Полный текст (284 стр.). Показаны 246–284 · переход к 251.
стр. 246
١١٥ – [توبة أعرابي لسماع آية من القرآن]
قال الثعلبي: وحدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن بن جعفر المذكر ثنا الحاكم أبو محمد يحيى بن منصور ثنا أبو رجاء محمد بن أحمد القاضي ثنا أبو الفضل العباس بن أبي الفرج الرياشي قال سمعت الأصمعي يقول:
стр. 247
أقبلت ذات يوم من المسجد الجامع بالبصرة فبينا أنا في بعض سككها إذ طلع أعرابي جلف جاف على قعود له متقلد سيفه وبيده قوس فدنا وسلم وقال لي: ممن الرجل؟ قلت: من بني الأصمع قال: أنت الأصمعي؟ قلت: نعم.
قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن قال: وللرحمن كلام يتلوه الآدميون؟! قلت: نعم.
قال: اتل علي شيئا منه فقلت له: انزل عن قعودك فنزل وابتدأت بسورة الذاريات.
فلما انتهيت إلى قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] قال: يا أصمعي هذا كلام الرحمن؟ قلت: إي والذي بعث محمدا بالحق إنه لكلامه أنزله على نبيه محمد ﷺ ! فقال لي: حسبك! ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها وقال: أعني على تفريقها ففرقناها على من أقبل وأدبر.
ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وجعلهما تحت الرحل وولى مدبرا نحو البادية وهو يقول: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] .
فأقبلت على نفسي باللوم وقلت: لم تنتبه لما انتبه له الأعرابي فلما حججت مع الرشيد دخلت مكة فبينا أنا أطوف بالكعبة إذ هتف بي هاتف بصوت دقيق فالتفت فإذا أنا بالأعرابي نحيلا مصفارا فسلم علي وأخذ بيدي وأجلسني من وراء المقام وقال لي: اتل كلام الرحمن فأخذت في سورة الذاريات فلما انتهيت إلى قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] . صاح الأعرابي: وجدنا ما وعدنا ربنا حقا. ً
ثم قال: وهل غير هذا؟ قلت: نعم يقول الله – ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] . فصاح الأعرابي وقال: يا سبحان الله من الذي أغضب الجليل حتى حلف؟! ألم يصدقوه حتى ألجؤوه إلى اليمين؟! قالها ثلاثا وخرجت فيها روحه.
стр. 248
١١٦ – [توبة أمير من أمراء الأعراب بسبب الصوم]
وحكي عن ابن سمعون قال: سمعت الشبلي يقول: كنت في قافلة
стр. 249
بالشام فخرج الأعراب فأخذوها وجعلوا يعرضونها على أميرهم.
فخرج جراب فيه سكر ولوز فأكلوا منه والأمير لا يأكل فقلت له لم لا تأكل؟ فقال: أنا صائم فقلت: تقطع الطريق وتأخذ الأموال وتقتل النفس وأنت صائم؟! فقال: يا شيخ! أجعل للصلح موضعا.
فلما كان بعد حين رأيته يطوف حول البيت وهو محرم كالشن البالي فقلت: أنت ذاك الرجل؟.
فقال: ذاك الصوم بلغ بي هذا المقام.
стр. 250
١١٧ – [توبة لبيب العابد عن قتل الحيات]
وذكر القاضي أبو علي التنوخي قال: كان ينزل بباب الشام من الجانب الغربي ببغداد رجل مشهور بالزهد والعبادة يقال له: لبيب العابد وكان الناس ينتابونه.
فحدثني لبيب قال: كنت مملوكا روميا لبعض الجند فرباني وعلمني العمل بالسلاح فصرت رجلا ومات مولاي بعد أن أعتقني فتوصلت إلى أن جعلت رزقه لي وتزوجت امرأته وقد علم الله تعالى أني لم أرد بذلك إلا صيانتها وأقمت معها مدة.
فاتفق أني رأيت يوما حية داخلة إلى جحرها فأمسكت ذنبها لأقتلها فوثبت علي فنهشت يدي فشلت ومضى زمن طويل على هذا فشلت يدي الأخرى بغير سبب أعرفه ثم جفت رجلاي ثم عميت ثم خرست فكنت على هذه الحال سنة كاملة لم يبق لي جارحة صحيحة إلا سمعي أسمع به ما أكره وأنا طريح على ظهري لا أقدر على كلام ولا إيماء ولا حركة أسقى وأنا ريان وأترك وأنا عطشان وأطعم وأنا شبعان وأمنع وأنا جائع.
فلما كان بعد سنة دخلت امرأة على زوجتي فقالت: كيف أبو علي لبيب؟ فقالت: لها زوجي: لا حي فيرجى ولا ميت فيسلى.
فأقلقني ذلك وآلم قلبي ألما شديدا فبكيت وضججت إلى الله تعالى في سري ودعوت وكنت في جميع تلك العلل لا أجد ألما في نفسي فلما كان في بقية ذلك اليوم ضرب علي جسدي ضربانا شديدا كاد يتلفني ولم يزل على ذلك إلى أن دخل الليل وانتصف أو جاز فسكن الألم قليلا فنمت.
فما أحسست إلا وقد انتبهت وقت السحر وإحدى يدي على صدري وقد
стр. 251
كانت طول السنة مطروحة على الفراش لا تنشال أو تشال فحركتها فتحركت ففرحت فرحا شديدا وقوي طمعي في تفضل الله بالعافية فحركت الأخرى فتحركت فقبضت إحدى رجلي فانقبضت فرددتها فرجعت وفعلت بالأخرى مثل ذلك فرمت الانقلاب فانقلبت وجلست ورمت القيام فقمت ونزلت عن السرير الذي كنت مطروحا عليه وكان في بيت من الدار فمشيت ألتمس الحائط في الظلمة إلى أن وقعت يدي على الباب وأنا لا أطمع في بصري فخرجت إلى صحن الدار فرأيت السماء والكواكب تزهر فكدت أموت فرحا وانطلق لساني بأن قلت: يا قديم الإحسان لك الحمد.
ثم صحت بزوجتي فقالت: أبو علي؟! فقلت: الساعة صرت أبا علي! اسرجي فأسرجت فقلت: جيئيني بمقراض فجاءت به فقصصت شاربا كان لي على زي الجند.
فقالت: لي زوجتي: ما تصنع؟ الآن يعيبك رفقاؤك! فقلت: بعد هذا لا أخدم أحدا غير ربي.
فانقطعت إلى الله وخرجت من الدار ولزمت عبادة ربي قال: وكانت هذه الكلمة: يا قديم الإحسان لك الحمد قد صارت عادته يقولها في حشو كلامه.
وكان يقال: إنه مجاب الدعوة.
стр. 252
١١٨ – [توبة المعتصم ورجوعه عن قتل تميم بن جميل]
قال: ووجدت في بعض الكتب: قال أحمد بن أبي دواد ما رأيت رجلا قط أشرف على الموت فما شغله ولا أذهله عما يريد حتى بلغه وخلصه الله إلا تميم بن جميل فإني رأيته بين يدي المعتصم وقد بسط له النطع وانتضي له السيف وكان رجلا جسيما وسيما فأحب المعتصم أن يستنطقه لينظر أين منظره من مخبره.
فقال له: تكلم فقال: أما إذ أذن أمير المؤمنين فالحمد لله ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ السجدة: ٧ – ٨] يا أمير المؤمنين! جبر الله بك صدع الدين ولم بك شعث المسلمين إن الذنوب تخرس الألسنة وتخلع الأفئدة وايم الله! لقد
стр. 253
عظمت الجريرة وانقطعت الحجة وساء الظن ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك ثم أنشأ يقول:
أرى الموت بين السيف والنطع كامنا ... يلاحظني من حيث ما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرىء مما قضى الله يفلت
وأي امرىء يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه
مصلت
وما جزعي من أن أموت فإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حرها تتفتت
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة ... أذود العدى عنهم وإن مت موتوا
كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد لطموا تلك الخدود وصوتوا
قال: فاستعبر المعتصم ثم قال: يا تميم! قد عفوت عن الهفوة ووهبتك للصبية.
ثم أمر به ففك حديده وخلع عليه وعقد له على سقي الفرات.
стр. 254
١١٩ – [توبة لص من اللصوص عن التعرض للناس]
أنبأنا الإمام أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي أنا أبو الحسين بن الطيوري أنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل أنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسين بن جهضم ثنا حبيب ثنا الفضل بن أحمد ثنا محمد بن مرزوق قال: حدثني أبي قال: حدثتني أمة الملك بنت هشام بن حسان قالت:
خرج عطاء الأزرق إلى الجبان يصلي بالليل فعرض له لص فقال: اللهم اكفنيه قال: فجفت يداه ورجلاه.
قال: فجعل يبكي ويصيح والله لا أعود أبدا قال: فدعا الله له فأطلق قال: فاتبعه اللص فقال له: أسألك بالله من أنت؟ قال: أنا عطاء.
فلما أصبح سأل: تعرفون رجلا صالحا يخرج بالليل إلى الجبان يصلي؟ قالوا: نعم عطاء السلمي.
قال: فذهب إلى عطاء السلمي إلى الخربة فدخل عليه وقال: إني جئتك
стр. 255
تائبا من قصتي كذا وكذا فادع الله لي قال: فرفع عطاء السلمي يديه إلى السماء وجعل يبكي ويقول: ويحك ليس أنا! ذاك عطاء الأزرق.
стр. 256
١٢٠ – [توبة يوسف بن أسباط على يد شاب كان يعمل نباشا]
أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن السلمي أنا أبو القاسم الحسيني أنا رشأ بن نظيف أنا الحسن بن إسماعيل أنا أبو بكر أحمد بن مروان ثنا عمرو بن حفص الشيباني ثنا ابن خبيق ثنا أبي قال:
صحب يوسف بن أسباط فتى من أهل الجزيرة فلم يكلمه إلا بعد عشر سنين وكان يوسف يرى من جزعه وفزعه وعبادته آناء الليل والنهار فقال له يوسف: ما كان عملك؟ فإني لا أراك تهدأ من البكاء فقال له: كنت نباشا فقال له يوسف: فأي شيء كنت ترى إذا وصلت إلى اللحد قال: كنت أرى أكثرهم قد حولوا وجوههم عن القبلة إلا قليلا.
قال يوسف: إلا قليلا فاختلط يوسف: على المكان وذهب عقله حتى كان يحتاج أن يداوى.
قال ابن خبيق: قال أبي: دعونا سليمان الطبيب ليداوي يوسف وكان يرجع إليه عقله أحيانا فيقول: إلا قليلا! فلم يزل به حتى داواه وصح فلما فرغ وأراد أن يخرج سليمان الطبيب قال يوسف: أي شيء تعطونه؟ قلنا: لا يريد منك شيئا قال: سبحان الله! جئتم بطبيب الملوك ولا أعطيه شيئا؟ قلنا: أعطه دينارا فقال: خذ هذا فادفعه إليه وأعلمه أني لا أملك غيره لئلا يتوهم أني أقل مروءة من الملوك فدفع إليه صرة فيها خمسة عشر دينارا.
قال: فأخذتها فدفعتها وجعل يوسف يعمل الخوص بيده حتى مات.
قال: أحمد بن مروان: ثنا محمد بن أحمد ثنا ابن خبيق ثنا الهيثم بن جميل قال: حدثني حبيب قال: قال: يوسف بن أسباط:
ورثت عن أبي ضياعاً بخمسمائة ألف بالكوفة فجرى بيني وبين عمومتي كلام فشاورت الحسن بن صالح فقال لي: ما أرى لك أن تخاصمهم إنها من
стр. 257
أرض الخراج فتركتها لله وأنا محتاج إلى فلس أو كما قال.
стр. 258
١٢١ – [توبة نباش عن نبش القبور]
أنبأنا عبد الرحمن بن علي الإمام قال: أنا إبراهيم بن دينار الفقيه أنا إسماعيل بن محمد بن ملة أنا عبد العزيز بن أحمد أنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسين ثنا أبو موسى الطرسوسي ثنا هارون بن زياد المصيصي ثنا أبو إسحاق الفزاري قال:
كان رجل يكثر الجلوس إلينا ونصف وجهه مغطى فقلت له: إنك تكثر الجلوس إلينا ونصف وجهك مغطى أطلعني على هذا؟ فقال: تعطيني الأمان؟ قلت نعم.
قال: كنت نباشا فدفنت امرأة فأتيت قبرها فنبشت حتى وصلت إلى اللبن ثم رفعت اللبن فضربت بيدي إلى الرداء ثم ضربت بيدي إلى اللفافة فمددتها فجعلت تمدها هي فقلت: أتراها تغلبني فجثيت على ركبتي فمددت فرفعت يدها فلطمتني وكشف وجهه فإذا أثر خمس أصابع في وجهه.
فقلت له: ثم مه؟ قال: ثم رددت عليها لفافتها وإزارها ثم رددت التراب وجعلت على نفسي أن لا أنبش ما عشت.
قال: فكتبت بذلك إلى الأوزاعي فكتب إلي الأوزاعي ويحك! سله عمن مات من أهل التوحيد ووجهه إلى القبلة أحول وجهه أم ترك وجهه إلى القبلة؟.
قال: فجاءني الكتاب فقلت له: أخبرني عمن مات من أهل الإسلام أترك وجهه على ما كان أم ماذا؟ فقال: أكثر ذلك حول وجهه عن القبلة.
فكتبت بذلك إلى الأوزاعي فكتب إلي إِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - ثلاث مرات - أما من حول وجهه عن القبلة فإنه مات على غير السنة.
стр. 259
١٢٢ – [توبة شاب مسرف على نفسه على يد إبراهيم بن أدهم]
وروي أن رجلا جاء إلى إبراهيم بن أدهم فقال له: يا أبا إسحاق! إني
стр. 260
مسرف على نفسي فاعرض علي ما يكون لها زاجرا ومستنقذا لقلبي.
قال: إن قبلت خمس خصال وقدرت عليها لم تضرك معصية ولم توبقك لذة.
قال: هات يا أبا إسحاق!.
قال: أما الأولى فإذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل رزقه.
قال: فمن أين آكل وكل ما في الأرض من رزقه؟.
قال له: يا هذا! أفيحسن أن تأكل رزقه وتعصيه؟.
قال: لا هات الثانية!.
قال: وإذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئا من بلاده قال الرجل: هذه أعظم من الأولى! يا هذا! إذا كان المشرق والمغرب وما بينهما له فأين أسكن؟ قال: يا هذا! أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه؟.
قال: لا هات الثالثة.
قال: إذا أردت أن تعصيه وأنت تحت رزقه وفي بلاده فانظر موضعا لا يراك فيه مبارزا له فاعصه فيه قال: يا إبراهيم! كيف هذا وهو مطلع على ما في السرائر؟.
قال: يا هذا! أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه وهو يراك ويرى ما تجاهره به؟!.
قال: لا هات الرابعة.
قال: إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك فقل له: أخرني حتى أتوب توبة نصوحا وأعمل لله عملا صالحا قال: لا يقبل مني.
قال: يا هذا! فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب وتعلم أنه إذا جاء لم يكن له تأخير فكيف ترجو وجه الخلاص؟!.
قال: هات الخامسة.
قال: إذا جاءتك الزبانية يوم القيامة ليأخذونك إلى النار فلا تذهب معهم.
قال: لا يدعونني ولا يقبلون مني.
قال: فكيف ترجو النجاة إذا؟!.
قال له: يا إبراهيم! حسبي أنا أستغفر الله وأتوب إليه.
ولزمه في العبادة حتى فرق الموت بينهما.
стр. 261
١٢٣ – [توبة صاحب مقثأة على يد شاب دمشقي]
أنبأنا الحافظ أبو طاهر السلفي إجازة أنا أبو الحسين بن الطيوري أنا مسعود بن ناصر السجستاني أنا أبو حازم عمر بن أحمد العدوي أنا علي بن عبد الله بن جهضم أنا أبو الطيب محمد بن جعفر ثنا يحيى بن الحسن الرازي ثنا معروف الكرخي قال:
رأيت في البادية شابا حسن الوجه له ذؤابتان حسنتان وعلى رأسه رداء قصب وعليه قميص كتان وفي رجليه نعل طاق.
قال: معروف فتعجبت منه في مثل ذلك المكان ومن زيه فقلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته! فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا عم! فقلت الفتى من أين؟ قال: من مدينة دمشق قلت: متى خرجت منها؟ قال: ضحوة النهار.
قال معروف: فتعجبت وكان بينه وبين الموضع الذي رأيته فيه مراحل كثيرة.
فقلت له: وأين المقصد؟ قال: مكة فعلمت أنه محمول فودعته ومضى ولم أره حتى مضت ثلاث سنين.
فلما كان ذات يوم وأنا جالس في منزلي أتفكر في أمره وما كان منه إذا بإنسان يدق الباب فخرجت إليه فإذا بصاحبي فسلمت عليه وقلت: مرحبا وأهلا! فأدخلته المنزل فرأيته منقطعا والها تالفا عليه زر مانقة حافيا حاسرا.
فقلت: هيه! أيش الخبر؟ قال: يا أستاذ! لاطفني حتى أدخلني الشبكة فرماني فمرة يلاطفني ومرة يهددني ويجيعني مرة ويكرمني أخرى فلمة أوقفني على بعض أسرار أوليائه ثم ليفعل بي ما يشاء.
قال معروف: فأبكاني كلامه فقلت له: فحدثني ببعض ما جرى عليك منذ فارقتني.
قال: هيهات أن أبديه وهو يريد أن يخفيه ولكن بديا ما فعل بي
стр. 262
في طريقي إليك يا مولاي وسيدي ثم أستفرغه البكاء فقلت: وما فعل بك؟.
قال: جوعني ثلاثين يوما ثم دخلت إلى قرية فيها مقثأة وقد نبذ منها المدود وطرح فقعدت آكل منه فبصر بي صاحب المقثأة فأقبل إلي يضرب ظهري وبطني ويقول: يا لص! ما خرب مقثأتي غيرك منذ كم أنا أرصدك حتى وقعت عليك.
فبينا هو يضربني إذ أقبل فارس نحوه مسرعا وقلب السوط في رأسه وقال: تعمد إلى ولي من أولياء الله تعالى تقول له: يا لص؟ فأخذ صاحب المقثأة بيدي فذهب بي إلى منزله فما بقي من الكرامة شيئا إلا عمله بي واستحلني وجعل مقثأته لله ولأصحاب معروف.
فقلت له: صف لي معروفا فوصفك لي فعرفتك بما كنت شاهدته من صفتك.
قال معروف: فما استتم كلامه حتى دق صاحب المقثأة الباب ودخل وكان موسرا فأخرج جميع ماله وأنفقه على الفقراء وصحب الشاب سنة وخرجا إلى الحج فماتا في "الربذة" رحمة الله عليهما.
стр. 263
١٢٤ – [توبة عاصي في جوف الليل وموته لسماع آية من القرآن فيها ذكر النار]
أخبرنا محمد أنا حمد ثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثني محمد بن إسحاق الثقفي حدثني أحمد بن موسى الأنصاري عن منصور بن عمار قال:
حججت حجة فنزلت سكة من سكك الكوفة فخرجت في ليلة مظلمة فإذا بصارخ يصرخ في جوف الليل وهو يقول: إلهي! وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك وقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك جاهل ولكن خطيئة عرضت لي أعانني عليها شقائي وغرني سترك المرخي علي وقد عصيتك بجهدي وخالفتك بجهلي ولك الحجة علي فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أتصل إذا قطعت حبلك مني؟ واشباباه! واشباباه.
стр. 264
قال: فلما فرغ من قوله تلوت آية من كتاب الله: ﴿نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ ... الآية [التحريم: ٦] . فسمعت حركة شديدة ثم لم أسمع بعدها حسا فمضيت.
فلما كان من الغد رجعت في مدرجتي إذا بجنازة قد وضعت وإذا بعجوز كبيرة فسألتها عن أمر الميت ولم تكن عرفتني فقالت: هذا رجل لا جزاه الله إلا جزاءه! مر بابني البارحة وهو قائم يصلي فتلا آية من كتاب الله فلما سمعها ابني تفطرت مرارته فوقع ميتا.
стр. 265
١٢٥ – [توبة امرأة عن الغناء والعود وتوبة مولاها على يدها]
وجدت في كتاب عن سري السقطي أنه قال: ضاقت علي نفسي يوما فقلت في نفسي: أخرج إلى المارستان وأنظر إلى المجانين فيه وأعتبر بأحوالهم.
فخرجت إلى بعض المارستانات وإذا بامرأة مغلولة يدها إلى عنقها وعليها ثياب حسان وروائح عطرة وهي تنشد:
أعيذك أن تغل يدي ... بغير جريمة سبقت
تغل يدي إلى عنقي ... ما خانت ولا سرقت
وبين جوانحي كبد ... أحس بها قد احترقت
وحقك يا مدى أملي ... يمينا برة صدقت
فو قطعتها قطعا ... وحقك عنك لا نطقت
فقلت لصاحب المارستان: ما هذه؟ فقال: مملوكة خبل عقلها فحبست لتصلح.
فلما سمعت كلامه أنشدت:
معشر الناس ما جننت ولكن ... أنا سكرانة وقلبي صاح
لم غللتم يدي ولم آت ذنبا ... غير هتكي في حبه وافتضاحي
стр. 266
أنا مفتونة بحب حبيب ... لست أبغي عن بابه من براح
فصلاحي الذي زعمتم فسادي ... وفسادي الذي زعمتم صلاحي
ما على من أحب مولى الموالي ... وارتضاه لنفسه من جناح
قال سري: فسمعت كلاما أبكاني.
فلما رأت دموعي قالت: يا سري هذه دموعك على الصفة فكيف لو عرفته حق المعرفة؟.
فقلت: هذا أعجب من أين عرفتني؟.
قالت: ما جهلت منذ عرفت أن أهل الدرجات يعرف بعضهم بعضا.
فقلت: يا جارية أراك تذكرين المحبة فلمن تحبين؟.
قالت: لمن تعرف إلينا بآلائه وتحبب إلينا بنعمائه وجاد علينا بجزيل عطائه فهو قريب إلى القلوب مجيب تسمى بأسمائه الحسنى وأمرنا أن ندعوه بها فهو حكيم كريم قريب مجيب.
قال: فقلت لها: فيم حبست؟.
فقالت: قومي عابوا علي ما سمعت مني.
فقلت لصاحب المارستان: أطلقها ففعل فقلت: اذهبي حيث شئت فقالت: إن حبيب قلبي قد ملكني لبعض مماليكه فإن رضي مالكي وإلا صبرت واحتبست.
فقلت: هذه والله أعقل مني فجاء مالكها ومعه ناس كثير فقال لصاحب المارستان: وأين بدعة؟ فقال: دخل عليها سري فأطلقها.
فلما رآني عظمني هي والله أولى بالتعظيم مني فما الذي تنكر منها؟ فقال: كثرة فكرتها وسرعة عبرتها وزفرتها وحنينها فهي باكية راغبة لا تأكل مع من يأكل ولا تشرب مع من يشرب وهي بضاعتي اشتريتها بكل مالي - بعشرين ألف درهم - وأملت أن أربح فيها مثل ثمنها.
فقلت: وما كانت صنعتها؟ قال: مطربة قلت: ومنذ كم كان بها هذا الداء؟ فقال: منذ سنة قلت: ما كان بدؤه؟ قال: كان العود في حجرها وهي تغني وتقول:
стр. 267
وحقك لا نقضت الدهر عهدا ... ولا كدرت بعد الصفو ودا
ملأت جوانحي والقلب وجدا ... فكيف أقر أو أسلو وأهدا
فيا من ليس مولى سواه ... تراك تركتني في الناس عبدا
قال: فكسرت العود وقامت وبكت فاتهمتها بمحبة إنسان فكشفت عن ذلك فلم أجد له أثرا قال: فقلت لها: هكذا؟ كان فقالت:
خاطبني الوعظ من جناني ... وكان وعظي على لساني
قربني منه بعد بعد ... وخصني الله واصطفاني
أجبت لما دعيت طوعا ... ملبيا للذي دعاني
وخفت مما جنيت قدما ... فوقع الحب بالأمان
قال: فقلت له: علي الثمن وأزيدك قال: فصاح: وافقراه! من أين لك ثمن هذه؟ فقلت: لا تعجل علي تكون في المارستان حتى آتي بثمنها ثم مضيت وعيني تدمع وقلبي يخشع وبت ولم أطعم غمضا ووالله ما عندي درهم من ثمنها.
وبقيت طول ليلتي أتضرع إلى الله تعالى وأقول: يا رب! إنك تعلم سري وجهري وقد اتكلت على فضلك وعولت عليك فلا تفضحني فينما أنا عند السحر إذا بقارع يقرع الباب فقلت: من بالباب؟ فقال: حبيب من الأحباب أتى في سبب من الأسباب من الملك الوهاب ففتحت الباب فإذا برجل معه خادم وشمعة فقال: يا أستاذ! أتأذن لي بالدخول؟ فقلت: ادخل من أنت؟.
قال: أنا أحمد بن المثنى قد أعطاني مالك الدار فأكثر كنت الليلة نائما فهتف لي هاتف في المنام: احمل خمس بدرات إلى سري يعطيها لمولى بدعة يفكها من الأسر ومن رق العبودية الساعة فلنا بها عناية فجئت مبادرا بهذا المال فاصنع به ما شئت.
قال: فخررت لله ساجدا وارتقبت الصبح.
فلما تعالى ضوء النهار أخذت بيد أحمد ومضيت به إلى المارستان. فإذا
стр. 268
الموكل به يلتفت يمينا وشمالا فلما رآني قال: مرحبا! ادخل فإن لها عند الله عناية هتف بي البارحة هاتف وهو يقول:
إنها منا ببال ... ليس تخلو من نوال
قربت ثم تسمت ... وعلت في كل حال
فحفظت هذا القول وكررته إلى أن أتيتم فدخلت عليها وهي تقول:
قد تصبرت إلى أن ... عيل في حبك صبري
ضاق من غلي وقيدي ... وامتهاني فيك صدري
ليس يخفى عنك أمري ... يا منى قلبي وذخري
أنت لي تعتق رقي ... وتفك اليوم أسري
قال: وأقبل مولاها يبكي ويخشع فقلت له: قد جئناك بما ورثت وربح خمسة آلاف فقال: لا والله! فقلت بربح عشرة آلاف فقال: لا. فقلت: بربح المثل فقال: لو أعطيتني الدنيا ما قبلت! وهي حرة لوجه الله تعالى.
فقلت له: ما القصة؟ فقال: يا أستاذ! وبخت البارحة أشهدك أني خارج من جميع مالي وهارب إلى الله تعالى اللهم كن لي بالسعة كفيلا وبالرزق جميلا.
فالتفت إلى ابن المثنى فرأيته يبكي فقلت له: ما بكاؤك؟ فقال: ما رضي بي المولى لما ندبني إليه أشهدك أني قد تصدقت بجميع مالي لوجه الله تعالى.
فقلت: ما أعظم بركة بدعة على الجميع فقامت بدعة فنزعت ما كان عليها ولبست مدرعة من الشعر وخرجت وهي تقول:
هربت منه إليه ... بكيت منه عليه
وحقه فهو مولى ... لا زلت بين يديه
حتى أنال وأحظى ... بما رجوت لديه
قال سري: فأقمت بعد ذلك مدة حتى مات مولاها فبينا أنا أطوف بالكعبة وإذا أنا بصوت محزون من كبد مقروحة وهو يقول:
стр. 269
قد تشهرت بحبك ... كيف لي منك بقربك
كيف بي يا نفس إن وا ... خذك الله بذنبك
لم يقاسي أحد يا ... نفس كربا مثل كربك
فسلي ربك يأتيـ ... ـك الرضى من عند ربك
قال: فتبعت الصوت فإذا امرأة كالخيال فلما رأتني قالت: السلام عليك يا سري فقلت: وعليك السلام من أنت؟ فقالت: لا إله إلا الله! وقع التناكر بعد المعرفة أنا بدعة.
فقلت: ما الذي أفادك الحق بعد انفرادك عن الخلق؟ فقالت: أفادني كل المنى وأنشدت:
يا من رأى وحشتي فآنسني ... بالقرب من قربه فأنعشني
هربت من مسكني إلى سكني ... نعم ومن موطني إلى وطني
يا سكني لا خلوت من سكني ... دهري ويا عدتي على الزمن
أوحشني ما فقدت منه فقد ... عاد بإحسانه فآنسني
وعدت أيضا وعاد منعطفا ... كذلك مذ كان منه عودني
ثم قالت: لا حاجة لي بالبقاء فخذني إليك.
قال: فحركتها فإذا هي ميتة - رحمة الله عليها.
стр. 270
ذكر خبر جماعة ممن أسلم
١٢٦ – [توبة أبي إسماعيل النصراني وإسلامه]
أنبأتنا شهدة بنت أحمد بن الفرج الأبري قالت: أنا جعفر بن أحمد السراج ثنا جعفر الخلدي ثنا أحمد بن مسروق ثنا محمد بن الحسين ثنا عبد الله بن الفرج العابد قال:
كان بالموصل رجل نصراني يكنى أبا إسماعيل قال: فمر ذات ليلة برجل وهو يتهجد على سطحه وهو يقرأ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] قال: فصرخ أبو إسماعيل صرخة غشي عليه فلم يزل على حاله تلك حتى أصبح.
فلما أصبح أسلم ثم أتى فتحا الموصلي فاستأذنه في صحبته فكان يصحبه ويخدمه.
قال: فبكى أبو إسماعيل حتى ذهبت إحدى عينيه وعشي من الأخرى فقلت له يوما حدثني ببعض أمر فتح قال: فبكى ثم قال: أخبرك عنه كان والله كهيئة الروحانيين معلق القلب بما هناك ليست له في الدنيا راحة.
قلت: علي ذاك.
قال: شهدت العيد معه ذات يوم ورجع بعد ما تفرق الناس ورجعت معه فنظر إلى الدخان يفور من نواحي المدينة ثم بكى ثم قال: قد قرب
стр. 271
الناس قربانهم فليت شعري ما فعلت في قرباني عندك أيها المحبوب ثم سقط مغشيا عليه.
فجئت بماء فمسحت به وجهه فما أفاق حتى دخل بعض أزقة المدينة فرفع رأسه إلى السماء ثم قال: قد علمت طول غمي وحزني وتردادي في أزقة الدنيا فحتى متى تحبسني أيها المحبوب ثم سقط مغشيا عليه.
فجئت بماء فمسحته على وجهه فأفاق فما عاش بعد ذلك إلا أياما حتى مات ﵀.
стр. 272
١٢٧ – [توبة شاب نصراني وإسلامه]
أنبأنا الحافظ أبو طاهر السلفي أنا أبو الحسين بن الطيوري أنا عبد العزيز بن علي أنا علي بن عبد الله الصوفي ثنا محمد بن داود قال: حدثني حامد الأسود صاحب إبراهيم الخواص قال:
كان إبراهيم إذا أراد سفرا لم يحدث به أحدا ولم يذكره وإنما يأخذ ركوته ويمشي.
فبينا نحن معه في مسجده تناول ركوته ومشى فاتبعته فلم يكلمني حتى وافينا الكوفة فأقام بها يومه وليلته.
ثم خرج نحو القادسية فلما وافاها قال لي: يا حامد إلى أين؟ قلت: يا سيدي! خرجت بخروجك قال: أنا أريد مكة إن شاء الله! قلت وأنا إن شاء الله أريد مكة فمشينا يومنا وليلتنا.
فلما كان بعد أيام إذا شاب قد انضم إلينا في بعض الطريق فمشى يوما وليلة لا يسجد لله سجدة فعرفت إبراهيم وقلت: إن هذا الغلام لا يصلي.
فجلس وقال له: يا غلام! مالك لا تصلي والصلاة أوجب عليك من الحج فقال: يا شيخ! ما علي صلاة قال: ألست برجل مسلم؟ قال: لا قال: أي شيء أنت؟ قال: نصراني ولكن إشارتي في النصرانية إلى التوكل وادعت نفسي أنها قد أحكمت حال التوكل فلم أصدقها فيما ادعت حتى أخرجتها إلى هذه الفلاة التي ليس فيها موجود غير المعبود أثير ساكني وأمتحن خاطري.
стр. 273
فقام إبراهيم ومشى وقال: دعه يكون معك فلم يزل يسايرنا إلى أن وافينا بطن مر فقام إبراهيم ونزع خلقانه وطهرها بالماء ثم جلس وقال له: ما اسمك؟ قال: عبد المسيح فقال: يا عبد المسيح! هذا دهليز مكة وقد حرم الله على أمثالك الدخول إليه وقرأ ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والذي أردت أن تستكشف من نفسك فقد بان لك فاحذر أن تدخل مكة! فإن رأيناك بمكة أنكرنا عليك.
قال حامد: فتركناه ودخلنا مكة وخرجنا إلى الموقف فبينا نحن جلوس بعرفات إذا هو قد أقبل وعليه ثوبان وهو محرم يتصفح الوجوه حتى وقف علينا فأكب على إبراهيم يقبل رأسه فقال له: ما وراءك يا عبد المسيح؟ فقال: هيهات! أنا اليوم عبد من المسيح عبده.
فقال له إبراهيم: حدثني حديثك.
فقال: جلست مكاني حتى أقبلت قافلة الحاج فقمت وتنكرت في زي المسلمين كأني محرم فساعة وقعت عيني على الكعبة اضمحل عندي كل دين سوى الإسلام فأسلمت واغتسلت وأحرمت وها أنا أطلبك يومي فالتفت إلينا إبراهيم وقال: يا حامد! انظر إلى بركة الصدق في النصرانية كيف هداه إلى الإسلام وصحبنا حتى مات بين الفقراء ﵀.
стр. 274
١٢٨ – [توبة عابد صنم وإسلامه]
وحكي عن عبد الواحد بن زيد قال: كنت في مركب فطرحتنا الريح إلى جزيرة وإذا فيها رجل يعبد صنما فقلنا له: يا رجل! من تعبد؟ فأومأ إلى الصنم.
فقلنا: إن معنا في المركب من يسوى مثل هذا وليس هذا إله يعبد.
قال: فأنتم لمن تعبدون؟ قلنا: الله.
قال: وما الله؟ قلنا: الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي الأحياء والأموات قضاؤه.
فقال: كيف علمتم له؟ قلنا: وجه إلينا هذا الملك رسولا كريما فأخبر بذلك.
قال: فما فعل الرسول؟ قلنا: أدى الرسالة ثم قبضه الله.
قال: فما ترك عندكم علامة؟ قلنا: بلى ترك عندنا كتاب الملك.
стр. 275
فقال: أروني كتاب الملك فينبغي أن تكون كتب الملوك حسانا.
فأتيناه بالمصحف فقال: ما أعرف هذا فقرأنا عليه سورة من القرآن فلم نزل نقرأ ويبكي حتى ختمنا السورة فقال: ينبغي لصاحب هذا الكلام أن لا يعصى ثم أسلم.
وحملناه معنا وعلمناه شرائع الإسلام وسورا من القرآن وكنا حين جننا الليل وصلينا العشاء وأخذنا مضاجعنا قال: لنا يا قوم! هذا الإله الذي دللتموني عليه إذا جنه الليل ينام؟ قلنا: لا يا عبد الله هو عظيم قيوم لا ينام.
قال: بئس العبيد أنتم تنامون ومولاكم لا ينام؟ فأعجبنا كلامه.
فلما قدمنا عبادان قلت لأصحابي: هذا قريب عهد بالإسلام فجمعنا له دراهم وأعطيناه فقال: ما هذا؟ قلنا تنفقها فقال: لا إله إلا الله! دللتموني على طريق سلكتموها أنا كنت في جزائر البحر أعبد صنما من دونه ولم يضيعني يضيعني وأنا أعرفه!.
فلما كان بعد أيام قيل لي: إنه في الموت فأتيته فقلت له: هل من حاجة فقال: قضى حوائجي من جاء بكم إلى جزيرتي.
قال: عبد الواحد فحملتني عيني فنمت عنده فرأيت مقابر عبادان روضة وفيها قبة وفي القبة سرير عليه جارية لم ير أحسن منها فقالت: سألتك بالله إلا ما عجلت به فقد اشتد شوقي إليه فانتبهت وإذا به قد فارق الدنيا.
فقمت إليه فغسلته وكفنته وواريته.
فلما جن الليل نمت فرأيته في القبة مع الجارية وهو يقرأ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ – ٢٤] .
стр. 276
١٢٩ – [توبة مجوسي وإسلامه وأهل داره]
وقرأت في الملتقط أن بعض العلويين كان نازلاً ب " بلخ " وله امرأة علوية ولها بنات قد أصابهم الفقر ومات الرجل فخرجت المرأة بالبنات إلى سمرقند خوفا من شماتة الأعداء.
فاتفق خروجها في شدة البرد فلما دخلوا البلد أدخلتهم مسجدا ومضت تحتال لهم في القوت فمرت بجمعين جمع على رجل مسلم وهو شيخ البلد وجمع على مجوسي هو ضامن البلد.
стр. 277
فبدأت بالمسلم فشرحت له حالها وقالت: أريد قوت الليلة فقال: أقيمي عندي البينة أنك علوية فقالت: ما في البلد من يعرفني فأعرض عنها.
فمضت إلى المجوسي فأخبرته بالخبر وحدثته ما جرى لها مع المسلم فبعث معها أهل داره إلى المسجد فجاؤوا بأولادها إلى داره فألبسهم الحلل الفاخرة.
فلما انتصف الليل رأى ذلك المسلم في منامه كأن القيامة قد قامت واللواء على رأس محمد ﷺ وإذا قصر من الزمرد الأخضر فقال له: يا رسول الله! لمن هذا القصر؟ فقال: "لرجل مسلم موحد" فقال: يا رسول الله! فأنا مسلم موحد فقال: "أقم عندي البينة بأنك مسلم موحد" فبقي الرجل متحيرا. ً
فقال له: لما قصدتك العلوية قلت لها: أقيمي عندي البينة فهكذا أنت أقم عندي البينة.
فانتبه يبكي ويلطم وخرج يطوف البلد على المرأة حتى عرف أين هي فأرسل إلى المجوسي فأتاه فقال له: أين العلوية؟ قال: عندي قال: أريدها.
قال: ما إلى هذا من سبيل قال: خذ مني ألف دينار وسلمهم إلي قال: ما أفعل! قد استضافوني ولحقني من بركاتهم.
قال: لا بد منهم قال: الذي تطلبه أنا أحق به والقصر الذي رأيته لي خلق أتدل علي بإسلامك؟ والله ما نمت ولا أهل داري حتى أسلمنا على يد العلوية. ورأيت مثل منامك الذي رأيت وقال لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "العلوية عندك وبناتها؟ " قلت: نعم قال: "القصر لك ولأهل دارك وأنت وأهل دارك من أهل الجنة خلقك الله مؤمنا في الأزل".
стр. 278
١٣٠ – [توبة يهودي محسن وإسلامه]
وروي عن ختن أبي عمران اللؤلؤي وكان رجلا صالحا يخدم الفقراء وبيته بيت ضيافة أنه نزل به قوم فمضى إلى الحاكم يطلب لهم شيئا فلم يعطه فمضى إلى يهودي فبعث إلى داره ما يحتاج إليه.
فلما نام الحاكم رأى كأنه على باب قصر من لؤلؤة حمراء فهم أن يدخله فمنع منه وقيل له: إن هذا كان لك فدفع إلى فلان اليهودي فلما أصبح الحاكم مضى إلى ختن أبي عمران فسأله عن القصة فأخبره.
стр. 279
فاستحضر الحاكم اليهودي وقال: لك قصر في الجنة تبيعه بعشرة آلاف درهم؟ فقال: لا فزاده فأبى وسأله عن القصة فقص عليه الرؤيا فقال: اليهودي لختن أبي عمران: أعرض علي الإسلام فأسلم.
стр. 280
١٣١ – [توبة مجوسي كريم وإسلامه مع أولاده ورهطه]
وعن أبي حفص النيسابوري أنه قال: لأصحابه يوما في وقت الربيع تعالوا نخرج إلى التنزه فخرجوا فمروا بمحلة فإذا شجرة كمثرى قد أثمرت في دار فوقف ينظر إليها فخرج من تلك الدار رجل مجوسي شيخ كبير فقال له: يا مقدم الأخيار! هل تكون ضيفا لمقدم الأشرار؟.
فدخل أبو حفص مع أصحابه وكان معهم من قراء القرآن فأخرج المجوسي كيسا فيه دراهم وقال: أعلم أنكم تتنزهون مما تصل أيدينا إليه من الطعام فمر من يشتري لكم شيئا من السوق ففعلوا.
فلما أراد أبو حفص أن يخرج قال له المجوسي: لا يمكنك أن تخرج إلا وأنا معك! فأسلم وأسلم أولاده ورهطه بضعة عشر نفسا.
стр. 281
١٣٢ – [توبة مجوسي بغدادي وإسلامه مع ابنه وابنته وكثير من أصحابه]
وجدت في كتاب الجوهري قال: حدث ابن أبي الدنيا أن رجلا نام فرأى المصطفى ﷺ وهو يقول له: امض إلى المجوسي الذي في بغداد وقل له: قد أجيبت الدعوة فلما أصبحت قلت: كيف أمضى إلى مجوسي؟! فنمت الليلة الثانية فرأيت مثل ذلك ثم رأيت مثل ذلك في الليلة الثالثة.
فلما أصبحت تحملت إلى بغداد وأتيت المجوسي فوجدته في نعمة عريضة ودنيا واسعة قال: فدخلت إليه وسلمت عليه وجلست فقال: ألك حاجة؟ فقلت نعم قال: تكلم قلت: في خلوة فانصرف الناس وبقي أصحابه فقلت: وهؤلاء فصرفهم وقال: قل قلت أنا رسول رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إليك وهو يقول لك: قد أجيبت الدعوة.
стр. 282
فقال: أتعرفني؟ قلت: نعم قال: إني أنكر الإسلام وأنكر رسالة محمد ﵇ قلت كذلك قلت وهو أرسلني إليك.
قال: أرسلك إلي؟ قلت: نعم قال: أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا الله وأن محمدا رسول الله.
ثم دعا أصحابه وقال: قد كنت في ضلال وقد رجعت إلى الحق فمن أسلم فما في يديه له ومن لم يسلم فلينزع مما لي عنده فأسلم القوم إلا قليلا.
ثم دعا ابنه فقال: يا بني! إني كنت في ضلال وقد أسلمت فما أنت صانع؟ قال: يا أبت! أسلم فأسلم.
ثم دعا ابنته وقال: يا بنية! قد أسلمت وأسلم أخوك فإن أنت أسلمت فرقت بينكما فقالت: يا أبت! والله لقد كنت كارهة لاجتماعي به وأسلمت.
فقال لي: أتدري الدعوة التي أجيبت؟ قلت لا قال: لما زوجت ابنتي بولدي وصنعت له طعاما ودعوت الناس كلهم فأجابوا لما خولني الله من الدنيا.
فلما أكل الناس تعبت فقلت للخادم: افرش لي حصيرا في أعلى الدار أنام شيئا فطلعت وكان بجوارنا قوم أشراف فقراء فسمعت صبية وهي تقول لأمها: يا أماه! قد آذانا هذا المجوسي برائحة طعامه.
قال: فنزلت وحملت لهم طعاما كثيرا ودنانير كثيرة وكسوة لكل من في الدار فقالت الواحدة: حشرك الله مع جدي! وقال الباقون: آمين! فتلك الدعوة التي أجيبت.
стр. 283
١٣٣ – [توبة طبيب نصراني محسن وإسلامه]
وروي أن بعض مشايخ الصوفية خرج على أصحابه وكانوا أربعين رجلا وقد أقاموا ثلاثة أيام لم يفتح لهم بطعام فقال لهم: يا قوم إن الله قد أباح التسبب للعباد فقال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [تبارك: ١٥] فانظروا من يخرج منها فليأتنا بشيء.
стр. 284
قال: فخرج فقير فمشى في جانبي بغداد فلم يجد من يسأله في شيء فأخذه الجوع والتعب فجلس على دكان طبيب نصراني والناس عليه خلق عظيم يصف لهم الدواء.
فقال له النصراني: ما بك؟ فلم ير أن يشكو إلى نصراني حاله بل مد يده إليه فمس يده فقال النصراني عند ذلك: هذه علة أنا أعرف دواءها يا غلام! امض إلى السوق وائتني برطل خبز ورطل شواء ورطل حلواء. فقال الفقير: فهذه العلة بأربعين رجلا فقال: يا غلام ائتني بأربعين مثل ذلك.
فأتى الغلام بذلك فسلمه النصراني إلى الفقير وقال: خذه لمن ذكرت.
فأخذ معه الحمال ومضى معه إلى الدويرة.
وقام النصراني يختبر صدق الفقير فلما أتى الدويرة وقف خارجا منها خلف طاق حتى دخل الفقير فوضع الطعام واجتمع الشيخ والفقراء وقدموا الطعام فأمسك الشيخ عن الطعام وقال: يا فقير! ما قصة هذا الطعام؟ فحكى له القصة بكمالها.
فقال الشيخ: أترضون أن تأكلوا طعام نصراني وصلكم به دون مكافأة؟ قالوا: ما مكافأته؟ قال: تدعون الله له قبل أكل طعامه بالنجاة من النار فدعوا له وهو يسمع.
فلما رأى النصراني إمساكهم عن الطعام مع حاجتهم إليه وسمع ما قال الشيخ قرع الباب ففتح له ودخل وقطع الزنار وقال: أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.
تم بعون الله تعالى وتوفيقه.