ركعات فاحيلت جمعة وجعلت ركعتين وسقط الظهر.
وقوله: "اللهم سقيا رحمه لا سقيا محق"١ أي أسقنا سقيا رحمة وهو أن يغاث الناس غيثا نافعا لا ضرر فيه ولا تخريب والمحق ذهاب البركة وقلة الخير ويوم ماحق شديد الحر يحرق كل شيء قال الهذلي٢:
في ماحق من نهار الصيف محتدم٣
الآكام والظراب:
وقوله: "اللهم على الاكام والظراب وبطون الاودية والتلال".
الآكام جمع الاكمة وهو ما ارتفع من الأرض والظراب الروابي الصغار واحدها ظرب وإنما خص الآكام والظراب لأنها أوفق للراعية من شواهق الجبال وبطون الاودية اوساطها التي يكون فيها قرار الماء واحدها بطن والتلال ما ارتفع من الارض.
стр. 72
وقوله: "اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا" أي اسقنا مطرا يغيث الخلق فيرويهم ويشبعهم وقوله "مريئا" أي لا وباء فيه هنيئا أي مسمنا للمال.
الغدق والمجلل والسح
وقوله: "اجعله غدقا" الغدق والمغدق الكثير الماء والخير ويجوز الغدق قال الله : ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً, لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ ١ والهنئ المرئ الناجع للمال حتى يسمن عليه ومرؤ الماء إذا كان نميرا والمريع ذو المراعه والخصب وامرعت البلاد إذا اخصبت والمجلل الذي يعم العباد والبلاد نفعه ويتغشاهم خيره والطبق العام الذي قد طبق البلاد مطره والسح الكثير المطر الشديد الوقع على الأرض يقال سح الماء يسح إذا سال من فوق إلى اسفل وساح يسيح إذا جرى على وجه الأرض واللاواء شدة المجاعة يقال اصابتهم لأواء ولولاء وشصاصاء وهي كلها السنه والجهد وقلة الخير وارض جهاد٢ لا تنبت شيئا والضنك الضيق وبركات السماء كثرة مطرها ومائها مع الريع والنماء وبركات الأرض ما يخرج الله من نباتها وريعها وزروعها حتى يخصب بها الناس ومواشيهم.
وقوله: "أرسل السماء علينا مدرارا" أراد بالسماء ها هنا السحاب وجمعها سمى والمدرار الكثير الدر والمطر.
стр. 73
باب في الجنائز
يقال للسرير إذا سوى عليه الميت وهيىء للدفن: - جنازة - بكسر الجيم ولا يسمى جنازه حتى يشد الميت مكفنا عليه وأما الجنازه بفتح الجيم١ فهو الميت نفسه يقال ضرب فلان حتى ترك جنازة وقد جنز الميت تجنيزا إذا هيئ امره وجهز وشد على السرير واصل التجنيز تهيئة الميت وتكفينه وشده على السرير.
قال الشافعي: "ويغسل الغاسل رأس الميت ولحيته ويسرحهما رفيقا"٢ أي يرجل شعرهما ترجيلا رفيقا واصل التسريح الإرسال والشعر يتلبد ويتعقد فيسترسل بالمشط ويقال للمشط المسرح والمرجل وصفحتا العنق وصفقاه ناحيتاه.
وقوله: "لا يفغر فاه" أي لا يفتحه يقال فغرت فاه ففغر أي فتحته فانفتح لازم ومتعد والماء القراح الخالص الذي لم يجعل فيه كافور ولا حنوط وفلان يشرب الماء القراح إذا خلا على الماء ولم يجد مأكولا والقراح من الأرض ما لا شجر فيها والقرواح البارز من الأرض الذي ليس فيه شجر ولا بناء يقال هذا مطر يذر منه البقل ولا يقرح فمعنى يذر منه البقل أي يطلع ويظهر وهو يذر من ادنى مطر ولا يقرح البقل الا من ثرى يكون قدر ذراع وتقريحه نبات أصله وظهور عوده.
وقوله ﷺ لهن حين القى اليهن حقوه: "أشعرنها اياه" ٣.
والحفوة والحقو الازار وجمعه حقى٤.
стр. 74
وقوله: "أشعرنها إياه" أي إجعلنه شعارها الذي يلي جسدها والحقو عند العرب الإزار الذي تؤزر به العوره ما بين السره والركبه وازار الليل ملاءة تجلل جسده كله.
وقوله في المحرم: "لا تخمروا رأسه" أي لا يغطى ومنه قول النبي ﷺ : "خمروا آنيتكم" ١ أي غطوها.
وقوله في عدد الاكفان: "ثلاثة أثواب بيض رياط"٢ فالرياط واحدتها ريطة وهي الملاءة البيضاء التي ليست بملفقه من شقتين.
وفي الحديث: "ان النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب سحوليه" ٣.
سحول - بفتح السين ٤- مدينه بناحية اليمن تحمل منها ثياب يقال لها السحوليه وأما السحول بضم السين فهي الثياب البيض واحدها سحل وقد يجمع سحلا كما يجمع رهن رهنا وسقف سقفا وقال الشاعر٥:
كالسحل البيض جلا لونها ... هطل نجاء الحمل الاسول٦
الحمل السحاب الأسود والاسول الذي قد استرخت نواحيه على الأرض وقوله جلا لونها أي كشف لونها النجاء جمع النجو وهو
стр. 75
السحاب الذي قد هراق ماءه وجمعه نجاء وهطله: صبه الماء
وقوله: "وتجمر الاكفان بالعود حتى يعبق بها" أي تبخر به على النار حتى تلصق رائحته الطيبه بها يقال عبق به رائحة الطيب أي لصق قال طرفه:
ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الازر١
يريد عبق رائحة المسك لا انه عبق نفس المسك به
وقول المزني: "هذا أحسن في كرامته من انتهاك حرمته" أي من المبالغه في تناول حرمة عورته وكشفه وهو افتعال من النهك يقال انهكه عقوبه أي بالغ في عقوبته ويدخل في الحنوط الكافور وذريرة القصب والصندل الأحمر والأبيض ويقال للزرع الذي بلغ أن يحصد حنط الزرع واحنط وكذلك الرمث والغضا إذا ابيضا بعد شدة الخضره فهو حانط وأنشد شمر:
تبدلن بعد الرقص في حانط الغضا ... أبانا وغلانا به ينبت السدر٢
تبدلن يعني الابل كانت في بلد مكلئ ترقص فيه من النشاط فوقعت إلى بلد كرهته.
قال الشافعي: ٣ ﵀: "ويوضع الميت من الكفن بالموضع الذي يبقى من عند رجليه منه اقل مما عند رأسه ثم يثنى عليه صنفة الثوب الذي يليه" صنفة الثوب زاويته وكل ثوب مربع له اربع صنفات وهي زوايا الازار والملاءه وقيل صنفة الثوب طرته وروى الشافعي: ان النبي ﷺ
١- البيت في "ديوانه" "ص ٥٥" ومختارات ابن الشجري "١ / ٣٦" و"البلاغة" للمبرد "ص ٨٤" والبديع لأسامة بم منقذ "٢٢٣" والعقد الفريد "٥ / ٣٥٩" واللسان "عبق لحف" والمخصص "١١ / ٢٠٤" من قصيدة له يصف أحواله وتنقلة في البلاد ولهوه وأول القصيدة:
أصحوت اليوم أم شافتك هر؟ ... ومن الحب جنون مستعر
يلحقون الأرض: يغطون الأرض بجر ذيولهم عليها كبرا الهذاب: الخيوط التي تبقى في طرفي الثوب من عرضيه دون حاشيتيه الأرز
الواحد: ازار كل ثوب يؤتزر به أي: يستتر به.
стр. 76
سطح قبر ابنه ابراهيم ووضع عليه حصباء من حصباء العرصه, فاما تسطيحه فتسويته مربعا مرفوعا عن وجه الأرض كما يسطح السطح المربع والحصباء ما صغر من الحصى والريح الحاصب التي ترمي بالحصباء والعرصه عرصة الوادي وهي كل جوبة منفتقه يجمع السيل فيها الحصى الصغار.
وقوله: "فإن اشتجروا في الكفن فثلاثة اثواب إن كان وسطا ومن الحنوط لا سرفا ولا تقصيرا" اشتجروا يعني الورثه أي تشاحوا واختلفوا وتنازعوا إن كان وسطا إن كان بين الغنى والمقل والسرف ما جاوز القدر المعروف مثله والسرف الخطأ ايضا يقال اردتكم فسرفتكم أي اردت اتيانكم فأخطأتكم.
والشهيد: الذي قتله المشركون في المعركه سمى شهيدا لان الله ورسوله ﷺ شهدا له بالجنه قال ابن شميل الشهيد الحي تأول قول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ١ وقيل: سمى شهيدا لان ملائكة الرحمه تشهده فترفع روحه وقيل بل سمي شهيدا لأنه من جملة من يستشهد يوم القيامة على الامم الخاليه قال الله : ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ ٢ فهو على التأويل شهيد بمعنى شاهد.
واما الشهيد من اسماء الله فهو الامين في شهادته وقيل هو الذي لا يغيب عنه شيء وقيل سمي شهيدا لسقوطه بالارض والارض تسمى الشاهده يقال استشهد فلان إذا قتل شهيدا.
واما قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٣ فمعناه اشهدوا شاهدين يقال استشهدت فلانا إذا سألته اقامة شهادة احتملها لك.
ومعترك القتال: مزدحم الحرب والعراك الزحام وذلك أن بعضهم يعرك بعضا ضربا وقتلا.
стр. 77
قال الشافعي: "ويضع ياسرة السرير المقدمة"١ وإن شئت المقدمة فمن قال المقدمة فمعناها المتقدمة منه قوله : ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ ٢ أي لا تتقدموا يقال: قدم وتقدم واستقدم بمعنى واحد ومقدمه الجيش بكسر الدال من هذا من قال المقدمه أراد التي قدمت.
وقوله في الدعاء للميت: "وقد جئناك راغبين اليك شفعاء له" أصل الشفع الزياده قال الله : ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ ٣ أي يزيد عملا إلى عمل وعين شافعة تنظر نظرين فكأن المصلين على الميت إذا دعوا له طلبوا أن يزاد بدعائهم رحمة إلى ما استوجب منهم بعمله أو بتوحيده.
وقال النبي ﷺ : "شفاعتي لاهل الكبائر من امتي" ٤ وهي للموحدين الذين ارتكبوا الكبائر يشفع لهم النبي ﷺ أن يعفى لهم عن ذنوبهم ويزدادوا كرامة على ما استوجبوا بتوحيدهم خالقهم والله اعلم
٢٥١ - وقوله الاشحاء من ولده واهله
أي الاضناء كانوا بحياته المشفقين عليه واصل الشح البخل وواحد الاشحاء شحيح
٢٥٢ - وقوله إن عفوت عنه فاهل العفو أنت
معناه إن تفضلت بالعفو عن ذنوبه فاهل الفضل انت وقال ابن الاعرابي في قوله
سلوا الله العفو والعافيه والمعافاه قال العفو عن الذنوب والعافيه من الاسقام والمعافاة يريد ما بينك وبين الناس من المظالم أي سلوه أن تعفوا عنهم ويعفوا هم عنكم قال والعافيه تكون من الاوجاع وتكون من عذاب جهنم
وروى عن جعفر بن محمد ﵁ انه قال العافيه موجودة مجهولة والعافية معدومة معروفة أراد بقوله العافيه موجوده مجهولة أن الناس عرفوا لم يعرفوا قدرها حتى
стр. 78
يبتلوا و"العافيه معدومه معروفه" يعني المبتلي ببليه يعدم معها العافيه فحينئذ يعرف قدرها.
وقوله: "اللهم اشكر حسنته" أي اشكر أعماله الحسنة باثابته عليها أضعافها "واغفر سيئته" أي غطها بغفرانك لها و"اعذه من عذاب القبر" أي اجره وآمنه منه.
وقوله: "اللهم اخلفه في تركته في الغابرين" أي كن خليفته فيمن اخلف من أهاليه حيطة وشفقة وقياما بامرهم والغابرون الباقون.
وقوله: "وارفعه في عليين" أي ارفعه في منازل الابرار من أهل الجنه التي هي في اعلى المنازل والدرجات والعليون من نعت المنازل واحداها على وجمعت على النون وكان حقها أن تجمع على العلالي لانها غير محدوده الواحد وهو كما يقال اطعمنا مرقة مرقين وقنسرين.
وروى الشافعي الحديث المرفوع: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا"١ قال الشافعي: "الهجر يدخل فيه الدعاء بالويل والثبور والنياحه" قال الازهري: الهجر في كلام العرب ما يستفحش من الكلام يقال اهجر الرجل في منطقه اهجارا وهجرا إذا افحش فإذا قالوا هجر يهجر هجرا فمعناه الهذيان٢.
وقوله والمعول عليه يعذب قال شمر العويل الصياح والبكاء يقال اعول اعوالا وعويلا وعول تعويلا إذا صاح وبكى وانشد:
فهل عند رسم دارس من معول٣
стр. 79
أي من مبكي وقيل: من مستغاث ومعتمد وكان أهل الجاهليه يوصون مخلفيهم بالنياحه وشق الجيوب والنعي بذكر مآثرهم فكأنهم استحقوا التعذيب بوصاتهم ويدل على ذلك قول طرفه:
اذا مت فانعيني بما انا اهله ... وشقى على الجيب يا ابنة معبد١
والتعزيه: التأسيه لمن يصاب بمن يعزو عليه وهو أن يقال له تعز بعزاء الله وعزاء الله قوله : ﴿الَّذِينَ إذا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ٢ وكقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرض وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ ٣ من إلى قوله: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ ٤ ويقال: لك أسوة في فلان فقد مضى حميمه واليفه فحسن صبره والعزاء اسم اقيم مقام التعزيه.
ومعنى قوله تعز بعزاء لله أي تصبر بالتعزيه التي عزاك الله بها مما في كتابه واصل العزاء الصبر وعزيت فلانا أي أمرته بالصبر.
стр. 80
تفسير غريب مما جاء في أبواب الزكاه
اذا وضعت الناقه ولدا في اول النتاج فولدها ربع والانثى ربعه وان كان في آخره فهو هبع والانثى هبعه فإذا فصل عن امه فهو فصيل فإذا استكمل الحول ودخل في الثانيه فهو ابن مخاض والانثى ابنة مخاض وهي التي اوجبها النبي ﷺ في خمس وعشرين من الابل إلى خمس وثلاثين ولا يؤخذ فيها ابن مخاض وواحد المخاص خلفه من غير جنس اسمها وإنما سمى ابن مخاض لان امه قد ضربها الفحل فحملت ولحقت بالمخاص من الابل وهن الحوامل فلا يزال ابن مخاص السنه الثانيه كلها فإذا استكمل سنتين ودخل في الثالثه فهو ابن لبون والانثى بنت لبون وهي التي تؤخذ في الصدقه إذا بلغت الابل ستا وثلاثين فإذا امضت الثالثة ودخل في السنه الرابعه فهو والانثى حقه وهي التي تؤخذ في الصدقه إذا بلغت الابل ستا واربعين سميت حقه لانها استحقت أن تركب ويحمل عليها فإذا دخلت في السنه الخامسة فالذكر جذع والانثى جذعه وهي التي تؤخذ في الصدقه إذا بلغت الابل احدى وستين فإذا دخلت في السنه السادسه فالذكر ثنى والانثى ثنيه والثني والثنيه ادنى ما يجزئ في الاضاحي من الابل والبقر والمعزى فإذا امضت السنه السادسه ودخل في السابعه فالذكر رباع والانثى رباعيه فإذا دخل في الثامنه فهو سدس وسديس لفظ الذكر والانثى فيه سواء فإذا دخل في التاسعه فهو حينئذ بازل والانثى بازل بغير هاء فإذا دخل في العاشره فهو مخلف ثم ليس له بعد ذلك اسم ولكن يقال مخلف عام ومخلف عامين وبازل عام وبازل عامين ويقال انما سمى بازلا لطلوع بازله وهو نابه ثم لا اسم له بعد ذلك١.
وقوله: ﷺ : "فيها حقة طروقة الفحل" ٢ الطروقه: التي قد
стр. 81
ضربها الفحل واستحقت أن يضربها الفحل يقال طرق الفحل الناقه إذا ضربها يطرقها طرقا والفحل نفسه يسمى طرقا قال الراعي:
كانت هجائن منذر ومحرق ... اماتهن وطرقهن فحيلا١
قال الشافعي: ﵀: "وإن كان الفرضان معيبين بمرض أو هيام أو جرب وسائر الابل صحاح"٢ أراد بالفرضين ابنة المخاص وابن اللبون يجب أحدهما فيما فرض فيه فلا يكونان في الابل الا معيبين.
والهيام: داء يصيب الابل من ماء تشربه مستنقعا يقال بعير هيمان وناقة هيمى وجمعها هيام وهذا قول ابي الحجاج وقيل الهيام داء يصيب الابل فتعطش ولا تروى وهذا قول ابي الجراح وقال الفراء في قول الله : ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ ٣ قال الهيم الابل التي يصيبها داء فلا تروى من الماء واحدها اهيم والانثى هيماء والجمع هيم.
قال الأزهري وأمراض الابل كثيره وتفسيرها يطول.
وقوله: "وان وجبت عليه جذعه لم يكن لنا أن نأخذ منه ماخضا الا أن يتطوع"٤ والماخض الحامل التي قد دنا ولادها وقرب نتاجها.
وقوله: "واذا كانت ابله كرما لم نأخذ منها الصدقه دونها كما لو كانت لئاما كلها لم نأخذ منها كرما"٥
فالكرم الإبل الكريمه النجار يقال بعير كرم وناقة كرم وإبل
كرم لفظ الواحد والاثنين والجماعة
стр. 82
والذكر والانثى سواء لان الكرم مصدر كرم كرما والمصدر لا يجمع كما يقال رجل عدل وامرأة عدل ورجلان عدل وقوم عدل.
وقوله: "إذا عد الساعي عليه ابله فلم يأخذ منه حتى نقصت"١
الساعي عامل الصدقات وهم السعاه واصل السعى العمل وخص عامل الصدقات بهذا الاسم.
وقوله: "ان فرط في دفعها فعليه الضمان"١ فرط أي قصر وهو التفريط وأما الافراط فهو مجاوزة الحد والاسراف وكلاهما مذموم.
واما اسنان البقر فجاء في حديث معاذ أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن وامره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا ومن كل اربعين مسنا.
فالتبيع الذي أتى عليه حول من أولاد البقر والمسنه التي قد صارت ثنيه ويجذع البقر في السنه الثانيه ويثنى في السنه الثالثه فهو ثني والانثى ثنيه وهي التي تؤخذ في اربعين من البقر ثم هو رباع في السنه الرابعه وسدس في الخامسه ثم صالغ في السادسه وهو اقصى اسنانه يقال صالغ سنه وصالغ سنتين فما ذاد٢.
و"الأوقاص في الابل والبقر والغنم ما بين الفريضتين وقد عفى عنها وعن صدقتها" واحدها وقص٣ ووقص واول وقص الابل أن فرض خمس من الابل شاه وفي عشر شاتان وما بين الخمس والعشر وقص وكذلك ما بين خمس وعشرين وست وثلاثين وقص وكذلك ما اشبهها في الصدقات كلها
وأما أسنان الغنم فان ابا زيد وغيره من أهل العربية قالوا يقال لاولاد الغنم ساعه تضعها امهاتها من الضأن والمعز ذكر كان أو أنثى سخله وجمعها سخال ثم هي بهمه للذكر والأنثى وجمعها بهم فإذا بلغت أربعة
стр. 83
أشهر وفصلت عن أمهاتها فما كان من أولاد المعزى فهي جفار واحدها جفر والأنثى جفره فإذا رعى وقوى فهو عريض وعتود وجمعها عرضان وعدان وهو في ذلك كله جدي والانثى عناق ما لم يأت عليها الحول وجمعها عنوق جاء على غير قياس والذكر تيس إذا اتى عليه الحول والانثى عنز ثم يجذع في السنه الثانيه فالذكر جذع والانثى جذعه ثم يثنى في السنه الثالثه فالذكر ثني والانثى ثنيه ثم يكون رباعيا في الرابعه وسدسا في الخامسه وصالغا في السادسه وليس من الصالغ سن١ وأما الجذع من الضان فان أهل العلم يحتاجون إلى معرفه اجذاعه لأنه اجبر في الاضاحي وهو يخالف المعزى فاخبرني المنذري عن ابراهيم الحربي انه قال سمعت ابن الاعرابي يقول الجذع من الضان إذا كان ابن الشابين٢ فانه يجذع لسة اشهر إلى سبعة اشهر وإذا كان ابن هرمين اجذع لثمانية اشهر قال الحربي وقال يحيى بن ادم انما يجزئ الجذع من الضأن دون المعزى لأنه ينزوفيلقح وإذا كان من المعزى لم يلقح حتى يثنى وروى أبو حاتم٣ عن الاصمعي انه قال الجذع من المعز لسنة ومن الضأن لثمانية اشهر أو تسعة اشهر قال والبقر إذا طلع قرنه وقبض عليه يقال له عضب ثم بعده جذع.
وروى عن عمر ﵁ انه قال: "لا يأخذ المصدق الاكولة ولا الربى ولا الماخض ولا تيس الغنم" قال: "ويأخذ الجذعه والثنيه".
وذلك عدل بين غذاء المال وخياره والاكولة هي التي تسمن للاكل وليست بسائمه واكيلة الذئب والاسد فريسته والربى هي القريبة العهد بالولاده يقال هي في ربابها ما بينها وبين خمس عشره ليله وجمعها رباب وهي من
стр. 84
الإبل عائذ وجمعها عوذ ومن ذوي الحافر فريش١ وجمعها فرش ومن الادميات نفساء وجمعها نفاس٢ ونفساوات والماخض الحامل التي اخذها المخاض لتضع والمخاض وجع الولادة قال الله : ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ٣ أي الجأها وقد مخضت تمخض إذا دنا ولادها والغذاء صغار السخال والبهم واحدها غذي والشارف المسنة الهرمة والبكرة الصغيرة من ذكور الإبل ويلزمه هذا الإسم إلى أن يسن والشافع من الشاء الحامل ويقال: هي التي يتلوها ولدها قال الفراء: ناقة شافع إذا كان في بطنها ولد ويتلوها آخر.
وقال عمر للساعي: لا تأخذ حزرات انفس الناس خذ الشارف والبكر والحزرة خيار المال وجمعها حزرات وانشد شمر:
الحزرات حزرات القلب ... اللبن الغزار غير اللجب
حقاقها الجلاد عند اللزب٤
اللبن: جمع اللبون واللجب جمع اللجبه وهي التي لا لبن لها والجلاد صلاب الابل وخيارها وسمانها يقال لخيار المال حزرة النفس وحزرة القلب لان صاحبها يحزرها في نفسه ويقصدها بقلبه سميت حزره لهذا المعنى ونهى عن اخذ تيس الغنم في الصدقه لأنه اكثرها قيمه.
قال الشافعي: "ولو نتجت غنمه وهن اربعون قبل الحول اربعين سخلا ثم ماتت الامهات اخذت منهاواحده ومعنى نتجب أي ولدت كمال يقال نتجت الناقه فهي منتوجه
ولا يقال نتجت وإنما ينتجها صاحبها أي يلي نتاجها كما تلي القابله ولادة الادميه وانتجت الفرس إذا حملت فهي نتوج
стр. 85
ولا يقال منتج هذا في الحافر خاصه وولد البقره عجل وجمعه عجاجيل وعجول اول ما تلده ثم هو تبيع إذا اتى عليه سنه واجناس البقر منها الجواميس واحدها جاموس وهي من انبلها واكرمها واكثرها البانا واعظمها اجساما ومنها الدربانيه وهي التي تنقل عليها الاحمال ومنها العراب وهي جرد ملس١ حسان الالوان الكريمه والمهارى من الابل منسوبة إلى مهرة بن حيدان٢ وهم قوم من أهل اليمن وبلادهم الشحر بين عمان وعدن ابين ابلهم المهريه وفيها نجائب تسبق الخيل والارحيبه من ابل اليمن ايضا وكذلك المجيديه
٢٧٧ - وأما العقيلية فهي نجدية صلاب كرام ونجائها نفيسه ثمينه تبلغ الواحدة ثمانين دينارا إلى مائة دينار والوانها الصهب والادم والعيس والقرمليه ابل الترك والفوالج فحول سندية ترسل في الابل العراب فتنتج البخت الواحد بختي والانثى بختيه.
الإغلال والخليطان:
قال الشافعي: "ولو غل صدقته عزر إن كان الامام عدلا"٣ معنى غلوله صدقته أن يغيبها عن المصدق كيلا تزكى واصله من غلول الغنيمه وهي الخيانه فيها وأما الاغلال فهو الخيانه في الشيء يؤتمن عليه.
والخليطان في الماشيه على وجهين:
احدهما أن يكونا شريكين لا يتميز مال أحدهما من مال صاحبه لاشتراكهما في اعيانهما.
والوجه الثاني أن يكون لكل واحد منهما ابل على حده فيخلطانها ويجمعانها على راع واحد فيكون لما يلزمهما من مئونة الرعي والسقي
стр. 86
وغيره والعرب تسميهم الخلطاء والخليطى والخليطي وانشدني بعض العرب:
وكنا خليطى في الجمال فاصبحت ... جمالي توالى ولها من جمالكا١
ولها أي تحن إلى ألافها توالى تميز يقال وال الجرب عن الصحاح أي ميزها عنها.
قال الشافعي: "واذا جزأت الماشيه عن الماء فعلى المصدق أن يأخذ الصدقه في بيوت اهلها" معنى جزأت أي اكتف بالرطب وهو العشب من بقول الأرض عن شرب الماء٢ وذلك أن الابل في الشتاء إذا بكر وسميه وتتابع ودقه٣ اعشبت الأرض واخصبت الانعام فاكتفت برطوبة المراعي عن الماء تكون كذلك ثلاثة اشهر أو اربعة اشهر لا تذوق الماء فإذا هاج النبت ويبس البقل واشتد الحر انتقص جزؤها واوردت اعداد٤ المياه يقال جزأت واجتزت إذا اكتفت بالرطب عن الماء.
وروى في الحديث: "ان النبي ﷺ تسلف من رجل بكرا ثم رد عليه جملا رباعيا خيارا" ٥ معنى تسلف واستسلف أي استقرض ليرد مثله عليه وقد اسلفته أي اقرضته والسلف القرض واصله من قولهم سلفت القوم أي تقدمتهم ومنه قيل للقرن إذا تقدموا بموت ويخلفهم اولادهم سلف وهو جمع سالف كما يقال خادم وخدم وحارس وحرس والخلف جمع خالف واسلف واسلم بمعنى واحد واستسلاف النبي ﷺ البكر يدل على جواز السلم في الحيوان لأنه لا يجوز الاستقراض الا فيما له مثل يضبط بالصفد.
стр. 87
السائمة والنواحة:
قال الشافعي: ﵀:ف" سائمة الغنم زكاه وكذلك الابل"السائمة: وهي الراعية غير المعلوفة يقال سامت الماشيه تسوم سوما إذا رعت وأسامها راعيها إذا رعاها والسوام ما رعي من المال قال الله : ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أراد - والله اعلم - بالشجر اصناف المرعى من العشب والخلة والحمض وغيرها مما ترعاها المواشي والنواضح هي السواني وهي التي يستقى بها الماء للمزارع والنخيل واحدها ناضح وناضحه.
стр. 88
باب ماجاء في زكاة الثمار والحبوب
...
ما جاء في زكاة الثمار والحبوب
النجد والومد:
قال الشافعي: ﵀: "وثمر النخل يختلف فثمر النخل يجد بتهامه وهي بنجد بسر وبلح"١ يجد أي يصرم ويقطع يقال جاء زمان الجداد والجداد أي وقت قطاف ثمر النخل.
قال الجوهري٢: هذا زمن الجداد والجداد –بالدال لا غير- مثل الصرام والصرام والقطاف والقطاف وتهامه حاره ومدة يسرع ادراك نخلها.
والومد الندى مع الحر ونجد بارد طيب الهواء فادراك ثمر نخله يتأخر بعض التأخر وتهامه هي الغور ومكه تهاميه وهي قريبه من البحر ونجد عاليه مرتفعه عريضه بها الحزن والصمان وضريه واليمامه والدهناء وابان وسلمى وما والاها وثمر النخل ما دام ابيض عن انشقاق كافوره عنه يكون ابيض صغارا ثم يخضر فيصير بلحا ثم يزهو ويقال يزهى فيصفر ويحمر وهو حينئذ بسر ثم يرطب بعد ذلك ثم يثمر.
قال الشافعي: "واذا كان آخر اطلاع ثمر نخل اطلعت قبل٣ أن يجد فالاطلاع التي بعد بلوغ الاخره كاطلاع تلك النخل عاما اخر لا تضم الاطلاعه إلى العام قبلها"٤ ومعنى هذه المسألة أن النخل لا يخرج طلعها في وقت واحد حتى يكون ادراكها في وقت واحد كان لرجل حائطا من نخل فمنها المبكار ومنها المئخار ومنها نخيل يخرج طلعها كله في شهر واحد ومنها نخيل يكون بين اول الاطلاع وآخره وثلاثة اشهر ومنها نخيل كرام ولا تزال تطلع في فصول السنه فإذا كان في اطلاع
стр. 89
النخيل كل هذا التفاوت وجب أن ينظر إلى وقت الصرام١ فكل طلع يخرج إلى ذلك الوقت بعضه فقد دخل في صرام تلك السنه ويضم بعضه إلى بعض ويزكى وان كان بعضه مستأخر الادراك لاستئخار اطلاعه وما اخرجت النخله والنخلات من طلع بعد وقت صرام ما ادرك لم يضم إلى هذه السنة وضم إلى صرام عام قابل.
قال أبو منصور: وانما شرحت هذه المسأله هذا الشرح لان من لم يقم في النخيل ولم يمارسها لم يقف على تفاوتها ولم يهتد لتفسيرها والبردى والكبيس من اجود تمران أهل الحجاز والجعرور ومصران الفارة٢ وعذق ابن حبيق من اردئها والعذق النخله نفسها بفتح العين والعذق الكباسه ويقال له من العنب العنقود وقوله حين يتموه العنب تموه العنب أن يصفو لونه ويظهر ماؤه ويذهب عفوصه حموضته ويستفيد شيئا من الحلاوه فان كان ابيض حسن قشره الاعلى وضرب إلى البياض وان كان اسود فحين يوكث٣ ويظهر فيه السواد والجرين الموضع الذي يجمع فيه الثمر إذا صرم ويشرر ويترك حتى يتم جفافه ثم يكنز في الحلال وأهل البحرين يسمونه الفداء ممدود وأهل البصره يسمونه المربد٤.
صدقة الزرع والحبوب:
واما الحبوب فمنها الحنطه والشعير والذره وهي معروفه والسمراء هي ضرب من الحنطه والعلس جنس من الحنطه يكون في الكمام منها الحبتان والثلاث والسلت حب بين الحنطه والشعبر لا قشر له كقشر الشعير فهو كالحنطه في ملامسته وهو كالشعير في طبعه وبرودته والقمح الحنطه
واما القطنيه فهي حبوب كثيره تقتات وتطبخ وتختبز فمنها الحمص بكسر الميم
стр. 90
وتشديدها - وهي لغة أهل البصره وأما أهل الكوفه فيقولون: حمص - بفتح الميم هكذا قال ثعلب ومنها العدس ويقال له البلس بضم الباء والبلس هو التين ومنها الحلز١ وهو الماش فيما روي ثعلب عن ابن الاعرابي ويقال للماش ايضا الزن ومنها الجلبان وهو الذي يقال له القفص ومنها اللوبياء وهو الدجر والحنبل والاحبل واللياء ومنها الجاروس والدخن وحبهما صغار وهما من جنس الذره غير أن الذره اضخم منها واصولها كالقصب ولها عذوق كبار وهي من اقوات أهل السواد وأهل الساحل ومنها الفول وهو الباقلا وهو الجرجر ما صغر منه حبه والطف الذره.
واما الفث ٢: فهو حب بري ليس مما ينبته الادميون فإذا قل لاهل الباديه ما يقتاتونه من لبن أو تمر اخذوا الفث فطحنوه ودقوه واختبزوا منه في المجاعات على ما فيه من الخشونه وقلة الخير سميت هذه الحبوب قطنيه لقطونها في بيوت الناس يقال قطن بالمكان قطونا إذا اقام ويقال للارز رز ورنز وهو من القطنيه ايضا وأما الحبوب التي لا تقتات وانما تؤكل تفكها أو يتداوى بها أو تقزح بها القدور فمنها الثفاء وهو الحرف وأهل العراق يسمونه حب الرشاد ومنها التقده بالتاء وهي الكزبره وأما النقده بالنون فهي الكرويا والجلجلان السمسم والتنوم شجره لها حب كحب الشهدانج٣.
وقال ابن الاعرابي فيما روى عنه ثعلب العبربي: السماق والعربرب ايضا وقال قدر عبربيه وعربربيه أي سماقيه وهو العترب والعترب وقال والقزح والقزح والفحا والفحا والتابل والفرند٤: الابزاز وجمعه فراند والإسبيوش الذي يقال له بزر قطونا وأهل البحرين يسمونه حب الزرقه والإحريض حب
стр. 91
العصفر والترمس حب يدخل في العقاقير والادويه.
قال الشافعي: ﵀: "ولا تؤخذ زكاة شيء مما ييبس ويدخر حتى يدرس" يدرس أي يداس وينقى يقال جاء زمن الدراس أي زمن الدياس وقد درس الناس حنطهم أي داسوها قال والذره تزرع مره فتخرج فتحصد ثم تستخلف فتحصد مرة اخرى. وقوله تستخلف أي يخرج ثمرها مرة اخرى من الاصول الاولى وكل زرع يزرع بعد زرع اخر في سنته فهو من الخلف واحدتها خلفه.
النضح, والغرب:
قال الشافعي: "وما سقى بنضح أو غرب ففيه نصف العشر".
والنضح: أن يستسى له من ماء البئر أو من النهر بسانيه من الابل أو البقر.
والغرب: الدلو الكبير الذي لا ينزعه من البئر الا الجمل القوي يسنى به وجمعه غروب.
وفي الحديث: "ما سقى فتحا ففيه العشر" ١ يفسر الفتح على وجهين أحدهما انه الماء يفجر ويجري في النهر إلى الزرع والنخيل والفتوح ايضا امطار تقع واحدها فتح فيجوز أن يكون المعنى انه يفتح الماء من سيول الامطار في اتي تؤتى إلى المزارع فتسقى به.
وفي الحديث: "في الرقه ربع العشر". الرقه: الدراهم المضروبه وهي من الحروف الناقصه وتجمع الرقين ونقصانها حذف فاء الفعل من اولها كأن أصل الرقه ورق كما أن أصل الصله وصل واصل الزنه وزن والعرب تقول: "وجدان الرقين يغطى افن الافين"٢ أي وجدان الدراهم يستر حمق الاحمق والورق الدراهم المضروبه وقد يخفف فيقال ورق وورق
стр. 92
والرقة في غير هذا ورق البقول الناعمة أول ما يخرج ورقها وللعرفج رقة وللصليان رقة فإذا صلبت يقال لها خوصه وكل أوقيه وزنها أربعون درهما وجمعها أواق وأواقى الياء تشدد وتخفف وقال الله : ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ ١ أي تتصدقون وقوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ ٢ يقول لا تخرجوا صدقتكم من أردأ الزرع والثمر ومعنى تنفقون أي تتصدقون وقوله تعالي: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ ٢ فيقول لا تأخذون هذا الردئ الذي تتصدقون به في بياعاتكم الا أن تأخذوه تأخذونه برخص التبر كساره الذهب والفضه مما يخرج من المعادن وغيرها مأخوذ من تبرت الشيء إذا كسرته. وقوله: "ولو ورث رجل حليا فارصده لهبه أو عاريه" معنى ارصده أي اعده يقال رصدت فلانا رصدا إذا ترقبته وارصدته ارصادا إذا اعددته لامر ما قال ذلك الاصمعي والكسائي٣ قال الله : ﴿وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤ كان نفر من المنافقين بنوا مسجد الضرار في طرف من المدينه وقالوا نرصده لرأس من رؤسائهم كان غائبا ترقبوا به مقدمه من غيبته عليهم.
وروى عن ابن عباس ﵁ انه قال في العنبر: هو شيء دسره البحر دسره أي دفعه إلى الشط حتى التقطه ملتقطه ويقال للشرط التي تخرز بها السفن دسر واحدها دسار يقال دسر فلان جاريته دسرا إذا جامعها.
قال الشافعي: "ولا يشبه أن يملك مائتي درهم ستة اشهر ثم يشتري بها عرضا للتجارة" فالعرض بتسكين الراء من صنوف الاموال ما كان من غير الذهب والفضه اللذين هما ثمن كل عرض وبهما تقوم الاشياء المتلفة
стр. 93
يقال اشتريت من فلان عبدا بمائة وعرضت له من حقه ثوبا أي اعطيته اياه عرضا بدل ثمن العبد وأما العرض محرك الراء فهو جميع مال الدنيا يدخل فيه الذهب والفضة وسائر العروض التي واحدها عرض. قال الشافعي: "فاذا نض العرض بعد الحول أي صار نقدا ببيع أو معارضه". فالناض: من المال ما كان نقدا وهو ضد العرض يقال باع فلان متاعه ونضضه فنض في يده اثمانها أي حصل مأخوذ من نضاضه الماء وهي بقيته وكذلك النضيضه وجمعها النضائض.
قال الشافعي: "ولو اشترى شيئا للتجاره ثم نواه لقنيه لم يكن عليه زكاه"١ والقنيه المال الذي يؤثله الرجل ويلزمه ولا يبعه ليستغله كالذي يقتني عقدة تغل عليه ويبقى له اصلها واصله من قنيت الشيء اقناه إذا لزمته وحفظته ويقال قنوته اقنوه بهذا المعنى قال الله : ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ ٢ أي اعطى قنيه من المال يبقى اصلها وتزكو منافعها وريعها كالابل والغنم تقتنى للنتاج وما اشبهها فينتفع مقتنيها بنسلها والبانها وأوبارها وأصلها باق له.
стр. 94
باب في المعادن
الركاز على وجهين: فالمال الذي وجد مدفونا تحت الأرض ركاز لان دافنه كان ركزه في الأرض كما يركز فيها الوتد فيرسو فيها وهو معنى قول النبي ﷺ : "وفي الركاز الخمس" ١
والوجه الثاني من الركاز: عروق الذهب والفضه التي أنبتها الله تعالى في الأرض فتستخرج بالعلاج كأن الله ركزها فيها والعرب تقول اركز المعدن وانال فهو مركز ومنيل إذا لم يحقد المعدن ولم يخب يقال حقد المعدن يحقد إذا لم يخرج شيئا واوشى المعدن إذا كان فيه شيء يسير والسام عروق الذهب والفضه المنسابه تحت الأرض وهو السيب ايضا وجمعه سيوب.
وروى عن النبي ﷺ انه قال: "وفي السيوب الخمس" ٢ فإذا حفر الحافر وعمل في المعدن زمانا ولم ينل شيئا قيل حقد المعدن يحقد فهو حاقد واحقد الحافز إذا حقد عليه معدنه وحقدت السماء إذا منعت قطرها والحقد ما يضطغنه المعادى لعدوه من السخيمه سمى حقدا لأنه إذا اعتقده لمعاديه لم ينله خيرا وإذا اصاب الرجل في المعدن قطعه من الذهب فهي ندره وجمعها ندرات وسمى المعدن معدنا لعدون ما انبته الله تعالى فيه أي لاقامته يقال عدن بالمكان يعدن عدونا فهو عادن إذا اقام والمعدن المكان الذي عدن فيه الجوهر من جواهر الأرض أي ذلك كان.
стр. 95
باب زكاة الفطر
الزكان زكاتان: زكاة الاموال سميت زكاه لان المال الذي يزكى يزكو أي ينمو أما في الدنيا بأن يبارك الله له فيه وإما في الاخره بان يضاعف له الاجر على ما زكى ويقال للعمل الصالح زكاه لأنه يزكى صاحبه أي يطهره ويرفع ذكره قال الله : ﴿خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ ١.
واما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ ٢ ففيه قولان: أحدهما الذين هم للعمل الصالح عاملون والقول الثاني الذين هم للزكاة مؤتون وأما زكاة الفطر فهي تزكي النفس أي تطهرها وتنمي عملها والاصل في المعنيين من زكا الشيء يزكو إذا نما وكثر.
وفي الحديث: "اخرجوا زكاة الفطر عن تمونون" ٣ معناه اخرجوا عمن تلزمكم مئونتهم ونفقتهم ممن تعولون يقال منت فلانا أمونه إذا قمت بكفايته وكذلك علته أعوله والأصل في منته الهمز غير أن العرب آثرت ترك الهمز في فعله كما تركوه في ترى ويرى وارى واثبتوه في رأيت كذلك اثبتوا الهمزه في المئونه واسقطوها من الفعل وقد مين فلان يمان مونا إذا قيم بكفايته.
قال الشافعي: "بين في السنه أن زكاة الفطر من الثفل" يعني من الاطعمه التي لها ثفل مثل الحبوب التي تختبز ومثل التمر والزبيب.
وقوله: "لا تقوم الزكاه ولو قومت كان لو ادى ثمن صاع زبيب ضروع ادى ثمن اصوع حنطه" فالضروع جنس من عنب الطائف كبير الحب يسمى زبيبه ضروعا تشبيها بضروع البقر كما قيل بهراة عندنا لجنس
стр. 96
من العنب بستان كأنها ضرع البقر والضروع من خير أعنابهم. قال ابن شميل من ضروب العنب عنب أبيض يقال له أطراف العذارى وعنب يقال له الضروع.
وقوله: "لا يخرج زكاة الفطر من مسوس ولا معيب" العامه تقول: حب مسوس للذي دخله السوس وهو خطأ عند أهل اللغة والصواب أن يقال حب مسوس وقد ساس١ ويجوز اساس فهو مسيس ولغه ثالثه ساس الطعام يساس فهو ساس وسائس من السوس وانشد أبو عبيد:
قد اطعمتني دقلا حوليا ... مسوسا مدودا حجريا٢
وقوله ﷺ : "خير الصدقه عن ظهر غنى وليبدأ احدكم بمن يعول" ٣
قوله: عن ظهر غنى أي غنى يعتمده ويستظهر به على النوائب التي تنوبه ويفضل من العيال وقوله وليبدأ بمن يعول أي بمن يلزمه عوله والانفاق عليه يقال فلان يعول خمسه أي يمونهم وتلزمه نفقتهم وفي الحديث دلاله أنه لا يجوز للإنسان أن يفرق ما في يده ثم يتكفف الناس.
стр. 97
باب ما جاء منه في الصوم
روى عن النبي ﷺ انه قال: "لا تصوموا حتى تروه فان غم عليكم فأكملوا العدة" ١ وفي حديث آخر: "فان غمى عليكم" يقال غم علينا الهلال غما فهو مغموم وغمى غمى فهو مغمى وغمى فهو مغمى وكان في السماء غمى مثل غشى وغم فحال دون رؤية الهلال وهو غيم رقيق يقال صمنا للغمى وللغمى وللغمه وللغيمه إذا صاموا على غير رؤية الهلال ويقال غمى عليه إذا غشى عليه ويقال اغمى عليه بمعناه فمعنى قوله: "فان غم عليكم" أي فان ستر رؤيته بغيابه أو غمامه حتى يتعذر رؤيته.
وفي حديث آخر: "فإن غم عليكم فاقدروا له" ٢ قوله: "اقدروا له" أي قدروا له منازل القمر ومجراه فيها يقال قدر يقدر ويقدر وقدر يقدر بمعنى واحد وفي حديث اخر: "فان غم عليكم فاكملوا العده ثلاثين" يعني قبل الصوم من شعبان حتى تدخلوا في صوم رمضان بيقين وكذلك فاصنعوا في استيفاء ثلاثين يوما من شهر رمضان حتى تكونوا على يقين من الفطر إذا وفيتم عدة رمضان ثلاثين فان قال قائل فما وجه الحديثين وامره مره باكمال العده ومره بالتقدير والحديثان معا صحيحان؟
فالجواب فيه: انه يحتمل معنى قوله: "اقدروا له" احكام العده فيما امر باكماله فاللفظان مختلفان والمعنيان متقاربان وفيه وجه ثان سمعت ابا الحسن السنجاني يقول سمعت ابا العباس بن سريج يقول في توجيه هذين الخبرين أن اختلاف الخطابين من النبي ﷺ كان على قدر افهام المخاطبين فامر من لا يحسن تقدير منازل القمر باكمال عدد الشهر الذي هو فيه حتى يكون دخوله في الشهر الاخر بيقين وامر من يحسن تقديره من الحساب الذين
стр. 98
لا يخطئون فيما يحسبون وذلك في النادر من الناس بان يحسبوا ويقدروا فان استبان لهم كمال عدد الشهر تسعا وعشرين كان أو ثلاثين دخلوا فيما بعده باليقين الذي بان لهم قال وقال أبو العباس ومما لا يشاكل هذا أن عوام الناس اجيز لهم تقليد أهل العلم فيما يستفتونهم فيه وامر أهل العلم ومن له آلة الاجتهاد بان يحتاط لنفسه ولا يقلد الا الكتاب والسنه وكلا القولين له مخرج والله اعلم.
وفي حديث عائشه ﵂: "ان النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم وكان املككم لاربه" ١ قال أبو منصور: أي كان املككم لحاجته والارب والأرب والاربه والمأربه والماربه الحاجه المعنى انه كان املك الرجال لحاجته إلى غير القبله لان الله عصمه أن يأتي ما نهى عنه ولستم مثله في منع النفس عن هواها فلا تتعرضوا لتقبيل نسائكم في حال صومكم فان ذلك يدعوكم إلى ما لا تملكون من مواقعة الحرام مع غلبة الشهوه.
وفي حديث اخر: "ان النبي ﷺ اتى بعرق من تمر فامر المواقع في شهر رمضان أن يتصدق به"٢ قال أبو عبيد: قال الاصمعي العرق السفيفه المنسوجه من الخوص قبل أن تسوى زبيلا فسمى الزبيل عرقا به وكل شيء مضفور فهو عرق وعرقه وانشد:
ونمر في العرقات من لم يقتل٣
стр. 99
قال الشافعي: قال سفيان العرق المكتل وقال الشافعي: والمكتل خمسة عشر صاعا وهو ستون مدا.
قال الشافعي: "ولا اقبل على رؤية هلال الفطر الا عدلين" ثم قال فان صحا قبل الزوال افطر وصلى بهم الامام معنى صحا أي عدلا يعني الشاهدين فصحت عدالتهما.
قال الشافعي: وللصائم أن ينزل الحوض فيغطس فيه معنى يغطس أي يغمس رأسه فيه يقال هما يتغاطسان في الماء ويتقامسان ويتماقلان بمعنى واحد وفي حديث ابن عباس انه قال في قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ ١ قال المرأة الهمه والشيخ والشيخ الكبير الهم يقال للشيخ إذا ولى وهرم هم وثم وقد انهم وانثم إذا ضعف وانحلت قواه واصله من قولهم انهم الشحم إذا ذاب وقال الله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٢ معنى قوله ﴿شَهِدَ﴾ أي حضر ولم يكن مسافرا ونصب الشهر لأنه جعله ظرفا فالمعنى من كان منكم حاضرا غير مسافر في شهر رمضان فليصمه.
قال الشافعي: "واكره للصائم السواك بالعشي لما احب من خلوف فم الصائم" الخلوف بضم: الخاء تغير طعم الفم ورائحته لامساكه عن الطعام والشراب يقال خلف فوه يخلف خلوفا واصل الصوم الامساك عن الطعام والشراب والجماع وقيل للساكت صائم لامساكه عن الكلام قال الله : ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ ٣ أي صمتا.
وفي حديث عائشه ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فقالت: "انا خبأنا لك حيسا"
الحيس: أن يؤخذ التمر ويخلص من نواه ثم يذر عليه أقط٤
стр. 100
مدقوق وسويق ويدق دقا ناعما حتى يتكتل ثم يؤكل وربما جعل فيه شيء من السمن.
قال الشافعي: "أحب للحاج ترك صوم عرفه لأنه حاج مضح مسافر" أراد بالمضحي البارز للشمس لأنه لا يغطي رأسه يقال ضحى يضحي فهو ضاح إذا برز للشمس ولم يتظلل واضحى يضحي إذا دخل في الضحى وهو إذا برز للشمس أو قعد في الضح وهو ضوء الشمس الذي هو ضد الظل ونقيضه وكان في الأصل الضحى فيقال مضح إذا دخل في ضحى الشمس وكلام العرب الجيد أن يقال ضحى للشمس يضحي إذا برز لها قال الله : ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ١ أي لا تصيبك الشمس ولا حرها في الجنه والضحى وقت شروق الشمس والضحاء ممدود وقت ارتفاع النهار والضحا ايضا الغذاء وهو الطعام الذي يتضحى به أي يتغدى باب الاعتكاف واصل الاعتكاف الاقامه في السجد والاحتباس يقال عكفته فعكف واعتكف أي حبسته فاحتبس والعاكف والمعتكف واحد قال الله : ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ ٢ أي ممنوعا محبوسا.
стр. 101
باب المناسك
الحج في اللغة: القصد وأصله من قولك حججت فلانا أحجه حجا إذا عدت إليه مرة بعد أخرى فقيل حج البيت لأن الناس يأتونه في كل سنة ومن قول المخبل السعدي١:
وأشهد من عوف حلولا كثيره ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا٢
يقول: يأتونه مره بعد أخرى لسؤدده وسبه عمامته يقول وقال ثعلب حججته أي قصدته ومحجه الطريق هي المقصد قال الشيخ وسميت الحجه حجه لانها تحج أي تقصد لان القصد لها واليها وأما العمره فلأهل اللغة فيها قولان يقال اعتمرت فلانا أي قصدته قال العجاج:
لقد سما ابن معمر حين اعتمر ... مغزى بعيدا من بعيد وضبر٣
معناه: قصد مغزى بعيدا وضبر جمع قوائمه فوثب وقيل اعتمر زار يقال أتانا فلان معتمرا أي زائرا وقال أبو اسحاق انما خص البيت الحرام بذكر اعتمر لأنه قصد
стр. 102
بعمل في موضع عامر فلذلك قيل معتمر وقد مر ذكر التلبيه وتفسيرها في ابواب الصلاة.
واما قوله: "لبيك إن الحمد والنعمة لك" فانه يجوز كسر الالف من إن الحمد وفتحها فمن كسر فهو استئناف كلام ومن فتحها أراد لبيك بأن الحمد لك والكسر اجودها والاهلال بالحج رفع الصوت بالتلبيه ومنه قيل للصبي إذا فارق امه أهل واستهل لرفعه صوته والاحرام الدخول في حرمة الحج والعمره اللذين يحرم فيهما الطيب والنكاح والصيد ولباس ما لا يحل لبسه.
قال الشافعي: في قول الله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ١.
قال: فالاستطاعة لها وجهان أحدهما أن يكون مستطيعا ببدنه واجدا من ماله ما يبلغه والوجه الاخر أن يكون مغصوبا في بدنه لا يقدر أن يثبت على مركب بحال والمغضوب الذي خيل اطرافه بزمانه اصابته حتى منعته عن الحركه واصله من عضبته اعضبه إذا قطعته والعضب شبيه بالخبل ويقال بنو فلان يطالبوننا بدماء حنبل والخبل قطع الايدي والارجل فيما ذكر ابن الاعرابي ومثله العضب ويقال للشلل يصيب الإنسان في يده ورجله عضب قاله ابن برى٢ وغيره.
وقال شمر: يقال عضبت يده بالسيف إذا قطعتها: ويقال: لا يعضبك الله ولا يخبلك وانه لمعضوب اللسان إذا كان عيبا فدما وفي مثل للعرب: "ان الحاجه ليعضبها طلبها"٣ قبل وقتها يقول يفسدها ويقطعها قال وتدعو العرب على الرجل فتقول ما له عضبه الله إذا دعوا عليه بقطع يده ورجله وقول الشافعي: "كان السلف يستحبون التلبيه عند اضطمام الرفاق" أي عند اجتماعهم وانضمام بعضهم إلى بعض وهو افتعال من الضم والرفاق جمع رفقه ورفقه وهي الجماعة
стр. 103
يترافقون فينزلون معا ويحتملون معا ويرتفق بعضهم بمعونة بعض.
وقوله وحرم المرأة في وجهها فلا تخمره وتسدل عليه الثوب وتجافيه عنه فتخميرها الوجه تغطيه وقد امرت الا تغطيه ما دامت محرمه وسدلها الثوب عليه أن ترسله ارسالا لا يلصق بوجهها ويكون سترا بينها وبين من ينظر اليها.
وقوله: "لا تحرم وهي غفل" أي لا تحرم الا وقد تقدمت قبل الاحرام بالاختضاب بالحناء وارض غفل لا اعلام فيها وبعير غفل لا سمة عليه وكره للمرأه ترك الخضاب لئلا تتشبه بالرجال ويكره لها التطاريف أي لا تخضب اطراف اصابعها ولكن تغمس اليدين في الخضاب غمسا.
وقوله: "ويجلس المحرم عند الكعبه وهي تجمر" أي تبخر بالعود قال النبي ﷺ في صفة أهل الجنه: "ومجامرهم الألوة" ١ أي بخورهم العود الجيد ويقال للعود نفسه مجمر ومنه قول الشاعر٢:
لا تصطلي النار الا مجمرا أرجا ... قد وقصت من يلنجوج لها وقصا٢
يصف إمرأة لا تصطلى نارا الا موقدة بالعود الهندي.
وقوله: أن ابن عباس دخل حمام الجحفه وهو محرم وقال ما يعبأ الله بأوساخكم شيئا معناه ما لأوساخ المحرمين عنده وزن فيبالى بها ومنه قول الله : ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ ٣ المعنى أي وزن لكم لولا دعاؤه اياكم إلى توحيده اعذارا وانذارا ويقال ما عبأت بفلان
стр. 104
أي ما كان له عندي قدر ولا وزن والعبء الثقل مأخوذ من هذا وعبأت المتاع إذا جعلت بعضه على بعض.
وقوله: "المحرم إذا نظر إلى البيت يقول اللهم انت السلام ومنك السلام" فالسلام الاول اسم الله تعالى لان الخلق أجمعين سلموا من ظلمه.
وقوله: "ومنك السلام" أى من أكرمته بالسلام فقد سلم فحينا ربنا بالسلام أي سلمنا بتحيتك ايانا من جميع الافات.
واستلام الحجر يجوز أن يكون افتعالا من السلام وهو التحيه كأنه إذا استلمه أقترأ منه السلام وهو التحيه فتبرك به وهذا كما يقال لا بد لمن خادم له أن يختدم أي يخدم نفسه وأهل اليمن يسمون الركن الأسود المحيا وهذا يدل على أن استلامه من السلام الذي هو التحيه وكان التقيبي يذهب باستلام الحجر إلى السلام وهي الحجاره واحدتها سلمه وسلمه واستلمت الحجر إذا لمسته كما يقال اكتحلت إذا اخذت من الكحل وادهنت إذا اخذت من الدهن وسمعت المنذري يحكي عن ثعلب عن ابن الاعرابى قال الاستلام اصله استلام مهموز قال وأصله من الملأمه وهو الاجتماع.
وقال الشافعي: "استلام الركن باليد وإنما يستلم اليماني ولا يقبله ويقبل الأسود واستلامه واليمانى كأنه يسلم بيده عليه إذا صافحه" وقول الشافعي ﵀ دليل على القول الاول وهو الذي اختاره
والرمل في الطواف الجمز والاسراع ولذلك قيل لخفيف الشعر: رمل
الملبج والضافر والعاقص:
وقال عمر ﵁: "من لبد أو ضفر أو عقص فعليه الحلق" فالملبد الذي لبد شعره يلزوق يجعله عليه حتى يتلبد ويلزق بعضه ببعض لئلا يشعث ولا يصيبه التراب والضافر الذي ادخل شعره بعضه في بعض كأنه نسجه نسجا عريضا كما يضفر الحبل المنسوج. والعاقص الذي لوى شعره ليا وادخل اطرافه في اصوله ومنه قيل للشاه الملتوية القرنين عقصاء وهي
стр. 105
عقائص المرأة وعقاصها واحدتها عقيصه وعقصه وإنما جعل عليه الحلق في هذه الاشياء دون التقصير لان هذه الاشياء تقي شعره من الشعث والغبار فجعل عليه الحلق عقوبة له.
"واشعار الهدى أن يطعن في أسنمتها بمبضع أو حديدة حتى يسيل منه الدم". وقيل له اشعار لأنه جعل علامه للهدى وكل شيء اعلمته بعلامه فقد اشعرته يقال للملك إذا اصيب وقتل وقد اشعر وكانت العرب تجعل دية الملك الف بعير إذا قتل ويقولون دية المشعره الف اقرع وكرهوا أن يقولوا قتل الملك فقالوا: اشعر.
وشعائر الله متعبداته واحدتها شعاره ويقال شعيره وإنما هي اعلام لطاعته وقيل في قول الله : ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ ١ انها الهدايا المشعره أي المعلمه بتقليد أو تدمية وغيرها.
قال الشافعي: "ويضطبع للطواف" الاضطلاع افتعال من الضبع وهو العضد وكان في الأصل اضتبع فقلبت التاء طاء فقيل اضطبع وهو أن يدخل الرداء الذي يحرم فيه من تحت منكبه الايمن فيلقيه على عاتقه الايسر وهو التأبط والتوشح ايضا وحاشية المطاف ناحيته وقاصيته وحاشية كل شيء طرفه الاقصى وكذلك حشا كل شيء ناحيته وحشا الوادي ناحيته ومنه يقال حاشا لله إذا استثنى حاشا من الحشا وهو الناحيه وإذا استثنى شيئا فقد نحاه عما حلف عليه قاله أبو بكر ابن الانباري ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ ٢ بمنزلة معاذ الله وهو مأخوذ منه فيما ذكر أهل اللغة وقولهم اللهم اجعله حجا مبرورا أي حجا متقبلا يقال بر الله حجة يبره أي تقبله واصله من البر وهو اسم لجماع الخير وبررت فلانا ابره برا إذا وصلته وكل عمل صالح بر جعل لبيد البر التقوى فقال:
стр. 106
وما البر الا مضمرات من التقى ... وما المال الا معمرات ودائع١
قوله: "المضمرات" يعني به الخفايات من التقى وقوله: "وما المال الا معمرات" أي المال الذي في أيديكم ودائع مدة عمركم ثم يصير لغيركم وأما قول عمرو بن كلثوم:
نجذ رءوسهم في غير بر٢
فمعناه في غير طاعة قال شمر: الحج المبرور الذي لا يخالطه من المآثم شيء قال والبيع المبرور الذي لا شبهه فيه ولا كذب ولا خيانه ويقال بر الله حجه وابره وبرت يمينه تبر وابرها الحالف إذا لم يحنث فيها وفلان تبرر بعمله ونذره أي يطلب الطاعه لله والخير والفجور نقيض البر والفاجر الجائر عن الطريق وفجر الرجل إذا كذب وانشد:
قتلتم فتى لا يفجر الله عامدا ... ولا يجتويه جاره حين يمحل٣
أي لا يكذب الله عامدا ويقال معناه لا يفجر امره فيميل عنه وجاء في تلبية أهل الجاهيه ... يبرك الناس ويفجرونك ومعنى يبرك الناس أي يطيعونك والاخرون يفجرونك أي يعصونك.
وقوله: "اجعله سعيا مشكورا" أي اجعله متقبلا يزكو لصاحبه ثوابه وهو معنى المشكور والسعي بين الصفا والمروه شبيه بالعدو والاسراع يقال سعى يسعى سعيا إذا عدا واسرع والسعي ايضا المشي والمضي ومنه قوله تعالى:
стр. 107
﴿فَاسَعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ١ أي امضوا ومساعى الرجل أعماله الصالحة واحدتها مسعاة.
قال الشافعي: "واذا غربت الشمس يوم عرفه دفع الامام وعليه الوقار فإذا وجد فجوه اسرع" في الحديث أن النبي ﷺ كان إذا وجد فجوة نص وانه اوضع في وادي محسر معنى دفع أي مضى سائرا والفجوه ما اتسع من الأرض وجمعها فجوات وقال ابن الاعرابي رجل افجى وافج وهو المتباعد ما بين الفخذين الشديد الفجج اخبرني بذلك أبو الفضل عن ثعلب عنه قال وأنشد:
الله أعطانيك غير أجدلا ... لا هجرعا رخوا ولا مشكلا
ولا أصك أو أفج فنجلا٢
الفنجل, والأجدل, والنص:
الفنجل هو: الأفج أيضا والهجرع الجافي الغليظ والاجدل المائل العنق ومن هذا يقال رجل افجى إذا تباعد ما بين رجليه في مشيته والنص اقصى السير وهو ارفعه وكذلك نص البيان ابينه وارفعه واصله من نص السير وهو ارفعه وانتص الرجل إذا انتصب مرتفعا على الناس ومنه منصة العروس.
قوله: "اوضع في وادي محسر" أي: اعدى بعيره وركضه وقد وضع أي عدا يضع وضعا وانشد أبو عبيد:
إذا اعطيب راحله ورحلا ... فلم أوضع فقام على ناعى٣
قال الشافعي: "يرمي بما يقع عليه اسم حجر مرمر أو يرام أو كذان" فالمرمر الرخام الذي يخرط منه الالواح والعمد وتبلط به الدور وهو من الين الحجاره واقلها خشونه وكل حجر املس لين مرمر ومنه قيل للجاريه الناعمه مرموره ومرماره والبرام جمع البرمه ويجمع برما والذي يسويها يدعى مبرما والكذان الحجاره الرخوه التي تتفتت إذا حتت
стр. 108
الواحدة كذانه والصوان من الحجارة الذي إذا مسته النار فقع وتشقق وحصى الخذف الصغار مثل النوى يرمى بها بين اصبعين وقد نهى النبي ﷺ عن الخذف وقال: "لا تقتل صيدا ولا ينكأ عدوا" ١واما الحذف بالحاء فهو بالعصا.
قال الشافعي: "وان وقعت حصاة على محمل ثم استنت فوقعت في موضع الجمار اجزاه" واستنانها أن تمضي على حموتها من غير أن يدفعها صاحب المحل يقال استن فلان يعدو إذا مضى على سننه فلا يعرج يمينا ولا شمالا ومنه قول الشاعر يصف طعنة فاح دمها:
ومستنه كاستنان الخروف ... قد قطع الحبل بالمرود٢
اراد بالمستنه طعنه فاحت بدم شديد السيلان غالب والخروف المهر واستنانه مضيه في عدوه مستقيما واستنت الطعنه إذا فارت بدم غالب شديد السيلان.
وفي الحديث: "ان النبي ﷺ امر أم سلمه أن تعجل الافاضه". أي تعجل الدفع من منى إلى مكه للطواف قال الله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ٣ أي ادفعوا سائرين يقال افاض البعير بجرته إذا دفعها وافاض الناس في الحديث إذا اندفعوا فيه والجمرات واحدتها جمره وهي مجتمع الحصى التي ترمى وكل كومه من الحصى جمره وجمرات العرب سميت جمرات لاجتماع كل قبيله منها على حده لا تحالف ولا تجاور قبيله اخرى وقال الاصمعي جمر بنو فلان يجمرون إذا اجتمعوا فصاروا البا على غيرهم وبنو فلان جمره إذا كانوا أهل منعه وشدة يقال عد فلان ابله جمارا إذا عدها مجتمعه وعدها نظائر إذا عدها مثنى مثنى قال ابن أحمر:
стр. 109
وظل رعاؤها يرعون فيها ... وإن عدت نظائر أو جمارا١
وجمر القائد الجيش إذا جمعهم في ثغر من الثغور فاطال حبسهم ولم يأذن لهم في القفول مأخوذ من هذا قال:
نك قد جمرتنا عن نسائنا ... وإومنيتنا حتى نسينا الأمانيا٢
وجمر ثوبه إذا بخره واجمر اجمارا إذا عدا عدوا شديدا وجمائر المرأة ضفائرها.
والنسيكة: الذبيحة وجمعها نسك والمناسك متعبدات الحجيج واحدها منسك ومنسك قال ابن الاعرابي النسيكة والصليجة السبيكة من الفضة المصفاة ومنه اخذ النسك لأنه صفا من الرياء.
وقوله: "ان تدارك عليه رميان" أي تتابعا عليه لتفريط كان في رمى الاول في وقته يقال تدارك القوم واداركوا إذا تتابعوا وهو لازم ومتعد يقال تداركته واداركته أي ادركته قال الله : ﴿حَتَّى إذا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً﴾ ٣ أي تتابعوا وكذلك ادرك لازم ومتعد وسمي اليوم الذي يلي يوم النحر يوم القر لان الناس يقرون فيه بمعنى لا يبرحونه وقيل لليوم الذي يليه يوم النفر الاول لان من أراد أن يتعجل الصدر نفر في ذلك اليوم نفر ينفر نفرا ونفورا ومن تأخر نفر في اليوم الثاني ويوم النفر الثاني بعد الاول ويوم القر بين يوم النحر ويوم النفر الاول سمي يوم القر لان الحجيج يوم الترويه وعرفه والنحر في تعب من الحج في الذهاب والمجيء فإذا كان الغد من يوم النحر قروا بمنى فلهذا سمي يوم القر وسميت المزدلفه مزدلفه لان الحاج إذا رفعوا من عرفه
стр. 110
نزلوا بها وتزلفوا أي تقدموا اليها يقال زلفت القوم ازلفهم زليفا إذا تقدمتهم.
وفي الحديث: "ان النبي ﷺ اتى ببدنات خمس فطفقن يزدلفن" أي يقتربن ويتقدمن إليه وقال الله : ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ ١ أي قدمنا وقربنا وزلف الليل ساعات اوله واحدتها زلفه ويقال للمزدلفه جمع ايضا ووداع البيت سمي وداعا لأنه اسم وضع موضع المصدر من ودعت وداعا وتوديعا واصل التوديع ترك الشيء قال الله : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٢ أي ما تركك ولا ابغضك والعرب قلما تقول ودعته بالتخفيف أي تركته ولكنهم يقولون دعه ولا تدعه ثم يقولون تركته بدل ودعته فالحاج يودع البيت ومشاعره بعد فراغه من مناسكه أي يتركها وينصرف إلى اهله وسميت حجة الوداع لان النبي ﷺ حج تلك الحجه ولم يعد إلى مكة بعدها.
البدنة والأشيب والهدى:
والبدنه سميت بدنه لسمنها وعظمها يقال بدن الإنسان يبدن فهو بادن إذا سمن وبدن يبدن تبدينا إذا اسن ويقال للرجل المسن بدن ومنه قوله:
هل لشباب فات من مطلب ... ام ما بكاء البدن الاشيب٣
الأشيب: يقول إذا شاب رأس الرجل بكى على شبابه لنفار النساء عنه فقال أي منفعة في البكاء على الشباب.
والهدى أصله الهدى مشدد من هديت الهدى أهديه فهو هدى ثم خفف