Полный текст (294 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الذي فعلوه أحزم أي: أشد حزمًا، وذلك أن الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد، وقد يكون له مفعولات كثيرة فرُفع الفاعل لقلته، ونصب المفعول لكثرته، وذلك ليقل في كلامهم ما يستثقلون، ويكثر في كلامهم ما يستخفون" انتهى.
وأما ابن السراج فهو أبو بكر محمد بن السري النحوي البغدادي، الذي غلبت عليه النزعة البصرية، والمتوفى في العام السادس عشر بعد الثلاثمائة من الهجرة، كان من أحدث تلاميذ المبرد سنًّا، ولكنه كان شديد الذكاء حاد الذهن، قال عنه (صاحب المدارس النحوية): "وكان يعنى عناية واسعة بعلل النحو ومقاييسه، وفيهما صنف كتاب (الأصول الكبير) يعني به كتاب (الأصول في النحو)، انتزعه من كتاب سيبويه وأضاف إليه إضافات بارعة، ويقال: إنه جعله تقاسيم على طريقة المناطقة، ولم يكتفِ فيه بآراء سيبويه، فقد ضمَّ إليه كثيرًا من آراء الأخفش الأوسط والكوفيين موازنًا ومقارنًا" انتهى. وقد سبق قول ابن السراج: "واعتلالات النحويين على ضربين: ضرب منها هو المؤدي إلى كلام العرب كقولنا: كل فاعل مرفوع، وضرب آخر يسمى علة العلة مثل أن يقولوا لم صار الفاعل مرفوعًا، والمفعول به منصوبًا ... " إلى آخر ما قال، ونورد هنا مثالين من تعليلاته.
المثال الأول: يدلل على فعلية ليس مع عدم تصرفها تصرف الأفعال يعني: لأنه لا يأتي منها مثلًا المضارع والأمر واسم الفاعل، وبقية المشتقات، يقول في كتابه (الأصول في النحو): "فأما ليس فالدليل على أنها فعل، وإن كانت لا تتصرف تصرف الأفعال قولك: لست كما تقول: ضربت، ولستما كضربتما، ولسنا كضربنا، ولسن كضربن، ولستن كضربتن، وليسوا كضربوا، وليست أمة الله
стр. 37
ذاهبة كقولك: ضربت أمة الله زيدًا"، يعني يقول: إن الدليل على فعلية ليس أنها تسند إلى الضمائر على حد إسناد بقية الأفعال إلى الضمائر، كما تتصل بها نون التوكيد، وتتصل بها نون النسوة، وتتصل بها أيضًا تاء التأنيث الساكنة، قال: "وإنما امتنعت من التصرف؛ لأنك إذا قلت: كان دللت على مضى، وإذا قلت: يكون دللت على ما هو فيه وعلى ما لم يقع أي: على الحال وعلى الاستقبال، وإذا قلت: ليس زيد قائمًا الآن أو غدًا أدَّت ذلك المعنى الذي في يكون، فلما كانت تدل على ما يدل عليه المضارع؛ استغني عن المضارع فيها، ولذلك لم تبنَ بناء الأفعال التي هي من بنات الياء مثل باع وبات" انتهى.
والمثال الثاني: قاله الزجاجي في (الإيضاح في علل النحو) في الأدلة التي ذكرها للانتصار للبصريين في قضية أيهما الأصل في الاشتقاق الفعل أم المصدر، قال الزجاجي: "دليل آخر للبصريين كان أبو بكر بن السراج يستدل به قال: لو كانت المصادر مأخوذة من الأفعال جارية عليها؛ لوجب ألا تختلف كما لا تختلف أسماء الفاعلين والمفعولين الجارية على أفعال نحو: ضارب ومضروب، وشاتم ومشتوم، ومكرم ومكرم، وما أشبه ذلك مما لا ينكسر، ورأينا المصادر مختلفها أكثر مما جاء منها على الفعل كقولنا: شُربًا وشَربًا ومَشْربًا وشَرَابًا، وعدل عن الحق عدْلًا وعُدُولًا وما أشبه ذلك، علمنا أنها غير جارية على الأفعال، وأن الأفعال ليست بأصولها" انتهى.
وأما الزجاجي فهو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق من نهاوند، قدم بغداد وسمع من ابن السراج والأخفش، ولازم الزجاج فنُسب إليه، وسكن بدمشق، وانتفع الناس بعلمه حتى توفي سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة هجرية بدمشق، ومما قاله فيه الدكتور شوقي ضيف في مقدمة الكتاب الذي ألفه أبو القاسم الزجاجي
стр. 38
الموسوم بـ (الإيضاح في علل النحو) قال: "وقد جمع الزجاجي في هذا الكتاب العلل النحوية التي عرفت حتى عصره، سواء ما اتصل منها بالحدود وأحكام الإعراب، وما اتصل منها بالفروض والظنون الجدلية، ونثر في تضاعيف ذلك بعض آرائه غير متحيف -أي: غير متنقص أو ظالم- لآراء من سبقوه من البصريين والكوفيين والبغداديين، فهو يعرض آراءهم وعللهم في دقة وتحرٍّ شديد، وقد يتدخل ورائده الإنصاف، فيؤثر رأيًا على رأي، أو علة على علة، وقد يترك ذلك للقارئ ما دامت لم تستبن له الحجة الصحيحة التي يحكم على أساسها بين الطرفين المتعارضين"، انتهى.
ويقول أبو القاسم في مقدمة كتاب (الإيضاح) متحدثًا عن موضوع كتابه وسبب تأليفه: "وهذا كتاب أنشأناه في علل النحو خاصة، والاحتجاج له، وذكر أسراره، وكشف المستغلق من لطائفه وغوامضه دون الأصول؛ لأن الكتب المصنفة في الأصول كثيرة جدًّا، ولم أر كتابًا إلى هذه الغاية مفردًا في علل النحو، مستوعبًا فيه جميعها، وإنما يُذكر في الكتب بعقب الأصول الشيء اليسير، منها مع خلو أكثرها منها".
ولقد تحدثنا عن تقسيمه علل النحو إلى ثلاثة أنواع: تعليمية، وقياسية، وجدلية نظرية، وعرفنا أن العلل التعليمية: هي العلل الأولى التي يتوصل بها إلى تعلم كلام العرب، ويرى أستاذنا المرحوم الدكتور شوقي ضيف أن العلل التعليمية: هي التي يحتاجها الناشئة في تعلم النحو، أما المتخصصون فإنهم عليهم أن يتحملوا عبء دراسة جميع هذه الأنواع من العلل النحوية؛ إذ من الواجب أن يُعنى المتخصصون في النحو بدراسته في صورته القديمة، وكل ما داخلها من فلسفة العلة؛ حتى يتبينوا تطوره وما شُفع به هذا التطور من جهود عقلية خصبة، جعلت بعض المستشرقين يشيد بما تم لهذا العلم على أيدي أسلافنا من نضج وإكمال يحق للعرب أن يفخروا به.
стр. 39
وأما السيرافي فهو أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، ولد بسيراف من بلاد فارس، وكان أبوه مجوسيًّا فأسلم، وسماه ابنه السيرافي عبد الله، وتوفي ببغداد سنة ثمان وستين وثلاثمائة من الهجرة، وهو أحد الأئمة المعروفين في النحو واللغة والفقه والكلام، وقد تناول علوم العربية ومهر فيها حتى أصبح من مشاهير أئمتها، وأصحاب الرأي فيها، ويمثل شرحه لكتاب سيبويه مصدرًا أساسيًّا من مصادر دراسة العلة النحوية عند النحاة حتى النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، ويقول عن شرحه لكتاب سيبويه صاحب (المدارس النحوية): "وكان السيرافي يتوسع في التعليل توسعًا أسعفه فيه عقله الجدلي الخصب، فليس هناك شيء علله النحاة إلا وتُذكر عللهم فيه، وتضاف إليها علل جديدة، وما لم يعللوه حاول جاهدًا أن يجد له علة، أو عللًا تسنده" انتهى.
علم آخر من هؤلاء الأعلام وهو الفارسي أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي أبًا، أما أمه فهي عربية سدوسية من سدوس شيبان، نشأ بفسا من أرض فارس، ثم ورد بغداد فأخذ النحو عن الزجاجي وابن السراج ومبرمان، وغيرهم، وتوفي بعد حياة حافلة بالدراسة والتأليف ببغداد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة من الهجرة، قال عنه صاحب (المدارس النحوية): "وكان عقل أبي علي من الخصب بحيث ملأ نفس ابن جني تلميذه، حين ألمَّ بالموصل من جميع أقطارها، وهو يكثر من ذكر آرائه في كتابه (الخصائص) وغيره، حتى ليبدو كأنه كان كنزًا سائلًا بمسائل اللغة والنحو، وما يجري فيها من ضبط الأصول وضبط الأقيسة، والعلل"، انتهى.
وقد امتلأت نفس ابن جني إعجابًا بأستاذه أبي علي، وقدرته على انتزاع العلل، فيقول في (الخصائص): "وقلت مرة لأبي بكر أحمد بن علي الرازي ﵀ وقد أفضنا في ذكر أبي علي، ونُبل قدر، ونباوة محله: أحسب أن أبا علي
стр. 40
قد خطر له وانتزع من علل هذا العلم ثلث جميع ما وقع لجميع أصحابنا، فأصغى أبو بكر إليه، ولم يتبشع هذا القول عليه" انتهى.
وقال ابن جني معبرًا عن شديد إعجابه بأقيسة شيخه وعلله قال: "ولله هو، وعليه رحمته، فما كان أقوى قياسه، وأشد بهذا العلم أنسه، فكأنه إنما كان مخلوقًا له، وكيف كان لا يكون كذلك، وقد أقام على هذه الطريقة مع جِلَّة أصحابها وأعيان شيوخها سبعين سنة، زائحة علله، ساقطة عنه كلفه، وجعله همه، وسَدَمه، لا يعتاقه عنه ولد، ولا يعارضه فيه متجر، ولا يسوم به مطلبًا، ولا يخدم به رئيسًا، إلا بأخرة، وقد حط من أثقاله، وألقى عصا ترحاله" انتهى.
وعن احتفاء أبي علي بالقياس يقول عنه تلميذه ابن جني: "قال لي أبو علي ﵀ بحلب سنة ست وأربعين: أخطئ في خمسين مسألة في اللغة، ولا أخطئ في مسألة واحدة في القياس". أما ابن جني: فهو أبو الفتح عثمان بن جني، وكان أبوه جني روميًّا يونانيًّا، وكان مملوكًا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي، ولد بالموصل وتلقى عن علمائها، وتوفي ببغداد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، يقول عنه سعيد الأفغاني في كتابه (في أصول النحو): "أما إذا وصلنا إلى ابن جني فقد تبوأنا ذروة القياس، لقد كان أعلى علماء العربية كعبًا في جميع عصورها، وأغوصهم عامة على أسرار العربية، وأنجحهم في الاهتداء إلى النظريات العامة فيها، وكتابه (الخصائص) لا يزال محط إعجاب علماء العرب والغرب على السواء".
ويرى الدكتور مازن المبارك أن ابن جني وقف أمام علل النحو وقفة طويلة يدرس ويصف، ويحلل ويصنف، فأتى بما لم يسبق إليه من قبل، وما لم يلحق فيه من بعد. إن اهتمامه بالعلة أمر لافت للأنظار، مثير للإعجاب، ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على العناوين التي تقرب من عشرين عنوانًا، والتي تضمنت بحوثًا عن
стр. 41
العلة في كتاب (الخصائص) بأجزائه الثلاثة؛ لنتبين مدى هذا الاهتمام الفائق وتلك العناية الرائعة بأمر العلة النحوية.
لقد كان هم أبي الفتح في كتاب (الخصائص) كما أوضح محقق الكتاب -طيب الله ثراه- كان همه إظهار حكمة العرب وسداد مقاصدهم فيما أَتَوا في لغتهم، وكان ذلك بإبداء العلل لسننهم، وخططهم في تأليف لسانهم؛ فأخذ نفسه في تقوية العلل التي تُنسب إلى أفعالهم، وتحمل عليهم، وهو ما يقوم به النحويون، وكان من دواعي ذلك وأسبابه ما اشتهر بين الناس من ضعف علل النحو، فهذا ابن فارس يقول:
مرت بنا هيفاء مجدولة ... تركية تنمى لتركي
ترنو بطرف فاتر فاتن ... أضعف من حجة نحوي
فغاية ابن جني -رحمه الله تعالى- إذن أن يُبين حكمة العرب في لغتهم، وأن يرد على من ضرب بعلل النحويين المثل في الضعف، ولذلك عقد في الكتاب بابًا خاصًّا عنوانه: باب في الرد على من اعتقد فساد علل النحويين؛ لضعفه هو في نفسه عن إحكام العلة، وذكر فيه أن سبب هذا الاعتقاد أنه لا يعرف أغراض القوم، فيرى لذلك أن ما أوردوه من العلة ضعيف واهٍ ساقط غير متعال، وهو يدافع عن العلة النحوية التي توصل إليها حُذاق النحويين، ويبين فائدتها، فيخصص بابًا عنوانه: باب في أن العرب قد أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها، وحملناه عليها، ويقول فيه: "اعلم أن هذا موضع في تثبيته وتمكينه منفعة ظاهرة، وللنفس به مسكة وعصمة؛ لأن فيه تصحيح ما ندَّعيه على العرب من أنها أرادت كذا لكذا، وفعلت كذا لكذا، وهو أحزم لها، وأجمل بها، وأدلُّ على الحكمة المنسوبة إليها من أن تكون تكلفت ما تكلفته من استمرارها على وتيرة واحدة، وتقريها منهجًا واحدًا، تراعيه وتلاحظه، وتتحمل لذلك مشاقه، وكُلفه، وتعتذر من تقصير إن جرى وقتًا منها في شيء منه".
стр. 42
ثم هو يدعو إلى التعليل النحوي ويشجع عليه ويقول: "فكل من فُرق له عن علة صحيحة، وطريق نهجة كان خليل نفسه، وأبا عمرو فكره"، وهو يحدد الفروق الدقيقة بين العلة النحوية والعلل في العلوم الأخرى، فيذكر أن علل الحذاق المتقنين من النحويين أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين، وذلك أنهم يُحيلون على الحس، ويحتجون بثقل الحال أو خفتها على النفس، وليس كذلك حديث علل الفقه، وذلك أنها إنما هي أعلام وأمارات؛ لوقوع الأحكام، ووجوه الحكمة فيها خفية عنا، غير ظاهرة لنا، ويوضح أن الشريعة إنما جاءت من عند الله تعالى، ومعلوم أنه سبحانه لا يفعل شيئًا إلا ووجه المصلحة والحكمة قائم فيه، وإن خفيت عنا أغراضه ومعانيه، وليس كذلك حال اللغة، ويذكر أنا قد نجد أيضًا في علل الفقه ما يضح أمره، ونعرف علته نحو: رجم الزاني إذا كان محصنًا، وحدِّه إذا كان غير محصن، وذلك لتحصين الفروج وارتفاع الشك في الأولاد والنسل، وزيد في حد المحصن على غيره لتعاظم جرمه، وجريرته على نفسه.
وكذلك إقادة القاتل بمن قتله لحقن الدماء، وكذلك إيجاب الله الحج على مستطيعه؛ لما في ذلك من تكليف المشقة ليستحق عليها المثوبة، وكذلك نظائر هذا كثيرة جدًّا؛ بيد أن ما كانت هذه حاله من علل الفقه فهو أمر قائم في النفوس قبل ورود الشريعة به، ثم يقول: "واعلم أنا مع ما شرحناه وعُنينا به فأوضحناه من ترجيح علل النحو على علل الفقه، وإلحاقها بعلل الكلام، لا ندَّعي أنها تبلغ قدر علل المتكلمين، ولا عليها براهين المهندسين غير أنا نقول: إن علل النحويين على ضربين أحدهما: واجب لا بد منه، لأن النفس لا تطيق في معناه غيره، والآخر: ما يمكن تحمله إلا أنه على تجشم، واستكراه له"، انتهى.
стр. 43
هذا وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 44
الدرس: ٤ أبرز العلماء الذين تحدثوا عن العلة النحوية في القرن الرابع الهجري .
стр. 45
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع
(أبرز العلماء الذين تحدثوا عن العلة النحوية في القرن الرابع الهجري)
أبرز العلماء المهتمين بالعلة النحوية في القرن الرابع الهجري حتى القرن العاشر الهجري
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
إن أبرز النحاة الذين تتابعوا على مر القرون بعد نحاة القرن الرابع الهجري ضاربين في العلة بسهم وافر هم: الزمخشري، وأبو البركات الأنباري، وابن الحاجب، وابن مالك، وابن هشام الأنصاري، وجلال الدين السيوطي. فأما الزمخشري: فهو أبو القاسم محمود بن عمر جار الله المولود بزمخشر بخوارزم، والمتوفى بوطنه مأسوفًا عليه سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة من الهجرة، وقد وصف في مقدمة كتابه (المفصل في علم العربية) وصف الذين يغضون من العربية بالجور والظلم والاعتساف، وقال: "وذلك أنهم لا يجدون علمًا من العلوم الإسلامية فقهها، وعلمي تفسيرها وأخبارها، إلا وافتقاره إلى العربية بيِّنٌ لا يُدفع، ومكشوف لا يتقنع، ويرون الكلام في معظم أبواب أصول الفقه، ومسائلها مبنيًّا على علم الإعراب، والتفاسير مشحونة بالروايات عن سيبويه والأخفش والكسائي والفراء، وغيرهم من النحويين البصريين والكوفيين، والاستظهار في مآخذ النصوص بأقاويلهم، والتشبث بأهداب فسرهم، وتأويلهم" انتهى.
ومن تعليلاته النحوية في كتابه (المفصل) قوله في باب المبتدأ والخبر متحدثًا عن عامل الرفع فيهما: "هما الاسمان المجردان للإسناد نحو قولك: زيد منطلق، والمراد بالتجريد إخلاؤهما من العوامل التي هي كان، وإن، وحسبت، وأخواتها؛ لأنهما إذا لم يخلوا منها؛ تلعبت بهما وغصبتهما القرار على الرفع، وإنما اشترط في التجريد أن يكون من أجل الإسناد؛ لأنهما لو جُرِّدا لا للإسناد، لكانا في حكم الأصوات التي حقها أن يُنعق بها غير معربة؛ لأن الإعراب لا
стр. 46
يستحق إلا بعد العقد والتركيب. وكونهما مجردين للإسناد هو رافعهما؛ لأنه معنى قد تناولهما معًا تناولًا واحدًا، من حيث إن الإسناد لا يتأتى بدون طرفين مسند ومسند إليه، ونظير ذلك أن معنى التشبيه في كأن لما اقتضى مشبهًا ومشبهًا به؛ كانت عاملة في الجزأين، وشبههما بالفاعل أن المبتدأ مثله في أنه مسند إليه، والخبر في أنه جزء ثانٍ من الجملة" انتهى.
وأما الأنباري: فهو أبو البركات عبد الرحمن كمال الدين بن محمد الأنباري، العالم النحوي البغدادي صاحب النزعة البصرية، المتوفى ببغداد سنة سبع وسبعين وخمسمائة من الهجرة، وهو مؤلف المصنفات النحوية التي طبَّقت شهرتها الآفاق، ووطد فيها أواصر الصلة بين النحو وعلوم الفقه والكلام، وجعل فيها الجدل النحوي صنعة لها أصول نظرية، وقوانين وضعية، منصوص عليها تهدف إلى كشف أسرار العربية، وتبين ما في قواعدها النحوية من إحكام في الوضع، وإتقان في الترتيب والتبويب، وحكم، ولطائف في القياس والتعليل. ومن مصادر السيوطي في كتابه (الاقتراح في أصول النحو): (لمع الأدلة)، و (الإغراب في جدل الإعراب)، و (الإنصاف في مسائل الخلاف)، وثلاثتها من مؤلفات أبي البركات الأنباري، أما كتابه الموسوم بـ (أسرار العربية) فلحمته وسداه، وموضوعه من أوله إلى منتهاه هو التعليل النحوي.
وأما ابن الحاجب: فهو أبو عمر عثمان جمال الدين بن عمر الكردي الأصل، المولود في أسنا بصعيد مصر، المتوفى سنة ست وأربعين وستمائة من الهجرة، قال عنه (صاحب المدارس النحوية): "وكان ابن الحاجب دقيق النظر، فخاض في تعليلات كثيرة مستنبطًا منها ما لا يكاد يقف به عند حد" انتهى.
ويُعدُّ ابن الحاجب من النحاة الذين تأثروا كثيرًا بعلم المنطق، وممن أعطاهم المنطق وسائل جديدة للنظر والتعليل، ومن آثار ذلك استعماله المقدمات الصورية،
стр. 47
ومن أمثلة تعليلاته أنه ذكر في كتابه الموسوم بـ (الإيضاح في شرح المفصل) أن الوجه أن المنادى منصوب بفعل مقدر دل عليه حرف نداء، فالقائل: يا زيد ونحوه قد تمَّ كلامه، والحرف وحده مع الاسم لا يشكلان كلامًا، وقال مستدلًّا على ذلك: "لأنا إذا علمنا أن الجملة هي التي تتركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى، وعلمنا أن وضع الحرف لأنْ لا يُسند ولا يسند إليه؛ علم بهاتين المقدمتين أن الحرف والاسم لا ينتظم منهما كلام، وإذا ثبت هذان الأصلان باتفاق، فلا وجه لمن يقول: إن الحرف مع الاسم كلام؛ لأنه مخالف لما علم ثبوته، إذ يلزم منه أن يكون الحرف مسندًا إليه ومسندًا به، وكلاهما باطل، أو يلزم أن يكون أن يوجد كلام من غير إسناد، وهو باطل، فلما لزم منه بطلان أحد الأصلين المذكورين المتفق عليهما؛ عُلم أنه باطل، إذ ما أدَّى إلى الباطل فهو باطل" انتهى.
وهكذا يبني ابن الحاجب تعليله على مقدمتين ونتيجة، كما يفعل المناطقة، وأما ابن مالك فهو أبو عبد الله محمد جمال الدين بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني، المتوفى سنة اثنتين وسبعين وستمائة من الهجرة بدمشق، وإمام النحويين واللغويين لعصره، وصاحب المؤلفات المنظومة والمنثورة التي تناولها كثير من العلماء بالشرح، والدراسة والتعليق، ونالت أوفى عناية من العلماء المحققين، وترجمت إلى عديد من اللغات الإنسانية؛ فأقبل عليها الطلاب من كل صوب وحَدب، ينهلون من معينها العذب ويرتوون من نبعها الثر، الغزير، الفياض بالخير والعطاء.
وحديث ابن مالك في العلة النحوية يدلك على قوة حجته وسعة اطلاعه، وفائق قدرته على الإقناع بالدليل والبرهان، ونسوق هنا مثالًا واحدًا على براعته
стр. 48
واهتمامه بالعلة النحوية، ذكر المتقدمون والمتأخرون من النحويين أن لا النافية للجنس تعمل فيما بعدها عمل إن فيما بعدها، بعد أن أطلق سيبويه -وهو إمام النحاة- مقولته المشهورة في صدارة باب النفي بلا في الكتاب، إذ قال: "ولا تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين، ونصبها لما بعدها كنصب إن لما بعدها"، فاجتهد كثير من النحويين في محاولة البحث عن العلاقة التي تربط بين الحرفين؛ لتكون علة لهذا الحمل، فمن قائل: إن إن لتحقيق الإثبات وتوكيده، ولا لتحقيق النفي وتوكيده، فهما نظيران من جهة التحقيق والتوكيد، فيكون الحمل حملًا للنظير على النظير، ومن قائل: إن إن لتوكيد النسبة ولا لنفيها، فحملت عليها حملًا للنقيض على النقيض، ومنهم من رأى بينهما هذين الحملين معًا من جهة التحقيق والتوكيد، ومن جهتي النفي والإثبات.
ورأى العلامة الرضي أن بينهما تنافيًا وتناقضًا لا مشابهة ولا مقاربة، ولما رأى ابن مالك ضعف ما ذكره العلماء من أوجه الشبه بين الحرفين مع كثرة أوجه المخالفة والمفارقة بينهما؛ توصل إلى أن لا النافية للجنس ليست عاملة بالحمل وحده، إنما تعمل بالاختصاص والحمل معًا، فقال في (شرح التسهيل): "إذا قُصد بلا نفي الجنس على سبيل الاستغراق، ورفع احتمال الخصوص؛ اختصت بالأسماء النكرات، لأن قصد ذلك يستلزم وجودَ مِن الجنسية لفظًا أو معنى، ولا يليق ذلك إلا بالأسماء النكرات، فوجب لـ: لا عند ذلك القصد عمل فيما يليها من نكرة، وذلك العمل إما جرٌّ، وإما نصب، وإما رفع، فلم يكن جرًّا؛ لئلا يتوهم أنه بمِن المنوية، فإنها في حكم الموجودة لظهورها في بعض الأحيان كقول الشاعر:
فقام يذود الناس عنها بسيفه ... وقال: ألا ما من سبيل إلى هند
ولأن عامل الجر لا يستقل كلام به وبمعموله، ولا يستحق التصدير، ولا المذكورة بخلاف ذلك، ولم يكن عملها فيما يليها رفعًا؛ لئلا يُتوهم أن عامله
стр. 49
الابتداء، فإن موضعها موضع المبتدأ، ولأنها لو رفعت ما يليها عند قصد التنصيص على العموم؛ لم يحصل الغرض، لأنها على ذلك التقدير بمنزلة المحمولة على ليس، وهي لا تنصيص فيها على العموم، فلما امتنع أن تعمل فيما وليها جرًّا أو رفعًا مع استحقاقها عملًا؛ تعين أن يكون نصبًا، ولما لم تستغن بما يليها عن جزء ثانٍ، عملت فيه رفعًا؛ لأنه عمل لا يستغنى بغيره عنه في شيء من الجمل. وأيضًا فإن إعمال لا هذا العمل إلحاق لها بإن لمشابهتها لها في التصدير، والدخول على المبتدأ والخبر، وإفادة التوكيد، فإن لا لتوكيد النفي، وإن لتوكيد الإثبات، ولفظ لا مساوٍ للفظ إن إذا خُففت، وأيضًا فإن لا تقترن بهمزة الاستفهام، ويراد بها التمني، فيجب إلحاقها بليت في العمل، ثم حملت في سائر أحوالها على حالها في التمني"، انتهى.
وأما ابن هشام: فهو أبو محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري المصري، المتوفى بالقاهرة سنة إحدى وستين وسبعمائة من الهجرة، قال عنه صاحب (نشأة النحو): "فاق أقرانه بل شيوخه، وتخرج على يده الكثير، صنف المؤلفات المليئة بالفوائد الغريبة، والمباحث الدقيقة، والاستدراكات العجيبة، مع التصرف في منهجها، والتنويع في إفادتها مما يدل على الاطلاع الغريب" انتهى. ومن مؤلفاته التي تُعد درة ثمينة في تاج العربية كتاب (مغني اللبيب) يقول ابن خلدون في مقدمته: "ووصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من مصر منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها، إلى أن قال: فوقفنا منه على علم جمٍّ يشهد بعلو قدره في هذه الصناعة، ووفور بضاعته منها، وكأنه ينحو في طريقته منحاة أهل الموصل، الذين اقتفوا أثر ابن جني، واتبعوا تعليمه، فأتى من ذلك بشيء عجيب دالٍّ على قوة ملكته واطلاعه، والله يزيد في الخلق ما يشاء"، انتهى.
ومن أمثلة تعليلاته ما أورده في (مغني اللبيب) في مبحث أن المفتوحة الخفيفة، بعد ذكره أنها تُزاد في أربعة مواضع، ما أورده من زعم الأخفش أن أن هذه قد
стр. 50
تُزاد في غير هذه المواضع، وأنها تنصب المضارع وهي زائدة، كما تجر مِن والباء الزائدتان لاسم يعني: فلا منافاة بين الزيادة والعمل، وأن من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ (إبراهيم: ١٢)، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٤٦)، وذكر ابن هشام أن غير الأخفش قال في الآيتين الكريمتين ونحوهما: إن أن في ذلك مصدرية لا زائدة، كما ذكر أن من القائلين بالمصدرية مَن ضَمن في الآيتين ﴿مَا لَنَا﴾ معنى ما منعنا أي: أن المصدر المؤول في كلتيهما منصوب على أنه مفعول ثانٍ على تضمين الجار والمجرور معنى منع الناصب لمفعولين، كما تقول: منعت زيدًا إساءته.
ولم يرتضِ ابن هشام هذا التضمين، كما لم يرتضِ قياس الأخفش عمل أن الزائدة على عمل حرف الجر الزائد فقال: "وفيه نظر، وواصل معللًا النظر فقال رادًّا التضمين: لأنه لم يثبت إعمال الجار والمجرور في المفعول به، ولأن أصل ألا تكون لا زائدة يعني: هذا التخريج على تضمين الجار والمجرور معنى فعل ناصب لمفعولين، لا يصح لأمرين؛ أحدهما: عدم ثبوت إعمال الجار والمجرور في المفعول به، والآخر أنه يترتب عليه زيادة لا، وإذا قيل: إن ﴿مَا لَنَا﴾ ضُمن معنى ما منعنا؛ لزم زيادة لا، والمعنى: أي شيء منعنا التوكل، ومنعنا القتال، والأصل عدم زيادتها، كما علل لبطلان القياس الأخفش بأنه إنما لم يجز لأنِ الزائدة أن تعمل لعدم اختصاصها بالأفعال، بدليل دخولها على الحرف لو في قول الشاعر:
فأقسم أنْ لو التقينا وأنتم ... لكان لكم يوم من الشر مظلم
وعلى الحرف كأنّ في قول الشاعر:
فأمهله حتى إذا أنْ كأنه ... معاطي يدٍ في لجة الماء غامر
ودخولها على الاسم في قول الشاعر:
ويومًا توافينا بوجه مقسم ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
стр. 51
بخلاف حرف الجر الزائد، فإنه بقي على اختصاصه بالدخول على الأسماء كالحرف المعدي، فلذلك بقي له العمل فيها"، وذكر ابن هشام أن الصواب في هذه المسألة قول بعضهم: إن الأصل: وما لنا في ألا نفعل كذا، أي: ثم حُذف الجار، وهو في مثله حذف قياسي.
وأما السيوطي فهو أبو الفضل عبد الرحمن جلال الدين بن أبي بكر المولود سنة تسع وأربعين وثمانمائة من الهجرة، والمتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة من الهجرة، فهو يُعد من علماء القرنين التاسع والعاشر الهجريين، وهو صاحب كتاب (الاقتراح في علم أصول النحو)، والذي جعلناه العمدة في شرح هذه المادة، ونشير هنا إلى أنه في هذا الكتاب قد خصَّ العلة بحديث طويل مستفيض في فصل كامل هو أكبر فصول القياس، بل هو أكبر فصول كتاب (الاقتراح) جمع فيه الكثير مما أورده ابن جني والأنباري وغيرهما من حديث عن العلة النحوية. ومن مصنفاته في أصول النحو وقواعده الكلية كتاب (الأشباه والنظائر)، وهو يجمع القواعد المتشابهة، ويضم الشبيه إلى شبيهه والنظير إلى نظيره.
رأي سيبويه في وثاقة العلة النحوية
تحدثنا في عجالة عن وثاقة العلة النحوية، وآن لنا أن نبسط القول في هذا الموضوع، حتى يطمئن دارس العربية إلى أن ما بذله علماء السلف -طيب الله ثراهم- في استنباط علل الأحكام النحوية كان جهدًا خارقًا، وعزمًا صادقًا قرب البعيد، وذلل الصعب، وأزال اللبس، وكشف النقاب عن سلاسة العربية ومرونتها، وسلامة قواعدها وصحتها، وجمال لغتها وتميزها، وروعة بلاغتها وفصاحتها.
стр. 52
ونتحدث عن رأي إمام النحاة سيبويه في وثاقة العلة، مذكرين بأننا حين نتحدث عن العلة النحوية، فإنما نريد بها ما يشمل علل الأحكام المستنبطة من الواقع اللغوي العربي النثري، والشعري، المحتج به؛ سواء ما يتعلق بالمفردات وما يتعلق بالتراكيب، فمرادنا بالنحو في مادتنا هذه النحو بمفهومه القديم الشامل للقواعد النحوية والصرفية، وقد أبان سيبويه ﵀ رأيه في وثاقة العلة النحوية في عبارة واحدة نقلها عنه ابن جني في (الخصائص)، ونقلها السيوطي عن ابن جني في (الاقتراح)، وهذه العبارة في كتاب سيبويه في آخر باب ما يحتمله الشعر قال فيها: "وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجهًا" انتهى.
وقد عقب عليها ابن جني بقوله: "وهذا أصل يدعو إلى البحث عن علل ما استكرهوا عليه، نعم، ويأخذ بيدك إلى ما وراء ذلك فتستضيء به، وتستمد التنبه على الأسباب المطلوبات منه" انتهى. ومعنى عبارة سيبويه: أن الضرورة الشعرية مع كونها رخصة للشاعر ينبغي أن يكون لها وجه تُخرج عليه؛ إذ ليس كونها رخصة أن يستعملها الشاعر من غير قيود ولا حدود، فإنه إن تجاوز القيود والحدود عُدَّ خارجًا عن سنن العربية، بعيدًا عن طرقها، ولذلك نرى سيبويه يذكر مثلًا في باب ما لا يجوز فيه الإضمار من حروف الجر: أن الكاف من حروف الجر المختصة بجر الظاهر، ولا يُجر بها الضمير، ثم ذكر آخر الباب أن الشعراء إذا اضطروا أضمروا في الكاف يعني: أدخلوا الكاف على الضمير تشبيهًا لها بلفظ مثل؛ لأنها في معناها، فيجرونها على القياس، واستشهد على هذا بقول العجاج:
وأم أوعال كها أو أقربا
стр. 53
ثم قال: "ولو اضطر شاعر فأضاف الكاف إلى نفسه قال: ما أنتَ كِي، وكَي خطأ من قِبَل أنه ليس في العربية حرف يفتح قبل ياء الإضافة" انتهى. ومعنى هذا أن الشاعر إذا اضطر، فأدخل الكاف على ياء المتكلم أجراها على ما يقتضيه القياس، فكسر الكاف لمناسبة الياء، وليس له أن يتحرر من قيود العربية فيفتح الكاف قبل ياء المتكلم مثلًا بحجة الاضطرار، إذ لو فعل ذلك ما وجد وجهًا صحيحًا يحمل عليه هذه الضرورة.
ويقول أبو سعيد السيرافي في شرحه لكتاب سيبويه موضحًا أن الضرورة الشعرية ليس معناها الخروج عن قواعد اللغة ومقاييسها، يقول: "اعلم أن الشعر لما كان كلامًا موزونًا تكون الزيادة فيه، والنقص منه يُخرجه عن صحة الوزن، حتى يحيله عن طريق الشعر المقصود مع صحة معناه، استجيز فيه لتقويم وزنه من زيادة ونقصان، وغير ذلك ما لا يُستجاز في الكلام مثله، وليس في شيء من ذلك رفع منصوب، ولا نصب مخفوض، ولا لفظ يكون المتكلم فيه لاحنًا، ومتى وُجد هذا في شعر؛ كان ساقطًا مطرحًا، ولم يدخل في ضرورة الشعر"، انتهى.
وهكذا للضرورة الشعرية عند سيبويه وغيره من النحويين حدود تنتهي إليها، وغاية تقف عندها، ومقاييس يلتزم الشعراء بها، ولا يتجاوزونها، وذلك لأن الضرورة الشعرية مخالفة لسنن الكلام المنثور، خارجة عن قوانينه بما للشعر من سمات متميزة وطبيعة متفردة تجعله خليقًا بأن يتخفف من كثير من قيود الكلام المنثور، لكنه مع ذلك أحد نوعي التعبير اللغوي، فينبغي أن تتصل بين النوعين الأسباب، وأن تمتد بينهما الوشائج. ولذلك فالمتتبع لضرائر الكتاب يجد أن لكل ضرورة وجهًا تُحمل به على صحيح الكلام، وقد ذكر سيبويه أن وجه الضرورة عنده لا يخرج غالبًا عن أحد أمرين، أشار إلى أولهما بقوله: "اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام، من صرف ما لا ينصرف يشبهونه بما ينصرف من
стр. 54
الأسماء؛ لأنها أسماء كما أنها أسماء"، يريد بهذا الوجه تشبيه ما وقع في الشعر بما وقع في الكلام. ثم أشار إلى الوجه الثاني بقوله: "وقد يبلغون بالمعتل الأصل، فيقولون: رادد في رادٍّ، وضننوا في ضنُّوا، يريد الرد إلى الأصل".
والخلاصة المستنبطة من موقف سيبويه من الضرورة الشعرية: أنه يرى أن العلل النحوية من الوثاقة والقوة بمكان عظيم، وأنها أبعد ما تكون عن الضعف والتمحل، وذلك أنه إذا كان لا مفرَّ من أن يكون لكل ضرورة شعرية يرتكبها الشاعر وجه صحيح في القياس المعتمد تُحمل عليه حتى تكون مقبولة جائزة، وإلا عُدَّت خطأ لخروجها عن قياس العربية، مع أن الشعر لغة العاطفة والوجدان، فإن الأمر بالنسبة إلى ما وراء لغة الشعر، وهو الكلام المنثور أشد وأقوى. ووجه الضرورة هو ما نسميه بالعلة النحوية، وسواء كانت هذه العلة علة تشبيه، أو علة أصل أو غيرهما، إن سيبويه قد رسخ أصلًا واجب الاتباع، ووضع قانونًا لازم العمل به، وأطلق دعوة تحث على البحث والتقصي عن علل الضرائر الشعرية؛ بل والبحث والتقصي في ضوئه وعلى هديه عن علل ما وراء ذلك من الكلام، وعدم التسمح في ذلك، فهل يقال بعد هذا: إن العلة النحوية ضعيفة واهية.
رأي ابن جني وابن الفرخان صاحب (المستوفى) في وثاقة العلة النحوية
إن الحديث عن رأي ابن جني في وثاقة العلة النحوية بعدما قدمناه عنه يُعدُّ من نوافل القول: إن هذا العالم ﵀ ينبغي أن نسميه بحق عاشق العربية، لقد انتهج منهج الفقهاء في استنباط العلل، وكانت غايته -كما ذكرنا- أن يبين حكمة العرب في لغتهم، ويفند حجة من ادَّعى ضعف عللهم، ولأجل هذا راح يبحث عن مكان العلة النحوية بالنسبة لعلل المتكلمين، وعلل الفقهاء، وانتهى إلى أنها أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل الفقهاء.
стр. 55
إن هذه النتيجة التي انتهى إليها تدل على مدى اعتداده بالعلة النحوية، واستناده إلى وثاقتها. وقد أوضح من بداية الأمر أنه إنما يعني علل الحذاق المتقنين من النحويين، لا علل ألفافهم المستضعفين، فإن شأن هؤلاء الأخلاط الضعف وعدم استحكام القوة. وكان يرى أن العلة أصيلة في نفوس العرب، وقد أصابت من قوة النظر عندهم وسلامة الحس اللغوي فيهم حظًّا وافرًا يقول: "سألت يومًا أبا عبد الله محمد بن العساف الجوثي التميمي، تميم جوثة، فقلت له: كيف تقول: ضربت أخوك؟ فقال أقول: ضربت أخاك، فأدرته على الرفع يعني: حاولت إلزامه إياه فأبى، وقال: لا أقول: أخوك أبدًا، قلت: فكيف تقول: ضربني أخوك؟ فرفع، فقلت: ألست زعمت أنك لا تقول: أخوك أبدًا، فقال: أيش هذا اختلفت جهتا الكلام".
قال صاحب (إرشاد الأريب): "فهل قوله -يعني: قول الجوثي: اختلفت جهتا الكلام، إلا كقولنا: هو الآن فاعل، وكان في الأول مفعولًا، فانظر إلى قيام معاني هذا الأمر في أنفسهم، وإن لم تقطع به عبارتهم". ويقول ابن جني: "فإن قلت: فما تنكر أن يكون ذلك شيئًا طُبعوا عليه وأُجيئوا إليه من غير اعتقاد منهم لعلله، ولا لقصد من القصود التي تنسبها إليهم في قوانينه وأغراضه، بل لأن آخرًا منهم حذا أي: تبع وسلك على ما نهج الأول يعني: على ما سار عليه الأول فقال به، وقام الأول للثاني لكونه إمامًا له فيه مقام من هدى الأول إليه، وبعثه عليه ملكًا كان أو خاطرًا، قيل: لن يخلو ذلك أن يكون خبرًا رُوسِلُوا به، أو تيقظًا نُبهوا على وجه الحكمة فيه، فإن كان وحيًا أو ما يجري مجراه؛ فهو أنبه له، وأذهب في شرف الحال به، لأن الله سبحانه إنما هداهم لذلك، ووقفهم عليه؛ لأن في طباعهم قبولًا له، وانطواء على صحة الوضع فيه؛ لأنهم مع ما قدمناه عنهم من ذكر كونهم عليه من لطف الحس وصفائه، ونصاعة جوهر
стр. 56
الفكر ونقائه، لم يؤتوا هذه اللغة الشريفة المنقادة الكريمة إلا ونفوسهم قابلة لها، محسة لقوة الصنعة فيها، معترفة بقدر النعمة عليهم بما وهب لهم منها".
فإذا انتقلنا إلى محاولة التعرف على رأي عالم آخر في مدى وثاقة العلة النحوية، وهو أبو سعد علي بن مسعود كمال الدين الفرخان الذي عاش -كما قال محقق كتابه على وجه التقريب- في أواخر القرن السادس ومنتصف القرن السابع، وجدناه يحتفي بالعلة النحوية غاية الاحتفاء، ويهتم بها كمال الاهتمام، فلا تكاد صفحة من صفحات كتابه (المستوفى في النحو) تخلو من حديث عن العلة، ويقول في مقدمة كتابه: "وأنت إذا استقريت أصول هذه الصناعة؛ علمت أنها في غاية الوثاقة، وإذا تأملت عللها؛ عرفت أنها غير مدخولة ولا متسمح فيها.
فأما ما ذهب إليه غفلة العوام من أن علل النحو تكون واهية سخيفة، ومتمحلة بالوضع ضعيفة، واستدلالهم على ذلك بأنها قد تكون هي تابعة للوجود لا الوجود تابعًا لها، فبمعزل عن الحق، وذلك أن هذه الأوضاع والصيغ التي في أيدينا اليوم إن كنا نحن نستعملها، فليس ذلك على سبيل الابتداء والابتداع، بل على وجه الاقتداء والاتباع، ولا بد فيها من التوقيف إما مفردًا، وإما مع الاصطلاح على ما تحقق في غير هذا من العلوم. فنحن إذا صادفنا الصيغ المستعملة والأوضاع المحصلة بحال ما من الأحوال، وعلمنا أنها كلها أو بعضها من وضع حكيم تعالى وجل، تطلبنا بها وجه الحكمة لما خُصص لتلك الحال من بين أخواتها، فإذا حصلنا عليها فذلك غاية المطلوب، أترى أن أحدًا يُنكر الفائدة في علل التشريح المثبتة في كتب الطب التي شأنها شأن هذه، وليس إذا جهلنا علة لمسألة واحدة؛ أوجب ذلك أن نجهل ما كنا حصلناه قبل أو أحطنا به بإذن الله تعالى".
стр. 57
ولقد حرصنا أن نذكر كثيرًا من الألفاظ التي ذكرها ابن الفرخان كما ورد في كتابه، حتى نقف على صحيح وجهة نظره. لقد وصف العلة النحوية بأنها عند التأمل غير مدخولة بالنقض والإبطال، ولا متسمَّح فيها بعدم التثبت والتحقق، ورفض ما ادَّعاه بعضهم من كونها ضعيفة أو متمحلة أي: مصنوعة بالاحتيال والتكلف، وذلك أن استدلالهم على ذلك بكونها تابعة للوجود أي: بكونها مناسبات تُذكر بعد وقوع الحكم النحوي، فتجري على حسب ما وددته إن كان قويًّا أو ضعيفًا، وليس الوجود تابعًا لها كما هو شأن العلة الحقيقية، فإن الحكم دائر معها وجودًا وعدمًا لا العكس. ومن الواضح أن رأي ابن الفرخان ليس محل الموافقة من العلماء، لما فيه من غلوٍّ غير مقبول، فأن نقول بالتوقيف في اللغة فلا مانع، أما أن نقول: إن العلل توقيفية، فذلك ضرب من ضروب الغلو والإغراء؛ إذ كيف يقال هذا في حين أن الخليل صرح باختراعه الكثير منها.
يقول الدكتور مازن المبارك: "ولا شك أن نظرتنا إلى علل النحو على أنها مزعومة مستنبطة لا تروق الذين يجلون هذه العلل، ويعتقدون أنها فوق ما ندعيه مكانة وأصالة وثباتًا، وأما الذين يبالغون في تقديس هذه العلل، فلن يكون لنا في ودهم نصيب، وسيرفضون كل ما نقول، وكيف لا، وفيهم من يغلو به الظن؛ حتى يزعم أن علل النحو توقيفية".
قال صاحب (المستوفى): "إذا استقريت أصول هذه الصناعة" إلى آخر ما قال. وذكر ملخص ما قال ابن الفرخان وقال: "أفإن كان صاحب (المستوفى) يقول بالتوقيف في اللغة، أفيقول ذلك في كل ما يتصل باللغة من أوضاعها من نحو وعلل، ثم إن كانت اللغة هي التوقيفية، وهي التي نستعملها على وجه الاقتداء والاتباع، أفلسنا نحن الذين تطلبنا وجه الحكمة المخصصة لحال من أحوال تلك
стр. 58
اللغة كما يقولون، وما يمنع ما دمنا نحن المتلمسين للحكمة أن نضل، وما يمنع ما دمنا نحن الباحثين عن العلة، والذاكرين لها أن نأتي منها بالمدخول والمتسمَّح فيه، وما ليس في غاية الوثاقة".
ولم يكتفِ الدكتور مازن بما ساق من أدلة للرد على ما قال ابن الفرخان، بل استدل على دحض هذا القول بأدلة أخرى منها: تصريح الخليل بن أحمد باختراعه الكثير من هذه العلل، وذكر ابن جني عن شيخه الفارسي أنه أتى بثلث ما جاء به النحاة من علل النحو، وأن تلك العلل بنتُ الطبع، وليست بنت الشرع، وتبيين السيوطي أن هذه العلل مستنبطة بالفكر والروية بقوله: "النحو بعضه مسموع مأخوذ من كلام العرب، وبعضه مستنبط بالفكر والروية وهو التعليلات، وبعضه يؤخذ من صناعات أخرى".
هذا وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 59
الدرس: ٥ صنفا علل النحويين وذكر بعض الأمثلة لكل صنف منهما وتحليلها .
стр. 60
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس
(صنفا علل النحويين وذكر بعض الأمثلة لكل صنف منهما وتحليلها)
اعتلالات النحويين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
اعتلالات النحويين صنفان: علة تطرد على كلام العرب وتنساق إلى قانون لغتهم، وهي الأكثر استعمالًا، والأشد تداولًا، والأوسع شعبًا. وعلة لا تطرد على كلامهم، ولكنها تُظهر حكمتهم، وتكشف عن صحة أغراضهم ومقاصدهم، ومدار المشهورة من علل الصنف الأول على أربعة وعشرين نوعًا، وقد أوردها السيوطي في (الاقتراح) نقلًا عن كتاب (ثمار الصناعة) لأبي عبد الله الحسين بن موسى بن هبة الله الدينوري الجليس وهي: علة سماع، وعلة تشبيه، وعلة استغناء، وعلة استثقال، وعلة فرق، وعلة توكيد، وعلة تعويض، وعلة نظير، وعلة نقيض، وعلة حمل على المعنى، وعلة مشاكلة، وعلة معادلة، وعلة قرب ومجاورة، وعلة وجوب، وعلة جواز، وعلة تغليب، وعلة اختصار، وعلة تخفيف، وعلة دلالة حال، وعلة أصل، وعلة تحليل، وعلة إشعار، وعلة تضاد، وعلة أَولى.
وقد أتبع السيوطي هذه الأنواع الأربعة والعشرين بذكر أمثلة لثلاثة وعشرين منها نقلًا عن كتاب (التذكرة) لأبي محمد أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم القيسي، تاج الدين، المتوفى سنة ست وسبعين وسبعمائة من الهجرة، ثم ذكر أن ابن مكتوم قد اعتاص أي: صعب واشتدَّ عليه شرح علة التحليل، وفكر فيها أيامًا فلم يظهر له فيها شيء، وأن ابن الصائغ محمد بن عبد الرحمن بن علي شمس الدين النحوي الحنفي، المتوفى سنة تسع وأربعين وسبعمائة من الهجرة، قد رآها مذكورة في كتب المحققين كابن الخشاب البغدادي، حاكيًا لها عن السلف.
كما ذكر السيوطي أن الصنف الثاني من العلل، وهو الذي لا يطرد على كلام العرب لم يتعرض له الجليس في (ثمار الصناعة)، ولا بينه، وإنما بينه ابن السراج
стр. 61
في كتابه (الأصول في النحو)، فذكر أن اعتلالات النحويين على ضربين: ضرب منها هو المؤدي إلى كلام العرب، وضرب آخر يُسمى علة العلة. ومثل ابن السراج لكل ضرب من هذين الضربين غير أن ابن جني عقَّب عليه بأن هذا الذي سماه علة العلة، إنما هو تجوز في اللفظ. أما في الحقيقة فإنه شرح وتفسير وتتميم للعلة.
ذكر بعض الأمثلة لكل صنف وأنواعها
صدَّر الجليس أنواع العلة التي تطرد على كلام العرب بعلة السماع، لما كان السماع هو أصل هذا الفن وأكثره، وعليه مدار علم النحو؛ فكانت له الصدارة على العلل، ومن أمثلته رفع الفاعل ونصب المفعول، وكقولهم: امرأة ثدياء أي: عظيمة الثديين، ولا يقال: رجل أثدى لعدم سماع ذلك.
والعلة الثانية: علة تشبيه، وهو كالقياس، فهو قرين السماع، ومن أمثلته رفع اسم كان تشبيهًا بالفاعل، ونصب خبر ما تشبيهًا بالمفعول، وإعراب المضارع عند خلوِّه من النونين تشبيهًا بالاسم، وبناءُ بعض الأسماء تشبيهًا لها بالحروف.
والعلة الثالثة: علة استغناء، كحذف كل من المبتدأ والخبر فيما يجب حذفه فيه؛ استغناء عنه بما قام مقامه، وكالاستغناء عن الخبر بمرفوع الصفة في نحو: أقائم الزيدان، وكاستغنائهم بترَك عن وذر، وبكثرة عن ودع.
والعلة الرابعة: علة استثقال، كتقدير الضمة في حالة الرفع، والكسرة في حالة الجر في الاسم المنقوص، كجاء القاضي، ومررت بالداعي، وكاستثقالهم الواو في نحو: يعِد؛ لوقوعها بين عدوتيها الياء والكسرة.
стр. 62
والعلة الخامسة: علة فرق، كتجرد خبر أفعال الشروع مثل: كاد، وأنشأ من أن، وكثرة لحاقها خبر أفعال الرجاء كعسى وأوشك، فإن الشروع لا يجامع الاستقبال الذي تدل عليه أن؛ لما بينهما من المنافاة، إذ الشروع حاليٌّ لا يجامع الاستقبال، ولا كذلك الرجاء، ومن ذلك أيضًا ما ذهبوا إليه من رفع الفاعل، ونصب المفعول؛ للفرق بينهما، وفتح نون الجمع، وكسر نون المثنى للفرق بينهما كذلك.
والعلة السادسة: علة توكيد، كوصف دكَّة بواحدة في نحو قوله تعالى: ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (الحاقة: ١٤) وكإدخالهم نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة في فعل الأمر؛ لتأكيد إيقاعه.
والعلة السابعة: علة تعويض، كتنوين نحو: جوارٍ، وهو تنوين العوض المعوض به الياء المحذوفة في الرفع والجر على مذهب سيبويه والجمهور، إما للتخلص من التقاء الساكنين بناءً على الراجح من تقديم الإعلال على المنع من الصرف؛ لتعلق الإعلال بجوهر الكلمة بخلاف منع الصرف، فإنه حال للكلمة.
وبيان ذلك أن كل مفرد على وزن فاعلة، فإنه يُجمع قياسًا مطردًا على فواعل، فالأصل الأصيل لكلمة جوارٍ جواريٌ بالضم والتنوين، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء بعد حذف حركتها، ونون التنوين؛ فحذفت الياء للتخلص من التقاء الساكنين، ثم حُذف التنوين لوجود صيغة منتهى الجموع تقديرًا؛ لأن المحذوف لعلة كالثابت المذكور، فخيف رجوع الياء، لزوال الساكنين في غير المنصرف، المستثقل لفظًا بكونه منقوصًا، ومعنى بكونه فرعًا؛ إذ الجمع فرع الإفراد، فعوضوا التنوين من الياء لينقطع طمع رجوعها.
وإما على القول بتقديم المنع من الصرف على الإعلال، فأصله بعد منع صرفه لصيغة منتهى الجموع جواريُ بالضم من غير تنوين، استثقلت الضمة على الياء
стр. 63
فحذفت، ثم حذفت الياء تخفيفًا وعوِّض منها التنوين؛ لئلا يكون في اللفظ إخلال بالصيغة، ومقابل مذهب سيبويه والجمهور ما قاله المبرد والزجاج من أن التنوين عوض من حركة الياء، وأن منع الصرف مقدَّم على الإعلال، فأصله بعد منع صرفه جواريُ، استثقلت الضمة على الياء فحذفت أي: الضمة، وأتي بالتنوين عوضًا منها، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، فالتنوين على كل حال هو تنوين العوض، غير أنه عوض من حرف هو الياء على قولي سيبويه والجمهور، وعوض من حركة الياء على قول المبرد والزجاج. ومن أمثلة علة التعويض كذلك تعويضهم الميم المشددة في اللهم من حرف النداء.
والعلة الثامنة: علة نظير، ككسرهم أحد الساكنين إذا التقيا في الجزم كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (البينة: ١) حملًا على الجر، إذ الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء؛ لاختصاص كل واحد منهما بنوع من الكلمة، والعمل فيه، وكحمل أفعال المقاربة على الأفعال الناقصة في احتياجها إلى الخبر المنصوب؛ لكونها نظيرتها في عدم حصول الفائدة بمرفوعها فقط، وكحمل سراويل المفرد الأعجمي على نظيره وموازنه في الجمع الذي على صيغة منتهى الجموع في المنع من الصرف.
والعلة التاسعة: علة نقيض، كإعمال لا النافية للجنس عمل إن، فإن لا لتأكيد النفي، وإن لتأكيد الإثبات حملًا للنقيض على النقيض، وكحمل رب التي للتقليل في جر ما بعدها على كم الخبرية التي للتكثير.
والعلة العاشرة: علة حمل على المعنى، كتذكير فعل الموعظة، وهي مؤنثة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (البقرة: ٢٧٥) حملًا لها على المعنى، وهو الوعظ، وكتأنيث فعل الكتاب وهو مذكر في قول الأعرابي: فلان لغوب، جاءته
стр. 64
كتابي فاحتقرها، حملًا له على معنى الصحيفة. ومن ذلك العطف على التوهم الذي يعبر عنه النحاة بالعطف على المعنى إذا ورد في القرآن الكريم؛ تأدبًا مع كتاب الله كرأي الخليل وسيبويه في العطف في قراءة غير أبي عمرو من السبعة، لقوله تعالى: ﴿رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (المنافقون: ١٠) بعطف الفعل أكن المجزوم على فعل منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية، وكأن العبد الذي أسرف على نفسه في الذنوب حينما رأى مصيره ذُهل عن نفسه، فعطف مجزومًا على منصوب؛ توهمًا أن المعطوف عليه مجزوم بتقدير سقوط الفاء، وقصد الجزاء، حملًا على المعنى، فإن معنى لولا أخرتني فأصدق، ومعنى: إن أخرتني أصدق واحد.
والعلة الحادية عشرة: علة مشاكلة، أي: لفظية وذلك ما يسمى بالازدواج والتناسب، ومعناها أن يُذكر الشيء بلفظ غيره؛ لوقوعه في صحبته كتنوين غير المنصرف لمشاكلته لما بعده في اللفظ، كتنوين سلاسل مع كونه على صيغة منتهى الجموع في نحو قوله تعالى: ﴿سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا﴾ (الإنسان: ٤) لمشاكلته لما بعده. والعلة الثانية عشرة: علة معادلة، أي: مقابلة وموازنة، وذلك مثل: جرهم ما لا ينصرف بالفتح حملًا على النصب، ثم عادلوا بينهما أي: بين النصب والجر، فحملوا النصب على الجر في جمع المؤنث السالم، فجعلوا علامتي النصب والجر في هذا الجمع الكسرة، ومن ذلك تنوين المقابلة في جمع المؤنث السالم، فإنه في موازنة ومقابلة النون في جمع المذكر السالم بمعنى: أنه قائم مقام التنوين الذي في الواحد في المعنى الجامع لأقسام التنوين فقط، وهو كونه علامة لتمام الاسم، كما أن النون في الجمع المذكر السالم قائمة مقام التنوين الذي في الواحد في ذلك.
стр. 65
والعلة الثالثة عشرة: علة قرب ومجاورة. مثل: جرهم نعت المرفوع لمجاورته لمجرور، من باب إعطاء الشيء حكم الشيء إذا جاوره، كقولهم هذا جحر ضب خرب، فالنعت وهو لفظ خرب حقه الرفع؛ لأنه صفة لمرفوع وهو جحر، الواقع خبرًا للمبتدأ، لكنه جُرَّ لمجاورته المضاف إليه المجرور، وهو لفظ ضب. وقد أشار سيبويه في (الكتاب) إلى ذلك بقوله: "ومما جرى نعتًا على غير وجه الكلام: هذا جحر ضب خرب، فالوجه الرفع، وهو كلام أكثر العرب، وأفصحهم، وهو القياس؛ لأن الخرب نعت الجحر، والجحر رفع، ولكن بعض العرب يجره، وليس بنعت للضب، ولكنه نعت للذي أضيف إلى الضب، فجروه لأنه نكرة كالضب، ولأنه في موضع يقع فيه نعت الضب، ولأنه صار هو والضب بمنزلة اسم واحد، ألا ترى أنك تقول: هذا حب رمان، فإذا كان لك قلت: هذا حب رماني، فأضفت الرمان إليك، وليس لك الرمان إنما لك الحَب" انتهى.
ومن علة المجاورة أيضًا قول امرئ القيس:
كأن أبانًا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل
أبان: جبل، والعرانين: الأوائل، والأصل في هذا أن قولهم: للأنف عرنين قد استعير لأوائل المطر؛ لأن الأنوف تتقدم الوجوه، والوبل القطر العظيم، وضمير وبله راجع للسحاب في بيت قبله، والبجاد كساء مخطط من أكسية الأعراب من وبر الإبل، وصوف الغنم، والمزمل الملتف. والشاعر يشبه الجبل في أوائل مطر هذا السحاب، وقد غطاه الماء الذي أحاط به فلم يظهر منه إلا رأسه من السحاب بشيخ سيد في قومه، ملتف في كساء مخطط. والشاهد فيه أن قوله: مزمل صفة للاسم المرفوع الواقع خبرًا لكأن، وهو قوله: كبير، فحقه الرفع، وقد خُفض لمجاورته لبجاد المجرور بفي.
стр. 66
والعلة الرابعة عشرة: علة وجوب، كتعليلهم رفع الفاعل ونحوه، وتحليلهم انقلاب كل من الواو والياء ألفًا عند تحرك أيٍّ منهما، وانفتاح ما قبله.
والعلة الخامسة عشرة: علة جواز، كإلحاق علامة التأنيث للفعل إذا كان المسند إليه اسمًا ظاهرًا مجازي التأنيث. تقول: طلعت الشمس، وطلع الشمس، ومن علة الجواز كذلك ما ذكروه في تعليل الإمالة من الأسباب المعروفة، فإن هذه الأسباب علة لجواز الإمالة فيما أُميل لا لوجوبها.
والعلة السادسة عشرة: علة تغليب، وذلك أنهم يغلبون على الشيء ما لغيره، لتناسب بينهما أو اختلاط، فيطلق اسمه على الآخر، ويثنى بهذا الاعتبار قصدًا إليه وإلى الآخر جميعًا، كالأبوين في الأب والأم كما قال تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (النساء: ١١)، وكالعمرين في أبي بكر وعمر ﵄، ولأجل الاختلاط أطلقت مَن على ما لا يعقل في نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (النور: ٤٥) فإن الاختلاط حاصل في العموم في قوله تعالى: ﴿كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾، وفصله بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ إلى آخره، وفي قوله تعالى: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ اختلاط آخر في عبارة التفصيل، فإنه يعمُّ الإنسان والطائر. ومن ذلك أيضًا تغليبهم المذكر على المؤنث في نحو قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (التحريم: ١٢) فأدرج مريم ﵂ في جمع المذكر السالم.
والعلة السابعة عشرة: علة اختصار، كالترخيم، وهو حذف آخر المنادى، وكحذف النون من مضارع كان المجزوم بالسكون غير الموقوف عليه، ولا المتصل بضمير نصب، ولا الذي بعده ساكن كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٠)، وقوله : ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (مريم: ٢٠).
стр. 67
والعلة الثامنة عشرة: علة تخفيف، فقولهم: يرى وترى وأرى، أصله يرأى، وترأى، وأرأى، فحذفت الهمزة التي هي عين الفعل للتخفيف القياسي بأن ألقيت حركتها على الراء قبلها، ثم حُذفت، فصار الفعل يرى وترى وأرى على وزن يفَل وتفل وأفل، ولزم هذا التخفيف والحذف لكثرة الاستعمال، ومن التخفيف أيضًا الإدغام وهو الإتيان بحرفين ساكن فمتحرك من مخرج واحد، دون أن يُفصل بينهما بحيث يرتفع بهما اللسان وينحط دفعة واحدة، والغرض منه التخفيف.
والعلة التاسعة عشرة: علة أصل، كاستحوذ في قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (المجادلة: ١٩) بتصحيح الواو من غير إعلال رجوعًا إلى الأصل، ومثل يُؤكرم مضارع أكرم من غير حذف الهمزة بمقتضى القياس، رجوعًا إلى الأصل كذلك، قال الراجز:
فإنه أهل لأن يؤكرم
ومثل ذلك أيضًا صرف ما لا ينصرف للاضطرار أو التناسب، فالأول كقول الشاعر:
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... سوالك نقبًا بين حزني شعبعب
الظعائن: جمع ظعينة وهي المرأة في الهودج، والسوالك: جمع سالكة مفعول ثان لترى، ومفعوله الأول: ظعائن، زيدت فيه مِن، ونقبًا: مفعول سوالك، أي: طريقًا في الجبل، وحزني: مثنى حَزْن، وهو ما غلظ من الأرض، وشَعَبْعَب: اسم ماء، والشاهد في البيت: صرف ظعائن مع أنه على صيغة منتهى الجموع للضرورة الشعرية، ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا﴾ (الإنسان: ٤).
والعلة المتممة للعشرين: علة أولى، كقولهم: إن الفاعل أولى برتبة التقديم من المفعول.
والعلة الحادية والعشرون: علة دلالة حال، كقول المستهل -أي: الذي يرى الهلال: الهلالُ، بالرفع أي: هذا الهلال، فحذف المبتدأ، أو قوله: الهلالَ، بالنصب أي: انظر الهلال، فحذف الفعل.
стр. 68
والعلة الثانية والعشرون: علة إشعار، أي: علة إعلام كقولهم في جمع موسى: موسون، بفتح ما قبل الواو وهو السين، وكذلك كل مقصور يُجمع هذا الجمع، وإنما يفتح ما قبل الواو إشعارًا بأن المحذوف ألف حذف لالتقاء الساكنين، فإن الأصل مُوسَيُون، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، ثم حذفت لملاقاتها ساكنة مع علامة الجمع. والعلة الثالثة والعشرون: علة تضاد، مثل قولهم في الأفعال التي يجوز إلغاؤها كأفعال القلوب: متى تقدمت على مفعوليها، وأكدت بالمصدر أو بضميره لم تلغ أصلًا؛ لما بين التأكيد والإلغاء من التضاد، فإن الإلغاء يقتضي الإهمال وعدم الاعتداد بالشيء الملغى، والتأكيد بخلافه، فعلة عدم إلغائها التضاد.
والعلة الرابعة والعشرون: علة تحليل، وهي التي اعتاص تفسيرها على ابن مكتوم، وذكرها ابن الصائغ نقلًا عن بعض كتب المحققين، ومن أمثلتها الاستدلال على اسمية كيف بنفي حرفيتها، بأنها إذا ضمت إلى اسم تركب منهما كلام مثل: كيف حالك، والحرف مع الاسم لا يركب منهما كلام؛ إذ القاعدة أن الحرف لا يكون بضميمته لمثله، أو للفعل كلامًا، وقد تركب من كيف إذا ضُمَّت للاسم كلام، ولا يعترض بنحو قولهم: يا زيد، فقد صرحوا بأنهم جملة وكلام، لما تقرر من أن يا قائمة مقام أدعو أو أنادي، فكان كلامًا بسبب ذلك، كما ذكر ابن الحاجب وغيره. والاستدلال على نفي فعلية كيف بمجاورتها الفعل بلا فاصل في نحو قول الله ﵎: ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ (الفيل: ١) والفعل لا يسند إلى الفعل، فتحلل أي: انحل وانفك بذلك عقدة كونها ليست اسمًا، إذ لا يمكن أن تكون حرفًا أو فعلًا أي: انحلت دعوى عدم اسمية كيف بعدم إمكان قسيمي الاسم، وهما الفعل والحرف فتعين كونها اسمًا، إذ لا قسيم سوى ذلك.
стр. 69
أما الصنف الثاني الذي لم يتعرض له الجليس، فقد بينه ابن السراج في مقدمة كتابه (الأصول في النحو)، وكان لابن جني تعليق وتعقيب على حديث ابن السراج، وذلك بالنسبة للضرب الثاني من الضربين المذكورين الذي سماه علة العلل، ويرى أن الذي سماه ابن السراج علة العلة إنما هو تجوُّز في اللفظ، فأما في الحقيقة فإنه شرح وتفسير وتتميم للعلة.
انقسام العلة إلى موجبة للحكم وإلى مجوزة له
لقد استمدَّ السيوطي في (الاقتراح) مادة هذا العنصر من باب أورده ابن جني في كتاب (الخصائص) بعنوان: باب في ذكر الفرق بين العلة الموجبة وبين العلة المجوزة، وقد أوضح فيه أن أكثر العلل عندنا مبناها على الإيجاب بها يعني: أنها مبنية على أساس أنتج على الحكم بمقتضاها على سبيل الإيجاب الصناعي، فيلحن تاركه أي: تارك الحكم بمقتضى العلة، وينسب إلى الجهل بالعربية.
ومن أمثلة هذا النوع: العلل المقتضية نصب الفضلة أي: ما زاد على ركني الإسناد، وإن توقف عليه صدق الكلام ككثير من الأحوال اللازمة، أو ما شابه في اللفظ الفضلة كخبر كان، ومفعولي ظن، فإنها عمد في الأصل، لكنها شابهت الفضلة، فجرت مجراها، ورفع المبتدأ والخبر، والفاعل وجر المضاف إليه، وغير ذلك؛ فعلل هذه الداعية إليها موجبة لها، غير مقتصر بها على تجويزها، وعلى هذا مفاد كلام العرب أي: فائدة كلامهم. وذكر ابن جني أن هناك نوعًا آخر يسمى علة، وهو ليس كذلك، وإنما هو في الحقيقة سبب يجوز الحكم ولا يوجبه، ومن هذا النوع: الأسباب الستة الداعية إلى الإمالة، فهي علة الجواز لا علة الوجوب، بدليل أنه ليس في الدنيا أمر يوجب الإمالة لا بد منها، وأن كل ممال لعلة من تلك الأسباب الستة لك أن تترك إمالته مع وجودها فيه، فهذه إذن علة الجواز لا علة الوجوب.
стр. 70
ولو كانت علة حقيقية لأوجبت الإمالة لدوران الحكم مع علته وجودًا وعدمًا بمعنى: أنها إذا وُجدت وجد الحكم، وإذا انعدمت انعدم الحكم، ومن ذلك علة قلب واو "وُقتت" همزة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (المرسلات: ١١) أُبدلت الواو همزة؛ لكونها واوًا مضمومة ضمًّا لازمًا، فكأنه اجتمع فيها واوان، ومع ذلك يجوز إبقاؤها، وقد قرأ أبو عمرو وهو أحد القراء السبعة "وقتت" من غير إبدال، فعِلتها إذن مجوزة لا موجبة. وكذا كل موضع جاز فيه إعرابان فأكثر، كالذي يجوز جعله بدلًا وحالًا، وذلك أن تقع النكرة بعد المعرفة التي يتم الكلام بها، وتلك النكرة هي المعرفة في المعنى، فيجوز أن تعدها بدلًا، ويجوز لك أن تعدها حالًا نحو: مررت بزيد رجل صالح، على البدل، ومررت بزيد رجلًا صالحًا على الحال. قال السيوطي: "فظهر بهذا الفرق بين العلة والسبب".
انقسام العلة إلى بسيطة وإلى مركبة
البسيطة: هي التي يقع التعليل بها من وجه واحد كالتعليل بالاستثقال في تقدير الضمة في حالة الرفع، والكسرة في حالة الجر في الاسم المنقوص، والجوار كتعليل جر خرب، الواقع نعتًا لمرفوع في قولهم: هذا جحر ضب خرب، بمجاورته لمجرور، والمشابهة كتعليل إعراب الفعل المضارع بمشابهته للاسم، ونحو ذلك. والمركبة: هي ما تركبت من عدة أوصاف اثنين فصاعدًا، كتعليل قلب واو ميزان وميعاد؛ بوقوع كل منهما ساكنة إثر كسرة، إذ الأصل فيهما مِوْزَان وموعاد، لأنهما من الوزن والوعد فالعلة في القلب فيهما ليس مجرد سكون الواو فقط، ولا وقوعها بعد كسرة فقط، بل العلة مجموع الأمرين معًا، وذلك كثير جدًّا.
هذا وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 71
الدرس: ٦ جواز التعليل بعلتين وجواز تعليل حكمين بعلة واحدة .
стр. 72
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس
(جواز التعليل بعلتين وجواز تعليل حكمين بعلة واحدة)
تعليل الحكم الواحد بعلتين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
إنما جاز تعليل الحكم الواحد بعلتين، لأن المعاني لا تتزاحم، والعلل موضحة ومبينة وليست مؤثرة لأنها بعد الوقوع، وقد استمدَّ السيوطي مادة هذه المسألة، وهي جواز تعليل الحكم بعلتين من كتابي (الخصائص) و (لمع الأدلة)، ومجمل ما أورده ابن جني في (الخصائص) في باب عنوانه: باب في حكم المعلول بعلتين، أن هذا الباب على ضربين؛ أحدهما: ما لا نظر فيه، والآخر محتاج إلى النظر، ومن أمثلة الضرب الأول نحو قولهم: هذه عشريَّ، وهؤلاء مسلمي، فإن الأصل عشروي ومُسْلِمُويَ، فقُلبت الواو ياء لأمرين كل واحد منهما على حدته موجب للقلب من غير احتياج إلى الآخر؛ للاستعانة به على قلبه. أحدهما: اجتماع الواو والياء وسبق الأولى منهما بالسكون، والآخر أن ياء المتكلم أبدًا تكسر الحرف الذي قبلها إذا كان صحيحًا لمناسبتها نحو: هذا غلامي، ورأيت صاحبي، وقد ثبت فيما قبل أن نظير الكسر في الصحيح الياء في هذه الأسماء؛ فوجب قلب الواو ياء، وإدغامها في الياء؛ ليمكن كسر ما قبل ياء المتكلم، فهذه علة غير الأولى في وجوب قلب الواو ياء.
ومن المعلول بعلتين أيضًا قولهم: سي في لاسيما، وري، والسي هو المثل والنظير تقول مثلًا: أتقن علوم العربية ولاسيما النحو، والمعنى: وبخاصة النحو، وسي أصله سِوْيٌ، وري أصله رويٌ؛ فانقلبت الواو ياء -إن شئت- لأنها ساكنة غير مدغمة وبعد كسرة، وإن شئت لأنها ساكنة قبل الياء، فهاتان علتان، إحداهما: كقلب ميزان أو كعلة قلب ميزان، وأصله موزان.
стр. 73
والأخرى: كعلة طي ولي مصدري طويت ولويت، وأصل المصدرين طوي ولوي، وكل من هاتين العلتين مؤثرة على حدة في القلب.
فهذا ونحوه أحد ضربي الحكم المعلول بعلتين، والضرب الآخر منهما ما فيه النظر، وهو باب ما لا ينصرف، وذلك أن علة امتناعه من الصرف إنما هي لاجتماع شبهين فيه من أشباه الفعل، أو لوجود شبه واحد يقوم مقام الشبهين كما مضى تفصيله في بابه من النحو، كما أورد ابن جني في (الخصائص) في باب عنوانه: باب في تقاود السماع، وتقارع الانتزاع أنه قد يكثر الشيء، فيُسأل عن علته كرفع الفاعل ونصب المفعول، فيذهب قوم إلى شيء وآخرون إلى غيره، فيجب إذن تأمل القولين واعتماد أقواهما أي: أن يعتمد المتأمل ما يراه قويًّا من ذلك؛ لقوة مدركه، أو لموافقته المنقول، ويرفض الآخر، ولا يعتد به، فإن تساويا في القوة أي: في قوة المدرك وموافقة المنقول؛ لم ينكر اعتقادهما جميعًا، فقد يكون الحكم الواحد معلولًا بعلتين.
أما أبو البركات الأنباري، فذكر في الفصل التاسع عشر من (لمع الأدلة) أن العلماء اختلفوا في تعليل الحكم بعلتين فصاعدًا، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز؛ لأن هذه العلة أي: النحوية مشبهة بالعلة العقلية، والعلة العقلية لا يثبت الحكم معها إلا بعلة واحدة أي: لأنها مؤثرة، ولا يوجد أثر واحد لمؤثرين، فكذلك ما كان مشبهًا بها. وذهب قوم إلى أنه يجوز أن يعلل الحكم بعلتين فصاعدًا، وذلك مثل أن يدل على كون الفاعل ينزل منزلة الجزء من الفعل بعلل متعددة:
الأولى: أنه تسكن له لام الفعل إذا اتصل به ضمير رفع متحرك نحو: أنا فهمت، ونحن فهمنا، وهن فهمن.
стр. 74
والثانية: أنه يمتنع العطف عليه إذا كان ضميرًا متصلًا قبل الفصل بينه وبين ما عطف عليه بشيء، ويجوز العطف مع الفصل كالفصل بالضمير المنفصل مثل: أحسنت أنت وإخوانك، فما بعد الواو معطوف على الضمير المرفوع المتصل الواقع فاعلًا في محل رفع، وصحَّ ذلك للفصل بالضمير المنفصل، وهو أنت، والضمير المرفوع المستتر في ذلك كالضمير المرفوع المتصل، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (البقرة: ٣٥) فزوجك معطوف على الضمير المرفوع المستتر في ﴿اسْكُنْ﴾؛ لأن الضمير المرفوع المتصل أو المستتر كالجزء من عامله لفظًا ومعنى، ولا يُعطف على جزء الكلمة، فإذا فُصل بينه وبين ما عُطف عليه بفاصل ما؛ حصل له نوع من الاستقلال فجاز العطف عليه.
والثالثة: وقوع الإعراب بعده في الأمثلة الخمسة أي: في الأفعال الخمسة فتقول: الطلاب يجتهدون ولم يقصروا، ولن يقصروا، فواو الجماعة في الأفعال الثلاثة المذكورة ضمير رفع؛ لأنها فاعل، والفعل الأول مرفوع بثبوت النون، والثاني مجزوم بحذفها، والثالث منصوب بحذفها كذلك، فإعراب الثلاثة وقع بعد الضمير. ومن المعلوم أن الإعراب إنما يكون في أواخر الكلم مما يدل على أن الضمير المرفوع عُدَّ كالجزء من الفعل، وكأن آخر الفعل ما بعده.
والرابعة: اتصال تاء التأنيث بالفعل إذا كان الفاعل أو نائبه مؤنثًا.
والخامسة: قول العرب في النسب إلى كنت: كنتيٌ، فاعتبروا كان واسمها -وهو ضمير مرفوع متصل- كلمة واحدة، فألحقوا بآخرها علامة النسب، وهي الياء المشددة كقول الشاعر:
فأصبحت كنتيًّا وأصبحت عاجنًا ... وشر خصال المرء كنت وعاجن
стр. 75
فقوله: كنتي معناه أن يقول: كنت أفعل في شبابي كذا، وكنت في حداثتي أصنع كذا، والعاجن هو الذي أسن، فلا يستطيع القيام إلا إذا اعتمد على يديه من شدة ضعفه، فأجروا ضمير الرفع مجرى الدال من زيد، وكأنهم نبَّهوا بهذا على قوة اتصال الفعل بهذا الضمير المتصل به، وأنهما قد حلَّا جميعًا محل الجزء الواحد.
والسادسة: قولهم: حبذا، من نحو: حبذا زيد يعني: أنهم ركبوا حَب وهو فعل مع اسم الإشارة ذا، فصارا بمنزلة اسم واحد حكم على موضعه بالرفع على الابتداء، وهو ظاهر مذهب الخليل وسيبويه، كما في (الكتاب). وقد تغلَّب على المركب في هذا القول جانب الاسمية.
والسابعة: قولهم: لا أحبذه، أي: لا أقول له مادحًا إياه: حبذا، فلا نافية، وأحبذ فعل مضارع، فاعله ضمير مستتر تقديره: أنا، والهاء مفعوله، وقد تغلب على المركب في هذا القول جانب الفعلية.
والثامنة: إبدالهم تاء الضمير طاء في قولهم: فحصط برجلي، وأصله فحصت، فشبهوا تاء الفاعل بتاء افتعل كاصطبر، وأصله اصتبر؛ فأبدلت التاء طاء لتجانس الصاد في الإطباق، والإطباق هو أن ترفع في النطق أطراف لسانك إلى الحنك الأعلى مطبقًا له، فيفخم ذلك نطق الحرف، وحروف الإطباق هي: الصاد والضاد والطاء والظاء.
قال ابن جني في (سر صناعة الإعراب): "ووجه شبه تاء فعلت بتاء افتعل أنها ضمير الفاعل، وضمير الفاعل قد أُجري في كثير من أحكامه من الفعل مجرى بعض أجزاء الكلمة من الكلمة، وذلك لشدة اتصال الفعل بالفاعل" انتهى.
следующие страницы →