← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11321

أصول النحو 2 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (294 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الدرس: ١٦ الحكم في تعارض السماع والقياس .

стр. 212

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس عشر (الحكم في تعارض السماع والقياس) حكم ما ورد شاذًّا في القياس مطردًا في الاستعمال الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه؛ أما بعد: تكرر حديث ابن جني في (الخصائص) عن القياس والسماع؛ لكونهما في مقدمة أدلة النحو المعتمدة، كما تكرر حديثه عن الاطراد والشذوذ، وذكر غيرَ مرةٍ أن الكلام إذا كان مطردًا في القياس والاستعمال جميعًا كان هو الغاية المطلوبة والمثابة المنوبة، وأن ذلك ما لا غايةَ وراءه ولا هدف بعده نحو منقاد اللغة من النصب بحروف النصب، والجر بحروف الجر والجزم بحروف الجزم وغير ذلك، مما هو فاشٍ في الاستعمال قوي في القياس. ومن ذلك حديثه في باب: القول على الاطراد والشذوذ، وذكر فيه أن الكلام في الاطراد والشذوذ على أربعة أضرب: مطرد في القياس والاستعمال جميعًا، ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال، ومطرد في الاستعمال شاذ في القياس، وشاذ في القياس والاستعمال جميعًا. وذكر حكمَ كل ضرب منها وبعضَ أمثلته، ثم أفرد بابًا عنوانه: باب في تعارض السماع والقياس في الجزء الأول أيضا من (الخصائص). وقد فَصَّل فيه ما أجمله في الباب الأول، ولكنه أكد في البابين على قوانينَ تُعد من الثوابت في العربية. وفي مقدمة هذه القوانين: أن أقوى الكلام ما كان فاشيًا في الاستعمال قويًّا في القياس، وذلك نحو: قام زيد، وأكرمت عمرًا، ومررت بسعيد، أي: ما كان مراعيًا للقواعد المطردة المستنبطة من كلام العرب الفصحاء الموثوق بعربيتهم، وأن السماع والقياس إذا تعارضَا نطقت بالمسموع على ما جاء عليه، أي: لأنه نص وأصل ولم تقسه في غيره، أي: في غير ما ورد من النص؛ لاقتضاء القياس المنع من ذلك، وأجزتَ الوارد لوروده مقتصرًا عليه دون قياس ما وراءه عليه لمخالفته القياس، أي: إذا كان قياس النحويين يؤدي إلى حكم من

стр. 213

الأحكام يخالف الحكم الذي يؤدي إليه المسموع، فليس لك أن تحدث في المسموع تغييرًا، وإنما عليك أن تنطق به كما سُمع عن العرب ولا تقيسه في غيره؛ لأنه ليس بقياس، لكنه لا بد من قبوله؛ لأنك إنما تنطق بلغتهم وتحتذي في ذلك -أي: وتتبع في ذلك- أمثلتهم، ثم إنك من بعد لا تقيس عليه غيره، وهذا ما يعرف بأنه شاذ في القياس مطرد في الاستعمال، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (المجادلة: ١٩). فهذا النص القرآني يقتضي إبقاء الواو في قوله: ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ على حالها وهذا ليس بقياس؛ لأن القياس يقتضي انقلابها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومع قبوله بحاله كما ورد في النص الكريم لا تقِس عليه غيره، فلا تقل في استقام: استقوم، ولا في استباع: استبيع، بل تجيء بذلك على ما يقتضيه القياس، فتقلب كلًّا من الواو والياء ألفًا، وتقتصر في إبقاء المسموع عن العرب مخالفًا لذلك بحاله عن الوارد عنهم، المسموع منهم، فتكون بذلك جامعًا بين إعمال النص وإعمال القياس. ومما ورد من هذا النوع مخالفًا للقياس قولهم لمن ذل بعد عز: استنوق الجمل، أي: صار كالناقة في ذلها، وقولهم لمن أشبه الفيل في عظمه: استفيل الجمل، أي: صار كالفيل في ضخامته، وقولهم: استتيست الشاة، أي: صارت كالذكر من المعز، وذكر ابن جني أن استنوق واستفيل واستتيسَ مع شذوذه أسهل من استحوذ، وذلك أن استحوذ فعل مزيد بالألف والسين والتاء، وقد تقدمه فعله الثلاثي المجرد المعتل، وهو حاذ يحوذ نحو قول العجاج يصف ثورًا وكلابًا: يحوذهن وله حُوذي ... كما يحوذ الفئة الكَمِي يروَى بالذال والزاي: يحوذهن ويحوزهن، أي: يسوقهن السوق الشديد، والحوذي والحوزي: هو السائق المُجِد المستحث على السير. قال ابن جني مشيرًا

стр. 214

إلى احترام المسموع مع شدة مخالفته للقياس: "فلما كان استحوذ خارجًا عن معتل -يعني: حاذ يحوذ- وجب إعلاله؛ إلحاقًا في الإعلال به، وكذلك باب: أقام وأطال واستعاذ واستزاد، مما يسكن ما قبل عينه في الأصل. ألا ترى أن أصل أقام: أقوم، وأصل استعاذ: استعوذ، فلو أخلينا وهذا اللفظ أي: الذي عليه هذا الأصل، لاقتضت الصورة تصحيح العين لسكون ما قبلها، يعني: لبقيت الواو من غير إعلالها بقلبها ألفًا لسكون ما قبلها، غير أنه لما كان منقولًا ومخرجًا من معتل هو قام وعاذ، أُجري أيضًا في الإعلال عليه. وليس كذلك: استنوق الجمل واستتيست الشاة؛ لأن هذا ليس منه فعل معتل. ألا تراك لا تقول: ناقَ ولا تاس؟ إنما الناقة والتيس اسمان لجوهر، لم يصرف منهما فعل معتل، فكان خروجهما على الصحة أمثلَ منه في باب: استقام واستعاذ، وكذلك: استفيل"، انتهى. يقارن ابن جني في النص السابق بين الشذوذ القياسي في الكلمات: استنوق واستتيس واستفيل، والشذوذ في كلمة: استحوذ، فيذكر أن الشذوذ في الكلمات الأول أسهل من الشذوذ في الكلمة الأخيرة، وذلك أن استحوذ تقدمها فعلها الثلاثي المجرد وهو حاذ، وهو فعل أجوف واوي العين، وقد أعل بقلب واوه ألفًا، فكان القياس يوجب إلحاق مزيد هذا الفعل به في الإعلال، فيقال: استحاذ، هذا ما كان يقتضيه القياس، وما يقتضيه في كل فعل أجوف من بابي: أفعل واستفعل، نحو: أقام وأطال واستعاذ واستزاد، فهذه الأفعال المزيدة ونحوها قد أُعلت فيها العين وهي واو أو ياء بقلبها ألفًا؛ حملًا على إعلال مجردها، فأصل الفعل أقام: أقوم، ووزنه: أفعل، فَأُعِل بقلب عينه وهي الواو ألفًا بعد نقل حركتها إلى الساكن الصحيح قبلها، وهو القاف.

стр. 215

ولولا نقل حركة الواو إلى الساكن قبلها ما قُلبت ألفًا؛ حتى لا يلتقي ساكنان، وإنما كان لا بد لإحداث قلب هذه العين المحركة في الأصل ألفًا أن يفتح ما قبلها؛ حتى تكون الواو قد تحركت في الأصل وانفتح ما قبلها بعد نقل حركتها، وحينئذٍ تُقلب ألفًا؛ إجراءً للفعل المزيد مجرى فعله المجرد في الإعلال. وهكذا في بقية الأفعال التي على هذه الصفة من أفعال هذين البابين، فأطال أصله: أطول، واستعاذ أصله: استعوذ، واستزاد أصله: استزيد، وقد فُعل فيها ما فعل بأقام؛ حملًا للمزيد على مجرده في الإعلال. أما: استنوق واستتيس واستفيل ونحوها مع شذوذها وخروجها عن القياس، فأمر شذوذها أسهل، إذ لم يتقدمها فعل معتل؛ لأن الناقة والتيس والفيلَ أسماءُ ذوات، فكان خروجها إلى الصحة وعدم الإعلال أيسر من خروج استحوذ. وذكر ابن جني أن مما ورد شاذًّا عن القياس ومطردًا في الاستعمال أيضًا قولهم: الحَوَكَة، في جمع الحائك الذي ينسج الثياب، والخونة؛ وذلك لأن الواو فيهما قد تحركت وانفتح ما قبلها، فكان مقتضى القياس قلبها ألفًا لا تصحيحها، ولكنهم صححوا العين فيها؛ تنبيهًا على الأصل، وقد قالوا على القياس: خانه، ومع شذوذ الحوكة والخونة، هما في الاستعمال غير متأبيين، فهما شائعان، ولكنهما لا يقاس عليهما، فلا يقال في جمع قائم: قومة، ولا في جمع صائم: صومة، ولو جمع ذلك على وزن فَعلة ما كان إلا معلًّا. ومما ورد شائعًا في الاستعمال شاذًّا عن القياس قولهم: أقائم أخواك أم قاعدان؟ قال ابن جني: "ومن ذلك قول العرب: أقائم أخواك أم قاعدان؟ هذا كلامها، قال أبو عثمان: والقياس يوجب أن تقول: أقائم أخواك أم قاعد هما؟ إلا أن العرب لا تقوله إلا: قاعدان، فتصل الضميرَ، والقياسُ يوجب فصلَه؛ ليعادل

стр. 216

الجملة الأولى"، انتهى. وبيان ذلك: أن المبتدأ في القول المذكور هو اسم الفاعل قائم، وقد رفع فاعلًا مستغنيًا به عن الخبر وهو أخواك، وأَمْ حرف عطف، وقاعدان معطوف على الوصف المستغني بمرفوعه عن الخبر، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره هما، والضمير المستتر بمنزلة الضمير المتصل، وقد ذَكر كثير من النحويين منهم أبو الحسن الأشموني: أن مرفوع الوصف المستغني بمرفوعه عن الخبر إما أن يكون اسمًا ظاهرًا كالمثال المذكور، وإما أن يكون ضميرًا منفصلًا، كقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ (مريم: ٤٦). وبذلك يكون ما بعد العاطف في المثال المذكور قد خالف القياس؛ لأن الوصف المعطوف رفع ضميرًا متصلًا، والقياس يوجب أن يكون ضميرًا منفصلًا. ومن هنا رأى أبو عثمان المازني: أن القياس يوجب أن يقال: أم قاعد هما؟ ليحصل التعادل بين الجملتين، فيعطف قاعد على قائم ويكون مرفوع الوصف الأول اسمًا ظاهرًا، ومرفوع الوصف الواقع بعد العاطف ضميرًا منفصلًا. وقال ابن هشام: "قاعدان مبتدأ؛ لأنه عطف بـ"أم" المتصلة على المبتدأ، وليس له خبر ولا فاعل منفصل، وإنما جاز؛ لأنهم يتوسعون في الثواني"، انتهى. فأشار ابن هشام إلى فاعلية الضمير المستتر وإغنائه عن الخبر على خلاف القياس؛ لأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، أي: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، وجوز غيره كون الوصف الثاني خبر مبتدأ محذوف، أي: أم هما قاعدان؟ فتكون أم منقطعة. ولا يقف احترام المسموع عن العرب عند حد تقديمه على القياس عند تعارضهما عند هذا الحد، بل إن ابن جني ينقل لنا وصيةً عن أبي الحسن الأخفش، قال ابن جني: "واعلم، أنك إذا أداك القياس إلى شيء ما، ثم سمعت العرب قد نطقت

стр. 217

فيه بشيء آخر على قياس غيره، فدَعْ ما كنتَ عليه إلى ما هم عليه، فإن سمعت من آخر مثل ما أجزته فأنت فيه مخير، تستعمل أيهما شئتَ، فإن صح عندك أن العرب لم تنطق بقياسك أنت كنت على ما أجمعوا عليه البتة، وعَدَدْتَ ما كان قياسك أداك إليه لشاعر مولد أو لساجع أو لضرورة؛ لأنه على قياس كلامهم. بذلك وصى أبو الحسن"، انتهى. حكم ما شذ في الاستعمال وقوي في القياس ذكر ابن جني في (الخصائص): أنه إن كان الشيء شاذًّا في السماع مطردًا في القياس تحاميت ما تحامت العرب من ذلك، وجريتَ في نظيره على الواجب في أمثاله، من ذلك: امتناعك من: وذَر وودع، لأنهم لم يقولوهما، ولا غَرْوَ عليك -أي: لا عجبَ عليك- أن تستعمل نظيرهما نحو: وزن ووعد لو لم تسمعهما، فأما قول أبي الأسود: ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه فشاذ، وكذلك قراءة بعضهم: "ما وَدَعَكَ ربك وما قلى" (الضحى: ٣). وذهب بعض العلماء إلى أن العرب لم تتحامل البتة استعمال الفعل الماضي وَدَع كما ذكر ابن جني، لكنهم استعملوه بقلة، ففي (لسان العرب): "ودَعَ، وقال ابن الأثير: وإنما يُحمل قول النحاة على قلة استعماله، فهو شاذ في الاستعمال، صحيح في القياس، وقد قرئ به في قوله تعالى: "ما ودَعَك ربك وما قلى" بالتخفيف". انتهى. وذكر ابن جني أن من الشاذ في السماع المطرد في الاستعمال أيضًا: استعمالك "أنِ" المصدرية بعد كاد، نحو: كاد زيد أن يقوم، هو قليل شاذ في الاستعمال وإن لم يكن قبيحًا ولا مأبيًّا في القياس، ويرى سيبويه عدم جواز

стр. 218

اقتران خبر كاد بـ"أنْ" إلا في الضرورة الشعرية، وكرر ذلك في (الكتاب)، ومن ذلك قوله: "ويضطر الشاعر فيقول: كدت أن، وكدت أن أفعل، لا يجوز إلا في شعر"، وقوله: "وقد جاء في الشعر كاد أن يفعله، شبهوه بعسى، قال رؤبة: قد كاد من طول البلى أن يَمْصَحا ... ..... ..... ...... ...... ...... .... والمحص مثله". انتهى. ووصف منزلًا بالِبلَى والقِدم، وأنه لذلك كاد يمصح، أي: يذهب. وذهب جماعة من النحاة منهم ابن مالك إلى ما ذهب إليه ابن جني من أن اقتران خبر كاد بـ"أنْ" قليل وليس مقصورًا على الضرورة، واستدل على ذلك في كتابه (شواهد التوضيح والتصحيح) فيما استدل به بما جاء من نحو قوله ﷺ : ((كاد الحسد يغلب القدر، وكاد الفقر أن يكون كفرًا))، وقال أبو البركات الأنباري في كتابه (الإنصاف): "فأما الحديث: ((كاد الفقر أن يكون كفرًا)) فإن صح فزيادة أن من كلام الراوي لا من كلامه ﵇ لأنه -صلوات الله عليه- أفصحُ مَن نطق بالضاد". انتهى. أي: أنه يرى رأي سيبويه. حكم ما ضعف في القياس والاستعمال جميعًا ذكر ابن جني في (الخصائص): أن كل ما شذ في القياس والاستعمال فلا يسوغ القياس عليه، ولا رد غيره إليه، ولا يحسن أيضًا استعماله فيما استعملته فيه العرب إلا على وجه الحكاية، كتتميم مفعول فيما عينه واو، نحو: ثوب مصوون، ونظائره، وقد سبق القول فيه، وقال: "وأما ضعف الشيء في القياس وقلته في الاستعمال، فمرذول مطرح، غير أنه قد يجيء الشيء منه إلا أنه قليل". والمثال الأول الذي أورده ابن جني لهذا الضعف المزدوج قول الشاعر: اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسيف قونس الفرس

стр. 219

قوله: "طارقها"، اسم الفاعل من طرق يطرق: إذا أتى ليلًا، وقَوْنَس الفرس -بفتح القاف والنون وسكون الواو، وآخره سين مهملة- هو العظم الناتئ بين أذني الفرس. وقد ذكر ابن جني أن سبب الحكم على هذا البيت بالضعف في الاستعمال والقياس، أن فيه مخالفةً للقواعد ونقضًا للغرض؛ وذلك لأن الشاعر أكَّدَ فعل الأمر اضربن بنون التوكيد الخفيفة الساكنة، وفعل الأمر يبنى على الفتح مع نوني التوكيد، والتوكيد يدل على المبالغة في الدلالة على هذا الأمر، ويقتضي الإطناب والإسهاب، ولا يليق به الإيجاز والاختصار، ولكنه -أي: الشاعر- مع ذلك حذف نون التوكيد وهو ينويها، فلذلك أبقى الفتحة في آخر الفعل؛ لتكون هذه الفتحة مشيرةً إليها ودالةً عليها، والحذف منافٍ لغرض التأكيد، فضلًا عن أن نون التوكيد الخفيفة لا تُحذف إلا إذا وليها ساكن؛ حتى لا يلتقي ساكنان، وما بعدها في البيت المذكور متحرك وليس ساكنًا. قال ابن جني معلقًا على هذا البيت: "قالوا: أراد اضْربَنْ عَنْكَ، فحذف نون التوكيد، وهذا من الشذوذ في الاستعمال على ما تراه، ومن الضعف في القياس على ما أذكره لك، وذلك أن الغرض في التوكيد إنما هو التحقيق والتسديد، وهذا مما يليق به الإطناب والإسهاب، وينتفي عنه الإيجاز والاختصار. ففي حذف هذه النون نقض الغرض، فجرى وجوب استقباح هذا في القياس مجرى امتناعهم من ادغام الملحق". وذكر ابن جني أمثلةً لبعض الأسماء والأفعال التي كرر فيها العرب المثلين المتحركين في أواخرها للإلحاق بغيرها، وذكر النحويون: أنه قد استقبحوا الإدغام على الرغم من توالي المثلين المتحركين في أواخر هذه الكلمات ونحوها؛ للوفاء بحق ما يقتضيه القياس من تماثل الملحق مع الملحق به في حركاته وسكونه، وذلك

стр. 220

نحو: مَهدد، وهو عَلم امرأة، وقد كررت فيه الدال للإلحاق بجعفر، وقَردد وهو اسم جبل، وما ارتفع من الأرض، ومن الظهر أعلاه، ومن الشتاء شدته وحدته، وهو كسابقه في الإلحاق بجعفر، وجلبب يقال: جلببه أي: ألبسه الجلباب، وقد كرر فيه الحرف الأخير للإلحاق بدحرج، وشملل أي: أسرع، وهو كسابقه في الإلحاق بدحرج، وسبهلل، السبهلل: هو الفارغ، يقال: جاء سبهللًا أي: لا شيءَ معه، وهو ملحق بسفرجل، وقَفَعْدَد، والقفعدد: هو القصير، وهو كسابقه في الإلحاق بسفرجل. وذكر ابن جني: أن العرب لو أدغموا المثلين المتحركين في الكلمات السابقة ونظائرها، لنقضوا الغرضَ الذي اعتزموه من الإلحاق، أي: لوقعوا في ضعف الاستعمال والقياس الذي وقع فيهما من قال: اضرب عنك. وأورد مثالًا آخر لعدم نقضهم الغرض الذي اعتزموا، فذكر أن أبا الحسن الأخفش امتنع من توكيد الضمير المحذوف المنصوب في نحو: الذي ضربت زيدٌ، أي: الذي ضربتَه زيد، فمنع الأخفش أن يقال: الذي ضربت نفسه زيد، على أن نفسه توكيد للضمير المنصوب المحذوف الذي كان عائدًا على الاسم الموصول؛ لأن ذلك يؤدي إلى نقض الغرض، إذ الحذف ينافي التوكيد. والمثال الثاني الذي جاء في (الخصائص) لضعف الاستعمال والقياس جميعًا، قول الشماخ بن ضرار يصف حمارًا وحشيًّا هائجًا: له زجل كأنه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير الوسيقة: هي أنثاه، والزمير: هو الغناء في القصبة، شَبَّه تطريب هذا الحمار إذا طلب أنثاه بصوت الحادي أو بالغناء، يقول: إذا طلب وسيقته -أي: أنثاه- صَوَّت بها في تطريبٍ وترجيعٍ كالحادي الذي يتغنى بالإبل، أو كأن صوته صوت

стр. 221

مِزمار. والبيت من شواهد سيبويه في (الكتاب) في باب: ما يحتمل الشعر، وقد أورده سيبويه شاهدًا على ضرورة شعرية، وهي حذف الواو الواقعة صلةً للضمير الغائب وهو الهاء في "كأنه"؛ إجراءً للوصل مجرى الوقف، وتبع كثير من النحاة سيبويه في اعتبار هذا الحذف ضرورة، ومنهم المبرد وابن عصفور، والإتيان بحركة هاء الغائب كاملة من غير صلة -أي: من غير إشباع- يسمى اختلاسًا. وقد حكم ابن جني على هذه الضرورة بالضعف استعمالًا وقياسًا، فقال: "ومما ضعف في القياس والاستعمال جميعًا بيت (الكتاب): له زجل كأنه صوت حاد ... ... ..... .... ...... ...... .. فقوله: "كأنه" بحذف الواو وتبقية الضمة ضعيف في القياس قليل في الاستعمال". وذكر محقق (المقتضب) شيخنا المرحوم محمد عبد الخالق عضيمة ﵀ رحمةً واسعةً- أن اختلاس حركة هاء الغائب الذي جعله سيبويه والمبرد من الضرورة الشعرية، جاء في آيات كثيرة في القراءات السبعية المتواترة، منها قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (الأنعام: ٩٠) وقوله : ﴿فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ (النمل: ٢٨) وقوله -عز من قائل: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (الزمر: ٧). والحق أن هناك فرقًا بين اختلاس حركة هاء الغائب في الضرورة التي أشار إليها سيبويه في (الكتاب) وما ورد في القراءات السبعية المتواترة التي أشار إليها شيخنا عضيمة -طيب الله ثراه- وذلك أن الهاء في الآيات الكريمة المذكورة ونحوها كانت مسبوقةً بحرف علة ساكن، وهاء الضمير إن سُبقت بحرف علة ساكن -واو أو ياء أو ألف- فالمختار حذف الياء والواو بعدها، قال سيبويه في باب: ثبات الياء والواو في الهاء التي هي علامة الإضمار وحذفهما،: "فإذا كان قبل الهاء حرف لين، فإنَّ حَذْفَ الياء والواو في الوصل أحسنُ؛ لأن الهاء من مخرج

стр. 222

الألف، والألف تشبه الياءَ، والواو تشبههما في المد وهي أختهما، فلما اجتمعت حروف متشابهة حذفوا وهو أحسن وأكثرُ، وذلك قولك: عليه يا فتى، ولديه فلان، ورأيت أباه قبلُ، وهذا أبوه كما ترى. وأحسن القراءتين: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء: ١٠٦) و ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ (الأعراف: ١٧٦) و ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (يوسف: ٢٠) و ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ (الحاقة: ٣٠) والإتمام عربي". انتهى ما قال سيبويه. فَصِلة الضمير كانت محذوفة في الفعل "يرضاه" قبل الجزم، فلما جزم؛ لوقوعه في جواب الشرط وحذفت الألف للجزم، لم يُعتد بهذا الحذف، وبقيت الصلة؛ استصحابًا للأصل، وحمل عليه أمره نحو: اقتده وألقه ... إلى آخره. وليس كذلك ما ورد في الشعر شاهدًا على الضرورة المذكورة، إذ لم تُسبق فيه هاء الضمير بحرف علة ساكن، وعلى هذا يمكن القول: بأن حَذْف صلة ضمير الغائب إنما يكون ضرورة عند سيبويه ومَن تبعه إذا لم يكن ما قبل هاء الضمير حرفُ علةٍ ساكنًا في الأصل كالبيت المذكور. ونعود إلى (الخصائص) لنقف على وجه ضَعْف بيت الشماخ السابق، فنجد ابن جني يقول: "ووجه ضعف قياسه أنه ليس على حد الوصل ولا على حد الوقف، وذلك أن الوصل يجب أن تتمكن فيه واوه كما تمكنت من قوله في أول البيت: له زجل، والوقف يجب أن تحذف الواو والضمة فيه جميعًا وتسكن الهاء، فيقال: كَأَنَّهْ فَضَمُّ الهاء بغير واو منزلةٌ بين منزلتي الوصل والوقف، وهذا موضع ضيق ومقام زَلْخ، لا يتقيك بإيناس ولا ترسو فيه قدمُ قياسٍ. وقال أبو إسحاق في نحو هذا: إنه أجرى الوصل مجرى الوقف، وليس الأمر كذلك؛ لما أريتُك من أنه لا على حد الوصل ولا على حد الوقف".

стр. 223

ومن العجيب أننا نجده يفرد بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب في الحكم يقف بين الحكمين، ويصدره بقوله: "هذا فصل موجود في العربية لفظًا، وقد أعطته مقادًا عليه وقياسًا"، ثم يذكر أن من ذلك بيت (الكتاب): له زجل كأنه صوت حاد ... ...... ..... ..... ....... ..... .... ويقول معلقًا عليه: "فحذف الواو من قوله: كأنه لا على حد الوقف ولا على حد الوصل، أما الوقف فيقضي بالسكون كأنهْ وأما الوصل فيقضي بالمطل وتمكين الواو كأنهُ. فقوله إذن: كأنهُ منزلة بين الوصل والوقف، وكذلك أيضًا سواء قوله: يا مرحباه بحمار ناجية ... إذا أتَى قربته للسانية فثبات الهاء في مرحباه ليس على حد الوقف ولا على حد الوصل، أما الوقف فيؤذِن بأنها ساكنة: يا مرحباه، وأما الوصل فيؤذن بحذفها أصلًا: يا مرحبا بحمار ناجية، فثباتها إذن في الوصل متحركة -أي: قوله: يا مرحباه بحمار ناجية- منزلةٌ بين المنزلتين"، انتهى. ثم يقول في ختام هذا الباب: "فظاهر هذا الجمع بين ضدين، فهو إذن منزلة بين المنزلتين، وسبب جواز الجمع بينهما أن كل واحد منهما قد كان جائزًا على انفراده، فإذا جُمع بينهما فإنه على كل حال لم يَكْلَف إلا بما من عادته أن يأتي به مفردًا، وليس على النظر بحقيقة الضدين كالسواد والبياض والحركة والسكون، فيستحيل اجتماعهما، فَتَضَادُّهُمَا إذن إنما هو في الصناعة لا في الطبيعة، والطريق مُتْلَئِبة منقادة، والتأمل يوضحها ويمكنك منها"، انتهى. فعبارات ابن جني في هذا الباب الأخير توحي بأن المُنَزَّلَ بين منزلتي الوصل والوقف معهود موجود في العربية لفظًا واستعمالًا، وجائز قياسًا، فقد أعطته

стр. 224

العربية -كما قال ابن جني نفسُه- مقادًا عليه وقياسًا، والطريق أمامه متلئبة منقادة، والتأمل يوضحها ويمكِّنك منها، وكان ذلك رجوعًا عما أورده من الحكم على بيت (الكتاب) بالضعف في القياس، والقلة في الاستعمال، وهذا ما ذكره ابن عصفور في كتابه (ضرائر الشعر) بعد أن استدل على ضرورة إثبات هاء السكت في حال الوصل بقول الراجز، وهو عروة بن حِزام العذري: يا مرحباه بحمار عفراء ... .... .... ..... ...... ..... .... قال ابن عصفور بعد إيراده البيت: "قال أبو الفتح -أي: ابن جني: وهو شاذ ضعيف عند أصحابنا لا يثبتونه في الرواية، ولا يحفظونه في القياس، من جهة أنه لا يخلو من أن تجري الكلمة على حد الوقف أو على حد الوصل، فإنْ أجراها على حد الوصل فسبيله أن يحذف الهاء وصلًا، أي: أن يحذف هاء السكت في حالة الوصل؛ لاستغنائه عنها في الوصل بما يتبع الألف، وإن كان على حد الوقف فقد خالف ذلك بإثباته إياها متحركةً بالكسر كانت أو بالضم، وهي في الوقف بلا خلاف ساكنة، ولا يعلم هنا منزلة بين الوصل والوقف يرجع إليها، وتجري هذه الكلمة عليها، فلهذا كان إثبات الهاء متحركة خطأً عندنا". قال ابن عصفور معلقًا على عبارة ابن جني التي وردت في شرحه ديوان المتنبي: "وهذا الذي أنكره قد جاء مثله وهو قوله: له زجل كأنه صوت حاد ... ..... .... .... ..... ..... .... ... البيت، وأشباهه، ألا ترى أن قوله: كأنه صوت حاد، ليس على حد الوقف؛ لأن الضمير متحرك، أي: كأنه، ولا على حد الوصل؛ لأنه غير ممطول، أي: لم يقل: كأنهُ بالإشباع وزيادة الواو بعد حركة الضمير. فهو بين الوصل والوقف، وقد أثبت هو -أي: ابن جني- هذا وأمثالَه، ولم ينكره". يشير ابن

стр. 225

عصفور إلى ما ذكره ابن جني في الباب الأخير، قال: "فكان ينبغي ألا ينكر "يا مرحباه" وأمثاله من جهة القياس". انتهى ما قاله ابن عصفور. فابن عصفور في النص السابق يسجل على ابن جني رجوعه عن رأيه بإنكار ما كان على منزلة بين الوصل والوقف. ونقل عبد القادر البغدادي ما ذكره ابن جني في (شرح ديوان المتنبي)، ذكر ذلك في (خزانة الأدب) ثم قال: "وقد رجَعَ عن هذا في (الخصائص) ". انتهى. ولكن العجيب أنه قال الرأي ورجع عنه في كتاب واحد وهو (الخصائص). غير أننا نؤكد أن ما ذكره شيخنا ومَن سار على دَرْبه بأن سيبويه كان يذكر أحيانًا بعضَ الضرائر على الرغم من أنها قد جاءت في بعض روايات سبعية متواترة، فنحن نقول: إن هناك فرقًا بين هذه الضرائر التي أشار إليها سيبويه، وبين ما أورده شيخنا ﵀ في كتابه العظيم (دراسات لأسلوب القرآن الكريم). هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 226

الدرس: ١٧ من صور التعارض والترجيح .

стр. 227

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع عشر (من صور التعارض والترجيح) ما كثر استعماله مقدم على ما قوي قياسه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قد يكون الشيء كثيرًا في استعمال العرب الفصحاء الموثوق بعربيتهم، وهو مع كثرته في الاستعمال أضعف في القياس من غيره، وإذا تعارضت قوة القياس بقوة علته مع كثرة الاستعمال، وضعف علته بالنسبة لعلة القياس؛ كان استعمال ما كثر استعماله أولى مما قوي قياسه. وقد ساق السيوطي في هذا الأمر مثالًا نقله عن ابن جني، وهو تقديم اللغة الحجازية في إعمال ما النافية عمل ليس على اللغة التميمية في إهمالها، ولغة بني تميم أقوى قياسًا؛ لأن ما فقدت شرط العمل، وهو الاختصاص، ولذلك قال سيبويه عن إهمال ما في لغة بني تميم: "وهو القياس"، فهي حرف غير مختص؛ فكان القياس ألا تعمل، إلا أن قوة القياس هنا معارضة بكثرة المسموع؛ إذ كثُر في الكلام الفصيح إعمال ما عمل ليس، وعُدَّت هذه اللغة هي اللغة العليا؛ لأن القرآن الكريم نزل بها. ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (يوسف: ٣١)، وقوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (المجادلة: ٢)، ولما تعارضت قوة القياس مع كثرة الاستعمال؛ كانت كثرة الاستعمال هي المقدمة. وكان على المتكلم أن يستعمل في كلامه ما كثر استعماله في كلام الفصحاء، ولذلك قال ابن جني في الاستعمال مع ضعف علته بالنسبة لقوة القياس: "اللغة التميمية في ما هي أقوى قياسًا وإن كانت الحجازية أسير استعمالًا، وإنما كانت التميمية أقوى قياسًا من حيث كانت عندهم كهَلْ في دخولها على الكلام مباشرة كل واحد من صدري الجملتين، الفعل، والمبتدأ،

стр. 228

كما أن هل كذلك، إلا أنك إذا استعملت أنت شيئًا من ذلك؛ فالوجه أن تحمله على ما كثُر استعماله، وهو اللغة الحجازية، ألا ترى أن القرآن بها نزل" انتهى. ومعنى ما ذكره ابن جني: أن على المتكلم أن يتكلم بلغة الحجاز، لأنها اللغة التي كثر استعمالها، إلا أن هذا الحكم ليس على إطلاقه، وإنما هو حكم مقيد بقيد، وهو أن تستوفي ما شروط إعمالها عند الحجازيين، وهي مراعاة الترتيب بين اسمها وخبرها؛ بأن يكون اسمها متقدمًا وخبرها متأخرًا، وألا يتقدم معمول الخبر وهو غير ظرف ولا مجرور، وألا ينتقض النفي بإلا. فإن فقد شرط من هذه الشروط، أهملت ما وهو القياس. وقد نقل السيوطي في (الاقتراح) عن ابن جني قوله: "فمتى رابك في الحجازية ريب من تقديم خبر، أو نقض النفي، فزعت إذ ذاك إلى التميمية، فكأنك من الحجازية على حَرْد، وإن كثرت في النظم والنثر" انتهى. وقوله: "فكأنك من الحجازية على حرد" يعني: كأن المتكلم بها غير مطمئنٍّ إليها؛ لضعف قياسها بالنسبة لقياس التميمية، فهو يتهيَّأ الفرصة؛ ليخرج منها عند اختلال شرط من شروط إعمالها، لأن ذلك هو القياس، أو كأنه على المنع لها، والتحرج منها، وقد يكون الأصل: فكأنك من الحجازية على حرف، كما ذكر المحقق -رحمة الله ورضوانه عليه. وإنما وجب الرجوع حينئذ إلى التميمية لأنها القياس، ولأنه لا معارض للقياس لفقد شرط المعارضة. ونلحظ أن ابن جني قد عبَّر بالفعل فزع ليدل به على وجوب الإسراع والمبادرة، فليس للمتكلم أن يختار، يقال: فزع إلى الأمر كفرح أي: بادر إليه وأسرع، وأصله المبادرة إلى النصرة والإغاثة، ثم تجاوزوا به ذلك إلى مطلق المبادرة، وإنما يجب عليه أن يُسرع ويُبادر إلى لغة تميم؛ لأنها القياس.

стр. 229

الحكم في معارضة مجرد الاحتمال للأصل والظاهر لقد تناول ابن جني هذه القضية في موضعين من (الخصائص)، وعليهما عوَّل السيوطي في (الاقتراح)، بيد أنه أوردهما بعكس ترتيب ورودهما في (الخصائص): فبدأ بالموضع الثاني في (الخصائص)، وافتتح المسألة بقوله: "قال في (الخصائص): باب في الشيء يرد، فيوجب له القياس حكمًا، ويجوز أن يأتي السماع بضده، أُيقطع بظاهره، أم يتوقف إلى أن يرد السماع بجلية حاله؟ " انتهى. ومعنى قول ابن جني: "أيقطع بظاهره" أي: لا يُنظر إلى ما يحتمله اللفظ، وإنما ينظر إلى ظاهر حاله ومعنى قوله: "بجلية حاله" أي: بحاله الجلية الظاهرة، ومن الواضح أن ابن جني لم يذكر فيه رأيه ومذهبه صراحة، وإن كان تقديمه للقطع في اللفظ يدل على تقديمه إيَّاه في العمل. وقد كثرت الأمثلة التي تدل على أنه إذا تعارض الظاهر مع الاحتمال كان القول بالظاهر أولى، ومنها: القول في نون عنبر وعنتر ونحوهما، فإن الظاهر هو القول بأن النون فيهما أصلية؛ لأنها وقعت في موضع الأصل وهو العين في فعلل نحو: جعفر، فلما وقعت النون في موضع الأصل كان الظاهر أنها أصلية، ويجوز أن يُحكم على النون بأنها زائدة، كما قيل بزيادتها في عَنْسَل، وهي الناقة السريعة، فإن النون فيها زائدة قطعًا، ويدل على زيادتها الاشتقاق من العسلان، وهو إسراع الذئب في مشيته، فحكموا بأن وزنه فنعل، مع عدم هذا الوزن في أبنيتهم، وإنما أوجبوا أن يكون عنسل على وزن فنعل؛ لأن الاشتقاق دال عليه، وهذا هو الأصح، وبه جزم سيبويه في كتابه فقال: "ومما جعلته زائدًا بثبت العنسل، لأنهم يريدون العَسُول" انتهى.

стр. 230

وقوله: "يريدون العسول" معناه: زيادة النون، وقيل: إنه من العَنْس، وهو الناقة الصلبة فنونه أصلية ولامه زائدة إلا أن الأصح قول سيبويه؛ لأن زيادة النون أكثر من زيادة اللام آخرًا. ومن الأمثلة التي ذكرها ابن جني في هذا الباب أيضًا ألف آأة حملها الخليل ﵀ على أنها منقلبة عن الواوا؛ حملًا على الأكثر. وأوضح ابن جني أننا لسنا ندفع مع ذلك أن يرد شيء من السماع يقطع معه الخليل بكونها منقلبة عن ياء، على ما قدمنا من بُعد نحو ذلك لمخالفته الظاهر، ونعذره أي: ونتكلف العذر له، والآأة واحدة الآء، ففي (لسان العرب) مادة الهمزة مع الواو مع الهمزة: "آء على وزن عاع: شجر واحدته آأة، وفي حديث جرير: ((بين نخلة وضالة وسدرة وآأة))، الآأة بوزن العاعة، وتُجمع على آءٍ بوزن عاع، هو شجر معروف ليس في الكلام اسم وقعت فيه ألف بين همزتين إلا هذا، هذا قول كراع، وهو من مراتع النعام، وتصغيرها أُويئَة. قال ابن بري: والدليل على أن أصل هذه الألف التي بين الهمزتين واو قولهم في تصغير آأة: أويئة" انتهى. ومن الأمثلة التي أوردها ابن جني في هذا الباب كذلك ما أشار إليه في قوله: "ويجيء على قياس ما نحن عليه أن تسمع نحو: بيت وشيخ، فظاهره لعمري أن يكون فَعْلًا مما عينه ياء، ثم لا يمنعنا هذا أن نجيز كونه فيعِلًا مما عينه واو كميت، وهين. ولكن إن وجدت في تصريفه نحو: شيوخ وأشياخ ومشيخة قطعت بكونه من باب بيع وكَيْل أي: حكمت بأنه من الثلاثي الذي على وزن فعل بفتح الأول وسكون الثاني كبيع وكيل، غير أن القول وظاهر العمل أن يكون من باب بيع؛ بل إذا كان سيبويه قد حمل سِيدًا على أنه من الياء تناولًا لظاهره مع توجه كونه فعلًا مما عينه واو كريح، وعيد؛ كان حمل نحو شيخ على أن يكون من الياء

стр. 231

لمجيء الفتحة قبله أولى وأحجى، فعلى نحو من هذا فليكن العمل فيما يرد من هذا" انتهى. يدعم ابن جني ما ذكره من أن نحو: بيت وشيخ مما يُحمل على الظاهر، فيُجعل من باب فعل بفتح الفاء وسكون العين مع ورود احتمال كونه من باب ميت وهين أي: من باب فيعل؛ إذ أصلهما مَيْوِت وهيون، وأُبدلت الواو فيهما ياء وأدغمت الياء في الياء، ثم خُفِّف بحذف الياء الثانية وهي العين، لكن مع وجود بعض التصريفات الأخرى يُقطع بصواب حمله على ظاهر حاله، وهو كونه ثلاثيًّا يائي العين، ومما يؤكد هذا الحمل أن سيبويه قد حمل سِيدًا: وهو الذئب أو الأسد على أنه من قبيل يائي العين؛ تناولًا لظاهر حاله مع ورود توجه أن يكون مما عينه واوا قُلبت ياء لعلة تصريفية، بل إن احتمال ورود هذا في لفظ سيد أقوى من احتمال وروده في لفظ بيت وشيخ؛ لأن كسر الحرف الأول في سيد أعون على إحداث قلب الواو ياء عنه في بيت وشيخ، لفتح الأول فيهما. أما الموضع الثاني الذي تناول فيه ابن جني هذه القضية في (الخصائص) فهو في باب عنوانه: باب في الحمل على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيره، وهذا الباب في (الخصائص) وارد قبل الباب السابق غير أن السيوطي أخَّر الحديث فيه؛ لكثرة ما تضمنه من تفصيلات، ومعنى ما ذكره ابن جني في هذا الباب أن الشيء يجب حمله على ظاهره، وإن كان ممكنًا من جهة العقل أن يكون باطنه بخلاف هذا الظاهر. وقد وصف ابن جني القول بذلك بأنه المذهب، وبأن العمل عليه، وبأن الوصية به فقال: "اعلم أن المذهب هو هذا الذي ذكرناه، والعمل عليه، والوصية به، فإذا شاهدت ظاهرًا يكون مثله أصلًا؛ أمضيت الحكم على ما شاهدته من حاله، وإن أمكن أن تكون الحال في باطنه بخلافه".

стр. 232

ثم ذكر مثالًا يدل على عناية علماء العربية بالظاهر، وهو حمل سيبويه كلمة سِيد على أن عينه ياء، فوضعه في (الكتاب) في باب تحقير كل اسم كان ثانيه ياء تثبت في التحقير، فالظاهر من حاله أن تكون عينه ياء، ولذلك قال سيبويه في تصغيره: سُيَيْد بضم أوله؛ لأن التصغير يضم أوائل الأسماء، فهو لازم له، كما أن الياء لازمة له، ثم ذكر سيبويه أن من العرب من يكسر أوله فيقول: سِيَيْد كراهية الياء بعد الضمة. ومن هذا المثال يتبين أن سيبويه قد حمل لفظ سيد على أن عينه ياء، لأنه هو الظاهر من حاله مع إمكان أن يكون عينه واوًا، ولذلك قال السيوطي: "حمل سيبويه سيدًا على أنه مما عينه ياء فقال في تحقيره: سييد عملًا بظاهره مع توجه كونه فعلًا مما عينه واو كريح وعيد" انتهى. يريد السيوطي أن سيبويه حمل لفظ سيد على الظاهر من حاله، وهو أنه مما عينه ياء؛ لأن ظاهر حاله أخذه من السيادة، وإن احتمل أن يكون واوي العين من السواد، أو السُودد؛ فقلبت عينه ياء لسكونها إثر كسرة، كلفظ ريح الذي كان أصله واوي العين، وأصله رِوْح بدليل جمعه على أرواح؛ فقلبت عينه ياء لسكونها إثر كسرة. وكلفظ عيد الذي فُعل به ما فُعل بريح، وأصله واوي العين؛ لأنه من العَوْد، لأنه يعود كل سنة، وإنما يُجمع على أعواد، دفعًا لتوهم أنه جمع عُود، ومراعاة للفظ الواحد. وقال ابن يعيش في (شرح الملوكي): "فأما قولهم: عيد وأعياد فإنما أُلزم القلب لكثرة استعماله، وأما ريح فتكسيره على أرواح قال الشاعر: تلفه الأرواح والسُّمِي وربما قالوا: أرياحا ألزموه القلب، وهو قليل من قبيل الغلط" انتهى. وذكر ابن عصفور في (الممتع) أن عيدًا من عاد يعود، وأن الأصل فيه عِوْد؛ فقلبت الواو

стр. 233

ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فقيل عيد. ولكن ينبغي إذا جمعنا أن نقول في جمعه: أعواد بالواو؛ لزوال موجب قلبها ياء، كما قالوا في جمع ريح: أرواح بالواو لزوال موجب قلبها ياء في ريح، وهو سكونها وانكسار ما قبلها قال: تلفه الأرواح والسُّمِي إلا أنهم لما أبدلوا الواو ياء في عيد أجروا هذه الياء مجرى الأصلية. انتهى. وكون السيد واويًّا هو الذي عليه أكثر أهل الاشتقاق، بل زعم بعضهم أنه لا وجود لمادة سيد بالتحتية بين المهملتين أصلًا، وقول السيوطي: "مع توجه كونه فعلًا" معناه: أن كلمة سيد على وزن فعل أي: على هذا الوزن بكسر الفاء وسكون العين، لا أنها فِعْل من الأفعال، وهذا القول من السيوطي يصحح سهوًا وقع فيه محقق كتاب (الاقتراح) ﵀ تبعًا لمحقق كتاب سيبويه -رحم الله الجميع- إذ أثبتاه بلفظ سَيد والصحيح أنه سِيد بكسر السين. ومن باب إتمام الفائدة وإكمال النفع نقرأ معًا ما قال ابن جني في (الخصائص) في استدلاله بحمل سيبويه لفظ سِيد على الظاهر مع إمكان أن يكون المراد غيره، يقول ابن جني: "ألا ترى أن سيبويه حمل سيدًا على أنه مما عينه ياء فقال في تحقيره: سُييد وسِييد، كديك ودييك، وفيل وفييل". ونلحظ أن محقق (الخصائص) -رحمه الله تعالى وأجزل ثوابه- قد ضبط السين في مصغر سيد بالضمة والكسرة معًا، وأشار في الهامش بأن هذا الضبط مطابق لأصح نسخ الأصل، وموافق للقاعدة الصرفية؛ إذ الوجهان جائزان لمكان الياء، وهو يُشير إلى قول سيبويه: "ومن العرب من يقول: شِيَيْخ وبييت، وسييد؛ كراهية الياء بعد الضمة" انتهى. ونعود إلى حديث ابن جني حيث يقول معللًا تصغير سيبويه لفظ سيد على أنه مما عينه ياء بحمله على ظاهر حاله يقول: "وذلك أن عين الفعل لا يُنكر أن تكون ياء

стр. 234

يعني: وذلك لأن عين هذا اللفظ الذي على وزن فعل بكسر الأول وسكون الثاني لا يُنكر أن تكون في الاحتمال طبقًا للظاهر ياء قال: وقد وُجدت -أي: العين- في سيد ياء فهي في ظاهر أمرها إلى أن يرد ما يستنزل عن بادئ حالها يعني: إلى أن يأتي ما يدل على أنها على خلاف هذا الظاهر، قال: فإن قلت -أي: معترضًا على جعل هذه الكلمة من قبيل يائي العين: فإنا لا نعرف في الكلام تركيب السين مع الياء والدال، فهلَّا لما لم يجد ذلك حمل الكلمة على ما في الكلام مثله، وهو ما عينه من هذا اللفظ واو، وهو السواد والسودد، ونحو ذلك. قيل -أي: في الرد: هذا يدلك على قوة الظاهر عندهم، وأنه إذا كان مما تحتمله القسمة، وتنتظمه القضية؛ حُكم به وصار أصلًا على بابه، وليس يلزم إذا قاد الظاهر إلى إثبات حكم تقبله الأصول ولا تستنكره ألا يُحكم به حتى يوجد له نظير، وذلك أن النظير لعمري مما يؤنس به. فأما ألا تثبت به الأحكام فلا"، وقال أيضًا: "فإن قلت: فإن سيدًا مما يمكن أن يكون من باب ريح وديمة يعني: أن يكون واوي العين مثلهما، فهلا توقف أي: سيبويه عن الحكم بكون عينه ياء لأنه لا يأمن أن تكون واوًا قيل: هذا الذي تقوله إنما تدَّعي فيه ألا يؤمَن أن يكون من الواو، وأما الظاهر فهو ما تراه ولسنا ندع حاضرًا له وجه من القياس لغائب مُجَوَّز ليس عليه دليل، فإن قيل: كثرة عين الفعل واوًا تقود إلى الحكم بذلك قيل: إنما يحكم بذاك مع عدم الظاهر، فأما والظاهر معك فلا معدل عنه بك، لكن لعمري إن لم يكن معك ظاهر احتجت إلى التعديل والحكم بالأليق والحمل على الأكثر" انتهى. ومن الأمثلة التي أوردها ابن جني في هذا الباب أيضًا حمل سيبويه لفظا عَيَّنٍ على ظاهر حاله مما عينه ياء، فأثبت به فيعلًا بفتح العين يقال: سقاء عين وعين

стр. 235

بفتح الياء المشددة وكسرها أي: قربة ماء رقت فلم تُمسك الماء، وقد كان يمكن أن يكون هذا اللفظ من قبيل واوي العين على وزن فوعل، أو فعول من غير أن ينكر أحد عليه ذلك. قال ابن جني: "وعلى نحو مما جئنا به في سيد حمل سيبويه عيَّنًا، فأثبت به فيعلًا مما عينه ياء، وقد كان يمكن أن يكون فوعلًا وفعولًا من لفظ العين ومعناها، ولو حكم بأحد هذين المثالين؛ لحمل على مألوف غير منكور، ألا ترى أن فوعلًا وفعولًا لا مانع لكل واحد منهما أن يكون في المعتل كما يكون في الصحيح، وأما فيعل بفتح العين مما عينه معتلة فعزيز، ثم لم يمنعه عزة ذلك أن يحكم به على عيَّن، وعدل عن أن يحمله على أحد المثالين اللذين كل واحد منهما لا مانع له من كونه في المعتل العين كونه في صحيحها، وهذا مما يبصرك بقوة الأخذ بالظاهر عندهم، وأنه مكين القدم راسيها في أنفسهم" انتهى. وابن جني يشير بذلك إلى استشهاد سيبويه في (الكتاب) بقول رؤبة: ما بال عيني كالشعيب العين والشَّعِيب العَيَّن القربة الخلق الممزقة البالية التي يسيل منها الماء لقدمها، ويذكر ابن جني في ختام هذا الباب أن قوة اعتقاد العرب في الحمل على الظاهر إنما تكون إذا لم يمنع من هذا الحمل مانع، فإن منع منه مانع فلا حمل عليه. ويمثل لذلك بقوله: "وأما حيوة والحيوان فيمنع من حمله على الظاهر يعني: على كونه يائي العين واوي اللام أنا لا نعرف في الكلام ما عينه ياء ولامه واو، فلا بد أن تكون الواو بدلا من ياء لضرب من الاتساع مع استثقال التضعيف في الياء، ولمعنى العلمية في حيوة، وإذا كانوا قد كرهوا تضعيف الياء مع الفصل حتى دعاهم ذلك إلى التغيير في حاحيت، وهاهيت، وعاعيت يعني: أن أصولها حيحيت، وهيهيت، وعيعيت، وهي أسماء أصوات لزجر الغنم ونحوها، وأبدلت الياء الأولى فيها ألفًا كراهة تضعيفها، كان إبدال اللام في الحيوان يختلف الحرفان أولى

стр. 236

وأحجى، فإن قلت: فهلَّا حملت الحيوان على ظاهره، وإن لم يكن له نظير كما حملت سيدًا على ظاهره، وإن لم تعرف تركيب السين مع الياء والداء، قيل: ما عينه ياء كثر، وما عينه ياء ولامه واو مفقود أصلًا من الكلام، فلهذا أثبتنا سيدًا ونفينا ظاهر أمر الحيوان" انتهى. الحكم في تعارض الأصل والغالب إذا تعارض الأصل والغالب فقد ذكر السيوطي أن علماء النحو قد حذوا حذو الفقهاء في اختلافهم، فقد اختلف الفقهاء على قولين، وهما: العمل بالأصل والعمل بالغالب، والأصح العمل بالأصل في الأكثر، وإلا فقد يُعملون الغالب، وعلى دربهم سار النحويون، فمنهم من ذهب إلى أن العمل يكون بالأصل، ومنهم من ذهب إلى أن العمل يكون بالغالب. ومثال ذلك ما ذكره ابن هشام الخضراوي المتوفى سنة ست وأربعين وستمائة من الهجرة في كتابه (الإفصاح) من أن الأصل في الاسم أن يكون مصروفًا، فإن جاء في كلامهم اسم علم على وزن فعل بضم الفاء وفتح العين، ولم يُعلم أصرفوه كما هو الأصل، أم منعوه من الصرف كما هو الغالب فيما كان على وزن فعل نحو: عمر وزفر، فإنهما ممنوعان من الصرف للعلمية والعدل، فإذا جاء اسم علم ولم يثبت عدله عن غيره ولم يُعلم اشتقاقه فهل يكون مصروفًا؛ لأن الأصل في الاسم الصرف أم يكون ممنوعًا من الصرف، لأن نظيره من الأسماء ممنوع من الصرف. لقد ذكر السيوطي أن في ذلك ونحوه مذهبين للنحاة: الأول: مذهب سيبويه وهو الصرف حتى يثبت أنه معدول أي: جريًا على الأصل في الأسماء، لأن الأصل في الأسماء عدم العدل عن غيرها، يقول

стр. 237

سيبويه في (الكتاب): "هذا باب فُعَل، اعلم أن كل فعل كان اسمًا معروفًا في الكلام أو صفة فهو مصروف، فالأسماء نحو: سرد، وجعل، وثقب، وحفر إذا أردت جماع -أي: جمع- الحفرة والثقبة، وأما الصفات فنحو: هذا رجل حطم" انتهى. والمذهب الثاني: مذهب غير سيبويه وهو المنع من الصرف لأنه الأكثر والغالب في كلامهم، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه؛ لأن الأصل في الأسماء أن تكون مصروفة لا ممنوعة من الصرف، فلما لم يقم دليل على منع بعضها؛ كان الرجوع إلى الأصل أولى. ومما تعارض فيه الأصل والغالب أيضًا ما ذكره أبو حيان في (شرح التسهيل) من اختلافهم في رحمان ولحيان بفتح اللام، وهو عظيم اللحية على قولين؛ أحدهما: الصرف لأنه الأصل أي: ولأنه لا يُمنع من الصرف إلا بشرط ألا يكون مؤنثه بالتاء بأن يكون مؤنثه على وزن فَعْلى، ورحمان ولحيان لا مؤنث لهما. والآخر: المنع لأن الغالب هو أن يكون وزن فعلان ممنوعًا من الصرف، فتعارض الأصل والغالب. وقال السيوطي ﵀ نقلًا عن أبي حيان: "والصحيح صرفه -أي: صرف رحمان ولحيان- لأنا قد جهلنا النقل فيه عن العرب، والأصل في الأسماء الصرف، فوجب العمل به، ووجه مقابله أن ما يوجد من فعلان الصفة غير مصروف في الغالب، والمصروف منه قليل؛ فكان الحمل على الغالب أولى" انتهى ما قال أبو حيان. وعقب السيوطي على عبارة أبي حيان بقوله: "هذه عبارته" أي: هذه عبارة أبي حيان في (شرح التسهيل)، وكأن السيوطي قال ذلك للتبرؤ؛ لأنه أورد ذلك للتمثيل، لا لكونه يرى رأي أبي حيان لأن غيره صحح الأصل.

стр. 238

تعارض أصلين لقد عقد ابن جني في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في مراجعة الأصل الأقرب دون الأبعد، وقد وصف هذا الموضع بأنه موضع يجب أن يُنبه عليه، ويحرر القول فيه، والمراد بمراجعة الأصل الأقرب دون الأبعد، هو أنه إذا تعارض في الكلام أصلان أحدهما قريب والآخر بعيد؛ وجب الرجوع إلى الأصل القريب دون البعيد. ومما تعارض فيه أصلان ضم الذال من كلمة مذ في نحو: ما رأيته مذ اليوم، فإن الأصل في الكلمة أن تكون ساكنة ويليها ساكن، فكان القياس أن يتخلص من التقاء الساكنين بالكسر، كما هو الشأن دائمًا في كل ساكنين التقيا، فالتخلص منهما يكون بكسر أولهما فيقال: ما رأيته مذِ اليوم، ولكن هذا الأصل قد عارضه أصل آخر؛ لأن أصلها الضم في منذ، وضُمت فيه لالتقاء الساكنين إتباعًا لضمة الميم، فهنا أصلان تعارضا؛ الأول: الأصل الأبعد وهو السكون، والثاني: الأصل الأقرب وهو الضم، فكان الرجوع إلى الأصل الأقرب أولى، فضمت الذال من مذ عند التقاء الساكنين؛ ردًّا إلى الأصل الأقرب وهو ضم منذ، ولم ترد إلى الأبعد الذي هو سكونها، لأن مراجعة الأصل الأقرب أولى من مراجعة الأبعد. ومما تعارض فيه أصلان أيضًا أحدهما قريب والآخر بعيد قولهم: بعت بكسر الباء، وقلت بضم القاف فأصل الفعلين باع وقال أن يكونا على وزن فعل بفتح العين، فلما أسندا إلى تاء الفاعل نُقل الفعل باع إلى وزن فعل بكسر العين، ونقل الفعل قال إلى وزن فعل بضم العين، ثم قلبت كل من الواو والياء ألفًا لتحركهما

стр. 239

وانفتاح ما قبلهما، فالتقى ساكنان وهما العين المقلوبة ألفًا، ولام الفعل التي سكنت لاتصال الفعل بتاء الفاعل، ثم نُقلت الكسرة التي في عين الفعل الأول وهو بعت إلى فاء الكلمة، ونقلت الضمة التي في عين الفعل الثاني وهو قلت إلى الفاء أيضًا فقيل: بعت وقلت، وفي هذا النقل مراجعة للأصل الأقرب وهو اعتبار الفعلين بعد نقلهما من فعل المفتوح العين إلى فعل وفعل المكسور العين والمضمومها. ولمزيد من البيان نوجز ما ذكره ابن جني في (المنصف) عن قال وباع، فقد ذكر أن الفعل قال لا يخلو من أن يكون فعَلت أو فعُلت أو فعِلت، وليس قسم رابع، فلا يمكن أن يكون فعُلت؛ لأن مضموم العين لا يجيء متعديًا، وقد قالوا: قلتُه، ولا يمكن أن يكون فعِلت، لأن الماضي مكسور العين، لا يأتي مضارعه مضموم العين، ومضارعه: يقول، فلم يبق إلا أن يكون مفتوح العين في الماضي، وأما الفعل باع فلا يمكن أن يكون مضموم العين لمجيء مضارعه مكسور العين فقالوا: يبيع، ولو كان مكسور العين في الماضي لجاء مضارعه يَبَاع كما قالوا في هِبتُ: أهاب. هذا وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 240

الدرس: ١٨ تابع صور التعارض والترجيح .

стр. 241

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن عشر (تابع صور التعارض والترجيح) تفضيل السماع والقياس على استصحاب الحال الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: إن استصحاب الحال من أصول النحو الغالبة عند الأنباري، فقد قال في (لمع الأدلة): "وهو -أي: الاستصحاب- من الأدلة المعتبرة" انتهى. ومع عدِّه إيَّاه من أصول النحو الغالبة ذكر أنه أضعف الأدلة فقال: "واستصحاب الحال من أضعف الأدلة ولهذا لا يجوز التمسك به ما وُجد هناك دليل" انتهى. ويدل على ضعفه ما نقله السيوطي من أنه إذا تعارض استصحاب الحال مع دليل آخر من سماع، أو قياس؛ فلا عبرة به أي: لا اعتداد بالاستصحاب، ولا التفات إليه؛ لقوة الدليل الآخر الذي يقابله ويعارضه، فيقدم السماع أو القياس على الاستصحاب، وعلة ذلك هي أن الأصل المستصحب إنما جرَّده النحاة، فأصبح من عملهم، ولم يكن من عمل العربي صاحب السليقة، فإذا عرضه السماع فالسماع أرجح؛ لأن ما يقوله العربي أولى مما يجرده النحوي، وإذا عارضه القياس فالقياس أرجح؛ لأن القياس وإن كان تجريدًا فهو حمل على ما قاله العربي، فاستصحاب الحال من أدلة النحو التي تتصف بالقوة تارة وبالضعف تارة أخرى، فهو دليل من الأدلة المعتبرة إن لم يعارضه دليل غيره من سماع أو قياس، فإن عارضه دليل منهما فهو حينئذٍ من أضعف الأدلة. وقد عرفت فيما تقدم أن التمسك بالأصل تمسك باستصحاب الأصل، فمن تمسك بالأصل من النحويين في إثبات دعواه فقد تمسك بالاستصحاب، وهذا يدلُّك على أن هذا الدليل شائع في سائر المؤلفات النحوية، وليس مقصورًا على ما ورد في مؤلفات الأنباري، كل ما هنالك أن المصطلح هو الذي ظهر في كتب الأنباري متأثرًا بثقافته الفقهية، وحينما طرحنا السؤال الآتي: ما مكانة هذا الدليل بين الأدلة الأخرى عند الأنباري؟ أجاب الأنباري نفسه عن هذا السؤال مرة في (الإغراب في جدل الإعراب)

стр. 242

فقال: "وأما استصحاب الحال فلا يجوز الاستدلال به ما وجد هناك دليل بحال"، ومرتين في كتابه (لمع الأدلة) المرة الأولى عندما ذكر أصول النحو فقال: "أقسام أدلته ثلاثة: نقل، وقياس، واستصحاب حال، ومراتبها كذلك، وكذلك استدلالاتها" فدل كلامه على أن الاستصحاب يقع في المرتبة المتأخرة عن مرتبتي السماع والقياس، والمرة الثانية حين قال عن استصحاب الحال: "استصحاب الحال من أضعف الأدلة، لهذا لا يجوز التمسك به ما وجد هناك دليل". كما قيل: يظهر كذلك عدم اهتمام الأنباري بالاستصحاب كغيره من الأدلة في أنه ألف كتابه (لمع الأدلة)، وجعله في ثلاثين فصلًا، تحدث فيها عن أقسام أدلة النحو: النقل، والقياس، واستصحاب الحال، وخصص لدليل النقل ستة فصول من الفصل الثالث إلى التاسع، والقياس أربعة عشر فصلًا من الفصل العاشر إلى الرابع والعشرين. أما استصحاب الحال فقد عقد له فصلًا واحدًا هو الفصل التاسع والعشرون. وقلنا: إن نظرة الأنباري إلى الاستصحاب على أنه أضعف الأدلة مظهر آخر من مظاهر تأثره بالفقهاء، فجمهورهم يصف الاستصحاب بأنه أضعف الأدلة، وبأنه آخِر متمسَّك للناظر، وبأنه آخر مدار الفتوى، فإن المفتي إذا سُئل عن حادثة يطلب حكمها في كتاب الله، ثم في سنة رسول الله ﷺ ثم في الإجماع، ثم في القياس، فإن لم يجد يأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات. ومعنى ما ذكره الأنباري هنا أنه يُشترط لصحة الاحتجاج بالاستصحاب ألا يجد المستدل دليلًا غيره يعارضه، وضرب الأنباري لنا مثلًا على ذلك، فأوضح أنه لا يجوز التمسك بالاستصحاب في إعراب الاسم مع وجود البناء، وهو مشابهة الاسم للحرف، وكذلك لا يجوز التمسك به في بناء الفعل مع وجود دليل الإعراب، وهو مشابهة الفعل للاسم؛ لأن التمسك بالاستصحاب تمسك بعدم الدليل، فإذا قام الدليل بطل التمسك بالأصل. ويستوي أن يكون هذا الدليل

стр. 243

سماعيًّا أو قياسيًّا؛ لأنه إذا تعارض استصحاب الحال مع دليل آخر من سماع أو قياس، فلا عبرة بالاستصحاب، ولا اعتداد به، ولا التفات إليه؛ لقوة الدليل الآخر الذي يقابله ويعارضه. وقد بين الأنباري ضعف الاستدلال بالاستصحاب في المسألة الرابعة عشرة من مسائل (الإنصاف في مسائل الخلاف)، وهي مسألة نعم وبئس، إذ عرفنا أن من البصريين من استدل على فعليتهما فقال: الدليل على أنهما فعلان ماضيان، أنهما مبنيان على الفتح، ولو كانا اسمين لما كان لبنائهما وجه؛ إذ لا علة ها هنا توجب بناءهما. ولم يرتض الأنباري الاستدلال بهذا الدليل الأخير، لأنه استدلال بالاستصحاب فقال: "وهذا تمسك باستصحاب الحال، وهو من أضعف الأدلة، والمعتمد عليه ما قدمناه" انتهى. أي: أن المعتمد عليه في إثبات فعليتهما هو اتصال الضمير المرفوع بهما، كما يتصل بكل فعل متصرف، واتصالهما بتاء التأنيث الساكنة. وخلاصة القول: إن استصحاب الحال أحد الأدلة المعتبرة، وهو في الوقت نفسه من أضعف الأدلة، فلا يجوز التمسك به إذا عارضه دليل غيره من سماع أو قياس. الحكم في تعارض قبيحين لقد عوَّل السيوطي في هذه المسألة على ما ذكره ابن جني في (الخصائص)؛ إذ إنه قد أفرد بابًا عنوانه: باب في الحمل على أحسن القبيحين، ومراده بذلك أنه إذا حضر عندك ضرورتان أي: أمران قبيحان، وكان أحدهما أشد قبحًا من الآخر، ولا بد للمتكلم من ارتكاب أحد القبيحين، فينبغي حينئذٍ ارتكاب أقربهما وأقلهما فحشًا. وقد نقل السيوطي في (الاقتراح) عن ابن جني مثالين فيهما ارتكاب أقل القبيحين فحشًا وهما:

стр. 244

المثال الأول: حكم الواو في كلمة وَرَنْتَل، والورنتل هو الداهية، والشر، والأمر العظيم، فإن المرء فيها بين ضرورتين أن يدَّعي أن هذه الواو أصلية، وأن يدعي أنها زائدة، وهما أمران قبيحان؛ لأن الواو لا تكون أصلية في ذوات الأربعة إلا مكررة نحو قولهم: الوصوصة، والوحوحة، والوصوصة مصدر الفعل الرباعي وَصْوَص أي: نظر في الوصوص الذي هو خرق في الستر ونحوه على قدر العين يُنظر فيه، والوحوحة مصدر الفعل الرباعي وحوح، يقال: وحوح الرجل صَوَّت مع بَحَح، أو نفخ في يده من شدة البرد. كما أنها -أي: الواو- لا تكون زائدة في أول الكلام، وقد ذكر ابن جني في كتابه (المنصف) "أن أبا عثمان المازني قال في (التصريف): "الواو لا تزاد أولًا البتة"، وحينما سأل ابن جني أستاذه أبا علي الفارسي وقت أن قرأ عليه امتناع زيادة الواو أولًا: "لم كان ذلك؟ فأجابه أبو علي: لأنها لو زيدت أولًا مضمومة؛ لاطرد قلبها همزة نحو: أُقِّتت، وبابه ولو زيدت مكسورة أيضًا؛ لجاز قلبها جوازًا كالمطرد نحو: إسادة وإفادة في وسادة ووِفادة، ولو زيدت مفتوحة حتى تحقر الكلمة لانضم أولها، فجاز قلبها همزة يريد تحقير وَزَّة وُزَيْزَة، ويجوز أُزيزة". وواصل الفارسي حديثه مع تلميذه ابن جني قائلًا: "فلما كانت زيادتها تقود إلى هذا التغيير والقلب واللبس، ويكون ذلك فيها أثقل؛ لأنها زائدة رُفضت زيادتها أولًا فلم يُجز لذلك" انتهى. وذكر ابن جني أنه لا بد في ورنتل من ارتكاب أحد القبيحين: الحكم بأصالة الواو، أو الحكم بزيادتها، فلما كان الأمر كذلك كان القول بجعلها أصلًا أولى من القول بجعلها زائدة؛ لأن الواو قد تكون أصلًا في ذوات الأربعة على وجه من الوجوه أي: في حال التضعيف كما تقدم في الوصوصة والوحوحة ونحوهما، أما أن تزاد أولًا فإن هذا أمر لم يوجد على حال

стр. 245

من الأحوال، فكان ارتكاب ما هو موجود خيرًا من ارتكاب ما هو مفقود وليس بموجود. والمثال الثاني: نحو: فيها قائمًا رجل، لما كان المتكلم بيْن أن يرفع قائمًا فيقول: فيها قائم رجل، فيجعل اسم الفاعل صفة متقدمة على موصوفها، وهذا لا يكون بحال من الأحوال، وبين أن ينصبه فيقول: فيها قائمًا رجل، فيجعل قائمًا حالًا من النكرة، وذلك مع قلته جائز. لما كان المتكلم لا بد من ارتكابه أمرًا من هذين الأمرين حمل المسألة على الحال فنصب، وإنما لم يجز أن تتقدم الصفة على الموصوف لأن الصفة لا تكون إلا تابعة، والتابع لا يتقدم على المتبوع، ولأن الصفة تجري مجرى الصلة في الإيضاح؛ فلا يجوز تقديمها على الموصوف، كما لا يجوز تقديم الصلة على الموصول، وإنما كان الأمر الأخير وهو جعل الصفة المتقدمة على موصوفها النكرة حالًا من النكرة قليل الورود؛ لأن أصل صاحب الحال أن يكون معرفة؛ لأنه محكوم عليه بالحال، وحق المحكوم عليه أن يكون معرفة؛ لأن الحكم على المجهول لا يفيد غالبًا، إذ للحال شبه بالخبر، ولصاحبها شبه بالمبتدأ، ومن هنا لم يكن صاحب الحال نكرة إلا بمسوغ يُقربه من المعرفة، كما لم يكن المبتدأ نكرة إلا بمسوغ. ومن مسوغات تنكير صاحب الحال تقديم الحال عليه كالمثال المذكور، وقد أشار سيبويه في (الكتاب) إلى ذلك فقال: "هذا باب ما ينتصب، لأنه قبيح أن يوصف بما بعده، ويبنى على ما قبله، وذلك قولك: هذا قائمًا رجل، وفيها قائمًا رجل، لَما لم يجز أن توصف الصفة بالاسم، وقبح أن تقول: فيها قائم، فتضع الصفة موضع الاسم، كما قبح: مررت بقائم، وأتاني قائم؛ جعلت القائم حالًا، وكان المبني على الكلام ما بعده. ولو حسن أن تقول: فيها قائم؛ لجاز: فيها

стр. 246

قائم رجل، لا على الصفة، ولكنه لما قال: فيها قائم قيل له: من هو وما هو؟ فقال: رجل أو عبد الله. وقد يجوز على ضعفه، وحُمل هذا النصب على جواز: فيها رجل قائمًا، وصار حين أُخر وجه الكلام فرارًا من القبح" انتهى. واستشهد سيبويه على ورود النصب على الحال من النكرة بقول ذي الرمة: وتحت العوالي في القنا مستظلة ... ظباء أعارتها العيونَ الجآذرُ القنا: هي الرماح، وعواليها: صدورها، والجآذر: جمع جُؤذر أو جؤذر بضم الذال وفتحها، وهو ولد البقرة الوحشية. يصف الشاعر نسوة سُبِينَ أي: وقعن في الأسر، فصرن تحت سيطرة الرماح، والعرب تشبه النساء بالظباء في طول الأعناق وانطواء الكَشح أي: الخاصرة. والشاهد فيه نصب مستظلة على الحال، بعد أن كانت صفة لظباء متأخرة. وقد كان التقدير قبل تقديم الصفة: وتحت العوالي في القنا ظباء مستظلة، فلما صارت متقدمة؛ امتنع أن تكون صفة لها، لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف. كما استشهد سيبويه على ذلك أيضًا بقول الآخر: وبالجسم مني بَيِّنًا لو علِمْتِه ... شحوب وإن تستشهد العين تشهد يذكر شحوبه وتغير جسمه تغيرًا ظاهرًا، لما يقاسي من الوجد بصاحبته، وأنها لو طلبت من عينها أن تشهد على ذلك لشهدت. والشاهد فيه تقديم بينًا على شحوب، ونصبه على الحال بعد أن كان صفة متأخرة، وأصله: وبالجسم مني شحوب بيِّن، فحدث فيه ما حدث في ما قبله، ومن شواهد سيبويه على ذلك أيضًا قول كثير: لمية موحشا طلل ... يلوح كأنه خِلَل والطلل: ما شخص من آثار الديار، والموحش: مِن أوحش المنزل إذا ذهب عنه الناس وصار ذا وحشة، وهي الخلوة والهم، والخلل: جمع خِلة، وهي بطانة

стр. 247

يُوَشَّى بها غِمد السيف، وتكون منقوشة بالذهب وغيره، والشاهد فيه نصب موحشًا على الحال، وقد كان صفة في الأصل، وكان التقدير: لمية طلل موحش، فلما تقدم نصب على الحال. ويروى البيت الأخير في غير (الكتاب): لعزة موحشا طلل قديم ... عفاه كل أسحم مستديم وعفاه بمعنى درَسه وغيَّره، والأسحم: هو الأسود، والمراد هنا السحاب؛ لأنه إذا كان ذا ماء يُرى أسود لامتلائه، والمستديم صفة كل، وهو السحاب الممطر المستمر مدة أقلها ثلث النهار، أو ثلث الليل، قيل: من روى البيت: لعزة موحشًا قال: إنه لكثير عزة، ومن رواه: لمية موحشًا قال: إنه لذي الرمة، فإن عزة تنسب لكثير، ومية تنسب لذي الرمة. وأكثر ما يكون فيه تقديم الصفة على الموصوف، وجعلها حالًا في الشعر، ولذلك عقَّب سيبويه على الشواهد الشعرية التي أوردها على ذلك بقوله: "وهذا كلام أكثر ما يكون في الشعر، وأقل ما يكون في الكلام". يعني: في الكلام الاختياري. وأورد ابن جني في (الخصائص) مثالًا ثالثًا لتعارض القبيحين، والحمل على أقلهما قبحًا نذكره من باب إكمال النفع، وإن كان لم يرد في (الاقتراح). قال ابن جني: "وكذلك: ما قام إلا زيدًا أحد، عدلت إلى النصب" يعني ابن جني: أنه إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه في غير الإيجاب أي: في النفي أو شبهه كالمثال المذكور الذي تقدم فيه المستثنى زيدًا على المستثنى منه أحد، وتقدَّم على الكلام أداة نفي، عدلْتَ عن الحكم الذي كان يستحقه هذا المستثنى لو لم يتقدم على المستثنى منه، وجاء في موضعه الأصلي وهو الرفع على الإتباع للمستثنى منه المرفوع، على أنه بدل بعض من كل عند البصريين، وعطف نسق عند الكوفيين؛ لأن "إلا" عندهم من حروف العطف في باب الاستثناء خاصة. قال ابن جني معللًا عدولك في نحو ما ذُكر من الإتباع إلى النصب: "لأنك إن رفعت لم

стр. 248

تجد قبله ما تُبدله منه -يعني: على رأي البصريين- وإن نصبت دخلت تحت تقديم المستثنى على ما استثني منه، وهذا -أي: تقديم المستثنى على المستثنى منه- وإن كان ليس في قوة تأخيره عنه، فقد جاء على كل حال، فاعرف ذلك أصلًا في العربية تحمل عليه غيره". يعني ابن جني: أنك في نحو المثال المذكور بين أمرين كلاهما قبيح، ولا بد من ارتكاب أحدهما: أن ترفع المستثنى على الإتباع، لكنك لن تجد متبوعًا قبله تتبعه له، ولا يُتبع لما بعده عند أصحابه البصريين؛ لأن التابع لا يتقدم على المتبوع. والآخر أن تنصبه على الاستثناء، فتدعي تقديم المستثنى على المستثنى منه، وهذا مع ضعفه لمخالفته الأصل وارد على كل حال، أي: ومن ذلك قول الكميت يمدح آل هاشم: وما لي إلا آلَ أحمد شيعة ... وما لي إلا مذهب الحق مذهب والأصل: وما لي شيعةٌ إلا آلُ أحمد وما لي مذهب إلا مذهب الحق، فلما قُدِّم المستثنى على المستثنى منه؛ وجب نصبه، وأراد بأحمد النبي ﷺ . وذكر ابن يعيش في (شرح المفصل) مثالًا رابعًا لتعارض قبيحين، والحمل على أقلهما قبحًا وأقربهما فحشًا، وأثبت هذا المثال السيوطي في كتابه (الأشباه والنظائر). ذكر ابن يعيش أن حذف المضاف وإبقاء عمله ضعيف في القياس، قليل في الاستعمال. أما ضعفه في القياس فلوجهين؛ أحدهما: أن المضاف نائب عن حرف الجر وخَلَف عنه، فإذا حذفت المضاف فقد أجحفت بحذف النائب والمنوب عنه. والوجه الثاني: أن المضاف عامل في المضاف إليه الجر، ولا يحسن حذف الجار وتبقية عمله، فمن ذلك قولهم في المثل: ما كل سوداء تمرةً ولا بيضاء شحمةً، وأوضح ابن يعيش موضع الشاهد في هذا المثل بإعرابه على النحو الآتي: أن

стр. 249

ترفع كلًّا بما الحجازية على أنه اسمها، وتخفض سوداء بالإضافة، والفتحة علامة الخفض؛ لأنه لا ينصرف لألف التأنيث الممدودة، وتمرة منصوب على أنه خبر ما، والواو عاطفة، وبيضاء مخفوض أيضًا على تقدير إضافته إلى لفظ كلٍّ أخرى محذوفة، كأنك لفظت بها فقلت: ولا كلُ بيضاءَ، وشحمة منصوب عطفًا على تمرة. وهذا الإعراب الذي ذكره ابن يعيش إنما هو على مذهب الخليل وسيبويه والبصريين، ونحن نلاحظ أن العطف فيه إنما هو على معمولي عامل واحد، فما بعد العاطف في التقدير وهو كل بيضاء معطوف على اسم ما، وهو كل سوداء. وشحمة بالنصب معطوف على خبر ما، وهو تمرة المنصوب، فالعامل واحد وهو ما الحجازية، والعطف من باب عطف المفردات، وفي هذا الإعراب قبح، وهو تقدير حذف الجار وهو لفظ كل الواقع مضافًا إلى لفظ بيضاء، وفي ذلك حذف للجار وتبقية للمجرور كما تقدم. وقال ابن يعيش: "وكان أبو الحسن الأخفش وجماعة من البصريين يحملون ذلك، وما كان مثله على العطف على عاملين، وهو رأي الكوفيين، وذلك أن بيضاء جر عطف على سوداء، والعامل فيها كل وقوله: شحمة منصوب عطفًا على خبر ما أي: والعامل ما، ومثله عندهم: ما زيد بقائم ولا قاعد عمرو تخفض قاعدًا بالعطف على قائم المخفوض بالباء، وترفع عمرًا بالعطف على اسم ما، فهما عاملان الباء وما، كما كان في المثل عاملان: كل وما، قالوا: وقد عطفت شيئين على شيئين، والعامل فيهما شيئان مختلفان، وسيبويه والخليل لا يريان ذلك ولا يجيزانه، والحجة لهما في ذلك أن حرف العطف خلف عن العامل ونائب عنه، وما قام مقام غيره فهو أضعف منه في سائر أبواب العربية. فلا يجوز أن يتسلط على عمل الإعراب بما لا يتسلط ما أقيم مقامه، فإذا أقيم مقام الفعل؛

стр. 250

لم يجز أن يتسلط على عمل الجر، فلهذه العلة لم يجز العطف عندهما على عاملين، لذلك حملوه على حذف المضاف" انتهى. وقال ابن مالك في (شرح التسهيل): "العطف على عاملين بمنزلة تعديتين بمعدٍّ واحد، فلا يجوز"، والخلاصة المستنبطة أن المتكلم بنحو المثل المذكور بين أمرين قبيحين، إما أن يعطف على عاملي عاملين مختلفين، وإما أن يدعي حذف المضاف، وذلك مع قبحه أهون الضررين وأقل القبحين. المجمع عليه أولى من المختلف فيه إذا تعارض أمر أجمع عليه النحويون من البصريين والكوفيين، وأمر آخر اختلفوا فيه، فإن الرأي المجمع عليه أولى من الرأي المختلف فيه؛ لأن للإجماع مكانته عند علماء العربية، وقد عدَّه ابن جني من أصول النحو الغالبة، كما ذكر الشاطبي ﵀ أن إجماع النحويين كإجماع الفقهاء وإجماع المحدِّثين، وكل علم اجتمع أربابه على مسألة منه؛ فإجماعهم حجة ومخالفهم مخطئ، وإذا كان الأمر كذلك فإن الرأي المجمع عليه أولى من الرأي المختلف فيه. ولذلك قال السيوطي: "إذا تعارض مجمع عليه ومختلف فيه فالأول أولى"، وذكر مثالًا لذلك، وهو أنه إذا كان الشاعر مضطرًا إلى قصر الممدود أو مد المقصور، فارتكاب الأول أولى؛ لإجماع البصريين والكوفيين على جوازه أي: على جواز قصر ممدود، ومنع البصريين الثاني أي: وهو مد المقصور. وفي (الإنصاف) قال أبو البركات: "أجمعوا على أنه يجوز قصر الممدود في ضرورة الشعر، إلا أن الفراء من الكوفيين اشترط في مد المقصور وقصر الممدود شروطًا لم يشترطها غيره، وذكر مثل ذلك أبو سعيد السيرافي في كتابه (ضرورة الشعر).
следующие страницы →