوده حقيقة أو عادة تكون دعوى كاذبة، فلو قال شخصٌ لمن هو أكبر سنًا منه: هذا ابني لا تسمع دعواه لاستحالة أن يكون الأكبر سنًا ابنا لمن هو أصغر منه سنًا، وكذا إذا قال لمعروف النسب من الغير هذا ابني لا تُسمع دعواه.
هذه هي شروط صحة الدعوى حتى تُسمع عند القاضي، نكتفي بهذا القدر، وأستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - الدعوى وتعارضها ووسائل الإثبات
الدعوى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فسوف نبدأ الحديث في هذه المحاضرة عن أنواع الدعوى القضائية، فنقول: الدعوى نوعان: صحيحة، وفاسدة.
فالدعوى الصحيحة هي التي استكملت شرائط الصحة، ويتعلق بها أحكامها المقصودة منها، وهي إحضار الخصم إلى ساحة المحكمة بواسطة أعوان القاضي، ومطالبته بالجواب على دعوى المدعي، واليمين إذا أنكر المدعى به، ويثبت فيها حق المدعي إما بالبينة أو بنكول المدعى عليه عن اليمين.
والدعوى الفاسدة أو الباطلة هي التي لم يتوافر فيها شرط من شروط الصحة، ولا تترتب عليها الأحكام السابقة المقصودة منها؛ كأن تكون الدعوى على
стр. 794
غائب، أو كان المدعى به مجهولًا؛ لأن المجهول يتعذر إثباته بالشهادة، فلا يمكن للشهود أن يشهدوا به، ولا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول لا بالبينة، ولا بالنكول عن اليمين.
ونبحث الآن عن: من هو المدعي والمدعى عليه؟ فنقول: لما كانت مسائل الدعوى متوقفة على معرفة المدعي والمدعى عليه، وهي من أهم ما تبتنى عليه الدعاوى، لاسيما فيما يتعلق بما يلزم به أحدهما من البينة أو اليمين ونحوهما، كان من الضروري تعيين المتصف بصفة المدعي وتعيين المتصف بصفة المدعى عليه.
وفي تعيينه تعريفات شتى، منها: أن المدعي هو من لا يجبر على الخصومة إذا تركها؛ لأنه مطالب، أو هو من خالف قوله الظاهر -أي: ظاهر الحال- والمدعى عليه هو من يجبر على الخصومة؛ لأنه مطلوب، أو هو من وافق قوله ظاهر الحال، والظاهر هو البراءة.
وقيل: المدعي من يلتمس بقوله أخذ شيء من يد غيره، أو إثبات حق في ذمته، والمدعى عليه: هو من ينكر ذلك، وقيل: المدعى عليه هو المنكر والآخر هو المدعي.
ونتكلم الآن عن حكم الدعوى، أو ما يجب على المدعى عليه بعد الإدعاء، فنقول:
للقاضي الدور المهم في الدعوى، فإذا جاء المدعي إلى المحكمة مع خصمه سأله القاضي عن موضوع الدعوى، فإذا كانت الدعوى صحيحة بأن كانت على خصم حاضر، واستوفت شروطها طلب
стр. 795
القاضي من المدعى عليه جوابه عن الدعوى؛ لأن قطع دابر الخصومة أمر واجب، فحكم الدعوى -إذن- وجوب الجواب على المدعي عليه بقوله لا أو نعم، حتى إنه لو سكت كان سكوته إنكارًا، فتقبل بينة المدعي، ويحكم بها على المدعى عليه، فإن أقر المدعى عليه بموضوع الدعوى حكم القاضي عليه؛ لأنه غير متهم في إقراره على نفسه، ويؤمر بأداء الحق لصاحبه، وإن أنكر طلب القاضي من المدعي إثبات حقه بالبينة، فإن أقام البينة قضى بها لترجح جانب الصدق على الكذب بالبينة، وإن عجز المدعي عن تقديم البينة، وطلب يمين خصمه المدعى عليه، استحلفه القاضي، ودليل ذلك قول النبي ﷺ للمدعي في قصة الحضرمي والكندي: ((ألك بينة؟ قال: لا. فقال النبي ﷺ : فلك يمينه)) أي: يمين المدعى عليه، فإن قال المدعي: لي بينة حاضرة في البلد، وطلب اليمين من المدعى عليه لم يستحلف عند أبي حنيفة؛ لأن حق المدعي في طلب اليمين مرتب على عجزه عن إقامة البينة كما في الحديث المذكور قريبًا.
وقال أبو يوسف: يستحلف لأن طلب اليمين حق المدعي لقول النبي ﷺ : ((البينة على من ادعى واليمين على من أنكر)).
ثم نتكلم الآن عن حجج المتداعيين أو طرق إثبات الحق، فنقول:
طرق الإثبات التي يعتمد عليها في القضاء هي: الشهادة، واليمين، والنكول، والإقرار، أو الشهادة مع اليمين، أو القرائن في بعض الأحوال.
أما الشهادة: فهي حجة المدعي؛ لقوله ﷺ : ((البينة على المدعي)) ولأن المدعي يدعي أمرًا خفيًا؛ فيحتاج إلى إظهاره، وللبينة قوة الإظهار، والسبب في تكليف المدعي البينة أو الشهادة أن جانبه ضعيف؛ لكون دعواه خلاف الأصل، فكلف
стр. 796
الحجة القوية وهي البينة، وأن جانب المدعى عليه قوي؛ لأنه متمسك بالأصل، وهو البراءة؛ فاكتفي منه بالحجة الضعيفة، وهي اليمين.
والبينة: إما شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، أو شاهد ويمين، أو أربعة رجال، أو أربعة نسوة.
وأما اليمين: فهي حجة المدعى عليه لقوله ﷺ : ((واليمين على المدعى عليه)) فإن حلف المدعى عليه قضى القاضي بفصل الدعوى، وتنتهي الخصومة بين طرفي الدعوى إلى أن يتمكن المدعي من إقامة البينة، وإن نكل عن اليمين، أي إن نكل المدعى عليه عن اليمين، فهل ترد اليمين إلى المدعي أو يقضي عليه بمجرد النكول؟
فيه رأيان للفقهاء، أذكرهما فيما يلي:
فنقول: إذا أبى المدعى عليه أن يحلف، هل يحلف المدعي؟ أو يقضى بنكول صاحبه عن اليمين؟ كما قلنا اختلف العلماء في الموضوع:
قال المالكية: ترد اليمين على المدعي بعد النكول في الأموال، وما يؤول إليها فقط، وقال الشافعية: ترد اليمين على المدعي في جميع الحقوق ماعدا جنايات الدماء والحدود ويقضى له بما ادعاه، ولا يقضى بمجرد نكول المدعى عليه.
ويعتبر اليمين المقرورة إقرارًا حكمًا، وهذا هو الذي صوبه الإمام أحمد.
وعلى هذا: يكون رأي الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، هو القول برد اليمين على المدعي؛ لكن المحتار عند الحنابلة القول بعدم رد اليمين.
واستدل الجمهور القائلون برد اليمين على المدعي في حالة نقول المدعى عليه، استدلوا بما روى ابن عمر أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق، ولأن المدعى عليه إذا نكل عن اليمين بعد أن طُلِبت منه ظهر صدق المدعي وقوي جانبه فتشرع اليمين في حقه كالمدعى عليه قبل نكوله، وكالمدعي إذا شهد له شاهد واحد، وقال تعالى: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (المائدة: من الآية ١٠٨) أي: بعد
стр. 797
الامتناع من الأيمان الواجبة، فدل ذلك على نقل الأيمان من جهة إلى أخرى، ولا يقضى عند الجمهور بمجرد النكول لأن النكول كما يحتمل أن يكون امتناعًا وتحرزًا عن اليمين الكاذبة يحتمل أن يكون تورعًا عن اليمين الصادقة، فلا يقضي للمدعى مع تردد المدعى عليه، إذ لا يتعين بنكوله صدق المدعي، فلا يجوز الحكم له من غير دليل، فإذا حلف المدعي كانت يمينه دليلًا عند عدم ما هو أقوى منها.
وقال الحنفية والحنابلة -في المشهور عندهم-: لا ترد اليمين على المدعي، وإنما يقضي على المدعى عليه بمجرد النكول عن اليمين، ويلزم بما ادعي عليه به.
والنكول إما أن يكون حقيقة، كقوله: لا أحلف، أو حكمًا، كأن يسكت، وتعرض اليمين على المدعى عليه مرة واحدة، ولكن لزيادة الاحتياط والمبالغة في إبداء العذر، ينبغي للقاضي تكرار عرض اليمين عليه ثلاث مرات، بأن يقول له: إني أعرض عليك اليمين ثلاثًا، فإن حلفت فبها، وإلا قضيت عليك بما ادعاه خصمك، واستدلوا بقول النبي ﷺ : ((البنية على المدعي واليمين على من أنكر)) فقد جعل جنس الأيمان على المنكرين كما جعل جنس البينة على المدعين، واستدل الحنفية أيضا بأن النكول دليل على كون المدعى عليه مقر بهذا الحق المدعى به عليه، ولولا ذلك لأقدم على اليمين دفعًا لضرر الدعوى عن نفسه، وقيامًا بالواجب؛ لأن اليمين واجبة عليه، لقوله ﷺ : ((واليمين على من أنكر)) وكلمة على تدل على الوجوب.
وينبغي للقاضي أن يقول للمدعى عليه: إني أعرض عليك اليمين ثلاث مرات، فإن حلفت وإلا قضيت عليك بما ادعاه المدعي، فإن كرر العرض عليه ثلاث مرات قضى عليه بمجرد نكوله.
стр. 798
كيفية اليمين، وأثرها في الدعوى:
لليمين كيفية معينة، سواء كانت يمينًا مردودة أم مع الشاهد أم يمينًا من المدعى عليه، فقد اتفق العلماء على: أن اليمين تكون بالله دون غيره، لقوله ﷺ : ((من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)) ولقوله ﷺ : ((من حلف بغير الله فقد كفر)).
واتفقوا أيضًا على: أن اليمين المشروعة في الحقوق التي هي براء بها المدين هي اليمين بالله.
وقال الشافعية: يندب تغليظ اليمين، وإن لم يطلب الخصم تغليظها فيما ليس بمال، ولا يقصد به مال، كنكاح وطلاق ولعان وقصاص ووصاية ووكالة وفي مال يبلغ نصاب زكاة لا فيما دونه، والتغليظ يكون مثلًا: بزيادة أسماء وصفات الله كأن يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم السر والعلانية، أو بالله الطالب الغالب المدرك المهلك الذي يعلم السر وأخفى.
وقال الحنابلة: اليمين التي هي براء بها المدين هي اليمين بالله، وإن كان الحالف كافرًا، لقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ (المائدة: من الآية: ١٠٧) وقوله سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (النور: من الآية: ٥٣).
قال بعض المفسرين: من أقسم بالله فقد أقسم جهد اليمين.
وقال الحنفية: للقاضي أن يحلف المسلم من غير تغليظ مثل: بالله أو والله، وله أن يغلظ أن يؤكد اليمين بذكر أوصاف الله تعالى، مثل قوله قل: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما
стр. 799
يعلم من العلانية ما لفلان هذا علي، ولا قبل هذا المال الذي ادعاه، وهو كذا وكذا، ولا شيء منه، وله أن يزيد على هذه الصيغة وله أن ينقص منها.
والحلف ينبغي أن تكون على البت أو على نفي العلم، فيحلف الشخص باتفاق أئمة المذاهب الأربعة على البت، وهو القطع والجزم في فعله إثباتًا كان أو نفيًا؛ لأنه يعلم حال نفسه، ويطلع عليها؛ فيكون في البيع والشراء حالة الإثبات،: والله لقد بعت بكذا، أو اشتريت بكذا، وفي حالة النفي يقول: والله ما بعت بكذا، ولا اشتريت بكذا.
وكذلك يحلف الشخص على البت على فعل غيره إن كان الأمر إثباتًا كبيع وإتلاف وغصب؛ لأنه يسهل معرفة الواقع والشهادة به، وإن كان نفيًا فيحلف على نفي العلم أي: لا يعلم أنه كذلك لعدم علمه بما فعل غيره فيقول: والله ما علمت أنه فعل كذا.
والعبرة في اليمين بنية القاضي المستحلف، فيلاحظ أن: النية في الحلف بنية القاضي المستحلف للخصم، أي: الذي يقوم بتحليف الخصم لقوله ﷺ : ((اليمين على نية المستحلف)) وقد حمل هذا الحديث على الحاكم؛ لأنه الذي له ولاية الاستحلاف، فلو أخذ بنية الحالف لبطلت فائدة الأيمان، وضاعت الحقوق، إذ كل أحد يحلف على ما يقصد، فلو ورى الحالف في يمينه بأن قصد خلاف ظاهر اللفظ عند تحليف القاضي، أو تأول، أي: اعتقد خلاف نية القاضي أو استثنى الحالف كقوله عقب يمينه -إن شاء الله-، أو وصل باللفظ شرطًا مثل: إن دخلت الدار، بحيث لا يسمع القاضي كلامه، لم يدفع ما ذكر اسم اليمين الفاجرة، أي: أنه لا تنفعه هذه الأمور، ولا هذه التأويلات؛ لأنه لو فعلنا ذلك لضاع المقصود من اليمين، وهو حصول الهيبة من الإقدام عليها.
стр. 800
أما أثر اليمين في الدعوى: فهو يترتب عليها قطع الخصومة والمنازعة وعدم المطالبة بالحق في الحال لا مطلقًا، وإنما مؤقتًا إلا وقت إقامة البينة، فلا تفيد اليمين براءة ذمة المدعى عليه عند جمهور الفقهاء.
تعارض الدعويين مع تعارض البينتين
ونتحدث الآن عن حكم تعارض الدعويين مع تعارض البينتين في الملك، فنقول:
لذلك احتمالات ثلاثة، أي: حال التعارض الدعويين مع تعارض البينتين في الملك في هذا الأمر احتمالات ثلاثة، وهي: التعارض في الدعويين بين الخارج عن ذي اليد وذي اليد، بمعنى: أن يكون التعارض بين الدعويين بين إنسان يضع يده على شيء مدعى به، وإنسان آخر لا يضع يده عليه، والذي لا يضع يده عليه نسميه الخارج، التعارض في الدعويين بين الخارج عن ذي اليد وذي اليد، هذا احتمال.
وأيضا التعارض في الدعويين بين الخارجين عن ذي اليد، بمعنى: أن يكون الشيء المدعى به في يد طرف ثالث، أما الخصوم فهم لا يضعون أيديهم أو أيديهما على هذا الشيء، ويأتي كل منهما بدعوى تعارض الأخرى، وهذا هو الاحتمال الثاني.
الاحتمال الثالث: هو التعارض في الدعويين بين ذوي اليد، بمعنى: أن يكون الشيء في يد الإنسان الاثنين معًا، ويدعي كل منهما أن الشيء ملك له وحده دون صاحبه.
وسوف نبحث هذه الاحتمالات الثلاثة:
الأول: تعارض الدعويين بين الخارج وذي اليد، يعني: تعارض الدعويين بين من يضع يده على الشيء وبين إنسان آخر لا يضع يده على شيء، وفي هذه الحالة: اختلف الفقهاء.
стр. 801
فذهب الحنفية والحنابلة إلى التفصيل الآتي:
١ - إذا كانت الدعوى من الخارج على ذي اليد بدون تاريخ، ففي هذه الحالة بينة المدعي، وتسمى بينة الخارج أولى بالقبول؛ لقول النبي ﷺ لقول النبي ﷺ : ((البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه)) فجعل جنس البينة على المدعي فلا يأبه لبينة ذي اليد، يعني: الحائز؛ لأنه ليس بمدعٍ فلا تكون البينة حجته، والدليل على أنه ليس بمدعٍ عدم انطباق وصف المدعى عليه؛ لأن المدعي هو من يخبر عما في يد غيره لنفسه والموصوف بهذه الصفة هو الخارج وليس ذو اليد؛ لأنه يخبر عما في يد نفسه لنفسه، فلم يكن مدعيًا وإنما هو مدعى عليه، فلا تكون البينة حجة له، فتعد بينته لاغية، ولا يعتد بها، وأيضًا لأن بينة المدعي أكثر فائدة فوجب تقديمها كتقديم بينة الجرح على التعديل، ودليل كثيرة فائدتها أنها تثبت شيئًا لم يكن، وبينة المنكر إنما تثبت أمرًا ظاهرًا تدل اليد عليه، فلم تكن مفيدة، أي: أن بينته لا تفيد أكثر مما تفيد اليد أي الحيازة فقط.
٢ - إذا كانت البنيتان مؤرختين وتاريخهما سواء، يعني: اتفقتا في التاريخ، ففي هذه الحالة يقضي للمدعي الخارج، يعني: غير الحائز؛ لأنه لم يثبت صدق ملك أحدهما، إذ أنه بطل اعتبار الوقتين للتعارض، فبقي الحال حال دعوى ملك المطلق كالصورة الأولى.
٣ - إذا كان تاريخ أحدهما أسبق من الآخر، أي: إذا كان تاريخ أحد الدعويين أسبق من الآخر، ففي هذه الحالة يقضي للأسبق، يقضى للأسبق وقتًا أيهما كان عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد؛ لأن بينة صاحب الوقت الأسبق أظهرت الملك له في وقت لا ينازعه فيه أحد؛ فيثبت له الحق في موضوع النزاع، إلا أن يثبت الآخر سببًا لنقل الملكية له.
стр. 802
٤ - إذا أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر، أي: إذا أرخ أحدهما دعوته، ولم يؤرخ الآخر دعوته، ففي هذه الحالة يقضى للخارج، يعني: غير الحائز عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الملك المطلق يحتمل التأخير والسبق؛ لجواز أن صاحب البينة المطلقة لو وقت بينته كان وقتها أسبق فوقع الاحتمال في سبق الملك المؤقت، وإذا حصل الاحتمال في شيء سقط اعتباره فيسقط اعتبار الوقت، وتبقى الدعوى دعوى ملك المطلق فيقضي للخارج.
وقال أبو يوسف يقضى لصاحب البينة المؤرخة؛ لأن بينة صاحب الوقت أظهرت الملك له في وقت معين خاص به، لا يعارضها فيه بينة مدعي الملك المطلق بيقين، بل تحتمل بينته المعارضة وعدمها، والمعارضة لا تثبت بالشك، فبقيت بينة صاحب التاريخ سالمة عن المعارضة، فيقضى له.
هذا هو التفصيل الذي ذهب إليه الأحناف والحنابلة.
وننظر الآن إلى ما ذهب إليه المالكية والشافعية في هذا الموضوع، فنقول: ذهب المالكية والشافعية في هذه الصور المتعددة إلى: أنه تقدم بينة صاحب اليد -أي: الحائز- وتسمى بينة الداخل، قال: تقدم بينته على الإطلاق دون نظر إلى ما إذا كانت هذه الدعوى مؤرخة أو غير مؤرخة، وما إذا كانت مؤرخة، وأحدها سبق الآخر أم لا، قالوا: تقدم بينة صاحب اليد، وتسمى بينة الداخل على الإطلاق؛ لأنهما استويا في إقامة البينة، فتعارضت البينتان، وترجحت بينة صاحب اليد بيده، أي: بحيازته، كترجيح أحد الحديثين المتعارضين بالقياس، فيقضى بالشيء لصاحب اليد، وأيضًا: لأن بينة المدعى عليه تفيد معنًى زائدًا على كون الشيء المدعي فيه موجودًا بيده، ولأن جانب المدعى عليه أقوى استصحابًا للأصل، فالأصل معه، وهو بقاء ما كان على ما كان، ويمينه تقدم على يمين المدعي، فإذا تعارضت البينتان وجب إيفاء أو إبقاء يد صاحب اليد على ما كانت عليه، ويقدم هو كما لو لم تكن بينة لأحد المتنازعين، ويؤيد هذا
стр. 803
حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ اختصم إليه الرجلين في دابة أو بعير، فأقام كل واحد منهما البينة بأنها له، فقضى بها رسول الله ﷺ للذي هي في يده.
وننتقل الآن إلى الحديث عن الاحتمال الثاني في التعارض بين البينتين، وهو حال التعارض الدعويين بين الخارجين عن ذي اليد في ملك المطلق، يعني: أن الشيء في يد إنسان، ويأتي اثنان آخران يتنازعان في ملكيته، وأيديهما بعيدة عن هذا الشيء، تعارض الدعويين بين الخارجين عن ذي اليد في ملك المطلق، فنقول: إذا تنازع اثنان عينًا وهي في يد شخص ثالث، وهو منكر لها، وأقام كل منهما بينة يريد بها إثبات حقه فيها، فاختلف الفقهاء في: من يقضى له بهذه العين؟
فقال الشافعية في الأرجح تهاترت البينتان، أي: تساقطتا وبطلتا لتناقضهما، سواء أكانت البينتان مطلقتي التاريخ أم متفقتين في التاريخ أم إحداهما مطلقة عن التاريخ، والأخرى مؤرخة، فأشبه ذلك تعارض الدليلين ولا مرجح بينهما، فكأنه لا بينة ويصار إلى الحكم في القضية كما لو تداعيا، ولا بينة لواحد منهما، فيحلف كل واحد منهما يمينًا ويقضى بالشيء بينهما نصفين.
وكذلك قال المالكية: تسقط البينتان، ويقضى كأنه لا بينة، فيحلف كل منهما يمينًا، ويقسم الشيء بينهما، فإن حلف أحدهما دون الآخر قضي له.
والراجح عند الحنابلة: أن البينتان تسقطتان ويقترع المدعيان على اليمين كما لو لم تكن بينة فمن خرجت له قرعة حلف وأخذ العين.
أما بالنسبة للأحناف فقد كان لهم تفصيل في هذه الصورة:
قالوا: إذا كانت الدعوى من الخارجيين، وقامت البينتان على ملك المطلق بلا تاريخ أو كان تاريخهما متفق، والشيء في يد ثالث، ففي هذه الحالة يقضى به بينهما نصفين،
стр. 804
عملًا بالبينتين بقدر الإمكان صيانة لهما عن الإلغاء؛ لأن العمل بالدليل واجب بالقدر الممكن، ويؤيد ذلك: أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير، وأقام كل واحد منهما البينة أنه له، فقضى رسول الله ﷺ به بينهما نصفين.
وقالوا أيضًا: إذا كان تاريخ أحدهما أسبق من الآخر، فالأسبق أولى؛ لأن كلا من الخارجين ينطبق عليه وصف المدعي، فكانت بينتهما مسموعتين مقبولتين قضاءً، فترجح إحداهما بأسبقية التاريخ؛ لأنها أثبتت الملك في وقت لم تعارضه فيه البينة الأخرى، فيؤمر صاحب اليد بتسليم الشيء المتنازع عليه إلى المقضي له، إلى أن يثبت الآخر انتقال الملكية إليه بطريق ما.
وقالوا أيضًا: إن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر، ففي هذه الحالة يقضى بينهما نصفين، كما ذهب إلى ذلك أبو حنيفة، ولا عبرة للتاريخ.
ثم ننتقل الآن إلى الاحتمال الثالث: وهو تعارض الدعويين في ملك المطلق بين ذوي اليد، يعني: الشيء في يد شخصين معًا، وأقام كل منهما بينة أنه حق خالص له، وتعارضت البينتان، نقول: إذا كانت هناك دار يحوزها اثنان، أي: تحت يدهما، فادعاها كل منهما، وأقام كل منهما بينة على ملكيته لها منفردًا.
اختلف الفقهاء في ذلك فقال الشافعية على الصحيح عندهم: تهاترت البينتان، أي: تساقطتا وبطلتا؛ لتعارضهما، كتعارض الدليلين دون مرجح لأحدهما، فيقضى ببقاء الدار في يدهما كما كانت، إذ ليس أحدهما أولى بها من الآخر.
وقال الحنابلة: إذا تنازع رجلان في عين في أيديهما، وأقام كل واحد منهما بينة، وتساوت البينتان، تعارضتا، وقسمت العين بينهما نصفين، لما روى أبو موسى ﵁: ((أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير فأقام كل واحد منهما شاهدين، فقضى رسول الله ﷺ بالبعير بينهما نصفين)).
стр. 805
وبالنسبة للأحناف، ومسلكهم في هذا الطريق فهو كمسلكهم في الاحتمالين السابقين وهو التفصيل، فقالوا:
إن أقام كل واحد من صاحبي اليد بينة أن الشيء له بدون تاريخ، فإنه يقضى بالشيء بينهما نصفين، أما إن أرخ كل واحد منهما بينته، وكان التاريخ واحدًا ففي هذه الحالة -أيضًا- يقضى بالشيء بينهما نصفين كما في الصورة الأولى، أما إذا كان تاريخ أحدهما أسبق، فالأسبق الأولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا عبرة للتاريخ بالنسبة لصاحب اليد، فيكون الشيء بينهما نصفين.
وأيضًا إن أرخ أحدهما دون الآخر فإنه يقضي بالشيء بينهما نصفين عند أبي حنيفة ومحمد، ولا عبرة للوقت؛ لأنه ساقط الاعتبار لوجود الاحتمال في تقدمه عن تاريخ بينة الآخر وتأخره.
وقال أبو يوسف: هو لصاحب التاريخ، أي: للأسبق تاريخًا، أو للذي أرخ دون الذي لم يؤرخ.
وهنا نتساءل: هل ترجح بينة أحد المتداعيين بكثرة عدد الشهود أو اشتهار العدالة؟
نقول: في الصور السابقة الذكر وغيرها من حالات تعارض البينات قرر جمهور الفقهاء: أنه لا ترجح إحدى البينتين بكثرة عدد الشهود، ولا اشتهار العدالة؛ لأن كلًا من البينتين حجة كاملة من الطرفين بالتقدير الشرع، فلا تتقوى بالزيادة، كما هو الشأن في الديات لا يختلف مقدارها باختلاف الأشخاص. قال الإمام مالك: يرجح بزيادة العدالة.
وبهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن تعارض الدعويين والبينتين، وكيف يحل هذا التعارض عند فقهاء المذاهب كما بينا.
стр. 806
وسائل الإثبات
وننتقل الآن إلى الحديث عن القرائن، ودورها في الإثبات: فنقول:
القضاء بالقرائن أصل من أصول الشرع، وذلك سواء في حال وجود البينة أو الإقرار أم في حال فقد أي دليل من دلائل الإثبات.
قد تمنع القرينة سماع الدعوى، كإدعاء فقير معسر إقراض غني موسر، وقد ترد البينة أو الإقرار حال وجود التهمة مثل قرابة الشاهد للمشهود له، أو كون الإقرار في مرض الموت، وقد تستخدم القرينة دليلًا مرجحًا أثناء تعارض البينات، مثل: وضع اليد ونحوه كما عرفنا، وقد تعتبر القرينة دليلًا وحيدًا مستقلًا إذا لم يوجد دليل سواها، مثل رد دعوى الزوجة القاطنة مع زوجها بعدم الإنفاق عليها في رأي المالكية والحنابلة، قال ابن القيم: ومن أهدر الأمارات والعلامات في الشرع بالكلية فقد عطل كثيرًا من الأحكام، ووضع كثيرًا من الحقوق.
تعريف القرينة:
القرينة لغة: هي العلامة الدالة على شيء مطلوب، واصطلاحًا: هي كل أمارة ظاهرة تقارن شيئًا خفيًا، فتدل عليه.
ويفهم من هذا التعريف: أنه لا بد في القرينة من أمرين، الأول: أن يوجد أمر ظاهر معروف يصلح أساسًا للاعتماد عليه، الثاني: أن توجد صلة مؤثرة بين الأمر الظاهر، والأمر الخفي، وبمقدار قوة هذه الصلة تنقسم القرائن قسمين، قرائن قوية، وقرائن ضعيفة، وللفقهاء والقضاء دور ملحوظ في استنباط نتائج معينة من القرائن.
стр. 807
ومن القرائن الفقهية: اعتبار ما يصلح للرجال من متاع البيت عند اختلاف الزوجين في ملكيته هو للرجل، كالعمامة والسيف، وما يصلح للنساء فقط، كالحلي للمرأة بشهادة الظاهر، وملاحظة العرف، والعدل.
ومن القرائن القضائية: الحكم بالشيء لمن كان في يده، باعتبار أن وضع اليد قرينة على الملك بحسب الظاهر، وإذا كانت القرينة قطعية تبلغ درجة اليقين، مثل الحكم على الشخص بأنه قاتل إذا رئي مدهوشًا ملطخًا بالدم، ومعه سكين بجوار مدرج بدمائه في مكان، فإنها تعد وحدها بينة نهائية كافية للقضاء.
أما إذا كانت القرينة غير قطعية، ولكنها ظنية أغلبية، كالقرائن العرفية أو المستنبطة من وقائع الدعوى وتصرفات الأطراف المتخاصمين، فإنها تعد دليلًا مرجحًا لجانب أحد الخصوم متى اقتنع بها القاضي ولم يوجد دليل سواها، أو لم يثبت خلافها بطريق أقوى. ولا يحكم عند جمهور الفقهاء بهذه القرائن في الحدود؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ولا يحكم بها أيضًا في القصاص إلا في القسامة؛ للاحتياط في موضوع الدماء وإزهاق النفوس، ويحكم بها في نطاق المعاملات المالية والأحوال الشخصية عند عدم وجود بينة في إثبات الحقوق الناشئة عنها.
إلا أن المالكية أثبتوا شرب الخمر بالرائحة، وأثبتوا الزنا بالحمل لغير المتزوجة، ووافقهم ابن القيم في إثبات الزنا بالحمل، وفصل الحنابلة فقالوا: تحد الحامل بالزنا وزوجها بعيد عنها، إذا لم تدعِ شبهة، ولا يثبت الزنا بحمل المرأة وهي خلية لا زوج لها.
стр. 808
قال ابن القيم: نظر جمهور الفقهاء -كمالك وأحمد وأبي حنيفة - إلى القرائن الظاهرة، والظن الغالب الملتحق بالقطع في اختصاص كل واحد منهما بما يصلح له، ورأوا أن الدعوى تترجح بما هو دون ذلك بكثير، كاليد، أي: وضع اليد والبراءة، والنكول، واليمين المردودة، والشاهد واليمين، والرجل والمرأتين فيثير ذلك ظنًا تترجح به الدعوى، ومعلوم أن الظن الحاصل ها هنا، يعني الحاصل من القرائن، أقوى بمراتب كثيرة من الظن الحاصل بتلك الأشياء، وهذا مما لا يمكن جحده ودفعه.
وقد نصب الله سبحانه على الحق الموجود والمشروع علامات وأمارات تدل عليه، وتبينه، ونصب على الإيمان والنفاق علامات وأدلة، واعتبر النبي ﷺ وأصحابه -من بعده- اعتبروا العلامات في الأحكام، أي: القرائن في الأحكام وأخذوا بها، وجعلوها مبينة لهذه الأحكام، كما اعتبر العلامات في اللقطة وجعلوا صفة الواصف لها آية وعلامة على صدقه، وأنها له، وجعل الصحابة الحبل علامة ودليلًا على الزنا فحدوا به المرأة، وإن لم تقر، ولم يشهد عليها أربعة، بل جعلوا الحبل أصدق من الشهادة، وجعلوا رائحة الخمر وقيئه لها آية وعلامة على شربها بمنزلة الإقرار والشاهدين.
واعتبر النبي ﷺ إنبات الشعر حول القبل في البلوغ وجعله آية وعلامة له، فكان يقتل من الأسري يوم قريظة من وجدت فيه تلك العلامة، ويستبقى من لم تكن فيه، وأيضًا جعل الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل.
وهكذا يبين لنا ابن القيم أن الصحابة -رضوان الله عليهم- أخذوا بالقرائن، ولذلك لا مانع من الأخذ بها؛ حتى لا تضيع الحقوق.
стр. 809
ونكتفي بهذا القدر استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣ - التثبت من وسائل الإثبات والحكم والقضاء في المملكة العربية السعودية
التثبت من وسائل الإثبات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
نتحدث في هذه المحاضرة عن: مهمة القاضي في التثبت من وسائل الإثبات، فنقول:
قد تكون الوسيلة لإثبات الدعوى هي الشهادة، وقد يكون غيرها من طرق الإثبات الأخرى، وكما هو مطلوب من القاضي فهم الدعوى والإجابة، واستيعاب أقوال المدعي والمدعى عليه، فكذا حالة النظر في وسيلة إثبات الدعوى، يجب عليه أن يتحرى فيها جيدًا، بل في هذه الحالة يتأكد على القاضي دقة الفهم، وصفاء الذهن.
ولم كان الغالب في إثبات الدعوى يتم عن طريق الشهادة، سواء كانت مكتوبة -كالصكوك- أو ملفوظة فقد رأيت أن أقصر الحديث على استماع الشهادة، وما ينبغي للقاضي نحو الشهود عند الإدلاء بها.
إذ يستحب للقاضي إذا حضر لديه الشهود أن يأذن لهم في أداء الشهادة، ولا ينبغي لهم الإدلاء بها قبل ذلك، لما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ : ((إن بعدكم قومًا يخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون)) أي: أنهم يؤدون الشهادة قبل أن تطلب منهم.
فهذا الحديث يدل على ذم التسرع في أداء الشهادة، وذلك لخطورتها، ولأن بذلها من غير طلب يؤدي إلى الحط من مكانتها في نفوس الناس، فكان لا بد من المحافظة عليها لفظًا ومعنى، وهذا لا يتعارض مع ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ قال: ((ألا أخبركم بخير الشهداء؟!! الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها)).
فقد قال العلماء: إن هذا الحديث محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق، ولا يعلم ذلك الإنسان: أنه شاهد، فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له.
стр. 810
وأما كيفية إذن القاضي للشهود في أداء الشهادة فيكون ذلك بصيغة الاستفهام، كأن يقول لهم: بِمَ تشهد؟ أو يقول: من كانت عنده شهادة فليذكرها إن شاء، ولا يقول لهم: اشهدوا؛ لأنه أمر يدل على ميل القاضي لأحد الخصمين، والمطلوب من القاضي التمسك بمبدأ الحياد في المحاكمة ما أمكن.
فإذا شرع الشاهد في أداء الشهادة، فعلى القاضي توجيه الأسئلة إليه التي يريد استجوابه عليها، والتي ليس لها مساس بإقامة الشهادة على وجهها: لتطابق الدعوى، والأولى: أن يترك للشاهد الفرصة الكافية للإدلاء بكل ما لديه مما يتعلق بالشهادة من غير تدخل من القاضي في ذلك بما يفيد تصحيح كلام الشاهد أو لفت انتباهه إلى تلافي ثغرات في شهادته أو تدارك فلتات لسانه، حتى إذا انتهى سأل الشاهد الآخر كما سأل الأول؛ ليعرف بذلك مواطن الائتلاف من الاختلاف.
وإذا ارتاب القاضي في كلام الشهود فرقهم، وناقش كل واحد على حدة، كأن يسأل عما يتعلق بالمشهود به، ومتى تحمل الشهادة؟ وفي أي موضع؟ ومن حضر آنذاك؟ وماذا جرى عند ذلك؟ وهكذا، وبهذه الطريقة يمكن تمييز الشهادة، وإدراك مواطن الضعف عند الشهود في شهادتهم، فإن اتفقت قبل القاضي الشهادة، ثم سأل عن عدالتهم.
وإن اختلفت أقوالهم رد القاضي شهادتهم، وطلب من المدعي إحضار غيرهم إن شاء.
ومما ينبغي للقاضي حال أداء الشهادة أن يلتزم الحشمة والوقار، فلا يتعنت بالشهداء، بأن يقول لهم: لِمَ شهدتم؟ وما هذه الشهادة؟ أو يستقصي منهم أمورًا تشق عليهم، وتوقعهم في الحرج والمشقة، مما ليس له أهمية خاصة بالإثبات،
следующие страницы →