Полный текст (294 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
-[أصول النحو ٢]-
كود المادة: GARB٥٣٦٣
المرحلة: ماجستير
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
الدرس: ١ نشأة العلة النحوية وذكر بعض الأمثلة لها .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الأول
(نشأة العلة النحوية وذكر بعض الأمثلة لها)
مفهوم العلة النحوية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
يدور معنى التعليل في اللغة العربية حول فعل الشيء مرة بعد أخرى، كما جاء في مادة عَلَل في (الصحاح) و (لسان العرب) وغيرهما من المعاجم اللغوية، فالعلل هو الشرب الثاني بعد النهل، وهو الشرب الأول، يقال: عَلَل بعد نَهَل، وعله أي: سقاه السقية الثانية، والعلة المرض وحدث يشغل صاحبه عن وجهه، كأن تلك العلة صارت شغلًا ثانيًا منعه عن شغله الأول.
والعلة في اصطلاح النحويين: هي الوصف الذي يكون مظنة وجه الحكمة في اتخاذ الحكم، أو بعبارة أوضح: هي الأمر الذي يزعم النحويون أن العرب لاحظته حين اختارت في كلامها وجهًا معينًا من التعبير والصياغة. والعلاقة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي واضحة جلية، فالعلة النحوية تشغل النحوي في محاولته الوصول إليها عن كل ما عداها، وتتطلب منه كدَّ الفكر وإعمال النظر مرة بعد أخرى؛ حتى يطمئن إلى سلامتها وصحة الوثوق بها.
ورحم الله شيخ العربية الخليل الذي سُئل عن العلل التي يعتلُّ بها في النحو فقيل له -فيما يرويه الزجاجي في كتابه (الإيضاح في علل النحو) فقيل له-: "عن العرب أخذتها، أم اخترعتها من نفسك؟ فقال: إن العرب نطقت على سجيتها وطبيعتها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله، وإن لم يُنقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه، فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمسته، وإن تكن هناك علة له؛ فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارًا محكمة البناء، عجيبة النظم والأقسام، وقد صحت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق، أو بالبراهين الواضحة، والحجج اللائحة.
стр. 3
فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فُعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا، ولسبب كذا وكذا، سنحت له، وخطرت بباله محتملة لذلك، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار. وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة، إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك، فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأتِ بها. قال الزجاجي: وهذا كلام مستقيم، وإنصاف من الخليل -رحمة الله عليه"، انتهى.
نشأة العلة النحوية في القرنين الأول والثاني
إن الحديث عن نشأة العلة النحوية يعني: الحديث عن نشأة قواعد اللغة العربية، فقد أجمع الرواة والمؤرخون على أن العلة النحوية رافقت نشأة النحو، ووُلدت مع ولادته. ومن ثَمَّ رأيناهم لا يفصلون بينهما، ويعدونهما منطلقًا واحدًا، وإن أكبر شاهد على هذا كتاب سيبويه، وهو أول كتاب في النحو وصل إلينا، فجميع ما أُلِّف قبله في هذا الفن لم يلق رعاية، ولم يصادف اهتمامًا فضاع واندثر قبل أن يصل إلينا منه شيء.
وقد شغل ذلك الكتاب العلماء قديمًا وحديثًا، فأقبلوا عليه مفتونين به يوضحون غرائبه، ويحلون مشكلاته، ويدرسون مسائله، ويشرحون شواهده، ويضعونه موضع التقدير والإجلال؛ حتى كان المبرد يقول لمن أراد أن يقرأه عليه: "هل ركبت البحر؟ "، تعظيمًا له وتقديرًا لما حواه بين دفتيه من جمع ما تفرق من أقوال المتقدمين من علماء القرن الثاني الهجري، الذين اعتمدوا في بناء آرائهم على مشافهة العرب الخلص في البوادي، كأبي الأسود الدؤلي المتوفى سنة تسع وستين
стр. 4
من الهجرة، والذي ينسب إليه وضع بعض الأبواب الأساسية في علم النحو، والتكلم في مسائل التعليل والقياس، ويقول عنه محمد بن سلام الجمحي في (طبقات فحول الشعراء) في الصفحة الثانية عشرة: "كان أول من أسس العربية، وفتح بابها، وأنهج سبيلها، ووضع قياسها أبو الأسود الدؤلي، وإنما قال ذلك حين اضطرب لسان العرب، وغلبت السليقة، وكان سَرَاة الناس يلحنون؛ فوضع باب الفاعل، والمفعول، والمضاف، وحروف الجر، والرفع، والنصب، والجزم". انتهى.
وكالخليل بن أحمد الفراهيدي وهو أشد شيوخ سيبويه صلة به، ومحبة له، وأكثرهم أثرًا فيه، وقال عنه ابن جني في (الخصائص): "فانظر إلى قوة تصور الخليل إلى أن هجم به الظن على اليقين، فهو المعنيُّ بقوله: الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمع"، وقال عنه أبو بكر الزبيدي في (طبقات النحويين): "وهو الذي بسط النحو، ومد أطنابه، وسبب علله، وفتق معانيه، وأوضح الحِجاج فيه؛ حتى بلغ أقصى حدوده، وانتهى إلى أبعد غاياته". انتهى. وقال السيرافي في (أخبار النحويين البصريين) عن الخليل: "كان الغاية في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس فيه". انتهى. والذي يعنينا هنا أن نشير إلى أمرين:
أولهما: أن العلة النحوية كانت فطرية في نفس العربي، شأنها في ذلك شأن لغته التي كان يتكلم بها بالسليقة العربية من غير تعمُّل أو تكلف، ولا أدلَّ على ذلك من أن أعرابيا كان إذا سُئل عن العلة أجاب، يقول ابن جني: "وأما ما روي لنا فكثير، منه ما حكى الأصمعي عن أبي عمرو قال: سمعت رجلًا من اليمن يقول: فلان لغوب أي: أحمق جاءته كتابي فاحتقرها، فقلت له -أي: قال له أبو عمرو: أتقول: جاءته كتابي، قال: نعم أليس بصحيفة".
стр. 5
قال ابن جني معلقًا: "أفتراك تريد من أبي عمرو وطبقته، وقد نظروا، وتدربوا، وقاسوا، وتصرفوا أن يسمعوا أعرابيًّا جافيًا غفلًا يعلل هذا الموضع بهذه العلة، ويحتج لتأنيث المذكر بما ذكره -يعني: بالحمل على المعنى- فلا يهتاجوا هم لمثله، ولا يسلكوا فيه طريقه، فيقولوا: فعلوا كذا لكذا، وصنعوا كذا لكذا، وقد شرع لهم العربي ذلك، ووقفهم على سمته وأَمّه". انتهى. يعني ابن جني أن العلة النحوية قد نشأت فطرية عند العرب الأقحاح، وأن العرب قد أرادت من العلل والأغراض ما نسبه هؤلاء النحويون المتقدمون إليها، وما حملوها عليه؛ نتيجة لمشافهتهم للعرب ووقوفهم على طبائعهم وأوضاعهم.
والأمر الآخر الذي نشير إليه ونؤكد عليه: ما سبق أن ذكرناه من أن التعليل النحوي قد نشأ مرافقًا ومصاحبًا لنشأة قواعد العربية، كما أجمع عليه صفوة العلماء الأجلاء. وبناء على ذلك نرى أن بواكير التعليل قد نشأت مع وضع الأسس الأساسية للنحو العربي، أعني: مِن أول وضع الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- هذه الأسس قُبيل مقتله -رحمه الله تعالى- في السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، أو من أول وضع أبي الأسود الدؤلي لبعض الأبواب النحوية، بإشارة من الإمام علي ﵁، وكرم الله وجهه.
وعلى أية حال فلسنا هنا في معرض الحديث عن وضع علم النحو، أو عمن وضع علم النحو، لكنا نرى أن التعليل النحوي نشأ قرين وضع القواعد النحوية، أو قرين الاهتمام بالإعراب ومحاربة اللحن، ولكنه كان -كما قيل- كأي علم آخر يبدأ عفويًّا فطريًّا مختلطًا بغيره إلى أن تثبت جذوره في الأرض، ويستقل عن غيره، ويصبح علمًا قائمًا بذاته، وإلا كيف كان أبو الأسود أول من ضبط المصحف ووضع العربية، كما قال ابن حجر في (الإصابة)، وعلى أي
стр. 6
أساس كان هذا الضبط، اللهم إلا إذا كان على الوقوف على مواضع الكلمات، ومواقعها، ووظائفها، ومفاهيمها على قدر ما تيسر له. وكيف أرشد أبو الأسود ابنته إلى أنها إذا أرادت التعجب من حسن السماء أن تقول: ما أحسن السماءَ، وتفتح فاها، وكيف كان كما قيل قد وضع أبواب العطف، والنعت، والتعجب، والاستفهام وغيرها.
إن ذلك كله وهو قليل من كثير يشهد بوجود العلة النحوية مع هذه القواعد، غير أنها كانت كامنة مستترة في العقول، وإنما تظهر في وقت الحاجة إليها، أو السؤال عنها، كما علمنا مما حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء وأعرابي اليمن، ويمضي الزمن وتمضي معه مدرسة أبي الأسود الدؤلي، ومعه تلاميذه العظام من أمثال: نصر بن عاصم الليثي، وعنبسة الفيل المهري، وعبد الرحمن بن هرمز، ويحيى بن يعمر العدواني من غير أن يحفظ لنا الزمان شيئًا من تراث هؤلاء الأعلام الأكابر، إلا بعض الشواهد الشعرية، أو القراءات القرآنية.
يقول الدكتور شوقي ضيف -رحمه الله تعالى-: "وكل من ذكرنا من تلاميذ أبي الأسود كانوا من قراء الذكر الحكيم، وكان يُؤخذ عنهم النقطان جميعًا، نقط الإعراب، ونقط الإعجام، وكان ذلك عملًا خطيرًا حقًّا، فقد أحاطوا لفظ القرآن الكريم بسياج يمنع اللحن فيه؛ مما جعل بعض القدماء يظن أنهم وضعوا قواعد الإعراب أو أطرافًا منها، وهم إنما رسموا في دقة نقط الإعراب لا قواعده، كما رسموا نقط الحروف المعجمة من مثل: الباء والتاء والثاء والنون". انتهى.
بيد أن أول نحوي نجد عنده طلائع البحث الدقيق في مجال التعليل النحوي هو عبد الله بن إسحاق الحضرمي، المتوفى سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة، فهو
стр. 7
النحوي البصري الذي يُمثل نقطة تحول في تاريخ الدراسات النحوية، وفيه يقول ابن سلام: "كان أول من بعج النحو -أي: فتقه-، وفصل القول فيه، ومد القياس، وشرح العلل". انتهى. وكان يقال: عبد الله أعلم أهل البصرة وأعقلهم، ففرع النحو وقاسه، وتكلم في الهمز حتى عُمل كتاب مما أملاه، وكان رئيس الناس وواحدهم، وتلا ابن إسحاق أهم تلاميذه وهو عيسى بن عمر الثقفي البصري، المتوفى سنة تسع وأربعين ومائة من الهجرة، وقد مضى على درب أستاذه مولعًا بالقياس والتعليل، لكنه كان إلى جانب هذا مولعًا كذلك بالغريب والتشادق، والتقعر في كلامه، وهو صاحب كتابي (الجامع) و (الإكمال)، وقد نوَّه عن فضلهما الخليل بقوله:
ذهب النحو جميعًا كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك إكمال وهذا جامع ... فهما للناس شمس وقمر
وهما بابان صارا حكمة ... وأراحا من قياس ونظر
وقد اندثرا ولم يصلنا منهما شيء، وذكر صاحب (المدارس النحوية) أن عيسى بن عمر كان مثل ابن أبي إسحاق يطعن على العرب الفصحاء إذا خالفوا القياس، وهو الذي مكَّن للنحو وقواعده التي اعتمد عليها تلميذه الخليل، ومن تلاه من البصريين؛ سواء في محاضراته وإملاءاته، أو في مصنفاته، وقد توفي تاركًا للخليل جهوده النحوية؛ كي يتم صرح النحو، ويكمل تشييده.
وننتقل من عيسى بن عمر إلى تلميذه الخليل بن أحمد، الذي وصف الدكتور مازن المبارك صاحب (النحو العربي)، وصف عصره بأنه ذروة البناء النحوي بما اتصف به من شمول وإحاطة وبراعة في استعمال القياس، وكان أعظم النحويين حظًّا، وأبعدهم أثرًا بما ترك من أثر رائع في كتاب سيبويه، وقد عزا الزبيدي عدم
стр. 8
تأليفه في النحو إلى الترفع بنفسه وبقدره، بعد أن سُبق إلى التأليف فيه، فكره أن يكون لمن تقدمه تاليًا، وعلى نظر من سبقه محتذيًا، واكتفى في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه، ولقنه من دقائق نظره، ونتائج فكره، ولطائف حكمته؛ فحمل سيبويه ذلك عنه وتقلده، وألف فيه (الكتاب) الذي أعجز من تقدم قبله، كما امتنع على من تأخر بعده.
أما واسطة العقد ودُرة تاج العربية وإمام النحو والنحاة، فهو عمرو بن عثمان بن قنبر بفتح القاف أو قُنبر بضمها وسكون النون مع فتح الباء، وضبطه الزبيدي في (تاج العروس) مادة قنبر بضم ففتح فسكون، وكنيته أبو بِشر، وأبو الحسن، وأبو عثمان، ولقبه سيبويه، وهي كلمة فارسية تتكون من سيب بمعنى التفاح، وويه بمعنى الرائحة، فمعنى التركيب كما قيل: رائحة التفاح. ويعللون هذا التلقيب بأن وجنتيه كانتا كأنهما تفاحتان، وكان غاية في الجمال، وقيل؛ لأن من يلقاه كان لا يزال يشم منه رائحة التفاح.
وقد وصل كتاب سيبويه إلى درجة من النضج لم يصل إليها كتاب في النحو قبله، ولن يبلغها كتاب بعده، حتى قال أبو عثمان المازني: "من أراد أن يعمل كتابًا كبيرًا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحيِ مما أقدم عليه"، ولم يكتف سيبويه في (الكتاب) بجمع آراء الخليل وغيره من النحاة الأولين الذين شافهوا العرب الخلص فحسب، بل كان يناقش هذه الآراء بثاقب فكره وصائب رأيه، وقوة حجته، وغزارة مادته التي جمع الكثير منها عن طريق مشافهته العرب في البوادي، وقد حفل كتاب سيبويه بالمسموع من العرب، كما تكثر التعليلات فيه كثرة لافتة للنظر، فلا يكاد يترك حكمًا من غير تعليل، وهو لا يعلل فقط لما كثر في ألسنتهم، واستنبطت على أساسه القواعد؛ بل يعلل أيضًا لما يخرج على تلك
стр. 9
القواعد، كما قال (صاحب المدارس النحوية)، وكأنما لا يوجد أسلوب، ولا توجد قاعدة دون علة.
ونختم هذا العنصر بالحديث عن علم كبير من أعلام المدرسة الكوفية عاش في القرن الثاني الهجري، وكان له اهتمام بالغ بالتعليل النحوي باعتباره أهم أركان القياس، وهو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي، المولود بالكوفة في سنة تسع عشرة ومائة من الهجرة، وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة من الهجرة، وقد قالوا عنه: إنه يُعدُّ إمام مدرسة الكوفة، فهو الذي وضع رسومها، ووطأ منهجها، وهو أعلم الكوفيين بالعربية والقرآن، وهو قدوتهم وإليه يرجعون.
يقول عنه الدكتور مهدي المخزومي في كتابه (مدرسة الكوفة): "وكان من تأثير العقل البصري فيه أن نزع منزع القياسيين في اعتماده واعتداده على القياس، ومغالاته فيه، حتى نسب إليه أنه قال:
إنما النحو قياس يتبع ... وبه في كل أمر ينتفع
وكان من تأثير العقل الكوفي فيه أن احتذى خطوات الفراء في العناية بالروايات اللغوية المنقولة بسند صحيح، والقياس عليها في الوقت الذي كان البصريون يعدونها، أو يعدون كثيرًا منها شواذ؛ لأنها خرجت على أصولهم التي تُعنى -كما يزعمون- بالأغلب، حتى كان القائل البصري يقول: إن الكسائي كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز من الخطأ واللحن، وشعر غير أهل الفصاحة والضرورات، فيجعل ذلك أصلًا ويقيس عليه حتى أفسد النحو.
وكان القائل الآخر يقول: قدم علينا الكسائي بالبصرة فلقي عيسى والخليل وغيرهما، وأخذ منهم نحوًا كثيرًا، ثم صار إلى بغداد فلقي أعراب الحطمية، فأخذ عنهم الفساد من الخطأ واللحن؛ فأفسد بذلك ما كان أخذه بالبصرة كله"،
стр. 10
ويعلق الدكتور مهدي المخزومي على ما قال البصريون، مدافعًا عن الكسائي بقوله: "فاعتماد الكسائي على قوم وثق بهم وروايته عنهم، وهو ما لم يستسغه البصريون انعكس في نفوس البصريين في صورة إفساد للنحو، وليس هو إفسادًا له، ولكنه في الواقع خروج على ما ألفه البصريون". انتهى.
ويقول عن قياسه في موضع آخر: "ولكن قياسه يختلف عن قياس البصريين من حيث التطبيق، فبينما نجد البصريين يكونون أصلًا من الأصول بعد استقراء يقتنعون بصحة نتائجه، ويقيسون المسائل الجزئية عليه إذا توافر فيها علة ذلك الأصل؛ إذ نجد الكسائي يكتفي بالشاهد الواحد بسمعه من أعرابي يثق بفصاحته ليقيس عليه، وإن كان هذا الشاهد المسموع مما لا نظير له، أو مما يعدُّه البصريون شاذًّا لا يُعتدُّ به، وربما ضبطه البصريون ربما غمطوه ولحنوه؛ لأن مصادر سماعهم التي رسموها وقيدوا بها الدارسين لم يلتزم بها الكسائي، بل وسع دائرة مصادره حتى ألحق بها أعراب الحطمية، وأعراب سواد بغداد، وهم عند البصريين من غير أهل الفصاحة، وممن لا يجوز الأخذ عنهم. فاعتداد الكسائي وأخذه عنهم يُعد في نظرهم إفسادًا للغة وقواعدها".
ثم يقول: "وهذا الإفساد الذي اتهم البصريون به الكسائي إنما هو لإفساد أصولهم ومقرراتهم، أما كونه يمس النحو، فيحتاج إلى برهان، لا أظنهم استطاعوا أن يأتوا به" انتهى، ويسير الدكتور شوقي ضيف ﵀ على درب الدكتور المخزومي فيذكر مدافعًا عن وجهة نظر الكسائي أنه من المؤكد أن الكسائي تلقن عن الخليل وسيبويه وعيسى بن عمر معرفة العلل والأقيسة، بل كان يؤمن بأن النحو إنما هو ضروب من القياس، وما يطوى فيه من علل وحجج تشده وتقيم أوده، وحقًّا إنه توسع في القياس فلم يقف به عند المستعمل الشائع على الألسنة، ولا عند أعراب البدو؛ بل مده ليشمل ما ينطق به العرب
стр. 11
المتحضرون ممن يمكن أن يكون قد دخل اللحن على ألسنتهم في رأي البصريين، ولعله من أجل ذلك ألَّف كتابه في لحن العوام؛ ليدل على أنه كان يفرق بين لغات العرب وبين هذا اللحن.
وأهم من ذلك أنه مدَّ النحو ليشمل الشاذ النادر من تلك اللغات مما لم يكن سيبويه والخليل يحفلان به، ولا يريان له قدرًا، ثم قال: "وأكبر الظن أن الذي دفع الكسائي إلى هذا الموقف من نحوهما، وأن يفسح في العربية للغات الشاذة النادرة أنه كان من القراء للذكر الحكيم، وكانت تجري في قراءته حروف تشذُّ على قواعد النحو البصري؛ فخشي أن يُظن بهذه الحروف أنها غير جائزة، وأنها لا تجري على العربية السليمة، وربما خشي اندثارها، وهي جميعًا مروية عن الرسول ﷺ غير أن منها ما هو متواتر، وهو القراءات السبع، ومنها ما هو غير متواتر وهو ما وراءها من قراءات، وجميعها صحيح، وينبغي أن نتوسع في قواعد النحو والصرف حتى تشمله" انتهى.
بعض أمثلة العلة النحوية عند المتقدمين من علماء القرن الثاني الهجري في ضوء ما ورد في كتاب سيبويه
قد علمت أن كتاب سيبويه أقدم مصدر نحوي وصل إلينا، وأنه قد حفل بالعلة النحوية، فلا تكاد ترى فيه حكمًا نحويًّا صادرًا عن سيبويه، أو عن أحد شيوخه الذين عُنوا بالقياس والتعليل قد أورده سيبويه غفلًا من ذكر علته، ونستعرض هنا طرفًا من أمثلة العناية بالعلة عند المتقدمين في ضوء ما ورد منها في كتاب سيبويه.
أولًا: من تعليلات شيخ سيبويه الأخفش الأكبر، وهو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد مولى قيس بن ثعلبة من أهل هجر، وأول الأخافشة الثلاثة
стр. 12
المشهورين، أخذ من أبي عمرو بن العلاء وطبقته، ولقي الأعراب فأخذ عنهم، وتوفي بالسنة السابعة والسبعين بعد المائة من الهجرة، ومن تعليلاته ما ذكره سيبويه في (الكتاب) في باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره من المصادر في غير الدعاء، قال: "زعم أبو الخطاب أن سبحان الله كقولك: براءة الله من السوء، كأنه يقول: أبرئ براءة الله من السوء، وزعم أن مثله قول الشاعر وهو الأعشى:
أقول لما جاءني فخره ... سبحان مِن علقمة الفاخر
أي: براءة منه، وأما ترك التنوين في سبحان، فإنما تُرك صرفه لأنه صار عندهم معرفة، وانتصابه كانتصاب الحمد لله. وزعم أبو الخطاب أن مثله قولك للرجل: سلامًا، تريد تسلمًا منك، كما قلت: براءة منك، تريد لا ألتبس بشيء من أمرك، وزعم أن أبا ربيعة كان يقول: إذا لقيت فلانًا فقل له: سلامًا، فزعم أنه سأله ففسره له بمعنى براءة منك، وزعم أن هذه الآية ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: ٦٣) بمنزلة ذلك؛ لأن الآية فيما زعم مكية، ولم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على قولك: براءة منكم وتسلمًا، لا خير بيننا وبينكم ولا شر، وزعم أن قول الشاعر وهو أمية بن أبي الصلت:
سلامك ربنا في كل فجر ... بريئًا ما تغنثك الذموم
على قوله: براءتك ربنا من كل سوء، فكل هذا ينتصب انتصاب حمدًا وشكرًا، إلا أن هذا ينصرف وذاك لا ينصرف" انتهى.
هذا النص يعلل فيه الأخفش الأكبر نصب "سبحان الله"، فيذكر أنه كقولك: براءة الله من السوء؛ أي: أبرئ براءة الله من السوء، أي: أنه منصوب على
стр. 13
المصدرية بفعل محذوف وجوبًا لا يُستعمل، وهو "سَبَحَ" الثلاثي كأنه قال: سَبَحَ سبحانًا، كما يقال: كَفَرَ كفرانًا، وشكر شكرانًا، ومعناه: التبرئة والبراءة من كل ما لا يليق أن يوصف به، فهو واقع موقع التسبيح الذي هو المصدر الحقيقي للفعل سبح، ولزومه للنصب من أجل أنه لا يتمكن في موضع المصادر؛ إذ لا يأتي إلا مصدرًا منصوبًا مضافًا وغير مضاف، وهو غير مصروف؛ لجعله علمًا للتسبيح، وجريه مجرى عثمان ونحوه من الأعلام المختومة بالألف والنون الزائدتين.
وذكر أبو الخطاب أن سبب منعه من الصرف العلمية وزيادة الألف والنون، وذكر أن من مجيئه غير مضاف وغير مصروف قول الأعشى:
... ... ... ... ... سبحان مِن علقمة الفاخر
ومعناه براءة من علقمة، يقول هذا لعلقمة بن علاثة الجعفري في منافرته لعامر بن الطفيل، وكان الأعشى قد فضل عامرًا، وتبرأ من علقمة وفخره أي: لما سمعت أن علقمة يُفاخر عامرًا تبرأت من قبح فعل علقمة وأنكرته، وواصل الأخفش الأكبر حديثه لسيبويه، فذكر أن مثل ذلك أي: من مجيء الاسم منصوبًا على المصدرية بفعل غير مستعمل قولك للرجل: سلامًا تريد تسلمًا منك أي: براءة منك، وعلى ذلك جاءت الآية الكريمة في سورة الفرقان ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ أي: براءة منكم، وقول أمية بن أبي الصلت: سلامك ربنا ... إلى آخر البيت. الشاهد فيه قوله: سلامك، ونصبه على المصدر الموضوع بدلًا من اللفظ بالفعل، ومعناه البراءة والتنزيه، وهو بمنزلة سبحانك في المعنى وقلة التمكن في مواضع المصادر، وبريئًا في البيت منصوب على الحال المؤكدة، والتقدير: أبرئك بريئًا؛
стр. 14
لأن معنى سلامك كمعنى أبرئك، ومعنى تغنثك تعلق بك، والأصل تتغنثك؛ فحذفت إحدى التاءين والذموم جمع الذم.
ثانيًا: من تعليلات شيخ سيبويه عيسى بن عمر الثقفي المتوفى سنة تسع وأربعين ومائة من الهجرة، قال سيبويه في (الكتاب) في باب ما ينتصب فيه الصفة لأنه حال وقع فيه الألف واللام: "وكان عيسى يقول: ادخلوا الأولُ فالأول، لأن معناه ليدخل، فحمله على المعنى، وليس بأبعد من: لِيُبك يزيد ضارع لخصومة" انتهى.
وتفصيل هذا الأمر أن الأصل في الحال أن تكون نكرة لا معرفة، وذلك على سبيل اللزوم؛ لأن الغالب أن تكون مشتقة، وأن يكون صاحبها معرفة، فالتزم تنكيرها؛ لئلا يتوهم كونها نعتًا إذا كان صاحبها منصوبًا، وحمل غيره عليه، فإن وردت بلفظ المعرفة أُوِّلت بنكرة؛ محافظة على ما استقر لها من لزوم التنكير، ومما سمع من ذلك قول العرب: ادخلوا الأول فالأول. فاللفظ الأول الواقع بعد واو الجماعة منصوب على الحالية من الواو، والثاني معطوف عليه بالفاء، وهما بلفظ المعرف بأل، فيؤولان بنكرة أي: مرتبين واحدًا فواحدًا.
بيد أن سيبويه حكى أن عيسى بن عمر كان يقول: "ادخلوا الأول فالأول"، معللًا ذلك بقوله: "لأن معناه ليدخل"، أي: بإضمار فعل بالحمل على المعنى أي: بقرينة المعنى. وبيان ذلك أن فعل الأمر لا يسند إلى الاسم الظاهر، وعيسى بن عمر ليس ممن يغتفرون في التابع ما لا يُغتفر في المتبوع، فلا يصح عنده أن يكون الرفع على البدلية من واو الجماعة؛ لأن البدل على نية إحلاله محل المبدل منه، ولا يصح هنا هذا الإحلال؛ إذ لا يقال: ادخل الأول فالأول بالرفع على الفاعلية بخلاف نحو: دخلوا الأول فالأول، فإن رفع ما بعد واو الجماعة على
стр. 15
البدلية من واو الجماعة، واللفظ الثاني معطوف عليه، وصح جعل الأول بدلًا وحمله على الفعل؛ لصحة إحلاله محل المبدل منه، إذ يجوز أن يقال: دخل الأول فالأول.
ويجوز أن يكون الرفع على البدلية عند من يغتفر في التابع ما لا يُغتفر في المتبوع كأبي سعيد السيرافي الذي خرج الرفع على البدلية من واو الجماعة، وقال في شرحه على كتاب سيبويه معلقًا على حمل الرفع على المعنى: "ولم يجز ذلك سيبويه، لأن لفظ الأمر للمواجَه -يعني: للمخاطب- لا يجوز أن يُعرى من ضمير، وإذا أبدل الظاهر منه فكأنه لا ضمير فيه، ألا ترى أنه لا يجوز: ادخلا الزيدان، ولا ادخلوا غلمان زيد، فتبدل من ضمير الاثنين والجماعة المخاطبين لأنا لا نقول: ادخل غلمان زيد، فإذا أبدلنا؛ فقد أبطلت الواو، ولم يفسر سيبويه علته، بل جوزه على وجه من وجوه ما يُحمل على المعنى".
هذا وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16
الدرس: ٢ أمثلة العلة النحوية للخليل وسيبويه .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني
(أمثلة العلة النحوية للخليل وسيبويه)
بعض أمثلة التعليل النحوي للخليل بن أحمد، وسيبويه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
المثال الأول: قال سيبويه في (الكتاب) في باب الأفعال التي تستعمل وتلغى: "وسألته عن أيهم، لم لم يقولوا: أيهم مررت به؟ فقال: لأن أيهم هو حرف الاستفهام لا تدخل عليه الألف، وإنما تركت الألف استغناء، فصارت بمنزلة الابتداء، ألا ترى أن حدَّ الكلام أن تؤخِّر الفعل فتقول: أيهم رأيت، كما تفعل ذلك بالألف، فهي نفسها بمنزلة الابتداء" انتهى. ذكر السيرافي أن قول سيبويه في (الكتاب): "وسألته" إنما يعني به الخليل، وكذلك كل ما ورد في (الكتاب) مثله إذا لم يتقدم ذكر عالم غيره، فسيبويه يسأل شيخه الخليل لِمَ لم يجز نصب اسم الاستفهام أيٍّ بفعل مضمر يُفسره الفعل المذكور، كما اختير في قولك: أزيدًا ضربته. فأجابه الخليل بأن هناك فرقًا بين التعبيرين، فنحن إذا قلنا: أزيدًا ضربته، فأداة الاستفهام -وهي الهمزة- منفصلة من زيد بمعنى: أنها كلمة مستقلة عنه قائمة بنفسها، وهي بالفعل أولى؛ إذ الغالب دخولها على الأفعال، فأضمرنا بينها وبين زيد فعلًا ينصبه.
أما أي في المثال فهي اسم متضمن معنى همزة الاستفهام، مثل من وما، وسائر أسماء الاستفهام، فلا تدخل عليها همزة الاستفهام التي يغلب دخولها على الأفعال؛ لأن الاستفهام لا يدخل على الاستفهام، ولتضمنها معنى الاستفهام صار لها الصدارة كالهمزة، فلا يعمل فيها متقدم عليها، وصار حد الكلام أن تؤخر الفعل عنها فتقول مثلًا: أيهم رأيت، فالمثال الذي فيه أي هنا بمنزلة قولنا: زيد ضربته في اختيار رفع الاسم المتقدم، وما أجاز نحو: زيدًا ضربته، بنصب زيد بمرجوحية، بتقدير: ضربت زيدًا ضربته، يجيز أن يقال: أيَهم مررت به،
стр. 17
بنصب أي بمرجوحية أيضًا، مقدرًا فعلًا ناصبًا من معنى الفعل المذكور لا من لفظه، فالتقدير عنده: أيهم جزت مررت به أو أيهم لاقيت مررت به. وهكذا يسأل سيبويه شيخه الخليل عن الحكم فيجيبه عنه مشفوعًا بعلته.
والمثال الثاني: قال سيبويه في (الكتاب): "وزعم الخليل ﵀ أن الألف واللام إنما منعهما أن يدخلا في النداء، من قبل أن كل اسم في النداء مرفوع معرفة، وذلك أنه إذا قال: يا رجل، ويا فاسق فمعناه كمعنى يا أيها الفاسق ويا أيها الرجل، وصار معرفة، لأنك أشرت إليه وقصدت قصده، واكتفيت بهذا عن الألف واللام، وصارت كالأسماء التي هي للإشارة نحو: هذا وما أشبه ذلك، وصار معرفة بغير ألف ولام؛ لأنك إنما قصدت قصد شيء بعينه، وصار هذا بدلًا في النداء من الألف واللام، واستغني به عنهما، كما استغنيت بقولك: اضرب عن لتضرب، وكما صار المجرور بدلًا من التنوين، وكما صارت الكاف في رأيتك بدلًا من رأيت إياك" انتهى.
يذكر سيبويه في هذه الفقرة نقلًا عن الخليل ﵀ علة منع النداء ما فيه "ال" في الاختيار من غير ما استثني، ومجمل هذه العلة أن النداء يُفيد التعريف، وال تفيد التعريف، ولا يُجمع بين معرِّفين على معرَّف واحد، فلا يدخل حرف تعريف على حرف تعريف، كما لا يدخل فعل على فعل؛ لأنه لا يقتضيه، وإنما يدخل الفعل والحرف على مقتضاهما، قيل: ولهذا لا يجوز الجمع بين تعريف النداء وتعريف العلمية في الاسم المنادى العلم نحو: يا زيد، بل يُعرى عن تعريف العلمية تقديرًا، ويعرف بالنداء، فإذا لم يجز الجمع بين تعريفين: أحدهما بعلامة لفظية والآخر بعلامة معنوية، فمن طريق الأَولى ألا يجوز الجمع بين تعريفين كلاهما بعلامة لفظية.
стр. 18
قال السيرافي: "وقوله: واستغنيت بقولك: اضرب عن لتضرب؛ لأن الأصل عنده -أي: عند سيبويه- لتضرب، واضرب داخلة عليها، وإنما صار كذلك؛ لأن الأمر يقتضي النهي، والنهي لا يكون إلا بحرف كقولك: لا تضرب زيدًا، فينبغي أن يكون الأمر بحرف يوجب الإعراب، ويقوي تعريفه -يعني: تعريف النداء- أن يونس زعم أنه سمع من العرب من يقول: يا فاسق الخبيث، ويقوي أنه معرفة أيضًا، ترك التنوين؛ لأنه اسم شُبه بالأصوات، فيكون معرفة إذا لم ينون، وينون إذا كان نكرة، ألا ترى أنهم قالوا: هذا عمرويه وعمرويه آخر"، انتهى.
والمثال الثالث: في باب المنفي المضاف بلام الإضافة قال سيبويه في (الكتاب): "اعلم أن التنوين يقع من المنفي في هذا الموضع إذا قلت: لا غلام لك، كما يقع من المضاف إلى اسم، وذلك إذا قلت: لا مثل زيد، والدليل على ذلك قول العرب: لا أبا لك، ولا غلامي لك، ولا مسلمي لك، وزعم الخليل ﵀ أن النون إنما ذهبت للإضافة، ولذلك ألحقت الألف التي لا تكون إلا في الإضافة، وإنما كان ذلك من قِبل أن العرب قد تقول: لا أباك في معنى لا أبا لك، فعلموا أنهم لو لم يجيئوا باللام؛ لكان التنوين ساقطًا كسقوطه في لا مثل زيد، فلما جاءوا بلام الإضافة تركوا الاسم على حاله قبل أن تجيء اللام؛ إذ كان المعنى واحدًا، وصارت اللام بمنزلة الاسم الذي ثُنِّي به في النداء، ولم يغيروا الأول عن حاله قبل أن تجيء به، وذلك قولك: يا تيم تيم عدي. وبمنزلة الهاء إذا لحقت طلحة في النداء لم يغيروا آخر طلحة عما كان عليه قبل أن تلحقه، وذلك قولهم:
كِليني لهمٍّ يا أميمة ناصب ... .... ..... ....... .......
стр. 19
ومثل هذا الكلام قول الشاعر إذا اضطر النابغة:
.... ..... ....... ....... ... يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام
حملوه على أن اللام لو لم تجئ لقلت: يا بؤس الجهل"، انتهى. وبيان ذلك أنه إذا وقع بعد الاسم المفرد المنفي بلا النافية للجنس، إذا وقع بعده اسم مجرور باللام، فالأصل والقياس أن يكون الاسم مبنيًّا مركبًا مع لا وأن يكون الجار والمجرور بعدهما في موضع النعت للاسم، أو في موضع الخبر كما قال السيرافي فيقال: لا غلام لك، ولا أبا لزيد، ولا أخ لعمرو، إلى آخره، كما قال نهار بن توسعة اليشكري:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
وكما قال الآخر:
هذا لعمركم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
غير أن العرب قالوا: لا أبا لك ولا غلامَي لك، ولا مسلمي لك، مخالفين بذلك الأصل والقياس، وقد اختلف النحاة في توجيه هذه الأساليب الخالية عن القياس على ثلاثة مذاهب، والذي يعنينا من هذه المذاهب هنا مذهب الخليل وسيبويه والجمهور، وهو أن اسم "لا" في العبارات المذكورة ونحوها مضاف إلى المجرور باللام، فهو معرب منصوب، أما اللام الواقعة بين المتضايفين فهي زائدة مقحمة بين المضاف والمضاف إليه لأمرين؛ الأمر الأول: لتأكيد الإضافة، إذ الإضافة في هذه العبارات ونحوها على معنى اللام، فاللام الظاهرة تأكيد للام المقدرة التي الإضافة بمعناها، كتيم الثاني في قولهم: يا تيم تيم عدي. والأمر الثاني: للفصل بين المتضايفين لفظًا حتى يصير المضاف كأنه ليس بمضاف، فلا يستنكر لفظه، وهم قد قصدوا نصب هذا المضاف المعرف بلا من غير تكرير لا تخفيفًا، وحق
стр. 20
المعارف المنفية بلا الرفع مع تكرير لا. والدليل على قصدهم هذا الغرض أنهم لا يعاملون المنفي المضاف إلى النكرة هذه المعاملة، فلا يقولون مثلًا: لا أبا لرجل حاله كذا، ولا غلامي لشخص نعته كذا.
ونلحظ من النص السابق أن الخليل وسيبويه -رحمهما الله- قد عللا ذهاب النون في المثنى والجمع الذي على حده في الأساليب المذكورة ونحوها، ولحاق الألف في الأسماء الستة فيها بالإضافة، كما عللا كون اللام فيها زائدة مقحمة بأن العرب قد تقول في الشعر للضرورة: لا أباك في معنى لا أبا لك أي كقول مسكين الدارمي:
وقد مات شماخ ومات مزرد ... وأي كريم لا أباك يخلد
كما أبرزا -أي: الخليل وسيبويه- اسم لا في التراكيب المذكورة في صورة غير المعرف بالإضافة، وذلك بالتنظير بقولك: لا مثل زيد، ومن المعلوم أن إضافة مثل إلى المعرف لا تفيد تعريفه، كما نظرا كذلك لإقحام اللام بين المتضايفين من غير أن تُحدث تغييرًا في إعراب الاسم المنفي المضاف إلى ما بعدها بثلاثة أمور، كلها سُمعت عن العرب في أسلوب النداء، وهي؛ أولًا: قول العرب: يا تيم تيم عدي بفتح الأول، فمذهب سيبويه أنه منادى معرب منصوب؛ لأنه مضاف إلى ما بعد الثاني أي: أنه مضاف إلى عدي، ففتحته فتحة إعراب. أما الثاني: المتوسط بينهما فهو مقحم بينهما بين المتضايفين، وعومل في منع التنوين معاملة الأول.
الأمر الثاني: قول العرب: يا طلحة أقبل. المنادى هنا مفرد معرفة، لكنه -كما ذكر سيبويه والخليل- بتقدير حذف التاء التي كان ينتهي بها هذا الاسم المنادى للترخيم على لغة من ينتظر، فصار المنادى يا طلح بالحاء فقط، بفتح الحاء كما
стр. 21
كانت قبل حذف التاء؛ لأنه على لغة من ينتظر المحذوف، ثم إقحام التاء المذكورة وترك الاسم على حاله، التي كان عليها قبل الإقحام، فالتاء المذكورة في قولهم: يا طلحة هي مقدر إقحامها بين الحاء وبين التاء الأصلية التي حذفت للترخيم. والأمر الثالث: قول النابغة الذبياني:
كليني لهمٍّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
وقد فعل الشاعر بأميمة ما فعلوا بطلحة من الترخيم والإقحام، الترخيم بحذف التاء الأصلية، وإقحام هذه التاء المذكورة مقدرًا توسطها بين الميم وبين التاء الأصلية.
والمثال الرابع: في باب الجزاء يقول سيبويه: "وزعم الخليل أن إنْ هي أم حروف الجزاء، فسألته: لم قلت ذلك؟ فقال: من قبل -يعني: من جهة- أني أرى حروف الجزاء قد يتصرفن، فيكن استفهامًا، ومنها ما يفارقه ما؛ فلا يكون فيه الجزاء، وهذه -وهي إن- على حال واحدة أبدًا لا تفارق المجازاة" انتهى.
يذكر الخليل لتلميذه سيبويه أن إن هي أم حروف الجزاء، فيسأله عن علة ذلك، لم كانت إن أم حروف الجزاء؟ فيبادره بذكر العلة، وهي أنها دون سائر ما يجازى به تدخل على الجزاء في جميع وجوهه، وليست كذلك سائر ما يجازى به، أي: لأن مَن الأصل أن يُجازى بها فيمن يعقل، وما ومهما فيما لا يعقل، وأيًّا فيما له أجزاء، ومتى وأيان للزمان، وأين وأن وحيثما للمكان، وإذن يتكلم بها القليل منهم، وما كل العرب تعرفها كما قال السيرافي. كما أن إن قد اتفق النحاة على أنها حرف وُضع للدلالة على مجرد التعليق أي: تعليق وقوع الجواب على وقوع الشرط، كما اتفقوا على أن مَن وما ومتى وأيًّا وأيان وأين وحيثما أسماء، تضمنت معنى الشرط، واختلفوا في إذما ومهما، أما إذما فهي حرف عند سيبويه
стр. 22
بمنزلة إن، وأما مهما فهي اسم على الأصح بمعنى ما؛ خلافًا للسهيلي الذي زعم أنها تأتي حرفًا.
فالخلاصة: أن إن هي حرف عند الجميع، والتعليق معنى، والأصل في المعاني أن تؤدى بالحروف، لكل ذلك كانت إن أم أدوات الشرط والجزاء.
ولعلك تلحظ أن الأحكام النحوية وعللها قد امتزجت في (الكتاب) وتلاحمت عند الخليل وسيبويه، فلا تكاد تفرق بين الخليل وشيخه فيها، وكأن سيبويه يرى أنه وشيخه بمنزلة علم واحد، وكأنه ذاب في شيخه، أو ذاب فيه شيخه، فإن عرفت صاحب الحكم فلا تعرف من صاحب العلة، اللهم إلا إذا كان لسيبويه رأي آخر، ومن ذلك مثلًا ما ورد في (الكتاب) في باب عنوانه: باب آخر من أبواب أن، يقول سيبويه في هذا الباب: "وسألت الخليل عن قوله جل ذكره: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: ٥٢) بفتح الهمزة في قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، فقال: إنما هو على حذف اللام، كأنه قال: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون، وقال: ونظيرها ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ (قريش: ١)؛ لأنه إنما هو لذلك فليعبدوا، فإن حذفت اللام من أن فهو نصب، كما أنك لو حذفت اللام من ﴿لِإِيلَافِ﴾ كان نصبًا".
ثم قال: "ولو قال إنسان: إن أن في موضع جر في هذه الأشياء، ولكنه حرف كثر استعماله في كلامهم؛ فجاز فيه حذف الجار كما حذفوا رب في قولهم: وبلد تحسبه مكسوحًا، لكان قولًا قويًّا، وله نظائر نحو قوله: لاه أبوك، والأول قول الخليل" انتهى.
يشير هذا النص إلى رأي كل من الخليل وسيبويه في موقع المصدر المؤول الذي يُحذف منه الجار قياسًا مطردًا، ما موقعه بعد حذف الجار، فالخليل يرى أنه في
стр. 23
موضع نصب على نزع الخافض، وسيبويه أجاز هذا، كما أجاز أن يكون في موضع جر معللًا ذلك بأن هذا الموضع كثر استعماله، فجاز فيه حذف الجار قياسًا على حذف رُب، واعتمادًا على نظائره من نحو قولهم: لاه أبوك، والأصل لله أبوك. وقد نبه سيبويه على أن هذا الرأي الأول إنما هو لشيخه الخليل.
العلة النحوية في القرن الثالث الهجري
مع بداية القرن الثالث الهجري ظهرت عند بعض النحويين فكرة تخصيص العلة النحوية بمؤلفات خاصة بها، مقصورة عليها، فألف تلميذ سيبويه أبو علي محمد بن المستنير الذي أطلق عليه شيخه سيبويه لقب قطرب، والمتوفى سنة ست ومائتين من الهجرة، ألف كتاب (العلل في النحو) كما ألف أبو عثمان المازني المتوفى سنة تسع وأربعين ومائتين من الهجرة على الراجح، ألف في علل النحو أيضًا كتابًا، ثم ظهر من وجّه عناية فائقة بالتعليل، وكان من أعمدة المدرسة البصرية، وهو محمد بن يزيد المعروف بالمبرد المتوفى سنة خمس وثمانين ومائتين.
وقال عنه ابن جني: "يُعدُّ جيلًا في العلم، وإليه أفضت مقالات أصحابنا أي: البصريين، وهو الذي نقلها، وقررها، وأجرى الفروع، والعلل، والمقاييس عليها" انتهى. وقال عنه الأزهري في مقدمة (تهذيب اللغة): "كان أعلم الناس بمذاهب البصريين في النحو ومقاييسه"، وقال عنه صاحب (المدارس النحوية): وكان يحتكم دائمًا إلى القياس ولكنه لم يكن يقدمه على السماع عن العرب، بحيث يرفض ما ورد على ألسنتهم، أو قل، أو كثر على ألسنتهم؛ فقد كان يرد ما يخالف الكثرة الكثيرة الدائرة في أفواههم، ولكن حين لا توجد هذه الكثرة كان يُفسح للقياس، وكذلك كان يفسح له حين يشيع استعمال بين العرب، وليس
стр. 24
معنى ذلك أنه كان يقيس على الشاذِّ والنادر؛ إنما كان يقيس على ما سمع كثيرًا قائلًا: إذا جعلت النوادر والشواذ غرضك، واعتمدت عليها في مقاييسك كثرت زلاتك"، انتهى. وإليك طرفًا من تعليلاته التي حفل بها كتابه (المقتضب):
أولًا: في أول الجزء الثاني من (المقتضب): هذا باب إعراب الأفعال المضارعة، وكيف صار الإعراب فيها دون سائر الأفعال، يعلل لإعراب الفعل المضارع دون سائر الأفعال، فيذكر أن الأفعال إنما دخلها الإعراب لمضارعتها الأسماء، ولولا ذلك لم يجب أن يُعرب منها شيء، وذلك أن الأسماء هي المعربة، وإنما دار على الأسماء من الأفعال ما دخلت عليه زائدة من الزوائد الأربع، يريد ما بُدئ بحرف من أحرف المضارعة الأربعة، ويصلح لوقتين يعني: للحال وللاستقبال، ويعلل للمضارعة بقوله: "وإنما قيل لها مضارعة، لأنها تقع مواقع الأسماء في المعنى ... " إلى آخره.
ثانيًا: في باب إضافة العدد واختلاف النحويين فيه، يبطل مذهب القائلين بتعريف العدد بإدخال الألف واللام على غير ما ذهب إليه البصريون، سواء أكان العدد مضافًا أم مركبًا، وهو أحد عشر وتسعة عشر وما بينهما، أم لفظًا من ألفاظ العقود. قال: "اعلم أن قومًا يقولون: أخذت الثلاثة الدراهم يا فتى، وأخذت الخمسة عشرة درهم، وبعضهم يقول: أخذت الخمسة العشرة درهم، وأخذت العشرين الدرهم التي تعرف. وهذا كله خطأ فاحش، وعلة من يقول هذا الاعتلال بالرواية، يريد بالنقل عن العرب، لا أنه يصيب له في قياس العربية نظيرًا. وإنما يبطل هذا القول أن الرواية عن العرب الفصحاء خلافه، فرواية برواية، والقياس حاكم بعدُ، أنه لا يضاف ما فيه الألف واللام من غير الأسماء المشتقة من الأفعال، يريد أن ألا تدخل على المضاف في غير الإضافة غير المحضة،
стр. 25
وفي المواضع التي نبَّه عليها النحاة قال: لا يجوز أن تقول: جاءني الغلام زيد؛ لأن الغلام معرف بالإضافة، وكذلك لا تقول: هذه الدار عبد الله ولا أخذت الثوب زيد.
وأما قولهم: الخمسة العشر فيستحيل من غير هذا الوجه، يريد لعلة أخرى، ويبين هذه العلة بقوله: لأن خمسة عشر بمنزلة حضرموت، وبعلبك، وقالقلا، وعيدسبا، وما أشبه ذلك من الاسمين اللذين يجعلان اسمًا واحدًا، فإذا كان شيء من ذلك، فإن تعريفه أن يجعل الألف واللام في أوله. وأما العشرون الدرهم فيستحيل من وجه ثالث ... " إلى آخره.
والمثال الثالث: في باب ما يُعرب من الأسماء وما يبنى يقول: "اعلم أن حق الأسماء أن تُعرب جُمع وتُصرف، فما امتنع منها من الصرف فلمضارعته الأفعال؛ لأن الصرف إنما هو تنوين، والأفعال لا تنوين فيها ولا خفض، فمن ثم لا يُخفض ما لا ينصرف إلا أن تضيفه أو تدخل عليه ألفًا ولامًا، فتذهب بذلك عنه شبه الأفعال، فترُدَّه إلى أصله؛ لأن الذي كان يوجب فيه ترك الصرف قد زال. وكل ما لا يُعرب من الأسماء فمضارع به الحروف، لأنه لا إعراب فيها" انتهى.
وكان المبرد صاحب شخصية علمية مستقلة، فرأيناه يبدي الرأي، ويصدر الحكم، ويثبت التعليل وإن خالف إمام النحاة سيبويه، ومن ذلك أن سيبويه ذكر في (الكتاب) أن الخليل ﵀ قال: "اللهم نداء، والميم ها هنا بدل من يا، فهي ها هنا فيما زعم الخليل بمنزلة يا في أولها، إلا أن الميم ها هنا في الكلمة كما أن نون المسلمين في الكلمة بُنيت عليها، فالميم في هذا الاسم حرفان أولهما مجزوم أي: ساكن، والهاء مرتفعة؛ لأنه وقع عليها الإعراب، وإذا ألحقت الميم -يعني: بأن قلت: اللهم- لم تصف الاسم من قِبل أنه صار مع الميم عندهم بمنزلة
стр. 26
صوت كقولك -يعني لمن جُهل اسمه: يا هناه، يريد أن الميم صوت ليس باسم ولا فعل ولا حرف يدور في المواقع، كما هو الشأن في الحروف، وإنما هو صوت اتصل بالآخر، فالأصوات لا توصف. وأما قوله : ﴿اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الزمر: ٤٦) فعلى يا" انتهى.
وهكذا رأى سيبويه أن لفظ ﴿فَاطِرَ﴾ في الآية الكريمة منادى بحرف نداء محذوف، ولا يجوز أن يكون وصفًا للفظ الجلالة على المحل، وخالف في ذلك المبرد، فقال في (المقتضب) في باب الحروف التي تنبه بها المدعو: "ولا يجوز عنده -أي: عند سيبويه- وصفه، ولا أراه كما قال: لأنها -أي: الميم المشددة- إذا كانت بدلًا من يا، فكأنك قلت: يا الله، ثم تصفه كما تصفه في هذا الموضع فمن ذلك قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ وكان سيبويه يزعم أنه نداء آخر، كأنه قال: يا فاطر السموات والأرض" انتهى.
ومن ذلك أيضًا في (الكتاب) قال سيبويه: "وتقول: هذا رجل وامرأته منطلقان، وهذا عبد الله وذاك أخوك الصالحان؛ لأنهما ارتفعا من وجه واحد، وهما اسمان بُنيا على مبتدأين، وانطلق عبد الله ومضى أخوك الصالحان؛ لأنهما ارتفعا بفعلين، وذهب أخوك وقدم عمرو الرجلان الحليمان" انتهى.
وخالفه المبرد فقال في (المقتضب) في باب اشتراك المعرفة والنكرة: "وكان سيبويه يجيز جاء عبد الله وذهب زيد العاقلان على النعت؛ لأنهما ارتفعا بالفعل، فيقول: رفعهما من جهة واحدة، وكذلك هذا زيد وذاك عبد الله العاقلان؛ لأنهما خبر ابتداء، وليس القول عندي كما قال؛ لأن النعت إنما يرتفع بما يرتفع به المنعوت، فإذا قلت: جاء زيد وذهب عمرو العاقلان؛ لم يجز أن يرتفع بفعلين، فإن رفعتهما بجاء وحدها، فهو محال؛ لأن عبد الله إنما يرتفع بذهب، وكذلك لو رفعتهما بذهب لم يكن لزيد فيها نصيب".
стр. 27
أثر علوم المنطق والكلام والشريعة في العلة النحوية
في كتاب (النحو العربي) قال الدكتور مازن المبارك: "وأما العلة في القرن الرابع فلا بد قبل الخوض فيها في الحديث عنها من وقفة قصيرة نتناول الحديث فيها عن المنطق والفقه والكلام، وصلتها بالنحو العربي، وذلك لأن العلة في القرن الرابع وما بعده كانت خاضعة لتأثير تلك العلوم، منطبعة بكثير من خصائصها"، انتهى. واحتذاء بهذا المنهج العلمي السليم وسيرًا على دربه، نوجز أثر العلوم المذكورة في النحو العربي بعامة، وفي التعليل النحوي بخاصة فنقول: قال الزجاج: "لما قدم المبرد بغداد جئت لأناظره، وكنت أقرأ على أبي العباس، فعزمت على إعناته أي: إيقاعه في شدة، فلما فاتحته ألجمني الحجة بالحجة، وطالبني بالعلة، وألزمني إلزامات لم أهتدِ إليها".
يعلق الدكتور مازن المبارك على حديث الزجاج فيقول: "وهكذا إذن لم يبلغ القرن الثالث نهايته حتى كانت علل النحو موضوعا ذا قيمة، ترمقه أنظار النحاة، ويكتبون فيه، ويتخذون منه وسيلة امتحان واختبار، وقد أجمع العلماء الذين تناولوا ظاهرة التعليل النحوي نشأة وتطورًا، على أن العلة النحوية باعتبارها جزءًا أساسيًّا من النحو، كانت في القرن الرابع وما بعده خاضعة لتأثير علوم المنطق والشريعة والكلام؛ لخضوع علم النحو لهذه العلوم وتأثره". فأما المنطق فهو العلم الذي يبحث في صحيح الفكر وفاسده، وهو الذي يضع القوانين التي تعصم الذهن من الوقوع في الخطأ في الأحكام، فموضوعه هو الفكر الإنساني من ناحية خاصة هي ناحية صحته وفساده، ويتم له ذلك عن طريق البحث في القوانين العقلية العامة، التي يتبعها العقل الإنساني في تفكيره،
стр. 28
فما كان من التفكير موافقًا لهذه القوانين كان صحيحًا، وما كان مخالفًا لها كان فاسدًا.
وهو من علوم اليونان والراجح أن تأثير المنطق في النحو العربي وغيره من علوم اللسان، بدأ مع ظهور ترجمة بعض كتب اليونان التي شاع فيها المنطق، عندما دعا الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور -المتوفى سنة ثمان وخمسين بعد المائة من الهجرة- عبد الله بن المقفع المتوفى في الثانية والأربعين بعد المائة من الهجرة؛ ليترجم هذه الكتب، بيد أن هذا التأثير بدا في بعض المؤلفات النحوية في أواخر القرن الثاني، وفي القرن الثالث الهجريين كما تقدم، ولكنه كان ضئيلًا ومحدودًا وبعيدًا عن الإيغال، ولكنه ظهر واضحًا في القرن الرابع الهجري وما بعده، بحيث لا يوجد مجال لإنكار تأثيره في المباحث النحوية، وبخاصة العلة النحوية.
وقد ظهر تأثير المنطق في الدرس النحوي بصورة واضحة في استعمال النحويين للتعريفات، أو الحدود، والعوامل، والأقيسة، والعلل، وبعض المصطلحات المنطقية كالجنس، والفصل، والخاصة، والماهية، والماصدق، والعهد، والاستغراق، والعموم، والخصوص، المطلق، والعموم والخصوص الوجهي، والموضوع والمحمول، واللازم والملزوم، إلى آخر هذه المباحث المنطقية. وقد أدى نشوء الاعتزال واعتماد المعتزلة على العقل، وتقديمهم له، وإفساحهم المجال أمامه إلى آخر الحدود إلى تأثر النحويين البصريين خاصة؛ إذ نشأ بين ظهرانيهم في البصرة، فانصرف نحاة البصرة إلى تحكيم المقولات العقلية في دراساتهم النحوية من وجوه كثيرة، حتى وجدنا طابعها سائدًا في أساليب حجاجهم، وطرق جدالهم، وفي مناهجهم، وقواعدهم، ومصطلحاتهم.
стр. 29
وقد قال أبو البركات الأنباري في مقدمة كتابه (الإغراب في جدل الإعراب): "وبعد فإن جماعة من الأصحاب اقتضوني بعد تلخيص كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف) تلخيص كتاب في جدل الإعراب معرى عن الإسهاب، مجرد عن الإطناب؛ ليكون أول مصنف لهذه الصناعة في قوانين الجدل والآداب، ليسلكوا به عند المجادلة والمحاولة والمناظرة سبيل الحق والصواب، ويتأدبوا به عند المحاورة والمذاكرة عن المناكرة والمضاجرة في الخطاب، فأجبتهم على وفق طلبتهم؛ طلبًا للثواب، وفصلته اثني عشر فصلًا على غاية من الاختصار تقريبًا على الطلاب، فالله تعالى ينفع به إنه كريم وهاب" انتهى.
وعلى النحو الذي حدث في علم الكلام وعلم النحو اقتحم علم المنطق علوم الشريعة، فلم تكن هذه العلوم بمعزل عنه، أو بمنأى عن تأثيراته، فأصابها ما أصاب غيرها من هذه التأثيرات، ولما كان علماء الشريعة من المهتمين بعلم النحو باعتباره أداة الدرس الأولى في هذه العلوم؛ كان لا بد أن يتداخل تأثير هذه العلوم في علم النحو، وتأثير علم النحو في هذه العلوم، يقول أبو البركات الأنباري: "علوم الأدب ثمانية: اللغة، والنحو، والتصريف، والعروض، والقوافي، وصنعة الشعر، وأخبار العرب وأنسابهم، وألحقنا بالعلوم الثمانية علمين وضعناهما، علم الجدل في النحو، وعلم أصول النحو، فيعرف به القياس، وتركيبه، وأقسامه من قياس العلة، وقياس الشبه وقياس الطرد إلى غير ذلك على حد أصول الفقه، فإن بينهما من المناسبة ما لا خفاء به؛ لأن النحو معقول من منقول، كما أن الفقه معقول من منقول" انتهى.
ويقول السيوطي في (الاقتراح): "ورتبته على نحو ترتيب أصول الفقه في الأبواب والفصول والتراجم". ويقول الأستاذ سعيد الأفغاني: "فلما ذهبت
стр. 30
دولة المعتزلة غلبت دولة المحافظين في اللغة كما هو الشأن في كل علم، إذا عرفت ذلك كله أدركت الأثر البعيد الذي للعلوم الدينية في نشأة العلوم اللسانية، هذا في القياس خاصة، وقد علمت أن علماء العربية احتذوا طريق المحدِّثين من حيث العناية بالسند ورجاله، وتجريحهم، وتعديلهم، وطرق تحمل اللغة؛ فكانت لهم نصوصهم اللغوية كما كان لهؤلاء أو لأولئك نصوصهم الحديثية، ولهم طبقات الرواة كما لأولئك، ثم احتذوا المتكلمين في تطعيم نحوهم بالفلسفة والتعليل، ثم حاكوا الفقهاء أخيرًا في وضعهم أصولًا تشبه أصول الفقه، وتكلموا في الاجتهاد فيه، كما تكلم الفقهاء، وكان لهم طرازهم في بناء القواعد على السماع والقياس والإجماع، كما بنى الفقهاء استنباط أحكامهم على السماع والقياس والإجماع، وذلك تأثر واضح من آثار العلوم الدينية في علوم اللغة" انتهى.
هذا وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 31
الدرس: ٣ العلة في القرن الرابع الهجري وأبرز النحاة الذين كان لهم الفضل في ذلك .
стр. 32
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث
(العلة في القرن الرابع الهجري وأبرز النحاة الذين كان لهم الفضل في ذلك)
ظهور تطور العلة النحوية في القرن الرابع الهجري
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
تجلى تأثير العلوم التي أشرنا إليها في الدرس السابق، وفي مقدمتها علم المنطق في إحداث مزيد من العناية والاهتمام بأمر العلة النحوية في القرن الرابع الهجري، فأصبحت صناعة العربية كأنها من جملة قوانين المنطق العقلية أو الجدل، وبعدت عن مناحي اللسان وملكته، كما قال ابن خلدون، وظهرت في مصنفات النحويين العناية الشديدة بالحدود النحوية وغرائب القياس، ودقائق العلل، واستحداث وسائل جديدة للنظر والتعليل، وذلك باستعمال المقدمات الصورية؛ لترسيخ التعليل في النحو العربي.
ويرى بعض الباحثين -كالدكتور مازن المبارك في كتابه (الرُّماني النحوي) - أن إغراق الرماني في المنطق جعل النحاة يعرضون عن نحوه، ويصدون عنه. والدكتور عبد الكريم الأسعد في كتابه الذي عنونه بقوله (بين النحو والمنطق وعلوم الشريعة) رأى أن المنطق قد أساء للنحو العربي، وحوله إلى فلسفة لغوية غامضة بعيدة عن حقيقة النحو، وجعله أكثر تعقيدًا، وأشد بعدًا عن الفطرة والبساطة حتى قال أعرابي:
ما زال أخذهم في النحو يعجبني ... حتى سمعت كلام الزنج والروم
بمفعل فعل لا طاب من كلم ... كأنه زجل الغربان والبوم
وقال غيره: نحو العرب فطرة، ونحونا فطنة، فلو كان إلى الكمال من سبيل؛ لكانت فطرتهم لنا مع فطنتنا، أو كانت فطنتنا لهم مع فطرتهم. لقد استقر النحو في القرون الأولى على أيدي النحاة القدامى على قاعدة السماع الصافي في زمن
стр. 33
الاحتجاج، وبني على القرآن الكريم وقراءاته، وعلى الحديث الشريف على ما في الاحتجاج بألفاظه من خلاف في وجهات النظر، فصفا بهذا الأصل الأول من أصول النحو، وانتفت من أسسه شوائب العجمة واللحن، وخلص للنقل المجرد من الفلسفة والمنطق؛ بيد أن الأمر لم يستمر على هذا المنوال، إذ استُحدثت بعض الأصول والأسس إلى جانب السماع، وأخذت جميعًا تتأثر شيئًا فشيئًا بالمنطق ونحوه، وبلغ هذا التأثر الذروة في القرن الرابع الهجري، وعمَّ في القرون التي تلته.
ويقول صاحب (النحو العربي): "كانت العناية بأمر العلة والاهتمام بها تزداد كلما تقدم الزمن بالنحويين، فبعد أن رأينا التعليل يلقى به موجزًا بعقب الحكم النحوي رأيناه يُفرد بالتأليف ويخص بالكتب"، ونراه هنا في القرن الرابع ينال عناية أوفر، ويستنفذ جهدًا أكبر فتكثر فيه المؤلفات، ويدخله كثير من التطور".
ثم يذكر بعض المؤلفات في العلة في القرن الرابع مرتبة بحسب تاريخ وفيات مؤلفيها وهي كتاب (علل النحو)، وكتاب (نقد علل النحو)، وهما للحسن بن عبد الله المعروف بلكذة بضم اللام وسكون الكاف وفتح الذال المعجمة، أو لغدة بالغين المعجمة الأصبهاني، وكان معاصرًا لأبي إسحاق الزجاج المتوفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة من الهجرة، وكتاب (العلل في النحو) لهارون بن الحائك الضرير النحوي، وهو أحد أعيان أصحاب ثعلب، ومن معاصري الزجاج، وكتاب (المختار في علل النحو) لمحمد بن أحمد بن كيسان المتوفى سنة عشرين وثلاثمائة من الهجرة، وهو على ما ذكروا كتاب ضخم مؤلف من مجلدات ثلاثة، أو أكثر، وكتاب (الإيضاح في علل النحو) لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، المتوفى سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة.
وكتاب (النحو المجموع على العلل) لمحمد بن علي العسكري المعروف بمبرمان أستاذ السيرافي والفارسي، والمتوفى سنة خمس وأربعين وثلاثمائة من الهجرة،
стр. 34
وكتاب (علل النحو) لأبي الحسن محمد بن عبد الله، المعروف بابن الوراق، والمتوفى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة من الهجرة، وكتاب (شرح علل النحو) لأبي العباس أحمد بن محمد المهلبي من أعلام القرن الرابع الهجري، وكان معاصرًا لعلي بن أحمد المهلبي المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة من الهجرة، وكتاب (تقسيمات العوامل وعللها) لأبي القاسم سعيد بن سعيد الفارقي، المتوفى سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة من الهجرة على أن أكثر هذه الكتب لم يصل إلينا.
ويتابع الدكتور مازن المبارك حديثه عن تطور العلة النحوية بعد القرن الرابع الهجري، ذاكرًا أنه لم يأتِ بعد القرن الرابع الهجري من زاد في العربية شيئًا على أهل هذا القرن، وأن ما ظهر بعد ذلك من كتب ومؤلفات في هذه العلوم لا يعدو أن يكون شرحًا أو تفصيلًا لها، أو اختصارًا وتهذيبًا، أو استدراكًا وتعليقًا عليها. لم يشذ عن ذلك إلا من تفرَّد برأي أو منهج كابن هشام الأنصاري صاحب (مغني اللبيب)، ثم أشار إلى بعض من تتابعوا على مر القرون ممن ضربوا في العلة النحوية بسهمٍ وافر.
أبرز العلماء المهتمين بالعلة النحوية في القرن الرابع الهجري
إن أبرز العلماء الذين اهتموا بالعلة النحوية في القرن الرابع وما تلاه من قرون لا يكاد يحصرهم عدٌّ، بيد أننا سنقصر حديثنا على سبعة من كبار علماء هذا القرن، وهم بحسب ترتيب وفياتهم: الزجاج، وابن السراج، والزجاجي، والسيرافي، والفارسي، والرماني، وابن جني.
أما الزجاج: فهو أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، ولقب بالزجاج لأنه كان يخرط الزجاج في حداثته، وهو من علماء بغداد الذين غلبت عليهم النزعة
стр. 35
البصرية، وتوفي ببغداد في العام العاشر بعد الثلاثمائة من الهجرة، وكان يُعنى بالتعليل عناية فائقة، كانت محل إعجاب العلماء من بعده ومن تعليلاته:
أولًا: ما ذكره تلميذه أبو القاسم الزجاجي في كتابه الموسوم بـ (الإيضاح في علل النحو) في باب القول في الفعل والمصدر، أيهما مأخوذ من صاحبه، فقد حكى عنه انتصاره لمذهب البصريين فقال بعد عرضه عددًا من الأدلة التي تشهد للبصريين قال الزجاجي: "دليل آخر للبصريين، كان شيخنا الزجاج ﵀ يستدل به قال -أي: الزجاج: لو كان المصدر بعد الفعل وكان مأخوذًا من الفعل؛ لوجب أن يكون لكل مصدر فعل قد أُخذ منه أي: قد أخذ هذا المصدر من ذلك الفعل، لا محيص عن ذلك ولا مهرب منه، فلما رأينا في كلام العرب مصادر كثيرة لا أفعال لها البتة مثل: العبودية، والرجولية، والبنوة، والأمومة، والأموة، وما أشبه ذلك مما يطول تعداده من المصادر التي لم تؤخذ من الأفعال، ورأينا في كلامها أيضًا مصادر جارية على غير ألفاظ أفعالها نحو: الكرامة، والعطاء، وما أشبه ذلك؛ علمنا أنه ليست الأفعال أصولًا للمصادر يعني: كما قال الكوفيون؛ إذ كانت المصادر توجد بغير أفعال، وعلمنا أن المصادر هي الأصول؛ فمنها ما أُخذ منه فعل، ومنها ما لم يُؤخذ منه فعل، وهذا بين واضح" انتهى.
ثانيًا: ما أورده ابن جني في (الخصائص) عن الزجاج من تعليله لرفع الفاعل ونصب المفعول قال: "قال أبو إسحاق -أي: الزجاج- في رفع الفاعل ونصب المفعول: إنما فعل ذلك للفرق بينهما، ثم سأل نفسه فقال: فإن قيل: فهلَّا عُكست الحال فكانت فرقًا أيضًا، يعني: هلَّا رفع المفعول ونصب الفاعل فكان الرفع هنا والنصب هناك فرقًا بين الفاعل والمفعول، قيل -يعني: في الجواب:
стр. 36
الذي فعلوه أحزم أي: أشد حزمًا، وذلك أن الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد، وقد يكون له مفعولات كثيرة فرُفع الفاعل لقلته، ونصب المفعول لكثرته، وذلك ليقل في كلامهم ما يستثقلون، ويكثر في كلامهم ما يستخفون" انتهى.
وأما ابن السراج فهو أبو بكر محمد بن السري النحوي البغدادي، الذي غلبت عليه النزعة البصرية، والمتوفى في العام السادس عشر بعد الثلاثمائة من الهجرة، كان من أحدث تلاميذ المبرد سنًّا، ولكنه كان شديد الذكاء حاد الذهن، قال عنه (صاحب المدارس النحوية): "وكان يعنى عناية واسعة بعلل النحو ومقاييسه، وفيهما صنف كتاب (الأصول الكبير) يعني به كتاب (الأصول في النحو)، انتزعه من كتاب سيبويه وأضاف إليه إضافات بارعة، ويقال: إنه جعله تقاسيم على طريقة المناطقة، ولم يكتفِ فيه بآراء سيبويه، فقد ضمَّ إليه كثيرًا من آراء الأخفش الأوسط والكوفيين موازنًا ومقارنًا" انتهى. وقد سبق قول ابن السراج: "واعتلالات النحويين على ضربين: ضرب منها هو المؤدي إلى كلام العرب كقولنا: كل فاعل مرفوع، وضرب آخر يسمى علة العلة مثل أن يقولوا لم صار الفاعل مرفوعًا، والمفعول به منصوبًا ... " إلى آخر ما قال، ونورد هنا مثالين من تعليلاته.
المثال الأول: يدلل على فعلية ليس مع عدم تصرفها تصرف الأفعال يعني: لأنه لا يأتي منها مثلًا المضارع والأمر واسم الفاعل، وبقية المشتقات، يقول في كتابه (الأصول في النحو): "فأما ليس فالدليل على أنها فعل، وإن كانت لا تتصرف تصرف الأفعال قولك: لست كما تقول: ضربت، ولستما كضربتما، ولسنا كضربنا، ولسن كضربن، ولستن كضربتن، وليسوا كضربوا، وليست أمة الله
стр. 37
ذاهبة كقولك: ضربت أمة الله زيدًا"، يعني يقول: إن الدليل على فعلية ليس أنها تسند إلى الضمائر على حد إسناد بقية الأفعال إلى الضمائر، كما تتصل بها نون التوكيد، وتتصل بها نون النسوة، وتتصل بها أيضًا تاء التأنيث الساكنة، قال: "وإنما امتنعت من التصرف؛ لأنك إذا قلت: كان دللت على مضى، وإذا قلت: يكون دللت على ما هو فيه وعلى ما لم يقع أي: على الحال وعلى الاستقبال، وإذا قلت: ليس زيد قائمًا الآن أو غدًا أدَّت ذلك المعنى الذي في يكون، فلما كانت تدل على ما يدل عليه المضارع؛ استغني عن المضارع فيها، ولذلك لم تبنَ بناء الأفعال التي هي من بنات الياء مثل باع وبات" انتهى.
والمثال الثاني: قاله الزجاجي في (الإيضاح في علل النحو) في الأدلة التي ذكرها للانتصار للبصريين في قضية أيهما الأصل في الاشتقاق الفعل أم المصدر، قال الزجاجي: "دليل آخر للبصريين كان أبو بكر بن السراج يستدل به قال: لو كانت المصادر مأخوذة من الأفعال جارية عليها؛ لوجب ألا تختلف كما لا تختلف أسماء الفاعلين والمفعولين الجارية على أفعال نحو: ضارب ومضروب، وشاتم ومشتوم، ومكرم ومكرم، وما أشبه ذلك مما لا ينكسر، ورأينا المصادر مختلفها أكثر مما جاء منها على الفعل كقولنا: شُربًا وشَربًا ومَشْربًا وشَرَابًا، وعدل عن الحق عدْلًا وعُدُولًا وما أشبه ذلك، علمنا أنها غير جارية على الأفعال، وأن الأفعال ليست بأصولها" انتهى.
وأما الزجاجي فهو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق من نهاوند، قدم بغداد وسمع من ابن السراج والأخفش، ولازم الزجاج فنُسب إليه، وسكن بدمشق، وانتفع الناس بعلمه حتى توفي سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة هجرية بدمشق، ومما قاله فيه الدكتور شوقي ضيف في مقدمة الكتاب الذي ألفه أبو القاسم الزجاجي
стр. 38
الموسوم بـ (الإيضاح في علل النحو) قال: "وقد جمع الزجاجي في هذا الكتاب العلل النحوية التي عرفت حتى عصره، سواء ما اتصل منها بالحدود وأحكام الإعراب، وما اتصل منها بالفروض والظنون الجدلية، ونثر في تضاعيف ذلك بعض آرائه غير متحيف -أي: غير متنقص أو ظالم- لآراء من سبقوه من البصريين والكوفيين والبغداديين، فهو يعرض آراءهم وعللهم في دقة وتحرٍّ شديد، وقد يتدخل ورائده الإنصاف، فيؤثر رأيًا على رأي، أو علة على علة، وقد يترك ذلك للقارئ ما دامت لم تستبن له الحجة الصحيحة التي يحكم على أساسها بين الطرفين المتعارضين"، انتهى.
ويقول أبو القاسم في مقدمة كتاب (الإيضاح) متحدثًا عن موضوع كتابه وسبب تأليفه: "وهذا كتاب أنشأناه في علل النحو خاصة، والاحتجاج له، وذكر أسراره، وكشف المستغلق من لطائفه وغوامضه دون الأصول؛ لأن الكتب المصنفة في الأصول كثيرة جدًّا، ولم أر كتابًا إلى هذه الغاية مفردًا في علل النحو، مستوعبًا فيه جميعها، وإنما يُذكر في الكتب بعقب الأصول الشيء اليسير، منها مع خلو أكثرها منها".
ولقد تحدثنا عن تقسيمه علل النحو إلى ثلاثة أنواع: تعليمية، وقياسية، وجدلية نظرية، وعرفنا أن العلل التعليمية: هي العلل الأولى التي يتوصل بها إلى تعلم كلام العرب، ويرى أستاذنا المرحوم الدكتور شوقي ضيف أن العلل التعليمية: هي التي يحتاجها الناشئة في تعلم النحو، أما المتخصصون فإنهم عليهم أن يتحملوا عبء دراسة جميع هذه الأنواع من العلل النحوية؛ إذ من الواجب أن يُعنى المتخصصون في النحو بدراسته في صورته القديمة، وكل ما داخلها من فلسفة العلة؛ حتى يتبينوا تطوره وما شُفع به هذا التطور من جهود عقلية خصبة، جعلت بعض المستشرقين يشيد بما تم لهذا العلم على أيدي أسلافنا من نضج وإكمال يحق للعرب أن يفخروا به.
стр. 39
وأما السيرافي فهو أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، ولد بسيراف من بلاد فارس، وكان أبوه مجوسيًّا فأسلم، وسماه ابنه السيرافي عبد الله، وتوفي ببغداد سنة ثمان وستين وثلاثمائة من الهجرة، وهو أحد الأئمة المعروفين في النحو واللغة والفقه والكلام، وقد تناول علوم العربية ومهر فيها حتى أصبح من مشاهير أئمتها، وأصحاب الرأي فيها، ويمثل شرحه لكتاب سيبويه مصدرًا أساسيًّا من مصادر دراسة العلة النحوية عند النحاة حتى النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، ويقول عن شرحه لكتاب سيبويه صاحب (المدارس النحوية): "وكان السيرافي يتوسع في التعليل توسعًا أسعفه فيه عقله الجدلي الخصب، فليس هناك شيء علله النحاة إلا وتُذكر عللهم فيه، وتضاف إليها علل جديدة، وما لم يعللوه حاول جاهدًا أن يجد له علة، أو عللًا تسنده" انتهى.
علم آخر من هؤلاء الأعلام وهو الفارسي أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي أبًا، أما أمه فهي عربية سدوسية من سدوس شيبان، نشأ بفسا من أرض فارس، ثم ورد بغداد فأخذ النحو عن الزجاجي وابن السراج ومبرمان، وغيرهم، وتوفي بعد حياة حافلة بالدراسة والتأليف ببغداد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة من الهجرة، قال عنه صاحب (المدارس النحوية): "وكان عقل أبي علي من الخصب بحيث ملأ نفس ابن جني تلميذه، حين ألمَّ بالموصل من جميع أقطارها، وهو يكثر من ذكر آرائه في كتابه (الخصائص) وغيره، حتى ليبدو كأنه كان كنزًا سائلًا بمسائل اللغة والنحو، وما يجري فيها من ضبط الأصول وضبط الأقيسة، والعلل"، انتهى.
وقد امتلأت نفس ابن جني إعجابًا بأستاذه أبي علي، وقدرته على انتزاع العلل، فيقول في (الخصائص): "وقلت مرة لأبي بكر أحمد بن علي الرازي ﵀ وقد أفضنا في ذكر أبي علي، ونُبل قدر، ونباوة محله: أحسب أن أبا علي
стр. 40
قد خطر له وانتزع من علل هذا العلم ثلث جميع ما وقع لجميع أصحابنا، فأصغى أبو بكر إليه، ولم يتبشع هذا القول عليه" انتهى.
وقال ابن جني معبرًا عن شديد إعجابه بأقيسة شيخه وعلله قال: "ولله هو، وعليه رحمته، فما كان أقوى قياسه، وأشد بهذا العلم أنسه، فكأنه إنما كان مخلوقًا له، وكيف كان لا يكون كذلك، وقد أقام على هذه الطريقة مع جِلَّة أصحابها وأعيان شيوخها سبعين سنة، زائحة علله، ساقطة عنه كلفه، وجعله همه، وسَدَمه، لا يعتاقه عنه ولد، ولا يعارضه فيه متجر، ولا يسوم به مطلبًا، ولا يخدم به رئيسًا، إلا بأخرة، وقد حط من أثقاله، وألقى عصا ترحاله" انتهى.
وعن احتفاء أبي علي بالقياس يقول عنه تلميذه ابن جني: "قال لي أبو علي ﵀ بحلب سنة ست وأربعين: أخطئ في خمسين مسألة في اللغة، ولا أخطئ في مسألة واحدة في القياس". أما ابن جني: فهو أبو الفتح عثمان بن جني، وكان أبوه جني روميًّا يونانيًّا، وكان مملوكًا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي، ولد بالموصل وتلقى عن علمائها، وتوفي ببغداد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، يقول عنه سعيد الأفغاني في كتابه (في أصول النحو): "أما إذا وصلنا إلى ابن جني فقد تبوأنا ذروة القياس، لقد كان أعلى علماء العربية كعبًا في جميع عصورها، وأغوصهم عامة على أسرار العربية، وأنجحهم في الاهتداء إلى النظريات العامة فيها، وكتابه (الخصائص) لا يزال محط إعجاب علماء العرب والغرب على السواء".
ويرى الدكتور مازن المبارك أن ابن جني وقف أمام علل النحو وقفة طويلة يدرس ويصف، ويحلل ويصنف، فأتى بما لم يسبق إليه من قبل، وما لم يلحق فيه من بعد. إن اهتمامه بالعلة أمر لافت للأنظار، مثير للإعجاب، ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على العناوين التي تقرب من عشرين عنوانًا، والتي تضمنت بحوثًا عن
следующие страницы →