وما البر الا مضمرات من التقى ... وما المال الا معمرات ودائع١
قوله: "المضمرات" يعني به الخفايات من التقى وقوله: "وما المال الا معمرات" أي المال الذي في أيديكم ودائع مدة عمركم ثم يصير لغيركم وأما قول عمرو بن كلثوم:
نجذ رءوسهم في غير بر٢
فمعناه في غير طاعة قال شمر: الحج المبرور الذي لا يخالطه من المآثم شيء قال والبيع المبرور الذي لا شبهه فيه ولا كذب ولا خيانه ويقال بر الله حجه وابره وبرت يمينه تبر وابرها الحالف إذا لم يحنث فيها وفلان تبرر بعمله ونذره أي يطلب الطاعه لله والخير والفجور نقيض البر والفاجر الجائر عن الطريق وفجر الرجل إذا كذب وانشد:
قتلتم فتى لا يفجر الله عامدا ... ولا يجتويه جاره حين يمحل٣
أي لا يكذب الله عامدا ويقال معناه لا يفجر امره فيميل عنه وجاء في تلبية أهل الجاهيه ... يبرك الناس ويفجرونك ومعنى يبرك الناس أي يطيعونك والاخرون يفجرونك أي يعصونك.
وقوله: "اجعله سعيا مشكورا" أي اجعله متقبلا يزكو لصاحبه ثوابه وهو معنى المشكور والسعي بين الصفا والمروه شبيه بالعدو والاسراع يقال سعى يسعى سعيا إذا عدا واسرع والسعي ايضا المشي والمضي ومنه قوله تعالى:
стр. 107
﴿فَاسَعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ١ أي امضوا ومساعى الرجل أعماله الصالحة واحدتها مسعاة.
قال الشافعي: "واذا غربت الشمس يوم عرفه دفع الامام وعليه الوقار فإذا وجد فجوه اسرع" في الحديث أن النبي ﷺ كان إذا وجد فجوة نص وانه اوضع في وادي محسر معنى دفع أي مضى سائرا والفجوه ما اتسع من الأرض وجمعها فجوات وقال ابن الاعرابي رجل افجى وافج وهو المتباعد ما بين الفخذين الشديد الفجج اخبرني بذلك أبو الفضل عن ثعلب عنه قال وأنشد:
الله أعطانيك غير أجدلا ... لا هجرعا رخوا ولا مشكلا
ولا أصك أو أفج فنجلا٢
الفنجل, والأجدل, والنص:
الفنجل هو: الأفج أيضا والهجرع الجافي الغليظ والاجدل المائل العنق ومن هذا يقال رجل افجى إذا تباعد ما بين رجليه في مشيته والنص اقصى السير وهو ارفعه وكذلك نص البيان ابينه وارفعه واصله من نص السير وهو ارفعه وانتص الرجل إذا انتصب مرتفعا على الناس ومنه منصة العروس.
قوله: "اوضع في وادي محسر" أي: اعدى بعيره وركضه وقد وضع أي عدا يضع وضعا وانشد أبو عبيد:
إذا اعطيب راحله ورحلا ... فلم أوضع فقام على ناعى٣
قال الشافعي: "يرمي بما يقع عليه اسم حجر مرمر أو يرام أو كذان" فالمرمر الرخام الذي يخرط منه الالواح والعمد وتبلط به الدور وهو من الين الحجاره واقلها خشونه وكل حجر املس لين مرمر ومنه قيل للجاريه الناعمه مرموره ومرماره والبرام جمع البرمه ويجمع برما والذي يسويها يدعى مبرما والكذان الحجاره الرخوه التي تتفتت إذا حتت
стр. 108
الواحدة كذانه والصوان من الحجارة الذي إذا مسته النار فقع وتشقق وحصى الخذف الصغار مثل النوى يرمى بها بين اصبعين وقد نهى النبي ﷺ عن الخذف وقال: "لا تقتل صيدا ولا ينكأ عدوا" ١واما الحذف بالحاء فهو بالعصا.
قال الشافعي: "وان وقعت حصاة على محمل ثم استنت فوقعت في موضع الجمار اجزاه" واستنانها أن تمضي على حموتها من غير أن يدفعها صاحب المحل يقال استن فلان يعدو إذا مضى على سننه فلا يعرج يمينا ولا شمالا ومنه قول الشاعر يصف طعنة فاح دمها:
ومستنه كاستنان الخروف ... قد قطع الحبل بالمرود٢
اراد بالمستنه طعنه فاحت بدم شديد السيلان غالب والخروف المهر واستنانه مضيه في عدوه مستقيما واستنت الطعنه إذا فارت بدم غالب شديد السيلان.
وفي الحديث: "ان النبي ﷺ امر أم سلمه أن تعجل الافاضه". أي تعجل الدفع من منى إلى مكه للطواف قال الله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ٣ أي ادفعوا سائرين يقال افاض البعير بجرته إذا دفعها وافاض الناس في الحديث إذا اندفعوا فيه والجمرات واحدتها جمره وهي مجتمع الحصى التي ترمى وكل كومه من الحصى جمره وجمرات العرب سميت جمرات لاجتماع كل قبيله منها على حده لا تحالف ولا تجاور قبيله اخرى وقال الاصمعي جمر بنو فلان يجمرون إذا اجتمعوا فصاروا البا على غيرهم وبنو فلان جمره إذا كانوا أهل منعه وشدة يقال عد فلان ابله جمارا إذا عدها مجتمعه وعدها نظائر إذا عدها مثنى مثنى قال ابن أحمر:
стр. 109
وظل رعاؤها يرعون فيها ... وإن عدت نظائر أو جمارا١
وجمر القائد الجيش إذا جمعهم في ثغر من الثغور فاطال حبسهم ولم يأذن لهم في القفول مأخوذ من هذا قال:
نك قد جمرتنا عن نسائنا ... وإومنيتنا حتى نسينا الأمانيا٢
وجمر ثوبه إذا بخره واجمر اجمارا إذا عدا عدوا شديدا وجمائر المرأة ضفائرها.
والنسيكة: الذبيحة وجمعها نسك والمناسك متعبدات الحجيج واحدها منسك ومنسك قال ابن الاعرابي النسيكة والصليجة السبيكة من الفضة المصفاة ومنه اخذ النسك لأنه صفا من الرياء.
وقوله: "ان تدارك عليه رميان" أي تتابعا عليه لتفريط كان في رمى الاول في وقته يقال تدارك القوم واداركوا إذا تتابعوا وهو لازم ومتعد يقال تداركته واداركته أي ادركته قال الله : ﴿حَتَّى إذا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً﴾ ٣ أي تتابعوا وكذلك ادرك لازم ومتعد وسمي اليوم الذي يلي يوم النحر يوم القر لان الناس يقرون فيه بمعنى لا يبرحونه وقيل لليوم الذي يليه يوم النفر الاول لان من أراد أن يتعجل الصدر نفر في ذلك اليوم نفر ينفر نفرا ونفورا ومن تأخر نفر في اليوم الثاني ويوم النفر الثاني بعد الاول ويوم القر بين يوم النحر ويوم النفر الاول سمي يوم القر لان الحجيج يوم الترويه وعرفه والنحر في تعب من الحج في الذهاب والمجيء فإذا كان الغد من يوم النحر قروا بمنى فلهذا سمي يوم القر وسميت المزدلفه مزدلفه لان الحاج إذا رفعوا من عرفه
стр. 110
نزلوا بها وتزلفوا أي تقدموا اليها يقال زلفت القوم ازلفهم زليفا إذا تقدمتهم.
وفي الحديث: "ان النبي ﷺ اتى ببدنات خمس فطفقن يزدلفن" أي يقتربن ويتقدمن إليه وقال الله : ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ ١ أي قدمنا وقربنا وزلف الليل ساعات اوله واحدتها زلفه ويقال للمزدلفه جمع ايضا ووداع البيت سمي وداعا لأنه اسم وضع موضع المصدر من ودعت وداعا وتوديعا واصل التوديع ترك الشيء قال الله : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٢ أي ما تركك ولا ابغضك والعرب قلما تقول ودعته بالتخفيف أي تركته ولكنهم يقولون دعه ولا تدعه ثم يقولون تركته بدل ودعته فالحاج يودع البيت ومشاعره بعد فراغه من مناسكه أي يتركها وينصرف إلى اهله وسميت حجة الوداع لان النبي ﷺ حج تلك الحجه ولم يعد إلى مكة بعدها.
البدنة والأشيب والهدى:
والبدنه سميت بدنه لسمنها وعظمها يقال بدن الإنسان يبدن فهو بادن إذا سمن وبدن يبدن تبدينا إذا اسن ويقال للرجل المسن بدن ومنه قوله:
هل لشباب فات من مطلب ... ام ما بكاء البدن الاشيب٣
الأشيب: يقول إذا شاب رأس الرجل بكى على شبابه لنفار النساء عنه فقال أي منفعة في البكاء على الشباب.
والهدى أصله الهدى مشدد من هديت الهدى أهديه فهو هدى ثم خفف
стр. 111
فيقال هدى والواحد هديه وكلام العرب اهديت الهدى اهداء وهديت العروس هداء فهي هدى واهديت الهديه اهداء والبدنه لا تكون الا من الابل خاصة فأما الهدى فإنه يكون من الإبل والبقر والغنم.
المراهق:
قال الشافعي: "والمراهق إذا وطئ قبل عرفة ثم احتلم اتم حجه ولم يجز عنه" المراهق الذي قارب الحلم ولما يحتلم بعد وهو مأخوذ من قولك رهقت الشيء إذا غشيته ودنوت منه وقال الاصمعي في فلان رهق أي غشيان للمحارم وقال الفراء رهقني الرجل رهقا أي لحقني وغشيني والمرهق المتهم في النساء والمرهق المعجل ومنه قول الله : ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ ١ أي لا تعجلني ويقال أيضا أرهق فلان صلاته إذا أخرها وقال الفراء: رهقني الرجل: لحقني.
الصرورة
قال: "ولا يحج الصرورة عن الرجل" الصرورة الرجل الذي لم يحج يقال رجل صرورة وامرأة صرورة إذا لم يحجا ويقال ايضا للرجل إذا لم يتزوج ولم يأت النساء صرورة قال النابغه:
لو انها عرضت لاشمط راهب ... عبد الاله صرورة متهجد٢
وقيل للذي لم ينكح صرورة لصره على ماء ظهره وابقائه اياه وقيل للذي لم يحج صرورة لصره على نفقته التي يتبلغ بها الحج.
وقال: "في جزاء الصيد في الارنب عناق" وهي الأنثى من أولاد
стр. 112
المعزى قبل استكمالها الحول والجفره من اولاد المعزى التي فصلت عن امها والذكر جفر والحلان الذكر من اولاد المعزى إذا قوى وهو بمنزلة الجدي وقال بعضهم الحلان الحمل والارويه الأنثى من الوعول وجمعها اروى.
قال الشافعي: "في الارويه عضب ذكرا كان أو أنثى"١ العضب العجل الذي قد طلع قرنه وقيض عليه ولم يجدع وإنما يجذع الثور لتمام سنتين.
وقال في الظبي تيس من الغنم والتيس من اولاد المعزى الذي اتت عليه سنه وقوى على الضراب وإذا اثنى فهو تيس ايضا وذكر عن عثمان ﵁ انه قضى في أم حبين بجدى صغير وفي حديث آخر انه قضى فيها بحلان والحلان والجدي واحد وأما أم حبين فهي دابه من حشرات الأرض تشبه الضب ورأيت الاعراب يعافون أكلها وهي الأنثى من الحرابى سميت أم حبين لعظم بطنها وقال رجل من الحاضره لبدوي ما تأكون قال نأكل دب ودرج الا أم حبين قال لتهنأ أم حبين العافيه والأحبن من الناس الذي به السقى.
وقال الشافعي: ﵀: "في الأصل إن كانت العرب تأكل الوبر ففيه جفره" قال ابن الاعرابي الوبر الذكر والانثى وبره وهي في عظم الجرذ الا انها انبل واكرم وهي كحلاء لها اطباء* وجمعها وبار وهي من جنس بنات عرس قال والجرذ الضخم من الفأر يكون في الفلوات ولا يألف البيوت.
قال الشافعي: "والحمام كل ما عب وهدر وان تفرق به اسماء فهو الحمام واليمام والدباسي والقماري والفواخت وغيرها" قال أبو عبيد سمعت الكسائي يقول الحمام هو البري الذي لا يألف البيوت قال وهذه التي تكون في البيوت هي اليمام قال:
стр. 113
وقال الاصمعي كل ما كان ذا طوق مثل القمرى والفاخته واشباهها فهو حمام قال الأزهري ولا يهدر الا هذه المطوقات هديره تغريده ترجيعه صوته كأنه يسجع ولذلك يقال سجعت الحمامه إذا طربت في صوتها وأما عب الحمام فان البري والاهلي من الحمام يعب إذا شرب وهو أن يجرع الماء جرعا وسائر الطيور تنقر الماء نقرا وتشرب قطره قطره وتقول العرب إذا شربت الماء فاغنث ولا تعب معنى فاغنث أي اشرب نفسا من نفس ولا تعب أي لا تشربه بجرعة واحده لا تتنفس.
وفي الحديث: "أن النبي ﷺ رخص للمحرم في قتل الحداء والكلب والعقور" فالحداء بكسر الحاء مقصور مهموز الواحده حدأه وهو هذا المصرصر الذي يصيد الفأر ويقع على الجيف ويقال عقاب ملاع ايضا والحدأه حد الفأس بفتح الحاء وجمعها حدأ والرخمه طائر يأكل العذره ولا يصيد صيدا وجمعها رخم ولا يأكله احد ولا يجزيه المحرم إذا قتله والكلب العقور كل سبع يعقر مثل الاسد والنمر والفهد والذئب وذكر الحلم انه لا يجزى يقال للقراد اول ما يكون وهو صغير قمقام ثم يصير حمنانا ثم يصير قرادا ثم حلمه إذا سمن وكبر وجمعها حلم.
وقول الله : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ١ قال أهل اللغة يقال للرجل الذي يمنعه الخوف أو المرض من التصرف قد أحصر فهو محصر ويقال للذي حبس قد حصر فهو محصور وقال الفراء لو قيل للذي يمنعه المرض أو الخوف قد احصرلانه بمنزلة الذي قد حبس لجاز ولو قيل للذي حبس احصر لجاز كلام العرب هو الاول وعليه أهل اللغة وقول ابن عباس: "لا حصر الا حصر العدو"٢
стр. 114
ويدل على ما قاله الفراء١.
قال الشافعي: "إن كان الهدى شاة قلدها خرب القربة" خرب القربة والمزاده عراها واحدها خربة ويقال للثقب المستدير في الاذن خربة أيضا تشبيها بخربة المزادة قال ذو الرمة:
او من معاشر في آذانها الخرب٢
وقول الله : ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ ٣ فكلوا منها يقول إذا نحرت البدن وذبح الهدى واسبطرت للموت وسقطت جنوبها فكلوا منها يقال وجب الحائط يجب وجبه إذا سقط ووجب القلب يجب وجيبا إذا اضطرب من الفزع ووجب البيع يجب وجوبا إذا انعقد.
стр. 115
ومن كتاب البيوع
...
من كتاب البيوع
العرب تقول بعت بمعنى بعت ما ملكته من غيري فزال ملكي عنه وتقول بعت بمعنى اشتريت ويقال لكل واحد منهما بائع وبيع ومنه قول النبي ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" ٤ وانشد أبو عبيد:
وباع بنيه بعضهم بخشاره ... وبعت لذبيان العلاء بمالكا
стр. 116
فمعنى بعت لذبيان العلاء أي اشتريت لهم الشرف بمالك الذي سمحت به وكذلك شريت تكون بمعنيين متضادين وإنما اجيز ذلك لان الثمن والمثمن كلاهما مبيع إذا تبايع المتبايعان قال الله : ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ ١ فجعل الثمن مشترى كسائر السلع.
وقال الشافعي ﵀: "اذا عقد المتبايعان بيعا بما يجوز فافترقا عن تراض لم يكن لأحدهما رده الا بعيب أو بشرط خيار" وشرط الخيار في هذا الموضع أن يشترط احد المتبايعين خيار ثلاثة ايام أو اقل على ما وردت به السنه وهذا غير الخيار الذي جعله النبي ﷺ للمتبايعين ما لم يتفرقا لان هذا خيار يجب لهما ما لم يتفرقا وان لم يشترطاه والاول خيار مشترط يكون للذي اشترطه منهما بعد تفرق الابدان مدة محصوره بالسنه وإنما بينت وجوه الخيار لئلا يلتبس على المتفقه وقد اختلف لفظان في هذا الحديث فاردت أن اعرفك ما قال في الفرق بينهما أهل اللغة لتقف عليه وهو قوله: "ما لم يتفرقا".
وقوله:"ما لم يفترقا".
قال أبو عمر غلام ثعلب٢: سئل أحمد بن يحيى عن الفرق بين الافتراق والتفرق فقال اخبرني ابن الاعرابي عن المفضل قال فرقت بين الكلامين مخففا فافترقا وفرقت بين اثنين مشددا فتفرقا فاراه جعل الافتراق في القول والتفرق بالابدان ووجه من الخيار ثالث جاء في السنه المأثوره وهو أن يعقد المتبايعان بيعا صحيحا ثم يخير أحدهما صاحبه قبل افتراقهما فيقول له اختر انفاذ البيع أو رده فان لم يختر رده بعد هذا التخيير فقد وجب البيع وان لم يتفرقا وقد جاء تفسير ما ذكرته في حديث حدثناه الحسين بن ادريس املاء حدثنا محمد بن رمح عن الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم
стр. 117
يتفرقا الا بيع الخيار" ١ وحديث الليث اوضح الفاظا واظهر بيانا.
قال الشافعي: "والمتبايعان قبل العقد يكونان متساومين ثم يكونان متبايعين" والتساوم بين الرجلين في السلعه أن يعرض البائع سلعته بثمن ما ويطلبه الاخر بثمن دونه ويقال سمت السلعه أي عرضتها وسمتها بكذا إذا طلبتها ويقال استمتها في الطلب وكل جائز والعرب تقول عرض فلان على سوم عاله وذلك إذا عذر في عرضه الطعام على من نزل به كعرض العاله من الابل على الماء وذلك انها إذا علت بعد النهل لم تشرب فالذي يعرضها على الماء لا يبالغ في عرضه وفي حديث طاوس: "ان رسول الله ﷺ خير رجلا بعد البيع فقال الرجل عمرك الله ممن انت؟ ٢.
قال أبو عبيد قال الكسائي معنى عمرك الله نصب على معنى عمرتك الله أي سألت الله عمرك وتعميرك قال: ويقال إن عمرك الله يمين بغير واو كأنه قال وعمرك والله ويقال معناه وعبادتك الله ويقال فلان يعمر ربه أي يصلي ويصوم.
قال الشافعي: "وكل متبايعين في سلعة وعين وصرف وغيره فلكل واحد منهما فسخ البيع حتى يتفرقا" هكذا رواه المزنى عن الشافعي وعبارته في الام خلاف ما رواه المزنى لان الشافعي قال: "فكل متبايعين في سلف إلى اجل أو دين أو عين أو صرف أو غيره". فقوله في سلف إلى اجل أي في سلم إلى اجل معلوم واسلفت واسلمت بمعنى واحد وقد يكون السلف بمعنى القرض.
وقوله: "او دين" أي أو في دين أي باع أحدهما من صاحبه سلعه بدين أي بمال مؤجل من دراهم أو دنانير.
стр. 118
وقوله: "أو عين" أي كان تبايعهما السلعة بنقد حاضر يقال اشتريت أحد هذين العبدين بالدين والاخر بالعين أي اشتريت أحدهما بمال مؤجل والاخر بالنقد الحاضر والعين في غير هذا الموضع الدنانير الخاصه يقال عند فلان عير كثير أي دنانير كثيره والورق الدراهم خاصه والعين في كلام العرب على وجوه كثيره سوى الوجهين اللذين فسرنا١ فالعين الاصابه بالعين يقال عنته اعينه عينا إذا اصبته بالعين والعين التي تبصر بها الناظر والعين الربيئه وهي الطليعه وعين المال خياره وعين الشيء نفسه يقال لا اقبل الا درهمي بعينه والا مالي بعينه والعين التي يخرج منها الماء والعين مطر ايام لا يقلع والعين ما عن يمين قبله العراق ويقال في الميزان عين إذا رجحت احدى كفتيه على الاخرى والعين عين الشمس في السماء.
وقول النبي ﷺ : "الا سواء بسواء عينا بعين يدا بيد" ٢ ومعنى قوله الا سواء بسواء أي لا يجوز الا مستويا بمستو لا فضل في أحدهما على الاخر قال الله : ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ ٣ أي ليسوا مستوين وكذلك قوله تعالى: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ ٤ أي مستويا وهذا مصدر وضع موضع الفاعل فاستوى الجميع والواحد والذكر والانثى فيه ويكون السواء ايضا بمعنى العدل والنصفه قال الله : ﴿تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ٥ أي كلمة عدل لا جور فيها والسواء يكون بمعنى الوسط قال الله : ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ ٦ أي في وسطها.
وقوله عينا بعين أي حاضرا بحاضر وقوله يدا بيد أي
стр. 119
يعطي بيد ويأخذ بالاخرى. وقال الفراء العرب تقول باع فلان غنمه باليدين يريدون سلمها بيد واخذ ثمنها بيد قال ويقال ابتعت الغنم اليدين أي بثمنين مختلفين اخبرني بذلك المنذري عن ابي طالب عن ابيه عن الفراء.
وقوله: "من زاد وازداد فقد اربى" يقول من زاد صاحبه على ما اخذ أو ازداد لنفسه على ما دفع فقد اربى أي دخل في الربا المنهي عنه وتقول للرجل إذا اعطيته شيئا هل تزداد أي هل تطلب الزياده على ما اعطيتك والنسيئه التأخير وهو اسم على فعيل وفعيله يقوم مقام الانساء والنسء يقال نسأ الله فلانا اجله بغير الف نسيئه ونسئا وانسأ في اجله انساء ونسيئه.
قال الشافعي: "وانما انظر في التبر إلى اصله" فالتبر من الدراهم والدنانير ما كان غير مصوغ ولا مضروب وكذلك من النحاس وسائر الجواهر ما كان كسارا رفاتا غير مصنوع آنية ولا مضروب فلوسا واصل التبر من قولك تبرت الشيء أي كسرته جذاذا وذكر العجوه وهو جنس من التمر معروف وهي الوان وهذا الصيحاني* الذي يحمل من المدينه من العجوه.
قال الشافعي: "ولا خير في مد حنطه فيها قصل أو زؤان بمد حنطه لا شيء فيها" قال أبو عبيد عن الفراء يقال في الطعام قصل وزؤان ومريراء١ ورعيداء وغفا٢ منقوص وكل هذا مما يخرج منه فيرمى به وتبعيض الصفقه أن يشتري الرجل عبدين بمائة دينار فيجد بأحدهما عيبا فيرده على البائع بحصته من الثمن وتفسير ذلك أن يقوم المعيب بمائة دينار والذي
стр. 120
لا عيب فيه مائتي دينار فاذ قص الثمن وهو مائة دينار على قيمتهما اصاب المعيب ثلث الثمن فيرده ويرجع على البائع بثلث الثمن إن شاء وكذلك إن قوم المعيب من العبدين عشرين دينارا والصحيح خمسين دينارا رد المعيب بسبعي الثمن.
قال الشافعي: "ولو راطل مائة دينار عتق مروانيه ومائة دينار من ضرب مكروه بمائتي دينار من ضرب وسط" معنى راطل أي وازن والرطل يكون كيلا ويكون وزنا ذكر الشافعي حديث النبي ﷺ انه قال: "من باع نخلا بعد أن يؤبر فثمرتها للبائع الا أن يشترطها المبتاع" ١ تأبير النخل واباره تلقيحه فلا يؤبر النخل الا بعد انشقاق الطلع وظهور الاغريض الذي في جوفه وذلك أن الطلع اول ما يخرج يكون الكافور وهو الجف والقشر مكمما له أي مغطيا فإذا انشق عنه الكافور ظهر العذق وحبه يومئذ يكون صغارات مثل الحمص أو دونه ويقال الذي يلقح به النخل من طلع الفحاحيل حرق وكش٢.
وقول الله : ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ ٣ يعني بالاكمام ما غطى الثمر من الكوافير وكل شجره تخرج ثمرا مكمما فهي ذات اكمام الطلعه كمها قشرها ولا تؤبر النخله الا بعد انشقاق الاكمام عن ثمرها وظهوره لعين الناظر إليه يقال أبرت النخل أبرها أبرا وأبرتها تأبيرا وإنما تؤبر لئلا ينفض بسرها ولا ينتشر ثمرها جعل الله صلاح التمر في رؤس النخل بالابار وإذا كان لحائط النخل فحاحيل في ناحية الصبا وهبت الصبا وقت الابار فان الاناث تتأبر برواءح طلع تلك الفحاحيل ولا تنفض بسرها ومنه قول الراجز في صفة نخل له
стр. 121
تأبرى يا خيره الفسيل ... تأبرى من حنذ فشولي
اذ ضن أهل النخل بالفحول١
الحنذ اسم نخل والكرسف القطن ويقال له الكرسوف والبرس والحداد والجداد صرام النخل إذا اينع ثمرها
واللقاط أن يلقط الخارف من عذوقها ما اينع ويدع ما لم يونع يكون معه زبيل يقال له الملقط يلقط فيه يانعه.
وقوله: "وهكذا القول فيمن باع قرطا جز" والقرط هو هذا القت الذي يسميه أهل هراه القورى وهو لا يستخلف إذا جز كما يستخلف القت الصغار الورق وجز القت حصده.
وفي الحديث: "نهى عن بيع الثمار حتى تزهو" ٢ وفي بعض الحديث: "حتى تشقح" يقال للنخل إذا ظهرت الحمره أو الصفره في ثمره قد ازهى يزهى وهو الزهو والتشقيح بمعنى الازهاء وإذا احمرت البسره فهي شقحه وإذا ظهر فيها نقط من الارطاب فهي موكته فان كان ذلك من قبل ذنبها فهي مذنبه فإذا بلغ الارطاب ثلثيها فهو بسر محلقن فإذا لانت الرطبه فهي ثعده ثم هي معوه وقد امعى النخل والبلح ما دام اخضر ثم يصير يسرا ثم زهوا إذا تلون٣ والرانج الجوز الهندي وهو النارجيل والجوائح جمع الجائحه وهي الافه تصيب الثمر من حر مفرط أو صر أو برد أو برد يعظم حجمه فينقص الثمر ويلقيه.
стр. 122
المحاقلة والمزابنة
قال الشافعي: "المحاقله والمزابنه" فالمحاقله أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق من حنطه والمزابنه أن يبيع التمر في رؤس النخل بمائة فرق من تمر واصل المحاقله مأخوذ من الحقل وهو القراح والمزرعه والاقرحه يقال لها المحاقل كما يقال المزارع وأما المزابنه فهي مأخوذه من الزبن وهو الدفع وذلك أن المتبايعين إذا ما وقفا فيما تبايعا على غبن أراد المغبون أن يفسخ البيع وأراد الغابن امضاءه فترابنا أي تدافعا واختصما وإنما خصوا بيع الثمر في رؤس النخل بالتمر باسم المزابنه لأنه غرر لا يحصر المبيع بكيل ولا وزن وخرصه حدس وطن مع ما يؤمن فيه من الربا المحرم وبيع العنب في الكرم بالزبيب داخل في المزابنه لأنه مثله.
وأما تفسير قوله ﷺ : "انه رخص العرايا" ١ فان النبي ﷺ حرم المزابنه وهو بيع الثمر في رؤس النخل بالتمر رخص من جملة المزابنه في العرايا فيما دون خمسة اوسق وهو أن يجيء الرجل إلى صاحب الحائط فيقول له بعنى من حائطك ثمر نخلات باعيانها بخرصها من التمر فيبيعه اياها ويقبض التمر ويسلم إليه النخلات ياكلها ويتمرها وجماع العرايا كل ما افراد ليؤكل خاصه سميت عرايا لانها عريت من جمله الحائط وصدقتها وما يخرص على صاحبه من عشرها فعريت من جملة ذلك أي خرجت فهي عريه فعيله بمعنى فاعله والصنف الثاني أن يحضر رب الحائط رجال محتاجون فيعطى الرجل منهم ثمر النخله أو النخلتين عريه يأكلونها وهي في معنى المنحه: "وللمعرى أن يبيع ثمرها ويتمره ويصنع فيه ما يشاء" قال أبو عبيد: قال الاصمعي استعرى الناس في كل وجه إذا اكلوا الرطب اخذه من العرايا وقال أبو العباس العرايا أن يقول الغني للفقير ثمر هذه النخله أو النخلات لك واصلها لي قال أبو منصور: وهذا قريب مما فسرناه. وذكر الشافعي المصراه ففسرها أنها الناقة تصر أخلافها ولا تحلب أياما
стр. 123
حتى يجتمع اللبن في ضرعها فإذا حلبها المشتري استغزرها. قال أبو منصور: جائز أن تكون سميت مصراه من صر اخلافها كما قال الشافعي: وجائز أن تكون سميت مصراه من الصرى وهو الجمع يقال صريت الماء في الحوض إذا جمعته ويقال لذلك الماء صرى وقال أبو عبيد:
يا رب ماء صرى وردته ... سبيله خائف جديب١
ومن جعله من الصر قال: كانت المصراه في الأصل مصرره فاجتمعت ثلاث راءات فقلبت احداها ياء كما قالوا تظنيت من الظن وكما قال العجاج:
تقضى البازى إذا البازى كسر٢
والمحفله معناها: المصراه قال أبو منصور: روى ابن ابي ذئب عن مخلد بن خفاف٣ قال كان بيني وبين شركائي عبد فاقتويناه فيما بيننا وكان منهم غائب فقدم فاحتصمنا إلى هشام فقضى أن يرد العبد وخراجه فاخبر عروه عن عائشه: "أن النبي ﷺ قضى بالخراج بالضمان"٤.
стр. 124
سمعت المنذري يقول سالت ابا الهيثم عن الاقتواء في السلعه فقال يقال اقتويت وتقاويت وقاويت واصله أن تشترك نت وآخر في السلعه ثم تشترى نصيبه بشيء من الربح فتقول اقتويت السلعه قال والمقاواه والاقتواء المزايده في السلعه بين الشركاء وأما الخراج بالضمان فالخراج الغله يقال خارجت غلامى إذا واقفته على شيء وغله يؤديها اليك كل شهر ويكون مخلى بينه وبين كسبه وعمله وإذا اشترى الرجل عبدا بيعا فاسدا فاستغله أو اشتراه ببيع صحيح فاستغله زمانا ثم عثر منه على عيب فرده على صاحبه فان الغله التي استغلها من العبد وهي الخراج طيبة للمشترى لان العبد لو مات مات من ماله لأنه كان في ضمانه فهذا معنى الخراج بالضمان.
قال الشافعي: ﵀: "وحرام التدليس ولا ينقض به البيع".
التدليس أن يكون بالسلعه عيب باطن فلا يخبر البائع المشتري لها بذلك العيب الباطن ويكتمه اياه والتدليس مأخوذ من الدلسه وهي الظلمه فإذا كتم البائع العيب ولم يخبر به فقد دلس ويقال فلان لا يدالس ولا يوالس١ أي لا يوارب ولا يخادع وما في فلان دلس ولا ولس أي ما فيه خب ولا مكر ولا خيانه.
قال الشافعي: "واذا اشترى جاريه من رجل لم يكن لواحد منهما مواضعه". ومعنى المواضعه أن توضع الجاريه على يدي عدل ليستبرئها ولكن تسلم الجاريه إلى مشتريها وعليه الا يطأها حتى يستبرئها بحيضه قال الشافعي: "وليس للمشتري أن يأخذ من البائع حميلا بعهده".
والحميل: الكفيل والعهده ضمان عيب كان معهودا عند البائع أو استحقاق يجب ببينه تقوم لمستحقها فتسلم السلعه إليه ويرجع المشترى على البائع بما أدى إليه من الثمن يقال استعهدت من فلان فيما اشتريت أي
стр. 125
أخذت كفيلا بعهده السلعه إن استحقت أو ظهر بها عيب.
قال الشافعي: "ولو قال رجل لرجل بعني هذه الصبره كل إردب بدرهم" فالصبره الكومه المجموعه من الطعام سميت صبره لإفراغ بعضها على بعض ومنه قيل للسحاب تراه فوق السحاب صبيرة.
وأما الإردب فهو أربعة وعشرون صاعا وهو أربعة وستون منا بوزن بلادنا والقنقل نصف الإردب والكر ستون قفيزا والقفيز ثمانية مكاكيك والمكوك صاع ونصف وهو ثلاث كيلجات والصاع خمسة أرطال وثلث رطل والمد ربع الصاع والفرق ثلاثة أصوع وهي ستة عشر رطلا وأخبرني المنذري عن المبرد قال القسط وزن أربعمائة وأحد وثمانين درهما والبهار وزن ثلاثمائة رطل والوسق ستون صاعا والكر: إثنى عشر وسقا, والوسق: الحمل.
قال الشافعي: "ونهى النبي ﷺ عن عسب الفحل" ١ قال أبو عبيد: العسب في الأصل ضراب الفحل ثم قيل للكراء الذي يأخذه صاحب الفحل على ضرابه عسب لتسمية العرب الشيء باسم غيره إذا كان معه أو من سببه كما قالوا للمزاده الراويه وإنما الروايه في الأصل البعير الذي يستقى عليه وإنما "نهى النبي ﷺ عن اخذ الكراء على ضراب فحله" ٢ لأنه غير معلوم وقد يلقح وقد لا يلقح فهو غرر.
وذكر الشافعي حبل الحبله وقال: "كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقه ثم تنتج التي في بطنها". قال الازهري: وهكذا فسره غيره وروى ثعلب عن الاثرم٣ عن ابي عبيده قال المجر بيع ما في بطن الناقة
стр. 126
قال: وحبل الحبلة بيع ولد التي في بطن الناقة الثاني حبل الحبلة قال والثالث الغميس وهكذا قال أبو زيد في المجر وحبل الحبله فيما روى أبو عبيده قال الامجار أن تلقح الشاه أو الناقه فتمرض أو تجرب فلا تقدر أن تمشي فربما شق بطنها واخرج ما فيه وانشد:
تعوى كلاب الحي من عوائها ... وتحمل الممجر في كسائها١
وقال أبو عمرو الغدوى أن يباع البعير بما يضرب هذا الفحل في عامه.
قال وكان بعضهم يقول غذوى بالذال قال أبو عبيده٢: كل ما في بطون الحوامل غدوى٣ - بالدال غير معجمه - من الابل والشاه وانشد
ارجو ابا طلق بحسن ظنى ... كالعدوى يرتجى ليغنى٤
وانشد
اعطيت كبشا وارم الطحال ... بالغدويات وبالفصال
وعاجلات آجل السخال ... ي حلق الارحام ذي الاقفال٥
فواثبت لنا عن ابي العباس عن ابن الاعرابي انه قال المجر الولد الذي في بطن الناقه والمجر الربا والمجر القمار قال والمزابنه والمحاقله مجر.
وفي حديث اخر: "انه نهى عن بيع المضامين والملاقيح" والمضامين ما في اصلاب الفحول والملاقيح الاجنه في بطون الاناث واحدتها ملقوحه سميت لان امها لقحتها أي حملتها واللاقح الحامل وسمى ما في ظهور الفحول مضامين لان الله اودعها ظهورها فكأنها ضمنتها وقال:
ان المضامين التي في الصلب ... ماء الفحول في الظهور الحدب
ليس بمغن عنك جهد اللريب٦
стр. 127
وأما الملامسة والمنابذة وبيعتان في بيعة والنجش ولا يبع بعضكم على بيع بعض ولا يبع حاضر لباد فان الشافعي ﵀ قد فسرها كلها تفسيرا مقنعا يستغنى به عن الزياده في شرحه.
قال الشافعي: "ونهى رسول الله ﷺ عن بيع وسلف وعن سلف جر منفعه" وقد فسرت السلف فيما تقدم واعلمتك أن السلف يكون قرضا ويكون بمعنى السلم تقول اسلفت فلانا مائة أي اقرضته اياها ومتى شئت طالبته بها وإذا دفع الرجل دراهم أو دنانير إلى رجل في حب أو تمر مضمون إلى اجل معلوم فجائز أن يقال اسلفت في كذا واسلمت في كذا وكذلك سلمت وسلفت معناها كلها واحد.
ومعنى قوله: "نهى عن سلف وبيع" أن يقول اسلفك مائة درهم أي اقرضكما على أن تشتري مني هذه السلعه بمائة درهم فهذا سلف وبيع وفيه وجه آخر وهو أن تقول اشتريت دارك هذه بمائة انقدكها على أن اسلفك مائة قرضا والوجهات معا منهى عنهما.
قال الشافعي: "واذا ادان العبد باذن سيده" معناه استدان أي اخذ الدين أو اشترى سلعه بدين وقال:
اندان أم نعتان أم ينبري لنا ... فتى مثل نصل السيف هرت مضاربه١
وقوله: ينبري لنا أي يعرض لنا يقال هذا البعير يبارى هذا البعير أي يعارضه في السير وفلان يباري الريح في سخائه إذا عارضها لانها تهب على كل انسان يقال برى له وانبرى بمعنى واحد. وقوله نعتان: أي ناخذ العينه وهو أن يشترى سلعه بثمن معلوم إلى اجل مسمى ثم يبيعها من بائعها بالنقد دون الثمن الذي اشتراها به وهذا مأخوذ من العين وهو النقد الحاضر وقيل لهذا البيع عينه واعتيان لان مشترى السلعه إلى اجل يأخذ
بدلها نقدا حاضرا وهذا حرام إذا اشترط المشتري على البائع أن يشتريها منه بثمن يتواصفانه بينهما شرط,
стр. 128
فقد اختلف العلماء قديما وحديثا فيها فمنهم من حرمها ومنهم من اجازها وكان الشافعي يذهب إلى اجازتها إذا تعرت من الشرط وروى عن ابن عباس وعائشه ﵂ فيها النبي وقال بعض الفقهاء العينه اخت الربا قال ابن الاعرابي يقال دنت وانا ادين إذا اخذت دينا وهو بمعنى استدنت وانشد:
ادين وما ديني عليكم بمغرم ... ولكن على الشم الحلاد القراوح١
اراد بالشم: النخيل والقرواح التي لا تبالي الزمان قال ابن الاعرابي ورجل مديان وهو بمعنيين يكون الذي يقرض كثيرا ويكن الذي يستقرض كثيرا قال والدائن الذي يستدين والدائن الذي يقضي الدين ويرده على من ادانه.
قال أبو زيد: جئت اطلب الدينه قال وهو اسم الدين وما أكثر دينته أي دينة ويقال ادنت الرجل فهو مدان ويقال رجل مدان ومدين ومديون ودائن ومدان كل ذلك الذي عليه الدين ودنت الرجل إذا اقرضته ومنه رجل مدين ومديون.
واما الزرنقه٢: فهو أن يشتري الرجل سلعه بثمن إلى اجل ثم يبيعها من غير بائعها بالنقد وهذ ١ جائز عند جميع الفقهاء وروى عن عائشه ﵂ انها كانت تأخذ من معاويه عطاءها عشره الف درهم وتأخذ الزرنقه مع ذلك وهي العينه الجائزه وفي الحديث أن النبي ﷺ "نهى عن مهر البغى وحلوان الكاهن" ٣.
стр. 129
والبغى المرأة الفاجره تكرى نفسها وجمعها بغايا وحلوان الكاهن ما يأخذه على كهانته يقال حلوته احلوه حلوانا والبسله اجر الراقى والكلب الضارى هو الكلب الذي كلب وعلم اخذ الصيد وامساكه على صاحبه فضرى في الصيد واعتاده والضراوه العاده والدربه والاناء الضارى هو الذي جعل فيه الخمر حتى تربت به وصار يدرك فيه النبيذ سريعا وكذلك إذا ضرى الاناء بالخل وتربى به فهو ضار بالخل والبغاث من الطير ما لا يصيد ولا يرغب في صيده.
стр. 130
باب السلم
السلم والسلف واحد يقال سلم واسلم وسلف واسلف بمعنى واحد وهذا قول جميع أهل اللغة الا أن السلف يكون قرضا ايضا وفي حديث النبي ﷺ " انه تسلف بكرا" ١ معناه انه اقترضه ليرد مثله وكذلك استسلفه.
قال: "واشترى ابن عمر راحله باربعه ابعره" الراحله: البعير النجيب الذي يركبه سراه الناس في اسفارهم ومنه قول النبي ﷺ : "تجدون الناس كابل مائه ليس في لها راحله"٢. وذلك أن الراحله تعز في الابل لفراهتها ودلها وجودتها وادبها وصبرها على تعب السير السريع وكذلك الرجل الفاضل المهذب الاخلاق الطاهر من ادناس الدنيا والاغترار بزخرفها نادر في الناس عزيز الا ترى أن فقهاء اصحاب رسول الله ﷺ لم يتتاموا عشرين وكذلك زهادهم كانوا دون العشرين مع توافرهم وكثرة عددهم فاراد النبي ﷺ انكم تجدون الخير الفاضل نادرا في الناس كالراحله النجيبه في الابل المائه.
وفصح النصارى: عيد لهم معروف وقال الشافعي ﵀ في صفة الحنطه "اذا اسلم فيها يصفها بالحداره والدقه" فحدارتها امتلاء حبها وسمنها ومنه يقال غلام حادر إذا سمن وامتلأ وقول الله : ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ ٣ بالدال معناه مودون في السلاح كأنه لما لبس السلاح فخم وعظم فقيل له حاذر.
وقال في صفة الرقيق خماسى أو سداسي فالخماسي الذي يكون طوله خمسة اشبار وقال ابن شميل غلام خماسي ورباعي قال خمسة اشبار واربعة اشبار وإنما يقال خماسى ورباعى فيمن يزداد طولا ويقال في الثوب سباعى.
стр. 131
قال أبو منصور: والسداسي في الرقيق والوصائف جائز ايضا.
والوضيء الأبيض الحسن الوجه يقال وضؤ يوضؤ وضاءه فهو وضيئ.
وقوله في صفة النعم: "ثنى غير مودن" فالثنى الذي قد اثنى أي طلعت ثنيتاه وذلك حين يطعن في السنه السادسه والمودن الناقص الخلق السيء العذلة.
وقوله: "سبط الخلق مجفر الجنبين" فالسبط المديد القامه والوافي الاعضاء الكامل الخلقه والمجفر الجنبين هو الذي انتفخت خواصره واتسعت وانضمام البطن عيب فيه والرباعى الذي طلعت رباعيتاه وذلك حين يطعن في السابعه والسدس والسديس الذي قد طعن في الثانية.
البازل والمنقى والأعجف:
والبازل الذي قد طلع نابه وطعن في التاسعه والمنقى الذي قد سمن واصله من النقى وهو المخ الذي في القصب يقال بعير منق وناقه منقيه والاعجف المهزول والانثى عجفاء وجمعها عجاف.
وقوله: "لبن ابل عواد أو اوراك أو حمضيه" فالعوادى هي التي ترعى العدوه وهي الخله من الكلأ مثل النصى والصليان والحلمه وما اشبهها والاوراك: المقيمه في الحمض لا تبرحه ومنه قول كثير:
وان الذي ينوي من المال اهلها ... اوراك لما تأتلف وعوادى١
واذا رعى البعير الحمض قلت: حامض فإذا نسبته إلى الحمض حمضى وابل حمضيه والحمض ما كان فيه ملوحه من النبات.
التولية, ولإقالة, والمقايلة:
والتوليه في البيع أن يشترى الرجل سلعه بثمن معلوم ثم يولى رجلا آخر تلك السلعة بالثمن الذي اشتراها به ولا يجوز أن يوليه اياها باكثر مما اشتراها أو باقل بهذا اللفظ لان لفظ التوليه يقتضى دفعها إليه بمثل ما اشتراها
стр. 132
به وكذلك الاقالة لاتجوز باقل مما اشتراها به أو باكثر الا أن التوليه بيع والاقاله فسخ البيع بين البائع والمشترى وهي من اقالة العثره. وأما القايله والمقايضه في المبادله من قوله تقيل فلان اباه وتقيضه إذا نزع إليه في الشبه وهما قيلان وقيضان أي مثلان.
وقال الشافعي في كتاب البيوع في باب السلف في الزبد: "وليس للمستسلف أن يعطى المسلف زبدا نجيخا". والنجيخ أن ياخذ اللبن الرائب فيصب عليه لبنا حليبا فتتخرج الزبده فشفاشه ليس لها صلابه زبد المخيض قال ابن السكيت النجيخ زبد رقيق يخرج من السقاء إذا حمل على بعير بعد ما نزع زبده الاول فيمتخض فيخرج زبدا رقيقا.
قال الشافعي في باب السلم في الرطب: "وليس له أن يعطيه رطبا متشدخا أو معيبا بغفر الأغفار" والغفر عيب في التمر وأن تحرق السموم الرطب فيركب ظاهره قشور كانها اجنحة الذبان وتذهب حلاوته يقال اغفر الرطب فهو مغفر والغفاء مثله.
стр. 133
كتاب الرهن
الرهن اثبات وثيقة في يدي صاحب الحق المرتهن يقال رهنته شيئا في ثمن سلعه ارهنه رهنا إذا جعله في يده وكل شيء ثبت فقد رهن والرهن الشيء الثابت الدائم وأما الارهان بالالف فلا يجوزأنيقال ارهنته ولكن يقال ارهنت بالسلعه إذا غاليت بها قال أبو الحسين قد سمع ارهنته بمعنى رهنته وأما زيادة الرهان والمرأةنه فلا يكونان الا في سباق الخيل.
قال الشافعي: "ولو رهنه ارضا من ارض الخراج فالرهن مفسوخ" أراد الشافعي بارض الخراج الارضين التي افاءها الله على المسلمين فوقفت رقبتها لجماعة أهل الفيء من المسلمين مثل ارض السواد وغيرها سميت ارض الخراج معناه الغله فالفلاحون الذين يعملون فيها قد
стр. 134
أكثروها بغلة معلومة والغلة تسمى خراجا كقوله ﷺ : "الخراج بالضمان"١ قال الشافعي: "وأن رهن دابة فاحتاج إلى توديج أو تبزيغ أو تعريب فليس للمرتهن منعه من ذلك" فأما التوديج للدابة فهو مثل الفصد للإنسان يقال ودج دابته توديجا إذا قطع ابجله أو ودجه حتى يسيل الدم والودجان عرقان غليظان عريضان عن يمين ثغرة النحر ويسارها.
والوريدان بجنب الودجين وهما ينبضان ابدا من الحيوان وكل عرض ينبض فهو من الاورده التي فيها مجرى الحياه ولا يجري فيها الدم والودجان من الجداول كالاكحل والصافن والابجل وهي العروق التي تفصد والاورده مجارى النفس بالحركات ولا دم فيها وأما التبزيغ فهو النقب عن الرهصه في الحافر يقال بزع البيطار الرهصه وبزغها وقال الطرماح:
كبزغ البيطر الثقف رهص الكوادن٢
الكوادن, والرهصة, والتعزيب:
الكوادن البراذين واحدها كودن والرهصه نزول الماء في الحافر.
واما التعريب فهوأنيشرط البيطار اشاعر الدابه شرطا خفيفا لا يضر بالعصب ثم يعالجه يقال عرب فلان فرسه إذا فعل ذلك به.
وفك الرهن وافتكاكه اداء الرهم ما لزمه من الحق واخراجه الرهن من يد المرتهن واصل الفك الاطلاق والفتح وكل شيء اطلقته فقد فككته ومنه فلك الرقبه وهو اطلاقها من الرق وفك الخلخال والسوار تفريج طرفيهما حتى تنفرجا.
стр. 135
قال الشافعي: "ولو رهنه نخلا على أنما اثمرت كان داخلا في الرهن كان النخل رهنا دون الثمر" معنى اثمار النخل اطلاعها قال ابن الاعرابي يقال ثمر الشجر فهو ثامر بغير الف إذا نضج فامكنك أن تأكل من ثمره واثمر الشجر إذا طلع ثمره اول ما يخرجه فهو مثمر. وقول النبي ﷺ : "لا تغلق الرهن الرهن من رهنه له غنمه وعليه غرمه" ١.
قال الشافعي: "لا يغلق الرهن أي لا يستحقه المرتهن بأن يدع الراهن قضاء حقه" قال أبو منصور: وهذا كما قال الشافعي ﵀ في العربيه ومعنى لا يغلق لا ينغلق ولا يستغلق فلا يفك أي لا يطلق من الرهن بعد ذلك يقال غلق الباب وانغلق واستغلق إذا عسر فتحه واغلقته انا وغلقته والغلق في الدهن ضد الفك فإذا فك الراهن الرهن فقد اطلقه من وثاقه عند مرتهنه وليس للمرتهن أن يستحق الرهن لتفريط الراهن في فكه ولكنه يكون وثيقه في يده إلى أن يفكه.
وجاء في حديث آخر: "لا طلاق في اغلاق" ٢. معنى الاغلاق الاكراه كأنه إذا ضيق الزوج امره اضطر إلى تطليق امرأته فقد اغلق عليه باب المخرج مما الجئ إليه فوضع الاغلاق موضع الاكراه كالرجل يغلق على محبسه فلا يجد سبيلا إلى التخلص منه.
وقوله: "الرهن ممن رهنه" هذا كلام منفصل من الاول وهو تأكيد لما وصل به وفائدته أن ملك الرهن لمن رهنه لان الشيء إذا كان منه فهو له ومن ها هنا بمعنى لام الملك كقول الشاعر:
امن آل ليلى عرفت الديارا ... بجنب العقيق خلاء قفارا
اراد ألآل ليلى عرفت الديار
стр. 136
وقوله: "له غنمه وعليه غرمه" أي للراهن الرهن وما يكون فيه من زياده ومنفعه من لبن وغله ونتاج وعليه غرمه له معنيان:
احدهما عليه غرم ما يفك به وهو دفع الحق إلى مرتهنه.
والمعنى الثاني أن عليه غرمهإنضاع أو تلف والغرم الخسران والنقص وقد يكون الغنم بمعنى الربح والفضل والغرم بمعنى الهلكه يقال للذي عليه الدين غريم وللذي له الدين غريم ورجل مغرم بالنساء أي مولع بهن.
стр. 137
باب التفليس
التفليس: أن تتوى بضاعة الرجل التي يتجر فيها فلا يفي ما بقي منها في يده بما بقي من الديون فإذا ثبت عند الحاكم ذلك وسأله الغرماء الحجر عليه ومنعه من التصرف فيما بقي في يديه فلسه ومأخذه من الفلوس التي هي اخس مال الرجل الذي يتبايع به كأنه إذا حجر عليه منعه من التصرف في ماله الا في الشيء التافه الذي لا يعيش الا به وقد افلس الرجل إذا اعدم وتفالس إذا ادعى الافلاس.
قال الشافعي: "فان أراد الغرماء بيع الزرع الذي للمفلس بقلا فلهم ذلك" أراد بيعه اخضر قبل أن يدرك ونصب بقلا على الحال يقال اخضر باقل والبقل عند العرب كل زرع ناعم اخضر وكذلك كل عشب رطب وعوام والناس إنما يعرفون من البقول ما يزرع من مثل الكراث والخس والنعنع والهندباء١ والبقل في كلام العرب ما فسرته لك واللعاعه عندهم كل بقله بريه تنبت في آخر الشتاء مثل البسباس وهو نبت طيب يحمل من بلاد الهند والجرجير البري والحماص والحمصيص وما اشبهها من البقول التي تطبخ.
قال الشافعي: "وذو العسره نظره إلى ميسره" أراد ذو العسره له نظره أي انظار وامهال إلى أن يوسر يقال انظرته انظارا ونظره والنظره الاسم يوضع موضع المصدر الحقيقي والميسره اليسار.
قال فان مات كفن من رأس ماله وحفر قبره ومين بأقل ما يكفيه.
قوله مين أي تحمل مئونة دفنه جاء على ما لم يسم فاعله على فعل وكسرت الميم من اجل الباء كما قال الله : ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ ٢
стр. 138
و ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ١ وبهم و ﴿سِيءَ﴾ بهم وما اشبهها يقال منت فلانا امونه إذا قمت بمئونة طعامه وغيره مما يقتاته.
وقوله حتى تقوم بينه أن قد افاد مالا معناه استفاد والافاده في كلام العرب له معنيان متضادان يقال افاد غيره مالا إذا اعطاه وافاد مالا أي استفاده لنفسه والمفيد المعطى والمفيد المستفيد.
وذكر الشافعي في كتاب التفليس حديثا رفعه إلى النبي ﷺ انه قال: "نفس المؤمن معلقه بدينه" ٢. نفس الإنسان لها ثلاثة مواضع احدها بدنه قال الله : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ٣.
والنفس الروح الذي إذا فارق البدن لمن تكون بعده حياه وهو الذي أراد النبي ﷺ بقوله: "نفس المؤمن معلقة بدينه" كأن روحه تعذب بما عليه من الدين حتى يؤدى عنه والنفس الدم الذي في جسد الحيوان وقال أبو اسحاق ابراهيم بن السرى٤: لكل انسان نفسان أحدهما نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام فيزايله عقله يتوفاه الله تعالى كما قال والاخرى نفس الحياه التي إذا نام الإنسان تنفس بها وتحرك بقوتها وإذا توفى الله تعالى نفس الحياه توفى معها نفس التمييز وإذا توفى نفس التمييز لم يتوقف معها نفس الحياه وهو الفرق بين توفى انفس النائم وتوفى انفس الخي وسميت النفس نفسا لتولد النفس منها ومعنى الحجر المنع في كلام العرب يقال حجر الحاكم على المفلس ماله إذا منعه من التصرف فيه وقيل للحرام حجر لأنه شيء ممنوع منه وهو بمعنى المحجور كما يقال طحن للمطحون وقطف للمقطوف.
стр. 139
وقوله : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ ١ معناه فإن علمتم منهم رشدا أي صلاحا في امر دنياه ودينه
واصل الايناس الابصار فوضع موضع العلم كما وضعت الرؤيه موضع الابصار واصل الايناس من انسان العين وهي الحدقه التي يبصر بها.
وقوله : ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً﴾ ٢, فالسفيه القليل العقل الضعيف التمييز والضعيف العين الذي يعجز عن الاملاء لضعف بيانه والعرب تقول للذي لا بصر له ضعيف وللذي لا نطف له ضعيف وللذي لا عقل له ضعيف.
وقال في باب الصلح: "ولا انظر إلى من إليه الدواخل ولا الخوارج ولا انصاف اللبن ولا معاقد القمط"
ومعنى الدواخل والخوارج أي ما خرج من اشكال البناء إلى الناحيه التي لا يملكها صاحب البناء مخالف لاشكال ما يلي ناحيته وذلك تحسين وتزيين لا يدل على ملك يثبت وحكم يجب.
ومعاقد القمط تكون في الاخصاص التي تبنى وتسوى من الحصر وسفائف الخوص والقمط هي الشرط وهي حبال دقاق تسف بها الحصر التي تسقف بها الاخصاص وحواجزها فلا نحكم بمعاقدها في دواخلها وخوارجها لانها لا تثبت ملكا وان كان العرف جرى أن ما دخل يكون احسن مما خرج.
قال: "وله أن يبيع زرعه اخضر ممن يقصله" أي يقطعه ويجزه من ساعته والقصيل ما جز ويقال سيف مقصل وقصال إذا كان قاطعا.
.htm'
стр. 140
باب في الحوالة والحمالة
روى النبي ﷺ انه قال: "مطل الغنى ظلم وإذا اتبع احدكم على مليء فليتبع" ١ وروى عن النبي ﷺ : "اذا احيل احدكم على مليء فليحتل" وفي حديث آخر: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" ٢.
اللي المطل يقال لواه بدينه يلويه ليا وليانا إذا مطله ودفعه والمطل اطالة المدافعه وكل مضروب طولا من جديد وغيره فهو ممطول والواحد الموسر يقال رجل واجد بين الجده والوجد إذا كان غنيا والمليء بالهمز الغني وقد ملؤ ملاءه.
وقوله: "اذا اتبع احدكم على مليء فليتبع" أي إذا احيل بماله على رجل آخر مليء فليحتل عليه وليطالبه بحقه قال الله : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٣ أي فمطالة بالمعروف وقال الله : ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ ٤ اي لا تجدوا من يتبعنا بانكار ما نزل بكم ولا من يتبعنا أي يطالبنا بأن نصرفه عنكم.
وقال الفراء التبيع بمعنى التابع أي تابعا بطلب الثأر وقال الاخفش٥ تبيعا مطالبا.
وقوله: "لا توى على مال مسلم" كقولك لا تلف على ماله
стр. 141
ولا هلكه والحمالة الكفالة والحميل الكفيل يقال حملت به حمالة وزعمت به زعامة وصبرت به اصبر إذا كفلت به فأنا حميل وزعيم وصبير أي كفيل يقال اكفلت فلانا المال اكفالا إذا ضمنته إياه فكفل به كفالة ويقال تحمل فلان عن فلان دينا للمحمول له إذا تكفله وضمن له أن يوفيه اياه.
فاما قول النبي ﷺ : "رجل تحمل بحماله" فهو الرجل يتحمل ديات قتلي قتلوا بين فريقين اقتتلا ليصلح بينهم ويحقن دماءهم يقال فلان كفيل وكافل وضمين وضامن بمعنى واحد وأراد الشافعي بكفالة الوجه الكفاله بالبدن وكان يضعفها.
стр. 142
باب في الشركه
والشركه من وجوه فمنها شركة العنان ومنها شركة المفاوضه ومنها شركة القراض فاما شركة القراض فسترى مفسدة في بابه. وأما شركة العنان فان الفراء زعم انها سميت شركة العنان لانهما اشتركا في مال خاص كأنه عن لهما أي عرض لهما فاشتركا فيه وقال غيره سميت شركة العنان لان كل واحد منهما عان صاحبه أي عارضه بمال مثل ماله وعمل مثل عمله يقال عارضت فلانا اعارضه معارضة وعاننته معانة وعنانا إذا فعلت مثل فعله وحاذيته في شكله وعمله والعنن الاعتراض وعنان اللجام مأخوذ من هذا لان سيريه تعارضا فاستويا وأما شركة المفاوضه فهي أن يشترك الرجلان في جميع ما ملكاه ويملكانه ويستفيدانه من ميراث وغيره ولا يجيز هذه الشركه غير الكوفيين وهي عند الحجازيين باطله, والوكيل الذي تكفل بما وكل به فكفى موكله القيام بما اسند إليه والوكيل صفه من صفات الله فقيل معناه الكفيل ونعم الكفيل بأرزاقنا.
ومعنى قوله: "في بركة" أي مع بركة والبركه الصدر وهو البرك ايضا ومثله قوله: "يدفع عنها الجوع كل مدفع خمسون بسطا في خلايا اربع" أراد خمسون بسطا مع اربع من الخلايا والبسط الناقه التي معها ولدها لا تعطف على ولد غيرها تسمى بسطا وبسوطا والخليه التي ذبح ولدها وظئرت على ولد بسوط فتيخلى أهل البيت بلبنها ويكون لبن البسوط لولدها.
قال الشافعي: "ولو ضمن له عهده دار اشتراها وخلاصها" فالعهده أن يضمن ما يلزم البائع من رد ثمن لاستحقاق حق في المبيع أو لعيب قامت البينه انه كان معهودا فيما باعه وهو في يده.
واما الخلاص: فله معنيان أحدهما التخليص يقال خلصت
стр. 143
تخليصا وخلاصا إذا خلص السلعة لمبتاعها ودفع عنها من حال بين المشتري وبين قبضها والخلاص المثل ايضا يقال عليك خلاص هذه السلعه إن استحقت أي عليك مثلها وهذا روى عن شريح ولا يقول اليوم به احد من الفقهاء ولكنا نجعل رد الثمن خلاصا للمشتري إذا استحق ما في يده.
وفي حديث عبد بن زمعه أن النبي ﷺ قال: "الولد للفراش" ١.
معناه: الولد لصاحب الفراش كما قال الله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٢ أي سل أهل القرية والعرب تكنى عن المرأة بالفراش والبيت والنعجه والازار والبغل وفراش الرجل امرأته أو جاريته التي يفترشها ويغشاها.
وقوله: "وللعاهر الحجر" ٣ أي ليس له في نسب المولود شيء ولا حق وهذا كما يقال له التراب أي لا حق له فيه والعاهر الزاني.
стр. 144
باب العارية
العارية: مأخوذة من عار الشيء يعير إذا ذهب وجاء ومنه قيل للغلام الخفيف عيار لخفته في بطالته وكثرة ذهابه ومجيئه فيها فان قال قائل فلم شددت الياء من العاريه وأصلها من عار.
قيل: العاريه منسوبه إلى العاره وهو اسم من قولك أعرته المتاع اعارة وعارة فالعاره الاسم والاعاره المصدر الحقيقي يقوم الاسم مقامه كما يقال اجبته اجابة وجابه واطقته اطاقة وطاقة واطعته اطاعة وطاعة وأعرتة إعارة وعارة.
стр. 145
باب في الغضب
...
باب في الغصب
قال: "ولو كسر لرجل اناء أو رضضه" الترضيض أن يدقه دقا لا يلتئم ورضاض كل شيء دقاقه ومنه قيل للحصى الصغار رضراض.
٥١٤ - وذكر الحديث الذي جاء فيه: "وليس لعرق ظالم حق" ١ والعرق الظالم أن يجيء الرجل إلى ارض رجل فيغرس فيها غراسا ليسحقها أو يستغلها فتقوم البينه لمالكها بصحة الملك فيؤمر الغارس بقلع غراسه وليس لعروق تلك الغراس حق في الأرض لان الغارس كان ظالما وإذا كان ظالما فعرق ما غرس ظالم واصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه.
قال الشافعي: "ولو زوق رجل دار ردل كان فه نزع التزويق" وتزويقها تزيينها بالطين والحصى وغيرهما وهذا مأخوذ من الزاووق وهو الزئبق ويستعمل في تزيين البناء.
وقوله: "اذا لم تبن الدار بطوب اثر لا عين" الطوب الاجر بلغة أهل مصر واحدتها طوبه واراها قبطيه معربه.
وقوله: "فان تمحق الصبغ فلم تكن له قيمه" معنى تمحق أي بطلت قيمته وذهبت منفعته وكل شيء بطلت منفعته فقد امحق ومحاق القمر أن يدق بعد امتلائه فلا يرى جرمه ولا يضيء شيئا وقال الله : ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ ٢ أي يستأصله ويذهب نماءه وبركته.