← Сира

Сира · id 11323

غزوة مؤتة والسرايا والبعوث النبوية الشمالية

بريك العمري

Полный текст (444 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المطلب الثاني: الخلاف في سبب السرية: بالنظر إلى أقوال أهل المغازي في سبب السرية، نجد هنالك قولين: - القول الأوَّل: لابن إسحاق، الذي ذكر أنَّ سببها كان سرية بعثها رسول الله ﷺ قبل هذه السرية مباشرةً، وبقيادة زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - نفسه إلى وادي القرى: [١] "فلقي به بني فزارة١ وأصيب بها ناسٌ من أصحابه، وانفلت زيد من بين القتلى. فلمَّا قدم زيد بن حارثة، نذر أنْ لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو فزارة"٢.

стр. 37

- القول الثاني: وقال به الواقدي، وابن سعد، حيث ذكرا أنَّ زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - خرج: [٢] "في تجارة إلى الشام ومعه بضائع لأصحاب النبي ﷺ ، فلمَّا كان دون وادي القرى لقيه ناس من فزارة، من بني بدر١، فضربوه وضربوا أصحابه، وأخذوا ما كان معهم، ثُمَّ استبلَّ زيد٢، وقدم على رسول الله ﷺ ، فأخبره، فبعثه رسول الله ﷺ إليهم"٣.

стр. 38

هذا وقد جمع ابن سيد الناس بين روايتي ابن إسحاق، وابن سعد وقال: "كذا ثبت عن ابن سعد، لزيد سريتان بوادي القُرى، إحداهما في رجب، والثانية في رمضان"١. وقال الزرقاني معلّقاً: "وقد التبس سبب السرية الذي هو السير للتجارة بالسرية نفسها على مَن زعم أنَّ قول اليعمري٢، لشيخه الدمياطي٣، كذا ثبت عند ابن سعد لزيد سريتان بوادي القرى، إحداهما في رجب، والأخرى في رمضان، مشكل لاقتضائه أنه أُرسل غازياً في المرَّتين لبني فزارة مع أنَّه إنَّما كان في الأولى تاجراً اجتاز بهم، كما دلَّ عليه كلام ابن سعد، ففيه اطلاق السرية على الطائفة الخارجة للتجارة، ولا يختص ذلك بالخارجة للقتال أو تحسس الأخبار، وهو وهم فكلام ابن سعد كما علمت إنما هو في سبب غزوة زيد لهم في رمضان، مع أنَّ الثلاثة مع كونهم حُفَّاظاً متقنين لم ينفردوا بأنَّهما سريتان لزيد، بل سبقهم إلى ذلك الواقدي، وابن عائذ، وابن إسحاق، وإن خالفهم في سببها، ولم يذكر تاريخاً"٤.

стр. 39

وقال في مكانٍ آخر محاولاً الجمع بين القولين: "ويجمع بتعدُّد السبب بأن يكون لما صحَّ١ ذهب للتجارة فنهبوه، فرجع وأخبره ﷺ "٢. قلت: ذلك يقتضي أنَّ زيد بن حارثة ﵁ خرج ثلاث مرَّات خلال شهرين، وهو أمر متعذّر لصعوبة المواصلات في ذلك الوقت، ومشقة السفر خاصّةً وأنه قد ذكر أنَّ زيد قد جرح جراحاً بليغة في المرَّة الأولى حتى اعتقد بنو فزارة بأنَّه قد مات، وشفاؤه من تلك الجراح يتطلب وقتاً ليس بالقصير، كما أنه من المستبعد أن يخرج للتجارة مارّاً بديار أولئك القوم الذين بدت عداوتهم للمسلمين وخاصّةً أنَّ زيداً ﵁ قد غزاهم في المرّة الأولى، فخروجه لمجرَّد التجارة يُعَدُّ مجازفة عظيمة، ما كان للنبي ﷺ أن يوافقه عليها أبداً. لذلك أرى أنه لا يمكن الجمع بين القولين، بل لابدَّ من ترجيح أحدهما على الآخر، وهو في نظري قول ابن إسحاق، فهو بالإضافة إلى كونه أقوى إسناداً مدعوماً بالواقع، فالمسلمون في تلك الفترةلم يفرضوا سلطانهم على تلك المنطقة بَعْدُ، حتَّى تصبح طريقاً سالكةً لتجارتهم إلى الشام، بل كانوا في موقف المواجهة مع القبائل القاطنة في تلك المنطقة خاصّةً وأنَّها حليفة قوية ليهود

стр. 40

خيبر الذين كان المسلمون يعُدُّون العُدَّة السريعة لمواجهتهم بعد الحديبية، وتوقيع الهُدنة مع قريش، نظراً لنشاطات زعمائهم المعادية للمسلمين ودورهم الكبير في تأليب الأحزاب في الخندق والذي شاركت فيه بعض تلك القبائل١ القاطنة في تلك المنطقة بفعالية كبيرة.

стр. 41

المطلب الثالث: الخلاف في قائد السرية: قلت: اختلف في هذه السرية، وقائدها على قولين: ذكر أهل المغازي المتقدمين، كابن إسحاق، والواقدي، وابن سعد، وابن عائذ هذه السرية، وأنَّ قائدها زيد بن حارثة ﵁، وأنَّ سلمة بن الأكوع ﵁ كان معهم في السرية، وأنه أصاب جارية جميلة من بني فزارة، ذكر أهل المغازي أنَّها بنت أُمّ قرفة، وأنَّ رسول الله ﷺ استوهبها من سلمة، فوهبها له، فأهداها رسولُ الله ﷺ لخاله حزن بن أبي وهب١. - وأخرج أهل الحديث "مسلم، وأحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن أبي شيبة" عن سلمة بن الأكوع ﵁، قال: [٣] "غزونا فزارة وعلينا أبو بكر، أمَّره رسول الله ﷺ علينا ... فذكر الحديث"٢.

стр. 42

وذكر فيه قصة أسره لامرأةٍ من بني فزارة، ومعها ابنة لها من أحسن العرب، وأنَّ أبا بكر نفله إيَّاها، وأنه قدم بها المدينة، وأنَّ رسول الله ﷺ سأله إيَّاها فوهبها له، فبعَثَ بها رسولُ الله ﷺ إلى أهل مكة ففدى بها ناساً من المسلمين كانوا أسرى بمكة١.وحاول المتأخرون من أهل المغازي الجمع، أو ترجيح إحدى الروايتين على الأُخرى، فقد نقل الحلبي، والزرقاني عن الشامي الجمع بين الروايتين حيث قال: "يُحتمل أنَّهما سريتان، اتَّفق لسلمة بن الأكوع فيهما ذلك، أي إحداهما لأبي بكر، والأخرى لزيد بن حارثة، ويؤيد ذلك أنَّ في سرية أبي بكر أنَّ رسول الله ﷺ بعَثَ ببنت أُمّ قرفة إلى مكة ففدى بها أسرى كانوا في أيدي المشركين، وفي سرية زيد وهبها لخاله حزن بمكة. قال: ولم أرَ من تعرَّض لتحرير ذلك"٢.

стр. 43

وتعقَّبه الحلبي، والزرقاني، بأنَّ في هذا الجمع نظراً؛ لأنه يقتضي أنَّ أُمَ قرفة تعدَّدت، وأنَّ كُلَّ واحدة كانت لها بنت جميلة، وأنَّ سلمة بن الأكوع أسرهما، وأنَّه ﷺ أخذهما منه. وفي ذلك بعد، إلاَّ أن يُقال: لا تعدُّد لأُمّ قرفة وتسمية المرأة في سرية أبي بكر أُمّ قرفة وَهَمٌ مِن بعض الرواة، ويدل عليه أنَّ بعضهم أوردها ولم يسم المرأة أُمّ قرفة، بل قال: فيهم امرأة من بني فزارة معها ابنة لها من أحسن العرب١. وفيه توهيم رواية الصحيح بلا حُجَّة، فإنَّ تسميتها فيه من زيادة الثقة، فما في الصحيح أصحَّ كما قال السهيلي٢. قلت: رجَّح السُهيلي ما ورد في روايات أهل الحديث حول الجارية التي استوهبها رسول الله ﷺ من سلمة ففدى بها أسيرين من المسلمين كانوا بمكّة على روايات أهل المغازي، ومنهم ابن إسحاق، الذين ذكروا أنه ﷺ وهبها لخاله حزن بمكّة٣، ووافقه الزرقاني على ذلك مُعَمّماً هذا الحكم على باقي الرواة وبخاصّةً كون القائد أبا بكر الصّدّيق ﵁، وليس زيد ابن حارثة ﵁، كما ذكرت روايات أهل المغازي٤.

стр. 44

وقد جمع ابن حجر بين ما ذكره أهل المغازي حول قيادة زيد ابن حارثة ﵁ للسرية، وما ذكره مسلم من رواية سلمة ﵁، وكأنه - أي ابن حجر - معتبرٌ إيَّاها قصّةً واحدة١. ولو أمعنا النَّظر في الروايتين: رواية أهل المغازي، ورواية أهل الحديث، لأمكن استنباط قرائن قوية تدل على اتّحاد القصة، وأنَّ أحداثها تدور حول سرية واحدة، فمن ذلك مثلاً: - أنَّ كلتا الروايتين تشير إلى أنَّ السرية كانت موجهة لبني فزارة. - أشارت روايات أهل الحديث أنَّ قائد السرية صبَّح القوم ثُمَّ أمر بشن الغارة عليهم دون سابق إنذار٢، ووقع مثل ذلك في روايات أهل المغازي٣.

стр. 45

مِمَّا يدل على أنَّ هدف السريتين كان هو المباغتة لتأديب أولئك الأعراب، والمباغتة لا تكون إلاَّ لقومٍ قد بلغتهم الدعوة فأصرُّوا واستكبروا، وبدت منهم العداوة للمسلمين، وتبليغ الدعوة يكون إمَّا بكتاب يبعثه رسول الله ﷺ ، أو بعثة دعوية، أو سرية سابقة كما حدث بالنسبة إلى بني فزارة، حيث أُرسل إليهم زيد ابن حارثة ﵁ في سرية، فقاتلوه وأصابوا أصحابه، فكانت المباغتة في السرية الثانية لأجل تأديبهم لما كان منهم في السرية الأولى، والله تعالى أعلم. - ذِكْر المرأة الفزارية وابنتها الجميلة اللتان أصابهما سلمة بن الأكوع ﵁، ولو سمَّتهما المصادر الحديثية كما فعلت المصادر التاريخية، لَحُسِمَ النّزاع مبكراً. وإن كان بعض أهل المغازي المتأخرين قد ذكر ورود التسمية في بعض روايات الصحيح١. ولكن رواية مسلم التي بين أيدينا لم تُسَمّ المرأة، وكذلك روايات أهل الحديث الأُخرى. كُلُّ هذه القرائن تقوي الاعتقاد أنَّها سرية واحدة أُرْسِلَت إلى بني فزارة، ولكن هذه المرّة بقيادة أبي بكر الصديق ﵁، كماذكرت روايات أهل الحديث، ويمكن توهيم روايات أهل المغازي التي ذكرت أنَّ القائد كان زيد ابن حارثة ﵁، فتوهيم روايات

стр. 46

أهل المغازي أخف وطأة وأقل تبعية من توهيم روايات أهل الحديث بما فيها رواية الصحيح، لأنَّ روايات أهل المغازي على تخصصها فإنَّها جميعاً قد وردت من طرقٍ لا تخلو من مقال، وليس فيها رواية واحدة يمكن أن ترتقي إلى رواية الصحيح أو غيرها من الروايات الحديثية. وربما وقع الوهم عند أهل المغازي بسبب ما ورد عندهم من خروج زيد ابن حارثة ﵁ في السريتين، وبما أنه كان قائداً للسرية الأولى، ثُمَّ نذره بعد ذلك بسبب ما وقع له ولأصحابه من بني فزارة بغزوهم مرّةً ثانية، فجعلوه قائداً للسرية الثانية، ربما يكون قد خرج معهم ولم يكن قائداً، بل أُنيطت القيادة هذه المرَّة بالصّدّيق أبي بكر ﵁، لكون زيد ﵁ قد أُصِيبَ في المرّة الأولى، فأراد النبيُّ ﷺ إراحته وإسناد القيادة لأبي بكر ﵁، وسمح لزيد بالخروج وفاءً لنذره، فشارك بفعالية بأحداث السرية، فوهم أهل المغازي، وذكروا أنه قائد للسرية، ولكن ما في الصحيح أصح، والله تعالى أعلم.

стр. 47

المطلب الرابع: تاريخ السرية: تفرَّد الواقدي، وابن سعد من المتقدّمين من أهل المغازي بتحديد تاريخ هذه السرية، حيث أرَّخ لها الواقدي برمضان سنة ست من الهجرة١. وكذلك فعل ابن سعد٢، ولكنَّه أرَّخ للسرية الأولى برجب سنة ست٣. وقد مرَّ بنا قول ابن سيّد النَّاس: كذا ثبت عن ابن سعد، لزيد سريتان بوادي القُرى، إحداهما في رجب، والثانية في رمضان٤. وقد تابعهما في ذلك البلاذري في الأنساب٥. ولم يؤرّخ لها ابن إسحاق، وإنَّما ذكرها في سياق السرايا والبعوث حيث عدَّد سرايا زيد بن حارثة ﵁، وذكر هذه السرية بعد سريته إلى الطرف من ناحية نخل من طريق العراق٦.

стр. 48

ونقل بعض المتأخرين من أهل المغازي أمثال: ابن سيّد الناس، والقسطلاني، والمقريزي، والشامي، تاريخ السرية عن ابن سعد، وشيخه الواقدي١. ولم يذكر البيهقي٢، وتبعه في ذلك ابن كثير٣ سرية زيد بن حارثة ﵁ إلى بني فزارة، وإنَّما ذكرا سرية أبي بكر الصديق ﵁ إليهم، حيث قال البيهقي: جماع أبواب السرايا التي تذكر بعد فتح خيبر، وقبل عمرة القضية، وإن كان تاريخ بعضها ليس بواضح عند أهل المغازي، ثُمَّ بدأ الحديث عن سرية أبي بكر ﵁ ٤. وكذلك فعل ابن القيم، حيث قال: "وأقام رسول الله ﷺ في المدينة بعد مقدمه من خيبر إلى شوال، وبعث في خلال ذلك السرايا، فمنها سرية أبي بكر الصديق ﵁ إلى نجد قبل بني فزارة"٥. هذا بالنسبة لأهل السير والمغازي، أمَّا ما يفهم من روايات أهل الحديث فيفهم من قول سلمة ﵁ عندما سأله النَّبِيُّ ﷺ

стр. 49

الجارية – "يا رسول الله لقد أعجبتني - وما كشفت لها ثوباً" وسكوت رسول الله ﷺ ، وتركه الإنكار عليه، دليلٌ على أنَّهم يستبيحون إذ ذاك وطء الوثنيات، وذلك قبل نزول تحريمه بعد الحديبية١، ففي ذلك دليل على أنَّ السرية كانت قبل الحديبية. وكذلك إرسال النَّبِيّ ﷺ الجارية إلى أهل مكة ليفتدي بها أسيرين من المسلمين كانوا عندهم، دليلٌ آخر على أنَّ السرية كانت قبل الحديبية، لأنَّ اتفاقية الحديبية كانت اتفاقية سلام ومعاهدة صلح بين المسلمين ومشركي مكة سوَّت الوضع القائم بينهما، وأعتقد أنه كان لا يمكن استثناء الأسرى من الاتفاقية لو وُجِدُوا، فذلك دليلٌ على أنَّ الأسرى قد سُوّيَ وضعهم قبل الحديبية حيث لم يرد في بنود المعاهدة٢ أيّ ذكرٍ عنهم، والله تعالى أعلم.

стр. 50

المطلب الخامس: سير الأحداث: في شهر رجب من السنة السادسة من الهجرة النبوية المباركة، كما يذكر ابن سعد١، وصلت إلى النَّبِيِّ ﷺ معلومات هامَّة عن تحركات مُعَادية تقوم بها امرأة من بني فزارة، ذات شأن فيهم، ومنْزلة ورئاسة يُقال لها أُمّ قرفة٢، يذكر الزهري عن عروة أنَّها: [٤] "قد جهَّزت ثلاثين راكباً من ولدها وولد ولدها، قالت: اقدموا المدينة فاقتلوا محمَّداً! فقال النَّبِيُّ ﷺ : اللهم اثكلها بولدها. وبعث إليهم زيد بن حارثة" ٣ ﵁ على رأس سرية، لم تذكر الروايات قوتها، ولكنها كانت على ما يبدو قليلة العدد. [٥] "فالتقوا بالوادي٤،وقُتِلَ أصحاب زيد"٥ ﵃ منهم:

стр. 51

[٦] "ورد بن مرداس١، وارتُثَّ٢ زيد بن حارثة من بين وسط القتلى"٣. [٧] "فلمَّا قدم زيد بن حارثة، نذر ألاَّ يمس رأسه غُسل من جنابة حتى يغزو فزارة، فلمَّا استبلَّ من جراحه بعثه رسول الله ﷺ في جيشٍ إلى بني فزارة"٤ فيهم سلمة بن الأكوع ﵁، ويقودهم أبو بكر الصّدّيق ﵁، فكمنوا النهار وساروا الليل، ومعهم دليل لهم كما يذكر الواقدي٥. قال سلمة ﵁: [٨] "فلمَّا دنونا من الماء٦أمرنا أبو بكر، فعرَّسنا٧، قال: فلمَّا صلَّينا الصُّبْح، أمرنا أبو بكر فشننا الغارة٨، فقتلنا على الماء

стр. 52

مَن قتلنا"١. [٩] "فكان شعارنا: أمت. أمت. قال: فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين"٢. [١٠] "وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلمَّا رأوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم٣ معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتَّى أتيت بهم أبا بكر"٤. ويجزم أهل المغازي أنَّ تلك المرأة هي أُم قرفة٥، وأنَّها قُتِلَت، وقُتِلَ بعض ولدها٦، وذكرت بعض الروايات أنَّها قُتِلَت قتلاً

стр. 53

عنيفاً١. [١١] "وأنه بُعِثَ برأسها إلى رسول الله ﷺ ، فأمر به فديرَ به في المدينة ليُعلم قتلها"٢. وهذه الروايات إسنادها ضعيف، وتعارضها الأحاديث الصحيحة التي تأمر بإحسان القتل، وتنهى عن المُثْلَة، كما أنه لم يثبت أنه حُمِلَ رأس أحد من الرجال أو من النساء إلى رسول الله ﷺ . قال سلمة بن الأكوع ﵁: [١٢] "فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوباً٣، فلقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال: يا سلمة هب لي المرأة. فقلت: يا رسول الله! والله لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوباً. ثُمَّ لقيني رسول الله ﷺ من الغد في السوق فقال لي: يا سلمة هب لي المرأة، لله أبوك٤، فقلت: هي لك يا رسول الله، فو الله ما

стр. 54

كشفت لها ثوباً، فبعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ففدى بها ناساً من المسلمين كانوا أسرى بمكة"١. ويذكر عروة أنَّ زيد بن حارثة ﵁ لمَّا قدم المدينة مع أهل السرية أقبل إلى رسول الله ﷺ [١٣] "قالت عائشة ﵂، ورسول الله ﷺ تلك الليلة في بيتي، فقرع الباب، فخرج إليه يجر ثوبه حتى اعتنقه، وقبَّله رسول الله ﷺ " ٢.

стр. 55

المطلب السادس: الأحكام المستنبطة، والدروس والعبر المستفادة: اشتملت هذه السرية على بعض الأحكام الفقهية، وبعض الدروس والعظات المفيدة التي يمكن استنباطها والإفادة منها. أولاً: الأحكام الفقهية المستنبطة: - حكم التنفيل من أصل الغنيمة: قال النووي: قوله: "فنفلني أبو بكر ﵁ ابنتها" فيه جواز التنفيل، وقد يحتج به مَن يقول التنفيل من أصل الغنيمة، وقد يجيب عنه الآخرون بأنه حسب قيمتها، ليعوض أهل الخُمس عن حصَّتهم١. وقد فصَّل ابن قدامة الحديث في النَّفل وأقسامه، وجعل هذا من القسم الثاني من أقسام النَّفل حيث قال: "القسم الثاني: أن ينفل الإمام بعض الجيش لغنائه وبأسه وبلائه، أو لمكروه تحمّله دون سائرالجيش، قال أحمد: في الرَّجُل يأمره الأميرُ يكونُ طليعةً، أو عندَه، يدفَعُ إليه رأساً من السَّبْي أو دابةً، قال: إذا كان رجلٌ له غَناءٌ، ويقاتل في سبيل الله، فلا بأس بذلك، ذلك أنفعُ لهم، يُحَرَّضُ هو وغيرُه، يُقاتلون ويَغْنَمون. وقال: إذا نفَّذ الإمامُ صَبِيحةَ المَغَارِ الخيْلَ، فيُصِيبُ بعضُهم، وبعْضُهم لا يأتي بشيءٍ، فللوالي أنْ يَخُصَّ بعضَ هؤلاء الذين جاءوا بشيءٍ دونَ هؤلاء. وظاهرُ هذا أنَّ له إعطاءَ مَن هذه حالُه من غيْرِ شرطٍ. وحُجَّةُ هذا حديث

стр. 56

سلمة بن الأكوَع، أنَّه قال: أغارَ عبدُ الرحمن بنُ عُيَيْنَة على إبلِ رسول الله ﷺ ، فتَبِعْتهُم - فذكرَ الحديثَ - فأعطاني رسولُ اللهِ ﷺ سهمَ الفارِسِ والرَّاجلِ. رواه مسلم، وأبو داود. وعنه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَّرَ أبا بكرٍ، قال: فبيَّتنا عَدُوَّنا، فقَتَلْتُ لَيْلَتئِذٍ تسعةَ أهل أبياتٍ، وأخذتُ منهم امرأةً، فنفَّلَنيها أبو بكرٍ، فلمَّا قَدِمْتُ المدينةَ، استوهبها منّي رسولُ اللهِ ﷺ ، فوهبتها له. رواه مسلم بمعناه١. - حكم التفريق بين الوالدة وولدها البالغ: قال الخطابي: "فيه دليلُ على جواز التفريق بين الأُمّ وولدها الكبير"٢. وقال النووي: "ولا خلاف في جوازه عندنا"٣. وقال ابن قدامة: "أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ التفريق بين الأُمّ وولدِها الطّفل غيرُ جائزٍ، هذا قول مالك في أهل المدينة، والأوزاعي في أهل الشام، والليث في أهل مصر، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي فيه. والأصل فيه ما رَوَى أبو أيوب قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ فرَّق بَيْنَ والِدَةٍ ووَلَدِها، فرَّق الله بَيْنَه وبَيْنَ أحِبَّته يومَ القيامةِ". أخرجه

стр. 57

الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ١. وقال النَّبِيُّ ﷺ : "لا تُوَلَّهُ والِدَةٌ عن وَلَدِها"٢. قال أحمد: "لا يُفَرَّقُ بيْن الأُمّ وولدِهَا وإنْ رَضِيَت. وذلك - والله أعلم - لِمَا فيه من الإضرار بالولَدِ، ولأنَّ المرأة قد تَرْضَى بما فيه ضَرَرُها، ثُمَّ يَتَغَيَّرُ قلبُها بعد ذلك فتندم"٣. - وقال النووي: "وفيه جواز استيهاب الإمام أهل جيشه بعض ما غنموه ليفادي به مسلماً أو يصرفه في مصالح المسلمين، أو يتألَّف به مَن في تألُّفه مصلحة، كما فعل ﷺ هُنا، وفي غنائم حنين"٤. - وقال أيضاً: "وفيه جواز قول الإنسان للآخر: للهِ أبوك، ولله درُّك"٥.

стр. 58

ثانياً: الدروس والعبر المستقاة: - أدب النَّبِيُّ ﷺ مع أصحابه، وعدم إرغامهم على فعل شيء أو بذل شيء دون طيبة نفس. - طاعة الصحابة ﵃ لنبيهم ﵊، وإيثاره على أنفسهم، وتجردهم من مغانم الدنيا ولذَّاتها في سبيل ذلك. - حرص النَّبِيّ ﷺ البالغ على المسلمين جميعاً، ورأفته بهم، ومحاولة التخفيف من معاناتهم، وفك أسرهم بأسرع وقت ممكن وبالسبل الممكنة والكفيلة.

стр. 59

المبحث الثاني: سرية زيد بن الحارث رضى الله عنه إلى حسمى (جذام) المطلب الأول: التعريف بحسمى ... المطلب الأول: التعريف بحسمى: حِسْمَى - بكسر الحاء المهملة، وسكون السين المهملة، وفتح الميم - مقصور على بناء فِعْلي، يجوز أن يكون أصله من الحسم، وهو المنع. قال ابن سيده: حِسْمَى موضع باليمن، وقيل: قبيلة جذام. وقال البكري: قال عنترة: سيأتيكم عني وإن كنت نائياً دخان العلندي دون١ بيتي مذود قصائد من قيل امرئ يحتديكم٢ وأنتم بحُسمى فارتدوا وتقلَّدوا يخاطب بني فزارة، فدلَّ على أنَّ حسمى من ديارهم، وفي رسم ومران: إنَّ حسمى من الجزيرة في شعر ابن أحمر: فلله من يسرى ونجران دونه إلى دير حسمى أو إلى دير ضمضم قال: ودير "حسمى"، ودير ضمضم بالجزيرة، فدل هذا التفسير، ودلَّ قول عنترة أنَّ حسمى موضع آخر في غير ديار جذام. وقال ابن السكيت: حسمى لجذام جبال وأرض بين أيلة، وجانب تيه بني إسرائيل

стр. 60

الذي يلي أيلة وبين أرض بني عذرة من ظهر حرة نِهْيا، فذلك كله حسمى، قال كثير: سيأتي أمير المؤمنين، ودونه جماهير حسمى قورها وحزونها١ وقال ابن الأعرابي: "إذا لم يذكر كثير غيقة فحسمى، وإذا ذكر غيقة فحسنا؟ "٢. وذكر ابن دريد وغيره: "أنَّ آخر ماء نضب من ماء الطوفان حِسْمى، ويُقال: إنَّ الماء بقي بحسمى بعد نضوب ماء الطوفان ثمانين سنة، وبقيت منه بقية إلى اليوم فهو أخبث ماء، فهو من مياه جذام، وهو الصحيح، وفيه أغار الهُنَيْد الصَّلعيُّ، وصليع بطن من جذام، على دحية الكلبي، وقد نزل وادياً من أوديته، يُقال له: شِيَار، وهو منصرف من عند قيصر، حين بعثه النَّبِيُّ ﷺ ، فكان ذلك سبب بعثه رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في سرية إلى حِسْمى، فأصاب من جذام، وقتل الهنيد بالفضافض"٣ من ديارهم.

стр. 61

وفي حديث أبي هريرة: "لتخرجنكم الروم منها كفراً كفراً إلى سُنْبُك١ من الأرض، قيل: وما ذاك السُّنْبُك؟ قال: حِسْمى جذام". وفي الحديث: "بشِّر ركيب السُعاة بقطعٍ من جهنَّم مثل قور حِسْمى " قال القتبي: وحسمى: بلد جذام. وقال في الصحاح: "حِسْمى أرض بالبادية غليظة لا خير فيها، تنْزلها جذام، وفيها جبال شواهق ملس الجوانب، لا يكاد القتام٢ يُفارقها". وفي أخبار المتنبي وحكاية سيره من مصر إلى العراق قال: حسمى أرض طيبة تؤدى لين النخلة من لينها، وتنبت جميع النبات، مملوءة جبالاً في كبد السماء متناوحة٣ملس الجوانب، إذا أراد الناظر النظر إلى قُلَّة أحدها قلَّ عنقه حتَّى يراها بشدة، ومنها ما لا يقدر أحد أن يراه ولا يصعده، ولا يكاد القتام يفارقها، ولهذا قال النابغة: فأصبح عاقلاً بجبال حسمى دقاق التُّرب محتزم القتام قال ياقوت: "واختلف الناس في تفسيره ولم يعلموه، ويكون مسيرة ثلاثة أيام في يومين، يعرفها مَنْ رآها مِن حيث يراها، لأنَّها لا مثل لها في الدنيا، ومن جبال حِسمى يُعرف ب "إرم" عظيم العلو، تزعم أهل

стр. 62

البادية أنَّ فيه كروماً وصنوبراً، وأهل تبوك يرون جبل حسمى في غربيهم وشرقيهم، وأرض حسمى بينها وبين وادي القرى ليلتان. قال ابن سعد: هي وراء وادي القرى. وقال محمَّد مرداد: "هي موضع وراء وادي القرى، متصل بالحجر تماماً من طريق الإبل، ولا يزال موجوداً للآن ومعروفاً، ومن تسلق أعلا نخلة في تبوك يرى جبل حسمى، وكذلك المتسلق لأعلى شجرة في العُلا أو المتسنم لأعلى ذروة في جبال وادي القرى يرى حسمى، وقد مررنا به في رحلتنا ولكننا لم نستطع تسلقه مع أننا أقمنا ب "حقل"، وأيلة أياماً عديدة، والسبب في ذلك راجع إلى كثرة العجاج وشدَّة الريح، إذ كلَّما عزمنا على تسنمه تشتد بنا الريح فنهبط قسراً، وقد ذكر حسمى أكثر من أربعين مؤرخاً ورحَّالة، ويزعم البدو الرُّحَّل وأهل الماشية هناك أنَّ بقمَّته وحشرجه مياه متعفّنة لا يقرب منها أحد"١.

стр. 63

المطلب الثاني: سبب السرية: أجمع أهل المغازي على أنَّ السبب الذي هاج هذه السرية إلى جذام هو ذلك الاعتداء السافر الذي تعرَّض له سفير النَّبِيّ ﷺ إلى هرقل وحامل كتابه إليه دحية بن خليفة الكلبي ﵁، بينما كان مقبلاً من عند هرقل الذي أجازه بمالٍ وكساه [١] "حتَّى إذا كان بوادي من أوديتهم، يُقال له: شِنَار١، أغار على دحية بن خليفة، الهنيد بن عوص، وابنه عوص بن الهنيد الضُّلعيَّان ٢، فأصابا كل شيء كان

стр. 64

معه"١. فلمَّا قدم دحية بن خليفة - رضي الله تعالى عنه - على رسول الله ﷺ أخبره الخبر

стр. 65

[٢] "فبعث رسول الله ﷺ إليهم زيد بن حارثة، وذلك الذي هاج غزوة زيد جذام"١.

стр. 66

المطلب الثالث: تاريخ السرية: أرَّخ لها الواقدي، وابن سعد بأنَّها كانت في جمادى الآخرة سنة ست من الهجرة١. وقطع به اليعمري٢، وقال به المقريزي٣، والشامي٤. وذكرها ابن خياط في سراياه ﷺ أنها كانت سنة سبع٥. وقال الحلبي: "وسببها أنَّ دحية الكلبي - رضي الله تعالى عنه - أقبل من عند قيصر ملك الروم، أي وكان ﷺ وجَّهه إليه بغير كتاب، وإلاَّ فإرساله إليه بالكتاب كان بعد هذه السرية، لأنه كان بعد الحديبية"٦. ولعلَّ الحلبي - رحمه الله تعالى - قال ذلك اعتماداً على روايتي الواقدي وابن سعد في تاريخ السرية، وقد ثبت من روايات أهل المغازي جميعاً، بما فيهم الواقدي، وابن سعد، أنَّ ذلك كان فعلاً هو سبب السرية، كذلك لم يذكر أحد من أهل المغازي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرسل دحية - رضي الله تعالى عنه - إلى هرقل ملك الروم مرَّتين، مرَّة بكتاب، وأُخرى بغير كتاب، بل الثابت كما هو في صحيح مسلم، وغيره:

стр. 67

[٣] "أنَّ نبيَّ الله ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كُلِّ جبار، يدعوهم إلى الله تعالى"١. وبعث تلك الكتب مع نفر من أصحابه - رضي الله تعالى عنهم، وكان منهم دحية بن خليفة الكلبي - رضي الله تعالى عنه، الذي بعثه إلى قيصر ملك الروم، وقد يكون ما ذكره الواقدي، وابن سعد في تاريخ هذه السرية، وَهَماً منهما - رحمهما الله تعالى - حيث جزم ابن القيم - رحمه الله تعالى - بأنَّها بعد الحديبية بلا شك٢. قال الزرقاني: "فتكون هذه السرية سنة سبع"٣. وقال العامري: "وذكر البخاري بعد غزوة خيبر غزوة زيد بن حارثة، وهي التي أغار فيها على جذام"٤. وقد مرَّ بنا في سرية زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - إلى وادي القرى ما ذكره ابن حجر - رحمه الله تعالى - في اعتقاده أنَّها هي مراد البخاري.

стр. 68

ولعلَّ ما جزم به ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كون هذه السرية بعد الحديبية، وما رجَّحناه سابقاً في سرية زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - إلى وادي القرى بأنَّها قبل الحديبية، وكذلك ترتيب البخاري لذكر سرية زيد - رضي الله تعالى عنه - بعد خيبر، وأيضاً قصة وفادة رفاعة إلى النَّبِيّ ﷺ ، وإهداؤه غلاماً له يُسمَّى مُدعم، والذي وقع في الصحيح أنه قُتِلَ في أثناء غزوة النَّبِيّ ﷺ إلى وادي القرى١. كُلُّ ذلك يؤيد رأي خليفة، والزرقاني، والعامري في كون هذه السرية بعد خيبر، أي: سنة سبع، والله تعالى أعلم.

стр. 69

المطلب الرابع: سير الأحداث: [٤] "قدم على رسول الله ﷺ في هدنة الحديبية قبل خيبر رفاعة بن زيد الجذامي ثُمَّ الضبيبي"١ في وفد من قومه بني الضبيب ومعه أخاه بعجة٢ [٥] "وأنيف٣، وحبان٤، ابنا ملة في اثنى عشر

стр. 70

رجلاً"١. [٦] "فأهدى رفاعة بن زيد لرسول الله ﷺ غلاماً يُقال له مدعم٢"٣. وأسلم وحَسُنَ إسلامه، وأسلم مَن كان معه، وعقد له رسول الله ﷺ على قومه وكتب له كتاباً فيه: [٧] "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب محمَّد رسول الله، لرفاعة بن زيد. إني بعثته إلى قومه عامَّة، ومَن دخل فيهم، يدعوهم

стр. 71

إلى الله وإلى رسوله، فمَن آمن ففي حزب الله، وفي حزب رسوله ﷺ ، ومَن أدبر فله أمان شهرين"١. فلمَّا قدم رفاعة على قومه أجابوا وأسلموا٢، وسألوا الوفد عن بعض ما أمرهم به رسول الله ﷺ ، فقال أنيف ابن ملّة: [٨] "أمرنا أن نضجع الشاة على شقها الأيسر ثُمَّ نذبحها ونتوجه للقبلة ونُسمي الله"٣. ثُمَّ ساروا إلى الحرَّة حرَّة الرجلاء٤ فنَزلوها٥.

стр. 72

ثُمَّ إنَّ حبَّان بن ملة: [٩] "صحب دحية الكلبي لما مضى بكتاب رسول الله ﷺ إلى قيصر"١. فتعلَّم منه أُم الكتاب٢. [١٠] "ثُمَّ لم يلبث أن أقبل دحية الكلبي من عند قيصر حين بعثه رسول الله ﷺ حتى إذا كان بوادٍ من أوديتهم، يُقال له شنان٣ ومعه تجارة له"٤ - وكان هرقل قد أجازه بمالٍ وكساه كسىً، كما يذكر الواقدي، وابن سعد - ٥ أغار عليه الهنيد بن عارض الضُليعي، وابنه عارض في ناس من جذام، فقطعوا عليه الطريق، وأصابوا كل شيء معه: [١١] "فبلغ ذلك قوماً من الضبيب رهط رفاعة بن زيد مِمَّن كان أسلم وأجاب، فنفروا إلى الهنيد وابنه فيهم من بني الضبيب النعمان بن أبي جعال"٦.

стр. 73

[١٢] "في عشرة نفر، وكان نعمان رجل الوادي ذا الجلد والرماية"١ حتى لقوا الهنيد ومن معه فاقتتلوا، وكان قتالاً خاطفاً بالسهام والحجارة حيث: [١٣] "رمى قرة بن أشقر الضليعي النعمان بن أبي جعال بحجر فأصاب كعبه وأدماه، وقال: أنا ابن أثالة، ثُمَّ رماه النعمان بن أبي جعال فأصاب ركبته"٢ إصابة بالغة أثبتته. [١٤] "فاستنقذوا ما في أيديهم فردوه إلى دحية، وساعده حبَّان بن ملَّة"٣. [١٥] "ثُمَّ إنَّ دحية قدم على النبي ﷺ فأخبره خبرهم"٤. [١٦] "فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، وبعث معه جيشاً"٥. يذكر الواقدي، وابن سعد أنَّهم كانوا حوالي خمسمائة

стр. 74

رجل١، وردَّ معه دحية: [١٧] "فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل من بني عُذْرة٢، فأقبل بهم الدليل من ناحية الأولاج٣، حتى هجم بهم مع الصبح على القوم فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم فأوجعوا، وقتلوا الهنيد وابنه، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم٤ونسائهم، فأخذوا من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، ومن السبي مائة من النساء والصبيان"٥. [١٨] "فلمَّا سمعت بذلك بنو الضُّبيب، والجيش بفيفاء مدان٦، ركب نفر منهم، وكان فيمن ركب معهم: حبّان بن ملّة على فرسٍ لسويد بن زيد، يُقال لها العجاجة، وأنيف بن ملّة على فرسٍ لملّة يُقال لها رغال، وأبو زيد بن عمرو على فرس يُقال لها شمر،

стр. 75

انطلقوا حتى إذا دنوا من الجيش، قال أبو زيد، وحبان، لأنيف ابن ملّة: كُفَّ عنا وانصرِف فإنَّا نخشى لسانك، فوقف عنهما، فلم يَبْعُدا منه حتى جعلت فرسه تبحث بيديها وتوثب، فقال: لأنا أضنّ بالرجلين منك بالفرسين، فأرخى لها حتى أدركهما، فقالا له: أما إذا فعلت ما فعلت فكُفَّ عنَّا لسانك، ولا تشأمنا اليوم، فتواصوا ألاّ يتكلَّم منهم إلاَّ حبَّان بن ملّة، وكانت بينهم كلمة في الجاهلية قد عرفها بعضهم من بعض، إذا أراد أحدهم أن يضرب بسيفه قال: بُورِي أو ثُورِي؛ فلمَّا برزوا على الجيش، أقبل القوم يبتدرونهم، فقال لهم حبان: إنَّا قومٌ مُسلمون، وكان أوَّل مَن لقيهم رجل على فرسٍ أدهم، فأقبل يسوقهم، فقال أُنيف: بُوري، فقال حبَّان: مَهْلاً، فلمَّا وقفوا على زيد بن حارثة قال حبان: إنَّا قومٌ مسلمون، فقال له زيد: فاقرءوا أُمّ الكتاب، فقرأها حبَّان، فقال زيد بن حارثة: نادوا في الجَيْش أنَّ الله قد حرَّم علينا ثُغْرَة١ القوم التي جاءوا منها إلاَّ مَن خَتَر٢. وإذا أخت حبان بن ملَّة، وهي امرأة أبي وَبْر بن عدي ابن أُميَّة ابن الضبيب في الأُسارى، فقال له زيد: خُذْها، وأخَذَت بحقويه٣، فقالت أُم الفِزر الضُّلعية: أتنطلقون ببناتكم وتَذَرون
следующие страницы →