Полный текст (294 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
قائم رجل، لا على الصفة، ولكنه لما قال: فيها قائم قيل له: من هو وما هو؟ فقال: رجل أو عبد الله. وقد يجوز على ضعفه، وحُمل هذا النصب على جواز: فيها رجل قائمًا، وصار حين أُخر وجه الكلام فرارًا من القبح" انتهى. واستشهد سيبويه على ورود النصب على الحال من النكرة بقول ذي الرمة:
وتحت العوالي في القنا مستظلة ... ظباء أعارتها العيونَ الجآذرُ
القنا: هي الرماح، وعواليها: صدورها، والجآذر: جمع جُؤذر أو جؤذر بضم الذال وفتحها، وهو ولد البقرة الوحشية. يصف الشاعر نسوة سُبِينَ أي: وقعن في الأسر، فصرن تحت سيطرة الرماح، والعرب تشبه النساء بالظباء في طول الأعناق وانطواء الكَشح أي: الخاصرة. والشاهد فيه نصب مستظلة على الحال، بعد أن كانت صفة لظباء متأخرة. وقد كان التقدير قبل تقديم الصفة: وتحت العوالي في القنا ظباء مستظلة، فلما صارت متقدمة؛ امتنع أن تكون صفة لها، لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف. كما استشهد سيبويه على ذلك أيضًا بقول الآخر:
وبالجسم مني بَيِّنًا لو علِمْتِه ... شحوب وإن تستشهد العين تشهد
يذكر شحوبه وتغير جسمه تغيرًا ظاهرًا، لما يقاسي من الوجد بصاحبته، وأنها لو طلبت من عينها أن تشهد على ذلك لشهدت. والشاهد فيه تقديم بينًا على شحوب، ونصبه على الحال بعد أن كان صفة متأخرة، وأصله: وبالجسم مني شحوب بيِّن، فحدث فيه ما حدث في ما قبله، ومن شواهد سيبويه على ذلك أيضًا قول كثير:
لمية موحشا طلل ... يلوح كأنه خِلَل
والطلل: ما شخص من آثار الديار، والموحش: مِن أوحش المنزل إذا ذهب عنه الناس وصار ذا وحشة، وهي الخلوة والهم، والخلل: جمع خِلة، وهي بطانة
стр. 247
يُوَشَّى بها غِمد السيف، وتكون منقوشة بالذهب وغيره، والشاهد فيه نصب موحشًا على الحال، وقد كان صفة في الأصل، وكان التقدير: لمية طلل موحش، فلما تقدم نصب على الحال. ويروى البيت الأخير في غير (الكتاب):
لعزة موحشا طلل قديم ... عفاه كل أسحم مستديم
وعفاه بمعنى درَسه وغيَّره، والأسحم: هو الأسود، والمراد هنا السحاب؛ لأنه إذا كان ذا ماء يُرى أسود لامتلائه، والمستديم صفة كل، وهو السحاب الممطر المستمر مدة أقلها ثلث النهار، أو ثلث الليل، قيل: من روى البيت: لعزة موحشًا قال: إنه لكثير عزة، ومن رواه: لمية موحشًا قال: إنه لذي الرمة، فإن عزة تنسب لكثير، ومية تنسب لذي الرمة. وأكثر ما يكون فيه تقديم الصفة على الموصوف، وجعلها حالًا في الشعر، ولذلك عقَّب سيبويه على الشواهد الشعرية التي أوردها على ذلك بقوله: "وهذا كلام أكثر ما يكون في الشعر، وأقل ما يكون في الكلام". يعني: في الكلام الاختياري.
وأورد ابن جني في (الخصائص) مثالًا ثالثًا لتعارض القبيحين، والحمل على أقلهما قبحًا نذكره من باب إكمال النفع، وإن كان لم يرد في (الاقتراح). قال ابن جني: "وكذلك: ما قام إلا زيدًا أحد، عدلت إلى النصب" يعني ابن جني: أنه إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه في غير الإيجاب أي: في النفي أو شبهه كالمثال المذكور الذي تقدم فيه المستثنى زيدًا على المستثنى منه أحد، وتقدَّم على الكلام أداة نفي، عدلْتَ عن الحكم الذي كان يستحقه هذا المستثنى لو لم يتقدم على المستثنى منه، وجاء في موضعه الأصلي وهو الرفع على الإتباع للمستثنى منه المرفوع، على أنه بدل بعض من كل عند البصريين، وعطف نسق عند الكوفيين؛ لأن "إلا" عندهم من حروف العطف في باب الاستثناء خاصة. قال ابن جني معللًا عدولك في نحو ما ذُكر من الإتباع إلى النصب: "لأنك إن رفعت لم
стр. 248
تجد قبله ما تُبدله منه -يعني: على رأي البصريين- وإن نصبت دخلت تحت تقديم المستثنى على ما استثني منه، وهذا -أي: تقديم المستثنى على المستثنى منه- وإن كان ليس في قوة تأخيره عنه، فقد جاء على كل حال، فاعرف ذلك أصلًا في العربية تحمل عليه غيره".
يعني ابن جني: أنك في نحو المثال المذكور بين أمرين كلاهما قبيح، ولا بد من ارتكاب أحدهما: أن ترفع المستثنى على الإتباع، لكنك لن تجد متبوعًا قبله تتبعه له، ولا يُتبع لما بعده عند أصحابه البصريين؛ لأن التابع لا يتقدم على المتبوع. والآخر أن تنصبه على الاستثناء، فتدعي تقديم المستثنى على المستثنى منه، وهذا مع ضعفه لمخالفته الأصل وارد على كل حال، أي: ومن ذلك قول الكميت يمدح آل هاشم:
وما لي إلا آلَ أحمد شيعة ... وما لي إلا مذهب الحق مذهب
والأصل: وما لي شيعةٌ إلا آلُ أحمد وما لي مذهب إلا مذهب الحق، فلما قُدِّم المستثنى على المستثنى منه؛ وجب نصبه، وأراد بأحمد النبي ﷺ . وذكر ابن يعيش في (شرح المفصل) مثالًا رابعًا لتعارض قبيحين، والحمل على أقلهما قبحًا وأقربهما فحشًا، وأثبت هذا المثال السيوطي في كتابه (الأشباه والنظائر). ذكر ابن يعيش أن حذف المضاف وإبقاء عمله ضعيف في القياس، قليل في الاستعمال. أما ضعفه في القياس فلوجهين؛ أحدهما: أن المضاف نائب عن حرف الجر وخَلَف عنه، فإذا حذفت المضاف فقد أجحفت بحذف النائب والمنوب عنه.
والوجه الثاني: أن المضاف عامل في المضاف إليه الجر، ولا يحسن حذف الجار وتبقية عمله، فمن ذلك قولهم في المثل: ما كل سوداء تمرةً ولا بيضاء شحمةً، وأوضح ابن يعيش موضع الشاهد في هذا المثل بإعرابه على النحو الآتي: أن
стр. 249
ترفع كلًّا بما الحجازية على أنه اسمها، وتخفض سوداء بالإضافة، والفتحة علامة الخفض؛ لأنه لا ينصرف لألف التأنيث الممدودة، وتمرة منصوب على أنه خبر ما، والواو عاطفة، وبيضاء مخفوض أيضًا على تقدير إضافته إلى لفظ كلٍّ أخرى محذوفة، كأنك لفظت بها فقلت: ولا كلُ بيضاءَ، وشحمة منصوب عطفًا على تمرة. وهذا الإعراب الذي ذكره ابن يعيش إنما هو على مذهب الخليل وسيبويه والبصريين، ونحن نلاحظ أن العطف فيه إنما هو على معمولي عامل واحد، فما بعد العاطف في التقدير وهو كل بيضاء معطوف على اسم ما، وهو كل سوداء. وشحمة بالنصب معطوف على خبر ما، وهو تمرة المنصوب، فالعامل واحد وهو ما الحجازية، والعطف من باب عطف المفردات، وفي هذا الإعراب قبح، وهو تقدير حذف الجار وهو لفظ كل الواقع مضافًا إلى لفظ بيضاء، وفي ذلك حذف للجار وتبقية للمجرور كما تقدم.
وقال ابن يعيش: "وكان أبو الحسن الأخفش وجماعة من البصريين يحملون ذلك، وما كان مثله على العطف على عاملين، وهو رأي الكوفيين، وذلك أن بيضاء جر عطف على سوداء، والعامل فيها كل وقوله: شحمة منصوب عطفًا على خبر ما أي: والعامل ما، ومثله عندهم: ما زيد بقائم ولا قاعد عمرو تخفض قاعدًا بالعطف على قائم المخفوض بالباء، وترفع عمرًا بالعطف على اسم ما، فهما عاملان الباء وما، كما كان في المثل عاملان: كل وما، قالوا: وقد عطفت شيئين على شيئين، والعامل فيهما شيئان مختلفان، وسيبويه والخليل لا يريان ذلك ولا يجيزانه، والحجة لهما في ذلك أن حرف العطف خلف عن العامل ونائب عنه، وما قام مقام غيره فهو أضعف منه في سائر أبواب العربية. فلا يجوز أن يتسلط على عمل الإعراب بما لا يتسلط ما أقيم مقامه، فإذا أقيم مقام الفعل؛
стр. 250
لم يجز أن يتسلط على عمل الجر، فلهذه العلة لم يجز العطف عندهما على عاملين، لذلك حملوه على حذف المضاف" انتهى.
وقال ابن مالك في (شرح التسهيل): "العطف على عاملين بمنزلة تعديتين بمعدٍّ واحد، فلا يجوز"، والخلاصة المستنبطة أن المتكلم بنحو المثل المذكور بين أمرين قبيحين، إما أن يعطف على عاملي عاملين مختلفين، وإما أن يدعي حذف المضاف، وذلك مع قبحه أهون الضررين وأقل القبحين.
المجمع عليه أولى من المختلف فيه
إذا تعارض أمر أجمع عليه النحويون من البصريين والكوفيين، وأمر آخر اختلفوا فيه، فإن الرأي المجمع عليه أولى من الرأي المختلف فيه؛ لأن للإجماع مكانته عند علماء العربية، وقد عدَّه ابن جني من أصول النحو الغالبة، كما ذكر الشاطبي ﵀ أن إجماع النحويين كإجماع الفقهاء وإجماع المحدِّثين، وكل علم اجتمع أربابه على مسألة منه؛ فإجماعهم حجة ومخالفهم مخطئ، وإذا كان الأمر كذلك فإن الرأي المجمع عليه أولى من الرأي المختلف فيه.
ولذلك قال السيوطي: "إذا تعارض مجمع عليه ومختلف فيه فالأول أولى"، وذكر مثالًا لذلك، وهو أنه إذا كان الشاعر مضطرًا إلى قصر الممدود أو مد المقصور، فارتكاب الأول أولى؛ لإجماع البصريين والكوفيين على جوازه أي: على جواز قصر ممدود، ومنع البصريين الثاني أي: وهو مد المقصور. وفي (الإنصاف) قال أبو البركات: "أجمعوا على أنه يجوز قصر الممدود في ضرورة الشعر، إلا أن الفراء من الكوفيين اشترط في مد المقصور وقصر الممدود شروطًا لم يشترطها غيره، وذكر مثل ذلك أبو سعيد السيرافي في كتابه (ضرورة الشعر).
стр. 251
ومن الشروط التي اشترطها الفراء أنه لا يجوز أن يُمد من المقصور ما لا يجيء في بابه ممدود، فنحو: فَعْلى تأنيث فعلان مثل: سكرى وعطشى، هذا لا يجوز أن يمد، لأن مذكره سكران وعطشان، وفعلى تأنيث فعلان لا تجيء إلا مقصورة، ولا يجوز أن يقصر من الممدود ما لا يجوز أن يأتي في بابه مقصور نحو: تأنيث أفعل مثل: بيضاء وسوداء، فهذا لا يجوز أن يقصر؛ لأن مذكره أبيض وأسود، وفعلاء مؤنث أفعل لا يكون إلا ممدودًا". وقد ذكر الأنباري أن ما ذهب إليه الفراء من اشتراطه في قصر الممدود أن يجيء في بابه مقصور باطل؛ لأنه قد جاء القصر فيما لم يجئ في بابه مقصور، ومن ذلك قول الأعشى:
والقارحَ العَدَّا وكل طِمِرَّة ... ما إن تنال يد الطويل قذالها
والقارح: أراد به الفرس الذي اكتمل سنه، والطمرة: العالية، والقذال: جماع مؤخر الرأس، والشاهد قوله: العدا، أراد العَدّاء فقصره للضرورة، ووجه الاستشهاد بهذا البيت أن العداء صيغة مبالغة فعلها عدا يعدو، ولم يأت في صيغ المبالغة مقصور حتى يُحمل هذا عليه. ومن قصر الممدود المجمع على جوازه قول الراجز:
لابد مِن صنعا وإن طال السفر
......
والأصل صنعاء، وأما مد المقصور فموضع خلاف بين النحويين، إذ أجازه الكوفيون متمسكين بقول الشاعر:
سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناء
بمد غناء، والأصل عند الكوفيين غنى، فلما اضطر الشاعر مده. وذهب البصريون إلى أن غناء في البيت مصدر لغانيت؛ لأنهم يمنعون مد المقصور ولو في ضرورة الشعر، فتعارض قولان؛ أحدهما مجمع عليه والآخر مختلف فيه، فكان المجمع عليه أولى من المختلف فيه.
стр. 252
الحكم عند تعارض المانع والمقتضي
إن المراد بالمقتضي: ما يقتضي الحكم، أي: سبب الحكم، والمراد بالمانع: ما يمنع الحكم فهما نقيضان، فإذا تعارض المانع والمقتضي كان المانع مقدمًا على المقتضي، والأمثلة التي يقدم فيها المانع على المقتضي كثيرة منها؛ المثال الأول نحو: هذا راشد وذاك غادر، فراشد اتصلت بألفه راء مفتوحة، وغادر اتصلت بألفه راء مضمومة، فوجد فيهما سبب إمالة الألف وهو وقوع كسرة بعدها، كما وجد فيهما ما يمنع الإمالة وهو الراء المفتوحة أو المضمومة، فيقدم المانع على المقتضي، وبعض العرب يميل ولا يلتفت إلى الراء غير المكسورة. المثال الثاني: أيٌّ، وجد فيها سبب البناء، وهو أنها أشبهت الحرف، ووجد فيها أيضًا ما يمنع البناء، وهو لزومها الإضافة التي هي من خصائص الأسماء، فقدم المانع وامتنع البناء.
والمثال الثالث: الفعل المضارع المؤكد بالنون وجد فيه سبب الإعراب، وهو مضارعته للاسم ومشابهته إيَّاه، ووجد فيه ما يمنعه الإعراب، وهو اتصال النون به، وقد باعد اتصال النون به بينه وبين الاسم فقُدِّم المانع، وأصبح المضارع الذي اتصلت به النون مبنيًّا غير معرب. والمثال الرابع: اسم الفاعل إذا وُجد شرط إعماله، وهو الاعتماد على نفي أو استفهام أو نحوهما، فإن وجد فيه ما يمنع العمل من تصغير أو وصف قَبْل العمل؛ فقد تعارض المانع والمقتضي، فيقدم المانع ويُمنع اسم الفاعل من العمل.
هذا وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 253
الدرس: ١٩ تابع صور التعارض والترجيح .
стр. 254
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع عشر
(تابع صور التعارض والترجيح)
الحكم إذا كان أحد القولين المتعارضين مرسلًا والآخر معللًا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
إن المجتهد الواحد قد يكون له في المسألة الواحدة قولان؛ لاختلاف نظره فيها، وتغير اجتهاده إزاءها، ولقد قضى عمر بن الخطاب ﵁ في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وإخوتها لأبيها وأمها، فأشرك عمر بين الإخوة للأم والإخوة للأب والأم في الثلث، فقال له رجل: "إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا، فقال: تلك على ما قضينا يومئذٍ، وهذه على ما قضينا اليوم". وقد يكون للعالم الواحد قولان متعارضان في المسألة الواحدة في كتاب واحد من كتبه، أو في كتابين، وحينئذٍ يقف القارئ حائرًا، فلا يدري أيَّ القولين يأخذ وأي القولين يدع. وقد أفرد ابن جني -رحمه الله تعالى- بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب في اللفظين على المعنى الواحد يردان عن العالم متضادين، وقد وضع في هذا الباب بعض القواعد التي يُمكن للقارئ أن يتعرف في ضوئها على ما ينبغي عليه الأخذ به وما يجب عليه أن يتركه، وما هو مخير بين أخذه وتركه، وذكر أن ذلك على أوجه:
أحدها: إذا كان أحد القولين مرسلًا أي: غير مقيد بالدليل، والآخر معللًا أي: مقيدًا بالدليل مصحوبًا بالعلة، أُخذ بالمعلل لقيام حجته، وترك المرسل لضعفه، وعدم قيام حجته. ووجب مع ذلك أن يتأول المرسل يعني: أن يصرف عن ظاهر معناه إلى ما يطابق معنى المعلل؛ لإزالة التضاد بين القولين.
ومن الأمثلة التي أوردها ابن جني على ذلك قول صاحب (الكتاب) أي: سيبويه في غير موضع في التاء من بنت وأخت: "إنها للتأنيث"، أي: ولم يذكر علة كونها للتأنيث، وقال أيضًا مع ذلك في باب ما ينصرف وما لا ينصرف: "إنها ليست للتأنيث"، واعتل لهذا القول أي: لأنها ليست للتأنيث بأن ما قبلها
стр. 255
ساكن، وتاء التأنيث في الواحد لا يكون ما قبلها ساكنًا، إلا أن يكون ألفًا كقناة وفتاة وحصاة، والباقي كله مفتوح كرطبة وعنبة وعلّامة ونسابة، قال -يعني سيبويه: "ولو سميت رجلًا ببنت وأخت لصرفته، وهذا واضح، فإذا ثبت هذا القول الثاني بما ذكرناه -وما زلنا مع عبارة ابن جني- وكانت التاء فيه إنما هي عنده على ما قاله بمنزلة تاء عفريت وملكوت؛ وجب أن يُحمل قوله فيها: إنها للتأنيث على المجاز، وأن يُتأول ولا يحمل القولان على التضاد" انتهى.
وخلاصة ما ذكر ابن جني في النص السابق أن لسيبويه في (الكتاب) نصين متعارضين في نوع التاء في كلمتي بنت وأخت، ففي غير موضع ذكر أن التاء فيهما للتأنيث، وستعرف أنه ذكر ذلك في ثلاثة أبواب في باب الإضافة أي: النسب إلى بنات الحرفين، وباب يُجمع فيه الاسم إن كان لمذكر أو مؤنث بالتاء، كما يُجمع ما كان آخره هاء التأنيث أي: باب جمع المؤنث السالم، وباب علل ما تجعله زائدًا من حروف الزوائد، وما تجعله من نفس الحرف، ولم يعلل كونها للتأنيث، وذكر مع ذلك أنها للإلحاق في باب ما ينصرف في المذكر البتة مما ليس في آخره حرف التأنيث، وفي باب الوقف في أواخر الكلم المتحركة في الوصل. وبالرجوع إلى كتاب سيبويه نجد أن سيبويه قد تناول الحديث عن كلمتي بنت وأخت في خمسة مواضع من (الكتاب) ذكر في ثلاثة منها أن التاء فيهما للتأنيث، وفي اثنين منها أنها للإلحاق:
الموضع الأول: في باب ما لا يجوز فيه من بنات الحرفين إلا الرد، وهو أحد أبواب الإضافة أي: النسب، قال: "وإذا أضفت أي: نسبت إلى أخت قلت: أخوي، هكذا ينبغي له أن يكون على القياس، وذا القياس قول الخليل من قِبل أنك لما جمعت بالتاء حذفت تاء التأنيث كما تحذف الهاء، ورددت إلى الأصل؛
стр. 256
فالإضافة أي: النسب تحذفه كما تحذف الهاء، وهي أَرَدُّ له إلى الأصل"، ثم قال في الباب الذي يليه: "وأما بنتٌ، فإنك تقول: بنوي من قِبل أن هذه التاء التي هي للتأنيث لا تثبت في الإضافة كما لا تثبت في الجمع بالتاء، وذلك لأنهم شبهوها بهاء التأنيث، فلما حذفوا، وكانت زيادة في الاسم كتاء سَنْبَتَة، وتاء عفريت، ولم تكن مضمومة إلى الاسم كالهاء؛ يدلك على ذلك سكون ما قبلها جعلناها بمنزلة ابن" انتهى.
وظاهر ما قال في هذين النصين بالنسبة لكلمة أخت أن التاء فيها للتأنيث، وأن النسب إليها من قبيل النسب إلى ما ورد من الأسماء على حرفين حذف ثالثهما؛ لأن أقل أبنية الاسم المجرد ثلاثة أحرف، ولذلك عند جمعها بالألف والتاء والنسب إليها كان القياس أن يردَّ إليها ما حُذف منها وهو اللام؛ لأن الجمع والنسب مما يُردُّ فيهما الأسماء إلى أصولها، بل إن النسب أقوى من الجمع بالألف والتاء من ردِّ اللام المحذوفة إلى أصلها، فكما تقول في الجمع: أخوات برد اللام المحذوفة وهي الواو، تقول في النسب: أخوي، وذلك هو القياس عند الخليل وسيبويه. وأما بالنسبة لكلمة بنت فقد جعل حكمها في النسب كحكم نظيرتها أخت، ذاكرًا مرة أن التاء فيها هي التاء التي للتأنيث، ومرة أخرى أنهم شبهوها بهاء التأنيث.
والموضع الثاني: قال: "هذا باب يُجمع فيه الاسم إن كان لمذكر أو مؤنث بالتاء، كما يُجمع ما كان آخره هاء التأنيث، وتلك الأسماء التي آخرها تاء التأنيث، فمن ذلك بنت إذا كان اسمًا لرجل، تقول: بنات من قِبَل أنها تاء التأنيث لا تثبت مع تاء الجمع، كما لا تثبت الهاء، فمن ثم صيرت مثلها، وكذلك هَنْت وأخت، لا تجاوز هذا فيها" انتهى.
стр. 257
والموضع الثالث: في باب علل ما تجعله زائدًا من حروف الزوائد، وما تجعله من نفس الحرف، قال: "وكذلك تاء أخت وبنت، وثنتين، وكلتا؛ لأنهن لحقن للتأنيث، وبُنِينَ بناء ما لا زيادة فيه من الثلاثة، كما بنيت سنبتة بناء جندلة" انتهى. وأما الموضعان اللذان ذكر سيبويه فيهما أن تاءهما للإلحاق فهما:
الموضع الأول: في باب ما ينصرف في المذكر البتة مما ليس في آخره حرف التأنيث، قال: "وإن سميت رجلًا ببنت وأخت صرفته؛ لأنك بنيت الاسم على هذه التاء، وألحقتها ببناء الثلاثة، كما ألحقوا سنبتة بالأربعة، ولو كانت كالهاء لما أسكنوا الحرف الذي قبلها؛ فإنما هذه التاء فيها كتاء عفريت، ولو كانت كألف التأنيث لم ينصرف في النكرة، وليست كالهاء لما ذكرت لك، وإنما هذه زيادة في الاسم بني عليها وانصرف في المعرفة، ولو أن الهاء التي في دجاجة كهذه التاء انصرف في المعرفة" انتهى.
والموضع الثاني: في باب الوقف في أواخر الكلم المتحركة في الوصل، قال: "فعلامة التأنيث إذا وصلته التاء، وإذا وقفت ألحقت الهاء، أرادوا أن يفرقوا بين هذه التاء والتاء التي هي من نفس الحرف نحو: تاء القَت، وما هو بمنزلة ما هو من نفس الحرف نحو: تاء سنبتة، وتاء عفريت؛ لأنهم أرادوا أن يلحقوهما ببناء قَحْطَبة، وقنديل. وكذلك التاء في بنت وأخت لأن الاسمين ألحقا بالتاء ببناء عُمْر وعِدْل، وفرقوا بينها وبين تاء المنطلقات؛ لأنها كأنها منفصلة من الأول، كما أن موت منفصل من حضر في حضرموت" انتهى.
وكان هذا مظهرًا من مظاهر العجب في كتاب سيبويه، وأوقع كثيرًا من النحاة في اضطراب، وهم يحاولون الوقوف على حقيقة التاء في الكلمتين المذكورتين في ضوء ما ذكر إمام النحاة سيبويه، حتى قال شيخنا المرحوم الشيخ محمد عبد
стр. 258
الخالق عضيمة -طيب الله ثراه- في كتابه القيم (فهارس كتاب سيبويه): "عنيت ببحث موضوع الإلحاق منذ عشرين سنة فكتبت عنه بحثًا ضافيًا شغل أربعين صفحة، أرسيت قواعده، وأوضحت أماراته.
ثم بعد هذا رأيت أبا الفتح أي: ابن جني في (المنصف) وابن سيده في (المخصص)، وابن يعيش وغيرهم يقولون: إن تاء بنت للإلحاق بجذع، وتاء أخت للإلحاق بقُفل، هالني الأمر؛ إذ لم أر إلحاق ثلاثي بثلاثي في غير هذا، ثم إن التاء في بنت وأخت تدل على التأنيث، وشأن حرف الإلحاق ألا يدل على معنى مطرد، قرأت كثيرًا في كتاب سيبويه فلم أهتدِ إلى شيء، ثم بعد سنوات أوقفتني المصادفة وحدها على حديث سيبويه عن ذلك في باب الوقف، من كان يخطر بباله أو يقع في ظنه أن يعرض سيبويه لمسألة من الإلحاق في الوقف، وما صلة باب الوقف بالإلحاق، شتان ما بينهما" انتهى كلام شيخنا -عليه رحمة الله.
ولذلك من العلماء من رأى أن التاء فيهما بدل من اللام المحذوفة، وأنها دالة على التأنيث؛ أخذًا بظاهر ما ورد في (الكتاب)، ومن هؤلاء المالقي المتوفى في السنة الثانية بعد السبعمائة من الهجرة، قال في كتابه (رصف المباني في شرح حروف المعاني): "وأما أخت وبنت وهنت، فذهب الأكثرون إلى أنها -أي: التاء- عوض من لام الكلمة، لأنها واو أو ياء في الأصل فأصلها أَخَوَة، وهَنَوَة، وبنوة، وأعلوها بالحذف كما أعلوا مذكرها، وذهب بعضهم إلى أنها علامة تأنيث، والصحيح أنها عوض من لام الكلمة التي هي واو في الأصل، كما تقدم، ولكن مع ذلك تدل على التأنيث بلفظها، ويخرج من مذهب سيبويه القولان، وظاهر مذهبه أنها بدل، ودالة على التأنيث" انتهى.
стр. 259
وذهب أكثر العلماء ومنهم ابن جني إلى أن مذهب سيبويه هو القول الثاني أي: أن التاء فيهما للإلحاق، ذكر ذلك في (الخصائص)، وفي (سر صناعة الإعراب)، وفي (المنصف)، كما ذكر أن أصل أخت أَخَوَة، وأصل بنت بنوة، وأن وزنهما في الأصل فَعَل، فنُقلوا إلى فُعْل وفِعْل، وألحقوهما بالتاء المبدلة من لامهما بوزن قفل، وحِلْس، فقالوا: أخت وبنت، وقال في (سر صناعة الإعراب): "وليست التاء فيهما بعلامة تأنيث، كما يظن من لا خبرة له بهذا الشأن؛ لسكون ما قبلها هذا مذهب سيبويه، وهو الصحيح وقد نص عليه في باب ما لا ينصرف فقال: لو سميت بهما رجلًا لصرفتهما معرفة، ولو كانت للتأنيث لما انصرف الاسم" انتهى.
وأوضح ابن جني أن وجه الجمع بين القولين الواردين في كتاب سيبويه أن هذه التاء، وإن لم تكن عنده للتأنيث فإنها لمَّا لم توجد في الكلمة إلا في حال التأنيث؛ استجاز أن يقول فيها: "إنها للتأنيث"؛ على أن سيبويه قد تسمح في بعض ألفاظه في (الكتاب) فقال: "هما علامتا تأنيث" وإنما ذلك تجوز منه في اللفظ؛ لأنه أرسله غُفْلًا، وقد قيده وعلله في باب ما لا ينصرف، والأخذ بقوله المعلل أولى من الأخذ بقوله الغفل المرسل، ووجه تجوزه أنه لما كانت التاء لا تُبدل من الواو فيهما إلا مع المؤنث صارتا كأنهما علامتا تأنيث. ونذكر تفسيرًا لبعض الكلمات اللغوية التي وردت في نصوص (الكتاب) السابقة، فنقول: القَتُّ: الكذب، وقحطبة: عَلَم، والسنبتة: سوء الخلق، وسرعة الغضب، والمدة من الزمن، والهنت: كناية عن الشيء يُستفحش ذكره، والجندلة: واحدة الجندل، وهو الصخر العظيم، والعِدْل: من معانيه المثل والنظير.
стр. 260
الحكم إذا كان القولان المتعارضان مرسلين وأمكن تأويل أحدهما
أشار ابن جني في (الخصائص) إلى الحكم إذا كان القولان لعالم واحد في مسألة واحدة قد وردا عنه متضادين، وكانا مرسلين أي: مطلقين من التعليل بقوله: "ومن ذلك أن يرد اللفظان عن العالم متضادين على غير هذا الوجه، أي: على غير الوجه الأول الذي سبق الحديث عنه، وهو أن يحكم في شيء بحكم ما، ثم يحكم فيه نفسه بضده، غير أنه لم يُعلل أحد القولين، فينبغي حينئذٍ أن يُنظر إلى الأليق بالمذهب، والأجرى على قوانينه، فيُجعل هو المراد المعتزم منهما، ويتأول الآخر إن أمكن"، وذكر ابن جني مثلًا لذلك بما وقع من سيبويه في (الكتاب) في ناصب الفعل المضارع الواقع بعد حتى، فقال: "وذلك كقوله -يريد سيبويه- حتى الناصبة للفعل، وقد تكرر من قوله أنها حرف من حروف الجر، وهذا نافٍ؛ لكونها ناصبة له، من حيث كانت عوامل الأسماء لا تباشر الأفعال، فضلًا عن أن تعمل فيها.
وقد استقر من قوله في غير مكان ذكر عدة الحروف الناصبة للفعل، وليست فيها حتى، فعُلم بذلك وبنصه عليه في غير هذا الموضع أن أن مضمرة عنده بعد حتى، كما تُضمر مع اللام الجارة في نحو قوله سبحانه: ﴿يَغْفِرْ لَكَ اللهُ﴾ (الفتح: ٢) ونحو ذلك، فالمذهب إذن هو هذا". وإذا انتقلنا قليلًا من ابن جني إلى (الكتاب) لسيبويه وقفنا على الآتي:
أولًا: من أبواب (الكتاب): هذا باب إعراب الأفعال المضارعة للأسماء، وقد صدره سيبويه بقوله: "اعلم أن هذه الأفعال لها حروف تعمل فيها فتنصبها، لا تعمل في الأسماء، كما أن حروف الأسماء التي تنصبها لا تعمل في الأفعال"، وتلا هذا الباب مباشرة باب الحروف التي تُضمر فيها أن، وبدأه سيبويه بقوله: "وذلك اللام التي في قولك: جئتك لتفعل، وحتى، وذلك قولك: حتى تفعل ذاك، فإنما
стр. 261
انتصب هذا بأن، وأنْ ها هنا مضمرة، ولو لم تضمرها؛ لكان الكلام محالًا، لأن اللام وحتى إنما يعملان في الأسماء فيجران، وليستا من الحروف التي تُضاف إلى الأفعال، فإذا أضمرت أنْ حسن الكلام، لأن "أنْ" وتفعل بمنزلة اسم واحد، كما أن "الذي" وصلته بمنزلة اسم واحد، فإذا قلت: هو الذي فعل، فكأنك قلت: هو الفاعل، وإذا قلت: أخشى أن تفعل، فكأنك قلت: أخشى فعلك، أفلا ترى أن أنْ تفعل بمنزلة الفعل، فلما أضمرت أن؛ كنت قد وضعت هذين الحرفين مواضعهما، لأنهما لا يعملان إلا في الأسماء، ولا يضافان إلا إليها، وأنْ تفعل بمنزلة الفعل".
ثم قال في الباب نفسه: "واعلم أن أنْ لا تظهر بعد حتى وكي، كما لا يظهر بعد أما الفعل في قولك: أما أنت منطلقًا انطلقت، واكتفوا عن إظهار أنْ بعدهما بعلم المخاطب أن هذين الحرفين لا يُضافان إلى فعل، وأنهما ليسا مما يعمل في الفعل، وأن الفعل لا يحسن بعدهما إلا أن يُحمل على أنْ، فأنْ ها هنا بمنزلة الفعل في أما. وما كان بمنزلة أما مما لا يظهر بعده الفعل، فصار عندهم بدلًا من اللفظ بأنْ" انتهى. وهكذا يذكر سيبويه غير مرة أن حتى من عوامل جر الأسماء، وأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال، كما أن عوامل الأفعال لا تعمل في الأسماء، وأن الفعل المضارع المنصوب بعد حتى منصوب بأنْ مضمرة بعدها، وأنها والفعل بمنزلة اسم واحد هو المصدر.
وبعد صفحات قليلة من الباب السابق في (الكتاب) نجد بابًا عنوانه: هذا باب حتى، يقول سيبويه في أوله: "اعلم أن حتى تنصب على وجهين؛ فأحدهما: أن تجعل الدخول غاية لمسيرك، وذلك قولك: سرت حتى أدخلها، كأنك قلت: سرت إلى أنْ أدخلها، فالناصب للفعل ها هنا هو الجار للاسم، إذا كان غاية؛ فالفعل إذا كان غاية نصب، والاسم إذا كان غاية جر، وهذا قول الخليل. وأما الوجه الآخر: فأن يكون السير قد كان، والدخول لم يكن، وذلك إذا جاء مثل كي التي فيها إضمار أن وفي معناها، وذلك قولك: كلمته حتى يأمر لي بشيء" انتهى.
стр. 262
فظاهر النص الأخير يتعارض مع ما ورد في النص الأول، إذ النص الأخير يدل بظاهره على نسبة النصب للفعل المضارع إلى حتى، من غير إشارة إلى "أنْ" من قريب أو من بعيد، غير أن الأمر كما أوضح ابن جني أنه قد تكرر من قول سيبويه أن حتى من حروف الجر، وهذا نافٍ لكونها ناصبة للفعل المضارع من حيث كانت عوامل الأسماء لا تُباشر الأفعال، فضلًا عن أن تعمل فيها، كما استقر من قوله في غير موضع: "ذكر عدة الحروف الناصبة للفعل"، وليست فيها حتى، فعُلم بذلك وبنصه على أن أنْ هي الناصبة مضمرة بعد حتى أن المذهب والأجرى على قوانينه، أن حتى من حروف الجر، وأن الناصب بعدها أنْ مضمرة وجوبًا. ومن هنا فقد حرص ابن جني على إزالة هذا التعارض الظاهر بين القولين بتأويل القول الثاني فقال: "ووجه القول في الجمع بين القولين بالتأويل أن الفعل لما انتصب بعد حتى، ولم تظهر هناك أنْ، وصارت حتى عوضًا منها ونائبة عنها؛ نسب -أي: سيبويه- النصب إلى حتى، وإن كان في الحقيقة لـ: أنْ" انتهى.
الحكم إن لم يمكن التأويل
إذا تعذر الأخذ بأحد القولين المرسلين المتعارضين لعدم إمكان الرجوع عن الآخر بضرب من التجوز والتأويل، فإن نص العالم في أحدهما عن الرجوع عن الآخر؛ عُلم بذلك أن رأيه مستقر على ما أثبته ولم ينفيه، وأن القول الآخر مطرح متروك، لا يُنسب إليه بعد رجوعها، قال ابن جني: "ومن ذلك أن يرد اللفظان عن العالم متضادين، غير أنه نص في أحدهما على الرجوع عن القول الآخر؛ فيُعلم بذلك أن رأيه مستقر على ما أثبته ولم ينفِهِ، وأن القول الآخر
стр. 263
مطرح من رأيه"، ثم ذكر أن من أمثلة الشائع في الرجوع عنه من المذاهب ما كان أبو العباس المبرد قد تتبع به كلام سيبويه وجمعه في كتاب سماه (مسائل الغلط)، ثم اعتذر منه وكان يقول: "هذا شيء كنا رأيناه في أيام الحداثة، فأما الآن فلا".
فإن تعذر الأخذ بأحدهما وتأويل الآخر، ولم ينص العالم على الرجوع عن أحدهما، واستبهم الأمر فلم يُعرف التاريخ؛ وجب سبر المذهبين، وإنعام الفحص عن حال القولين، فإن كان أحدهما أقوى من صاحبه؛ وجب إحسان الظن بذلك العالم، وأن ينسب إليه أن الأقوى منهما هو قوله المعتمد الذي به يقول وله يعتقد، وأن الأضعف منهما هو القول الذي تركه ولم يعتمده، وإن تساوى القولان في القوة؛ وجب أن يُعتقد أنهما رأيان له، وأن الدواعي إلى تساويهما عند الباحث عنهما هي الدواعي التي دعت القائل بهما إلى أن اعتقد كلًّا منهما.
وذكر ابن جني أن أبا الحسن الأخفش كان يقع له ذلك كثيرًا، حتى إن أبا علي كان إذا عرض له قول عنه يقول: "لا بد من النظر في إلزامه إياه؛ لأن مذاهبه كثيرة"، كما حكى عن أبي علي ﵀ أنه كان يقول في هيهات: "أنا أفتي مرة بكونها اسمًا سُمي به الفعل كصه ومه، وأفتي مرة أخرى بكونها ظرفًا على قدر ما يحضرني في الحال"، وقال مرة أخرى: "إنها وإن كانت ظرفًا فغير ممتنع أن تكون مع ذلك اسمًا سُمي به الفعل كعندك ودونك" يعني: أن أبا علي كان يرى مرة أن هيهات اسم فعل ماض بمعنى بعُد كصه، التي هي اسم فعل أمر بمعنى: اسكت، ومه التي هي اسم فعل أمر أيضًا بمعنى اكفف، فيفتي بذلك، ومرة أخرى يراها ظرفًا فيفتي بكونها ظرفًا يعني إذا قلت: هيهات ما تقول، فالمعنى: في البُعد ما تقول. وكان مرة ثالثة يرى أنها وإن كانت ظرفًا فغير ممتنع أن تكون ظرفًا سُمي به الفعل.
стр. 264
وتابع ابن جني حديثه عن شيخه أبي علي، وبيان ما كان يفعله إزاء ما يسمعه من أقوال أبي الحسن الأخفش الكثيرة فقال: "وكان إذا سمع شيئًا من كلام أبي الحسن -أي: الأخفش- يُخالف قوله يقول: عكر الشيخ، يعني: أخرج كلامه عن الوضوح والصفاء إلى الغموض والخفاء، قال: وهذا ونحوه -أي: ما يخطر بباله من الأفكار والإدراكات- من خلاج الخاطر، وتعادي المناظر، وهو الذي دعا أقوامًا إلى أن قالوا بتكافؤ الأدلة أي: بتساويها، واحتملوا أثقال الصغار والذلة. قال: وحدثني أبو علي قال: قلت لأبي عبد الله البصري: أنا أعجب من هذا الخاطر في حضوره تارة ومغيبه أخرى، وهذا يدل على أنه من عند الله، فقال: نعم، هو من عند الله إلا أنه لا بد من تقديم النظر" انتهى.
وأختم بذكر مثال للقولين المتضادين لعالم واحد، وبالبحث عن تاريخهما يُعلم أن الثاني هو ما اعتزمه ذلك العالم، وأن الأول يُعدُّ مرجوعًا عنه في ضوء ما وضعه ابن جني من قوانين، وما نص عليه من قواعد، وإن لم يذكر لنا مثالًا لذلك. وذلك المثال الذي نورده هنا من واقع بعض مؤلفات ابن مالك -رحمه الله تعالى. قال ابن مالك في كتاب (التسهيل) باب إعمال المصدر: "والغالب إن لم يكن بدلًا من اللفظ بفعله تقديره به بعد أنِ المخففة أو المصدرية، أو ما أختها".
ويُفهم من هذه العبارة شيئان؛ أحدهما: أن المصدر العامل عمل فعله نوعان: نوع يقدر بالفعل، وحرف مصدري من الأحرف الثلاثة، ونوع يقدر بالفعل وحده وهو الآتي بدلًا من اللفظ بفعله. والآخر: أن تقدير المصدر بالفعل والحرف المصدري في النوع الأول ليس شرطًا لازمًا في عمل المصدر، بل هو عند ابن مالك شرط غالب يعني: قد يتخلف،
стр. 265
وأيَّد ذلك في (شرح التسهيل) فقال: "وليس تقدير المصدر العامل بأحد الأحرف الثلاثة شرطًا في عمله، ولكن الغالب أن يكون كذلك"، لكنه رجع عن ذلك الرأي الذي خالف فيه جمهور النحاة في (الألفية) قال في باب إعمال المصدر:
بفعله المصدر ألحق في العمل ... مضافًا او مجردًا أو مع ال
إن كان فعل مع أن أو ما يحل ... محله والاسم مصدر عمل
وتبعه شراحها في اشتراط ما اشترطه فيها، فإذا انتقلنا إلى (الكافية الشافية) لابن مالك أيضًا وجدناه يقول في نظمها:
كفعله المصدر أعمل حيثما ... يصح حرف مصدري تمما
ثم يقول في الشرح: "وينبغي أن يُعلم أن المصدر العامل على ضربين؛ أحدهما: مقدر بالفعل وحرف مصدري، والثاني: مقدر بالفعل وحده، فإن أُريد بالأول الحال قُدِّر بـ: ما المصدرية والفعل، ولم يقدر بـ: أنْ؛ لأن مصحوبها لا يكون حالًا، وإن أريد به غير الحال؛ جاز أن يُقدَّر بـ: أن وبـ: ما، ولأجل الحاجة إلى غير أنْ قلت -يعني: في النظم: حرف مصدري، ثم قال: ولأجل تقديره أي: المصدر العامل بفعل وحرف مصدري، جُعل هو ومعموله كموصول وصلته"، انتهى كلام ابن مالك في (شرح الكافية الشافية)، وهكذا رجع عن الرأي الذي أثبته في (التسهيل) وشرحه.
هذا وبالله التوفيق.
стр. 266
الدرس: ٢٠ ما رجحت به لغة قريش على غيرها .
стр. 267
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العشرون
(ما رجحت به لغة قريش على غيرها)
مصادر لغة قريش
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
إن لغة العرب هي إحدى اللغات السامية، وقد انقسمت هذه اللغة إلى لهجات عديدة في أنحاء شبه الجزيرة العربية، وأدَّى إلى هذا الانقسام أن أصحاب اللغة الواحدة كانوا يعيشون في بيئة جغرافية واسعة، تختلف الطبيعة فيها من مكان إلى مكان، وأدَّى هذا الاختلاف إلى وجود لهجات تنتمي إلى اللغة نفسها. وقد عُرفت هذه اللهجات عند القدماء باسم اللغات، وقد عقد ابن جني بابًا في (الخصائص) عنوانه: اختلاف لغات العرب وكلها حجة، والمراد باللغات اللهجات، وكذلك قول السيوطي: "لغة قريش"، يريد به لهجتها التي تنتمي إلى اللغة العربية. فاللهجة أخص من اللغة، واللغة أعم منها؛ لأن العلاقة بين اللغة واللهجة هي العلاقة بين العام والخاص، إذ إن اللهجة طريقة معينة في الاستعمال اللغوي، توجد في بيئة خاصة من بيئات اللغة الواحدة. وقد اتفق القدماء على أن لهجة قريش هي أفصح اللهجات العربية وأعلاها، وأنها اللغة التي سادت شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام.
يقول ابن فارس ﵀: "أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم، وأيامهم، ومحالهم أن قريشًا أفصح العرب ألسنة، وأصفاهم لغة، وذلك أن الله -جل ثناؤه- اختارهم من جميع العرب واصطفاهم، واختار منهم نبي الرحمة محمدًا ﷺ ، فجعل قريشًا قُطَّان حرمه، وجيران بيته الحرام، وولاته، فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم، يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم، وكانت قريش تعلمهم مناسكهم وتحكم بينهم، ولم تزل العرب تعرف لقريش فضلها عليهم، وتسميها أهل الله؛ لأنهم
стр. 268
الصريح من ولد إسماعيل ﵇ لم تشبهم شائبة، ولم تنقلهم عن مناسبهم ناقلة، فضيلة من الله -جل ثناؤه- لهم وتشريفًا، إذ جعلهم رهط نبيه الأَدْنَيْن، وعترته الصالحين" انتهى.
وإنما كانت لغة قريش هي اللغة الغالبة لعدة أسباب: منها أن قبيلة قريش هي القبيلة التي قامت بخدمة البيت الحرام، والعناية بشئونه، واستضافة الحجيج وسقايتهم، وتعليمهم مناسكهم، وقد كان العرب من مختلف القبائل يحجون إلى بيت الله الحرام، ويتحدثون بلغاتهم المختلفة، وكانت قريش تستمع إلى هذه اللغات، فتختار منها أحسنها وأصفاها، وتترك منها ما تراه مخلًّا بالفصاحة، وقد نقل السيوطي عن أبي نصر الفارابي أن قريشًا كانت أجود العرب انتقادًا للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعًا وإبانة عما في النفس. ومن هنا كانت لغة قريش هي أفصح لغات العرب، والسبب في ذلك أنها تكلمت بما استحسنته من لغات العرب، وقد نقل السيوطي عن الفراء قوله: "كانت العرب تحضر الموسم في كل عام، وتحج البيت في الجاهلية، وقريش يسمعون لغات جميع العرب، فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به، فصاروا أفصح العرب، وخلت لغتهم من مستبشع اللغات، ومستقبح الألفاظ" انتهى.
ومعنى ما ذكره السيوطي: أن قريشًا كانت تنتقي من الألفاظ أفصحها، ومن التراكيب أسهلها، وقد أدَّى ذلك إلى أن تكون للغة قريش الغلبة على غيرها من اللغات، حتى أصبحت لغة عامة العرب، استعملتها القبائل المختلفة في نتاجها الأدبي من شعر، ونثر، وإن احتفظت كل قبيلة بخصائصها اللهجية، فيما يدور بين أبنائها من حديث يومي، ومن هنا تجلت حكمة الخالق ﵎ حين اختار هذه اللغة؛ لتكون لغة القرآن الكريم.
стр. 269
صفاء لغة قريش وخلوها من مستبشع اللغات
لقد خلت لغة قريش من تلك الخصائص اللهجية التي ذكرها السيوطي في (الاقتراح)، وهي: الكشكشة، والكسكسة، والعنعنة، والفحفحة، والوكم، والوهم، والعجعجة، والاستنطاء، والوتن، والشنشنة. فهذه هي الخصائص اللهجية التي عُرفت عند بعض القبائل، وقد خلت منها لغة قريش.
ونشير إلى أمر ذي بال، وهو أن العرب في الجاهلية لم تكن تعرف هذه الألقاب، وإنما ذكرها رجل من جَرْم كان في مجلس معاوية بن أبي سفيان، وقد سأل معاوية جلساءه قائلًا لهم: "من أفصح الناس؟ فقام رجل من السماط -أي: من الصف، أو من أمام مائدة الطعام- فقال: قوم تباعدوا عن فراتية العراق، وتيامنوا عن كشكشة تميم، وتياسروا عن كسكسة بكر، ليس فيهم غمغمة قضاعة، ولا طُمْطُمانية حمير، فقال له معاوية: من أولئك؟ فقال: قومك يا أمير المؤمنين، فقال له معاوية: من أنت؟ قال: رجل من جرم"، قال الأصمعي: "وجرم من فصحاء الناس". وقد شاعت هذه الألقاب منسوبة إلى بعض القبائل العربية التي نطقت بها.
أولًا: الكَشْكَشة بالشين المعجمة، وإلحاق الشين بالكاف، وقد سُميت هذه اللغة بالكشكشة؛ لاجتماع الكاف والشين فيها، وقيل: تُسمى هذه اللغة الكشكشة بكسر الكافين، قيل: وهو الأصل لحكاية الكسر أي: حكاية كِشكِش، فركب، ولكون الكاف للمؤنث، ومن يفتحهما يأتي بهما على حد قولهم في التعبير عن بسم الله بالبسملة. وقد نسب السيوطي وبعض العلماء هذه اللغة إلى ربيعة ومضر، ونسبها ابن جني إلى ربيعة وحدها في (الخصائص)، والمراد بالكشكشة
стр. 270
نطقهم بالشين بعد كاف الخطاب في المؤنث أي: أنهم يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شينًا، سواء أكانت كاف الخطاب للمؤنث في موضع نصب، أم كانت في موضع جر، فمثال ما كانت فيه كاف الخطاب في موضع نصب: رأيتكِ، وربيعة ومضر يقولون: رأيتكش، ومثال ما كانت فيه الكاف في موضع جر: مررت بك، وربيعة ومضر يقولون: مررت بكش، بزيادة الشين بعد الكاف في الموضعين.
ونلحظ أن الكاف هنا لا يلحقها تغيير، بل هي مكسورة على أصلها في الجميع، ولم يكن الناطقون بالكشكشة سواء؛ بل افترقوا ثلاث فرق؛ الفرقة الأولى: تثبت الكاف بعد الشين في حال الوقف فقط، وهو الأشهر، فإذا وصلت لم تثبت الشين، وقد أشار سيبويه إلى هذه اللغة بقوله في (الكتاب): "وقوم يُلحقون الشين ليبينوا بها الكسرة في الوقف، وذلك قولهم: أعطيتكش، وأكرمكش، فإذا وصلوا تركوها" انتهى. كما أشار إليها ابن جني فقال حكاية عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب: "وأما كشكشة ربيعة، فإنما يريد قولها مع كاف ضمير المؤنث إنكش، ورأيتكش، وعطيتكش، تفعل هذا في الوقف، فإذا وصلت أسقطت الشين".
والفرقة الثانية: تثبت الكاف بعد الشين في الوصل والوقف جميعًا. والفرقة الثالثة: تجعل الشين في موضع الكاف فتقول: منش، والمراد منك، ويقولون: عليش والمراد عليك، وقد نسب سيبويه هذه اللغة إلى ناس كثير من تميم وأسد، فقال في (الكتاب): "فأما ناس كثير من تميم، وناس من أسد، فإنهم يجعلون مكان الكاف للمؤنث الشين، وذلك أنهم أرادوا البيان في الوقف" انتهى، وتبعه الرضي فقال في (شرح الكافية): "وناس كثير من تميم ومن أسد يجعلون مكان كاف المؤنث في الوقف شينًا" انتهى.
стр. 271
ومعنى ما ذكره سيبويه وتبعه فيه الرضي أن قلب الكاف شينًا لا يكون إلا في الوقف، وقد وردت الشواهد على إبدال الكاف شينًا في الوقف والوصل، فمن شواهد إبدال الكاف شينًا في الوقف ما ورد في (خزانة الأدب) من قولهم للمرأة: "جعل الله البركة في دارش"، ومن شواهد إبدال الكاف شينًا في الوصل قراءة من قرأ: "قد جعل ربش تحتش سريا" لقوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (مريم: ٢٤)، ومنه قول القائل:
فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... ولكن عظم الساق منش دقيق
يريد عيناك وجيدك، ومنك، فأبدل الكاف شينًا في الوصل، والبيت للمجنون يُخاطب ظبية أعطى صائدها شاة، ثم حلها من الشرك بعد أن تأمل في محاسنها. ومع ورود الشواهد الدالة على إبدال الكاف شينًا في الوصل والوقف، فإن الأصل هو إبدالها في الوقف كما قال سيبويه، وتبعه الرضي، وإنما أبدلت في الوصل إجراء للوصل مجرى الوقف.
ثانيًا: الكَسْكَسة بالسين المهملة، وهي إلحاق السين بالكاف، وسُميت هذه اللغة بالكسكسة؛ لاجتماع السين والكاف فيها، وقد نسبت هذه اللهجة إلى بكر وهوازن، ونسبها السيوطي إلى ربيعة ومضر، والمراد بها إلحاق كاف الخطاب بالمؤنث سينًا فيقال: أعطيتكس وعليكس، والمراد أعطيتك وعليك. ونلحظ في هذين المثالين أن السين تلحق الكاف؛ سواء أكانت في موضع نصب كما في المثال الأول، أم في موضع جر كما في المثال الثاني. وقد ذكر سيبويه أن إبدال الكاف سينًا يكون في الوقف دون الوصل فقال في (الكتاب): "واعلم أن ناسًا من العرب يلحقون الكاف السين ليبينوا كسرة التأنيث، وإنما ألحقوا السين لأنها قد تكون من حروف الزيادة في استفعل، وذلك أعطيتكس وأكرمكس، فإذا وصلوا لم يجيئوا بها؛ لأن الكسرة تَبِين" انتهى.
стр. 272
ومعنى ما ذكره سيبويه أن الكسكسة هي إلحاق الكاف سينًا، ولذلك قال الرضي في شرحه على الكافية: "وأما سين الكسكسة، وهي في لغة بكر بن وائل فهي السين التي تلحقها بكاف المؤنث في الوقف، إذ لو لم تلحقها لسكنت الكاف، فتلتبس بكاف المذكر، وجعلوا ترك السين في الوقف علامة المذكر، فيقولون: أكرمتكس، فإذا وصلوا لم يأتوا بها؛ لأن حركة الكاف إذن كافية في الفصل بين الكافين" انتهى. ومن العلماء من ذهب إلى أنها إبدال الكاف سينًا كما تقدم في الحديث عن الكشكشة.
ثالثًا: العنعنة بعينين مهملتين ونون، وقد نُسبت هذه اللهجة إلى تميم وقيس وأسد، ومن جاورهم، والمراد بها جعل الهمزة المبدوء بها عينًا، وقد أورد السيوطي في كتاب (الاقتراح) ثلاثة أمثلة للعنعنة فقال: "تقول في أنك عنك، وفي أسلم عسلم، وفي إذا عذًا". فهذه الأمثلة الثلاثة التي أوردها السيوطي يُفهم منها أن العنعنة هي إبدال الهمزة عينًا إذا وقعت في أول الكلام مطلقًا دون تخصيص، ومن العلماء من ذهب إلى أن العنعنة هي إبدال همزة أنْ وأنَّ وحدهما. وإلى هذا ذهب ابن جني فقال في (الخصائص): "فأما عنعنة تميم، فإن تميمًا تقول في موضع أنّ عن، تقول: عن عبد الله قائم، وأنشد ذو الرمة عبدَ الملك:
أعن رسمت من خرقاء منزلة
انتهى". وهو صدر بيت عجزه:
ماء الصبابة من عينيك مسجوم
ترسمت الدار أي: تأملت رسمها بأن نظرت وتفرست أين تحفر أو تبنى، وخرقاء هي صاحبته والهمزة في أول البيت للاستفهام التقريري، خاطب به نفسه
стр. 273
على طريق التجريد يقول: لأجل ترسمك ونظرك دارها التي نزلتْ بها، أسالت عينك دموعها. والشاهد في قوله: "أعن"، أصلها أأن، قلبت بنو تميم وبنو أسد همزة أن عينًا، فقد حصر ابن جني إبدال الهمزة عينًا في حرفين هما: أن وأن، ومثَّل لكل منهما بمثال، ثم علل ابن يعيش اختصاص هذين الحرفين بإبدالهما عينًا، فقال في (شرح المفصل): "وذلك أي: الإبدال في أن وأن خاصة؛ إيثارًا للتخفيف، لكثرة استعمالهما وطولهما بالصلة قالوا: أشهد عنك رسول الله، ولا يجوز مثل ذلك في المكسورة" انتهى. ولو كان إبدال الهمزة عينًا جائزًا في كل همزة مبدوء بها؛ لجاز في إنّ المكسورة، فلما لم يجز دل ذلك على أنه خاص بأن وأن.
رابعًا: الفَحْفَحة؛ وقد نُسبت هذه اللغة إلى هذيل، والمراد بها قلب الحاء عينًا في كلمة حتى، فيقال فيها: عتى، ولم يشر السيوطي ﵀ إلى أن هذا القلب خاص بكلمة حتى فقال: "الفحفحة في لغة هذيل يجعلون الحاء عينًا"، وكلام السيوطي يوهم أن قبيلة هذيل تقلب الحاء عينًا أينما وقعت، وليس الأمر كذلك، بل الصواب أن هذا القلب خاص بكلمة حتى وحدها. ومن هنا علق محقق (الاقتراح) المرحوم الأستاذ الدكتور أحمد محمد قاسم ﵀ على كلام السيوطي بقوله: "ظاهر ما قاله السيوطي أن الفحفحة إبدال الحاء عينًا مطلقة، مثل أن نقول في: حال الحول وحل الموعد، عال العول وعل الموعد".
ثم نقل عن المرحوم الدكتور إبراهيم أنيس قوله في كتابه (اللهجات العربية): "وهذا ضعيف لأنه لم يرد به نص عن العرب، والصحيح الذي لا ينبغي العدول عنه هو أن الفحفحة لهجة تخص كلمة واحدة، وهي كلمة حتى، فإن هذيلًا تقلب حاءها عينًا، فتقول: عتى، ويشهد لذلك ويدل عليه قول ابن جني
стр. 274
في (المحتسب): روي عن عمر أنه سمع رجلا يقرأ "عتى حين" (يوسف: ٣٥) فقال: من أقرأك؟ قال الرجل: ابن مسعود، فكتب إليه عمر: إن الله أنزل هذا القرآن فجعله عربيًّا، وأنزله بلغة قريش، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام" انتهى. ووجه الاستشهاد بهذه القصة أن الحاء لم تُقلب عينا في كلمة ﴿حِينٍ﴾، وهي مجاورة لكلمة ﴿حَتَّى﴾، ولو كانت الفحفحة قلب الحاء عينًا مطلقًا؛ لقلبت في الكلمتين، فلما لم تقلب إلا في كلمة ﴿حَتَّى﴾ دلَّ ذلك على أن هذا الإبدال خاص بها دون غيرها.
خامسًا: الوَكْم، وهو مصدر وَكَم يَكِم كوعد، يقال: هم يكمون الكلام أي: يقولون: السلام عليكِم بكسر الكاف، والمراد بهذه اللغة كسر الكاف من ضمير المخاطب المتصل كم، إذا كان هذا الضمير مسبوقًا بكسرة أو ياء، فيقال: بِكِم، وعليكم بكسر الكاف فيهما، وكأنهم كانوا يرون في ذلك مناسبة كما هو ظاهر. وعامة العرب تضم الكاف، وقد نسبت لغة الكسر إلى ربيعة وقوم من كلب، ونسبها سيبويه إلى قوم من بكر بن وائل، ووصف هذه اللغة بالرداءة، فقال في (الكتاب): "وقال ناس من بكر بن وائل: مِن أحلامكم، وبكم شبهها -أي: الكاف- بالهاء؛ لأنها عَلَم إضمار، وقد وقعت بعد الكسرة، فأتبع الكسرة الكسرة؛ حيث كانت حرف إضمار، وكانت أخف عليهم من أن يضم بعد أن يكسر، وهي رديئة جدًّا، سمعنا أهل هذه اللغة يقولون: قال الحطيئة:
وإن قال مولاهم على جُل حادث ... من الدهر ردوا فضل أحلامكِم ردوا
يمدح آل قريع، وهم حي من تميم، والمولى هنا ابن العم، وجل حادث أي: حادث جليل، والمعنى: إذا احتاج المولى إليهم عادوا عليه بفضل حلومهم، ولم يخذلوه، والشاهد فيه: كسر الكاف من أحلامكم تشبيهًا لها بهاء أحلامهم؛
стр. 275
لأنها أختها في الإضمار، ومناسبة لها في الهمس، وهي لغة ضعيفة؛ لأن أصل الهاء الضم، والكسر عارض عليها بخلاف الكاف، فحمل الكاف عليها بعيد ضعيف لأنها أبين منها وأشد".
سادسًا: الوهم؛ والمراد به كسر الهاء من ضمير الغائبين المتصل هم مطلقًا، فيقال: منهِم، وعليهم، ونبئهم، وإن لم يكن قبل الهاء ياء ولا كسرة، وعامة العرب تضم الهاء من هذا الضمير، إلا إذا وقع بعد كسرة أو ياء، فمثال ما وقع بعد كسرة: بهم، وبصاحبهم، ومثال ما وقع بعد ياء: قاضيهم، فإذا لم يقع هذا الضمير بعد كسرة أو ياء؛ بقي على أصله، وهو ضم الهاء، إلا أن بني كلب يكسرون الهاء مطلقًا، وهو ما عُرف بالوهم. وتجدر الإشارة إلى أن ظاهرتي الوكم والوهم متقاربتان؛ إذ إنهما تختصان بضميري الخطاب والغيبة، فالأصل في الكاف والهاء الضم فيقال: كتابكم وكتابهم، إلا أن بعض القبائل العربية يكسر الكاف، وبعضها يكسر الهاء.
سابعًا: العجعجة بعينين مهملتين وجيمين، وقد نُسبت هذه اللغة إلى قضاعة، والمراد بها جعل الياء المشددة الدالة على النسب في الأكثر جيمًا، فيقولون في تميمي: تميمج، ويقولون بصرج وكوفج، والمراد بصري وكوفي، وقد يبدلون الياء غير النسبية جيمًا أيضًا فيقولون في علي علج أي: أنهم يُبدلون الياء المشددة جيمًا، سواء أكانت هذه الياء للنسب، أم كانت لغيره. قال سيبويه في (الكتاب): "وأما ناس من بني سعد، فإنهم يُبدلون الجيم مكان الياء في الوقف؛ لأنها خفية، فأبدلوا من موضعها أَبْيَنَ الحروف، وذلك قولهم: هذا تميمج يريدون تميمي، وهذا علج يريدون علي، وسمعت بعضهم يقول: عربانج، يريد عرباني، وحدثني من سمعهم يقولون:
стр. 276
خالي عُويف وأبو علج ... المطعمان اللحم بالعشج
وبالغداة فِلَق البَرْنِج ... ...... ..... ..... ...... .......
يريد بالعشي، والبرني، فزعم أنهم أنشدوه هكذا" انتهى. والفلق: جمع فلقة بالكسر، وهي ما قُطع من التمر بعد تكتله، والبرني بفتح الباء: ضرب من التمر أصفر مدور، وهو أجود أنواع التمر، والشاهد في الرجز: إبدال الجيم من الياء في علي، والعشي، والبرني، يقول السيوطي: "ومن ذلك -أي: من المستقبح الذي خلت منه لغة قريش- العجعجة في قضاعة، يجعلون الياء المشددة جيمًا"، ونلحظ في هذا النص أن السيوطي قد جعل إبدال الياء جيمًا خاصًّا بالياء المشددة، وقد ورد ما يدل على أن الياء الخفيفة تُبدل جيمًا كقول الراجز:
يا رب إن كنت قبلت حجتج ... فلا يزال شاحج يأتيك بج
أقْمَر نَهَّاة يُنَزِّي وَفْرَتِج ... ...... ..... ..... ...... .......
أي: حجتي، ويأتيك بي، ووفرتي، والياء فيها ليست مشددة، بل هي ياء المتكلم الخفيفة، والشاحج بالشين المعجمة، والحاء المهملة قبل الجيم: البغل والحمار مِن شَحَج البغل والحمار شحيجًا، وشُحاجًا إذا صوَّت، والأقمر: الأبيض، والنهَّاة: النَّهَّاق يقال: نهَت الحمار ينهت بكسر الهاء أي: نهق، ونهت الأسد أيضًا أي: زأر، والنهيت دون الزئير، وينزي بالنون والزاي المعجمة أي: يُحرك، والتنزية: التحريك، والوفرة بالفاء: الشعر إلى شحمة الأذن، يقول: اللهم إن كنت قبلت حجتي، فلا تزال دابتي تأتي بيتك، وأنا عليها أحرك وفرتي، أو جسدي في سيرها إلى بيتك، أي: إن علمت أن حجتي هذه مقبولة، فأنا أبدًا أزور بيتك.
والشاهد: إبدال الياء الخفيفة جيمًا، فدل ذلك على أن العجعجة إبدال الياء مطلقًا خفيفة كانت أو مشددة جيمًا، وقد ذهب ابن عصفور في كتاب (ضرائر
стр. 277
الشعر) إلى أن إبدال الياء الخفيفة جيمًا من الضرائر الشعرية أي: أنه خاص بالشعر فقال: "ومنه -يعني: ومن إبدال الحرف من الحرف في الضرورة الشعرية- إبدالهم الجيم من الياء الخفيفة نحو قول هِميان بن قحافة:
يطير عنها الوبر الصُّهابِج
...... ..... ..... ...... .......
يريد الصهابي من الصهبة، فحذف إحدى الياءين تخفيفًا، وأبدل من الأخرى جيمًا؛ لتتفق القوافي، وسهل ذلك كون الجيم والياء متقاربين في المخرج. ومثل ذلك قول الآخر أنشده الفراء:
يا رب إن كنت قبلت حجتج ... . ...... ..... ..... ...... .......
إلى آخر الأبيات يريد حجتي، ويأتيك بي، وينزي، وفرتي، فأبدل من الياء جيمًا. وقول الآخر:
حتى إذا ما أمسجت وأمسج ... .. ...... ..... ..... ...... ....... ...
يريد أمست وأمسى، إلا أنه ردهما إلى أصلهما، وهو أمسيتْ وأمسيا، ثم أبدل الياء جيمًا؛ لتقاربهما لَما اضطر إلى ذلك" انتهى كلام ابن عصفور. وقال البغدادي في (شرح شواهد الشافية) معلقًا على جعل ابن عصفور ذلك من الضرائر مع أنه لغة قال: "ولم أره لغيره" انتهى.
ثامنًا: الاستنطاء؛ كأنه استفعال من نطى أي: طلب هذا اللفظ، وقد نُسبت هذه اللغة إلى سعد بن بكر، وهذيل، والأزد، وقيس، والأنصار، والمراد بها جعل العين الساكنة نونًا إذا جاورت الطاء، وظاهر هذا التعريف أن العين الساكنة إذا جاورت الطاء في أي كلمة؛ قُلبت عند بعض القبائل نونًا، ولم تذكر المصادر إلا مثالًا واحدًا لهذه اللغة، وهو إبدال العين الساكنة نونًا في كلمة أعطى فيقال: أنطى فإن العين ساكنة، وقد جاورت الطاء فقُلبت نونًا. قال أبو حيان في (البحر
стр. 278
المحيط): "قرأ الجمهور: ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ (الكوثر: ١) بالعين، والحسن وطلحة وابن محيصن والزعفراني "أنطيناك" بالنون، وهي قراءة مروية عن رسول الله ﷺ ".
وأورد أبو حيان وغيره بعض الشواهد الأخرى على هذه اللغة. ومن شواهد هذه اللغة ما جاء في الحديث النبوي الشريف: ((اللهم لا مانع لما أنطيت، ولا منطي لما منعت))، وحديث: ((اليد المنطية خير من اليد السفلى))، فقد ذكر ابن الأثير هذين الحديثين في كتابه (النهاية في غريب الحديث والأثر)، وذكر أنهما مرويان بالنون، والرواية المشهورة فيهما بالعين، والأصل: ((اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت))، و ((اليد المعطية خير من اليد السفلى))، إلا أن العين الساكنة جاورت الطاء فقُلبت نونًا، فجاءت على لغة الاستنطاء.
تاسعًا: الوَتْم، هكذا ضبطها السيوطي بالتاء، ومادة وَتَم مهملة، والمادة المعروفة بالثاء المثلثة الوثْم، وقد نُسبت هذه اللغة إلى أهل اليمن، والمراد بها قلب السين تاء فيقولون في الناس: النات، وفي (مختصر شواذ القرآن) حكى أبو عمرو أن برب النات في قوله تعالى: "قل أعوذ برب النات" (الناس: ١) لغة لقضاعة. انتهى، وعليه جاء قول الراجز:
يا قبح الله بني السَّعْلات ... عمرو بن يربوع شرار النات
غير أعفاء ولا أكيات ... ...... ..... ..... ...... .......
أراد عمرو بن يربوع شرار الناس، غير أعفاء ولا أكياس، فأبدل السين تاء.
عاشرًا: الشنشنة؛ وقد نسبت هذه اللغة إلى أهل اليمن، والمراد بها جعل الكاف شينًا مطلقًا نحو: لبيش اللهم لبيش، والمراد لبيك اللهم لبيك. وتختلف هذه الظاهرة عن ظاهرة الكشكشة التي سبق ذكرها؛ لأن ظاهرة الكشكشة تختص بحرف الكاف إذا كان ضمير خطاب لمؤنث، أما الشنشنة ففيها إبدال الكاف مطلقًا.
стр. 279
وبعد أن ذكر السيوطي هذه الظواهر اللهجية العشر بألقابها التي عُرفت بها مقرونة بأسماء القبائل العربية التي نطقت بها، نقل عن (معجم الأدباء) لياقوت الحموي أن من العرب من يجعل الكاف جيمًا، فيقول: الجعبة، والمراد الكعبة، وأيًّا كان الأمر، فإن هناك لغات أخرى فوق هذه اللغات، وأعني بها لهجات أخرى فوق هذه اللهجات، ولكن الله ﵎ من فضل الله علينا وعلى الناس، وهو الذي قدر منذ الأزل أن يكون القرآن الكريم بلسان عربي مبين، اختار لهذه الأمة أن تأتي قريش، وأن تختار قريش من سائر اللغات العربية أفصح ما في هذه اللغات، أو أفصح ألسنة العرب وأصفاها في اللغة حتى يكون القرآن بلسان عربي مبين، ولتظل مائدة الله ﵎ موصولة ممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تنفيذًا لعهده ووعده: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩).
هذا وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 280
الدرس: ٢١ الترجيح بين مذهب البصريين ومذهب الكوفيين .
стр. 281
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي والعشرون
(الترجيح بين مذهب البصريين ومذهب الكوفيين)
الاتفاق على أن البصريين أصح قياسًا وأن الكوفيين أوسع رواية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
لقد أجمعت كتب التاريخ والتراجم والطبقات على أن البصرة قد استأثرت بعلم النحو حينًا من الدهر، وأنها صاحبة الفضل في وضع أصول هذا العلم الجليل وأسسه، ومبادئه، وأنها هي التي تعهَّدت هذا العلم في نشأته الأولى؛ فالبصرة -كما قال صاحب (المدارس النحوية) ﵀ هي واضعة النحو أي: متمثلة في أبي الأسود الدؤلي المتوفى سنة تسع وستين من الهجرة، وموطنه البصرة؛ إذ هو على الراجح الواضع الأول للنحو، وكان النحويون على اختلاف بلدانهم عالة على نحاة البصرة؛ إذ استمدوا علمهم منها ومن علم الخليل المتمثل في كتاب سيبويه خاصة.
وقد ظلت الكوفة نحو قرن من الزمن منصرفة عن علم النحو بما شغلها من رواية الأشعار، والأخبار، والنوادر، ثم اتجه علماؤها إلى دراسة علم النحو، فتلمذوا للبصريين وأخذوا عنهم، ثم خالفوهم في أمور متعددة منها: أن البصريين لا يلتفتون إلى كل مسموع، ولا يقيسون على الشاذ من كلام العرب شعرًا ونثرًا، بل كانوا يقيسون على الكثير المطرد. أما أهل الكوفة فقد كانوا يقيسون على البيت النادر والقول الشاذ، والشاهد الفرد الذي لا نظير له.
يقول السيوطي: "اتفقوا على أن البصريين أصح قياسًا، لأنهم لا يلتفتون إلى كل مسموع، ولا يقيسون على الشاذ، والكوفيون أوسع رواية"، ومعنى ما ذكره السيوطي أن للكوفيين عناية فائقة بالمروي من الأشعار والأخبار والنوادر تفوق عناية البصريين، وأن هذه العناية قد دفعت الكوفيين إلى قبول جميع ما سمعوا، وجعله أصلًا يُقاس عليه، وقد وُصف الكسائي -وهو من أئمة الكوفة- بأنه كان
стр. 282
يسمع البيت الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة فيجعله أصلًا ويقيس عليه، وكان من آثار ذلك أن قلَّ عند الكوفيين التأويل والتقدير، والقول بالندرة والشذوذ.
وكان من آثار ذلك أيضًا أن عقد الكوفيون كثيرًا من أصولهم وأحكامهم على جميع القراءات القرآنية، المتواترة والشاذة، ولم يلجئوا إلى التأويل الذي لجأ إليه البصريون، ومما يدل على أن الكوفيين يقيسون على البيت الواحد ما نقله السيوطي عن الأندلسي في (شرح المفصل) من قوله: "الكوفيون لو سمعوا بيتًا واحدًا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلًا، وبوَّبوا عليه بخلاف البصريين، ومعنى ما ذكره السيوطي نقلًا عن الأندلسي أن الكوفيين يجعلون البيت الواحد دليلًا على القاعدة، ولو كان مخالفًا للأصول، بل إنهم كانوا يقيسون على شطر بيت لا يُعرف له بقية أو قائل، كمذهبهم في جواز دخول اللام في خبر لكن، كما يجوز في خبر إن مستشهدين بقول الشاعر:
...... ..... ..... ...... ....... ... ولكنني من حبها لكميد
مع نص أكثر العلماء على أن هذا الشاهد لا يعرف قائله، ولا تعرف له تتمة، ولا سوابق ولا لواحق. أما البصريون: فإنهم يُحافظون على القواعد، ويبقون الأصول على حالها، ويحملون البيت النادر على القلة، أو الشذوذ، أو الضرورة، أو مخالفة الأصول. ولذلك كانت قواعدهم أضبط، وأصولهم أتقن، وليس هذا بعيب في منهج البصريين؛ فقد أرادوا التثبت في قبول المادة اللغوية التي يبنون عليها قواعدهم، ولذلك كان مما افتخر به البصريون على الكوفيين أن قالوا: نحن نأخذ اللغة من حَرَشَة الضِّبَاب، وأكلة اليرابيع، وأنتم تأخذونها من أكلة الشواء وباعة الكواميخ. وحرشة الضباب أي: صائدو الضباب، والضباب:
стр. 283
جمع ضب، وهو حيوان يعيش في الصحراء يُشبه التمساح الصغير. ويُروى: نحن نأخذ اللغة من حوشة الضباب، والحوشة بفتح الحاء المهملة والواو والشين المعجمة: جمع حاش، ككاتب وكتبة، والقياس إعلاله بقلب واوه ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وصُحح شذوذًا يقال: حاش الصيد حَوْشًا وحياشة إذا جاءه من حواليه؛ ليصرفه إلى الحِبالة.
قوله: وأكلة ... إلى آخره، الأكلة: جمع آكل، واليرابيع: جمع يربوع، وهو حيوان معروف كالفأر إلا أنه أطول من الفأر آذانًا وذنبًا، ورجلاه أطول من يديه على عكس الزرافة، والكواميخ: جمع كامخ، وهو نوع من الإدام، ومعناه: أن البصريين قد أخذوا اللغة من الأعراب سكان البوادي الذين لا إلمام لهم بالحاضرة، فأخذوها من منبعها الصافي قبل أن تُكدره دلاء الأعاجم. أما الكوفيون فقد تلقوا اللغة عن الحواضر أهل الأسواق والاختلاط بغيرهم ممن أفسدوا الألسنة، وحرفوا اللغات، فلا عبرة بمن يأخذون عنهم. وخلاصة القول في ذلك: أن البصري أضبط في الأخذ، وأتقن في الاستنباط، وأن الكوفي أوسع في الرواية، وأكثر في النقل. وقد عرف ابن جني الكوفيين ساعة روايتهم فقال في (الخصائص): "أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة" انتهى.
ونشير إلى أن إتقان الأصول عند البصريين، وضبط القواعد لديهم لا يعني خطأ الكوفيين في جميع ما ذهبوا إليه، ولا يعني اتباع البصريين في جميع ما قالوا به، بل الواجب اتباع الدليل، وقد نقل السيوطي عن أبي حيان الأندلسي قوله: "ولسنا متعبدين باتباع مذهب البصريين، بل نتبع الدليل" انتهى. والمراد: أنه ليس مطلوبًا منا اتباع البصريين على وجه التعبد، حتى نقتفي مذهبهم ونأخذ بقولهم، دون أن يظهر لنا وجهه، ونتبين دليله، بل المطلوب هو اتباع الدليل القوي
стр. 284
الصحيح؛ سواء أكان مع البصريين أم مع الكوفيين، ويمكن أن نُوجز هنا أهم العوامل التي أعانت على ترجيح مذهب النحويين البصريين فيما يلي:
أولًا: نزوح القبائل العربية العريقة في اللغة الفصحى إلى البصرة، فهي تقع على مقربة من البادية التي استطاب أهلها النزوح إليها، وأكثرهم من العرب الأقحاح الذين احتفظوا بلغتهم العربية، خالية من شائبة اللحن والعجمة، ممن هم من قيس وتميم. ثانيًا: وقوع البصرة على مقربة من سوق المِرْبَد، تلك السوق التي صارت في الإسلام صورة معدلة لعكاظ الجاهلية، ففيها تَنَاشُد وتَفَاخُر، وفيها تجارة وبيع، وفيها النوادي الأدبية والمجامع الثقافية، وفيها مجالس العلم والأدب. ثالثًا: الموقع الجغرافي للبصرة، فإنها على طرف البادية مما يلي العراق، وأدنى المدن إلى العرب الموثوق بعربيتهم، فعلى مقربة منها بوادي نجد غربًا، والبحرين جنوبًا، والأعراب تفدُ إليها منهما، ومن داخل الجزيرة العربية بكثرة.
رابعًا: تبادل الرحلات بين علماء البصرة إلى البادية، وورود أعراب البادية إليهم لشئون معايشهم، ومشافهة علماء البصرة للأعراب، وأخذهم اللغة من منابعها الصافية. خامسًا: حِرص علماء البصرة على تحري سلامة لغة العربي الذين يأخذون عنه، وتثبتهم من ضبط الرواة وصدقهم، ذلك كله وغيره كان له أكبر الأثر في فصاحة أهل البصرة، وسلامة لغتهم، قال شيخنا المرحوم الشيخ محمد الطنطاوي -طيب الله ثراه- في كتابه القيم (نشأة النحو) بعد ذكره بعض ما تميزت به مدينة البصرة مهد النحو البصري وموطنه قال: "فكان لزامًا لذلك أنه لم تدون قواعدهم -أي: قواعد البصريين- إلا مدعومة على عناصر ثلاثة؛
стр. 285
الأول: سلامة من أخذوا عنه من العرب المقطوع بعراقتهم في العروبة، وصونهم فطرهم من تسرب الوهن إليها من رطانة الحضارة حتى لم يأخذوا إلا عن سكان البوادي. الثاني: الثقة برواية ما سمعوه عنهم من طريق الحفظة. الثالث: الكثرة الفياضة من هذا المسموع التي تخول لهم القطع بنظائره، وتسلمهم إلى الاطمئنان عليه في نوط القواعد به"، انتهى ملخصًا.
وقد استشهد شيخنا الطنطاوي ﵀ على تحرز علماء البصرة عن التلقي ممن يلمحون عليهم ضعفًا في اللغة من العرب الذين يأخذون عنهم بما قاله ابن جني في (الخصائص) في باب ترقب اللغات، من أن أبا عمرو بن العلاء، وهو من أشهر العلماء البصريين الذين اعتمد سيبويه على علمهم في (الكتاب)، استضعف فصاحة أبي خيرة نهشل بن زيد لما سأله عن قول العرب: استأصل الله عرقاتهم أي: قلع أصولهم، فنصب أبو خيرة التاء من عِرْقاتهم، وهو جمع عرقة، ومعناها الأصل، فهو جمع مؤنث سالم وقع مفعولًا به، فقال له أبو عمرو: "هيهات أبا خيرة، لان جلدك". يريد أنه بَعُد عهده بالبادية؛ حيث الخشونة والقشف، وأثر فيه الحضر، فنال ذلك من فصاحته.
ويقول المرحوم الدكتور شوقي ضيف ﵀ في كتابه (المدارس النحوية): "وعلى هذه الشاكلة شادت البصرة صرح النحو، ورفعت أركانه؛ بينما كانت الكوفة مشغولة عن ذلك كله، على الأقل حتى منتصف القرن الثاني للهجرة بقراءات الذكر الحكيم، ورواية الشعر والأخبار، وقلما نظرت في قواعد النحو إلا ما سقط إلى بعض أساتذتها من نحاة البصرة؛ إذ كانوا يتتلمذون لهم، ويختلفون إلى مجالس محاضراتهم، وإملاءاتهم، وكان القدماء يعرفون ذلك معرفة
следующие страницы →