Полный текст (284 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أخبار جماعة من التوابين
٩٦ – [توبة منازل بن لاحق]
أَنْبَأَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ حَمْزَةَ السُّلَمِيُّ فِي جَمَاعَةٍ قَالُوا: أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ المقرىء الأَصْبَهَانِيُّ أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الرَّقِّيُّ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ قَالَ:
بَيْنَا أَنَا أَطُوفُ مَعَ أَبِي حَوْلَ الْبَيْتِ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ وَقَدْ رَقَدَتِ الْعُيُونُ وَهَدَأَتِ الأَصْوَاتُ إِذْ سَمِعَ أَبِي هَاتِفًا يَهْتِفُ بِصَوْتٍ حَزِينٍ شَجِيٍّ وَهُوَ يَقُولُ:
يَا مَنْ يُجِيبُ دُعَا الْمُضْطَرِّ فِي الظُّلَمِ ... يَا كَاشِفَ الضُّرَّ وَالْبَلْوَى مَعَ السَّقَمِ
قَدْ نَامَ وَفْدُكَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَانْتَبَهُوا ... وَأَنْتَ عَيْنُكَ يَا قَيُّومُ لَمْ تَنَمِ
هَبْ لِي بِجُودِكَ فَضْلَ الْعَفْوِ عَنْ جُرْمِي ... يَا مَنْ إِلَيْهِ أَشَارَ الْخَلْقُ فِي الْحَرَمِ
إِنْ كَانَ عَفْوُكَ لا يدركه ذو سرف ... فمن يَجُودُ عَلَى الْعَاصِينَ بِالْكَرَمِ
قَالَ: فَقَالَ أَبِي: يَا بُنَيَّ! أَمَا تَسْمَعُ صَوْتَ النَّادِبِ لِذَنْبِهِ الْمُسْتَقِيلِ لِرَبِّهِ؟ الْحَقْهُ فَلَعَلَّ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ.
فَخَرَجْتُ أَسْعَى حَوْلَ الْبَيْتِ أَطْلُبُهُ فَلَمْ أَجِدْهُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمَقَامِ وَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَقُلْتُ: أَجِبِ ابْنَ عَمِّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَوْجَزَ فِي صَلاتِهِ وَاتَّبَعَنِي.
стр. 212
فَأَتَيْتُ أَبِي فَقُلْتُ: هَذَا الرَّجُلُ يَا أَبَتِ.
فَقَالَ لَهُ أَبِي: مِمَّنِ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مِنَ الْعَرَبِ قَالَ: وَمَا اسْمُكَ؟ قَالَ: مُنَازِلُ بْنُ لاحِقٍ.
قَالَ: وَمَا شَأْنُكَ وَمَا قِصَّتُكَ؟ قَالَ: وَمَا قِصَّةُ مَنْ أَسْلَمَتْهُ ذُنُوبُهُ وَأَوْبَقَتْهُ عُيُوبُهُ فَهُوَ مُرْتَطِمٌ فِي بَحْرِ الْخَطَايَا.
فَقَالَ لَهُ أَبِي: عَلَيَّ ذَلِكَ فَاشْرَحْ لِي خَبَرَكَ.
قَالَ: كُنْتُ شَابًّا عَلَى اللَّهْوِ وَالطَّرَبِ لا أُفِيقُ عَنْهُ وَكَانَ لِي وَالِدٌ يَعِظُنِي كَثِيرًا وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ! احْذَرْ هَفَوَاتِ الشَّبَابِ وَعَثَرَاتِهِ فَإِنَّ لِلَّهِ سَطَوَاتٍ وَنَقَمَاتٍ مَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ وَكَانَ إِذَا أَلَحَّ عَلَيَّ بِالْمَوْعِظَةِ أَلْحَحْتُ عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ مِنَ الأَيَّامِ أَلَحَّ عَلَيَّ بِالْمَوْعِظَةِ فَأَوْجَعْتُهُ ضَرْبًا فَحَلَفَ بِاللَّهِ مُجْتَهِدًا لَيَأْتِيَنَّ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامِ فَيَتَعَلَّقُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَيَدْعُو عَلَيَّ فَخَرَجَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَيْتِ فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
يَا مَنْ إِلَيْهِ أَتَى الْحُجَّاجُ قَدْ قَطَعُوا ... عُرْضَ الْمَهَامِهِ مِنْ قُرْبٍ وَمِنْ بُعْدِ
إِنِّي أَتَيْتُكَ يَا مَنْ لا يُخَيِّبُ مَنْ ... يَدْعُوهُ مُبْتَهِلا بِالْوَاحِدِ الصَّمَدِ
هَذَا مُنَازِلٌ لا يَرْتَدُّ عَنْ عُقَقِي ... فَخُذْ بِحَقِّي يَا رَحْمَانُ مِنْ وَلَدِي
وشِلَّ مِنْهُ بِحَوْلٍ مِنْكَ جَانِبَهُ ... يَا مَنْ تَقَدَّسَ لَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَلِدِ
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا اسْتَتَمَّ كَلامَهُ حَتَّى نَزَلَ بِي مَا تَرَى ثُمَّ كَشَفَ عَنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ فَإِذَا هُوَ يَابِسٌ.
قَالَ: فَأُبْتُ وَرَجَعْتُ وَلَمْ أَزَلْ أَتَرَضَّاهُ وَأَخْضَعُ لَهُ وَأَسْأَلُهُ الْعَفْوَ عَنِّي إِلَى أَنْ أَجَابَنِي أَنْ يَدْعُوَ لِي فِي الْمَكَانِ الَّذِي دَعَا عَلَيَّ.
قَالَ: فَحَمَلْتُهُ عَلَى نَاقَةٍ عُشَرَاءَ وَخَرَجْتُ أَقْفُو أَثَرَهُ حَتَّى إِذَا صِرْنَا بِوَادِي الأَرَاكِ طَارَ طَائِرٌ مِنْ شَجَرَةٍ فَنَفَرَتِ النَّاقَةُ فَرَمَتْ بِهِ بَيْنَ أَحْجَارٍ فَرَضَخَتْ رأسه فمات فدفتنه هُنَاكَ وَأَقْبَلْتُ آيِسًا وَأَعْظَمُ مَا بِي مَا أَلْقَاهُ مِنَ التَّعْيِيرِ أَنِّي لا أُعْرَفُ إِلا بِالْمَأْخُوذِ بِعُقُوقِ وَالِدَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَبْشِرْ فَقَدْ أَتَاكَ الْغَوْثُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَمَرَهُ فَكَشَفَ عَنْ شِقِّهِ بِيَدِهِ وَدَعَا لَهُ مَرَّاتٍ يُرَدِّدُهُنَّ فَعَادَ صَحِيحًا كَمَا كَانَ.
وَقَالَ لَهُ أَبِي: لَوْلا أَنَّهُ قَدْ كَانَ سَبَقْتَ إِلَيْكَ مِنْ أَبِيكَ فِي الدُّعَاءِ لَكَ بِحَيْثُ دَعَا عَلَيْكَ لَمَا دَعَوْتُ لَكَ.
стр. 213
قَالَ الْحَسَنُ: وَكَانَ أَبِي يَقُولُ لَنَا: احْذَرُوا دُعَاءَ الْوَالِدَيْنِ! فَإِنَّ فِي دُعَائِهِمَا النَّمَاءُ وَالانْجِبَارُ وَالاسْتِئْصَالُ وَالْبَوَارُ.
стр. 214
٩٧ – [توبة امرأة من دومة الجندل عن عمل السحر]
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْمَعَالِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَخْبَرَكُمْ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَكْفَانِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَرْزَةَ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْفَقِيهُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ قَالَ: ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ثنا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ حدثني هشام ابن عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ:
قَدِمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ دُومَةِ الْجَنْدَلِ تَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ حَدَاثَةَ ذَلِكَ تَسْأَلُهُ عن شي دَخَلَتْ فِيهِ مِنْ أَمْرِ السِّحْرِ وَلَمْ تَعْمَلْ بِهِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ لِعُرْوَةَ: يَا ابْنَ أُخْتِي! فَرَأَيْتُهَا تَبْكِي حَتَّى إِنِّي لأَرْحَمُهَا تَقُولُ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ كَانَ لِي زَوْجٌ فَغَابَ عَنِّي فَدَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزٌ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: إِنْ فَعَلْتِ مَا آمُرِكِ بِهِ تَجْعَلِيهِ يَأْتِيكِ.
فَلَمَّا أَتَانَا اللَّيْلُ جَاءَتْنِي بِكَلْبَيْنِ أَسْوَدَيْنِ فَرَكِبْتُ أَحَدَهُمَا وَرَكِبَتِ الآخَرَ وَلَمْ يَكُنْ كَشَيْءٍ حَتَّى وَقَفْنَا بـ "بابل" فَإِذَا بِرَجُلَيْنِ مُعَلَّقَيْنِ بِأَرْجُلِهِمَا فَقَالا: مَا جَاءَ بِكِ؟ فَقُلْتُ: أَتَعَلَّمُ السِّحْرَ فَقَالا: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرِي وَارْجَعِي فَأَبَيْتُ وَقُلْتُ: لا.
قَالا: فَاذْهَبِي إِلَى ذَلِكَ التَّنُّورِ فَبُولِي فِيهِ.
فَذَهَبْتُ فَفَزَعْتُ فَلَمْ أَفْعَلْ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَقَالا: أَفَعَلْتِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقَالا: هَلْ رَأَيْتِ شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَمْ أَرَ شَيْئًا فَقَالا لَمْ تَفْعَلِي! ارْجِعِيِ إِلَى بَلَدِكِ وَلا تَكْفُرِي فَأَبَيْتُ فَقَالا: اذْهَبْيِ إِلَى ذَلِكَ التَّنُّورِ فَبُولِي فِيهِ.
ثُمَّ إِنِّي ذَهَبْتُ فَاقْشَعَرَّ جِلْدِي وَخُفْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ فَقَالا: مَا رَأَيْتِ؟ فَقُلْتُ: لَمْ أَرَ شَيْئًا فَقَالا: كَذَبْتِ لَمْ تَفْعَلِي فَارْجِعِي إِلَى بَلَدِكِ وَلا تَكْفُرِي فَإِنَّكِ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكِ.
فَذَهَبْتُ فَبُلْتُ فِيهِ فَرَأَيْتُ فَارِسًا مُتَقَنِّعًا بِحَدِيدٍ خَرَجَ مِنِّي فَذَهَبَ فِي السَّمَاءِ وَغَابَ عَنِّي حَتَّى مَا أَرَاهُ وَجِئْتُهُمَا فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ فَقَالا: مَا رَأَيْتِ؟
стр. 215
قُلْتُ: رَأَيْتُ فَارِسًا مُتَقَنِّعًا بِحَدِيدٍ خَرَجَ مِنِّي فَذَهَبَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى مَا أَرَاهُ.
فَقَالا: صَدَقْتِ! ذَلِكَ إِيمَانُكِ خَرَجَ مِنْكِ اذْهَبِي.
فَقُلْتُ لِلْمَرْأَةِ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ شَيْئًا وَمَا قَالا لِي شَيْئًا.
فَقَالَتْ: بَلَى! لَنْ تُرِيدِي شَيْئًا إِلا كَانَ خُذِي هَذَا الْقَمْحَ فَابْذُرِي فَبَذَرْتُ فَقُلْتُ: أَطْلَعِي فَأَطْلَعَتْ فَقُلْتُ: الْحَقِي فَلَحِقَتْ ثُمَّ قُلْتُ: افْرُكِي فَفَرَكَتْ فَقُلْتُ: ايْبِسِي فَيَبَسَتْ ثُمَّ قُلْتُ اطْحَنِي فَطَحَنَتْ ثُمَّ قُلْتُ: اخْبِزِي فَخَبَزَتْ.
فَلَمَّا رَأَيْتُ أَنِّي لا أُرِيدُ شَيْئًا إِلا كَانَ سَقَطَ فِي يَدِي وَنَدَمْتُ وَاللَّهِ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا فَعَلْتُ شَيْئًا قَطُّ وَلا أَفْعَلُهُ أَبَدًا فَسَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَاثَةَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمَ مُتَوَافِرُونَ فَمَا دَرَوْا مَا يَقُولُونَ لَهَا وَكُلُّهُمْ هَابَ وَخَافَ أَنْ يَفْتِيهَا بِمَا لا يَعْلَمُهُ إِلا أَنَّهُ قَدْ قَالَ لَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ - أَوْ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ -: لَوْ كَانَ أَبَوَاكِ حَيَّيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا.
قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: وَكَانَ هِشَامٌ يَقُولُ: إِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ وَرَعٍ وَخَشْيَةٍ مِنَ اللَّهِ وَبُعَدَاءَ مِنَ التَّكَلُّفِ وَالْجَرْأَةِ عَلَى اللَّهِ-.
ثُمَّ يَقُولُ هِشَامٌ: وَلَوْ جَاءَتْنَا مِثْلُهَا لَوَجَدَتْ نَوْكَى أَهْلَ حُمْقٍ وَتَكَلُّفٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
стр. 216
٩٨ – [توبة شاب عن اللهو واللعب]
أخبرنا الإمام أبو الحسن البطائحي قال: أنبأنا أبو طالب اليوسفي أنا الحسن بن علي التميمي قال: أنبأنا أبو بكر بن مالك قال: ثنا عبد الله بن أحمد حدثني هارون بن عبد الله ثنا ثابت البناني قال:
كان صلة بن أشيم يخرج إلى الجبان فيتعبد فيها فكان يمر على شباب يلهون ويلعبون قال: فيقول لهم: أخبروني عن قوم أرادوا سفرا فجازوا النهار عن الطريق وناموا الليل متى يقطعون سفرهم؟ قال: فكان كذلك يمر بهم ويعظهم قال: فمر بهم ذات يوم فقال لهم هذه المقالة فقال شاب منهم: يا قوم! إنه والله ما يعني بهذا غيرنا نحن بالنهار نلغو وبالليل ننام ثم اتبع صلة فلم يزل يختلف معه إلى الجبان ويتعبد معه حتى مات رحمهما الله.
стр. 217
٩٩ – [توبة شاب عن الانهماك في الدني ا]
أنبأنا الشيخ أبو الفرج قال: ثنا أبو بكر الصوفي قال: أنبأنا علي بن عبد الله قال: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن باكويه: قال ثنا إبراهيم بن محمد الفقيه المالكي قال: ثنا يوسف بن أحمد الواعظ قال: ثنا العباس بن محمد المطهري قال: ثنا الحسن بن أبي مريم العسكري حدثني جعفر بن سليمان قال:
مررت أنا ومالك بن دينار بالبصرة فبينا نحن ندور فيها مررنا بقصر يعمر وإذا شاب جالس ما رأيت أحسن وجها منه وإذا هو يأمر ببناء القصر ويقول: افعلوا واصنعوا.
فقال لي مالك: ما ترى إلى هذا الشاب وإلى حسن وجهه وحرصه على هذا البناء؟ ما أحوجني إلى أن أسأل ربي أن يخلصه فلعله يجعله من شباب الجنة! يا جعفر ادخل بنا إليه.
قال جعفر: فدخلنا فسلمنا فرد السلام ولم يعرف مالكا فلما عرفوه إياه قام إليه فقال: حاجة؟ قال: كم نويت أن تنفق على هذا القصر؟ قال: مائة ألف درهم.
قال: ألا تعطيني هذا المال فأضعه في حقه وأضمن لك على الله تعالى قصرا خيرا من هذا القصر بولدانه وخدمه وقبابه وخيمه من ياقوتة حمراء مرصع بالجواهر ترابه الزعفران وملاطه المسك أفيح من قصرك هذا لا يخرب لا تمسه يدان ولم يبنه بناء قال: له الجليل كن فكان؟.
قال: أجلني الليلة وبكر علي غدوة.
قال جعفر: فبات مالك وهو يفكر في الشاب فلما كان في وقت السحر دعا وأكثر من الدعاء.
فلما أصبحنا غدونا فإذا بالشاب جالس فلما عاين مالكا هش إليه ثم قال: ما تقول في ما قلت بالأمس؟ قال: تفعل؟ قال: نعم.
فأحضر البدر ودعا بدواة وقرطاس ثم كتب:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما ضمن مالك بن دينار لفلان بن فلان: إني ضمنت لك على الله قصرا بدل قصرك بصفته كما وصفت والزيادة على الله؛
стр. 218
واشتريت لك بهذا المال قصرا في الجنة أفيح من ظل ظليل بقرب العزيز الجليل ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الشاب وحملنا المال فما أمسى مالك وقد بقي عنده مقدار قوت ليلة.
فما أتى على الشاب أربعون ليلة حتى صلى مالك ذات يوم الغداة فلما انفتل فإذا بالكتاب في المحراب موضوع فأخذه مالك فنشره فإذا في ظهره مكتوب بلا مداد:
هذه براءة من الله العزيز الحكيم لمالك بن دينار: إنا وفينا الشاب القصر الذي ضمنت له وزيادة سبعين ضعفا.
قال: فبقي مالك متعجبا وأخذ الكتاب فقمنا فذهبنا إلى منزل الشاب فأقبلنا فإذا الباب مسود والبكاء في الدار فقلنا: ما فعل الشاب؟ قالوا: مات بالأمس.
فأحضرنا الغاسل فقلنا: أنت غسلته؟ قال: نعم قال مالك: فحدثنا كيف صنعت؟ قال: قال لي قبل الموت: إذا أنا مت وكفنتني اجعل هذا الكتاب بين كفني وبدني فجعلت الكتاب بين كفنه وبدنه ودفنته معه.
فأخرج مالك الكتاب فقال الغاسل: هذا الكتاب بعينه والذي قبضه لقد جعلته بين كفنه وبدنه بيدي.
قال: فكثر البكاء.
فقام شاب فقال: يا مالك! خذ مني مائتي ألف درهم واضمن لي مثل هذا.
قال: هيهات! كان ما كان وفات ما فات والله يحكم ما يريد! فكلما ذكر مالك الشاب بكى ودعا له.
стр. 219
١٠٠ – [توبة جندي صاحب قصر عن الغناء والملاهي]
قال ابن باكويه: حدثنا عبد الواحد بن بكر ثنا محمد بن داود الدينوري قال: سمعت أبا إسحاق الهروي يقول:
كنت مع ابن الخيوطي بالبصرة فأخذ بيدي وقال: قم حتى نخرج إلى "الأبلة" فلما قربنا إلى "الأبلة" ونحن نمشي على شاطىء "الأبلة" في الليل والقمر طالع مررنا بقصر لجندي فيه جارية تضرب بالعود وفي جانب القصر في ظل القمر فقير بخرقتين.
стр. 220
فسمع الفقير الجارية وهي تقول:
كل يوم تتلون ... غير هذا بك أجمل
فصاح الفقير وقال: أعيديه فهذا حالي مع الله تعالى.
قال: فنظر صاحب الجارية إلى الفقير فقال لها: اتركي العود وأقبلي عليه فإنه صوفي فأخذت تقول والفقير يقول: هذا حالي مع الله والجارية تردد إلى أن صاح الفقير صيحة وخر مغشيا عليه فحركناه فإذا هو ميت.
فلما سمع صاحب القصر بموته نزل فأدخله إلى القصر واغتممنا وقلنا: هذا يكفنه من غير وجهه فصعد الجندي وكسر كل ما كان بين يديه فقلنا: ما بعد هذا إلا خير.
ومضينا إلى "الأبلة" فبتنا وأعلمنا الناس فلما أصبحنا رجعنا إلى القصر وإذا الناس مقبلون من كل وجه إلى الجنازة كأنما نودي في البصرة حتى خرج القضاة والعدول وغيرهم.
وإذا الجندي يمشي خلف الجنازة حافيا حاسرا حتى دفن فلما هم الناس بالانصراف قال: الجندي للقاضي والشهود: اشهدوا أن كل جارية لي حرة لوجه الله تعالى وكل ضياعي وعقاري حبيس في سبيل الله ولي في صندوق أربعة آلاف دينار وهي في سبيل الله.
ثم نزع الثوب الذي كان عليه فرمى به وبقي في سراويله.
فقال القاضي: عندي مئزران من وجههما تقبلهما؟ فقال: شأنك فأخذهما فاتزر بواحد واتشح بالآخر وهام على وجهه.
فكان بكاء الناس عليه أكثر منه على الميت.
стр. 221
١٠١ – [توبة رجل من أعوان السلطان عن الفواحش]
وحكي عن مالك بن دينار قال:
كان لي جار يتعاطى الفواحش فأتى إلي الجيران يشكون منه فأحضرناه وقلنا له: إن الجيران يشكونك فسبيلك أن تخرج من المحلة فقال: أنا في منزلي لا أخرج قلنا: تبيع دارك! قال: لا أبيع ملكي قلنا: نشكوك إلى السلطان قال: أنا من أعوانه قلنا: ندعو الله عليك قال: الله أرحم بي منكم.
стр. 222
قال: فلما أمسينا قمت وصليت ودعوت عليه فهتف بي هاتف: لا تدع عليه فإنه من أولياء الله تعالى.
فجئت إلى باب داره ودققت الباب فخرج فظن أني جئت لأخرجه من المحلة فتكلم كالمعتذر.
فقلت: ما جئت لهذا ولكن رأيت كذا وكذا فوقع عليه البكاء وقال: إني تبت بعد ما كان هذا ثم خرج من البلد فلم أره بعد ذلك.
واتفق أني خرجت إلى الحج فرأيت في المسجد الحرام حلقة فتقدمت إليهم فرأيته مطروحا عليلا فلم ألبث أن قالوا مات الشاب ﵀.
стр. 223
١٠٢ – [توبة فتى من الأزدكان عن التأنث والتخنث]
أخبرنا أبو طالب المبارك بن علي الصيرفي أنا أبو غالب شجاع بن فارس الذهلي أنا أبو بكر الخياط قال: أنا أحمد بن محمد بن دوست قال: أنبأنا الحسين ين صفوان قال: أنبأنا أحمد بن محمد قال: أنبأنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: وحدثت عن محمد بن الحسين عن يحيى بن راشد ثنا رجاء بن ميسور المجاشعي قال:
كنا في مجلس صالح المري وهو يتكلم. فقال لفتى بين يديه اقرأ يا فتى فقرأ الفتى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [المؤمن: ١٨] . فقطع صالح عليه القراءة وقال: كيف يكون لظالم حميم أو شفيع والمطالب له رب العالمين؟ إنك والله لو رأيت الظالمين وأهل المعاصي يساقون في السلاسل والأنكال إلى الجحيم حفاة عراة مسودة وجوههم مزرقة عيونهم ذائبة أجسادهم ينادون: يا ويلنا يا ثبورنا! ماذا نزل بنا؟ ماذا حل بنا؟ أين يذهب بنا؟ ماذا يراد منا؟ والملائكة تسوقهم بمقامع النيران فمرة يجرون على وجوههم ويسحبون عليها منكبين ومرة يقادون إليها مقرنين من بين باك دما بعد انقطاع الدموع ومن بين صارخ طائر القلب مبهوت - إنك والله لو رأيتهم على ذلك لرأيت منظرا لا يقوم له بصرك ولا يثبت له قلبك ولا تستقر لفظاعة هوله على قرار قدمك.
ثم نحب وصاح: يا سوء منظراه! يا سوء منقلباه! وبكى وبكى الناس فقام فتى من الأزدكان به تأنيث فقال: أكل هذا في القيامة يا أبا بشر؟.
стр. 224
قال: نعم والله يا ابن أخي وما هو أكثر! لقد بلغني أنهم يصرخون في النار حتى تنقطع أصواتهم فما يبقى منهم إلا كهيئة الأنين من المدنف.
فصاح الفتى: إنا لله! واغفلتاه عن نفسي أيام الحياة واأسفا على تفريطي في طاعتك يا سيداه! واأسفا على تضييعي عمري في دار الدنيا! ثم بكى واستقبل القبلة فقال: اللهم! إني أستقبلك في يومي هذا بتوبة لا يخالطها رياء لغيرك اللهم فاقبلني على ما كان في واعف عما تقدم من فعلي وأقلني عثرتي وارحمني ومن حضرني وتفضل علينا بجودك وكرمك يا أرحم الراحمين لك ألقيت معاقد الآثام من عنقي وإليك أنبت بجميع جوارحي صادقا لذلك قلبي فالويل لي إن لم تقبلني.
ثم غلب فسقط مغشيا عليه فحمل من بين القوم صريعا فمكث صالح وإخوته يعودونه أياما ثم مات - والحمد لله - فحضره خلق كثير يبكون عليه ويدعون له.
فكان صالح كثيرا ما يذكره في مجلسه فيقول: بأبي قتيل القرآن وبأبي قتيل المواعظ والأحزان.
قال: فرآه رجل في منامه قال: ما صنعت؟ قال: عمتني بركة مجلس صالح فدخلت في سعة رحمة الله التي وسعت كل شيء.
стр. 225
١٠٣ – [توبة امرأة وهي تطوف حول الكعبة]
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال: أنبأنا علي بن محمد الخطيب الأنباري قال: أنبأنا أبو الحسين بن بشران قال: أنبأنا الحسين بن صفوان قال: أنبأنا ابن أبي الدنيا ثنا سعيد بن سليمان الواسطي عن محمد بن يزيد بن خنيس قال: قال وهيب بن الورد:
بينما امرأة في الطواف ذات يوم وهي تقول: يا رب! ذهبت اللذات وبقيت التبعات يا رب! سبحانك وعزتك إنك أرحم الراحمين يا رب! ما لك عقوبة إلا النار.
فقالت صاحبة لها كانت معها: أخية دخلت بيت ربك اليوم؟.
فقالت: والله ما أرى هاتين القدمين أهلا للطواف حول بيت ربي فكيف أراهما أهلا أطأ بهما بيت ربي وقد علمت حيث مشتا وأين مشتا؟
стр. 226
١٠٤ – [توبة رجل عما جنت يداه]
أخبرنا أبو الفضل مسعود بن عبيد الله بن النادر قال: أنا أبو سعد أحمد بن محمد البغدادي قال: أنبأنا أبو العباس أحمد بن محمد الظهراني وعبد الوهاب بن مندة قالا: أنبأنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يوه قال: أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمر البناني قال: أنبأنا عبد الله بن محمد قال: كتب إلي أبو عبد الله الباهلي قال: أنبأنا عبد الله بن محمد عن إبراهيم بن الحارث قال:
كان رجل كثير البكاء فقيل له في ذلك فقال: أبكاني تذكري ما جنيت على نفسي حين لم أستحي ممن شاهدني وهو يملك عقوبتي فأخرني إلى يوم العقوبة الدائمة وأجلني إلى يوم الحسرة الباقية والله لو خيرت: أيما أحب إليك تحاسب ثم يؤمر بك إلى الجنة؟ أو يقال لك: كن ترابا؟ - لاخترت أن أكون ترابا.
стр. 227
١٠٥ – [توبة ملهي أهل المدينة عن اللهو على يد والدته]
ومن "الملتقط": قال: صالح بن عمر: وحدثني أبي قال: كان بالمدينة امرأة متعبدة ولها ولد يلهو وهو ملهي أهل المدينة وكانت تعظه وتقول: يا بني! اذكر مصارع الغافلين قبلك وعواقب البطالين قبلك اذكر نزول الموت فيقول إذا ألحت عليه:
كفي عن التعذال واللوم ... واستيقظي من سنة النوم
إني وإن تابعت في لذتي ... قلبي وعاصيتك في لومي
أرجو من أفضاله توبة ... تنقل من قوم إلى قوم
فلم يزل كذلك حتى قدم أبو عامر البناني واعظ أهل الحجاز ووافق قدومه رمضان فسأله إخوانه أن يجلس لهم في مسجد رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فأجابهم.
وجلس ليلة الجمعة بعد انقضاء التراويح واجتمع الناس وجاء الفتى فجلس مع القوم فلم يزل أبو عامر يعظ وينذر ويبشر إلى أن ماتت القلوب
стр. 228
فرقا واشتاقت النفوس إلى الجنة فوقعت الموعظة في قلب الغلام فتغير لونه ثم نهض إلى أمه فبكى عندها طويلا ثم قال:
زممت للتوبة أجمالي ... ورحت قد طاوعت عذالي
وأبت والتوبة قد فتحت ... من كل عضو لي أقفالي
لما حدا الحادي بقلبي إلى ... طاعة ربي فك أغلالي
أجبته لبيك من موقظ ... نبه بالتذكار أغفالي
يا أم هل يقبلني سيدي ... على الذي قد كان من حالي؟
واسوءتا إن ردني خائبا ... ربي ولم يرض بإقبالي!
ثم شمر في العبادة وجد وكان لا يفطر إلا بعد التراويح ولا ينام إلا بعد طلوع الشمس.
فقربت إليه أمه ليلة إفطاره فامتنع وقال: أجد ألم الحمى فأظن أن الأجل قد أزف ثم فزع إلى محرابه ولسانه لا يفتر من الذكر فبقي أربعة أيام على تلك الحال.
ثم استقبل القبلة يوما وقال: إلهي عصيتك قويا وأطعتك ضعيفا وأسخطتك جلدا وخدمتك نحيفا فليت شعري هل قبلتني؟ ثم سقط مغشيا عليه فانشج وجهه.
فقامت إليه أمه فقالت: يا ثمرة فؤادي وقرة عيني رد جوابي.
فأفاق فقال: يا أماه! هذا اليوم الذي كنت تحذريني وهذا الوقت الذي كنت تخوفيني فيا أسفي على الأيام الخوالي يا أماه! إني خائف على نفسي أن يطول في النار حبسي بالله عليك يا أماه قومى فضعي رجلك على خدي حتى أذوق طعم الذل لعله يرحمني ففعلت وهو يقول: هذا جزاء من أساء ثم مات ﵀.
قالت أمه: فرأيته في المنام ليلة الجمعة وكأنه القمر فقلت: يا ولدي! ما فعل الله بك؟ فقال: خيرا رفع درجتي.
قلت: فما كنت تقول قبل موتك؟ قال: هتف بي هاتف: أجب الرحمن! فأجبت.
قلت: فما فعل أبو عامر؟ فقال: هيهات! أين نحن من أبي عامر؟
стр. 229
حل أبو عامر في قبة ... وطدها ذو العرش للناس
بين جوار كالدمى خرد ... يسقينه بالكاس والطاس
يقلن بالترخيم خذها فقد ... هنيتها يا واعظ الناس
стр. 230
١٠٦ – [توبة دينار العيار عن المعاصي على يد والدته]
وروي أن رجلا كان يعرف بدينار العيار كانت له والدة تعظه ولا يتعظ فمر في بعض الأيام بمقبرة كثيرة العظام فأخذ منها عظما نخرا فانفت في يده ففكر في نفسه: وقال لنفسه: ويحك! كأني بك غدا قد صار عظمك هكذا رفاتا والجسم ترابا وأنا اليوم أقدم على المعاصي فندم وعزم على التوبة ورفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي! إليك ألقيت مقاليد أمري فاقبلني وارحمني.
ثم مضى نحو أمه متغير اللون منكسر القلب فقال: يا أماه! ما يصنع بالعبد الآبق إذا أخذه سيده؟ فقالت: يخشن ملبسه ومطعمه ويغل يده وقدمه.
فقال: أريد جبة من صوف وأقراصا من شعير وتفعلين بي كما يفعل بالآبق لعل مولاي يرى ذلي فيرحمني ففعلت ما طلب.
فكان إذا جنه الليل أخذ في البكاء والعويل ويقول لنفسه: ويحك يا دينار! ألك قوة على النار؟ كيف تعرضت لغضب الجبار؟ وكذلك إلى الصباح.
فقالت له أمه في بعض الليالي: ارفق بنفسك فقال: دعيني أتعب قليلا لعلي أستريح طويلا يا أمي! إن لي موقفا طويلا بين يدي رب جليل ولا أدري أيؤمر بي إلى الظل الظليل أو إلى شر مقيل إني أخاف عناء لا راحة بعده وتوبيخا لا عفو معه.
قالت: فاسترح قليلا فقال: الراحة أطلب؟ أتضمنين لي الخلاص؟.
قالت: فمن يضمنه لي؟.
قال: فدعيني وما أنا عليه كأنك يا أماه غدا بالخلائق يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار.
فمرت به في بعض الليالي في قراءته ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: - ٩٢ – ٩٣] . ففكر فيها وبكى وجعل يضطرب كالحية حتى خر مغشيا عليه فجاءت أمه إليه ونادته فلم يجبها فقالت: قرة عيني
стр. 231
أين الملتقى؟ فقال بصوت ضعيف: إن لم تجديني في عرصة القيامة فاسألي مالكا عني ثم شهق شهقة مات فيها.
فجهزته وغسلته وخرجت تنادي: أيها الناس! هلموا إلى الصلاة على قتيل النار! فجاء الناس فلم ير أكثر جمعا ولا أغزر دمعا من ذلك اليوم.
стр. 232
١٠٧ – [توبة رجل عن حب جاريته المغنية التي شغلته عن الله]
وقال علي بن الحسين: كان لنا جار من المتعبدين قد برز في الاجتهاد فصلى حتى تورمت قدماه وبكى حتى مرضت عيناه فاجتمع إليه أهله وجيرانه فسألوه أن يتزوج.
فاشترى جارية - وكانت تغني وهو لا يعلم - فبينا هو ذات يوم في محرابه يصلي رفعت الجارية صوتها بالغناء فطار لبه فرام ما كان عليه من العبادة فلم يطق.
فأقبلت الجارية عليه فقالت: يا مولاي! لقد أبليت شبابك ورفضت لذات الدنيا أيام حياتك فلو تمتعت بي! فمال إلى قولها واشتغل باللذات عما كان فيه من التعبد.
فبلغ ذلك أخا له كان يوافقه على العبادة فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم من الناصح الشفيق والطبيب الرفيق إلى من سلب حلاوة الذكر والتلذذ بالقرآن والخشوع والأحزان بلغني أنك اشتريت جارية بعت بها من الآخرة حظك فإن كنت بعت الجزيل بالقليل والقرآن بالقيان فإني محذرك هادم اللذات ومنغص الشهوات وموتم الأولاد فكأنه قد جاء على غرة فأبكم منك اللسان وهدم منك الأركان وقرب منك الأكفان واحتوشك الأهل والجيران وأحذرك من الصيحة إذا جثت الأمم لهول ملك جبار فاحذر يا أخي ما يحل بك من ملك غضبان ثم طوى الكتاب وأنفذه إليه فوافاه الكتاب وهو في مجلس سروره فغص بريقه وأذهله ذلك فنهض مبادرا من مجلس سروره وكسر آنيته وهجر جاريته وآلى أن لا يطعم الطعام ولا يتوسد المنام.
стр. 233
قال الذي وعظه: فلما مات رأيته في المنام بعد ثلاث فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: قدمنا على رب كريم أباحنا الجنة. وقال:
الله عوضني ذو العرش جارية ... حوراء تسقيني طورا وتهنيني
تقول لي اشرب بما قد كنت تأملني ... وقر عينا مع الولدان والعيين
يا من تخلى عن الدنيا وأزعجه ... عن الخطايا وعيد في الطواسين
стр. 234
١٠٨ – [توبة شاب وامرأته على يد سري السقطي]
وعن سري السقطي قال: كنت يوما أتكلم بجامع المدينة فوقف علي شاب حسن الشباب فاخر الثياب ومعه أصحابه فسمعني أقول في وعظي: عجبا لضعيف يعصي قويا فتغير لونه وانصرف.
فلما كان من الغد جلست في مجلسي وإذا بالفتى قد أقبل فسلم وصلى ركعتين وقال: يا سري! سمعتك بالأمس تقول: عجبا لضعيف يعصي قويا! فما معناه؟ فقلت: لا أقوى من الله ولا أضعف من العبد وهو يعصيه فنهض فخرج.
ثم أقبل من الغد وعليه ثوبان أبيضان وليس معه أحد فقال: يا سري كيف الطريق إلى الله؟ فقلت: إن أردت العبادة فعليك بصيام النهار وقيام الليل وإن أردت الله فاترك كل شيء سواه تصل إليه وليس إلا المساجد والخراب والمقابر فقام وهو يقول: والله لا سلكت إلا أصعب الطرق وولى خارجا.
فلما كان بعد أيام أقبل إلي غلمان كثير فقالوا: ما فعل أحمد بن يزيد الكاتب؟ فقلت: لا أعرفه إلا أن رجلا جاءني من صفته كذا وكذا فجرى لي معه كذا وكذا ولا أعلم حاله فقالوا: نقسم عليك بالله متى عرفت حاله فعرفنا ودلوني على داره.
فبقيت سنة لا أعرف له خبرا فبينا أنا ذات ليلة بعد عشاء الآخرة جالسا في بيتي إذا بطارق يطرق الباب فأذنت له بالدخول فإذا بالفتى عليه قطعة من كساء في وسطه وأخرى على عاتقه ومعه زنبيل فيه نوى فقبل بين عيني وقال لي: يا سري! أعتقك الله من النار كما أعتقتني من رق الدنيا.
فأومأت إلى صاحبي أن امض إلى أهله فأخبرهم فمضى وإذا بزوجته قد
стр. 235
جاءت ومعها ولده وغلمانه فدخلت وألقت ولده في حجره وعليه حلي وحلل وقالت له: يا سيدي! أرملتني وأنت حي وأيتمت ولدك وأنت حي.
قال سري: فنظر إلي وقال: يا سري! ما هذا وفاء ثم أقبل عليها فقال: والله إنك لثمرة فؤادي وحبيبة قلبي وإن هذا ولدي لأعز الخلق علي غير أن هذا سري أخبرني أن من أراد الله قطع كل ما سواه.
ثم نزع ما على الصبي فقال: ضعي هذا في الأكباد الجائعة والأجساد العارية وخرق قطعة من كسائه فلف فيها الصبي فقالت المرأة: لا أرى ولدي في هذه الحال! وانتزعته منه فحين رآها قد اشتغلت به نهض وقال: ضيعتم علي ليلتي بيني وبينكم الله وولى خارجا وضجت الدار بالبكاء فقالت: إن عدت سمعت له خبرا فأعلمني فقلت: نعم.
فلما كان بعد أيام أتت عجوز فقالت: يا سري! بالشونيزية غلام يسألك الحضور فمضيت فإذا به مطروح في تربة تحت رأسه لبنة فسلمت عليه ففتح عينيه وقال: يا سري! ترى تغفر تلك الجنايات؟ فقلت: نعم قال: يغفر لمثلي؟ قلت نعم قال: أنا غريق! قلت: هو منجي الغرقى فقال: علي مظالم فقلت في الخبر أنه يؤتى بالتائب يوم القيامة معه خصومه فيقال لهم: خلوا عنه فإن الله تعالى يعوضكم.
فقال: يا سري! معي دراهم من لقط النوى إذا أنا مت فاشتر لي ما أحتاج إليه وكفني ولا تعلم أهلي لئلا يغيروا كفني بحرام.
قال سري: فجلست عنده قليلا ففتح عينيه فقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ثم مات.
فأخذت الدراهم وجئت فاشتريت ما يحتاج إليه وسرت نحوه فإذا الناس يهرعون فقلت: ما الخبر؟ فقيل: مات ولي من أولياء الله نريد أن نصلي عليه فجئت فغسلته ودفناه.
فلما كان بعد مدة نفذ أهله يستعلمون خبره فأخبرتهم بموته فأقبلت امرأته باكية فأخبرتها بحاله فسألتني أن أريها قبره فقلت: أخاف أن تغيروا أكفانه قالت: لا والله! فأريتها القبر فبكت وأمرت بإحضار شاهدين فأحضرتهما وأعتقت جواريها وأوقفت عقارها وتصدقت بمالها ولزمت قبره حتى ماتت.
стр. 236
١٠٩ – [توبة امرأة بارعة الجمال أرادت أن تفتن الربيع بن خيثم]
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال: أنبأنا جعفر بن أحمد قال: أنا أحمد ابن علي قال: أنا محمد بن عبد الله الدقاق قال: أنا الحسين بن صفوان قال: أنا عبد الله بن محمد حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال: أنبأنا أبو القاسم محرز الجلاب قال: حدثني سعدان قال:
أمر قوم امرأة ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خيثم لعلها تفتنه وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه ثم تعرضت له حين خرج من مسجده فنظر إليها فراعه أمرها فأقبت عليه وهي سافرة فقال لها الربيع: كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك؟ أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت فقطع منك حبل الوتين أم كيف بك لو سألك منكر ونكير؟ فصرخت صرخة فسقطت مغشيا عليها فوالله لقد أفاقت وبلغت من عبادة ربها ما أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع محترق.
стр. 237
١١٠ – [توبة جار لأحمد بن حنبل]
حدثنا الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي أنا الحافظ أبو الفضل بن ناصر أنا أَبُو طَالِبٍ الْيُوسُفِيُّ أنا أَبُو إسحاق البرمكي أنا أبو عبد الله بن بطة قال: حدثني أبو بكر الآجري قال: سمعت ابن أبي الطيب يقول: حدثنا جعفر الصائغ قال:
كان في جيران أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رجل ممن يمارس المعاصي والقاذورات فجاء يوما إلى مجلس أحمد يسلم عليه فكأن أحمد لم يرد عليه ردا تاما وانقبض منه.
فقال له: يا أبا عبد الله! لم تنقبض مني؟ فإني قد انتقلت عما كنت تعهدني برؤيا رأيتها.
قال: وأي شيء رأيت؟.
стр. 238
قال: رأيت النبي ﷺ في النوم كأنه على علو من الأرض وناس كثير أسفل جلوس قال: فيقوم رجل رجل منهم إليه فيقول: ادع لي! فيدعو له حتى لم يبق من القوم غيري.
قال: فأردت أن أقوم فاستحيت من قبيح ما كنت عليه.
قال لي: يا فلان! لم لا تقوم إلي فتسألني أدعو لك؟ قال: قلت: يا رسول الله! يقطعني الحياء لقبيح ما أنا عليه فقال: إن كان يقطعك الحياء فقم فسلني أدع لك فإنك لا تسب أحدا من أصحابي قال: فقمت فدعا لي فانتبهت وقد بغض الله إلي ما كنت عليه.
قال: فقال لنا أبو عبد الله: يا جعفر! يا فلان حدثوا بهذا واحفظوه فإنه ينفع.
стр. 239
١١١ – [توبة أبي عمر بن علوان عن نظره إلى امرأة]
أنبأنا الإمام العلامة أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي أخبر عبد الرحمن بن محمد القزاز أنا أحمد بن علي بن ثابت قال: حدثني محمد بن الحسن الساحلي أنا عمار بن عبد الله الصوفي قال: سمعت محمد بن حماد الرحبي يقول: سمعت أبا عمرو بن علوان يقول:
خرجت يوما في حاجة فرأيت جنازة فتبعتها لأصلي عليها ووقفت في جملة الناس حتى تدفن فوقعت عيني على امرأة مسفرة من غير تعمد فلمحت بالنظر واسترجعت واستغفرت الله تعالى وعدت إلى منزلي.
فقالت لي عجوز: يا سيدي! مالي أرى وجهك أسود؟ فأخذت المرآة فنظرت فإذا وجهي أسود فرجعت إلى سري أنظر من أين دهيت فذكرت النظرة فانفردت في موضع أستغفر الله تعالى وأسأله الإقالة أربعين يوما. فخطر في قلبي أن زر شيخك الجنيد فانحدرت إلى بغداد فلما جئت الحجرة التي هو فيها طرقت الباب فقال: ادخل يا أبا عمرو! تذنب بالرحبة ويستغفر لك ببغداد.
стр. 240
١١٢ – [توبة فتى شاب وجارية جميلة أحب كل منهما الآخر]
أخبرنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف أنا أبو الحسن علي بن محمد بْنُ الْعَلافِ أنَا أَبُو الْقَاسِمِ عبد الملك بن محمد بن بشران الواعظ ثنا أبو العباس أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْكِنْدِيُّ أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بن جعفر بن سهل السامري أنا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد عن ابن أبي كامل عن إسحاق بن إبراهيم عن رجاء بن عمر النخعي قال:
كان بالكوفة فتى جميل الوجه شديد التعبد والاجتهاد وكان أحد الزهاد فنزل في جوار قوم من النخع فنظر إلى جارية منهم جميلة فهويها وهام بها عقله ونزل بها مثل الذي نزل به.
فأرسل يخطبها من أبيها فأخبره أبوها أنها مسماة لابن عم لها.
واشتد عليهما ما يقاسيان من ألم الهوى فأرسلت إليه الجارية: قد بلغني شدة محبتك لي وقد اشتد بلائي بك لذلك مع وجدي بك فإن شئت زرتك وإن شئت سهلت لك أن تأتيني إلى منزلي.
فقال للرسول: لا واحدة من هاتين الخصلتين ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] أخاف نارا لا يخبو سعيرها ولا يخمد لهبها.
فلما انصرف الرسول إليها فأبلغها ما قال قالت: وأراه مع هذا زاهدا يخاف الله تعالى والله ما أحد أحق بهذا من أحد وإن العباد فيه لمشتركون.
ثم انخلعت من الدنيا وألقت علائقها خلف ظهرها ولبست المسوح وجعلت تعبد وهي مع ذلك تذوب وتنحل حبا للفتى وأسفا عليه حتى ماتت شوقا إليه.
فكان الفتى يأتي قبرها فرآها في منامه وكأنها في أحسن منظر فقال: كيف أنت وما لقيت بعدي؟ فقالت:
نعم المحبة يا حبيبي حبكا ... حب يقود إلى خير وإحسان
فقال على ذلك: إلى ما صرت؟ فقالت:
إلى نعيم وعيش لا زوال له ... في جنة الخلد ملك ليس بالفاني
стр. 241
فقال لها: اذكريني هناك فإني لست أنساك. فقالت: ولا أنا والله أنساك ولقد سألتك ربي مولاي ومولاك فأعانني على ذلك بالاجتهاد ثم ولت مدبرة فقلت لها: متى أراك؟ قالت: ستأتينا عن قريب فلم يعش الفتى بعد الرؤيا إلا سبع ليال حتى مات رحمهما الله.
стр. 242
١١٣ – [توبة رجل عن الشراب والعود بسماع آيات من القرآن]
أنبأنا الشيخ أبو الفرج أنا الحافظ أبو الفضل بن ناصر أنا محمد بن أبي نصر الحميدي قال: أنا محمد بن سلامة القصاعي قال: أنا محمد بن أحمد الكاتب قال: أنا أبو مسلم قال: أنا محمد بن الحسين بن دريد قال: أخبرنا الحسن بن خضر: أخبرني رجل من أهل بغداد عن أبي هاشم المذكر قال:
أردت البصرة فجئت إلى سفينة أكتريها وفيها رجل ومعه جارية فقال الرجل: ليس هاهنا موضع فسألته الجارية أن يحملني فحملني.
فلما سرنا دعا الرجل بالغداء فوضع فقال: أنزلوا ذلك المسكين ليتغدى فأنزلت على أني مسكين فلما تغدينا قال: يا جارية! هاتي شرابك فشرب وأمرها أن تسقيني فقلت: رحمك الله! إن للضيف حقا فتركني.
فلما دب في النبيذ قال: يا جارية! هاتي العود وهاتي ما عندك فأخذت العود وغنت تقول:
وكنا كغصني بانة ليس واحد ... يزول على الخلان عن رأي واحد
تبدل بي خلا فخاللت غيره ... وخليته لما أراد تباعدي
فلو أن كفي لم تردني أبنتها ... ولم يصطحبها بعد ذلك ساعدي
ألا قبح الرحمن كل مماذق ... يكون أخا في الخفض لا في الشدائد
ثم التفت إلي فقال: أتحسن مثل هذا؟ فقلت: أحسن خيرا منه فقرأت: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ, وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ, وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ التكوير: ١ – ٣] فجعل الشيخ يبكي فلما انتهيت إلى قوله: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] قال: الشيخ: يا جارية! اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى وألقى ما معه من الشراب في الماء وكسر العود ثم دنا إلي فاعتنقني وقال: يا أخي! أترى الله
стр. 243
يقبل توبتي؟ فقلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
قال: فواخيته بعد ذلك أربعين سنة حتى مات قبلي فرأيته في المنام فقلت له: إلى م صرت؟ قال: إلى الجنة قلت: بم صرت إلى الجنة؟ قال: بقراءتك علي: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] .
стр. 244
١١٤ – [توبة شيخ مهلبي وجاريته عن الشراب والضرب بالعود]
أخبرنا الإمام الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني إجازة قال: أنا أبو الفتح عبد الرزاق بن محمد الشرابي قال: أنا سعيد بن محمد بن سعيد الولي أنا علي بن أحمد الواقدي أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي قال: أخبرني أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الغازي قال: أخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني ثنا الحسن بن محمد البلخي ثنا أحمد بن الليث ثنا عمر بن محمد ثنا أبو عياش الخولاني قال: حدثني صالح بن عبد الله الخزاز حدثني إسماعيل بن عبد الله الخزاعي قال:
قدم رجل من المهالبة من البصرة أيام البرامكة في حوائج له فلما فرغ منها انحدر إلى البصرة ومعه غلام له وجارية فلما صار في دجلة إذا بفتى على ساحل دجلة عليه جبة صوف وبيده عكازة ومزود قال: فسأل الملاح أن يحمله إلى البصرة ويأخذ منه الكراء.
قال: فأشرف الشيخ المهلبي فلما رآه رق له فقال للملاح: قرب واحمله معك على الظلال فحمله.
فلما كان في وقت الغداء دعا الشيخ بالسفرة وقال للملاح: قل للفتى ينزل إلينا فأبى عليه فلم يزل يطلب إليه حتى نزل فأكلوا حتى إذا فرغوا ذهب الفتى ليقوم فمنعه الشيخ حتى توضؤوا ثم دعا بزكرة فيها شراب فشرب قدحا ثم سقى الجارية ثم عرض على الفتى فأبى وقال: أحب أن تعفيني قال: قد أعفيناك اجلس معنا.
وسقى الجارية وقال: هاتي ما عندك فأخرجت عودا لها في كيس فهيأته وأصلحته ثم أخذت فغنت.
فقال: يا فتى! تحسن مثل هذا؟.
قال: أحسن ما هو أحسن من هذا فافتتح الفتى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
стр. 245
الرَّحِيمِ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٧, ٧٨] كان الفتى حسن الصوت.
قال: فرج الشيخ بالقدح في الماء وقال: أشهد أن هذا أحسن مما سمعت! فهل غير هذا؟ قال: نعم ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: ٢٩] .
قال: فوقعت من قلب الشيخ موقعا. قال: فأمر بالزكرة فرمى بها وأخذ العود فكسره.
ثم قال: يا فتى! هل هاهنا فرج؟ قال: نعم ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] قال: فصاح الشيخ صيحة خر مغشيا عليه فنظروا فإذا الشيخ قد ذاق الموت وقد قاربوا البصرة قال: فضج القوم بالصراخ واجتمع الناس - وكان رجلا من المهالبة معروفا - فحمل إلى منزله فما رأيت جنازة كانت أكثر جمعا منها.
قال: فبلغني أن الجارية المغنية تدرعت الشعر وفوق الشعر جبة صوف وجعلت تقوم الليل وتصوم النهار فمكثت بعده أربعين ليلة ثم مرت بهذه الآية في بعض الليالي: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: ٢٩] .
قال: فأصبحوا فأصابوها ميتة.
стр. 246
١١٥ – [توبة أعرابي لسماع آية من القرآن]
قال الثعلبي: وحدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن بن جعفر المذكر ثنا الحاكم أبو محمد يحيى بن منصور ثنا أبو رجاء محمد بن أحمد القاضي ثنا أبو الفضل العباس بن أبي الفرج الرياشي قال سمعت الأصمعي يقول:
стр. 247
أقبلت ذات يوم من المسجد الجامع بالبصرة فبينا أنا في بعض سككها إذ طلع أعرابي جلف جاف على قعود له متقلد سيفه وبيده قوس فدنا وسلم وقال لي: ممن الرجل؟ قلت: من بني الأصمع قال: أنت الأصمعي؟ قلت: نعم.
قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن قال: وللرحمن كلام يتلوه الآدميون؟! قلت: نعم.
قال: اتل علي شيئا منه فقلت له: انزل عن قعودك فنزل وابتدأت بسورة الذاريات.
فلما انتهيت إلى قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] قال: يا أصمعي هذا كلام الرحمن؟ قلت: إي والذي بعث محمدا بالحق إنه لكلامه أنزله على نبيه محمد ﷺ ! فقال لي: حسبك! ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها وقال: أعني على تفريقها ففرقناها على من أقبل وأدبر.
ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وجعلهما تحت الرحل وولى مدبرا نحو البادية وهو يقول: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] .
فأقبلت على نفسي باللوم وقلت: لم تنتبه لما انتبه له الأعرابي فلما حججت مع الرشيد دخلت مكة فبينا أنا أطوف بالكعبة إذ هتف بي هاتف بصوت دقيق فالتفت فإذا أنا بالأعرابي نحيلا مصفارا فسلم علي وأخذ بيدي وأجلسني من وراء المقام وقال لي: اتل كلام الرحمن فأخذت في سورة الذاريات فلما انتهيت إلى قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] . صاح الأعرابي: وجدنا ما وعدنا ربنا حقا. ً
ثم قال: وهل غير هذا؟ قلت: نعم يقول الله – ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] . فصاح الأعرابي وقال: يا سبحان الله من الذي أغضب الجليل حتى حلف؟! ألم يصدقوه حتى ألجؤوه إلى اليمين؟! قالها ثلاثا وخرجت فيها روحه.
стр. 248
١١٦ – [توبة أمير من أمراء الأعراب بسبب الصوم]
وحكي عن ابن سمعون قال: سمعت الشبلي يقول: كنت في قافلة
стр. 249
بالشام فخرج الأعراب فأخذوها وجعلوا يعرضونها على أميرهم.
فخرج جراب فيه سكر ولوز فأكلوا منه والأمير لا يأكل فقلت له لم لا تأكل؟ فقال: أنا صائم فقلت: تقطع الطريق وتأخذ الأموال وتقتل النفس وأنت صائم؟! فقال: يا شيخ! أجعل للصلح موضعا.
فلما كان بعد حين رأيته يطوف حول البيت وهو محرم كالشن البالي فقلت: أنت ذاك الرجل؟.
فقال: ذاك الصوم بلغ بي هذا المقام.
стр. 250
١١٧ – [توبة لبيب العابد عن قتل الحيات]
وذكر القاضي أبو علي التنوخي قال: كان ينزل بباب الشام من الجانب الغربي ببغداد رجل مشهور بالزهد والعبادة يقال له: لبيب العابد وكان الناس ينتابونه.
فحدثني لبيب قال: كنت مملوكا روميا لبعض الجند فرباني وعلمني العمل بالسلاح فصرت رجلا ومات مولاي بعد أن أعتقني فتوصلت إلى أن جعلت رزقه لي وتزوجت امرأته وقد علم الله تعالى أني لم أرد بذلك إلا صيانتها وأقمت معها مدة.
فاتفق أني رأيت يوما حية داخلة إلى جحرها فأمسكت ذنبها لأقتلها فوثبت علي فنهشت يدي فشلت ومضى زمن طويل على هذا فشلت يدي الأخرى بغير سبب أعرفه ثم جفت رجلاي ثم عميت ثم خرست فكنت على هذه الحال سنة كاملة لم يبق لي جارحة صحيحة إلا سمعي أسمع به ما أكره وأنا طريح على ظهري لا أقدر على كلام ولا إيماء ولا حركة أسقى وأنا ريان وأترك وأنا عطشان وأطعم وأنا شبعان وأمنع وأنا جائع.
فلما كان بعد سنة دخلت امرأة على زوجتي فقالت: كيف أبو علي لبيب؟ فقالت: لها زوجي: لا حي فيرجى ولا ميت فيسلى.
فأقلقني ذلك وآلم قلبي ألما شديدا فبكيت وضججت إلى الله تعالى في سري ودعوت وكنت في جميع تلك العلل لا أجد ألما في نفسي فلما كان في بقية ذلك اليوم ضرب علي جسدي ضربانا شديدا كاد يتلفني ولم يزل على ذلك إلى أن دخل الليل وانتصف أو جاز فسكن الألم قليلا فنمت.
فما أحسست إلا وقد انتبهت وقت السحر وإحدى يدي على صدري وقد
следующие страницы →